الجيش المصري وأول انقلاب عسكري

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الجيش المصري وأول انقلاب عسكري


مقدمة

كانت مصر من الدول التي سبقت في معرفة الجيوش النظامية من العهد الفرعوني، وهو ما أعطاها ميزة السبق والتقدم العسكري في المنطقة، وساعدها كثرة أفرادها العاملين في صفوف الجيش.

استطاع الجيش المصري عبر تاريخه الطويل القيام بأعمال ومعارك أثرت في مجريات التاريخ مثل معركة قادش ومجيدو، هذا غير المعارك التي شارك فيها في العصور الإسلامية كمعركة حطين ومعركة عين جالوت والتي أوقفت الزحف التتري حول العالم ومعركة المنصورة والتي وضعت نهاية للحملات الصليبية على المشرق الإسلامي.

غير أن الجيش المصري لم يعرف بتشكيلاته الحالية إلا في العصر الحديث خاصة بعد مجيء محمد علي باشا لسدوة الحكم في 1805م.

فبعد دخول القوات الفرنسية للقاهرة عام 1798م بمدافعها وتشكيلاتها النظامية وأسلحتها المتطورة والتي فاجأت القوات الحامية المصرية والتي لم تصمد أمامها كثيرا، جعلت محمد علي يضع هذا الأمر موضع الجد حينما وصل لسدة الحكم، خاصة أن الجيش في الفترات السابقة معظمه من غير المصريين.

كان محمد علي يهدف من وراء تأسيس الجيش إلى تقوية دولته في وجه الدولة العثمانية والعمل على الانفصال عنها، هذا غير العمل على حمايته وأولاده والحفاظ على ملكهم، ودعمه في مواجهة المعارضة ضدهم، بالإضافة ليساعده على تحقيق طموحه التوسعية في المنطقة والتي لم يوقفها إلا معاهدة لندن في 15 يوليو 1840م، وهي المعاهدة أيضا التي حجمت قدرات الجيش المصري وعرضته للتقوقع داخل مصر والسودان بعد أن كان مصدر تهديد لبلاد الشام والحجاز، وهو ما جعله جيش لحماية محمد علي وأولاده وليس لحماية مصر قبل أن يعترض على ذلك بعض المصريين الشرفاء أمثال أحمد عرابي.

كان من الواضح تغير ميزان القوى بين الدول الغربية وغيرها من دول العالم، والتي وضعت الكثير من السياسات والاستراتيجيات للسيطرة على صناعة القرار في هذه الدول، والاستفادة من ثرواتها الطبيعية، ومن ثم حينما قرر محمد علي باشا تشكيل جيش نظامي على الطراز الحديث، سارعت فرنسا بدعمه بالخبراء لوضع منهجية فكرية تعليمية ينشأ عليها الجيش، وكان على رأسها إبعاد مظاهر التدين وسط العسكرين، والعمل على التبعية للغرب وسياسته.

تعرض الجيش المصري لنفس ما تعرضت له الدولة من تطورات وتغييرات كانت جميعها في اتجاه التخلف والتدهور، حيث لم يكن خلفاء محمد علي يتمتعون بنفس حنكة ودهاء سلفهم الذي استغل كافة المواقف والتطورات الداخلية والإقليمية والعالمية لصالحه ولمصلحة نفوذه وطموحاته الشخصية، بل أن هؤلاء الحكام سقوط في براثن السياسة الغربية وأصبح كل واحد منهم يعمل على تنفيذ هذه السياسة للحفاظ على عرشه، مما كانت وبالا على الجيش الذي عمد الانجليز بعد احتلال مصر إلى إضعافه وتقليص عدده (1).

لقد حرص محمد علي على تكوين جيشه من فرسان ومدفعية ومشاة وبحرية وفرسان من القوقاز والمشاة من السودانيين يجيدون الرمح.

فلقد بدأ محمد علي بتكوين أول جيش نظامي في مصر الحديثة يضم الشركس والألبانيين و السودانيين والمصريين، وكانت بداية العسكرية المصرية ومما ساعده في تكوين هذا الجيش أن أشرف عليه الخبراء الفرنسيون – خاصة القائد سليمان الفرنساوي - بعدما حل الجيش الفرنسي في أعقاب هزيمة نابليون في وترلوا وروسيا، وإنشاء الترسانة البحرية بالقاهرة والإسكندرية، إلا أن الجيش بهذه التشكيلة كان يمثل خطرا على نفسه، فعمد محمد علي لجعل الأغلبية من المصريين.

حيث لم تكن لمثل تلك المجموعة المختلطة من الاجناس الغربية عن مصر الشعور القومي الذى يشعر به أبناء البلاد، ذكر موقع الملك فاروق الأول ملك مصر قوله: رأى محمد على ان هذا الجيش لا يعتمد عليه فى تحقيق مشروعاته العظيمة لتأسيس ملكه الجديد ، فبذل جهده فى انشاء جيش من الفلاحين ابناء البلد ، وقد أتيحت لمحمد على الفرصة ليشهد الجيوش الاجنبية فى قتالها ، فقاتل الفرنسيين فى معركة الرحمانية ، واستطاع ان يشهد نظامها الحديث ، وتكتيكاتها وقارن بين هذا وبين الحالة التى عليها الجيش ، فصمم على ان يستبدل جنوده غير النظامية بجيش على النظام العسكري الحديث متى سمحت الفرصة لذلك ، وقد كان يعلم تماما صعوبة هذه المهمة لتغلغل الروح الرجعية فى الأهالي ورفضهم لكل جديد وخصوصا اذا جاء على يد الاجانب ، اضف الى ذلك ان حالة اهل مصر كانت تدب فيها الفوضى والاهمال منذ عهد طويل تحت حكم الاتراك والمماليك ، ولذلك لم ير من الحكمة التعجل فى تنفيذ مشروعة... بعد عام 1815 كانت حروب نابليون قد انتهت وسرحت جيوشه ، واصبح كثيرون من ضباطه بلا عمل ، فأستقدم محمد على منهم كثيرين واشهرهم " سيف " الذى اصبح فيما بعد " سليمان باشا الفرنساوى".

اخذ سيف على عاتقه انشاء جيش مصري حديث ، فأستصدر امرا من محمد على باشا فى 8 أغسطس سنة 1821م بإنشاء مدرسة اسوان الحربية ، بدأ فيها بتعليم العدد الضروري لتولى مهمة ضباط الجيش ، وجمع له محمد على لهذا الغرض الفا من المماليك الشبان الذين تألفت منهم نواة الجيش المصري (2).

وتضيف: وقد نقلت هذه المدرسة من اسوان الى اسنا ثم الى أخميم ثم الى بنى عدى ثم الى اثر النبي ، واستدعى محمد على باشا نخبة من الضباط الفرنسيين ، منهم الجنرال بواييه والكولونيل جودان ، وكان لهم اثر واضح فى التدريب الحديث على نمط الجيش الفرنسي فى اداء الحركات والسير والمناورات فيما عدا النداء فكان يصدر باللغة التركية ، وطبقت على الجيش المصري قوانين الجيش الفرنسي بعد ترجمة القوانين العسكرية الى التركية للعمل بموادها وهو ما يجلي بوضوح عقيدة الجيش المصري - مثله مثل الجيش السوري - والحساسية المفرطة في التدين، حيث كان كل القادة والمدربين والمعلمين من الفرنسيين الذين عمدوا إلى تنحية الدين جانبا في المناهج والواقع، ولم يكتف محمد علي بذلك بل أوفد البعوث للدول الأوروبية لتعلم أسس العسكرية الحديثة.

وتضيف: رأى محمد على باشا ان ينظم التعليم العسكري فى مصر ، فأمر بتأليف مجلس يشرف على شئون التعليم والتدريب وسماه ( قومسيون المدارس العسكرية ) وكان يتألف من ناظر الجهادية رئيسا وعضوية قادة الالايات وغيرهم (3).

ظل الجيش بهذه العصبة حتى وقع محمد علي باشا معاهدة لندن والتي أضعفت الجيش وقدراته وتسليحه، مما كان له أثرا عظيما في عدم المقدرة على التصدي للغزو البريطاني عام 1882م ناهيك عن خيانة بعض قادته الذين تعمدوا تسليم البلاد للإنجليز، بل وإعطاء الأوامر للجنود بعد التصدي للإنجليز، حيث سعى المحتل لتقليص العدد والاشراف العسكري على من تبقى، بل واستخدام الجيش المصري لحمايته، والاشتراك معه في قمع المعارضة، بل والوقوف بجانبه في الحرب العالمية الأولى ثم الثانية.

أول انقلاب عسكري في الدولة الحديثة

أصبحت بريطانيا في بداية القرن العشرين الإمبراطورية التي لا يغيب عنها الشمس لاتساع مستعمراتها في الشرق والغرب، وزاد من نفوذها خروجها في الحرب العالمية الثانية منتصرة، مما جعلها تتعامل بسياسة القوة مع كل من يقوض مصالحها، وكانت سياستها تختلف من بلد لأخر حسب طبيعة الشعب وحراكه، غير أن هذا الاتساع كان سببا كبيرا في انهاكها وكان واضحا ذلك مع بروز قوى أخرى مثل ألمانيا النازية وإيطالية الفاشية، والتي غيرت في الخريطة العالمية، وللتنافس التقليدي بين هذه القوى كان العالم يتجه إلى نذر حرب عالمية أخرى، لكن كان واضحا منها أنها ستكون أشد ضراوة من سابقتها.

وبالفعل في سبتمبر من عام 1939م أطلقت ألمانيا أول شرارة للحرب التي أثرت على معظم دول العالم، وتكونت جبهتان جبهة ما يسمى بالحلفاء وتضم القوتين التقليديتان بريطانيا وفرنسا وحلفائهما، وجبهة حلف المحور الذي ضم ألمانيا وإيطاليا واليابان وحلفائهم.

ظلت المعارك تتسع في الجانب الأوربي حتى وصل الامر باكتساح ألمانيا لفرنسا وكثير من دول أوروبا، وكان لابد من التطلع لمستعمرات الحلفاء الخارجية، وعلى الرغم من كونه كان خطأ عسكريا في توسيع ألمانيا نطاق الحرب واتساع الجبهات عليها خاصة أنها لم يكن لها أي مستعمرات يخدم جنودها معها بخلاف بريطانيا وفرنسا التي وقفت جميع جيوش مستعمراتها معها في الحرب على أمل أن تعترف باستقلالها في خدعة كبيرة.

كانت الأمور في مصر غير مستقرة، غير أن سياسة الملك الشاب لم ترضي بريطانيا خاصة مع الاجتياح الكبير للقوات الألمانية، مما جعل نذر الخطر تلوح في الأفق أمام الإنجليز مما دفعها للسعي لتأمين جنودها وقواعدها في الدول المحتلة وعلى رأسهم مصر و قناة السويس.

ففي 26 أغسطس 1936م - ووقت أن كان الوفد في الوزارة بقيادة النحاس – وقع النحاس باشا مع بريطانيا معاهدة – أقل ما وصفها الجميع أنها ضيعت حقوق الجانب المصري – والتي كان من ضمن بنودها إلزام مصر في حالة الحرب بتقديم كل التسهيلات والمساعدات للقوات البريطانية، وللبريطانيين حق استخدام مواني مصر ومطاراتها وطرق المواصلات بها، وإنشاء الثكنات التي فرضت أعباء مالية جسيمة مما يؤخر الجيش المصري وإعداده ليكون أداة صالحة للدفاع عنها، كما أنه بموجب هذه المعاهدة تصبح السودان مستعمرة بريطانية يحرسها جنود مصريون (4).

وبموجب هذه المعاهدة تلتزم مصر بتقديم المساعدة العسكرية للجانب البريطاني في حربه مع دول المحور، غير أنه ما أن تولى فاروق السلطة الفعلية في 29 يوليو 1937م حتى قام بعزل حكومة النحاس باشا، وهي الإقالة التي وصفتها الدوائر الأمريكية بأنها بداية للعديد من الخلافات بين فاروق والسفير البريطاني في الوقت الذي كان السفير البريطاني قد بذل جهدا شاقا في محاولة الوساطة بين الملك والنحاس وكان فشله في تلك المهمة موضع لوم من حكومته، وقد عرضت في تلك الأزمة فكرة تنحية الملك فاروق عن العرش إلا أن الخارجية البريطانية لم توافق عليها بحجة أن هذا الإجراء سيحدث أثر كبيرا في صفوف الشعب المصري بسبب الشعبية الكبيرة التي يمتع بها الملك الشاب.

كلف الملك فاروق محمد محمود باشا بتشكيل الوزارة، غير أنه قدم استقالته على إثر تدهور حالته الصحية في أغسطس من عام 1939م وتم تكليف علي ماهر باشا بتشكيل الوزارة حيث شكلها قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بأسبوعين وهي الوزارة التي لم تكن لترضى عنها بريطانيا لميول علي ماهر إلى دول المحور ولإعلانه الحياد في الحرب وهو ما زاد من مخاوف الانجليز، حتى أنه في 22 يونيو 1940م وجهت السفارة البريطانية إنذارا للملك بأنه لا سبيل للتعاون مع علي ماهر باشا ولوحت صراحة بإنزال الملك عن العرش ووضعه تحت الرقابة حتى لا يهرب حتى أن الحكومة البريطانية هذه المرة وافقت على هذا التهديد، وزادت من الضغوط عليه قام بتغير الوزارة وإقالة علي ماهر وتكليف حسن صبري باشا في 24 يونيو 1940م غير أن الوفاة عاجلته فكلف الملك فاروق حسين سري باشا بتشكيل الوزارة في نوفمبر من عام 1940م، وهي ما وافقت عليه بريطانيا مؤقتا.

كانت الحرب في بدايتها تشكل تهديد واضح على بريطانيا ومستعمراتها وهي ما جعلتها تضغط على مصر لتنفيذ معاهدة 1936م غير أن جميع الوزارات التي تولت منذ اندلاع الحرب اتخذت قرار بالحياد، وما ساعدها على ذلك ميول الملك فاروق لألمانيا وإيطاليا.

غير أن الملك والمحيطين به شعروا بعدم رضى الإنجليز فحاول تأليف وزارة ائتلافيه وأوفد وكيل الديوان الملكي عبد الوهاب طلعت إلى الزعيم مصطفى النحاس وكان في كفر عشما بالمنوفية. رفض الزعيم مصطفى النحاس الاشتراك في وزارة ائتلافية حتى لو كان رئيسا لها، وطالب بتأليف وزارة محايدة يكون أول عمل لها حل مجلس النواب وإجراء انتخابات حرة. وانتهى الاجتماع دون اتفاق على أي شيء من هذا، وهو ما جعله يكلف حسين سري بالوزارة (5).

شهدت بداية عام 1941 أزمة حادة في السلع التموينية وبدأت طوابير الخبز حيث كان الناس يهجمون على المخابز للحصول عليه ويتخطفون الخبز من حامليه، وأوشكت الأزمة أن تصل حد المجاعة. ووصلت قوات روميل في الصحراء الغربية إلى العلمين بجوار الإسكندرية فخرجت المظاهرات في 2 فبراير 1942 بتدبير القصر تهتف بحياة روميل وعجز حسين سري عن مواجهة الموقف فقدم استقالته، ولعل الدوائر البريطانية كانت وراء حركة الاضطرابات التي عمت العاصمة كوسيلة لما قد تقدم عليه من تدخل.

ومن ناحية أخري فلم تعد حكومة سري باشا موضع ثقة فاروق بسبب أزمة حكومة فيشي حيث طلبت بريطانيا من حسين سري قطع العلاقات مع حكومة فيشي ( الشرعية)، حدث هذا وفاروق في رحلته إلى البحر الأحمر مما كان سبب في إقالة وزير الخارجية ( صليب سامي) حيث اعتبرت بريطانيا أن إقالة وزير الخارجية المصري بسبب تلبية للنصائح البريطانية يعد عملا عدائيا من الملك فاروق موجها ضد المصالح البريطانية.

وهكذا وصلت العلاقات بين بريطانيا والقص إلى حد التصادم العلني في الوقت الذي جاوزت قوات المحور حدود مصر وأوغلت في صحرائها وانسحبت القوات البريطانية فأخلت مرسى مطروح الأحوال في مصر خوفا من زحف القوات الألمانية والإيطالية صوب الإسكندرية .

عندما استقالت وزارة حسين سري كانت قوات روميل بالعلمين في يوم 2 فبراير 1942م، وطلب السفير البريطاني من الملك فاروق تأليف وزارة تحرص على الولاء للمعاهدة نصا وروحا قادرة على تنفيذها وتحظى بتأييد شعبي وأن يتم ذلك في موعد أقصاه 3 فبراير 1942م.

وعلى ما يبدو فإن التفكير في عزل فاروق وفرض وزارة مصرية معينة وزعيم مصري معين كان موضع تفكير واهتمام من جانب الحكومة البريطانية من ثم يمكن القول أن حادث 4 فبراير سنة 1942 لم يكن نتيجة قرار أو سياسة اتخذت فجأة وإنما كان الفصل الأخير أو لخاتمة لسياسة مرسومة كان قد بدأ تنفيذها ووفقا لرأي الخارجية البريطانية : " إن النحاس هو وحده الزعيم الشعبي القادر على تحويل الدقة – دفة عواطف الشعب من الاتجاه نحو ألمانيا إلى الاتجاه نحو بريطانيا".

وعلى الرغم من أن الوفد قد تنكر لمسئوليته من تلك الأحداث إلا أن الوثائق البريطانية قد كشفت إلى أي حد كان الوفد ضليعا في تلك الأحداث. يقول لامبسون في تقريره: أن هيبتنا قد تدهورت إلى حد كبير والوفد يضاعف من حملاته ضد الحكومة المصرية وفاروق يغذي كل هذه الاتجاهات والأحزاب تجد في حملاتها على الحكومة هدفا وطنيا يكسبها قدرا من الشعبية وعودة الوفد قضية هامة تتعلق بمستقلنا في مصر.

وتشير الوثائق الأمريكية إلى أن ما يحدث في مصر من سوء الأحوال وتفاقهم في المشاعر المعادية لبريطانيا مرجعه إلى الملك فاروق والسفير البريطاني حيث تحول العداء بينهما إلى قضية ثأر فكل منهما يريد أن يقتص من الآخر بطريقته الخاصة (6).

مخططات في الظل

يبدو أن الحكومة البريطانية كانت منزعجة بسبب انتصارات القوات الألمانية، ومتخوفة جدا من هذه الانتصارات على الأرض، ولذا أعدت العدة لعزل فاروق للحفاظ على مستعمراتها في مصر، ومن الواضح أنها كانت على اتصال بقادة الوفد لترتيب المشهد، وهو ما كشفته الوثائق البريطانية.

فحينما تقدم سري باشا باستقالته طالبت بريطانيا بحكومة تعمل على تنفيذ معاهدة 1936م – وهو إشارة إلى الوفد لأنه هو من وقع عليها وعمل على تطبيقها - فقد استدعى الملك فاروق قادة الأحزاب السياسة في محاولة لتشكيل وزارة قومية أو ائتلافية، حيث كانوا جميعا -عدا الزعيم مصطفى النحاس- مؤيدين فكرة الوزارة الائتلافية برئاسة الزعيم مصطفى النحاس؛ وسواء أكانت الأوضاع الدولية هي المسئولة عن التدخل البريطاني أو أن الوفد كان ضليعا في تلك الأحداث فإن النتيجة واحدة حيث كان هذا الحادث بداية النهاية للشعبية التي ظل يتمتع بها الوفد، في حين ارتفعت شعبية الملك الشاب بين الناس بل كانت هذه الحادثة مفصليه في زيادة شعبيته وسط صفوف ضباط الجيش المصري.

وليس ذلك فحسب بل كانت الحادثة سببا في بزوغ قوى أخرى نافست الوفد على شعبيته واستطاعت أن تحظى بالكثير كان على رأسهم جماعة الإخوان المسلمين والشيوعيين.

لقد مثل حادث 4 فبراير 1942 تدخلا بريطانيا عنيفا تحت وطأة الحرب العالمية الثانية في صالح حزب الأغلبية " الوفد " بهدف قيام حكومة قوية تتمكن من تطوع مصر سياسيا وعسكريا واقتصاديا لخدمة القوات المتحالفة، كما أسقط واقعيا معاهدة 1936م والتي تأكد الناس أنها لخدمة الجانب البريطاني على حساب الشعب المصري.

وهو ما أكده هيكل في مذكراته بقوله: هذه الحادثة عبرت عن مآزق وطنية، ومآزق شرعية، ومآزق سلطة ترتبت عليها نتائج خطيرة فيما جرى بعدها؛ إذ إن الدبابات التي حاصرت قصر عابدين -مقر الملك فاروق- لم تترك لأحد فرصة للشك في أن الإنجليز هم المصدر الأعلى للقرار السياسي في مصر، وكان قبول الوفد بهذه الطريقة في الصعود للسلطة اعترافا بشرعية هذا المصدر الأعلى للقرار، ثم تأكد ذلك عندما قام قادة المظاهرات الوفدية التي حملت النحاس إلى مقر الوزارة بحمل مايلز لامبسون الرجل الضخم الجثة الذي كان فاروق يسميه جاموس باشا، فوق الأعناق، وهو ذاهب إلى مقر الوزارة لتهنئة النحاس بعودته للسلطة (7).

ساعة الحسم

على الرغم من اشتداد المعارك في أوروبا واجتياح الألمان الكثير من البلدان ولم يبق أمامها إلا الجزر البريطانية، إلا أن الاستراتيجية العسكرية الألمانية وجدت أن محاولة اقتحام بريطانيا واحتلالها سيكلفها الكثير، ولذا فكرت في التوجه إلى مستعمرات بريطانيا في الشمال الإفريقي، وهو ما تم تنفيذه حيث ساعدها وشجعها هي وجود ليبيا تحت السيطرة الايطالية – شريك ألمانيا في الحرب – بالإضافة لهزيمة فرنسا واحتلال باريس مما أضعف مستعمراتها في المغرب العربي، ومن ثم لم يبق إلا مصر فكان لابد من كسر شوكة الانجليز بها والسيطرة عليها، وهو ما جعل القائد الألماني روميل ينتقل إلى ليبيا بجنوده ويعد الخطة لاجتياح مصر.

استشعرت بريطانيا الخطر الشديد من هذا التكتيك والتغيير الذي أحدثه الألمان بعد التفكير في اجتياح مصر، وشجع الألمان التقارير التي أكدت أن الرأي المصري (الرسمي والشعبي) يؤيد تحركات الألمان.

من هنا استقر رأى الادارة البريطانية على تولية حكومة مصرية موالية لتوجهات الإنجليز، ولم يجدوا في كل من خدمهم مطيعا جيدا مثل النحاس والوفد، بالإضافة لشعبيته الكبيرة، ولذا استقر القرار أن يتولى الوفد الحكومة.

يقول صابر عرب: وبقدر تأزم الموقف الدولي فإن بريطانيا ستعمل على عودة الوفد في الوقت الذي تري فيه أن الإقدام على تلك الخطوة مسألة تحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة ولذا فقد لفت لامبسون نظر فاروق إلى أن فشل وزارة حسن صبري ستترتب عليه نتائج خطيرة قد لا يتوقعها وهو يريد بذلك تحذير فاروق من سياسته التي اتبعت أيام وزارة علي ماهر تلك السياسة التي يري لامبسون أنها أدت إلى أزمة أفلت فاروق من نتائجها الخطيرة الصعبة ..

وهكذا بدأت كل الدلائل تشير إلى أهمية عودة الوفد كضرورة تحتمها المصالح العليا لبريطانيا ولو استخدمت في ذلك من الوسائل ما يتناقض بصورة واضحة مع المعاهدة المصرية البريطانية (8).

كان من الواضح الصراع بين الادارة الانجليزية في مصر والقصر الملكي منذ اندلاع الحرب حول أن يتولى الوفد مقاليد الحكم، ففي حين بريطانيا تريد تولية النحاس باشا بأي وسيلة كان فاروق يراوغ باختيار وزارات مواليه له وفي نفس الوقت صديقة للإنجليز مثل حسن صبري وحسين سري.

يقول صابر عرب: ومع نهاية 1941 ازدادت المتاعب البريطانية بسبب الارتفاع الملموس في أسعار الحاجيات الضرورية وما صاحبه من اعتقاد بين الرأي العام المصري بأن مرده إلى عمليات النهب التي تمارسها السلطة البريطانية في مصر لحساب جيوشها والقوات المتحالفة معها، وصاحب كل ذلك فشل الحكومة في أن توقف موجة الكراهية ضد بريطانيا، وظهرت طبقة من المرابين والمضاربين الذين قاموا بتخزين المؤن أملا في ارتفاع أسعارها وانتشرت السوق السوداء في كل مكان.

ويلاحظ أن كل الصحف المصرية كانت تشير من طرف خفي إلى مسئولية بريطانيا عن حدوث تلك الأزمات نظرا لاعتماد جيوشها على المواد التموينية المخصصة للشعب المصري. ولقد أعلن إسماعيل صدقي باشا ( رئيس الوزراء السابق) أن وجود قوات الحلفاء هو أحد الأسباب الرئيسية في عجز المواد الغذائية على اعتبار أن الجنود البريطانيين يستهلكون في أجازاتهم بالإضافة إلى ما يستهلكونه في ثكناتهم ما يقرب من 50,000 أردب شهريا من القمح يصل إلى 60,000 ألف أردب في العام الواحد .

ولقد أحدث هذا القول دويا واسعا في كل الأوساط الشعبية والرسمية وانتشرت الأقاويل حول النهب البريطاني لمصر وعن المجاعة والفوضى وسوء الإدارة وتضاعف موقف الحكومة حرجا حينما تقدم وزير المالية باستقالته لأسباب غامضة ( 2 يناير 1942 ) في الوقت الذي كانت الأحوال العسكرية في الجبهة الغربية تمر بأدق وأخطر مراحلها ومن هنا فقد كان على بريطانيا ( مدفوعة إلى الحفاظ على مصالحها) أن تتدخل تدخلا حاسما لتعيد الأوضاع إلى الاستقرار مهما كان شكل هذا التدخل وكانت عودة الوفد تمثل حيويا بالنسبة لبريطانيا (9).

وفي الوقت الذي تتعرض فيه الجيوش البريطانية للضربات الألمانية في السلوم ومطروح، خشيت بريطانيا من ظهور حركة وطنية على غرار حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق تتصل بالألمان وتضغط على بريطانيا في المكان والوقت غير المناسبين، وكانت السياسة البريطانية تضع في حسبانها ردود فعل القوى السياسية المختلفة المؤيدة للفلسطينيين في صراعهم ضد الصهيونية، ونشاط الجمعيات الدينية التي بدأت تظهر على الساحة السياسية المصرية مثل حركة الإخوان المسلمين التي بدأت خوض السياسة قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بوقت قصير، كما تصاعدت شكوك الإنجليز ضد الملك، من وجود قنوات اتصال بينه وبين ألمانيا وحلفائها، وهو ما أكدته الحوادث خاصة حينما خرجت مظاهرات صاخبة في مصر تهتف: “يحيا روميل، يحيا الملك، يسقط الإنجليز”، وخرجت هذه المظاهرات من الأزهر وجامعة القاهرة، وتردد أن القصر كان وراء هذه المظاهرات التي استمرت يومين.

لقد اتخذت الادارة الانجليزية قرارها بأن يتولى الوفد الوزارة حتى ولو تم تغيير الملك، حيث يصف صابر عرب موقف الوفد وحرصه الشديد على اعتلاء كرسي الوزارة وما قام به يدل دلاله واضحة على تعطش الوفد للوزارة، حتى أن المذكرة التي تقدم بها للإنجليز كان يهدف من ورائها اثبات قوته للإنجليز وأنه الوحيد على حماية مصالح بريطانيا إذا اعتلى الحكم.

ووفقا للمصالح البريطانية فقد درس السفير البريطاني الموقف المصري جيدا ووقف على اتجاهات الأحزاب ودسائس القصر واستطلع الرأي العام من كل جوانبه وتأكد من أن عودة الوفد تعني استقرار الأوضاع المصرية وان التطرف الوطني الذي مارسه الوفد وهو خارج الحكم يختلف تماما عن موقفه وهو في الحكم وفي نفس الوقت فإن الوفد لم يتردد في إعلان ارتباطه بقضية الديمقراطية مؤكدا على أن مصر تمد يدها للشعب الحليف ( بريطانيا ) وأن الشرف يقتضي مؤكدا من كل مصري أن يساعد الدولة الحليفة ويشد أزرها وأن تتجنب بوجه عام كل ما يمكن ان يؤخذ على أنه " طعنة في الظهر ".

غير أن الظروف فرضت على بريطانيا التحرك من أجل تمكين الوفد من الحكم، يقول السفير : " قابلت حسنين باشا وقال : إن هناك محاولات تجري لتشكيل وزارة قومية ولما كان هناك خطر واضح من أن نواجه بوزارة يرأسها مرشح لعلي ماهر فلقد عقدت اجتماعا لمناقشة الموقف برمته وحضره وزير الدولة لشئون الشرق الأوسط والقائد العام للجيوش البريطانية في المنطقة وتردد بوضوح في هذا الاجتماع أن الأزمة الحالية قد أيدت بواسطة العناصر المعادية لبريطانيا لاستغلال مصاعبنا الحالية في الشرق الأقصى وفي ليبيا وأننا إذا أخفقنا في إظهار الشدة فقد تحدث مخاطر أخري وأوضح القائد العام للشرق الأوسط أنه يفضل تجنب حدوث مواقف قد تؤدي إلى اضطرابات عامة وقد يتحرك الجيش المصري لحماية الملك وقد قمت من جانبي بالرد على هذه لمخاوف بحكم معرفتي بالأحوال العامة .. وتم الاتفاق على أن أقابل الملك فاروق في الواحدة بعد ظهر اليوم ( 2 فبراير 1942)، وأبلغه اننا نريد حكومة موالية لنا ، قادرة على تنفيذ المعاهدة بنصوصها وروحها (10).

وبينما كانت الاتصالات قائمة بين القصر والسفير البريطاني بخصوص عودة الوفد كانت نفس الاتصالات قائمة بين السفارة البريطانية والنحاس باشا بواسطة أمين عثمان لنفس الهدف مع فاروق بسيط وهو أن الإنجليز عرضوا على النحاس تشكيل وزارة وفدية خالصة وأصبح الوفد أمام خيارين أما أن يقبل حكومة قومية وفقا لرغبة القصير أو يقبل حكومة وفدية لحما ودما وفقا لرغبة الإنجليز واختار النحاس وجهة النظر البريطانية التي كلفت مصر ثمنا غاليا من استقلالها وكرامتها وكلفت الوفد نفسه ثمنا باهظا من شعبيته وتاريخه الوطني الطويل.

بعد أن تأكد لامبسون من موافقة النحاس لتشكيل وزارة خالصة من الوفد ورفضه لحكومة ائتلافية، وضع مجلس الحرب الانجليزي في مصر خطة عسكرية تضمنت محاصرة قصر عابدين بالدبابات ومقاومة الحرس الملكي فيما لو اضطر لاستخدام القوة وعلى ضوء هذا الإجراء يتقدم السفير مطالبا فاروق باعتزال العرش وإذا رفض يكفي بإبلاغه بأنه قد خلع عن عرش مصر ثم دعوة الأمير محمد على لكي يتولى مهام الملك فاروق وإذا ما رفض الأمير محمد على فإن بريطانيا ستحكم مصر عسكريا بمقتضي الأحكام العرفية حتى تستقر الأمور بقبول أحد الأمراء ولاية العرش أو بإعداد نظام آخر.

بعدما تسلم فاروق الانذار الأول استدعي الملك رؤساء الأحزاب والشخصيات العامة بما فيهم النحاس باشا والذي كان في رحلة إلى الصعيد وتم استدعاؤه على عجل وفي محاولة من الملك فاروق لحسم الموقف فقد عرض على النحاس أن يترأس حكومة قومية إلا أنه رفض رفضا قاطعا متذرعا بعدم وجود أي نوع من التفاهم مع أحزاب الأقلية.

ولما كان اجتماع فاروق بالزعماء السياسيين قد انتهي إلى لا شئ فقد طلب السفير البريطاني مقابلة عاجلة مع رئيس الديوان الملكي ( أحمد حسنين ) وأخبره بأن يرفع إلى الملك النصيحة بأن يكلف النحاس باشا بتأليف وزارة وفدية لأن بريطانيا ترغب في ذلك.

وعندما حمل أحمد حسنين ( رئيس الديوان ) رسالة لامبسون إلى فاروق بضرورة دعوة النحاس ليشكل وزارة وفدية خالصة اعترض الملك ورأي أن الموقف يعد تدخلا في أخص خصائصه الدستورية وعلى ذلك لم يجب السفير إلى رغبته.

وفي صباح 4 فبراير 1943 طلب السفير مقابلة رئيس الديوان وسلمه إنذار نصه ( إذ لم أعلم قبل السادسة من مساء اليوم ( 4 فبراير ) أن النحاس باشا قد دعي لتأليف الوزارة فإن الملك فاروق يجب أن يحتمل تبعه ما يحدث .

وعلى الرغم من أن الملك فاروق قد أجتمع بزعماء الأحزاب وقادة الرأي وتناقش معهم في الموقف في محاولة للخروج من تلك الأزمة إلا أن كل المحاولات قد انتهت بالفشل نظرا لإصرار النحاس على تشكيل حكومة وفدية خالصة بينما تمسك الملك بوجهة نظرة التي تعني قيام حكومة قومية، إلا أن الملك ورؤساء الأحزاب رفضوا مذكرة لامبسون وإنذاره حيث جاء فيه: ان الانذار البريطاني الموجه الى جلالة ملك مصر يمثل خرقا لمعاهدة الصداقة والتحالف بين البلدين ، ولهذا السبب وبناء على نصيحة الزعماء السياسيين ، فإن جلالة ملك مصر لا يستطيع قبول هذا الخرق لاستقلال بلاده (11).

تم الاتفاق في مجلس الحرب على انه إذا لم يصل رد فاروق حتى الساعة السادسة ( من مساء 4 فبراير ) فسوف يتوجه لامبسون إلى قصر عابدين وبصحبته قائد القوات البريطانية في مصر " الجنرال ستون " وستتخذ كافة الإجراءات العسكرية وتم الاتفاق أيضا على وضع الخطة النهائية لمحاصرة القصر وإجبار الملك على التنازل واصطحابه إلى خارج القصر واقترح أميرال البحرية اعتقال فاروق في احدي سفن الأسطول البريطاني حتي يتقرر مصيره من قبل وزارة المستعمرات البريطانية، وقد احتفظت السلطات العسكرية بأسرار العملية إلى ساعة الصفر واتخذت جميع الاحتياطات لكيلا يقع تصادم بين الجيش المصري والقوات البريطانية.

ولقد شجع لامبسون على الاقدام بذلك هو تعاون النحاس الكامل معه على فرض هذه الرؤية على الملك، فبعد أن وقع الزعماء السياسيين رافضين لغة الانذار – بما فيهم النحاس باشا – التقى أمين عثمان بلامبسون مأكدا له – كما ذكر لامبسون في مذكراته- بانه يستطيع ان يراهن الى اخر دولار عنده بأن ( النحاس ) متمسك بما اتفق عليه معي.

ولذا من الواضح أن محاولة الانقلاب العسكري البريطاني على الملكية في مصر كان من جراء خيانة عظمي قام بها رئيس الوفد وبعض رجالاته بالتعاون مع الإنجليز لإجبار الملك على اسناد الحكم لهم، وهو ما أكده مرة اخرى لامبسون في مذكراته بقوله: قبل ان اخرج من السفارة استدعيت (أمين) لمقابلة أخيرة أريد ان اتأكد فيها من أن كل شيء يسير على نحو ما أريد.

ولذا تشجع لامبسون في وضع الصيغة النهائية لتنازل فاروق عن العرش والتي جاء فيها: نحن ( فاروق ) الاول ملك مصر تقديرا منا لمصالح بلدنا فأننا هنا نتنازل عن العرش ونتخلى عن اى حق فيه لأنفسنا ولذريتنا ، ونتنازل عن كل الحقوق والامتيازات والصلاحيات التي كانت عندنا بحكم الجلوس على العرش ، ونحن هنا ايضا نحل رعايانا من يمين الولاء لشخصنا "

صدر فى قصر عابدين فى هذا اليوم الرابع من فبراير 1942م - توقيع " فاروق (12).

الدبابات البريطانية في القصر الملكي

في الوقت الذي كانت تبذل فيه السفارة البريطانية قدرا كبيرا من الجهد لعودة النحاس باشا فإن لامبسون كان يعد العدة لإجبار فاروق على التنازل من العرش إذا ما رفض المطالب البريطانية.

وبالفعل بدأ تنفيذ الانقلاب العسكري، بداية من غلق جميع الشوارع والطرق المؤدية لقصر عابدين، بل والطرق المؤدية للقاهرة ليمنع بذلك أي تحرك من قبل الجيش المصري لإنقاذ ملكه وإفشال عملية الانقلاب.

يقول الماجور سانسوم (المسئول عن أمن القوات البريطانية في مصر): اقترحت أن توصد كل الطرق والشوارع لمؤدية إلى قاب القاهرة أن الضباط الصغار لا يحبون الملك ولكنهم يكرهوننا أكثر وسيكون رد الفعل عندهم عنيفا لمثل هذه والإهانة وبالفعل أغلقت جميع الطرق الموصلة بين ألماظة والقاهرة وقبل ساعة الصفر مباشرة قامت فصيلة من قواتنا بالهجوم على ثكنات الحرس الملكي في ميدان عابدين وقبضت على كل الموجودين وكذلك ثم القبض على الحراس الذين كانوا يقفون عند باب القصر وحل محله جنود بريطانيون ثم دخل لامبسون بسيارته إلى داخل القصر وكانت تصحبه مجموعة من العربات المصفحة والدبابات (13).

وفي رسالة أرسلها لامبسون لوزير خارجيته انتونى ايدن يطلعه على ما جرى من احداث في هذا اليوم فيقول: صاحب السعادة قد يهمك ان تعرف صورة كاملة لوقائع هذا المساء التي اعتبرها جديرة بالتسجيل، ففي الساعة التاسعة مساء وصلت الى قصر عابدين مصحوبا بالجنرال (ستون) ومعنا مجموعة منتقاه من الضباط الذين يمثلون كل أسلحة القوات، وكانوا مسلحين حتى الاسنان، وفى طريقنا للقصر مررنا ببقية قواتنا التي كانت تتقدم في الظلام متجهه الى القصر لاستكمال حصاره، وعندما وصلنا كان في وسعى ان أرى نظرة ذهول في عيون تشريفاتية القصر الذين وقفوا في استقبالنا عند مدخله، وكانت نظراتهم الذاهلة اول اشارة لى بأن المظاهرة التي قمنا بها حققت اثارها المبدئية.

صعدنا الى الطابق الثاني وانتظرنا قليلا ونحن نسمع اصوات الدبابات وهى تتخذ مواقعها حول القصر، وكان مشهد دخول وخروج تشريفاتية القصر والياوران من ناحية مكتب الملك وهم يهرولون فى ذعر لمسة مضافة الى جو توقعات الشؤم التي ينتظرها أهل القصر .

بعد قرابة خمس دقائق من التأخير دعيت الى مكتب الملك في نفس اللحظة التي كنت فيها على وشك ان ابلغ رئيس الامناء أننى لست مستعدا للانتظار ثانية اضافية واحدة، وتوجهت فى الممر المؤدى الى مكتب الملك ومعي الجنرال (ستون) ولكن كبير الامناء (سعيد ذو الفقار) حاول ان يمنع الجنرال ( ستون ) من مرافقتي ، وقد ازحته جانبا بذراعي ودخلت والجنرال (ستون) معي الى مكتب الملك .

بدا الملك ( فاروق ) مأخوذا ، وسألني اذا كان يمكن ان يستبقى ( حسنين ) معنا اثناء المقابلة، ووافقت على طلبه .

مضيت مباشرة الى مهمتي وقلت للملك أننى كنت اتوقع منه ردا بلا او نعم في الساعة السادسة على الرسالة التي بعثت بها الى القصر صباح اليوم ، وبدلا من ذلك جاءني (حسنين) فى الساعة السادسة والربع برسالة اعتبرتها ردا ( بلا ) ، وانا الان اريد ان اعرف وبدون مراوغة هل هى نعم ام هى لا ؟ ، وبدا الملك يفكر ولم اترك له فرصة، وانما اكملت كلامي على الفور مبديا له بازدراء شديد ان الامور وصلت الى نقطة خطيرة اعتبرها بوضوح اجابة بلا، وبناء عليه فأنى بمقتضى السلطات المخولة لي اطلب منه توقيع وثيقة بالتنازل عن العرش، وليس امامه غير ان يوقع عليها فورا، والا فأننى سوف اتخذ اجراءات اخرى للتصرف معه قد لا تكون مرضية له، وناولته ورقة التنازل عن العرش.

تردد الملك (فاروق) لثوان وأحسست للحظة أنه سوف يأخذ القلم ويوقع، لكن (حسنين) تدخل باللغة العربية وقال شيئا للملك الذى توقف وبدا عليه نوع من الهلع، وقد نظر الى وسألني بطريقة محزنة وبدون اية ادعاءات مما كان يتظاهر به من قبل (إذا كان في الامكان اعطاؤه فرصه اخرى واخيرة) ، وقلت له (اننى لابد ان اعرف فورا وبدون مراوغة ما الذى ينوى عمله؟) ، واجاب بأنه سوف يستدعى (النحاس) على الفور ، وزاد فأقترح ان يدعو (النحاس) فى وجودي اذا اردت، وان يكلفه على مسمع منى بتشكيل وزارة جديدة .

سألته ( هل يفهم بوضوح انها يجب ان تكون وزارة من اختيار ( النحاس ) وحده ؟ ، وقال (انه يفهم) ، وقلت له " اننى الان على استعداد لأن اعطيه فرصة اخيرة لأنى اريد ان أجنب بلاده تعقيدات قد لا تكون سهلة فى هذه الظروف، ولكن عليه ان يدرك ان تصرفه يجب أن يكون فوريا " ، وقال مرة اخرى وبصوت متأثر بالانفعال ( انه يستوعب ان ضرورات محافظته على شرفه وعلى مصلحة بلاده تقتضى أن يستدعى ( النحاس ) فورا)، وعلى هذا الاساس وافقت.

حاول الملك ( فاروق ) بعدها وبجهد يثير الرثاء ان يتلطف وان يجعل من نفسه شخصا ودودا، واكثر من ذلك فأنه وجه لي شخصيا شكره العميق لأنني ساعدته في اجتياز أزمة بهذه الحده.

تركت مكتبه وخرجت مارا بالبهو الطويل المؤدى الى مكتبه، وكان البهو مزدحما جدا بعدد من الضباط البريطانيين ومن تشريفاتية القصر، كما أنه عند أخر الممر من الناحية الاخرى، كان هناك عدد من السيدات ظهرن لى وكأنهن قطعان من الدجاج المذعور.

وعندما نزلنا الى بهو القصر كان هناك حشد من الضباط البريطانيين، كما انه من مدخل القصر بدا لى صلب الخوذات والمسدسات ومدافع التومى، وكلها على استعداد لحالة الانذار.

وبينما نحن نخرج من مدخل القصر ظهرت أمامي ساحته الواسعة بأضوائها الخافتة ، كأنها غابة مغطاه بالدبابات والعربات المصفحة والمدافع المصوبة نحو القصر استعدادا للعمل، وكان المشهد قويا مثيرا للإعجاب بكفاءة الترتيبات العسكرية التي مهدت وساعدت على انجاح مهمتي بهذه السرعة.

فور ان وصلت الى السفارة وجدت (حسنين) على التليفون ينتظرني بلهفة ويسألني (متى تنسحب القوات المحيطة بالقصر؟ ، وداعى لهفته أن وجود القوات يعرقل وصول زوار القصر الأن وأولهم (النحاس) وهو لا يريد ان نتصور ان هناك تأخيرا ليسوا هم المتسببين فيه)، ووعدت (حسنين) اننى سوف انظر فى الامر.

وبعد نصف ساعة من هذه المحادثة وصل (النحاس) الى مقر السفارة ، قال لي انه قادم من مقابلة الملك الذى استقبله مع عدد أخر من الزعماء السياسيين وأن الملك كلفه أمامهم جميعا بتشكيل الوزارة على الفور وكما يريد، كما كلفه بأن يجئ على الفور لإبلاغي بأن كل شيء قد تم كما طلبت، وان الملك تصرف حسب ما وعدني وبسرعة.

بقى (النحاس) معي وطلبت أن ينضم الينا وزير الدولة، وابلغت ( النحاس ) بحضوره اننى سوف اتراجع من الان الى خلفية المسرح وأترك له أن يقف فى الواجهة ويتصرف ويقوم بتأليف وزارته، كان ( النحاس ) متحمسا وان عبر عن وساوس لاتزال تراوده حول شرور بعض عناصر القصر، وكان رأيه أن هذه العناصر وعناصر أخرى من خارج القصر لابد من استبعادها فورا، وقلت له اننى افضل أن أكون الان بعيدا، وعليه هو أن يتخذ الاجراءات التي يراها ضرورية (14).

وانكسرت هيبة القصر

كان حادث 4 فبراير انقلابا عسكريا على الدولة كلها وليس على ذات الملك الشاب، وهي ما جعلت كثير من الأحداث تتغير وتتشعب الطرق، ويزداد التشرذم، فأصبح الملك وحاشيته في وادي، وقادة الجيش الصغار في وادي، والشعب في وادي والحركات الإسلامية في وادي أخر، واستفاد الإنجليز من هذا التشرذم في تثبت قواعد الدولة الصهيونية.

فبعد أن رفض فاروق هذا الإنذار؛ قرر لامبسون أن ينتزع موافقة الملك بالقوة، فأمر القوات البريطانية بمحاصرة قصر عابدين، ثم اقتحم على الملك قصره بمرافقة قائد القوات البريطانية، وخيره بين التوقيع على التنازل عن العرش واستدعاء النحاس لتشكيل الوزارة، فوافق الملك على العرض الثاني، واعتبر لامبسون ذلك استسلاما كاملا للإنجليز دون شروط، وكان يقول: “إن فاروق ولد جبان ويجب إخافته بين الحين والآخر”.

وقال اوليفر ليتلتون (وزير الدولة) للامبسون: اذا تراجع الولد فليس لنا ان نجبره على التنازل عن العرش والا وضعنا انفسنا فى مربع الخطأ. لقد تحقق للانجليز والوفد ما أرادوا غير أن مجريات الأمور تغيرت – خاصة بعدما رجحت كفة الحلفاء في الحرب، وأصبح مبدأ التمسك بالنحاس والوفد لا قيمة له للمصالح البريطانية ومن ثم لم يبدوا اعتراض على إقالة وزارة النحاس عام 1944م.

رأى فاروق في وزارة 4 فبراير تحديا سافرا لسلطته، فقرر اللجوء للخط الإسلامي، فأطلق لحيته التي كانت تستفز لامبسون، وأخذ يصلي الجمعة وسط الجماهير، وزار المصانع، وكثف من اهتمامه بالقضايا الإسلامية، ولم يسترح حتى طرد هذه الحكومة في (21 من شوال 1363 هـ/ 8 من أكتوبر 1944م) ولم يعترض الإنجليز على طردها بهذه الصورة؛ لأن الغرض منها قد استنفد ولم يعد هناك حاجة لبقائها، وتعرض الوفد لصراعات عدة، كان أهمها خروج الزعيم القبطي الكبير مكرم عبيد من الوفد، وتأليفه “الكتاب الأسود” ضد حكومة النحاس، كذلك نمت حركة الإخوان المسلمين بدرجة كبيرة مقابل تراجع شرعية الوفد وشعبيته (15).


المراجع

  1. بسيوني محمد الخولي: موسوعة الدرر الزاهرة في الأصالة المعاصرة منهج الترقي بكلية الوجود الإنساني، المجلد 12، الجزء الثالث، دار العلم والإيمان، القاهرة، 2016م، صـ57.
  2. الجيش المصري في عهد محمد علي باشا الكبير: https://bit.ly/2HWWO4i، نقلا عن مجلة المدفعية الملكية - الصادرة فى 19 نوفمبر سنة 1949م بقلم اليوزباشى : محمد جمال الدين محفوظ.
  3. المرجع السابق
  4. محمد فريد حشيش: معاهدة 1936: واثرها في العلاقات المصرية البريطانية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة, 1994م
  5. يونان لبيب رزق: تاريخ الوزارات المصرية 1878 – 1953م، الهيئة المصرية العامة للكتاب, 1999م.
  6. محمد صابر عرب: هجوم على القصر الملكي: حادث 4 فبراير، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2003م، صـ25.
  7. محمد حسين هيكل: مذكرات في السياسة المصرية (من 29 يوليه 1937 إلى 26 يوليه 1952)، الجزء الثاني، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2010م.
  8. محمد صابر عرب: مرجع سابق.
  9. محمد صابر عرب: مرجع سابق.
  10. مذكرة لامبسون للملك فاروق: موقع فاروق الأول، http://cutt.us/HN9x4
  11. مذكرة لامبسون للملك فاروق: موقع فاروق الأول، مرجع سابق.
  12. المرجع السابق.
  13. محمد صابر عرب: مرجع سابق.
  14. مذكرة لامبسون للملك فاروق: موقع فاروق الأول، مرجع سابق.
  15. لطيفه سالم: فاروق وسقوط الملكية في مصر، مكتبة مدبولي، القاهرة، طـ2، نوفمبر 1996م.