الحاج ماهر البدراوي .. فارس من الرعيل الأول

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الحاج ماهر البدراوي .. فارس من الرعيل الأول


السبت,03 نوفمبر 2012

د.إبراهيم التركاوي *

رحل عن عالمنا منذ أيام الحاج (ماهر البدراوي – رحمه الله) 1917م-2012م ، أحد مؤسسي دعوة الإخوان في محافظة الغربية .. وفي تقديري أنه كان – رحمه الله - فارسا من الفرسان القلائل للرعيل الأول لدعوة ( الإخوان ) , كما أنه كان وتدا من الأوتاد الراسخة , وركيزة أساسية من ركائز هذه الدعوة المباركة .

■ فأما كونه فارسا من فرسان دعوة ( الإخوان ) :

فلقد حمل الدعوة , في وقت عصيب شديد, لا يتحمله إلا أقل القليل من الفرسان الرواحل, كانت الدنيا كلها - حكاما ومحكومين – عليهم لا لهم , فعانوا من الحكام الظلم والسجن والبطش , وعانوا من الناس الجهل والوحشة وسوء الظن , فصدّق الناس فيهم – إلا من رحم الله – كل اتهام , وظنت بهم كل الظنون .!

وحمل الفارس دعوته وسط هذه الأنواء , لا يبالي بظلم الحكام وبطشهم , حتي حكم عليه بالمؤبد , ولا يهتم بوحشة الناس وظنونهم , التي ساءت لدرجة أن المنتسب للإخوان أصبح – بسبب الإعلام المزيف – أكبر تهمة يتبرأ منها اللص وتاجرالمخدرات وسائر المجرمين .!

يحكي الحاج ( ماهر ) - رحمه الله - : ( عند باب السجن , سألت سيدة امرأة أخري: هل زوجك مسجون مع الإخوان ؟ فأجابت مسرعة : بعيد الشر , زوجي مسجون في سرقة ( جاموسة ) , وسيخرج بعد ستة أشهر فقط .!)

■ وأما كونه وتدا من أوتاد دعوة ( الإخوان ) :

فلولا ثبات هذا الجيل من الرعيل الأول – بعد فضل الله وتوفيقه – علي دعوته لوئدت في مهدها , ولكنهم صبروا وصابروا ورابطوا فكانوا أوتاد هذه الدعوة , وجذور هذه الشجرة الطيبة التي امتدت فروعها في كل مكان , تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .. !

والحاج ( ماهر ) – رحمه الله – كان من أبرز أوتاد هذه الدعوة المباركة , ثبت وثبّت الله به رجالا .. !

وما أكثر ما كان يحدثني شيخي ( إبراهيم البيلي ) - رحمه الله - رفيق دربه في الجهاد والدعوة – بفضل الحاج( ماهر ) عليه وعلي إخوانه .. ولما رأي ذات مرة علامات الحزن علي وجهي عندما أراد السفر , أوصاني بأن ألزم الحاج ( ماهر ) - رحمه الله -.

والذي يعرف الحاج ( ماهر ) - رحمه الله - عن قرب يجد أنه كان يتمتع بجملة خصال , أذكر منها :

■ الإيمان العميق واليقين الوثيق :

أكرمه الله بإيمان عميق تجلي أيام اشتداد المحنة عليه وعلي إخوانه , إذ زاغت الأبصار , وبلغت القلوب الحناجر , وظن الناس بالله الظنون ..

هنالك , رآه إخوانه وقد بدت عليه علامات الاطمئنان والسكينة , كما ذكر من كان معه في السجن , الأستاذ ( محمود عزت ) - حفظه الله - في يوم تأبينه .. وصدق الله " فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ" [الفتح:18]

كنا كغيرنا نلجأ إليه – من بعد الله – إذا اشتد الخطب , وضاق الخناق , فإذا به يذكّرنا – بإيمان عميق ويقين وثيق – بأن هذه الدعوة دعوة الله , وهي ماضية مهما كانت الشدائد , وكثرت العوائق , ويضرب لنا مثالا - طالما سمعته منه أكثر من مرة – بقوله :

( دخلنا السجون في آخر محنة , ولم يُبق الطاغية منا أحدا خارج السجن ظنا منه أنه بذلك قد قضي علي دعوة الإخوان قضاء مبرما , ولما أفاء الله علينا بنعمة الخروج , وجدنا آلافا مؤلفة من الشباب وغيرهم يدينون بدعوة الإخوان ..! )

ويتساءل – رحمه الله – : ( من دعا هؤلاء , وكل الإخوان داخل السجون ؟ ومن هدي هؤلاء جميعا ؟ , ويجيب علي نفسه – رحمه الله – بسؤال ليست له إلا إجابة واحدة : من غير الله فعل ذلك ؟ , حقا , إنها دعوة الله ..!! )

■ القدوة والتواضع :

كان – رحمه الله – قدوة عملية بمواقفه في الثبات والجسارة والجرأة في الحق ، ولو شاء لكتب تأييدا للطاغية وعاد سالما في أهله وماله , لكن – رحمه الله – كان السجن أحب إلي قلبه مما يدعونه إليه .!

ولما خرج من السجن لم يلجأ إلي الراحة والدعة كغيره , بل مضي في طريقه - الذي اختاره لنفسه – ومعه رفيق دربه العالم العامل الخلوق الحبيب الأثير الشيخ ( إبراهيم البيلي ) – رحمه الله – داعيين متحركين , يوقظان النائم , وينبهان الغافل , حتي استوت الدعوة علي عودها , وحملها أجيال من الشباب هنا وهناك ..

أشهد , يوم أن كان لقاء الثلاثاء المعروف متنقلا بين القري , أني كنت أراه أول من حضر , ماتخلف عن لقاء , مهما كانت الأسباب أو بعدت المسافات .

وكما كان قدوة في دعوته وسلوكه , كان قدوة في المروءة والواجب , ماتقاعس عن خير دعي إليه – مهما كلفه – ولا تأخر عن دعوة وجهت إليه من إخوانه أو غير إخوانه ..

والعجيب أنه ظل علي ذلك , مع كبر سنه , ووهن عظمه , ما وسعته الحركة ولو متوكئا علي أحد أبنائه وأحبابه .

وكاتب هذه السطور – مع أنه من سن أبنائه – ما تأخر عنه صاحب المروءة والندي ، الحاج ( ماهر ) رحمه الله - في واجب أوحدث دق أم عظم , قرب أم بعد .. أذكر آخره ؛ حضوره مناقشة رسالتي في دار العلوم بالقاهرة , ولما أعلنت النتيجة , صعد علي السلم بصعوبة بمساعدة من معه , وقال لي : نحن نتشرف بك , فقلت والدموع في عيني وأنا أقبل رأسه ويديه : بل نحن وأبناء جيلنا نتشرف بكم , ولولاكم – بعد الله – لكانت حياتنا بلا معني , ولكنا نرعي مع الهمل .!

ومع كل ما أبلي به في المحنة والمنحة , ما منّ بما أبلي وقدّم , وما ذكر نفسه , بل ذكر ربه وما تفضل عليه وعلي إخوانه من نعم .. وكثيرا ما سمعته وهو يردد نعم الله وفضله عليه وعلي أسرته , بقوله : ( لقد بارك الله لنا في أهلنا وأبنائنا رغم ابتعادنا عنهم في السجون , فتربي أبنائي خير تربية , وأصبحوا أفضل من أبناء أناس كثيرين , كانوا خارج السجون ) .!

ولما كان الشكر خلقه , والإقرار بالجميل ديدنه , كافأه الله بالمزيد , فأطال عمره , وأحسبه – والله حسيبه – ممن حس عمله , وما أماته الله إلا بعد أن هدأ باله , وانشرح صدره , وقرت عينه , بحاكم علي رأس البلاد من ثمار جهاده هو وإخوانه , ومعهم سائر المخلصين من أبناء هذا الشعب العظيم .. وصدق الله العظيم : " لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ " [إبراهيم:7]

رحم الله الحاج ( ماهر ) وأسكنه فسيح جناته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

  • داعية وباحث في الفكر الإسلامي


للمزيد

ماهر البدراوى

المصدر