البطل الجسور الشهيد "يوسف طلعت"

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
البطل الجسور الشهيد "يوسف طلعت"
1332 – 1374هـ = 1914 – 1954م


يوسف طلعت في سطور

هو الأخ الكريم، والمجاهد الصادق، والجندي الملتزم، والبطل الجسور (يوسف عز الدين محمد طلعت)، من مواليد مدينة الإسماعلية بمصر، في شهر أغسطس سنة 1914م.

تميز بالجرأة، والحنكة والدهاء، وهدوء الأعصاب، والصبر، وطول النفس في مصاولة الأعداء.

لقد تعرف على الإمام الشهيد حسن البنا عام 1936م، ومنذ ذلك الوقت ارتبطت حياته برسالة الإسلام الحق، التي يحمل لواءها الإخوان المسلمون، وكان الاهتمام في ذلك الوقت لدى الإخوان بقضية فلسطين، وجهاد الشعب الفلسطيني، وضرورة مؤازرته، والوقوف إلى جانبه بالدعم المالي، وتزويده بالسلاح، وتدريب أفراده، والتعريف بقضيته لجماهير الشعب المصري.

درس يوسف طلعت، وحصل على كفاءة التعليم الأولى، ثم عمل نجارًا، ثم تاجرًا للمحاصيل الزراعية، حتى تفرغ للدعوة، حيث كان له نشاط كبير، مع رفيق الكفاح والجهاد الشيخ (محمد فرغلي)، فما كانت تحدث حادثة في أسوان أو الإسكندرية، أو القاهرة إلا ويعتقل يوسف طلعت، ومحمد فرغلي.

وفي يوم حزين من أيام ديسمبر عام 1954م أعدم الشهيد (يوسف طلعت).

حسن البنا وعائلة يوسف طلعت

يوم أن حلّ حسن البنا مدرسًا في الإسماعيلية كانت المدينة بما حولها من معسكرات الاحتلال البريطاني تئن متوجعة تحت ضربات الاستعمار بمفاسده، ومآثمه، وأقذاره، ووجهه القبيح، الذي كان يشوه ملامح الكرامة، والعزة، والإباء عند الأحرار.

كانت المدينة يسيطر عليها (روح الخواجات)، روح كادت أن تقطع صلتها بأصالتها، وتاريخها، وقيمها.

وفي هذا الأثناء بدأ الإمام الشهيد حسن البنا تلقين تلاميذه مع دروس العلم، دروس الكرامة والعزة، وبدأ يعلم الكبار والصغار معًا دروس العقيدة السليمة، والعبادة الجادة، والعمل المثمر، والسلوك القويم، حتى بدأت بذور الإسلام تنبت في أرض كان قد حل بها الجفاف، ونفوس كان قد سيطر عليها الجفاء.

وافتتح (حسن البنا) أول دار لدعوته في الإسماعيلية، وكان يوسف طلعت من أوائل الذين أمّوها، وترددوا عليها.

وكوّن حسن البنا أول فريق للجوالة، وكان يوسف من أوائل أفراده، وبين الحين والحين كان حسن البنا يقيم كتائب للعبادة، والذكر، والتهجد في الدار، وكانيوسف يحرص على ألا تفوته منها واحدة، حتى إن أباه كان يقفل باب دارهم، فيقفز يوسف من أسوارها؛ ليصل إلى أستاذه.

وعلى يد حسن البنا عرف يوسف الإسلام صافيًا من نبعه، نقيًا على فطرته، كاملًا لايتجزأ، صلاة، وتجارة، جهادًا- في سبيل الله- لا ينقطع.

ويقول إخوة يوسف: إن أباهم ظل في بادئ الأمر يحول بشتى الطرق بينيوسف - وكان في سن السادسة عشرة تقريبًا- وبين كتائب حسن البنا، ولقاءاته، حتى رأى في نومه الإمام حسن البنا ضاحكًا معاتبًا، فسعى إليه في اليوم التالي يسأله الانضمام إلى جماعته، وأن يقبل منه اشتراكه.

وتعلقت الأسرة كلها بحسن البنا الداعية المسلم، رأوا فيه الفهم فاتبعوه، والإخلاص فأحبوه، والتجرد فسلكوا طريقه.

ومن دلائل إيمان هذه الأسرة بسمو دعوة حسن البنا وجهاده، أن أم الشهيد يوسف طلعت وضعت صورة الإمام البنا في فناء منزلهم، تحدت بها قوى الشر في كل المحن التي تعرض لها يوسف، وتعرضوا لها مع يوسف.

وطوال هذه المحن حاول من فتشوا دارها، واعتقلوا أبناءها، أن يرفعوا هذه الصورة من مكانها، فكانت تأبى إلا أن تعيدها؛ اعترافًا بجهاد حسن البنا، وتقديرًا لدوره في الإسماعيلية، وعرفانًا بفضله في تربية الناس على الإسلام الصحيح والجهاد الكريم.

يوسف طلعت على درب الجهاد والدعوة

في سنة 1936م بدأيوسف يُعرف عند الجهات الرسمية، كانت ذكرى وعد بلفور، وتصادف أن اليوم كان يوم جمعة، وبعد الصلاة همّ الناس بالانصراف، فوقف يوسف فيهم خطيبًا، يصرخ من أعماق قلبه "المسلمون نيام، وفلسطين تحترق" وهتف مكبرًا، واندفع إلى باب المسجد، والجمع خلفه في أكبر مظاهرة عرفتها الإسماعيلية، تندد باليهود، وبالحكام العرب، وكان حدثًا غريبًا، ولكنها بذور الإسلام نبتت على يد البنا، فنفضت عن المدينة لباس الخمول، وقوضت عوامل الاستسلام والخنوع.

واعتقل يوسف طلعت وبعض إخوانه، وكان أول اعتقال له، وأفرج عنهم بكفالة بعد خمسة عشر يومًا، وتسابق أهل الإسماعيلية يدفعون عنهم الكفالة.

ورأى قاضي الإحالة المشهد، فبكى متأثرًا، وأقسم أن يدفع الكفالة من جيبه، ثم أعلن انضمامه إلى الإخوان المسلمين.

وبعد هذه المظاهرة، ما كانت تحدث حادثة في أسوان أو الإسكندرية أو القاهرة، أو أي بقعة من القطر إلا ويعتقل يوسف طلعت في الإسماعيلية ومعه رفيق الكفاح والجهاد الشيخ الشهيد محمد فرغلي.

وتفتحت أنظار البوليس على نشاط الإخوان في الإسماعيلية، وتفتحت عيون المخابرات الإنجليزية، واستيقظ القصر؛ ليسجل على المجاهدين حركاتهم وسكناتهم.

واعتبر الجميع يوسف طلعت، ومحمد فرغلي مسئولين، أو مشاركين في كل عمل موجه ضد حكومات القصر، وضد الاستعمار في أي جزء من أرض مصر.

وزادت تحركات الإخوان المسلمين ضد القصر، وحكوماته، وضد الإنجليز، وجرت أول محاولة لاغتيال يوسف طلعت بتدبير من القصر الملكي، ولكن الذين نفذوها أخطأوا الهدف، فقتلوا أحد الباكستانيين، والذي كان على شبه كبير بيوسف طلعت.

ووسّع يوسف طلعت من نشاطه في الإسماعيلية، وكان على صلة طيبة بكل القيادات السياسية في المحافظة.

واستطاع أن ينتزع الشباب من بين صفوفهم، ويصقلهم على الإسلام. وكان يقيم كل شهر استعراضًا للجوالة يطوف به كل شوارع المدينة، وخاصة الشوارع التي كان يسكنها الأجانب، وكان يقول: "إن ذلك أفضل من كثير من الخطب السياسية التي يكتفي بها الزعماء، وهم يطالبون بالجلاء، وطرد المستعمر".

وشاركيوسف في إنشاء مزرعة الإسماعيلية؛ مساهمة في إصلاح الأرض، وتوفير المحصول، وكمكان طيب للاعتكاف، والعمل، والعبادة.

وجمع السلاح لمحاربة الإنجليز في القناة بكافة الطرق والوسائل، وترك مهنة النجارة، وعمل في تجارة المحاصيل الزراعية، وتفرغ للدعوة، وكانت حرفته الجديدة تساعده على الانتقال والحركة، وجاب المحافظة كلها، وعرف كل أبنائها، وقراهم، ودورهم، وأنشأ الكثير من الشُعب، ووثّق الروابط بين الناس.

ومن خلال ذلك كان جمع السلاح سهلًا ميسورًا من معسكرات الاستعمار؛ لمحاربة الاستعمار بشتى صوره، وأشكاله.

وتتبعه رجال المخابرات البريطانية، يرصدون حركاته، ومع ذلك خدعهم كثيرًا، وسخر منهم.

كان يومًا يحاول نقل كمية من البنادق، فوضعها في جوالين من التبن، وحملها على جمل، وتنكّر في ثياب ريفية، وأحاطت به، وهو في طريقه – مجموعة من الشرطة العسكرية، وسألوه عن جهته، فأجابهم بأنه يقيم في المنطقة، ومعه تبن لماشيته، وصار يربت - في رباطة جأش – على رقبة بعيره، فانصرف رجال العدو، وغيّر يوسف من وجهته، ووصل بحمولته.

يوسف طلعت وفلسطين

كان الإسلام وطنه، ومنذ سنة 1936م، وقلبه يقطر أسىً، وحزنًا من أجل فلسطين.

ومع مقدم عام 1948م وجد المجاهدون أنه لابد من سلاح وفير، وذخيرة كافية؛ لمكافحة اليهود.

ورأى يوسف طلعت، ومجموعة من إخوانه ضروة تصنيع السلاح، وتخزينه، بالإضافة إلى ما يستولون عليه من العدو الإنجليزي.

ووضع مشروع ورشة ومخزن لصنع السلاح وتخزينه، إلا أن مخزنهم ضُبط يومًا بمعرفة السلطات المصرية.

ودهش خبراء المفرقعات حين شاهدوا أن ماصنعه الإخوان من سلاح؛ لمحاربة اليهود، يملأ عربة كاملة، إلا أن هؤلاء الخبراء حين عرفوا نبل المقصد، وسمو الغاية كتبوا في تقريرهم أن السلاح لا يصلح للاستعمال، ولا يشكل خطرًا، ورصد الإنجليز الأمر، وكان لهم فيه رأى آخر.

وكان يوسف يقظًا، مفتوح العينين على الاستعمار وجواسيسه، ومعروفة قصة ذلك (الخواجة) الذى كان يتستر تحت اسم تاجر روائح، ويعمل في متجره مجموعة من الفتيات الجميلات، وكان يتجمع عنده كثير من ضباط الجيش والبوليس المصريين، وغيرهم من أهل المدينة.

وتتبع يوسف وإخوانه أمره، فعرفوا أنه يهودي خطر، ويتعامل مع الاستعمار واليهود، وكان له جزاؤه الذي يليق به، مما أذهل مخابرات الإنجليز، وأربك خططهم.

وبلاء يوسف طلعت في فلسطين معروف، ومشهور أنه أول من سارع مع فريق من إخوانه إلى فلسطين سنة 1948م.

خرج هو وإخوانه من الإسماعيلية إلى معسكرات النصيرات، يحملون زادهم، وما معهم من سلاح، وبدأوا مهاجمة المعسكرات اليهودية.

وكان اليهود يفضلون الانسحاب من أي معركة يكون الإخوان المسلمون طرفًا فيها.

وأصيب يوسف في يده يومًا، فخاط جرحة بخيط عادي، وإبرة من إبر الحياكة، وأخذ إجازة من الميدان طاف فيها القطر مع الإمام الشهيد البنا يواسي أسر الشهداء، ويجمع السلاح للمجاهدين، ثم عاد إلى الميدان.

وأعوزته حاجة الجهاد إلى السلاح، فصنع مدفعًا من (الخردة) بيده، وقاد معركة دير البلح التي استشهد فيها اثنا عشر أخًا من الإخوان، وعقدت الهدنة؛ لتسليم الجثث، وحضرها قائد إنجليزي، فتفقد جثث شهداء الإخوان، فوقف مذهولًا عندما لاحظ أنهم جميعًا مصابون في صدورهم، ودار نقاش علم منه أن من صفات المؤمنين أن يقبلوا في المعارك، ولا يولّون الأدبار، ويقال إن القائد الإنجليزي قال: "لو أن عندي ثلاثة آلاف من هؤلاء لفتحت بهم الدنيا".

وقاد يوسف قافلة، اخترق بها خطوط اليهود؛ ليصل بالإمدادات إلى قوات الجيش المصري المحاصرة في (الفالوجا).

واعتقل يوسف في فلسطين، وجرد من سلاحه، كما جرد المجاهدون من إخوانه.

ومرت الأيام، ونزل يوسف (الطور) منفيًا مع من نزل، وفي الطور كان هناك معتقلون من اليهود، كانوا يعاملون أفضل معاملة، بينما المسلمون من أبناء البلد يضيق عليهم الخناق، ويعيشون في الحرمان، وأجواء التعذيب.

يقول الدكتور الشرباصي في كتاب (مذكرات واعظ أسير):

"من الأحداث التي وقعت اليوم 25 إبريل سنة 1949م أنني رأيت مئات من الرجال والنساء والولدان، يمرون على أمتار من أسوار معسكرنا الشائكة، متجهين إلى الملحق الثاني المخصص لليهود، وقيل لي إنهم زوار اليهود، وأصدقاؤهم وأهلهم جاءوا ليسعدوا برؤيتهم وزيارتهم، وإمدادهم بالطيبات، وسألت: هل لنا مثل هذه الزيارات نحن المسلمين المصريين أهل الديار؟ قال محدثي: "ستريك الأيام كل عجيب" وطالت زيارتهم، وطال صياحهم وضحكهم، وقرعت أسماعنا أغانيهم التي يرددونها بالعبرية عند اللقاء، وعند الوداع، كنا نرى كل ذلك ونشاهده ونحسه، فنأسى ونتألم وتنفطر أكبادنا حسرة على بلاد ضلّ ولاتها، فجعلوها جنة للأعداء، وجحيمًا للأبناء".

يوسف طلعت في معارك القنال

خرج يوسف من المعتقل، فما هدأ، ولا أخلد إلى الدعة، بل ظل في طريق الكفاح، يهاجم المعسكرات الانجليزية، ويستولي على السلاح، ويحرض الشباب على خوض المعارك ويجمع كل المعلومات عن العدو.

حاصر الإنجليز الإسماعيلية أكثر من مرة يفتشون عن يوسف وعن الشيخ فرغلي، وخرج ذات مرة قبل أن يداهموا منزله يحمل طفلًا رضيعًا، فظنه الإنجليز عجوزًا مسنًا، فأمروه بالابتعاد مع المبتعدين، فتسلل في الظلام، وحين أبلغ الواشون الأمر لأسيادهم الإنجليز كان يوسف قد اختفى.

وجاء الليل الدامس، ليعود يوسف مهاجمًا للمعسكرات فاتكًا بجنود العدو، مستوليًا على سلاحه.

جفف الإنجليز ذات يوم ترعة الإسماعيلية، ففوجئوا بجثث جنودهم تملأ قاعها، وأمام قسم البوليس جمعوا ثمانين جثة، ووضعت صور للشيخ فرغلي، ويوسف طلعت في كل مكان، ورصدت لرأسيهما المكافآت، أحياء أو أمواتًا.

وفي 9 يوليو سنة 1953م اختفى أحد رجال الطيران الإنجليز، ويُدعى (رجون)، فوجه الجنرال (فيستنج) قائد القوات البريطانية في مصر إلى وكيل محافظة الإسماعيلية بواسطة أحد ضباطه إنذارًا ! لقد أمرنا الجنرال (فيستنج) أن يهتم اهتمامًا بالغًا بحادث اختفاء أحد رجال الطيران المدعو (رجون) في 9 يوليو، وإني أبلغكم أن الجنرال يحتفظ لنفسه بحق اتخاذ أي إجراء يراه ضروريًا إذا لم يعد هذا الجندي مباشرة إلى السلطات البريطانية، وإذا لم يعد هذا الرجل في موعد أقصاه التاسعة من صباح الاثنين 13 يوليو، فستتخذ الإجراءات الشديدة التي من شأنها إحداث حالة ذعر خطيرة تمس المدنين المصريين في الإسماعيلية ".

وفي 14 يوليو سنة 1953م نشرت الأهرام: "أدلى الشيخ محمد فرغلي رئيس الإخوان بمنطقة القنال بالتصريح التالي: إن العمل الذي أقدمت عليه القوات البريطانية بالمدينة هو اعتداء على كرامة مصر، ودليل واضح على أن البريطانين قد فقدوا أعصابهم، فهم يتعجلون الكارثة، ويسرعون بالدخول في نزاع حاد سينتهي لا محالة بجلائهم عن المنطقة، وأرى أنه من دلائل إفلاس الساسة البريطانيين أن يتركوا الأمر في هذه الظروف لبعض العسكريين، وإذا لم يسارع المسئولون منهم بالانسحاب من المدينة، والتعجيل بوقف هذه التصرفات الطائشة؛ فإن ذلك سيحملهم خسائر فادحة، ونحن قادرون ـ بفضل الله ـ على تصفية الاستعمار البريطاني في هذه المنطقة، وسنختار الوقت الذي نضرب فيه الضربات الحاسمة، وعلى الرغم من التحدي الواضح من جانب البريطانيين فإننا نملك زمام أنفسنا، وأعصابنا أقوى من أعصابهم، وعزائمنا أمضى من عزائمهم، وسننتصر عليهم ـ بإذن الله ـ والله من ورائهم محيط.

وقد ذكرت جريدة الأهرام حينئذ أن الموظفين البريطانيين فوجئوا بنشرات مطبوعة باللغة الإنجليزية قد وصلتهم في مكاتبهم تحمل تصريحات الشيخ فرغلي.

ووسط حشود الإنجليز خرج ركب بسيط من الشيخ فرغلي، ويوسف طلعت طافا شوارع الإسماعيلية في عربة جيب، ليعلنا للمسئولين المصريين في المدينة أمام القائد الإنجليزي وقفة الإخوان المسلمين ضد الاحتلال وقواه وتصرفاته، وينذرا الإنجليز بالانسحاب من الإسماعيلية وإلا حشد الآلاف من المجاهدين؛ لخوض معركة فاصلة، فانسحب الإنجليز من شوارع المدينة.

كان يوسف طلعت مجاهدًا جريئًا شجاعًا يحمل روحه على كفه، ويحلم بالشهادة.

ففي فلسطين انقلبت به وبإخوانه عربة، واستشهد من معه، وظل يوسف حيًا، فجلس يبكى، ويقول: لقد سبقوني بالشهادة، وفاز بها قبلي من كان لا يخشى الموت ولا يهابه.

كان يوسف طلعت عفيف النفس، صادق الإيمان، عرض عليه الكثير؛ ليترك موقعه، ويحيد عن طريقه، فرفض، وكان يقول: إن الإسلام يجري في عروقي مجرى الدم.

يوسف طلعت المحكوم عليه بالإعدام

تأزم الموقف بين الإخوان، والحكومة العسكرية في يناير، وتتابعت الأزمات، واشتدت في أكتوبر عام 1954م بعد افتعال حادث المنشية الذي دبره عبد الناصر بتخطيط المخابرات الأمريكية، واقتراحها؛ للتخلص من الإخوان، كما ذكر ذلك حسن التهامي في مذكراته، وهو من أعوان عبد الناصر ومسئولي المخابرات عنده.

وسمع يوسف طلعت بالحادث من إخوانه فقال على الفور: "عملها عبد الناصر"؛ لأنه لو كانللإخوان صلة بالحادث، لكان يوسف طلعت أول من يعرف به، باعتباره رئيس النظام الخاص في الجماعة.

وسوف تثبت الأيام أن الإخوان المسلمين لم يكونوا في يوم من الأيام من المتآمرين في الظلام.

وقيل إن يوسف طلعت قد اعتقل في بيت كان ترسانة من الأسلحة، ولكن الثابت أن يوسف قد اعتقل في بيت لم تكن فيه قطعة سلاح.

وقد رصدت مكافآت لمن يقبض على يوسف، ومع ذلك كان يخرج من مقره يؤم المساجد، ويصلي الجماعة، ويحرص عليها.

وعذب يوسف إلى أن أصيب بكسر في عموده الفقري، وكسر في ذراعه، وشروخ في جمجمته، وشوه جسمه، وكان يؤمر بتعذيبه بين جلسات المحكمة، وطلب أكثر من مرة من جمال سالم رئيس المحكمة كرسيًا؛ ليجلس عليه، فكان يسأله في تبجح: لماذا؟ ألا تستطيع الوقوف؟ فيرد يوسف في إباء: اسأل نفسك.

وكان جمال سالم يحاول أن ينال منه، فظن أن في حرفة النجارة فعالة، فسأله: ماذا تعمل؟ فأجاب: نجار، فقال جمال سالم: كيف تكون رئيس جهاز فيه أساتذة الجامعة، وأنت نجار؟ فأجاب لقد كان سيدنا نوح – عليه السلام – نجارًا وهو نبي، فكبت جمال سالم وسكت.

ورغم التعذيب والعذاب وقف يوسف وقفة السابقين من السلف فما وهن وما ضعف، وكانت مكافأته على جهاده وبذله وتضحياته الحكم عليه بالإعدام شنقًا!! وتقبله راضيًا، فرحًا، مستبشرًا.

وكانت أمه قد سألته أن يدعو على من ظلمه، فقال: يا أماه لا ندعو على أحد، بل ندع للناس بالهداية.

ودعوا أمه لمقابلته قبل التنفيذ، فدخل عليها ضاحكًا فرحًا وسألها الناس عن شعورها، فقالت: كنت فرحة لفرحه، وكأنه يرى شيئًا لا أراه، وهو به سعيد، وكان يقول لي: يا أماه شهادة نلتها، وقد لبثت طوال عمري أتمناها"

وعند تنفيذ حكم الإعدام، حوصرت المنطقة بالدبابات، والمصفحات، وفي طريقه (فك رباط ملابسه، فأبى إلا أن يربط من جديد، ليتأكد من لقاء ربه، وهو في ستر)

وعلى المشنقة قال: "اليوم أقابل ربي هو عني راض، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، اللهم سامحني، وسامح من ظلمني".

وفي يوم حزين من أيام ديسمبر سنة 1954م، دخلت الإسماعيلية مصفحتان تحملان جثماني الشهيدين "يوسف طلعت، والشيخ محمد فرغلي"، ومنعوا الناس من السير في جنازتهما، فأقفلت الإسماعيلية أبوابها، ونوافذها، وخيم عليها الحزن.

أصداء إعدام الشهيد يوسف طلعت

اعتملت في النفوس ثورات الغضب، والاستنكار من أجل يوسف طلعت، والشيخ فرغلي، بل من أجل كل شهيد دافع عن شيوخها ونسائها وأطفالها، وذاد عن أعراضها.

لم تستطع قوى الاحتلال أن تنال منه، وقد أحال أيامها على شط القنال جحيمًا.

وفي اليوم الحزين عاد في كفنه، لا بيد الإنجليز، ولا بيد اليهود، وعلي قبر يوسف وضعت نقطة حراسة ثابتة.

وذات يوم سعى عاجز ضرير لم يستطع أن يقاوم شعورًا في داخله، سعى إلى قبر الشهيد؛ ليقرأ عليه آيات من القرآن؛ فجلدوه على القبر.

وبين الحين والحين كان أفراد من المدينة يولون الوجهة إلى قبره، يدفعهم الحنين أكثر مما يمنعهم الخوف، والإرهاب، فكانوا يعتقلون، ويرحلون إلى السجن الحربي، أو القلعة، أو سجن مصر.

شهور ستة كاملة، والحراسة على قبره.

ومضى يوسف بعد أن سطر على صفحات تاريخ مصر، وفلسطين سطورًا هي قصة الكفاح الصحيح، والجهاد المشرق، والبذل بالمال والنفس.

المراجع

1) من أعلام الحركة الإسلامية للمستشار. عبد الله العقيل.

2) مذكرات واعظ أسير للدكتور الشرباصي.

3) مجلة الدعوة عدد الخامس – السنة الخامسة والعشرون (379) ذو القعدة 1396هـ- نوفمبر 1976م.

المصدر