التغطية الإعلامية لأحداث غزة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٢١:١٣، ٨ يناير ٢٠١٢ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
التغطية الإعلامية لأحداث غزة


مقدمة

لم أعرف أين هي الدقة والأداء المتميز كما جاء الوصف من قِبَل بعض الفضائيات العربية والغربية لأداء عصابات جيش الاحتلال الصهيوني في الضربات الجوية الموجهة والحرب الشاملة ضد قطاع غزة الصابر المحاصر! ولا نعرف أين تكمن البطولة في القصف الجوي ضد قطاع غزة الذي ابتكر بطولاته من مصادره المحلية؟! وأين البطولة في قصف عشرات المساجد، والآلاف من منازل المواطنين والمختبرات الطبية والمدارس والجامعات؟ في هذه العجالة رصد لما جرى تناوله على الساحة الإعلامية في حرب الوكالة التي تقودها دولة الاحتلال ضد القوى الإسلامية والوطنية في قطاع غزة.


الإعلام الصهيوني ذراع الجلاد

التغطية-الإعلامية-لأحداث-غزة.jpg

تخلَّى هذا الإعلام عمَّا كان يردِّده من مفاهيم الليبرالية وحرية الرأي وما يتبعها من حيادية وموضوعية كان يحاول التخندق بها وخِداع العالم دائماً من خلالها؛ ففي حرب غزة انكشف الوجه القبيح للعنصرية الصهيونية، وقدمت الوسائل الإعلامية الصهيونية كافة إعلاماً غلبت عليه فنون الدعاية وألاعيب الحرب النفسية. وقبل الحرب الأخيرة على غزة مهَّدت وسائل الإعلام الصهيوني إلى مشاهديها وقرَّائها بأن حدثاً جللاً سيحدث خلال الفترة القادمة - وهو ما حصل فعلاً - رداً على ما تزعمه من تهديدات لصواريخ القسام.

وقد نشرت كبريات الصحف العبرية (معاريف، ويدعوت أحرنوت، وهآرتس) عناوينها باللون الأحمر قبل بدء الحرب وبعدها، وترافق هذا الأمر مع تصريحاتٍ للسياسيين الصهاينة بأن صبر دولتهم بدأ ينفد من جراء تواصل هجمات حركة حماس - كما يدَّعون - ضد المدنيين، ورافقت وزيرة الخارجية الصهيونية (تسيبي لفني) ممثلين لعدد 60 دولة في جولة على جنوب فلسطين المحتلة أكدت خلالها على ضرورة أن تدعم القوى الدولية التحركات الصهيونية ضد قطاع غزة.

كما جنَّد الصهاينة أطقماً إعلامية استغرق تدريبها أشهراً طويلة لتكون جاهزة للمعركة، وقد أكَّد ذلك البروفيسور (دوف شنعار) المحاضر في جامعة بن غوريون في بئر السبع والذي قال في تصريح لوكالة (فرانس برس): «إن إسرائيل تعلمت من تجاربها السابقة استخدام العلاقات العامة ووسائل الاتصالات للتوجه إلى الدبلوماسيين؛ لتعريف العالم أسباب الحملة العسكرية وتفاصيلها».

وبعد اندلاع العمليات العسكرية غيَّــب هذا الإعــلام - الذي يُعدُّ بحق ذراع الجلاد - الصوتَ الآخر، وأخفى صور مَنْ قتلتهم تلك العمليات من المدنيين والنساء والأطفال، كما أخفى صور المناطق التي أصابها القصف، لا بل وزَّعت وزارة الخارجية الصهيونية كراساً وُصِفَ بالكراس الإلزامي على جميع المتحدثين الصهاينة، وطالبتهم الالتزام بمضامين هذا الكراس الذي يؤكد في نهاية المطاف مسؤولية حماس عمَّا يجري في قطاع غزة. كما يؤكد الكراس أن سكان قطاع غزة ليسوا أعداء للدولة الصهيونية.

والحقيقة التي لا تقبل مجالاً للشك أن كل ما في غزة هدف لطائرات ودبابات وبوارج آلة القتل الصهيونية.

إن عمل الإعلام الصهيوني هو رديف للعمل السياسي والعسكري، فقد نشرت صحيفة (يدعوت أحرنوت) على صفحتها الأولى العنوان التالي «على خط النار». ولم تكن صحيفة (هآرتس) بأقل تحريضاً على مواجهة قطاع غزة؛ فقد نشرت في افتتاحيتها مقالاً لتحضير الرأي العام العالمي في حالة تجاوزت حالات قتل الفلسطينيين العدد المقبول وَفْق التوجهات العالمية، فكتب (يونيل ماركوس) تحت عنوان «رعد بدون برق»: «من المهم أن يكون لدى إسرائيل تأييد عالمي لكل عملية تقررها؛ فالتجربة تؤكد أنه في أية عملية عسكرية داخل التجمعات المدنية تثير علينا العالم كــله؛ خاصــة إذا ما أصيب نساء وأطفال».

لقد اتضح من سطوة ظهور رجالات الحرب الصهاينة أنهم أصمُّوا آذان العالم، وكتموا أفواه الكثيرين؛ فلا أحد منهم يحتجُّ حتى على جريمة الحصار برسالة أو تصريح، ولكنَّ التاريخ يؤكِّد أنَّ كلَّ من يسكت عن جريمة قتل المدنيين العُزَّل هو شريك في مؤامرة الصمت. الصمت عمَّا يجري ضدَّ المدنيين العُزَّل في غزَّة ليس مؤامرة فقط، وإنما هو مشاركة في جريمة الإبادة ذاتها.


الإعلام الأمريكي وقَلْب الحقائق

لا ينكر من يتابع الإعلام الأمريكي أنه إعلام يركِّز اهتمامه على الشــأن المحلي الأمريكي بدرجة كبيرة حتــى لو كان قضية في ولاية صغيرة من الولايات الأمريكية. وفي أحداث غزة كشف مركز أبحاث (بيو) - وهو مركز أمريكي متخصص في مجال الأبحاث واستطلاعات الرأي المتعلقة بالإعلام - أنَّ كلاً من وسائل الإعلام الأمريكية والأمريكيين غير مهتمين بالأوضاع في غزة، وأن اهتمام الأمريكيين مُنصبٌّ على ما بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية والأوضاع الاقتصادية السيئة - الحالية - في الولايات المتحدة. وقد خصصت وسائل الإعلام الأمريكية أقل من 2% من تغطيتها الإعلامية لتغطية الحرب على غزة على مدار الأسبوع الأول من تلك الحرب، وأقل من 2% فقط من الأمريكيين كانوا مهتمِّين بالأوضاع هناك.

كما أوضح البحث أن اهتمام وسائل الإعلام بالاحتلال الأمريكي للعراق قد هبط إلى أدنى مستوياته خلال المدة نفسها؛ حيث شغل الاهتمام بمتابعة الأخبار الحادثة هناك 2% فقط من التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام خلال الأسبوع الأول من الحرب على غزة؛ في حين يتابع أخبار العراق 6% فقط من الأمريكيين.

وجاءت أحداث العراق في المرتبة الخامسة للأخبار التي تابعها الجمهور الأمريكي، بينما اهتمت وسائل الإعلام الأمريكية بالوفاة المفاجئة لممثل سينمائي شاب (هيث ليدجر) الذي عُثِر عليه ميتاً في منزله وسط مجموعة من العقاقير والمواد المخدرة؛ حيث بلغ إجمالي التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الأمريكي لقضية (ليدجر) 4%، أي: ضعف اهتمامها بقضية الحرب في العراق أو حتى الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.

أما الحدث الذي كان مدار اهتمام الإعلام الأمريكي فقد كان التعيينات بعد انتهاء حملة الانتخابات الرئاسية التي خيَّمت على التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الأمريكي، كما كانت مسيطرةً أيضاً على ذهن الرأي العام الأمريكي؛ حيث قال المسح: إن ما يقرب من 40% من التغطيات الإعلامية لوسائل الإعلام الأمريكي قد خصِّصت لحملة سباق البيت الأبيض الرئاسي وما بعدها.


الإعلام العربي وغياب البوصلة

في حين تحظى الدولة الصهيونية بتأييد دولي شامل لتفعل ما تشاء في قطاع غزة؛ انقسم الإعلام العربي في طرق التغطية الإعلامية لحرب غزة ومضامينها؛ فما بين الحدث السياسي والحدث الإنساني توزعت مشاهد حرب غزة، ولكن ما وحَّد الجميع كلمة (عاجل).

كلمة (عاجل) باللون الأحمر كانت العنوان الرئيس لجميع الفضائيات العربية على اختلاف مضامينها السياسية والدينية، ونبدأ من حيث بدأت الحرب من تصريحات المدعو (محمد دحلان) الذي طُرد من غزة وما زال يحلم بالعودة إليها ولكن عبر الدبابات الصهيونية. ظهور دحلان على قناة العربية كان بمنـزلة الضـوء الأخضـر من أحـد الفلسطينيين - وللأسف - لاستمرار عمل آلة القتل الصهيونية؛ فبرودة ملامح (محمد دحلان) ومشاعره لا تعطي إلا تفسيراً واحداً لفداحة عمل هذه العقلية والتبريرات الني ساقها في نص مقابلته وهي لا تبرِّئه هو وآخرين من المسؤولية التاريخية عن هذا الدم المراق. وأغرب عبارة قالها «ما حدث كان متوقعاً» حتى هذه الكلمة لم تجد ردة فعل عند الطرف الآخر الذي رفض حتى النقاش حول سقف التوقعات وكأنه يبحث عن هذه الكلمة وسط حديث (دحلان).

لم تختلف توجهات قناة العربية في أول يوم من الحرب عن الأيام التي تلتها؛ ففي اليوم الأول يصف مذيع العربية الصواريخ الصهيونية بالتي تدكُّ مقرات حماس، وكأنها جهة معادية لقضايا الأمة والوطن. أما عناوين الأخبار بعد أسبوع من الحرب وبداية الاجتياح البري فقد كانت على النحو التالي: «توجيه ضربة قاصمة لحركة حماس، (الكيان الصهيوني) يحرك الآلاف من جنود الاحتياط للمشاركة في التوغل».

في الصور المنقولة في قناة العربية وحتى ما بعد نهاية اليوم العاشر وارتفاع عدد الشهداء؛ لم أشاهد صور الأم التي تنادي على ابنها «سعيد»، أو الشاب الذي يفزع لموت أخيه، أو الطفل الذي يفارق الحياة على سرير المستشفى، وأخيراً الطفلة الفلسطينية التي كانت شفتاها ترتجفان من الخوف، لم أشاهد على شاشة العربية في وقت القصف والموت إلا فيلماً بعنوان (أمهات عازبات) وهو فيلم وثائقي كان من الممكن تأجيل عرضه إلى وقت آخر، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل.

قناة الجزيرة وبمهنية عالية نقلت الحدث لحظة بلحظة، وأوردت تحليلات ومعلومات واسعة من مراسليها، وكان لمقدِّمي التغطية الخاصة بحرب قطاع غزة ودورهم في الرد على افتراءات قادة الجيش الصهيوني أو المتحدثين باسم الحكومة الصهيونية التي تستضيفهم القناة بين الحين والآخر، وتحميلهم المسؤولية القانونية والأخلاقية والسياسية في تواصل المجازر بحق قطاع غزة، كما قامت قناة الجزيرة وعبر مراسليها بالمساهمة بنقل قصص الأمهات اللواتي يبحثن عن أبنائهن وقصص الأُسر التي تشرَّد أبناؤها وسط الركام وماتوا من جراء القصف الهمجي.

وحتى نكون موضوعيين بدرجة معقولة؛ فمع النجاح الذي يسجَّل لقناة الجزيرة باللغة العربية إلا أنها فشلت في التغطية باللغة الإنجليزية، وهنا لا ننكر اختلاف الخطاب الموجَّه من الجزيرة باللغة العربية عمَّا هو موجود باللغة الإنجليزية، فبعد أن تصدَّر خبر حرب غزة على شاشتها لم يظهر على الشاشة لمدة ساعة كاملة إلا شخصيات صهيونية أكدت أن ما تم تدميره كان مباني تابعة لحماس، بينما غابت الشخصيات العربية عن الحدث وكأنه لا يوجد عنها ممثلون، أما الصور التي بُثت فكانت مشاهد مكررة لمبانٍ مدمَّرة!

في الجزيرة الإنجليزية لم نشاهد المراسلين الذين يمدُّون العالم بما يجري من أحداث في غزة، بل اكتفت الجزيرة الإنجليزية باثنين: واحدة من المناطق الفلسطينية وخلفها حركة طبيعية لمستوطنين يهود وتتحدث عن أوضاع المستوطنات المهدَّدة من حولها. والمراسل الثاني من العريش من مصر، والصورة والتقرير عن مستشفى مصري يستقبل الجرحى الفلسطينيين، مع تكرار صور شحن مواد إغاثة إلى قطاع غزة!

كما غابت المظاهرات العربية والدولية وما ظهر كان لتجمعات إيرانية وحزبية تابعة لحزب الله في إشارة إلى أن حماس مدعومة من قِبَل إيران وحزب الله فقط. فهل هذه هي الحقيقة؟ لا والله! فإن حماساً غير ما ذكر؛ لأنها مدعومة من كل الجماهير العربية والمسلمة.

كل هذه الصور تعطي الرأي العام انطباعاً أن ما يحدث في غزة هو أمر طبيعي وحق صهيوني مشروع للدفاع عن النفس، وفي المقابل نحن أمام طرفين متكافئين في العدد والسلاح، وهذا مخالف لأبسط قواعد المنطق. ويبدو أن قناة (الجزيرة) الإنجليزية في حرب غزة كانت عبارة عن صورة أخرى لما قُدِّم على شاشات الفضائيات الأوروبية والأمريكية، ولكن بصوت ظهر من حولنا، وهو ما يلزم أن يسعى المختصون لتلافي هذا النقص وباقصى سرعة ممكنة.


تخبُّط فضائي عربي - عربي

على المستوى العربي شنَّ التلفزيون المصري بقنواته الأرضية والفضائية؛ العامة والخاصة مثل: الحياة، ودريم، والمحور، والساعة، في وأون تي في، وقنوات النيل المتخصصة؛ هجوماً حاداً على الفضائيات العربية وخاصة قناة الجزيرة وقناة المنار؛ وذلك رداً منها على الانتقادات والتوبيخ الحاد الذي وجهته تلك الفضائيات العربية ضد موقف مصر من أحداث غزة الأخيرة.

ورفض التلفزيون المصري المزايدة على دور مصر تجاه أحداث غزة، من خلال برنامج «البيت بيتك» على الفضائية المصرية الذي وصف تلك الحرب الإعلامية من قِبَل قناة الجزيرة وقناة المنار بأنها حرب قذرة تخوضها تلك الفضائيات ضد مصر دون أدنى معايير أخلاقية، وسخر البرنامج من المسابقة التي أقامتها قناة «الجزيرة» حول تساؤل للمشاهدين: من هو المتسبب الأول في جرائم غزة؟ وجاءت الاختيارات من بين ثلاث إجابات حددتها قناة «الجزيرة» كالتالي: (فلسطين؟ أم مصر؟ أم حماس؟)، وعلى المشاهدين التصويت.

ووصف (تامر بسيوني) مقدِّم برنامج «البيت بيتك» بأنها مهزلة إعلامية أن توضـع مصــر من ضمــن أسباب ما يحدث في غزة من جرائم الآن، وقال: أليس هذا التساؤل ساذجاً؟ واستطرد ساخراً: ربما ستكون الاستعانة بـ (صديق إسرائيل)، ملمِّحاً بأن هناك علاقة بين قناة «الجــزيرة» و (إسرائيل)، وتساءل المذيع: لماذا وُضِعَ اسم مصر ضمن الأسباب المؤدية إلى جرائم غزة ولم توضع - مثلاً - دولة مــثل: سورية أو إيران أو حزب الله أو حتى قطر التي تتبع لها هذه القناة؟ ولكن المقصود من هذه القناة معاداة مصر وتحــميلها مسؤولية ما يحدث لغزة والزجّ بها في أيِّ مشكلة تحدث للوطن العربي. وسخر البرنامج أيضاً من تساؤل التلفــزيــون السوري: دمشــق تتسـاءل: مـاذا بقــي مــن عبد الناصر في مصر؟

ومع الاجتياح البري استنفرت القنوات المصرية الخاصة والحكوميـة ليــلة الاجتــياح للــدفــاع عــن الموقف المصـري - كـالباحث عبد المنعم سعيد على قناة الحياة - ومهاجمة قطر وقناة الجزيرة من قِبَل أستاذ الإعلام حسين أمين والروائي بهاء طاهر على قناة المحور. أما قناة دريم فكانت الأكثر صراحة، وخصوصاً في برنامج منى الشاذلي (العاشرة مساءً)، إذ طالب اللواء أركان حرب طلعت مسلم بالخروج من لغة المن والمفاخرة فيما يتعلق بالتضحيات المصرية من أجل فلسطين، مؤكداً أنَّ مصر إنما كانت تدافع عن أمنها القومي لا عن فلسطين، وأبدى استغرابه من منع الشاحنات القطرية من عبور معبر رفح وتوجيهها إلى معبر كــرم أبو سالم. هذا - مع الأسف - بعض الخلل في القنوات العربية حيال هذه المحرقة التي تتعرض لها غزة هاشم؛ فحسبنا الله ونعم الوكيل.


الصورة على الفضائيات العربية

لا يمكن تجاهل ما قامت به بعض القنوات كالمجد والرسالة واقرأ والناس وبداية وغيرها من القنوات التي تصنَّف بالقنوات المحافظة؛ في نقل وقائع المجازر في غزة كلٌّ بطريقته، ولكن لا يمكن بأية حال مقارنتها مع القنوات الفضائية المتخصصة في نقل الأخبار، والحكم هنا من بداية المتابعة وليس بمن حاول اللحاق بوتيرة الحدث، فقد تجاهلت بعض المحطَّات اللبنانيَّة والعربيَّة الحدث ودخلت في غيبوبة طوعيَّة، أو بدا كأنها بوق في خدمة أهداف لا مجال الآن لتعدادها، ولكنها بأية حال فضائيات متواطئة وشريكة في الجريمة.

(LBC) و (OTV) والمستقبل وجلُّ القنوات المصرية ودبي، وإم بي سي، وأبو ظبي وغيرها أصرت على التغييب، فتابعت برامجها المعتادة من دون أي تعديل، فـ (LBC) فضَّلت أن تبقي على أجواء الميلاد الهادئة، بدلاً من تعكير صفو عطلة المشاهدين، واهتمت كذلك بمباريات كرة السلة، والطبخ، والأبراج، وأغاني الميلاد فقط.

أما الـ (OTV) فعملت وَفْقاً لأولوياتها: أخبار نشاطات التيار الوطني الحرّ والنائب ميشال عون، لكن أحداً في إدارتها لم يتساءل: ماذا يحدث حولنا في العالم؟ هكذا لم يحظَ العدوان الدموي المتواصل على غزَّة باهتمام المحطة التي فتحت هواءها لنقل وقائع «اللقاء الوطني النصراني» في البترون ونشاطات عون.

من جهتها رأت قناة «المستقبل» الأرضية أنَّ تخصيص الهواء المباشر لنقل مباريات كرة السلَّة أمر طبيعي، لكن هذا النقل تضمَّن توجيه تحية على الهواء لضحايا غزة!

أما باقي القنوات التي حاولت أن لا تغيب عن الحدث فقد اهتمت بأخبار أسعار النفط والاستثمارات وتحليل ارتدادات الأزمة المالية أكثر من اهتمامها بالمجازر الفلسطينية.

أما قناة فلسطين التي تحدَّثت عن تلك المجزرة وكأنها في بلاد ليس لها علاقة بها، بينما أخبار «الرئيس» محمود عباس تحتل الجزء الأكبر من النشرات الإخبارية.. فإلى الله المشتكى.


الإعلام الفلسطيني

قناة الاقصى.jpg

مع حالة البلادة التي اتسمت بها تغطية تلفزيون فلسطين الرسمي لمجازر غزة واستمرار الحملات الإعلامية بحق رجال المقاومة عموماً؛ إلا أن قناة الأقصى والقدس كانتا الأبرز في التغطية، فقد استُهدفت قناة الأقصى من الليلة الأولى للعدوان، ودُمِّر المبنى المكوَّن من خمسة أدوار بالكامل. ولم يصَب أحد من كوادر القناة، وتم إفراغ القناة من جزء مهم من المعدَّات والآلات.

وتعمَّد جيش الاحتلال ملاحقة سيارة البث (OB van) التابعة للقناة في أكثر من مكان، ولم يكن من خيار لتسهيل إرسال المواد والبث سوى البث من برج الشوّا، وهو البرج الإعلامي الذي تقيم فيه كل وسائل الإعلام تقريباً.

بعدها اتصل جيش الاحتلال بوسائل الإعلام في البرج، وهدَّدها بالقصف أو الإخلاء؛ فأُخلي المبنى، وتوقفت الرسائل المباشرة من غزة (وذلك في منتصف اليوم الثاني للاعتداءات)، ولم يبقَ إلا رسائل وكالة (رامتان) التي انتقلت إلى فيلا خاصة بها، وتابعت عملها من هناك. وبعد اتصالات على مستوى عالٍ بين غزة والخارج وعدد من الفضائيات تم إخلاء مبنى قناة الأقصى، والعودة إلى البث من السيارة، أما الإعداد فيتم في أماكن مجهولة لا يعرفها إلا أشخاص معدودون، حتى إن موظفي القناة ومراسليها مبعثرون في المواقع والمنازل، ومنذ اليوم الأول استُهدفت في خان يونس مدينة أصداء الإعلامية الـمُعدَّة للإنتاج السينمائي والتلفزيوني، وتضم ديكورات ضخمة مختلفة كالقرى الفلسطينية والمخيمات المختلفة بما تحمله من دلالات تاريخية واجتماعية. وقد بدأت إنتاجها في خلال عام ٢٠٠٨م بعدد من الأفلام، وكانت ضمن أول ٤٢ هدفاً، واستُهدفت قريباً منها سيارة بث وإخراج تلفزيوني تابعة لفضائية الأقصى، كما تم استهداف الإذاعات الأرضية واختراقها.

أخيراً: إن حالة التردِّي التي وصلت إليها الفضائيات العربية لم تكن وليدة أحداث غزة الأخيرة؛ فمع أنها تعرض كل ما يصلح وما لا يصلح؛ إلا أنها رفضت عرض مسلسل (الاجتياح) إلا قناة واحدة وهي (LBC)، ونال هذا المسلسل جائزة (إيمي) وهي أرقى جائزة دولية، وذلك لمستواه الفني والموضوعي، كما أنَّ فيلم الاحتلال 101 نال جائزة السعفة الذهبية في (بيفرلي هليز) ولكن لم يعرض على الفضائيات العربيــة. فهل وصل الاختــراق الثقافــي والسياسي حــداً لا يمكن لنا معه أن نعوِّل على الفضائيات العربية في العمل من أجل فكِّ الحصار عن فلسطين؟ وهل هي فعلاً عــربية أم أدوات دعائية باللغة العربية لخدمة العدو؟ (إنا لله وإنا إليه راجعون).

إنّ ما يعانيه أهلنا في غزة يشكِّل وصمة عار على العرب، وعلى الإنسانية، وعلى مجلس الأمن؛ فهل يعقل أن يُسمح لأيِّ مجموعة بشرية أن تتعرَّض عمداً وضمن سياسة حكومية أجنبية تحتلُّ أرضها؛ للجوع والإبادة، وأن يموت المرضى في غرف الإنعاش بسبب قطع الوقود عن محطات الكهرباء، وأن يعيش الناس في ظلام دامس دون اعتراض؟!


للمزيد

.