الجانب الحركي في فكر الإمام المودودي (2)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٠:٢٤، ٩ يونيو ٢٠١٣ للمستخدم Ahmed s (نقاش | مساهمات) (حمى "الجانب الحركي في فكر الإمام المودودي (2)" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الجانب الحركي في فكر الإمام المودودي (2)

د.يوسف القرضاوي

المودودي فكرة وحركة

الإمام المودودي

لم يكن الإمام أبو الأعلى المودودي مجرد مفكر أكاديمي، أو مصلح نظري، يعيش في برج عاجي، أو في صومعة منعزلة، يفرغ فكره الإصلاحي على الورق، ثم لا يتحمل تبعة بعد ذلك، فقد كانت للرجل بجوار رسالته الفكرية العظيمة رسالة عملية أخرى ...

لم يكن الإمام أبو الأعلى المودودي مجرد مفكر أكاديمي، أو مصلح نظري، يعيش في برج عاجي، أو في صومعة منعزلة، يفرغ فكره الإصلاحي على الورق، ثم لا يتحمل تبعة بعد ذلك، على نحو ما قاله الأستاذ كامل مروّة مؤسس جريدة (الحياة) اللبنانية: قل كلمتك وامش .

لقد كانت للمودودي بجوار رسالته الفكرية العظيمة:

رسالة عملية أخرى لا تقل عظمة عن الأولى، وهي: أن يحول فكره إلى حركة ، وحركة إيجابية بناءة، تعمل على (تأليف الرجال) بعد تأليف (الكتب والرسائل). ذلك أن الفكرة الصحيحة لا تفرض نفسها على الناس بمجرد صحتها، إنما تنتصر بمن ينصرها من المؤمنين بها العاملين لها، المجاهدين في سبيلها، وقديما قال الشاعر العربي:
وشيمة السيف أن يزهى بجوهره
وليس يعمل إلا في يدي بطل!

وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في خطاب الله تعالى لرسوله الكريم: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) الأنفال.

ومن ثم اتجه المودودي إلى إنشاء (الجماعة الإسلامية) التي تتخذ الإسلام لها نسبا وهدفا ورسالة، وقال الإمام المودودي في شرح أصول دعوته، وبيان أهدافها ومطالبها الأساسية:

(إننا إذا أردنا عرض دعوتنا وإجمال غايتها وأهدافها في كلمات قليلة، يمكننا أن نقسمها إلى ثلاثة مطالب مهمة أساسية، وهاك بيانها:
  1. دعوتنا للبشر كافة والمسلمين خاصة، أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا، ولا يتخذوا إلها ولا ربا غيره.
  2. ودعوتنا لكل من أظهر الرضا بالإسلام دينا أن يخلصوا دينهم لله ويزكوا أنفسهم من شوائب النفاق وأعمالهم من التناقض.
  3. ودعوتنا لجميع أهل الأرض أن يحدثوا انقلابا عاما في أصول الحكم الحاضر الذي استبد به الطواغيت الفجرة الذين ملأوا الأرض فسادا، وأن ينتزعوا هذه الإمامة الفكرية والعملية من أيديهم، حتى يأخذها رجال يؤمنون بالله وباليوم الآخر ويدينون دين الحق ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا).

المطالب الثلاث

ثم طفق المودودي يشرح هذه الأصول، أو المطالب الثلاثة، فيقول:

(إن هذه المطالب الثلاثة واضحة في نفسها وضوح الشمس في رابعة النهار، ولكنه من دواعي الأسف أنها انكسفت شمس معرفتها، وتوارقت حقيقتها بأستاذ من الجهل والغفلة والجمود، حتى إن المسلمين أنفسهم أصبحوا بحاجة إلى أن تشرح لهم هذه المطالب ويبين لهم مرماها ومغزاها، دع عنك ذكر غير المسلمين والذين لم يتسن لهم معرفة دعوته وتعاليمه.

شرح المطلب الأول:

هذا، وإن العبودية لله الواحد الأحد، التي ندعو إليها، ليس المراد بها أن يقر العبد بعبوديته لله تعالى جل شأنه ثم يبقى في حياته العملية حرا طليقا كما كان من قبل في حياته الجاهلية.
وكذلك ليس المقصود من عبودية العبد لله أن يعتقد كونه تعالى خالقا للكون، رازقا لمن في الأرض مستحقا للعبادة من جميع خلقه، من غير أن يكون له سلطان في هذه الحياة الدنيا ومسائلها وشؤونها المتعددة المتشعبة.
وأيضا ليس من معنى العبودية أن تقسم الحياة قسمين: قسم يتعلق بالدين أو الأمور الدينية، وقسم يتصل بالدنيا وشؤونها العديدة المتنوعة، وأن تنحصر العبودية لله في القسم الديني الذي لا يخرج، حسب المصطلح الشائع عن دائرة العقائد والعبادات والمسائل التي لها علاقة بالحياة الفردية والأحوال الشخصية.
أما الحياة الدنيوية وشؤونها المتشعبة وفروعها المتنوعة من مسائل العمران والسياسة والاقتصاد والآداب والأخلاق، فلا سلطان فيها لله الواحد الأحد ولا رواج لأحكامه في دائرتها، والعبد حر في بابها يفعل فيها ما يشاء، ويضع لنفسه من نظم العمران والملك ما يريد، أو يختار من النظم الوضعية ما يحبه ويرضاه.
فالقائمون بدعوة الإسلام في هذه البلاد وطبعا في سائر أقطار العالم لأن الدين واحد لم يتغير، والكتاب واحد لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه يرون ويعتقدون أن معاني العبودية هذه كلها باطلة من أساسها ويرون القضاء عليها وتصحيحها
على غرار ما يريدون استئصال نظم الكفر والجاهلية واجتثاث شرورهما من جذورهما، لأن هذه المعاني والتعابير هي التي شوهت وجه الحقيقة ومسخت فكرة الدين مسخا.
والذي نراه ونجزم به ونعتقده وندعو الناس إليه أن العبودية التي دعا إليها رسل الله الكرام من لدن أبي البشر آدم عليه السلام إلى سيدنا وسيد المرسلين وخاتمهم محمد النبي الأمي ، المراد بها أن يقر العبد ويعتقد أن ما من إله إلا الله الفرد الصمد الحاكم بين عباده، السيد المطاع في بريته، المشرع للدستور والقوانين؛
والمالك لأمورهم، المتصرف في شؤونهم، المجازي على أعمالهم، وأن يسلم نفسه لذلك الله العزيز المقتدر، ويخلص دينه له تعالى وحده، ويذعن لعبوديته في كل شأن من شؤون حياته الفردية منها والجماعية، الخلقية منها والسياسية، الاقتصادية منها والاجتماعية.

وبهذا المعنى ورد في التنزيل قوله عز من قائل:

(يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) البقرة:208 الذي يأمر فيه عباده أن ادخلوا في دين الله كافة، بمجموع حياتكم، بحيث لا يشذ عن سلطانه شيء ولا يند عن دائرة نفوذه جزء من أجزائها.
فلا يكن من شأنكم في ناحية من نواحي حياتكم أن تتجردوا من عبوديته الشاملة، فتحسبوا أنفسكم أحرارا في شؤونكم تختارون من المناهج والأوضاع ما تريدون أو تتبعون من النظم والقوانين الوضعية المستحدثة ما تحبون. إن هذا هو معنى العبودية الذي نبثه ونعممه وندعو البشر كافة، المسلمين وغير المسلمين، إلى قبوله والإيمان به والإذعان له.

شرح المطلب الثاني:

والمطلب الثاني من هذه المطالب الثلاثة: "أننا نطالب الذين يؤمنون بالإسلام أو يظهرون إيمانهم به أن يزكوا أنفسهم من شوائب النفاق وأعمالهم من التناقض".
فالمراد من النفاق، في هذه الكلمة أن يدعي الرجل الإيمان بنظام خاص ويتظاهر بالانتساب إليه والتمسك بأذياله ثم يعيش راضيا مطمئنا في نظام للحياة مناقض للنظام الذي يؤمن به.
ولا يجد ويجتهد لقلب ذلك النظام المعارض لعقيدته التي يؤمن بها واستبدال النظام الصالح به، بل ربما يبذل جهوده ويستنفذ قواه ومساعيه في توطيد دعائم ذلك النظام الفاسد الجائر أو إقامة نظام باطل آخر يسد مسد ذلك النظام الجائر الذي يعيش في كنفه هادئا مغتبطا.
فمثل هذا الطراز من الناس كمثل المنافق، فإن الإيمان بنظامه للحياة ثم الاطمئنان بنظام آخر مناقض له، شيء يمجه السمع ويأباه العقل ولا يرضاه الشرع.
فمن مقتضيات الإيمان الأولية أن يود المرء من صميم فؤاده أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله وأن لا يبقى في الأرض منازع ينازع حامل لواء الإسلام في دعوته وأداء مهمته تجاه البشرية
وأن لا يهدأ له بال ولا يقر له قرار إذا رأى ما يصيب ذلك الدين في صميمه أو ينقض شيئا من سلطانه أو دائرة نفوذه، وكذلك من أمارات الإيمان أن يظل الرجل قلقا مضطربا لا يهنأ له بال ولا يطيب له عيش حتى يرى ذلك النظام العادل قد استرد أبهته وسلطانه وعادت أعلامه خافقة وكلمته نافذة بين الناس.
هذا من علامات الإيمان وأماراته التي لا يكابر فيها إلا متعنت أو جاحد. وأما أن يعيش المرء راضيا مقتنعا في ظلال النظم العصرية الباطلة التي لا سلطان فيها للدين، والتي جعلته منحصرا في دائرة ضيقة كمسائل الزواج والطلاق والإرث، التي لا تمس تلك النظم السائدة الجائرة ولا تتدخل في حدود إمرتها وسلطانها أما أن يعيش المرء مطمئنا بمثل تلك النظم، قانعا مغتبطا في كنفها ولا ينبض له عرق ولا يخفق له قلب، فلعمر الحق إن مثل هذه الصنيعة من أمارات النفاق ومن صميمه من غير شك.
وربما يجد مثل هذا الرجل عونا ومساعدة من بعض الفقهاء والمشايخ ويبقى مسلما في سجل الإحصاء ودواوين الإفتاء؛ لكن روح الشريعة تأبى إلا أن تحكم على مثل هذه الصنيعة بالنفاق، ولو أفتى المفتون بخلاف ذلك، حرصا على المعاش الزهيد ومتاع الدنيا الزائل.
فالذي نريده من المسلمين، والذين يتظاهرون بالإسلام وندعوهم إليه، أن يخلصوا دينهم لله ويزكوا أنفسهم من شوائب النفاق. ومن حق هذا الإيمان أن يتمنى المرء في سويداء قلبه أن تكون نظم الحياة والملك ومناهج الاقتصاد والاجتماع التي جاءت بها رسل الله مرفوعة الرأس، عزيزة الجانب، عالية الذرى، نافذة الكلمة في الدنيا، دون أن ينازعها أحد أو يعوق عنها عائق؛
فكيف بمن رضي بها ويعيش في كنفها راضيا مغتبطا؟ أما أن يتجرأ على السعي وراء توطيد دعائم النظم الباطلة ورفع شأنها فذلك أعرق في الضلال وأشد ما يكون تماديا في الغي. أعاذنا الله وإياكم من شرور أمثاله.
وأما (التناقض) الذي نطالب المسلمين جميعا من غير فرق بين من نشأ في بيت مسلم عريق ومن دخل في الإسلام حديثا بتزكية أعمالهم من مظاهره، فهو أن يكون عمل الرجل مناقضا لما يدعيه بلسانه ويظهره في أقواله
كما أنه من التناقض في صميمه أن تختلف أعمال المرء باختلاف شؤون الحياة ويناقض بعضها بعضا. فليس من الإسلام في شيء أن يتبع الرجل أوامر الله ويتمسك بأهداب الشريعة في ناحية من نواحي حياته ويعصي أمر الله ويتعدى حدوده في شعبها الأخرى...
ومن مقتضيات الإيمان أن يسلم المرء نفسه لله ويدخل بمجموع حياته في كنف الدين الحق، لا يعصي الله في شيء من أوامره ولا يصدر عنه شيء إلا من تلك العبودية الشاملة والاتباع الكامل لدينه وشريعته، ومن خصال المؤمن أن يكون مصطبغا بصبغة الله، لا يتأثر بشيء من مظاهر الدنيا الفاتنة ولا يتنكب الصراط السوي في شيء من حياته وأعماله.
ومن علاماته أن يستغفر الله ويتوب إليه إذا بدرت منه بادرة تنم عن الخطأ والعصيان، أو حدثت منه فلتة قد تؤدي إلى الشر والطغيان. أما أن يدعي الرجل الإيمان بالله ويصلي ويصوم ويؤدي شعائر معينة محدودة، ثم يحسب نفسه حرا طليقا لا يتقيد بقيد ولا يذعن لأمر الله في دوائر الحياة العملية الأخرى، فذلك هو التناقض الذي ينافي العبودية.
وما رأيك في هذه الشعوذة التي يرتكبها المسلمون اليوم في جميع أنحاء العالم؟ يتشدقون بالإيمان بالله واليوم الآخر ويتظاهرون بالإسلام ويزعمون الاتسام به، ولكنهم حينما يدخلون في معترك الحياة العملية ويخوضون غمار السياسة ويبحثون في مسائل الاقتصاد والاجتماع، لا تجد عليهم مسحة من تعاليم الإسلام ولا أثرا من آثار إتباعهم للدين الحق والشريعة الكاملة.
أي شعوذة أكر من هذه وأشنع؟ يقرون صباح مساء بأنهم: "لا يعبدون إلا الله ولا يستعينون إلا به". وبعد ذلك لا يتحرجون أن يتبعوا كل ناعق ويدينون به. نظرية أو فكرة، وأن يخضعوا لكل جبار متكبر في أرض الله ويستسلموا لأمره ويذعنوا لجبروته.
فذلك هو التناقض وهذه علاماته. وهذه أسس جميع أمراض المسلمين الخلقية والاجتماعية. وما دامت فيهم هذه الأمراض الخلقية الفتاكة لا يرجى إبلالهه من مرض الانحطاط والذل والتقهقر، ولا أمل في انتشالهم من وهدتهم التي سقطوا فيها.
ولا يزالون ينحدرون إلى هوة سحيقة من الشقاء والمهانة. ومما يذوب له القلب كمدا وحزنا أن علماء المسلمين ومشايخهم والمالكين لأزمة أمورهم جعلوهم يستيقنون منذ زمان أنهم يكفيهم من أمور دينهم أن يشهدوا شهادة الحق ويصلوا ويصوموا ويؤدوا المناسك والشعائر المحدودة المعينة
وأنه لا يضرهم شيء ولا يمنعهم من سبيل النجاة ولا يوصد في وجوههم أبواب الجنة إذا اقترفوا بعد ذلك ما شاؤوا من المنكرات أو اتبعوا من أرادوا من أئمة الكفر والضلال، أو اختاروا ما شاؤوا وشاءت أهواؤهم من الأفكار والنظريات الزائغة.
وقد بلغت بهم الوقاحة والجرأة على الدين أن رأوا الاتسام بسمة الإسلام تكفيهم مؤونة القيام بواجبات الشريعة الملقاة على كواهلهم حتى إن أئمة الضلال منهم في هذا العصر قد تقدموا في خطوة أخرى وزعموا أن التسمي بأسماء المسلمين كاف لتدوين أسمائهم في سجل الإحصاء الرسمي، كأنهم هم الذين نقل القرآن عنهم: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) البقرة: 80.
ومن نتائج هذا الداء العضال المتمكن من أجساد المسلمين وأرواحهم أن تراهم يدينون بالشيوعية والنازية والديمقراطية وأمثالها من النظريات المستحدثة المستوردة من الشرق والغرب، ويتبعون خطوات الظَلَمة الفجرة الذين يتكبرون في أرض الله بغير الحق، سواء أكانوا من قادة المسلمين أم غيرهم
ولا يتحرجون من ذلك، ولا قلامة ظفر، ولا يشعرون بأن هذه النظريات وتلك الآراء تناقض الإسلام. وهؤلاء الطغاة المكتبرون يناقض طريقهم طريق الإسلام، وأن مسالكهم المعوجة والصراط المستقيم على طرفي نقيض..
فمن أهم مبادئ دعوتنا التي نطالب بها كل مسلم: أن يكون حنيفا مسلما، منقطا إلى الله، متجردا من كل عصبية، صارفا بوجهه عن كل فكرة معارضة لفكرة الحق، وأن يظل مثابرا على ذلك مواصلا جهوده في الابتعاد عن الطرق المعوجة والمناهج الزائغة التي ما نزل الله بها من سلطان.

شرح المطلب الثالث:

ثم يقول:

إذا عرفتم هذا، فلا يخفى عليكم ما نريد بالمطلب الثالث من مطالبنا الثلاثة الأساسية وهو:

"ودعوتنا لجميع أهل الأرض أن يحدثوا انقلابا عاما في أصول الحكم الحاضر الذي استبد به الطواغيت والفجرة الذين ملأوا الأرض فسادا، وأن تنتزع هذه الإمامة الفكرية والعملية من أيديهم حتى يأخذها رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر ويدينون دين الحق ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا".

فتلك نتيجة طبيعية لما أسلفنا من معاني العبودية الكاملة وإخلاص الدين لله وكون الأنفس طاهر من شوائب النفاق والأعمال بريئة من مظاهر التناقض، كما لا يخفى على اللبيب المتفطن أن ذلك لا يتأتى إلا بإحداث انقلاب عام في نظام الحياة الحاضر الذي يدور قطبه حول رحى الكفر والإلحاد والفسوق والعصيان والذي يديره ويدبر أمره ويسير شؤونه رجال انحرفوا عن الله ورسوله واستنكفوا عن عبادته واستكبروا في أرضه بغير الحق.

فما دامت أزمة أمور العالم بأيدي هؤلاء، وما دامت العلوم والآداب والمعارف والصحف والتشريع والتنفيذ والشؤون الدولية والمالية والمسائل التجارية والصناعية تتحرك دواليبها بتوجيهاتهم وتتمشى عجلاتها حسب إرشادهم ورغباتهم لا يمكن للمسلم أن يعيش في الدنيا مسلما، متمسكا بمبادئه، متبعا الشريعة الإلهية، منفذا لقوانينها في حياته العملية.

فإنه من المستحيل أن يتبع الرجل الدين الإلهي الكامل المحيط بجميع نواحي الحياة وشعبها، وهو يعيش في بلاد تدين لقانون غير قانون الشريعة وتسير على منهاج غير المنهاج المرضي عند الله، بل يتعذر عليه أن يتعهد تربية أولاده وتلقينهم مبادئ الدين الإلهي وتعاليمه.

وأن ينشئهم على الأخلاق المرضية والآداب الإسلامية الزكية، لأن نظام الكفر والإلحاد الذي يعيش في كنفه يسد في وجهه سبل التربية الإسلامية، والبيئة الكافرة التي يتنسم هواءها تأبى عليه إلا أن يحذو حذو القوم، ويتخلق بأخلاقهم ويتخلى عن مقومات دينه وخلقه تدريجيا.

وزد على ذلك أنه من واجب العبد المسلم المخلص لله أن يطهر أرض الله من أدناس الفساد والطغيان ويقيم فيها نظاما عادلا على دعائم الصلاح والرشاد.

ومن الظاهر البين أنه لا يتسنى الظفر بهذا المقصد ولا تنال هذه البغية السامية ما دام زمام أمور العالم بيد الطغاة والمفسدين في الأرض، يديرونه كيفما يشاؤون ويتصرفون في شؤونه حسب ما يريدون. وقد تحقق لنا بالتجربة في هذا الزمان أن المتكبرين في أرض الله بغير الحق السادرين في غلوائهم بغيا وعدوانا.

هم العقبة الكبرى في سبيل إقامة نظم الصلاح والنَّصَفة، وأنهم هم الذين يحاولون دون توطيد دعائم السلام والعدل، وكذلك ثبت لنا باليقين والبرهان والمشاهدة أنه لا أمل في صلاح العالم ولا رجاء في استقامة الأمور على موازين الرشا والحق ما دام أولئك الطغاة المنحرفون في الله ورسوله يتحكمون في شؤون الدولة ويديرون أمورها ويشرفون على جليلها وصغيرها.

فمن مقتضيات إسلامنا وعبوديتنا الخالصة لله الواحد الأحد أن نجد ونجتهد ونبذل الجهود المتواصلة والمساعي المتتابعة للقضاء على زعامة الكفر والضلال واجتثاث النظم الباطلة من جذورها وإحلال الإمامة العادلة والنظام الحق محلها.

وربما يسائلني القارئ في هذا المقام: فكيف السبيل إلى الانقلاب في الزعامة والإمامة؟ فالظاهر أن هذا الانقلاب لا يحصل بمجرد الأماني والأحلام المعسولة. ومن سنن الله في أرضه أنها لا بد لها من رجال يسوسون أمرها ويدبرون شؤونها.

وهذا التدبير وتلك السياسة بحاجة إلى صفات وخلق لا بد لكل من يريد إدارة شؤون العالم وتدبير أمرها من أن يتصف ويتحلى بها. وكذلك من سنة الله في خلقه أن يفوض تدبير أمور الأرض وتسيير شؤونها إلى من شاء من ذوي الصفات المطلوبة والكفاءات اللازمة، إذا لم تكن في أرضه جماعة مؤمنة صالحة متصفة بتلك الصفات ومتخلقة بتلك السجايا التي لا بد منها لكل من يتبوأ منصب الزعامة والإمارة.

وأما إذا وجدت جماعة صالحة مؤمنة بالله ورسوله، متحلية بتلك الأوصاف والأخلاق اللازمة لا بد منها للقيام بالملك ولا مندوحة عنها في تسيير شؤون العالم... إذا وجدت مثل هذه الجماعة التي لا تتحلى بتلك السجايا اللازمة فحسب، بل تفوق فيها الطغاة المستكبرين الذين استبدوا بمناصب الأمر والحكم، فلا نرى المشيئة الربانية والسنن الإلهية بمثابة من حب الظلم والفساد أن تستأثر بأولئك الجائرين المفسدين في الأرض وتدع أزمة أمور العالم تبقى في أيديهم الآثمة الغاشمة، يعبثون بها كما يريدون وتريد أهواؤهم وشهواتهم.

فلا تنحصر دعوتنا إذن في التمني والرجاء والابتهال إلى الله أن يقطع دابر الجور والفساد في الأرض ويفوض أمر دنياه إلى المؤمنين الصالحين من عباده، بل دعوتنا للعالم بأسره أن يعنى ويهتم بإعداد جماعة صالحة مؤمنة بالله ورسوله مستمسكة بالأخلاق الزكية الفاضلة في جانب، ومتصفة بالصفات والمزايا السامية؛

متحلية بالسجايا التي لا بد منها لتدبير شؤون الدنيا وتنظيم أمور العالم في جانب آخر، لا تتصف هذه الجماعة الصالحة بتلك المزايا والطباع فحسب بل تعلو وتفوق أئمة الكفر والضلال وأعوانهم الذين تراهم مستبدين بأزمة أمور الدنيا اليوم في تلك المواهب والخلال والمؤهلات اللازمة للاضطلاع بأعباء الملك وتدبير شؤون العالم.

الجانب الرباني في حركة المودودي

لم يكن الجانب الرباني أو (الروحي) كما يسميه بعض الناس مهملا، أو ضعيفا في دعوة المودودي وحركته، وتربية أفراد جماعته. كما يخيل ذلك لبعض الناظرين من بعيد، وذلك لغلبة الطابع العقلي على أتباع الأستاذ المودودي في كتبه ورسائله وخطاباته وتوجيهاته، وغلبة التوجه السياسي على حركة جماعته، واعتبارها جماعة سياسية.

بيد أن الإنصاف يقتضينا أن نقول:

إن الرجل لم يغفل هذا الجانب، ولا كان في زوايا النسيان، أو على هامش الإدراك والشعور عنده، أو في تكوين جماعته، بل كان له شأن أي شأن في التوجيه العام، والتكوين الخاص. وبهذا لم يطغ (المودودي) المفكر، على المودودي (الداعية المربي).

وقد قال أبو الأعلى المودودي ردا على سؤال وجهه له أحد الصحفيين: إن الطريق أمامك صعب، وإن أَمَلَكَ في الإصلاح ضعيف، فماذا أعددت للمشاق والمصاعب التي ستواجهها في طريقك؟ فقال أبو الأعلى: أعددت للمعوقات: دينا، وللشدة: يقينا، وللظلم: صبرا، وللسجون والمعتقلات: قرآنا وذكرا، وللمشانق: (وعجلت إليك رب لترضى) طه .

أبو الأعلى والعنف

ويرى المودودي:

أن أقوى أنواع التغيير هو التغيير الفكري والنفسي، فالإنسان إنما يقاد من فكره ومن إرادته. وإذا كان الماركسيون يقولون: غير علاقات الإنتاج ووسائله يتغير التاريخ، فالمودودي يرى ما يراه القرآن حيث يقول: غير الأنفس أو غير ما بالأنفس يتغير التاريخ (...إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ...) (الرعد:11)

ولهذا لا يرى المودودي ضرورة لاستخدام السلاح أو العنف في التغيير المنشود، ولا يقبل التغيير عن طريق انقلاب عسكري.

ولقد مرت بالأستاذ المودودي وجماعته ظروف عصيبة، وتحديات عنيفة، واعتداءات شرسة، لم تتورع عن إراقة الدم عندما وجدت الفرصة. وكان يمكن أن تنهزم فكرة (الصراع السلمي) أمام هذه الهجمات العدوانية من خصوم الجماعة من حكام وأحزاب، لا تخشى خالقا ولا ترحم مخلوقا.

ولكن المودودي لم تلن قناته، ولم يحد عن مبدئه، وظل إلى آخر رمق يرفض أن يقاتل إلا بسلاح الفكر، وسيف الحجة والبرهان.

تطاول عليه بعض خصومه الحزبيين برهة من الزمن، وتناولوا شخص الأستاذ بكلمات وتصرفات ينفد معها صبر الحليم، وأراد بعض إخوانه يوما أن يردوا الأذى بأذى، ويدفعوا السيئة بمثلها، فيأبى الرجل كل الإباء. فلما قالوا له: يا أستاذ إنهم يؤذوننا فيك إيذاء عظيما! أجابهم بقوله: إذا آذوكم إيذاء عظيما، فعليكم أن تصبروا صبرا عظيما، بل صبرا أعظم!

وفي أوائل الستينيات كان الحكم العسكري الحاكم يضطهد الجماعة الإسلامية ويضيق عليها بكل الوسائل، ولكنه لم يجد مبررا يمنع به نشاط الجماعة، ويحول دون اجتماعاتها، فلما كان يوم اجتماع أركانها السنوي، حرضت السلطة الحاكمة من يطلق النار على المودودي عند خطابه السنوي المعتاد.

ولكن الرصاصة أخطأته فقتلت عضوا آخر. وهنا قال بعض المقربين للأستاذ: ينبغي أن تجلس، ولا تقف لتتكلم، تفاديا لرصاص الآثمين. فكان جواب المودودي بكل بساطة ووضوح: إذا قعدت أنا فمن يقوم؟!

ورغم هذا كله لم يستشط غضبا، ولم يدفعه هذا الموقف وأمثاله بعده إلى اتخاذ العنف سبيلا.

  • طالع الجزء الأول: نظرات في فكر الإمام المودودي (1)
  • نقلا عن كتاب العلامة القرضاوي " مع أئمة التجديد ورؤاهم في الفكر والإصلاح " بتصرف
(1) من خطاب ألقاه الأستاذ المودودي تحت عنوان (الدعوة الإسلامية فكرة ومنهجا) في اجتماع الجماعة الإسلامية الذي عقد في قرية (دار الإسلام) بالهند، في شهر أبريل عام 1945م.

المصدر