الحركة الإسلامية فى الجزائر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١١:٣٥، ٧ أغسطس ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الحركة الإسلامية فى الجزائروأزمة الديمقراطية
(دراسة ملف وثائقي تاريخي)

بقلم:إبراهيم البيومي غانم

إهداء

إلى .... أرواح الشهداء, وإلى الذين سيلحقون بهم على درب الحرية وطريق الجنة....

محتويات

مقدمة تمهيدية

صعدت الحركة الإسلامية الجزائرية على مسرح السياسة خلال السنوات القليلة الماضية (1989 -1992) وأصبحت واحدة من القوي الرئيسية فى المجتمع الجزائري.

وقد تواكب صعود الحركة – واتساع قاعدتها الاجتماعية – مع التحولات السياسية والاقتصادية التى شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة من عهد الرئيس السابق الشاذلي بن جديد, وبصفة خاصة تلك التحولات التى أعقبت مظاهرات الخامس من أكتوبر سنة 1988. وقد كانت فى أغلبها تحولات فى مجال الإصلاح السياسي استهدفت كسر حدة النظام الشمولي القائم على أساس الحزب الواحد واحتكار السلطة والنفوذ والثروة.

وبالرغم من أن الجيش قد تدخل لقمع تلك المظاهرات بالقوة إلا أن النظام سران ما استوعب الرس , ,اقر بضرورة القيام بإصلاحات إقتصادية وسياسية جوهرية تمثلت بعد ذلك فى سنة 1989 فى تعديل الدستور البلاد . وهو التعديل الذي نص على الانتقال إلى النظام الديمقراطي ذي الأحزاب المتعددة بدلا من حكم الحزب الواحد الذي تمثل فى جبهة التحرير الوطني التي حكمت البلاد منذ الاستقلال سنة 1963.

وفى جو الحرية الذي أتاحه دستور سنة 1989, أتيحت الفرصة لكافة الاتجاهات الفكرية والسياسية لكي تنظم نفسها فى شكل أحزاب سياسية لها هياكلها ومنابرها الإعلامية الخاصة بها . ونشطت الحركة الإسلامية فى هذا المناخ ونظمت صفوفها وتغلغلت فى مختلف الفئات الاجتماعية وصادفت قبولا جماهيريا واسعا وأصبحت - كما قلنا – قوة أساسية فى فترة زمنية لا تتجاوز ثلاث سنوات .

إن الحديث عن الحركة الإسلامية الجزائرية هنا سيراعي اعتبارين أساسيين وهما :

1- تاريخ التطور السياسي الحديث للجزائر , وهو التطور الذي ترجع جذوره إلي بداية الاحتلال الفرنسي للبلاد سنة 1830, حيث كان الجهاد من أجل التحرر والاستقلال هو العروة الوثقي التي ربطت المجتمع بعقيدته الإسلامية , وهو يته العربية وتوجت نضاله بثورة شعبية كبري استمرت ثماني سنوات ( 19541962) حتي انتزعت البلاد حريتها بعد أن دفعت ثمنا غاليا تمثل فى مليون ونصف مليون من الشهداء.

2- الواقع الاجتماعي وقضاياه الاقتصادية والثقافة والسياسية وأهمية هذا الاعتبار ترجع إلى أنه هو الذي يشكل بيئة الحركة وميدانها الذي تعمل فيه.


ولعل أهمما نلاحظه فى هذا المجال هو أن المجتمع الجزائري مجتمع شبابي , تصل فيه نسبة من هم دون الثلاثين من العمر إلى 75% من إجمالي عدد السكان البالغ عددهم 25 مليون نسمة ( طبقا لإحصاءات مكتب الإحصاء الوطني الجزائري فى نوفمبر سنة 1990) ومعظم السكان من أصل عربي ( حوالي 70%) أما النسبة المتبقية) )(30%) فمن أصل بربري , وجميع البربر مسلمون يتكلم أغلبهم اللغة الفرنسية وخاصة فى المناطق الحضرية والمدن , وتنشر اللهجات البربرية فى مناطق القبائل وخاصة فى شرق البلاد ومنطقة الأوراس جنوب شرق العاصمة.

وفى المجال الاقتصادي تعاني الجزائر من مشاكل اقتصادية ومالية حادة , يرجع بعضها إلى أسباب داخلية ويرجع بعضها الآخر إلى أسباب خارجية .

فقد أدت السياسات الإشتراكية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة منذ عهد الرئيس ابن بلة ( 19631965) إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية فى ظل سياسة التخطيط المركزي وسيطرة الدولة على أوجه النشاط المختلفة فى الصناعة والزراعة والتعدين . ولتغطية الفشل الذي أصاب تلك السياسات , اعتمد النظام الجزائري باستمرار على الثروات الهائلة التي تملكها البلاد , وخاصة البترول والغاز وسادت روح " التواكل" وأصبح المجتمع برمته عالة على الدولة وتراكمت الآثار السلبية للعجز الإداري والفساد الحكومي وارتفعت المديونية الخارجية وتدهور الإنتاج المحلي وزاد الاعتماد على الاستيراد . وكان على الدولة أن تتدخل أكثر فأكثر لدعم السلع حتي يستطيع المستهلكون شراءها وخاصة مع استمرار تدهور قيمة العملة الوطنية و وقد أدي ذلك لى مزيد من التدهور على مستوي الاقتصاد الوطني.

ومن جهة أخري فإن ثمة عوامل خارجية متعددة أسهمت فى تدهور الأوضاع الداخلية فى الجزائر مثل انخفاض أسعار البترول بصورة حادة فى أواسط الثمانينات وارتفاع معدلات التضخم العالمي هذا من جانب ومن جانب آخر فقد أدت التحولات الجذرية فى النظم الديمقراطية الثالثة" فى العالم فى أعقاب تلك التحولات وانهيار الكتلة الإشتراكية – إلى تغذية نظاما لها مثل الجزائر منذ استقلالها.

إن كل تلك العوامل والتطورات قد انعكست آثارها على الجزائر كما انعكست على غيرها من البلدان وعندما نتناول الحركة الإسلامية الجزائرية فلابد من النظر إليها فى ضوء تلك المتغيرات والعوامل التي تحيط بها وبمجتمعها داخليا وخارجيا.

لقد أفسحت التحولات الديمقراطية التى اتخذها نظام الرئيس السابق الشاذلي بن جديد الطريق أماما الحركة الإسلامية – والحركة السياسية الجزائرية بصفة عامة – لكي تنشط وتقدم أفكارها وتصوراتها الإصلاحية وكانت أهم نتيجة كشفت عنها الممارسة الديمقراطية الوليدة هى أن المشروع الإسلامي يحظي بقبول شعبي واسع النطاق وتجسد هذا القبول لأول مرة بمناسبة الانتخابات المحلية التي أجريت فى يونيو سنة 1990 , ثم تأكد بما لا يدع مجالا للشك بمناسبة أول انتخابات تشريعية على أساس تعددي فى ديسمبر 1991.

وقد قيل أكثر من تفسير لصعود الحركة الإسلامية والتفاف أغلبية الجماهير حول مشروعها الإسلامي ولعل أعم التفسيرات التي قيلت ولا تزال متداولة فى هذا الصدد هي الآتية :

1- التفسير الاقتصادي السياسي : وهو يرد نجاح الحركة الإسلامية والتفاف الجماهير حول مشروعها إلى احتدام الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد وتدهور مستويات المعيشة وازدياد حدة الفقر فى المجتمع والشعور المتزايد بالإحباط وانتشار الفساد , واتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء .

ففي مواجهة مثل هذه الأوضاع و لم يكن أمام الجماهير – كما يري أصحاب هذا التفسير – سوي الاعتصام بالحل الديني الإسلامي , لا لأنه يبشر بالقضاء علي أسباب الفساد ومظاهره وبتحقيق العدالة الاجتماعية والخروج من حالة التردي الشاملة ولكن فقط – كما يزعمون – لأنه يمثل بديلا آخر لم يتم تجريبه , ومن ثم فلجوء الجماهير إليه ليس لأنها تؤمن به ولكن لأنها كفرت بغيره.

ويؤيدون رأيهم هذا بأن ظهور الحركة الإسلامية على الساحة السياسية قد تأخر طوال السنوات التي أعقبت الاستقلال لأنها – فى نظرهم – هي السنوات التي آمنت فيها الجماهير بالسياسات والإيديولوجيات غير الإسلامية التى تبنتها النخبة الحاكمة غداة الاستقلال فلما تبين لها أنها فاشلة , ولم تنتج سوي المزيد من التدهور وسوء الأحوال ولما رأت أيضا أنا قد أخفقت فى مواطنها الأصلية – الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية – لجأت إلى الإسلام ومن هنا ظهرت الحركة الإسلامية ونشطت وساعدها على ذلك التحول إلى الديمقراطية الليبرالية والإقرار بنظام تعدد الأحزاب وإطلاق الحريات .

وفى هذا التفسير الاقتصادي السياسي مهم من الصحة ولكن فيه كثير من الخطأ فصحيح أن التدهور والفشل الذي أصاب المجتمع فى ظل السياسات السابقة قد دفع الجماهير إلى البحث عن حلول أخري, وجدتها فى الإسلام ولكن من الخطأ القول أن الجماهير لجأت إليه لكفرها بغيره وحسب بل لإيمانها به أيضا إذ أنها لم تخير فى سنحت الفرصة وعبرت تلك الجماهير عن إرادتها بحرية وبلا إكراه اختارت الإسلام.

2- التفسير التآمري : ويري أنصاره أن الحركة الإسلامية الجزائرية ضالعة فى مؤامرة مع أطراف أخري خارجية – وأحيانا يقولون داخلية – ويحاولون التدليل على صحة تفسيرهم بالحديث عن وجود ارتباطات بين الحركة وبعض الدول مثل إيران والسودان , أو ارتباطها ببعض الحركات الإسلامية الأخرى خارج الجزائر , وأنها تتلقي دعما ماليا من الخارج ... إلخ.

وبالرغم من سذاجة مثل هذا التفسير إلا أن البعض يتداوله وتفسح له وسائل الإعلام مساحات كبيرة لترويجه, وذلك بهدف تشويه الحركة والانتقاص من قدرها كحركة اجتماعية أصيلة .

3- التفسير الحضاري: وهو التفسير الذي نؤمن به لشموله وقدرته على الإحاطة بمختلف جوانب عملية الإحياء الإسلامي الذي تشهده الجزائر وتشهده غيرها من المجتمعات العربية والإسلامية.

ويستند هذا التفسير إلى تراث عريق وعقيدة راسخة فى نفوس الجماهير تدفعها دوما للتمسك بهويتها والاعتزاز بذاتها وهي العقيدة الإسلامية .

فقد استمد الشعب الجزائري من تلك العقيدة أهم مفهومين استرشد بهما للحفاظ على كيانه فى تاريخه الحديث وهما " الجهاد"و" الشهادة" وبهما استطاع أن يظفر بحريته ويجبر فرنسا – دولة الاحتلال – على الاعتراف بأنه التفسير الاقتصادي السياسي مع التأكيد على إيمان الشعب الأصيل بشمول الإسلام وأحقيته فى تنظيم وإدارة كافة مجالات حياته.


كما أن هذا التفسير يجعلنا ننظر إلى الحركة الإسلامية الجزائرية على أنها جزء من كيان أكبر هو الحركة الإسلامية التى تعم البلاد العربية والإسلامية منذ عقدين على الأقل فرغم تنوع هذه الحركة الإحيائية الشاملة واختلاف صورها من مجتمع لآخر إلا أنها تشترك جميعها فى أساس واحد تنطلق منه وترجع إليه وتلتقي على أهدافه وهو العقيدة الإسلامية هذا من جانب ومن جانب آخر فإنها تعبر عن رد فعل مجتمعاتنا الإسلامية ضد الهيمنة الغربية وطغيان شرورها السياسية ومفاسدها الاجتماعية والأخلاقية .

ويبرز فى هذا السياق البعد الثقافي العربي الإسلامي كأحد أهم عوامل حشد التأييد للحركة الإسلامية ونجاحها على الساحة الجزائرية وفى بلاد المغرب التي كانت تحتلها فرنسا بصفة عامة . وهذا البعد لا يلتفت إليه أصحاب التفسيرات الأخري ( العلمانية واليسارية واليبرالية.....) بل إنهم يحاولون إثارة النعرات العرقية والخلافات اللغوية والثقافية ليس حبا فى لغات القبائل ( البربرية) فقط ولكن دفاعا عن نزعتهم التغريبية وسعيا لإقامة العراقيل فى طريق الحركة الإسلامية وهذا هو ما يقوم به داخل الجزائر ما يسمونه هناك " حزب فرنسا) وهو حزب غير مؤطر فى شكل رسمي ولكنه يضم كافة الاتجاهات والأقلام العلمانية والمتفرنسة.

إن الحركة الإسلامية الجزائرية بمختلف فصائلها – كما سنري – هي حركة اجتماعية سياسية قوتها وشرعيتها من كونها تحمل مشروعا إسلاميا يدعو للإستقلال الحضاري عن الغرب ويسعي فى الوقت نفسه للالتحام ببقية أجزاء هذا المشروع فى مختلف المجتمعات العربية والإسلامية ولهذين الأمرين تم الإسراع بتحجميها ومحاصراتها والتضييق عليها .

فقد حرمت الحركة من السلطة التي كانت على وشك الوصول إليها بطريقة مشروعة طبقا لدستور البلاد وقوانينها وعبر صناديق الانتخابات وذلك بحجة أن الديمقراطية أصبحت فى خطر وأن الحركة الإسلامية سوف تقضي عليها بعد أن تصل إلى السلطة, وكانت هذه الهواجس كافية – من وجهة نظر السلطة ومن ناصرها – للانقلاب على نتيجة الانتخابات , وإهدار الإرادة الشعبية تحت جنازير الدبابات.

إن التجربة " الديمقراطية" على النحو الذي انتهت إليه فى الجزائر كانت من وجهة نظرنا عبارة عن ذريعة اتخذتها الدولة لقمع الحركة الإسلامية تماما مثلما حدث فى بلدان عربية أخري الأمر الذي يدعو إلى الريبة فى وجود أيد " أجنبية" تقوم بتقديم" نصائح ملزمة" لحكوماتنا وهى تتعامل الحركات الإسلامية .

وفى هذا الكتاب سوف نسعي لاستخلاص بعض الدروس والعبر من تجربة العمل السياسي الإسلامي فى الجزائر فى ضوء الانتخابات التي لم تكتمل , وذلك بعد أن نتعرف على الخلفيات التاريخية للحركة الإسلامية وواقعها الراهن . والله من وراء القصد ونسأله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم .... آمين .

نشأة الحركة الإسلامية وتطورها فى الجزائر

قد يظن البعض البعض أن الحركة الإسلامية المزدهرة فى الجزائر اليوم وليدة السنوات القليلة الماضية التي شهدتها صعودها على الساحة السياسية والاجتماعية عبر سلسلة من الانجازات بل والمصادمات بينها وبين السلطة الحاكمة وبصفة خاصة بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ فى انتخابات المحليات (يونيو 1990) وتأكيد هذا الفوز فى المرحلة الأولي من أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب جرت فى 26 ديسمبر 1991.

ولكن ما أبعد هذا الظن عن الحقائق التاريخية التي تحكي قصة الحركة الإسلامية وتكشف عن جذورها العميقة فى نفوس الشعب الجزائري منذ وقوع الاحتلال الفرنسي للبلاد سنة 1830. ففي ذلك الحين غرست البذور الأولي للحركة الإسلامية الحديثة فى مواجهة الاستعمار الفرنسي للجزائر . ويبدو أن ظهور حركات المقاومة الإسلامية ضد الاحتلال الأوربي كان "قاعدة عامة" شملت كل المجتمعات الإسلامية – عربية وغير عربية – التي خضعت للسيطرة الأوربية مثل مصر والسودان والهند وليبيا .... الخ.

ولم تكن الجزائر استثناء من هذه القاعدة .

ولكي تلم بتاريخ الحركة الإسلامية الجزائرية وتطورها منذ نشأتها إلى أن وصلت إلى حالتها الراهنة , فسوف نلقي بنظرة على الظروف والملابسات التي صاحبت نشأتها , ثم نتتبع تطورها فى ظل الاحتلال الفرنسي إلى أن نصل إلى حرب التحرير والظفر بالاستقلال ( 19541962) لننتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الوضع الراهن للحركة فى المجتمع الجزائري بعد ثلاثة عقود من الاستقلال .

الجذور التاريخية ( ثورة الأمير عبد القادر)

فى يوم 14 يونيو سنة 1830موضع الجيش الفرنسي قدمه على شاطئ " سيدس فرج" بالقرب من مدينة الجزائر فانهي بذلك الحكم العثماني للبلاد , الذي استمر من سنة 922 – 1245هـ = 1516- 1830م, وفي الوقت نفسه أعلن بدء الحقبة الاستعمارية التي استمرت 132 عاما متصلة .

وما كاد الفرنسيون يستقرون فى بلاد الجزائر حتي نهضت الحركة الإسلامية رافعة راية الجهاد ضدهم فى شرق البلاد وغربها فقد حملت " الطرق الصوفية" لواء المقاومة وكان فى مقدمتها " الطريقة القادرية" التي قادها الشيخ محي الدين بن مصطفي الحسني, ونجح الشيخ فى تشكيل تحالف واسع من القبائل لمحاربة الفرنسيين ونظرا لأنه كان طاعنا فى السن فقد تولي القيادة الفعلية لعمليات الجهاد ولده " الأمير عبد القادر الجزائري" الذي كان فى بداية العقد الثالث من عمره عندما اجتمع زعماء التحالف القبلي والعلماء لإعطائه بيعتهم وإعلان اعترافهم به أميرا لهم سنة 1932.

وقد واصل الأمير عبد القادر الجهاد واستطاع أن يوسع نطاق بضم قبائل متعددة تحت لوائه , وأنشأ جيشا منظما من الجنود الجاهدين المدربين تدريبا حسنا. وفى سنة 1834 عقد مع السلطات الفرنسية اتفاقية اعترفت له فيها بسلطته على المناطق الداخلية فى غرب الجزائر ولكن هذه الاتفاقية لم تستمر طويلا وسرعان ما استؤنف القتال من جديد. وفى سنة 1837 وقع الأمير عبد القادر اتفاقية أخري مع السلطات الفرنسية واستطاع فى سنوات الهدوء النسبي التي تلتها أن يبسط سيطرته على المناطق الشرقية من البلاد , وكان من سياسة الأمير عبد القادر فى محاربة الفرنسيين أنه دعا الجزائريين فى المناطق التي خضعت للإحتلال إلى الهجرة منها والالتحاق به فى المناطق التي يسيطر عليها المجاهدون . ولكي يدعم سياسته هذه بحجج شرعية فإنه أرسل يستفتي شيخ الإسلام المراكشي على عبد السلام التسولي , كما أرسل يستفتي أيضا علماء مصر فى هذا الشأن وذلك فى سنة 1837 , وقد رد عليه عليه الشيخ التسولي وأفتي بإلزام المسلمين المقيمين تحت سيطرة العدو الفرنسي بالهجرة إلى الأراضي التي يسيطر عليها المجاهدون كما أجابه الفقيه المصري الشيخ محمد عليش بفتوي طويلة أثبت فيها أن الهجرة ملزمة أيضا مثلما قرر الفقيه المراكشي. وقد شغلت مسألة إلزام المسلمين بالهجرة ذهن الأمير عبد القادر فترة طويلة باعتبارها تمثل ركنا من أركان خطته فى مقاومة الاحتلال حتي إنه قام سنة 1843 بكتابة رسالة هاجم فيها العلماء الذين خالفوه فى وجوب الهجرة وأكد على أنها – أى الهجرة – من دار الكفر إلى دار الإسلام باقية إلى طلوع الشمس من مغربها "

ولم تستمر اتفاقية سنة 1837 طويلا فقد تجدد القتال سنة 1839 وشن الجيش الفرنسي بقيادة المارشال بيجو حربا لا هوادة فيها . قام خلالها الفرنسيون بإحراق الأرض وتدمير القري وقتل الرجال والنساء والأطفال بلا شفقة فاضطر الأمير عبد القادر إلى اللجوء إلى سلطان مراكش سيدي عبد الرحمن , فهاجم الفرنسيون مراكش وأرغموا سلطانها على توقيع اتفاقية تقضي بطرد الأمير عبد القادر من مراكش. وفى تلك الأثناء نشبت ثورة كبيرة فى منطقة القبائل بقيادة الشيخ بو معزة – الذى ادعي أنه المهدي المنتظر – فانشغل الجيش الفرنسي بالقضاء عليها , وعاد الأمير عبد القادر ليستأنف الجهاد ولكنه لم يستمر طويلا, حيث اضطر إلى الاستسلام فى نهاية سنة 1847 وتم نفيه إلى باريس واعتقاله حتي سنة 1852 . وبعد الإفراج عنه أجبر على الإقامة ف دمشق وعدم العودة إلى بلاده حتي توفي إلى رحمة الله سنة 1883.

ولكن حركات الجهاد والمقاومة لم تتوقف بنفي الأمير عبد القادر من بلاده فقد رسخ بجهاده روح الثورة فى نفوس الجزائريين الذين ثاروا المرة بعد المرة على الحكم الاستعماري الفرنسي بيد أن تلك الثورات المتقطعة والتي كان يقودها فى الغالب زعماء يدعي كل منهم أنه المهدي المنتظر , كانت ثورات محدودة وإقليمية, ولم تكن شاملة لكل البلاد , ومن ثم كان من السهل على الفرنسيين أن يسحقوها مثل ثورة سيدس مكراني التي ساندتها الطريقة الرحمانية الصوفية فى منطقة القبائل سنة 1871 وحركة الشيخ بوعمامة فى جنوب وهران سنة 1881 إلى غير ذلك من حركات المقاومة التي انطلقت بقيادة زعماء القبائل وشيوخ الزوايا والطرق الصوفية .

ولم يستقر الحكم الاستعماري الفرنسي نسبيا فى الجزائر إلا بعد القضاء على ثورة سيدى مكراني سنة 1871 . واستطاعت فرنسا منذ ذلك الحين أن تمضي قدما فى تنفيذ سياستها الاستعمارية التي قامت على أربعة أسس هي : نهب ثروات البلاد وإفقار أهلها وحراسة جهلهم وتخلفهم وتنصيرهم إن أمكن ذلك ومحق الهوية العربية والعقيدة الإسلامية نهائيا.

وكانت الحكومة الفرنسية قد أصدرت قرارا فى 22 يوليو 1834 ينص على أن " الجزائر أرض فرنسية " وأكدت على هذا الضم بصورة صارخة عندم نصت عليه فى إحدي مواد دستور الجمهورية الفرنسية الثانية الذي صدر فى 4 نوفمبر 1848 وهي المادة / 109 التي تقول" الجزائر تعتبر أرضا فرنسية".

ومنذ اليوم الأول لاحتلالها الجزائر لم تتورع حكومة شارل العاشر ملك فرنسا آنذاك عن إضفاء الطابع المسيحي( الصليبي) على سياستها فى الجزائر فالجيش الفرنسي الذي احتل البلاد كان مصحوبا بالقساوسة ورجال الدين والنصرين, وسلطات الاحتلال قامت بالإستيلاء على الأراضي وهدمت المساجد وحولت أشهرها إلى كنائس مثل مسجد كتشاوة بالعاصمة ومسجد صالح باي بقسنطينة كما حول عدد كبير منها إلى مخازن لسلاح جيش الاحتلال واصطبلات الخيول إلى غير ذلك ممن الأمور التي أصابت كبرياء مسلمي الجزائر وكرامتهم بجروح غائرة أشعلت فيما بعد نيران الثورة الشاملة ضد الاحتلال.

وقد وفرت تلك السياسة الاستعمارية الفرنسية عناصر التحدي التي استنهضت جهود الحركة الإسلامية فى مختلف صورها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية طوال فترة الاحتلال .

جمعية العلماء المسلمين ( الشيخ عبد الحميد بن باديس)

تغلبت قوة فرنسا الاستعمارية الغاشمة على حركات المقاومة الإسلامية المسلحة على نحو ما رأينا منذ القضاء على ثورة سيدي مكراني سنة 1871.ولكن روح التحدي ظلت متوهجة فى نفوس الشعب وبدأت جهود المقاومة الإسلامية تأخذ مسارا آخر تمثل فى الدعوة للتسلح بالعلم والمعرفة استعدادا للمعركة الفاصلة وهذا المسار هو الذي انتهجته " جمعية العلماء المسلمين " بشكل منظم منذ تأسيسها سنة 1931 – وقد صادفت تلك السنة ذكري مرور مائة عام على احتلال فرنسا للجزائر .

ولكن قبل أن تتكون جمعية العلماء بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس ( 1308 – 1399هـ = 18891940م) كان المجتمع الجزائري يعاني من التدهور والضعف على المستوي السياسي والديني والثقافي والاجتماعي.

فعلي المستوي السياسي كانت البلاد قد فقدت استقلالها وأصبحت جزءا من فرنسا وأصبح الجزائريون رعايا فرنسيين بموجب القرار الذي أصدره نابليون فى 14 يوليو سنة 1865 وقد ظل هذا القرار معمولا به حتي سنة 1947 . وكان يسمح بإعطاء الجنسية الفرنسية للجزائري وفى هذه الحالة يصبح خاضعا للقانون الفرنسي تلقائيا وليس لأحكام الشرع الإسلامي .

وعلى المستوي الديني كانت المؤسسات التعليمية والخيرية الإسلامية تعاني من الإهمال وقلة الموارد المالية فقد صادرت السلطات الفرنسية جميع الأوقاف الإسلامية وتحكمت فى تعيين الأئمة والخطباء , واشترطت ليهم القيام بأعمال التجسس لصالحها . وألغت المحاكم الإسلامية وفرضت على المسلمين التقاضي لدي قضاه الصلح الفرنسيين وبالإضافة إلى كل ذلك جعلت من الجزائر مرزا استراتيجيا للتنصير حيث تنطلق بعثاته منها إلى القارة الإفريقية, وأنشأت فى البلاد العديد من المراكز والكنائس التى تبنت توجيهات الكاردينال لافيجري الذي كان يقول " علينا أن نجعل من الأرض الجزائرية مهدا لدولة مسيحية تضاء أرجاؤها بنور ينبع وحيها من الأنجيل – يقصد باريس – تلك هى رسالتنا الإلهية ".

أما على المستوي الثقافي فقد اتبع الاستعمار سياسة التجهيل والمحافظة على الأمية فأغلق المدارس والزوايا وقلص عدد المتعلمين وقد كان المستوطنون الأوربيون – الذين قدموا الجزائر فى ركاب الاحتلال وسيطروا على مصادر الثروة فى البلاد – يعارضون تعليم الجزائريين ورفع مستواهم الثقافي سواء باللغة العربية أو باللغة الفرنسية , وقد وصف الشيخ ابن باديس هذه الحالة فى جريدة البصائر التي كان يصدرها قائلا :" هذا القطر قريب من الفناء وليس له مدارس تعلمه , وليس له رجال يدافعون عنه ويموتون عليه. بل كان فى اضطراب دائم مستمر كان أبناؤنا لا يذهبون إلا إلى المدارس الأجنبية التى تعطيهم فتات العلم الذي يملأ أدمغتهم بالسفاسف فقط حتي إذا خرجوا منها خرجوا جاهلين دينهم ولغتهم وقوميتهم وقد ينكرونها".

وأما على المستوي الاجتماعي والاقتصادي , فقد كانت الجزائر فى نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تعيش فى ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة حيث انتزعت المستوطنون الأوربيون على 25% من مساحة الأراضي الزراعية كما سيطروا على 28,65% من القطاع الصناعي وعلى 57% من المعاملات التجارية والخدمات الإدارية . وقبل عام 1910 كان دخل العامل الجزائري يتراوح بين نصف فرنك فرنسي, وفرنك ونصف الفرنك مقابل عمل مدته 14 ساعة فى اليوم . وقد أدت هذه الحالة المتردية إلى حركة هجرة واسعة قام بها الجزائريون إلى فرنسا بحثا عن العمل ,فهاجر منهم 100 ألف حتي سنة 1924 , وبعد الحرب العالمية الثانية بلغ عدد المهاجرين 400 ألف مهاجر و عند نشوب الثورة سنة 1954 وصل عددهم إلى 600 ألف مهاجر إلى فرنسا.

وقد شملت جهود جمعية العلماء العديد من مجالات الإصلاح الاجتماعي والتربوي والتعليمي وركزت بصفة خاصة على محاربة البدع والخرافات الأمية ونشطت فى تأسيس المدارس العربية الحرة فى معظم أنحاء البلاد رغم محاربة السلطات الفرنسية لها وتضييقها الخناق على نشاطها. وكان التعليم فى مدارس الجمعية مخصصا بالنهار للأطفال وبالليل للكبار فى نطاق برنامج طموح لمحو الأمية, وبهذه الطريقة تعلمت أعداد كبيرة من الرجال والنساء القراءة والكتابة ومبادئ الدين الإسلامي وإضافة إلى ذلك قامت الجمعية بطرح مشكلة الأمية فى الجزائر فى مؤتمر عام عقدته فى " نادي الترقي" بعاصمة الجزائر سنة 1354 هـ = 1935م وخلصت إلى ضرورة القضاء على الأمية لأن استمرارها يعني " إفقاد الأمة معظم خصائص الحياة ".

غير أن جهود جمعية العلماء المسلمين لم تقتصر على المجالات السالف ذكرها فقط, وإنما انخرطت فى النضال السياسي والإعداد للثورة من أجل الاستقلال وتحرير البلاد وصحيح أنها نصت فى الفصل الثالث من قانونها الأساسي بدأت فى القيام بالأنشطة السياسية بطريقة مباشرة وغير مباشرة خاصة وأن مراكزها الرئيسية كانت موجودة فى المدن الرئيسية التى احتدم فيها الصراع السياسي والفكري آنذاك مثل قسنطينة والجزائر ووهران.

ولا يتسع المجال للحديث المفصل عن الجهود السياسية لجمعية العلماء وإنما يمكن إجمالها فى القول بأنها سعت لتحقيق الاستقلال والمحافظة على الهوية العربية الإسلامية للجزائر. وقد وظفت الجمعية جهودها التربوية والفكرية لتحقيق هذا الهدف وعبرت عنه من خلال مؤتمراتها ومجلاتها وجرائدها التي أصدرتها, ومن أهمها مجلة " الشهاب" التي كتب الشيخ ابن باديس فى عدد منها سنة 1936 يقول :" إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا (...) وليس من العسير بل إنه من الممكن أن يأتي يوم تبلغ فيه الجزائر درجة عالية من الرقي المادي والأدبي وتتغير فيها السياسة الاستعمارية وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة".

وفى محاضرة للشيخ ابن باديس بتونس سنة 1937 أكد عل أهمية دور العلماء فى النضال السياسي وقال " لابد لنا من الجمع بين السياسة والعلم ولا ينهض العلم والدين كل النهوض إلا إذا نهضت السياسة بجد" ودأب على تذكير الجزائريين بأنهم أمة عربية مسلمة لا يمكنها الاندماج فى فرنسا مهما طال الاحتلال ومن ذلك قوله " إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا ولا يمكن أن تكون فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت بل هي بعيدة عن فرنسا كل البعد فى لغتها وفى أخلاقها وفى عصرها وفى دينها ".

والخلاصة أن ابن باديس كان بارعا فى صياغة المنهج الذي سارت عليه جمعية العلماء بحيث لا تصطدم بالاحتلال وفى الوقت نفسه تعد العدة للثورة عليه وفى سنة 1938 عندما كان حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين فى مصر يعلن انخراط جماعته فى العمل السياسي فى الإسلام كان الشيخ ابن باديس أيضا يكتب فى مجلة الشهاب عن " أصول النظام السياسيى فى الإسلام " وقد ضمنها أفكارا سياسية ثورية تدعو إلى الإستقلال والحرية مثل قوله " إن الأمة لا تحكم إلا بالقانون الذي رضيته لنفسها وعرفت فيه فائدتها وما الولاة إلا منفذون لإرادتها فهي تطيع القانون لأنه قانونها لا لأنه سلطة أخري لفرد أو لجماعة فرضته عليها كائنا من كان ذلك الفرد وكائنة من كانت تلك الجماعة فتشعر بأنها حرة فى تصرفاتها وأنها تسير نفسها بنفسها وأنها ليست ملكا لغيرها من الناس ".

ويعتبر الشيخ ابن باديس الزعيم الروحي لثورة التحرير التي اندلعت فى أول نوفمبر سنة 1954 فالأجيال التي رباها كانت هي وقود الثورة التي استشهد فيها على مدي سبع سنوات ونصف السنة أكثر من مليون ونصف المليون شهيد وقد حذا رجال جمعية العلماء حذو مؤسسها فى الحض على الثورة ودعمها منذ بدايتها وغن كان بعض أعضائها قد تردد فى تأييد الثورة فى بدايتها نظر للإعلان المفاجئ عنها ولغياب رئيس الجمعية الشيخ البشير الإبراهيمي من البلاد بسبب نفيه إلى الخارج.

وقد اندمجت الحركة الإسلامية ممثلة فى جمعية العلماء مع الحركة الوطنية التحررية وكانا وجهين لعملة واحدة طوال حرب التحرير.

ومنذ اليوم الأول لنشوب الثورة أعلن الشيخ الشهيد العربي التبسي تأييد جمعية العلماء لها بصفته رئيسها المؤقت بسبب نفي الشيخ الإبراهيمي ولم يتوان الشيخ الإبراهيمي نفسه عن إعلان التأييد للثورة فأصدر بيانا من القاهرة فى 15 نوفمبر 1954 خاطب فيه الجزائريين قائلا:" أيها الجزائريون هذا هو الصوت الذي يسمع الآذان الصم هذا هو النور الذي يفتح الأعين المغلقة إن فرنسا لم تبق لكم دنيا ولا دينا.... إنكم مع فرنسا فى موقف لاخيار فيه , ونهايته الموت فاختاروا موتة الشرف على حياة العبودية التي هي شر من الموت , سيروا على بركة الله وبعونه وتوفيقه إلى ميدان الكفاح المسلح فهو السبيل الأوحد إلى إحدي الحسنين: إما موت وراءه الجنة ,وإما حياة وراءها العزة والكرامة ".


ووقع الشيخ الإبراهيمي, والفضيل الورتلاني ممثلين عن جمعية العلماء على ميثاق جبهة التحرير الوطني فى 17 نوفمبر 1955 وعلى اللائحة الداخلية لها قبل ذلك فى 18 فبراير 1955 وهكذا كانت جمعية العلماء جزءا لا يتجزأ من حركة التحرر وحرب الاستقلال, بل إنها حلت نفسها فى سنة 1956 وأعلنت توحدها مع جبهة التحرير الوطني . ولكن ما إن تحقق الاستقلال سنة 1962 حتي بدأت الخلافات بين السلطة التى تولت الحكم ورجال جمعية العلماء , ومارست السلطة ضغوطها على العلماء والدعاة , واستخدمت معهم سياسة البطش والمطاردة خاصة عندما أعلنت الأخذ بالتوجه الاشتراكي فى منتصف الستينيات.

النشاط الإسلامي فى عهد الاستقلال ( الاضطهاد والتحدي فى السبعينيات)

انتصرت الثورة الجزائرية بعد حرب تحرير طويلة استمرت من سنة 1954 إلى سنة 1962. وقد توحدت جهود الثوار فى " جبهة التحرير الوطني" واعتمدت الجبهة على الإسلام باعتباره المعين الأساسي للثورة , والرمز الذي يجمع شمل جميع الجزائريين فى جهادهم ضد الاستعمار الفرنسي المستبد , ومن هنا رأينا جمعية العلماء تحل نفسها سنة 1956 وتندمج فى التيار الثوري الذي تقوده جبهة التحرير الوطني من هذا المنطلق الإسلامي, الذي أكده بيان أول نوفمبر سنة 1954 الذي فجر الثورة حيث نص على تطلع الشعب الجزائري للحرية والاستقلال " وإقامة دولة تجدد المثل الإسلامية" .


ولكن فى بداية عهد الاستقلال توقفت جهود أعضاء جمعية العلماء وتم تحجيمها من قبل السلطة, التي استخدمت أساليب الترغيب والترهيب مع الرموز الإسلامية فرضي معظمهم بالمناصب والوظائف الحكومية بينما أحيل بعضهم من الذين عارضوا الحكم الجديد إلى التقاعد ومنعوا من القيام بأى نشاط فى الميدان السياسي. وبالرغم من أن جناحا مهما من جبهة التحرير الوطني – التي حكمت البلاد منذ الاستقلال – ظل على ولائه للمبادئ والأهداف الإسلامية التى جاهدوا من أجلها إلا أن السلطات الجزائرية – التي هيمن عليها العسكريون منذ الاستقلال أيضا – رأت أنه لا ينبغي أن يسمح للعلماء والدعاة أو المؤسسات الإسلامية المختلفة , أن تشكل مركز قوة مستقلا عن سياسية الحزب الواحد ( جبهة التحرير الوطني) والحكومة والجيش.

ومع ذلك لم ينقطع الصوت الإسلامي بصورة كاملة ففي سنة 1946 تأسست جمعية إسلامية باسم " جمعية القيم" وأصدرت مجلة باسم " التهذيب الإسلامي " وقد رفعت هذه الجمعية القيم – متأثرا بأفكار الإخوان المسلمين وقادتهم وبصفة خاصة حسن البنا وسيد قطب . ويكشف التاريخ القصي لجمعية القيم عن أحد ثوابت الحركة الإسلامية الجزائرية وهي شدة التأثر بمصر ودعاتها الإسلاميين , وقد نجحت الجمعية بفضل هذا التأثر فى فرض التعليم الديني الإلزامي ويقال إن جمال عبد الناصر اضطر للتدخل شخصيا لدي الرئيس بن بله حتي لا يذهب بعيدا فى هذا الاتجاه كما أنه تدخل مرة أخري لدي الرئيس هواري بومدين فى سبتمبر سنة 1966 بعدما تلقي – أى عبد الناصر – برقية شديدة اللهجة من جمعية القيم تهاجمه لإعدامه الشهيد سيد قطب فى ذلك الحين , واستجاب بومدين لطلب عبد الناصر فمنع نشاط جمعية القيم فى 22 سبتمبر 1966 وحلها نهائيا فى 17 مارس 1970.

إذن فقد تأكدت سيطرة الدولة على النشاط الإسلامي بعد الانقلاب الذي قام به العقيد هواري بومدين وتولي على أثره السلطة سنة 1965 , إذ أنه بالرغم من حرصه على الهوية العربية الإسلامية للجزائر إلا أنه كان أكثر تشددا من سلفه بن بلة فى مصادرة النشاط الإسلامي وقصره على النشاط الرسمي ممثلا فى وزارة الشئون الدينية تلك الوزارة التى ألحقها إلحاقا مباشرا برئاسة الجمهورية أى به شخصيا ليضمن – حسب تصوره تعاون " الإسلام الرسمي" مع ثورته الثقافية وأيديولوجيته الإشتراكية التي فرضها على المجتمع وحاول أن يطبقها بشتي الوسائل بما فيها القوة التي أتاحها له انفراده بالسلطة.

وكان نظام بومدين كلما توغل فى تطبيق سياسات غير إسلامية سواء فى القضايا الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية , نشطت المعارضة الإسلامية ممثلة فى أعضاء جمعية العلماء السابقين وفى العناصر الإسلامية التي قادت الحركة الإسلامية خلال الثمانينات كما سري فيما بعد .

ففي سنة 1971 صدر قانون الثورة الزراعية, وكان يقضي بانتزاع الأرض من المواطنين الجزائريين بحجة الحد من الملكية الفردية بحيث لا تزيد ملكية العائلة الواحدة عن سبعة هكتارات ( حوالي 13 فدانا) وما زاد عن ذلك يوضع تحت تصرف الصندوق الوطني للثورة الزراعية وقد نجمت عن تطبيق هذا القانون آثار سيئة على الزراعة ومحاصيلها بسبب هجرة الفلاحين إلى المدن وتركهم العمل بالزراعة على نطاق واسع هربا من نظام التأميم الذي زعزع استقرارهم وسلب منهم حقهم فى ملكية الأرض .

وفى سنة 1976 جرت مناقشات حول مشروع جديد لتعديل الميثاق على نحو يتعارض مع بعض القواعد الإسلامية وبصفة خاصة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية وقانون الأسرة وكانت هذه السياسات التى تنتهجها حكومة بومدين مصحوبة بصعود التيار اليساري الإلحادي فنهضت المعارضة الإسلامية لتلك السياسات والاتجاهات وكان الشيخ عبد اللطيف سلطاني – عضو جمعية العلماء – من أبرز الأصوات التي عارضت حكومة بومدين على أساس إسلامي وألف فى ذلك كتابا بعنوان " المزدكية أصل الإشتراكية" وقد تم توزيعه على نطاق واسع وبشكل سري وكان شديد القسوة فى الهجوم على بومدين وحكومته ونشر الشيخ كتابين آخرين خلال السبعينات وهما كتاب " دفاعا عن الإيمان الإسلامي" وكتاب " سهام الإسلام" وقد اهتم فى كتابه الأخير " سهام الإسلام" بدحض الأفكار الغربية وانتقد الذين يقومون بترويجها فى المجتمع الجزائري وخص الأديب الجزائري المتغرب " كاتب ياسين" بهجوم عنيف.

ومن الذين برزوا كمعارضين فى ذلك الوقت الرضا الشيخ محفوظ نحناح. الذي حكم عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاما أمضي منها خمس سنوات وأفرج عنه سنة 1981 مع من تم الإفراج من الإسلاميين فى بداية عهد الرئيس الشاذلي بن جديد.

لقد تحولت الجزائر في السبعينيات إلى " مزرعة من الخوف والبطش" على حد تعبير الشيخ محفوظ نحناح. وما فعله عبد الناصر مع الإخوان المسلمين فى مصر خلال الخمسينيات والستينيات من بطش واضطهاد فعله بومدين مع الإسلاميين فى الجزائر على نحو مشابه ولكن رحيله فى نهاية سنة 1978 وضع حدا لهذه السياسة التعسفية وبدأـ الجزائر تدخل مرحلة جديدة بتولي الرئيس الشاذلي بن جديد الحكم خلفا لبومدين.

الصحوة الإسلامية خلال الثمانينات ( سنوات الغليان )

بعد عامين من حكم الشاذلي بن جديد أفرج عن معظم الإسلاميين الذين كان بومدين قد اعتقلهم لأنهم عارضوا سياساته كما ذكنا آنفا وكان من بين المفرج عنهم الشيخ نحناح وعدد من أعضاء جمعية العلماء القدامي. ولم يمض وقت طويل على بداية حكم بن جديد حتي بدا أنه غير راغب فى الاستمرار على نهج هواري بومدين وبصفة خاصة لأن سياساته الاقتصادية والاجتماعية أخفقت فى تحقيق أهدافها . بل إن أوضاع البلاد ازدادت سوءا عما كانت عليه قبل الاستقلال فى النواحي الاقتصادية حيث تدهورت الزراعة والصناعة وانتشر الفساد فى المؤسسات الحكومية الإدارية والإنتاجية وفضل بن جديد التخلي عن سياسة سلفه الفاشلة والسير فى طريق الإصلاح السياسي والاقتصادي بشكل تدريجي ولكنه فى الوقت نفسه استمر فى إحكام رقابة السلطة على النشاط الإسلامي إعلاميا وأمنيا حتي يظل دور الإسلام فى المجتمع محصورا فى حدود ضيقة لا تتعدي أداء الشعائر والعبادات وبمعني آخر ظل مفهوم السلطة فى عهد بن جديد عن الإسلام كما كان عليه فى السابق مبتسرا لا يقدم تشريعا شاملا ينظم حياة المجتمع والدولة.

ولكن عهدا ابن جديد فى بدايته صادفه نجاح الثورة الإسلامية فى إيران وصعود الحركة الإسلامية فى بلدان أخري كثيرة مثل مصر وأفغانستان التي أعلن فيها الجهاد ضد الغزو السوفيتي لها آنذاك وكانت هذه من العوامل الخارجية التي هيأت المناخ لحدوث الصحوة الإسلامية فى الجزائر واتساع نطاقها على مدي الثمانينيات خاصة وأن ثمة اعتبارات وعوامل داخلية متعلقة بأوضاع المجتمع الجزائري تكونت منها أرض خصبة لنمو وازدهار الحركة الإسلامية فى مدة وجيزة من الزمن.

فمن ناحية لم تفلح السياسات الإشتراكية ولا الإسلام الذي هيمنت عليه السلطة فى حل مشاكل المجتمع الجزائري الذي عاني كثيرا من آثار التغيير السريع الذي أصاب الكثير من قيم وتقاليد وأوضاع الشعب . شعر الناس بالإحباط الشديد والسخط إزاء التضحيات التي بذلوها فى سبيل التقدم والتنمية التي لم تتحقق على النحو المطلوب.

ومن ناحية ثانية بدأت العناصر الإسلامية من الدعاة والعلماء , فى تجميع الشباب وخاصة فى الأوساط الجامعية حول المشروع الإسلامي باعتباره الحل الوحيد للمشكلات التي يعاني منها المجتمع وأكدوا على رفضهم القاطع للحلول المستوردة سواء كانت اشتراكية أو رأسمالية غريبة.

وقد لقيت هذه الدعوة نجاحا كبيرا خاصة وأن الإسلاميين ركزوا فى البداية على حض الناس على الصلاة والتمسك بالأخلاق الإسلامية والدعوة للتوسع فى التعليم الإسلامي فى المدارس والإسراع فى تنفيذ برامج التعريب إلى غير ذلك من الأمور التي أيقظت المشاعر الإسلامية فى نفوس الجماهير وبصفة خاصة فى أوساط الشباب الذين يشكلون أكثر من 60% من إجمالي عدد السكان .

وكان لابد أن تحدث سلسلة من المصادمات وأعمال العنف بين السلطة والتيارات العلمانية من ناحية , والإسلاميين الذين بدأوا ينتظمون فى مجموعات متفرقة من ناحية أخري ففي سنة 1980 وقعت اشتباكات بين الطلبة الإسلاميين واليساريين فى الجامعات, وحاول الإسلاميون منع الطالبات من الاختلاط بالطلبة كما حاولوا إغلاق عدد من لفنادق والملاهي والمحلات التي تقدم الخمر.

بمرور الوقت ازداد عدد المساجد الأهلية , وازدادت سيطرة الإسلاميين على المساجد التابعة لوزارة الشئون الدينية, وشكلت المساجد قاعدة شعبية للعمل الإسلامي فى طول البلاد وعرضها توجه من على منابرها الانتقادات الحادة للتوجهات التغريبية وللسلطة وسياساتها الفاشلة ولكافة مظاهر الفساد والرشوة والمحسوبية وتشير الإحصاءات إلى أنه فى الفترة من سنة 1962 إلى سنة 1972 شهدت الجزائر بناء4474 مسجدا , وارتفع هذا العدد إلى 5289 مسجدا فى سنة 1980. وفى غضون سنوات قليلة بنيت مساجد كثيرة واشتدت الحاجة إلى أعداد كبيرة من الأئمة والخطباء وقد تم اللجوء إلى المتطوعين, والقادمين من البلاد العربية الأخرى وخاصة من مصر ولم يمض عهد بومدين الذي توفي فى سنة 1978 إلا وأصبحت المساجد فى الجزائر موزعة بين أربعة أنواع هي: مساجد الدولة الخاضعة للرقابة ووزارة الشئون الدينية ," مساجد الشعب" حيث المقاومة السلبية لسياسات السلطة ... و" المساجد الحرة" حيث الدعاة المعارضون والدعوات للجهاد" المساجد الخاصة " التي بناها الوجهاء من باب التدين والتقرب إلى الله إضافة إلى ذلك استفاد الإسلاميون من قانون صدر سنة 1971 يسمح بتأسيس جمعيات خيرية وفى الفترة من سنة 1971 إلى سنة 1978 تم تأسيس ما لا يقل عن 11 ألف ( أحد عشر ألف) جمعية خيرية يرتبط معظمها بالمساجد فى حين يهتم عدد قليل منها بالشئون الرياضية المختلفة .

وكانت سنة 1982 سنة حاسمة فى انطلاق الصحوة الإسلامية فى الجزائر . ففيها انعقد أول تجمع كبير للجماعات الإسلامية فى البلاد وذلك بمسجد جامعة الجزائر تحت رعاية الشيخ عبد الطيف سلطاني والشيخ أحمد سحنون وعدد آخر من القيادات الإسلامية البارزة وقدم المجتمعون قائمة بمطالبهم تضمنت ثلاثة عشر بندأ تطالب بوضع حد صارم للتأثيرات الغربية ( الفرنسية خاصة) فى المجتمع الجزائري , وإلغاء ميثاق سنة 1976 – الذي اعتقل بسبب معارضته عدد كبير من الدعاة والعلماء فى عهد بومدين – وبأن يحل القرآن محل الميثاق العلماني وتقام دولة إسلامية وعلى إثر ذلك تم اعتقال عدد من المشاركين فى المؤتمر كان منهم الشيخ عباسي مدني الذي لم يفرج عنه إلا سنة 1984.

وفى سنة 1982 أيضا فاز الإسلاميون فوزا ساحقا فى انتخابات اتحادات الطلبة بجامعة الجزائر, وحاول الطلبة الشيوعيون الاعتداء عليهم والتشكيك فى نتيجة الانتخابات فتظاهر الإسلاميون وقامت الشرطة باعتقال أربعمائة منهم وما أن سري خبر اعتقالهم حتي تجمع فى العاصمة نحو مائة ألف متظاهر بعد صلاة الجمعة للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين فلجأت السلطة إلى استخدام أساليب القمع العنيف ضد المتظاهرين.

وفى تلك السنة كذلك بدأت تظهر بعض أعمال الهجومية المسلحة التي قادها أحد الإسلاميين وهو مصطفي بويعلي الذي كان ضابطا سابقا فى الجيش الجزائري.

وتوالت العمليات المسلحة التي قام بها بدءا بالهجوم على ثكنات الجيش فى مدينة بوداواو بولاية بومرداس سنة 1982, ثم الهجوم على بعض المؤسسات التابعة للجيش أيضا سنة 1985. وفى عام 1986 حاول مهاجمة كلية الشرطة فى مدينة صومعة بولاية البليدة. وأخيرا استشهد مصطفي بويعلي هو وستة من أتباعه برصاص الشرطة فى معركة مع قوات الأمن بالقرب من العاصمة فى بداية سنة 1987.

وإزاء تزايد حوادث الصدام واتساع نطاق نشاط الجماعات الإسلامية لجأت حكومة بن جديد إلى سياسة القمع والاعتقال من ناحية , ومحاولة احتواء المد الإسلامي بالتوسع فى إنشاء المدارس والمعاهد الإسلامية من ناحية أخري , ولكن ذلك لم يفد النظام كثيرا بقدر ما أفاد الحركة الإسلامية التي بدأت تتبلور فى شكل منظم , وبدأ أكثر من تجمع إسلامي يطرح نفسه على الساحة بصورة رسمية خاصة بعد المظاهرات العارمة التي اندلعت سنة 1988 واستجابة النظام للمطالب الشعبية التي نادت بالإصلاح الاقتصادي والانفتاح السياسي وإطلاق الحريات . وهو ما حدث بصدور دستور سنة 1989 وعندها طرحت الأحزاب السياسية وتحددت ملامحها , وكذا الخصائص الأساسية التي تميز كل جماعة نحو الحياة الديمقراطية. ولكن قبل أن ننتقل إلى تجربة التحول الديمقراطي ودور الحركة الإسلامية فيها والصراع الذي دار حولها وانتهي بإيقاف مسيرتها سوف نتناول فى الجزء التالي خريطة الحركة الإسلامية لنتعرف على أهم مكوناتها ومعالم المشروع الإسلامي الذي تحمله وموقعها من مجمل الحركة السياسية فى الجزائر الآن بشكل عام.

تشكيل خريطة الحركة الإسلامية

عرفنا كيف تطور النشاط الإسلامي فى الجزائر واتسعت قاعدته الاجتماعية باضطراد خلال عقد الثمانينات فى ظل حكم الشاذلي بن جديد وذلك بعد أن مر هذا النشاط بفترة ركود طول عهد الرئيس بومدين الذي حكم البلاد حكما شموليا واضطهد الأصوات الإسلامية التي عارضت نظام حكمه.

والحقيقة أن حكومة الرئيس بن جديد كانت تواجه قلاقل سياسية واجتماعية مستمرة كلما اقتربت خطوة من النظام الديمقراطي الحر , وكلما ابتعدت خطوة مماثلة عن النظام الشمولي المتسلط . وكانت أخطر الاضطرابات تلك التي فجرتها المظاهرات الشعبية العارمة فى الخامس من أكتوبر سنة 1988, وهي المظاهرات التى استمرت أسبوعا كاملا , وأحرق خلالها الشباب الغاضبون عددا من المباني الحكومية ومكاتب حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم , ودمروا عددا آخر من مراكز الشرطة والفنادق والملاهي فى العاصمة وفى مدن أخري مثل وهران ثاني أكبر المدن فى الجزائر ولم يهدأ الأحوال إلا بعد أن تدخل الجيش وأخمد المظاهرات وأسفرت المواجهة بين الجانبين – الجيش والمتظاهرين – عن مقتل 159 شخصا حسب التقديرات الرسمية.

وفتحت تلك الاضطرابات الباب واسعا أمام المناقشات حول ضرورة القيام بإصلاحات أساسية فى هيكل نظام الحكم ومن ثم فى سياساته المختلفة . وجري الحديث فى البداية عن إمكانية تحويل جبهة التحرير الوطني إلى تحالف واسع يضم مختلف الاتجاهات السياسية وفى مقدمتها الاتجاه الإسلامي وتوجهت الأنظار إلى الشيخ أحمد سحنون – بقية جمعية العلماء المسلمين – باعتباره أكبر الشخصيات الإسلامية التي تحظي باحترام كبير على المستوي الشعبي والرسمي الأمر الذي يسهل له مهمة إدماج الاتجاه الإسلامي فى جبهة التحرير. غير أن هذه الفكرة لم تلق الحماسة الكافية لتنفيذها فتم التخلي عنها نهائيا وخاصة بعدما وعد الرئيس الشاذلي بن جديد بديمقراطية متعددة الأحزاب يتم الانتقال إليها تدريجيا. وهو ما حدث بالفعل , وتم التعبير عنه رسميا فى الدستور الذي صدر بعد الاستفتاء عليه فى فبراير سنة 1989.

فقد نص هذا الدستور فى المادة 39 على أن " حرية التعبير وإنشاء الجمعيات والاجتماع مضمونة للمواطن" كما نص فى المادة 40 على أن" حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي معترف به...." وعلى هذا الأساس بدأت المجموعات الإسلامية التي كانت قد تبلورت خلال الثمانينات تتقدم الواحدة تلو الأخري بطلبات الترخيص لها كأحزاب سياسية . وهكذا ظهر أول حزب سياسي إسلامي رسمي فى الجزائر – وفى بلاد المغرب العربي كلها – ممثلا فى " الجبهة الإسلامية للإنقاذ" بقيادة الدكتور عباسي مدني . ثم تلاه حزب " حركة النهضة الإسلامية " بقيادة الشيخ عبد الله جاب الله , وحزب " حركة المجتمع الإسلامي " حماس) بقيادة الشيخ محفوظ نحناح.

وتشكلت خريطة الحركة الإسلامية سياسيا من هذه الأحزاب الرئيسية الثلاثة . وسوف نعرف بكل منها تعريفا مفصلا يتناول ظروف تكوينها وأهم الخصائص التي تميزها ياسيا واجتماعيا وفكريا وتنظيميا مع عطاء نبذة عن التاريخ السياسي لأهم قيادات كل منها .

أولا الجبهة الإسلامية للإنقاذ

تأسست الجبهة الإسلامية بزعامة الدكتور عباسي مدني فى مارس سنة 1989 أى بعد مضي شهر واحد فقط على صدور الدستور الجديد الذي نص على التعددية السياسية فى البلاد . وفى سبتمبر من العام نفسه حصلت الجبهة على ترخيص سمي يعترف بها حزبا سياسيا لتصبح بذلك أول حزب سياسي إسلامي فى البلاد يتم السماح له بالعمل بصورة قانونية . ومنذ ذلك الحين والجبهة تضم فى صفوفها عدة تيارات إسلامية لبعضها نظائر فى خريطة الحركة الإسلامية المصرية مثل تيار السلفي , وجماعة الجهاد , وجماعة التكفير والهجرة – التي تلاشت الآن فى مصر – وبعضها الآخر ليس له نظير مثل تيار " الجزأرة" وهو تيار يحصر نشاطه الإسلامي فى حدود القطر الجزائري ويرفض ربط الحركة الإسلامية الجزائرية بمثيلاتها فى المشرق العربي , أو بالتنظيمات الإسلامية الدولية وبصفة خاصة " التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين" ومن أبرز ممثلي هذا التيار الذين برزوا عقب اعتقال زعيمى الجبهة مدني وبلحاج فى يونيو 1991 الشيخ محمد سعيد , الذي تولي رئاسة المكتب التنفيذي بالوكالة لمدة قصيرة ثم اعتقل هو الآخرة.

ومن الصعب تقدير الأوزان النسبية لكل تيار داخل الجبهة تقديرا دقيقا فلمعلومات والأرقام والبيانات بهذا الخصوص تكاد تكون معدومة بيد أن المؤشرات العامة تقول إن التيار السلفي الذى يقوده على بلحاج, والتيار الجهادي الذي يقوده الدكتور عباسي مدني , يشكلان أغلبية كبيرة داخل الجبهة ويأتي بعدهما تيار الجزأرة بقيادة الشيخ محمد سعيد . ثم خليط من المتعاطفين والتكفيريين واللامنتمين والعاطلين عن العمل.

وتأتي الجبهة الإسلامية للإنقاذ فى مقدمة القوي التي تشكل فى الوقت الراهن خريطة الحركة الإسلامية الجزائرية فبمقارنتها بحركة النهضة وحركة حماس يتضح أنها هى الأوسع انتشارا والأكثر عددا وأنصارا حيث تتغلغل فى مختلف الطبقات الاجتماعية والمستويات الثقافية عبر مختلف ولايات ( محافظات ) البالغ عددها 48 ولاية ويبلغ عدد أعضاء الجبهة ثلاثة ملايين عضوا طبقا لما ورد فى تصريح لزعميها الشيخ عباسي مدني .

ورغم أن المؤشرات كلها تؤكد امتلاك الجبهة للعديد من عناصر القوة والتنوع فى إطار موحد( هو الجبهة) واتساع القاعدة الاجتماعية لها فى مناخ يسوده الغضب والرفض لنظام القائم وضخامة عدد المنخرطين فى عضويتها إضافة إلى قدرة القيادة على ممارسة خطاب سياسي راديكالي يتفق مع ميول ورغبات القطاعات الواسعة من جماهير الشعب , رغم كل ذلك فإن الجبهة تحمل داخلها عددا لا يستهان به من عناصر الضعف وهدر الفاعلية . ومن ذلك عدم التجانس الفكري بين تيارات الجبهة , وإذا كان من الصحيح أن هناك هدفا واحدا يجمعها كلها وهو " إقامة دولة إسلامية" إلا أنه من الصحيح أيضا أن اختلاف الأسس التربوية , الرؤي السياسية ومناهج التغيير التي يؤمن بها كل تيار يؤدي إلى حدوث نوع من التضارب والارتباك فى الحركة وعدم الحسم فى تحديد المواقف فى بعض الأحيان كما يجعل من اليسير اختراقها من قبل الجهات المعادية كما حدث إبان أحداث يونيو سنة 1991 كما سنري . والأكثر ضررا من كل ذلك هو حدوث اختلاف فى الخطاب السياسي على المستوي القيادي للجبهة مثلما ظهر بالفعل فى الخطاب الذي مارسه أهم شخصين وهما الدكتور عباسي مدني الذي أقر بالتعددية السياسية فى إطار قواعد الممارسة الديمقراطية والشيخ على بلحاج الذي أعلن مرارا وتكرارا رفضه للديمقراطية ومساواتها بالكفر الصراح إلى غير ذلك من القضايا الحيوية التي ستعود إلى تناول رؤية الجبهة بخصوصها بعد قليل.

ومن الطريف أنه بعد تأسيس الجبهة فى مارس سنة 1989 انتظر قادتها عدة أشهر قبل أن يتقدموا بطلب للحصول على رخصة قانونية بتشكيل حزب سياسي والسبب هو أن بعضهم وخاصة الشيخ على بلحاج – كان ضد تقديم مثل هذا الطلب لأنهم لا يعترفون بشرعية الدولة , ولكنهم وافقوا بعد ذلك على تقديم الطلب حفاظا على سلامية الحركة وابتعادا عن سلوك مسلك الفوضي.

ويتكون الهيكل التنظيمي للجبهة من " مجالس الشوري "و" المكاتب التنفيذية" على مستوي البلديات والولايات وعلى المستوي الوطني – أى على مستوي الجمهورية – ويضم " مجلس الشوري الوطني, فهو يمثل القيادة السياسية للجبهة , ويقوم مجلس الشوري الوطني بانتخاب أعضاء المكتب التنفيذي هذا بالإضافة إلى عدد كبير من اللجان الفنية المختصة بالشئون المالية والإدارية والإعلامية , والدعوية.... الخ.

وقد ارتبطت الجبهة منذ تأسيسها باسم كل من الدكتور عباسي مدني , والشيخ على بلحاج ثم ظهر اسم كل من الشيخ محمد سعيد والشيخ عبد القادر حشاني بعدما اعتقل مدني وبلحاج فى أحداث يونيو 1991.

أما الدكتور عباسي مدني – زعيم الجبهة – فهو من مواليد سنة 1931 ولد بمدينة سيدي عقبة – التي يوجد بها قبر عقبة بن نافع رضى الله عنه – قرب ولاية بسكرة جنوب شرق الجزائر. وقد بدأ دراسته فى الكتاتيب القرآنية والزوايا ثم فى المدرسة الحرة التابعة لجمعية العلماء المسلمين . وبعد أن درس علوم القرآن والسنة والفقه فى أحد مساجد " بسكرة" على يد الشيخ نعيم النعيمي , انخرط فى الحياة السياسية فكان عضوا فى منظمة سرية مناهضة للاحتلال الفرنسي , وهي المنظمة التي انبثقت عنها جبهة التحرير الوطني التي التحق بها منذ اندلاع الثورة سنة 1954 وشارك مع مجموعة من خمسة أشخاص فى الهجوم بالقنابل لى مكاتب إذاعة الجزائر وتم اعتقاله مع المجموعة فى 17 نوفمبر 1954 بعد فشل الهجوم ولم يطلق سراحه إلا بعد انتهاء حرب التحرير وانتصار الثورة سنة 1962 وبعد خروجه من السجن تابع دراسته فحصل على شهادة فى الفلسفة ثم على دكتوراه من الدرجة الثالثة فى التربية , فدكتوراة الدولة من جامعة لندن فى التربية المقارنة وأصبح أستاذا فى جامعة الجزائر . وهو متزوج وأب لستة أبناء ( خمسة صبيان وفتاة واحدة) وقد بدأ فى شجب ما أسماه(انحراف) جبهة التحرير الوطني عن أهدافها وبصفة خاصة عندما تبنت الإشتراكية خلال مؤتمر طرابلس عشية الاستقلال ولكنه مثل جميع الشخصيات الإسلامية البارزة فى تلك الحقبة لم يتمكن من التأثير على مجريات الأمور , وخصوصا بعد وصول هواري بومدين إلى السلطة سنة 1965 والذي هيمنت شخصيته العسكرية على البلاد حتي وفاته فى ديسمبر سنة 1978 . وبمجيء الشاذلي بن جديد خلفا لبومدين أتيحت حرية التعبير للدعاة وأئمة المساجد وظهر الدكتور عباسي مدني كزعيم سياسي على الساحة السياسية فى عهد بن جديد سنة 1982 عندما نظم أول مظاهرة إسلامية فى مدينة قسنطينة عاصمة شرق الجزائر وهو عمل كان يحظره القانون فى فترة سيطرة نظام الحزب الواحد , وبعد عدة أسابيع تم اعتقاله على أثر مظاهرة الطلبة فى جامعة الجزائر ولم يطلق سراحه إلا سنة 1984. وبعد إطلاقه واصل نشاطه ولكن بشكل سري حتي وقعت أحداث أكتوبر سنة 1988 وبعدها بدأ النظام يتجه نحو التعددية السياسية وجرت أول انتخابات محلية على هذا الأساس فى يونيو 1990 شاركت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة الدكتور عباسي مدني وحققت فوزا كبيرا طالبت على أثره بضرورة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة وحل المجلس الشعبي الوطني – البرلمان – وإجراء انتخابات حرة لإعادة تشكيله ولكن الصدام وقع بين الجبهة والسلطة بسبب الخلاف حول قانون الانتخابات فتم تأجيلها واعتقال زعماء الجبهة وقى مقدمتهم عباسي مدني وعلى بلحاج.

وفيما عدا الدكتور عباسي مدني, فإن بقية قادة الجبهة هم من الشباب الذين تتراوح أ‘مارهم بين 35, 40 سنة وأبرزهم الشيخ على بلحاج.

والشيخ على بلحاج, هو من مواليد سنة 1956, وأصله من الصحراء الجزائرية حيث عاشت قبيلته فى ولاية أدرار. ولكن على بلحاج ولد فى تونس ونشأ يتيم الأبوين حيث استشهد والده فى حرب التحرير الجزائرية وكفله خاله خريج جامعة الزيتونة وهو متزوج وله أربعة أولاد ويعمل أستاذا للغة العربية فى المدارس المتوسطة. وقد تأثر بشيوخ جمعية العلماء المسلمين وتعلم منهم من أمثال الشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ أحمد سحنون , والشيخ العرباوي عمر . ويقول عن نفسه أنه تأثر بمدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ونظرته التجديدية بالعودة إلى الإسلام الصافي فى الكتاب والسنة والفهم الصحيح للصحابة رضى الله عنهم كما تأثر إلى حد بعيد حسب قوله " برواد الإخوان المسلمين مثل الشيخ حسن البنا وسيد قطب وعبد القادر عودة "

وقرأ كتب سعيد حوي وتأثر بمواقف إخوان سوريا فى مواجهة نظام حافظ أسد. وهو يمارس نشاطه فى الدعوة الإسلامية منذ أواخر السبعينيات وقد أشتهر بموهبته الخطابية وبشجاعته فى انتقاد الحكم " لأنه غير إسلامي وقد كان يلهب مشاعر الجماهير التي تتجمع بالآلاف لسماع خطبته يوم الجمعة بمسجد السنة بحي باب الواد بالعاصمة الجزائرية – من خلال هجومه على سياسات الحكومة الفاشلة , وانتقاده للتيارات العلمانية والفرنكفونية الموالية للغرب وفرنسا وقد قال ذات مرة فى واحدة من خطبه " ينبغي لنا أن نحاسب فرنسا على الشهداء الذين استشهدوا فى حرب التحرير. فاليهود يطالبون ألمانيا بضحايا القتل فكيف لا نطالب فرنسا بدماء الشهداء".

مكث الشيخ على بلحاج خمس سنوات فى السجن بالجزائر العاصمة من سنة 1983 حتي سنة 1987 وقد وجهت إليه عدة اتهامات منها التعدي على نظام الحكم والعمل على الإطاحة به والإخلال بالأمن العام , وكان قد شارك فى العمليات الهجومية التي قام بها مصطفي بويعلي منذ مطلع الثمانينات وتم اعتقاله على ذمة قضية من قضايا بويعلي رحمه الله , ولم يقبل بلحاج بتحمل مسئوليات تنظيمية فى الجبهة باستثناء عضوية المكتب التنفيذي الوطني وعلى الرغم ن أنه ليس نائبا رسميا لرئيس الجبهة إلا أن الإعلام الجزائري والغربي اعتبره الرجل الثاني فى جبهة الإنقاذ وإضافة إلى نشاطه الخطابي فإنه كان حريصا على نشر بعض أبحاثه ومقالاته المسهبة فى صحيفة " المنقذ" التي تصدرها الجبهة. وتتميز كتاباته بطابع سلفي تراثي واضح كما يبدو من عناوين بعضها مثل" الخلاصة البهية فى التعريف بالسياسة الشرعية" و" الحجة الشرعية القوية فى دمغ الديمقراطية"و" أزهار الأحكام فى أهم صفات رجال دولة الإسلام"..... إلخ.

وقد اعتقل الشيخ بلحاج فى أحداث يونيو 1991 بتهمة التعاون مع شخص فرنسي يدعي " روجيه دودييه" فى تدريب عناصر شبابية على استخدام السلاح ! للإطاحة بنظام الحكم.

ورغم تعدد التيارات التي تتكون منها الجبهة الإسلامية للإنقاذ على نحو ما رأينا, إلا أنها قد التقت على " برنامج سياسي" واحد واحد خاضت به الانتخابات العامة التي ألغيت قبل أن تم مرحلتها الثانية . ويتميز هذا البرنامج برؤية إصلاحية شاملة تتخذ من " الإسلام مرجعها الأعلى التي تستمد منه مبادئها وتحتكم إليه فى كل شئونها ومن أهم المسائل والقضايا التي توضح الملامح الأساسية لبرنامج الجبهة ما يلي:

1- مفهوم " السياسة" الذي تتبناه الجبهة : وهو أمر ف غاية الأهمية فى مناخ الصراع بيت الاتجاهات المتعارضة على الساحة لجزائرية وهذا المفهوم يعني لدي الجبهة " السياسة الشرعية" والتي تتمثل فى حكمه التدبير وجوده التنسيق وإحكام التوقع ومرونة الحوار للوصول إلى الحق والحقيقة , وعدل الإلزام واعتدال المواقف بمنهج الصدق لأنها تقوم على الإقناع بدلا من القهر ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).... وتلتزم الشوري تفاديا للاستبداد لقوله تعالي ( وأمرهم شوري بينهم ) وقوله عزوجل ( وشاروهم فى الأمر).

2- منهج التغيير: وهو يقوم فى مفهوم الجبهة على " الإعتدال والوسطية والشمول لقوله تعالي( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) ولكن مفهوم الاعتدال الذي تقصده الجبهة يقوم على " الجمع بين المطالبة والمغالبة دون إفراط أو تفريط" وهي تستعمل " المطالبة" لإقامة الحجة لقوله تعالي ( وما كنا معذبين حتي نبعث رسولا) وتستخدم المغالبة " لضمان مصالح الأمة والحفاظ على ثوابتها وصيانة مكاسبها لقول عمر بن الخطاب : متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟".


وتحاول الجبهة من خلال مفهومها هذا أن تجمع بين أسلوب التغيير المرحلي التدرجي وأسلوب التغيير الجذري السريع . وقد ظهرت آثار هذه المحاولة فى كثير من المواقف السياسية للجبهة على نحو ما سنتناوله فى الجزء التالي من هذا الكتاب , كما ظهرت فى تصريحات وأقوال زعيميها الدكتور عباسي مدني والشيخ على بلحاج, وعلى سبيل المثال فقد سئل الدكتور عباسي مدني عن موقف الجبهة من مسألة بيع الخمور وشربها والعري فى الشواطئ, والزي الإسلامي , فقال " هذه الأمور تستقيم بالتربية , وما يستقيم بالتربية لا يعالج بغيرها , ونحن كالأطباء إذا كنا ضد المرض فلسنا ضد المريض , ولا نعتقد فى أسلوب المنع والجبر" أما الشيخ على بلحاج فقد أكد على " أن الشريعة الإسلامية عندما تقدم للناس فليس فيها تدرج ولابد أن نقول للناس هذا حلال وهذا حرام. ولكن ندما يأتي التدرج ... وهناك فرق بين التدرج فى التبليغ وبين الدين وقد أكمل ... فلا نقول للناس إننا نتدرج معكم فى الخمر وإنما نتدرج فقط فى خطة التغيير"

3- موقف الجبهة بين " الديمقراطية والشوري" : وبهذا الخصوص نلاحظ أنها لم تذكر لفظ " ديمقراطية" على الإطلاق فى برنامجها وبدلا من ذلك ركزت على " الشوري" كمفهوم إسلامي أصيل كفيل بمنع الاستبداد والاحتكار السياسي ويضمن حرية التعبير ويشجع على النقد الذاتي والمحاسبة على كافة المستويات السياسية والإدارية وتعتبر قضية الديمقراطية وما يرتبط بها من تعدد للأحزاب السياسية من أبرز القضايا التي تظهر منها أهمية الخطاب السياسي للجبهة ففي الوقت الذي أكد على بلحاج فيه على أن الديمقراطية مرفوضة لأنها تؤذي غلى الشرك بل والكفر , كما ورد فى سلسلة مقالات له بصحيفة " المنقذ" تحت عنوان" الحجة الشرعية القوية فى دمغ الديمقراطية" نجد أن زعيم الجبهة الدكتور عباسي مدني يقول ردا على سؤال حول موقف الجبهة من الديمقراطية :" هى حكم الشعب , وذلك لا يكون إلا بإرادة الشعب وأن الإسلاميين ليسوا أعداء للديمقراطية وما يجري فى الجزائر هو الدليل " ولا يري تناقضا جوهريا بينها وبين الشوري ولكنه يعود فيقول " ونحن نفضل الشوري على الديمقراطية لأن فيها كل مزايا الديمقراطية وليس فيها عيوبها فعندما نختار سنختار الأعدل والأقرب إلى عقيدتنا وطبيعتنا . فالشوري أمر تفردت به الأمة الإسلامية فارتقت وتميزت , فإذا أرادت أن تبقي على تميزها فعليها بالشوري دون أن تعادي الديمقراطية فيما أصلحت وفيما أفادت".

ويؤكد الدكتور عباسي أيضا أن " الشوري تسمح بتعدد الأحزاب والمعارضة, فالمعارضة ضرورية, وكانت فى عهد الخلفاء الراشدين. فلم لا تكون فى عهدنا اليوم ؟ بل إنه يذهب إلى ما هو من ذلك فى الإيمان بجوهر الديمقراطية فيقرر الموافقة على مبدأ تداول السلطة فيقول " نحن لسنا طلاب حكم أبدي. والتغيير ضروري . ولكن لابد من إعداد المؤسسات الحرة التي تقوم بمهمة التغيير"

4- تطبيق الشريعة فى مجالات الإصلاح المختلفة: وبهذا الخصوص تقدم الجبهة رؤية شاملة لمجالات الإصلاح فى الناحية الاقتصادية ( الزراعية والصناعة والتجارة والمال....) وفى الناحية الاجتماعية ( الأسرة, والمرأة, والتربية , والصحة والرياضة ... الخ) وفى المجال الثقافي الإعلامي . ويؤكد عباسي مدني باستمرار على أن " الشريعة الإسلامية لا تطبق إلا بعد أن يتحقق المجتمع الإسلامي والشريعة تطبق كنتيجة ولا يمكن أن نحصد قبل أن نزرع".

5- المرأة :وقد أولتها الجبهة اهتماما ملحوظا فى برنامجها السياسي , ونصت على اعتبارها " من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية الجديرة بالاهتمام, قصد توجيهها الحكيم وتوظيفها الرشيد فى الخطة الإنمائية الحضارية الشاملة وذلك بتخصيص المرأة بالعناية" برفع مستواها العقائدي ووعيها السياسي وحفظها من التعسف والانحلال والتقليد الأعمى.


6- الجيش: وتنظر إليه الجبهة نظرة إجلال واحترام فهو " حامي حمي البحر الأبيض المتوسط بأسطوانة , وحامي حمي دار الإسلام برجاله وحامل لواء الجهاد للذود عن حمي عقيدة التوحيد وأمة المكانة والهيبة والمنعة" وتري الجبهة أن الأوضاع الحالية للجيش تحتاج إلى جهود جبارة من التدريب والخبرة كي يستعيد مكانته ويصبح فى المستوي المطلوب استراتيجيا.

7- السياسة الخارجية : وهو يجب أن تقوم فى نظر الجبهة على الاعتدال فى المواقف والعدل فى معالجة القضايا العالمية والتحررية والاقتصادية والاجتماعية... ضمن السياسة الشرعية الإسلامية . وبذلك تكون الجزائر فى عون كل قضية عادلة وعلى استعداد لتدعيم الوئام والسلام بمفهوميهما الإسلامي ..." حسب تصور الجبهة .


وتسعي الجبهة لتوصيل رؤيته وبرنامجها السياسي الإصلاحي إلى أوسع نطاق ممكن من خلال الخطب والمؤتمرات والمحاضرات والدروس والصحافة حيث تمتلك صحيفتين هما " المنقذ" وهي تصدر باللغة العربية , و" الفرقان" وهي تصدر باللغة الفرنسية . بالإضافة غلى بعض الصحف المستقلة القريبة منها مثل صحيفة " البلاغ" الأسبوعية".

ثانيا حركة النهضة الإسلامية:

وهي ثاني حزب سياسي إسلامي جزائري تم الاعتراف به رسميا فى أول ديسمبر سنة 1990 أى بعد شهرين تقريبا من الاعتراف بجبهة الإنقاذ كحزب سياسي.

ولم تصبح حركة النهضة حزبا إلا بعد أن مرت بعدة مراحل , كانت بدايتها فى منتصف السبعينيات عندما أسس الشيخ عبد الله جاب الله تنظيما إسلاميا سريا بجامعة قسنطينة التى كان قد التحق بها فى ذلك الحين طالبا بكلية الحقوق . وقد عرف تنظيمه هذا فيما بعد باسم " الجماعة الإسلامية" تأثرا فيما يبدو ببدء ظهور الجماعة الإسلامية فى جامعات مصر فى تلك الفترة نفسها . ولكن نشاط جماعة الشيخ جاب الله ظل محدودا وسريا ومركزا فى شرق الجزائر إلى أن قام بخطوته الثانية وهى تأسيس جمعية أهلية باسم " جمعية النهضة للإصلاح الثقافي والاجتماعي " وذلك بعد أن أتاح دستور سنة 1989 حرية تكوين الجمعيات . ثم كانت الخطوة الثالثة وهى التقدم بطلب للحصول على ترخيص لقيام حزب سياسي باسم " حركة النهضة الإسلامية " وقد تمت الموافقة عليه رسميا فى ديسمبر سنة 1990 كما أسلفنا ذلك.

وتتركز حركة النهضة اجتماعيا فى الفئات المثقفة من طلبة الجامعات وخريجيها وأساتذتها أما جغرافيا فهي تتركز فى شرق الجزائر وخاصة فى ولاية سكيكدة حيث مسقط رأس زعيمها.

فالشيخ عبد الله مؤسس حركة النهضة وزعيم حزبها والرئيس الشرقي لجمعية النهضة للإصلاح الثقافي والاجتماعي هو من مواليد سنة 1956 بقرية زرامنة ببلدية تمالوس التابعة لوية سكيكدة. وقد حفظ القرآن واهتم بدراسة العلوم الشرعية بجهوده الذاتية إلى جانب دراسته فى كلية الحقوق ولم ينتسب إلى مدرسة شرعية أو دينية فى أى وقت من الأوقات وهو من العناصر النشطة على الساحة الجزائرية وتعرض للاعتقال أكثر من مرة بسبب نشاطه الإسلامي ففي سنة 1982 تم اعتقاله لمدة سنة ونصف السنة ثم اعتقل مرة أخري سنة 1985 لمدة أربعة عشر شهرا.

ويؤكد الشيخ عبد الله على انتمائه لفكر الإخوان المسلمين ومنهجهم فى التغيير وقد حرص على تسجيل ذلك فى بيان تأسيس حزبه حيث نص فيه على " أن الجماعة الإسلامية التى نذرت نفسها منذ ما ينوف عن ستة عشر سنة للتمكين لدين الله فى هذا البلد المسلم من خلال تبنيها للمنهج التغييري الشامل المستمد من فكر الإخوان المسلمين لتشعر بأنها إحدي البانيات الأساسيات لصرح الحركة الإسلامية .." وفي مناسبة أخري قال الشيخ عبد الله جاب الله :" نح نؤمن بتبني منهج الإخوان المسلمين فى النشأة والظروف من حيث القيام أساسا على الفكر التربوي والسير المتدرج المبني على فقه الأولويات وفقه الموازنات"

والحركة النهضة وثيقتين سياسيتين. أما الأولي فهي عبارة عن رسالة وجهها زعيم الحركة إلى الرئيس الجزائري السابق – الشاذلي بن جديد – تحت عنوان :" خطوات لازمة فى الإصلاح " فى نوفمبر سنة 1988 , وذلك على أثر أحداث أكتوبر الدامية التي وقعت فى العام نفسه . وأما الثانية فهي عبارة عن خطوط عريضة لمجالات الإصلاح والتغيير التي تراها حركة النهضة وهي بمثابة البرنامج السياسي لها كحزب.

ولا يختلف البرنامج السياسي لحركة النهضة كثيرا عن برنامج الجبهة الإسلامية للإنقاذ من حيث رؤيته الشاملة فى الإصلاح , والإيمان العميق بجدارة الحل الإسلامي فى معالجة كافة القضايا والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولها فى ذلك اجتهادات معتبرة ومسجلة فى الوثيقتين السابق ذكرهما.

فالنهضة تدعو إلى اتخاذ الشوري منهجا وأسلوبا فى الحكم , وإعلان مبدأ السيادة لشرع الله والسلطة للشعب يمارسها فى حدود الشرع . وهي تتمسك بخصوصية الحل الإسلامي وأصالته, ومن ثم لا تتحدث عما يسمي " ديمقراطية" أو ليبرالية" بل إن الشيخ عبد الله جاب الله حذر فى رسالته لرئيس الجمهورية سنة 1988 من التحول إلى الليبرالية وأكد على أنها " لا تقل سوءا ولا شؤما عن الإشتراكية فأصلهما واحد وأهدافهما واحدة , وإن اختلفت بعد ذلك وسائلهما فى تحقيق الأهداف ".

وتحتل قضية " الاستقلال" أهمية كبري فى رؤية حركة النهضة وهي تؤكد على إيمانها بان المفهوم الإسلامي للاستقلال يعني تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي" عن أمم الكفر سواء فى المناهج والنظم أو فى الإمكانيات والطاقات فنحن إنما نطبق نظاما شاملا كاملا"

وعلى النقيض من جبهة الإنقاذ التي تري ضرورة اندماج كافة الجماعات الإسلامية فى تشكيل سياسي واحد وليكن فى صيغة " جبهة" فإن حركة النهضة تسلم بالتعدية السياسية الإسلامية وتدعو إلى الاحترام المتبادل بين الجماعات المختلفة , والتحرر من عقلية الحزبية والتعصب للرأي والالتقاء على قاعدة " نتعاون فيما اتفقنا عليه , ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية يدعو برنامج النهضة إلى إعلان مبدأ حماية ونصرة المستضعفين حيثما كانوا فى الأرض وإخضاع العلاقات الخارجية مع غير المسلمين إلى أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بذلك أولا وبالمصلحة الأكيدة للبلد ثانيا ويتبني فكرة العمل على تقوية العلاقات بين الدول العربية والإسلامية والسعي لتحقيق الوحدة المغاربية والعربية تمهيدا لتحقيق الوحدة الإسلامية الكبري.

وأخيرا فإن المجال الوحيد الذي يغفل عنه برنامج النهضة هو الجيش فلم يرد شئ بخصوصه لا فى رسالة جاب الله إلى رئيس الدولة ولا فى البرنامج السياسيى للحزب. ومن الصعب التكهن بالسبب الذي أدي إلى هذه الغفلة خاصة وأن الرسالة والبرنامج تعرضا لشهداء الجزائر وضرورة الوفاء لهم والاستمرار فى أداء رسالتهم وهو أمر يستدعي الحديث عن الجيش غالبا.

والحركة النهضة مجلة شهرية تحمل اسم " النهضة" وصحيفة أسبوعية تحمل أيضا اسم" النهضة" تستخدمها الحركة كمنابر إعلامية مكتوبة للتعبير عن وجهات نظرها وطرح أفكارها.

ثالثا حركة المجتمع الإسلامي ( حماس).

حصلت حركة المجتمع الإسلامي ( حماس) على الاعتراف بها كحزب رسمي فى فبراير سنة 1991 . أى أنها كانت آخر الأحزاب الإسلامية الرئيسية الثلاثة ظهورا على الساحة فى صورة حزب سياسي . ولكنها فى الوقت نفسه تعتبر من أقدم الجمعيات الإسلامية نشاطا فى الجزائر فى مرحلة الاستقلال حيث ترجع بداياتها الأولي إلى أوائل السبعينات وبصفة خاصة فى منتصفها عندما نشط مؤسسها الشيخ محفوظ نحناح فى معارضه قانون الثورة الزراعية والتعديلات التى أدخلت على الميثاق الوطني سنة 1976. وقد اعتقل بسبب نشاطه المعارض لسياسات الرئيس هواري بومدين وحكم عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاما امضي منها خمسة أعوام وأفرج عنه سنة 1981, فى بدايات عهد الشاذلي بن جديد.

وبعد صدور دستور سنة 1989 بادر الشيخ محفوظ مع ثلة من إخوانه إلى تأسيس جمعية أهلية سياسية باسم " جمعية الإرشاد والإصلاح" فكانت أول جمعية إسلامية يتم تأسيسها فى ظل الإصلاحات السياسية التى شهدتها الجزائر بعد مظاهرات سنة 1988. ولم يمض وقت طويل على قيام جمعية الإرشاد حتي ظهرت جمعية إسلامية أخري باسم " رابطة الدعوة الإسلامية " أسهم الشيخ محفوظ فى إنشائها مع عدد من العلماء الذين يحظون باحترام كبير من أمثال الشيخ أحمد سحنون . ثم تقدم الشيخ محفوظ مع بعض إخوانه بطلب الحصول على رخصة بحزب سياسي باسم " حركة المجتمع الإسلامي " وقد تم الحصول على تلك الرخصة فى أوائل سنة 1991 كما أسلفنا.

وتعتبر " حماس " القوة السياسية الشعبية الثانية فى الجزائر بعد الجبهة الإسلامية للإنقاذ ولكنها حتي الآن لا تزال حركة " نخبوبة" وليست" جماهيرية" بالمعني الدقيق لهذه الكلمة. وإذا كانت قاعدتها الاجتماعية تتميز بالاتساع إلا أنها متركزة أساسا فى الأوساط المثقفة , وبصفة خاصة فى الجامعات والمعاهد العليا وهي تتميز باهتمامها المنظم " بالمرأة المسلمة " حيث تجتذب أعدادا كبيرة من الفتيات من طالبات الجامعة وبعض طالبات المدارس الثانوية والموظفات أيضا.

وتجد " حماس" أنصارا لها ومؤيدين فى مؤسسات القطاع العام والمصالح الحكومية وبين رجال التربية والتعليم وخاصة فى المراحل الابتدائية والإعدادية , وفي القري والأرياف بصفة عامة , ولعل السبب فى سرعة اتساع قاعدة المؤيدين لحماس يرجع فى جانب أساسي منه إلى خصائص المنهج الفكري والخطاب السياسي الذي تمارسه وتدعو إليه . كما يرجع ف جانب آخر إلى شخصية الشيخ محفوظ نحناح مؤسسها وقائدها . ولا يعني ذلك أن " حماس" أصبحت أكثر جماهيرية من " الإنقاذ" إذ أن الخطاب الراديكالي الذي مارسته جبهة الإنقاذ نجح فى الحشد والتعبئة الجماهيرية على نطاق واسع ولك درجة الوعي والإقتناع بهذا الخطاب أقل بكثير عما هو عليه الحال بالنسبة لجمهور " حماس" الذي يغلب عليه طابع التعقل والثبات والمبدأية وعدم سرعة التقلب فى المواقف السياسية المتأزمة.

والشيخ محفظ نحناح هو من مواليد سنة 1942 بمدينة البليدة , متزوج وأب لعشرة أولاد , وينتمي إلى عائلة محافظة اشتهرت بحبها للغة العربية وتمسكها بالإسلام وقد تلقي تعليمه الأولي فى إحدي المدارس التي أسستها " حركة انتصار الحريات الديمقراطية" – وهي جناح من أجنحة الحركة الوطنية الجزائرية ضد الاستعمار – وهو مدرسة " الرشاد" بمدينة البليدة ثم أكمل الشيخ محفوظ تعليمه بمراحله الثلاث فى مدينة الجزائر حيث التحق بكلية الآداب واللغة العربية بجامعة الجزائر سنة 66/ 1967. وكان يعمل آنذاك مدرسا فى المدارس الابتدائية ومنذ تخرجه فى كلية الآداب , وهو يعمل أستاذا فى كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر حيث يقوم بتدريس مادتي التفسير والسيرة النبوية.

وبالرغم من أن الشيخ محفوظ نحناح كان من مؤسسي جبهة التحرير الوطني فى مسقط رأسه بمدينة البليدة وظل عضوا بها حتي انتصار الثورة سنة 1962 إلا أنه ابتعد بعد الاستقلال لأنها على حد قوله " لم تعد جبهة تحرير" فقد حصلت منها انحرافات كثيرة. وأصبحت جماعة الشيخ نحناح التي تولاها بالرعاية منذ أوائل الثمانينات- وكونها على نسق جماعة الإخوان المسلمين من حيث منهجها وهيكلها التنظيمي – هى المعبرة عن حركة الإخوان المسلمين فى الجزائر ومن ثم فهي تتسم بسماتها الأساسية مثل الاعتدال والوسطية والتجديد والفهم الشامل للإسلام واتساع الأفق والالتزام بالضوابط الشرعية , والتدرج فى عملية الإصلاح والتغيير إلى غير ذلك من الخصائص المعروفة عن جماعة الإخوان المسلمين .

ويتميز البرنامج السياسي لحركة المجتمع الإسلامي ( حماسي) بالعمق والشمول والالتزام بالأصول الإسلامية المتعلقة بكل مجال الإصلاح وهو يكاد يعكس الخصائص العامة للحركة على النحو السالف ذكره . ومن أهم القضايا التي يتضمنها ما يلي:

1- رفض التوجه التغريبي ومحاربته : والدعوة للمحافظة على الهوية العربية الإسلامية للمجتمع الجزائري ويعتبر تركيز حماس على هذه القضية امتدادا طبيعيا لاهتمام " جمعية الإرشاد والإصلاح" التي جعلت فى مقدمة أولوياتها – منذ نشأتها المحافظة على الهوية واللغة العربية , وقد دفعها إلى ذلك كما يقول الشيخ محفوظ وجود تيارين فى الجزائر يدعوان إلى ربط البلاد بفرنسا : الأول هو تيار الفرانكفونيين وهم الذين يعشقون اللغة الفرنسية عشقا إلى درجة الهيام والثاني هو تيار" الفرانكفوليين" وهم الذين لا يكتفون بعشق لغة فرنسا فقط , بل يعشقون قيمها ونمط حياتها الاجتماعية وسلوكياتها الأخلاقية إلى درجة الهيام أيضا . ويحكي الشيخ محفوظ عن بعض صور حب أبناء الحركة الإسلامية لغة العربي – لمواجهة هذين التيارين – فيقول إن أحدهم كان إذا وجد ورقة ملقاة على الأرض مكتوبة بالعربية أسرع برفعها وتقبيلها ووضعها فى شق جدار أو فى مكان طاهر احتراما وتقديرا للغة القرآن الكريم.

2- منهج التغيير : وهو يتسم بالمرحلية والتدرج ويرفض الفجائية والعنف ويدعو إلى الالتزام بالسنن الإلهية فى التغيير الاجتماعي والنفسي , ويقوم على أساس الموضوعية والواقعية والالتزام بتحقيق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية وهي التي تتلخص فى : حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ المال, وحفظ العرض .


3- رفع شعار " الإسلام هو الحل" وهو الشعار الذي يرفعه إخوان مصر ومن خلاله تقدم حركة حماس أفكارها الإصلاحية فى مختلف المجالات ففي الاقتصاد تلح على ضرورة التحرر من روابط التبعية التي تكبل حرية البلاد وتجعلها مسلوبة الإرادة وتدعو الحركة إلى الاعتماد على الذات وتقوية روابط التعاون مع البلاد العربية والإسلامية كما تدعو إلى الاهتمام بإصلاح أوضاع الزراعة والصناعة والنقل والتعدين والمحروقات... إلخ.. وتقدم أيضا حلولا لمشاكل الديون والبطالة وسوء الإدارة وأزمات الإسكان والمواصلات وانهيار المنظومة التعليمية وتدعو إل إصلاح المؤسسة الإعلامية وتنقية منابع الثقافة من المفاهيم الخاطئة والقيم المستوردة.

4- المرأة : لا تنظر " حماس" إلى المرأة بمعزل عن الرجل , فكلاهما " فرد" فى المجتمع الإسلامي الذي لا يمكن أن ينهض إلا بتكاليف جهودهما وتكاملها وهما – أى المرأة والرجل – يعانيان من المشاكل والأزمات , ولا تنفرد المرأة بتلك المشاكل دون الرجل ومن ثم فالإسلام والمسلمون – كما يقول الشيخ محفوظ نحناح – " يعملون على إعادة الكرامة والاعتبار للرجل والمرأة " ويدعو برنامج " حماس" إلى العناية بكل ما يتعلق بالمرأة على وجه الخصوص, بما فى ذلك ضرورة فتح المجال أمامها لتقوم بوظيفتها الرسالية إلى جانب الرجل, وتوسيع مساهمتها فى الحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.


5- الجيش : وتنظر إليه حركة المجتمع الإسلامي ( حماس) على أنه " سليل جيش التحرير الوطني " وهي تؤكد على أن يظل بعيدا عن الصراعات الحزبية والجهوية, وأن يتم الاهتمام بتقويته وتطوير قدراته القتالية وأن يراعي كرامة الجندي وتحفظ وأن يعرف بماضيه الجهادي وخصوصا جهاد ثورة نوفمبر سنة 1954 ويدرب على احترام رموز بلاده. وتلتقي حركة حماس فى هذا الأمر مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ فكلاهما حريص على ربط نفسه بثورة التحرير الوطني ( 54 – 1962) لأنها مصدر أساسي من مصادر الشرعية السياسية لمعظم القوي المنافسة على الساحة الجزائرية.

6- السياسة الخارجية : وهي فى منظور " حماس" يجب أم تعتمد على الإسلام باعتباره مصدرا رئيسيا تستمد منه توجهاتها العامة وتركز الحركة فى برنامجها على قضية فلسطين كمحور أساسي من محاور السياسة الخارجية التي يجب أن تهتم بها الجزائر فقضية فلسطين هى قضية العرب والمسلمين جميعا و" يجب تحرير فلسطين كاملة وعدم التفريط فى أى شبر منها" وقد أشار الشيخ محفوظ نحناح فى بيانه الذي أعلن به قيام حركة المجتمع الإسلامي غلى اختيار كلمة " حماس " للإشارة إلى حركته تبركا باسم " حماس" الفلسطينية التي تقود الانتفاضة فى الأراضي المحتلة ضد الاحتلال الصهيوني.


ومن جهة أخري تدعو " حماس" فى برنامجها إلى إعادة النظر فى بنية النظام الدولي الحالي, والسعي لتحقيق نظام دولي جديد مؤسس على قاعدة الاحترام المتبادل وحماية حقوق الدول وإزالة مظاهر التسلط والإرهاب الدولي.

ولحركة المجتمع الإسلامي " حماس" صحيفة أسبوعية باسم " النبأ " وهي تعتبر لسان حال" حماس" فى مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية هذا بالإضافة إلى مجلة جمعية الإرشاد والإصلاح التي تصدر شهريا.

تلك إذن هى التجمعات الرئيسية التي تتكون منها خريطة الحركة الإسلامية الجزائرية . وإلى جانب تلك التجمعات توجد ستة أحزاب صغيرة تحمل أسماء إسلامية مثل : التجمع العربي الإسلامي... إلخ. وهي فى مجملها أحزاب هامشية ولا تتمتع بتأييد جماهيري له تأثير على الحركة السياسية فى المجتمع بصفة عامة وهذا هو ما أكدته تجربة الحركة الإسلامية فى معترك الحياة السياسية خلال الأعوام القليلة الماضية كما أكدته نتائج الانتخابات التشريعية التي ألغيت قبل اكتمالها.

معارك الديمقراطية والبحث عن الشرعية(19891992)

رأينا كيف تشكلت الحركة الإسلامية الجزائرية عبر تطورها التاريخي منذ ثورة الأمير عبد القادر إلى الآن . والسؤال المثار هنا هو : كيف طرحت الحركة نفسها على الساحة السياسية فى غضون السنوات من 1989 إلى نهاية 1991 وهي سنوات التحول من نظام الحزب الواحد إلى النظام الديمقراطي القائم على تعدد الأحزاب السياسية والمنافسة الحرة والتداول السلمي للسلطة , وتقليص دور الدولة فى النشاط الاقتصادي والسماح للقطاع الخاص والشركات الأجنبية بممارسة درو أكبر فى قطاعات الإنتاج والتصنيع والتجارة الداخلية والخارجية آخذين فى الاعتبار تأثر الجزائر بالتطورات الجذرية المتلاحقة التي شهدتها بلدان الكتلة الإشتراكية فى أوربا ثم فى الاتحاد السوفيتي خلال السنوات القليلة الماضية ومرة أخري فإن السؤال المثار هنا هو : كيف قدمت الحركة نفسها سياسيا فى ظل تلك الظروف ؟ وكيف أصبحت أحد أهم أركان الحياة السياسية فى البلاد ثم ما هي الأسباب التي أدت إلى عرقلة عملية التحول الديمقراطي – بكل متاعبها – والعودة إلى نظام " الأوليجاركية العسكرية" الذي يحكم بقوة السلاح وبفرض القوانين الاستثنائية؟

وقبل أن نتناول بالتحليل " معارك الديمقراطية " المتلاحقة والتي جرت ولا تزال تجري فى إطار البحث عن شرعية جديدة للسلطة فلا بأس من أن نعيد التذكير بأهم قواعد النظام الليبرالي الديمقراطي الذي اتجهت إليه الجزائر فى ظل دستور سنة 1989 الذي نص على التعددية السياسية وجرت على أساسه الانتخابات المحلية فى يونيو سنة 1990 ثم الانتخابات البرلمانية – التي لم تكتمل – فى ديسمبر سنة 1991.

ومن هذه القواعد المشار إليها القبول بتعدد القوي والأحزاب السياسية التى تتنافس فيما بينها من أجل الوصول إلى السلطة لتنفيذ سياساتها وبرامجها الإصلاحية وإقرار الحريات العامة والفردية وحمايتها بما فى ذلك الحرية السياسية وحرية التعبير عن الرأى والنشاط الاقتصادي وحرية تكوين الروابط المهنية والجمعيات والنوادي .... الخ . ومن تلك القواعد وأهمها أيضا : التداول السلمي للسلطة من خلال الانتخابات الحرة التي يتم عن طريقها تحديد اختيار الشعب بطريقة مشروعة باعتبار أنه وحده هو مصدر السلطات . ومنها أيضا : قدرة النظام القائم على استيعاب القوي المختلفة والمتنوعة والجديدة بطريقة سلمية وبدون اللجوء إلى العنف أو غير ذلك من وسائل الإكراه والقهر .

ولا يمكن القول أم مثل تلك القواعد قد أصبحت معروفة راسخة فى الجزائر بمجرد الإعلان عن توجهها الديمقراطي فى ظل دستور سنة 1989 ولكنها – على الأقل – قد خطت بعض الخطوات فى هذا الطريق , وإن جاءت خطواتها متعثرة ومثقلة بأوزار عهود الاستبداد والدكتاتورية . وقد خاضت الحركة الإسلامية المعارك السياسية لتى رافقت تلك الخطوات وأهمها الانتخابات المحلية فى يونيو سنة 1990 والانتخابات المحلية فى ديسمبر سنة 1991 وسوف نعرض باختصار لمعركة الانتخابات المحلية قبل أن نتناول بالتفصيل تحليل الانتخابات البرلمانية والتطورات المأساوية التى انتهت إليها .

أولا معركة الانتخابات المحلية ( يونيو سنة 1990)

خاضت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بمفردها الانتخابات المحلية ممثلة للحركة الإسلامية كلها وذلك بسبب عدم موافقة حركتي النهضة وحماس على المشاركة فيها من ناحية وعدم حصولهما على الرخصة القانونية التى تعترف بهما كأحزاب سياسية فى ذلك الوقت ( يونيو 1990) من ناحية أخري ومع ذلك فقد تمت تعبئة كافة الإسلاميين للتصويت لصالح مرشحي جبهة الإنقاذ.

ورغم أن أحد عشر حزبا قد شارك فى تلك الانتخابات إضافة إلى المستقلين إلا أن المنافسة انحصرت تقريبا فيما بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ, وجبهة التحرير الوطني الحاكمة – آنذاك – والجدول التالي يوضح أسماء الأحزاب التي شاركت وعدد الولايات التي تقدم فيها كل حزب بمرشحيه ثم عدد المرشحين لمجالس البلديات على مستوي القطر وعدد المرشحين لمجالس الولايات على مستوي القطر أيضا .

أسماء الأحزاب المشاركة فى انتخابات المحليات عام1990م عدد الولايات المترشحة بها عدد مقاعد البلديات التي يتنافس عليها عدد مقاعد الولايات التي ينافس عليها
جبهة التحرير الوطني 48 1520 269
لحزب الاجتماعي الديمقراطي 39 217 105
حزب الطليعة الاشتراكي 19 56 33
التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية 24 212 68
الحزب الوطني للتنمية والتضامن 38 378 119
الجبهة الإسلامية للإنقاذ 48 1265 248
حزب التحرير الجزائري 40 155 88
الحزب الاجتماعي الليبرالي
حزب الإنسان الإسلامي الديمقراطي
الجمعية الشعبية للوحدة والعدل
المستقلون


وقد جرت المنافسة على 1541 مقعدا فى المجالس الشعبية للبلديات على مستوي القطر وعلى 277 مقعدا فى المجالس الشعبية للولايات على مستوي القطر أيضا . وأسفرت نتائج الانتخابات عن فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية المقاعد على المستويين المذكورين, بنسبة 55% من إجمالي عدد تلك المقاعد .

وجاءت النتائج على النحو السابق مفاجئة لكافة الأطراف وفى مقدمتها جبهة التحرير الوطني الحاكمة , التي لم تكن تتوقع هزيمتها أما جبهة الإنقاذ الصاعدة والتي حصلت على 835 بلدية ( من إجمالي 1541) بلدية و32و14 ولاية فقط.

ومنذ فوز جبهة الإنقاذ لم تتوقف الحملات الإعلامية التي شنت للتشهير بها وتشويه صورتها والهجوم عليها من كل حدب وصوب وبصفة خاصة من القوي المناوئة للحركة الإسلامية داخل الجزائر وخارجها كما لم تتوقف محاولات الوقيعة بين السلطات والجيش من جهة وجبهة الإنقاذ من جهة أخري. وبالفعل قامت السلطات الحكومية فى الولايات ( المحافظات ) الجزائرية بمنع التمويل عن المجالس الشعبية المحلية التي سيطرت عليها الجبهة الإسلامية , وذلك حتى تتعرقل حركتها وتظهر بمظهر العجز عن مواجهة المشاكل التي يعاني منها المواطنون . وبالرغم ن ذلك استطاعت جبهة الإنقاذ أن تحقق إنجازات ملموسة بإمكانياتها الضعيفة فنفذت العديد من المشروعات السكنية وقدمت مجموعة من الخدمات فى مجالات الصحة والتعليم والإغاثة والتأمينات الاجتماعية وصيانة المرافق الأساسية وتطوير بعضها واستصلاح الأراضي لزراعتها وبالإضافة غلى ذلك شنت السلطات المحلية لجبهة الإنقاذ حملة واسعة النطاق ضد الفساد والرشوة والمحسوبية فى مختلف المؤسسات والمصالح والإدارات العامة والحكومية . وكان لهذا النشاط الإصلاحي البارز على مستوي المحليات أثر كبير فى لفت أنظار الشعب إلى جبهة الإنقاذ والتفافه حولها , وهو الأمر الذي أزعج أنصار النظام القديم والدوائر المرتبطة بالسلطة ودفع بهم إلى ضرورة تصعيد المواجهة ضد جبهة الإنقاذ وهو ما حدث بعد ذلك.

وكانت أخطر الاتهامات التى هوجمت بها جبهة الإنقاذ هى أنها لا تؤمن بالديمقراطية وأن وصوها إلى السلطة وتشكيل حكومة إسلامية سيكون معناه القضاء المبرم على النظام الديمقراطي وإقامة نظام ديني ثيوقراطس متسلط إلى غير ذلك من الإفتراءات والأباطيل التى كثر ترديدها ولم تنفع بالتعددية السياسية واحترام قواعد الممارسة الديمقراطية والمحافظة على مكتسبات ثورة التحرر الوطني والسماح للمرأة بالعمل والمشاركة فى الحياة العامة ... الخ.

والحقيقة أن أعداء جبهة الإنقاذ ولحل الإسلامي عموما وجدوا فى تباين الخطاب السياسي الذي مارسته الجبهة بين ( مدني وبلحاج) فرصة كبيرة لشن هجومهم حيث جعلوا من تصريحات على بلحاج وآرائه المعادية " للديمقراطية"" الغربية" المستوردة" حجة لهم فى التخويف من مجئ الإسلاميين إلى الحكم وتغافلوا تماما عن آراء وتصريحات عباسي مدني المؤيدة للنظام الشوري والتعددية السياسية.

وأياما كان الأمر , فقد ظلت الأمور متوترة وتصاعدت حدة التوتر باقتراب موعد الانتخابات البرلمانية التي كان من المقرر أن تتم فى يونيو سنة 1991 ولكنها . أجلت بعد إعلان حالة الطوارئ ووقوع مصادمات عنيفة ودموية بين أنصار الجبهة الإسلامية وقوات الجيش والشرطة وذلك لأن الجبهة أعلنت آنذاك إضرابا عاما إلى أن تستجيب السلطة لمطالبها الخاصة بتعديل تقسيم الدوائر الانتخابية – الذى صمم لضمان فوز حزب جبهة التحرير الوطني – بالإضافة إلى بعض مواد قانون الانتخابات وإزاء تعنت السلطة ورفضها من ناحية وإصرار جبهة الإنقاذ على مطالبها من ناحية أخري اندلعت أحداث يونيو أو " أحداث جوان" كما يسميها الجزائريون. ففى الخامس من يونيو أعلن ابن جديد حالة الطوارئ لمدة أربعة أشهر وفي السادس منه انتشر الجيش فى العاصمة وفرض حظر التجول فيها وفى ثلاث محافظات أخري واستقالت حكومة مولود حمروش وخلفه سيد أحمد غزالي فى منصبه .

وفى 14 من يونيو أيضا دعا عباسي مدني الجيش إلى مغادرة المدن ووقف تطويقه للمساجد وفى يوم 17 شكل غزالي حكومته وأعلن أنها ماضيه فى سبيل إتمام التحول الديمقراطي وإجراء الانتخابات.

وفى يوم 25 اندلعت أعمال العنف وتصاعدت الاضطرابات والاشتباكات بين الجيش أنصار جبهة الإنقاذ وأسفرت عن 55قتيلا و326 جريحا, وتم اعتقال حوالي ثلاثة آلاف شخص . وفى 28 يونيو هدد عباسي مدني بإعلان الجهاد إذا لم يلغ الجيش حالة الطوارئ وفى اليوم الأخير من الشهر نفسه تم اعتقال زعيمي الجبهة : الدكتور عباسي مدني والشيخ على بلحاج وتوالت الاعتقالات بعد ذلك بالنسبة لقادة جبهة الإنقاذ الذين تولوا المسئولية بعد مدني وبلحاج إلى أن ألغي الشيخ عبد القادر حشاني المسئول المؤقت لجبهة الإنقاذ وهو الذي قادها بنجاح فى أول انتخابات تعددية تشهدها الجزائر منذ الاستقلال وهي أيضا الانتخابات التى لم تكتمل وانتهت بانقلاب عسكري وبطريقة دراماتيكية – مأساوية – كما سنري تم قطع الطريق على جبهة الإنقاذ حتي لا تتسم السلطة بطريقة سليمة عبر صناديق الانتخابات.

ثانيا معركة الانتخابات البرلمانية (ديسمبر 1991)

بعد إلغاء حالة الطوارئ فى 29 ديسمبر 1991 ساد الجزائر مناخ من الحرية استمر إلى أن تمت الجولة الأولي من الانتخابات فى ديسمبر ولم يكن لهذا المناخ نظير فى كافة البلدان العربية والإسلامية من حيث إطلاق حرية تكوين الأحزاب وإصدار الصحف وممارسة حق التعبير عن الرأى , ونقد القائم وسياساته عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية . ولم يعكر صفو هذا المناخ الديمقراطي الحر سوي استمرار السلطات فى اعتقالها لزعماء جبهة الإنقاذ دون محاكمة منذ أحداث يونيو1991 . السابق ذكرها .

أما الحادث الذى وقع فى نهاية نوفمبر 1991 فى بلدة" فمار"(وينطقها الجزائريون: جمار) الواقعة فى وادي سوف على الحدود مع تونس , فقد تم احتواؤها بسرعة , ولكنها استخدمت بعد ذلك فى الهجوم الإعلامي على الحركة الإسلامية كلها . وكانت قد نسبت فى حينها إلى ما يسمي " الحركة الإسلامية المسلحة " بزعامة شخص يدعي" الطيب الأفغاني". وبعد ذلك ألصقت بالجبهة الإسلامية للإنقاذ ولكنها لم تؤثر على المناخ العام الذي سبق الجولة الأولي من الانتخابات بصفة عامة.

وقد بلغ عدد الأحزاب السياسية المعترف بها رسميا عشية الانتخابات ثمانية وخمسين حزبا , خاض منها تسعة وأربعون حزبا المعركة الانتخابية التي لم تتم منها سوي المرحلة الأولي ( فى 26 ديسمبر 1991) كما سبق أن ذكرنا , وأسفرت تلك الجولة عن فوز ثلاثة أحزاب فقط بمقاعد فى المجلس الشعبي الوطني , تتقدمها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية كبيرة وصلت إلى 44% من إجمالي عدد مقاعد المجلس الشعبي ( البرلمان).

ومعني ذلك أنه قد حدثت عملية تصفية كبري للعدد الكير من الأحزاب السياسية , ولم يكن هذا أمرا مفاجئا , إذ أن خريطة القوي السياسية عشية الانتخابات كانت مكونة من أربعة أقسام أساسية : الأول تمثله جبهة التحرير الوطني والثاني الاتجاه الإسلامي وعلى رأسه جبهة الإنقاذ , والثالث ما يسمي " الأحزاب الديمقراطية" والرابع يضم بقية الأحزاب الصغيرة.

وبعبارة أخري يكن القول أن المعركة الانتخابية جرت أساسا بين ثلاثة أطراف تمثلت فى الجبهة الإسلامية للإنقاذ وجبهة التحرير الوطني وجبهة القوي الإشتراكية ويرمز للأولي بالأحرف اللاتينية (fls) وللثانية بـ( fln) وللثالثة بـ(ffs) .

أما بقية الأحزاب فقد توزعت حول تلك الجبهات الثلاث, فبعضها فى المحور الإسلامي وبعضها فى المحور القومي الوطني , وبعضها الآخر فى المحور الاشتراكي الديمقراطي, وذلك حسب تسميه كل حزب لنفسه وبغض النظر عن مضمون وحقيقة هذه التسمية أو تلك.

ففي المحور الإسلامي الذي تقدمه الجبهة الإسلامية للإنقاذ., نجد حركة المجتمع الإسلامي ( حماس) وحركة النهضة الإسلامية, بالإضافة إلى ستة أحزاب صغيرة جدا تحمل أسماء إسلامية مثل : التجمع العربي الإسلامي , ومنظمة قوي الجزائر الثورية الإسلامية الحرة , والحركة من أجل التجمع الإسلامي والتجمع الجزائري البومديني الإسلامي.

وفى المحور القومي الوطني الذي تتزعمه جبهة التحرير الوطني نجد عدة أحزاب صغيرة أيضا مثل : حزب عهد 1954 , والحزب الوطني الجزائري , واتحاد القوي الشعبية وجبهة أجيال الاستقلال والتجمع الوطني من أجل التقدم.

أما فى المحور الديمقراطي الاشتراكي فتوجد جبهة القوي الإشتراكية , والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وهما أهم حزبين يمثلان هذا الاتجاه بالإضافة إلى عدد آخر من الأحزاب الصغيرة التي تحمل أسماء تشير إلى الإشتراكية أو الديمقراطية مثل : حركة الشبيبة الديمقراطية والحزب الاشتراكي للعمال , والجيل الديمقراطي , والحزب الديمقراطي الاجتماعي.

وإذا كانت الخريطة السياسية تتشكل من الجبهات الثلاث فإن الفروق الرئيسية بين برامج الأحزاب وتوجهاتها الفكرية تكمن أيضا فى برامج وتوجهات كل من تلك الجبهات .

فالجبهة الإسلامية للإنقاذ تحمل راية المشروع الإسلامي وتتفق معها فى ذلك حركتا النهضة والمجتمع الإسلامي ويدعو هذا الفريق إلى تأسيس دولة إسلامية فى الجزائر عبر مجموعة من السياسات الثقافية ويدعو هذا الفريق إلى تأسيس دولة إسلامية فى الجزائر عبر مجموعة من السياسات الثقافية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية التي تحقق الاستقلال والاعتماد على الذات والمحافظة على الهوية العربية الإسلامية.

ورغم وحدة الهدف الذي يجمع الجبهة وحركة المجتمع الإسلامي وحركة النهضة إلا أن منهج التغيير الذي تراه كل جماعة قد باعد بينها على صعيد العمل والحركة السياسية . ففي الوقت الذي تتبني فيه جبهة الإنقاذ منهجا راديكاليا( جذريا) وصداميا نجد أن حركة المجتمع الإسلامي تتبني منهجا إصلاحيا يقوم على " المرحلية والموضوعية والواقعية" أما حركة النهضة فتأتي فى منتصف الطريق بين جبهة الإنقاذ وحركة المجتمع الإسلامي وقد ظهرت آثار الاختلاف بصورة سلبية أثناء المرحلة التي سبقت الانتخابات.

ولعل أهم آثار ذلك الاختلاف ه ما تمثل فى فشل محاولة إقامة تحالف إسلامي يجمع الجبهة الإسلامية للإنقاذ, وحركة المجتمع الإسلامي وحركة النهضة الإسلامية بحيث يتم التنسيق فيما بينهم لخوض المعركة الانتخابية وكانت تلك المحاولة قد جاءت بمبادرة من رابطة الدعوة الإسلامية التي يرأسها الشيخ أحمد سحنون , وفي الاجتماع الذي ضم زعماء الحركات الثلاث ( الإنقاذ وحماس والنهضة) دعاهم عباسي مدنس إلى الانضمام للجبهة الإسلامية لتشكيل تحالف موسع يمكن أن يفرض تراجعات على السلطة وبصفة خاصة فيما يتعلق بمسألة تقسيم الدوائر الانتخابية , وركز مدني أثناء الاجتماع على فكرة القيام بإضراب عام يبدأ فى اليوم الذي كان محددا للانتخابات – قبل تأجيلها – وهو يوم 27 يونيو 1991, ولكن لم يحدث اتفاق على فكرة مدني, ووصف كل من الشيخ محفوظ نحناح, زعيم حماس والشيخ عبد الله جاب اله, زعيم النهضة ما دعا إليه عباسي مدني بأنه " قفز على الممكن " وهذا الممكن فى نظرهما كان عبارة عن السعي لإيجاد أرضية مشتركة لتوحيد القوائم الانتخابية بين الأحزاب الثلاثة , وذلك لتجنب أى إمكانية لإخفاق الحركة الإسلامية فى المعركة الانتخابية أما الشيخ عباسي مدني فقد أصر على دمج الحركتين ( حماس والنهضة ) فى الجبهة التي يقودها بحيث لا يقتصر الأمر فقط على إقامة تحالف انتخابي ولذلك فشلت المحاولة.

ومن الآثار السلبية أيضا التي نجمت عن الاختلاف بين الجبهة وحركتي حماس والنهضة وقوع أحداث شغب متكررة من أنصار كل جماعة ضد أنصار الجماعة الأخري وبصفة خاصة بين أنصار " جبهة الإنقاذ " وأنصار" حماس" ومن ذلك نزع الملصقات الخاصة بالدعاية الانتخابية , والتشويش على المحاضرين والمتحدثين فى التجمعات الجماهيرية ونشر الإشاعات وترويج بعض الأقاويل بهدف النيل من الجماعة الأخري وقد نالت حركة حماس وزعيمها الشيخ محفوظ نحناح قسطا وافرا من تلك التصرفات فى فترة الحملات الانتخابية فى معظم الولايات الجزائرية ( فى أحد المؤتمرات قام أنصار جبهة الإنقاذ بقذف الشيخ نحناح بالبيض وبقشر البرتقال والموز فما كان منه إلا أن قذفهم بحفنة من الملبس والشيكولاتة.. وهتف فى أنصاره ... قاتلوهم بالحب).

-أما جبهة التحرير الوطني فهي الحزب الحاكم منذ الاستقلال سنة 1962 ولها تراث نضالي وسياسي يحظي بالاحترام من قبل الجزائريين بصفة عامة ,. ولكن نظرا لفشلها فى تحقيق النهضة والتقدم الاقتصادي والاجتماعي وأيضا نظرا لظهور عناصر فاسدة فى صفوفها فقد انصرفت عنها الجماهير بصورة ملحوظة, وإذا كانت قد تمتعت بنسبة لا بأس بها من التأييد الشعبي فذلك راجع إلى سببين رئيسيين الأول هو وجود جناح إسلامي داخلها وعلى رأسه السيد عبد العزيز بلخادم , رئيس المجلس الشعبي الوطني ( البرلمان) السابق , وهذا الجناح تطلق عليه الصحف الجزائرية الناطقة بالفرنسية " التيار الإسلامي أو الجبهويين الملتحين بزعامة بلخادم " أما السبب الثاني الذي وفر بعض التأييد الشعبي للجبهة فهو شبكة المصالح الاقتصادية العلاقات الاجتماعية التي خلقتها ممارستها على مدي ثلاثة عقود حكمت فيها البلاد .

وتتبني جبهة التحرير الوطني سياسة الإصلاحات الهادفة إلى وضع الجزائر على طريق الاقتصاد الحر وذلك تمشيا مع التحولات التي شهدتها ولا تزال تشهدها البلدان الإشتراكية فى أوربا الشرقية , وفى الاتحاد السوفيتي – سابقا -. كما تتبني الجبهة – من الناحية النظرية على الأقل – مبدأ العدالة الاجتماعية وهو المبدأ الذي دافعت عنه كثيرا طوال فترة وجودها فى السلطة دون أن تنجح فى تحقيقه فى أرض الواقع .

وفى برنامج جبهة التحرير ترددت كلمات " التطهير " و" الإصلاح" وتم التأكيد على الطابع الشمولي للإصلاحات التي تنوي القيام بها ورفعت الجبهة شعارات متعددة كلها تذكر الجزائريين بثورة التحرير التي قادتها وحققت بها الاستقلال وطردت المستعمر الفرنسي .

وأما جبهة القوي الإشتراكية التي يتزعمها حسين آيت أحمد ( أحد الأعضاء القدامي لجبهة التحرير الوطني ) فهي تحمل راية الإشتراكية الإنسانية" أى الإشتراكية على الطريقة الفرنسية وهي لا تختلف كثيرا عن الليبرالية.

وقد رفعت جبهة القوي الإشتراكية شعار الثورة الفرنسية المعروف ( حرية – إخاء – مساواة) واتخذت منه مادة أساسية لخطابها السياسي ولحملاتها الدعائية.

وإضافة إلى هذه الركيزة الفكرية – العلمانية التغريبية التي ترتكز عليها جبهة القوي الإشتراكية فإن لها ركيزة أخري تتمثل فى القبلية البربرية والدعوة للاعتراف باللغة الأمازيغية, وتعميمها باعتبارها – على حد قولهم – رافدا من روافد الثقافة الجزائرية ...

والمتأمل فى هاتين الركيزتين لجبهة القوي الإشتراكية يلاحظ أنهما متناقضتان فالإشتراكية – أيا كانت – هى فى نظر أصحابها مبدأ التقدم والحداثة العصرية أما " القبلية" فهي من تكوينات المجتمع التقليدي والتطور على أنقاض مثل تلك التكوينات التقليدية للمجتمع . ولكن يبدو أن مثل هذا الكلام النظري لا قيمة له فى الواقع السياسي الذي يشهد ألوانا من الصراعات , التي تتطلب بدورها استخدام كافة الأسلحة التي تضمن تحقيق الغلبة والتفوق على الخصم وفى هذا الصدد لم يتردد زعيم جبهة القوي الإشتراكية فى استخدام العامل القبلي العرقي اللغوي ليدعم به مسيرته وموقفه فى ساحة الصراع السياسي وقد ظهر أكثر من مرة على شاشات التلفزيون الجزائري وهو يتحدث تارة بالعربية وتارة أخري بالفرنسية وتارة أخري باللغة الامازيغية.

وكما أن فرنسا – والدوائر الغربية بصفة عامة – تدعم ذوي الاتجاهات العلمانية التغريبية ( اشتراكية وليبرالية) فإنها تدعم أيضا فكرة التقسيم على أساس قبلي – عرقي وقد أسست فى باريس أكاديمية علمية متخصصة فى دراسة القبائل البربرية تسمي " الأكاديمية البربرية" وهي تهتم بالبحث فى أصول اللغة الأمازيغية وتفريعاتها وتقوم بجمع وتدوين التراث الأدبي والشعبي لقبائل البربر المختلفة.

وقد تأكد هذا الموقف الذي تقفه فرنسا بعد أن أصدر المجلس الشعبي الوطني ( البرلمان) الجزائري قانون تعميم اللغة العربية فى نهاية سنة 1990 وهو القانون الذي نص على استخدم العربية فى إدارات الدولة ومختلف المؤسسات التجارية اعتبارا من أول يوليو 1992, وينص على تأجيل استخدامها فى مختلف الكليات الجامعية ومناهج التدريس إلى سنة 1997 , وينص أيضا على فرض عقوبات على المخالفين لهذا القانون , وقد وصف حسين آيت أحمد زعيم جبهة القوي الإشتراكية هذا القانون بأنه " انتهاك للديمقراطية واعتداء على التسامح , وتعبير عن التعصب" ورددت الصحافة الفرنسية وراءه هذا الاتهام كما ردده المثقفون الجزائريون الفرانكفونيون الذين خدعوا بمظاهر التغريب ولا يزالون يدافعون عن الفرنسية باعتبارها لغة العلم والإدارة , أما العربية فيعتبرونها لغة الصلاة والعبادة , فى حين يؤكدون على أن البربرية هي لغة الغناء والثقافة.وقد كان ملفتا للنظر أن يبدأ التلفزيون الجزائري – قبل إجراء الانتخابات التشريعية بيومين فقط – فى بث موجز للأنباء باللغة الأمازيغية وهو الأمر الذى أثار ردود أفعال متعددو ومتباينة فى الأوساط السياسية والثقافية بالجزائر كما أثار ردود فعل مختلفة أيضا داخل القبائل البربرية نفسها حيث رحبت بعض القبائل بهذا التطور فى حين رفضته بعض القبائل الأخري.

وكلمه " الأمازيغ" تعني : " الأحرار" بمفهوم سكان المنطقة شمال إفريقيا . ورغم استقرار اللغة العربية وشيوعها فى ربوع تلك المناطق إلا أن اللغة الأمازيغية لم تندثر وإن ظلت غير مكتوبة حتي جاءت أكاديمية فرنسا البربرية وبدأت فى تدوينها بحروف لاتينية ولا توجد لهجة واحدة للأمازيغية بل هناك عدة لهجات أهمها:

1- لهجة الندارمة وبني عبد الوادي وغيرها من سكان منطقة تلمسان بأقصي الغرب الجزائري .

2- لهجة النماشية بتبسة بأقصي الشرق .


3- لهجة بني جراوة بمنطقة قسنطينة وجيجل وسكيكدة بالشمال الشرقي .

4- لهجة الطوارقية بتمنغست والهقار بأقصي الجنوب.


5- لهجة بني مزاب فى غرداية – ولهجة السيرزاين بتيبازة.

6- لهجة الحراكة بأم البواقي والشمال الجزئاري حيث تستعمل اللهجة القبائلية التي تشمل منطقتي تيزي وزو وبجاية.


7- لهجة الشاوية بمنطقة الأوراس بالشرق الجزائري.

ويؤكد بعض دراسي قضايا الجزائر على أن تلك اللهجات فى سبيلها للإندثار تدريجيا بفعل اللغة العربية باعتبارها لغة علم وحضارة ودين . ومع ذلك فإن بعض الأحزاب السياسية مثل جبهة القوي الإشتراكية و[[حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية]] وحزب الأصالة والمعاصرة كلها تدعو لإحياء تلك اللهجات والتمسك باللغة الأمازيغية, والخطير أنهم لا يعترفون باللغة العربية كلغة وطنية رسمية بل يدافعون علانية عن اللغة الفرنسية كلغة رسمية وعن الأمازيغية كلغة وطنية.

تلك إذن هي الصورة العامة لخريطة القوي والأحزاب السياسية وأهم أفكارها وتوجهاتها الثقافية والسياسية, وأهم أفكارها وتوجهاتها الثقافية والسياسية كما عبرت عنها من خلال برامجها الانتخابية وصحافتها وتصريحاتها مسئوليها والمتحدثين باسمها عشية إجراء الانتخابات فى 26 ديسمبر 1991.

وقد مرت المعركة الانتخابية بعدة تطورات قبل أن تنتهي بانقضاض الجيش على النتائج التي أسفرت عنها وإطاحته بها بعد أن كادت جبهة الإنقاذ أن تتسلم السلطة كما سنري بعد أن نتناول أهم ملامح تلك المعركة:

مرحلة الدعاية والحملات الانتخابية

وفيها طرح كل حزب من الأحزاب المشاركة فى الانتخابات ( 49 حزبا) مالديه من برامج وأفكار , وقدم مرشحيه للناخبين وعقد ما يشاء من الندوات والمؤتمرات فى مختلف الولايات والبلديات والقري وكان ذلك حسب طاقة كل حزب وما يتمتع به من قدرات ومهارات تنظيمية وشعبية.

وقد استخدمت ثلاث لغات فى الحملات الانتخابية وهي : العربية والفرنسية والأمازيغية , وذلك لشيوع استخدام اللغة الفرنسية – حتي الآن – والأمازيغية التي هي لغة قبائل البربر إضافة إلى اللغة العربية – التي يتكلمون ويكتبون بها بركاكة ملحوظة .

ولسنا هنا بصدد تحليل الخطاب السياسي الذي وجهته القوي السياسية المختلفة أثناء الحملة الانتخابية وإنما نذكر فقط أهم السمات العامة التي ميزت خطاب ودعاية كل من الأحزاب الرئيسية المتنافسة .

فبالنسبة للجبهة الإسلامية للإنقاذ نجد أن خطابها أثناء الحملات الانتخابية قد اتسم بالقوة والدعوة للتغيير بطريقة جذرية والهجوم العاصف على النظام القديم ومفاسده وما أدت إليه سياساته من مساوئ ومشكلات كما ركز على هدف إقامة الدولة الإسلامية وتأسيس شرعية السلطة انطلاقا من القرآن والسنة ومن ثم رفض الدساتير والمواثيق الوضعية وقد جسدت الجبهة ذلك فى أحد شعاراتها التي رددتها جموع غفيرة:" لا ميثاق ولا دستور, قال الله قال الرسول " هذا فى مواجهة القوي غير الإسلامية .

كما اتسم خطاب الجبهة أيضا بسمة أخري فى مواجهة القوي الإسلامية – حماس والنهضة وهي الإقصاء والإلغاء والإبعاد بمعني التأكيد على واحديه الحركة الإسلامية وتمركزها فى جبهة الإنقاذ دون غيرها من الفصائل والأحزاب الإسلامية وقد لخص أنصار الجبهة هذه السمة فى هتافهم " لا النهضة لا حماس ... الجبهة هي الأساس".

وقد استخدمت الجبهة قضية اعتقال زعميها بكفاءة فى تجيش المشاعر العامة حول برنامجها ومرشحيها فى مواجهة برامج ومرشحي الاتجاهات والأحزاب الأخرى بما فيها برامج ومرشحي حركة النهضة وحماس الإسلاميتين.

- وبالنسبة لحركة المجتمع الإسلامي ( حماس) فقد عمدت إلى لغة الاعتدال والوسطية , والتأكيد على المرحلية والتدرج . وانتقدت النظام القديم وسياساته ولكن بدرجة أقل حدة من انتقادات جبهة الإنقاذ. كما ركزت على الدعوة للاستقلال الحضاري وبناء قاعدة المجتمع المسلم , ورفض التغريب ونبذ الأحادية والاستبداد, والدعوة إلى الانفتاح السياسي وإقرار التعددية الحزبية. وفى حين نجد أن وضع المرأة وما يتعلق بها من قضايا ومشكلات يحيطها الغموض وعدم الحسم فى خطاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ – بسبب عدم تجانس العناصر المكونة لها فكريا – نجد أن وضعها وما يتصل بها من أمور مختلفة أكثر وضوحا وحسما فى خطاب " حماس" وحملاتها الانتخابية وبرنامجها السياسة والانتخابي, حيث دعت الحركة إلى " توسيع مساهمة المرأة فى الحياة العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومراجعة القوانين المجحفة لحقوقها".

ورغم اتسام حملات حماس وتجمعاتها ومؤتمراتها الانتخابية بالدقة والنظام والكفاءة والعلمية بدرجة تفوق جبهة الإنقاذ إلا أن محصلة خطابها لم تكن منسجمة مع التوجهات العامة للشعب الجزائري الذي سادته رغبة قوية فى التغيير الفوري والثأر من النظام القديم والقضاء عليه قضاء مبرما , وهو ما أدركته جبهة الإنقاذ ومارسته بكل قوة فى خطابها السياسي بصفة عامة.

وكان خطاب النهضة فى منزلة وسط بين خطاب جبهة الإنقاذ وخطاب حركة حماس وإن كان نشاط النهضة قد تركز فى ولايات الشرق أكثر من غيرها على عكس الحال بالنسبة للإنقاذ وحماس .

وقد وقعت العديد من حوادث التشويش, والتجاوزات أثناء الحملات الانتخابية بين جبهة الإنقاذ وحركة حماس وكان البادي بها فى معظم الحالات هم أنصار جبهة الإنقاذ وتركت مثل التصرفات آثارا سيئة لدي كل طرف , وجعلت حبال الود واهية بين الجماعتين إلى درجة استعملت فيها ألفاظ التكفير والتفسيق وغير ذلك من الاتهامات المتبادلة.

- وأما بالنسبة لجبهة التحرير الوطني فقد تركز خطابها على تراثها التاريخي فى تحرير الجزائر وتحقيق الاستقلال ودعت إلى التكاتف من أجل الإصلاح ومواجهة المشاكل وأسرف مرشحوها فى بذل الوعود وإعطاء العهود بالطريقة المألوفة لدي النظم الحاكمة فى معظم البلاد العربية.

- وأما بالنسبة لجبهة القوي الإشتراكية فقد اتسم خطابها بالتطرف فى نقد ومهاجمة النظام الحاكم وبصفة خاصة " جبهة التحرير من جهة ونقد ومهاجمة التيار الإسلامي – وبصفة خاصة الإنقاذ – من جهة أخري .

ولوحظ أن جبهة القوي الإشتراكية لم تعزف كثيرا عل وتر العدالة الاجتماعية ومناصرة الفقراء كما لوحظ أنها ركزت على المسألة البربرية وحملت ملصقاتها عبارات وشعارات باللغة الأمازيغية ولم تطرح قضية العلاقة . ولم تطرح الجبهة قضية العلاقة مع الغرب أو فرنسا للنقاش لأنها من المسلمات المقبولة التي لا تناقش , عكس الحال بالنسبة للأحزاب الإسلامية .

- ولم يختلف حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ويرمز له بـ( RCD)كثيرا عن جبهة القوي الإشتراكية . ولكنه كان أكثر ضراوة فى الهجوم على المشروع الإسلامي وأنصاره و ودعا إلى ضرورة إحباط تقدمهم نحو السلطة بكل قوة وحملت ملصقاته عبارات تعبر عن خيالاته , وشعوره بأنه صاحب الوصاية على الجزائريين وعلي اختياراتهم ومن تلك العبارات " ردوا إلينا الجزائر".

ويمكن القول بصفة عامة أن الحملات الانتخابية قد عكست رؤي ومواقف وتوجهات كل حزب فى غمار معركة سياسية تهدف إلى الوصول إلى السلطة . وقد احتدمت الحملات فى الأسبوع الأخير لسبب أساسي وهو إعلان جبهة الإنقاذ عن مشاركتها فى الانتخابات وكانت قد ظلت عن المشاركة إلى ما قبل الأسبوع الأخير الذي سبق الدور الأول من الانتخابات فى يوم 26/12/ 1990 ثم أعلنت المشاركة بموجب قرار أصدره مجلسها الشوري .

- وعلى الصعيد الرسمي قامت وزارة الداخلية والجماعات المحلية بجهد ملحوظ فى دعوة المواطنين وحثهم على المشاركة فى الانتخابات وذلك من خلال قيامها بإصدار بطاقات الناخبين وتوزيع النشرات والملصقات , وإذاعة البيانات وإقامة المهرجانات الفنية والمسرحية والتلفزيونية للغرض نفسه وقد لوحظ أن دعاية وزارة الداخلية قد اتسمت بالحياد ومحاولة الجمع بين كل المعاني التي ينادي بها المتنافسون بمن فيهم الإسلاميون ومن ذلك شعار يقول :" أنا شاب صغير نصوت وربي كبير", وآخر يقول:" أصوات متعددة = جزائر متجددة" وثالث :" يا فرحتي باش نصوت"... إلخ.

وقد أتيحت وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة لكافة الأحزاب المتنافسة وبدرجة معقولة – بل كبيرة – من العدالة مقارنة بما يحدث عادة فى بلدان العالم " المستعمر" – كما يصفه على شريعتي – وفى مقدمتها البلدان العربية والإسلامية ...

والجدول التالي رقم ( 1) يوضح لنا إجمالي عدد الحصص التليفزيونية والإذاعية التي حصلت عليها أهم الأحزاب المتنافسة أثناء الحملة الانتخابية للجولة الأولي مع ملاحظة أن الحصة الواحدة تساوي خمس دقائق فقط.

اسم الحزب التليفزيون الإذاعة قناة أولي الإذاعة قناة ثانية الإذاعة قناة ثالثة
جبهة التحرير الوطني 36 43 30 30
الجبهة الإسلامية للإنقاذ 36 43 30 30
جبهة القوي الإشتراكية 27 32 23 32
التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية 25 30 21 21
حركة حماس 32 38 27 27
حركة النهضة 17 21 14 14


وأما الجدول التالي رقم (2) فيوضح لنا ترتيب أهم الأحزاب المتنافسة من حيث مدي استخدامها للصحف القومية – المستقلة – فى الحملة الانتخابية – وهي صحف ناطقة بالفرنسية – والجدول يبين عدد مرات الكتابة عن كل حزب بكل صحيفة من الصحف المذكورة


الأحزاب الوطن المساء التضامن الجزائر اليوم الخبر
حركة حماس 8 7 10 8 8
الإنقاذ 7 5 9 10 7
جبهة القوي الإشتراكية 5 5 9 5 5
التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية 1 7 9 - 1
التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية 1 2 - 5 3

مرشحو الأحزاب المتنافسة

بلغ عدد مرشحي الأحزاب المتنافسة 4691 مرشحا من بينهم 53 مرشحة – من النساء – إضافة إلى 4 مترشحات مستقلات فيكون إجمالي عدد المترشحات هو 57 مترشحة.

ويلاحظ أن الأحزاب الإسلامية لم ترشح أى عنصر نسائي لخوض هذه الانتخابات لأسباب منها : مراعاة التقاليد والأعراف التي تمنع ذلك لدي الشعب الجزائري وقلة خبرة العناصر النسائية بالعمل السياسي والاضطلاع بالقضايا العامة وكون أن هذه هي أول تجربة تعددية تمر بها البلاد , ويري البعض ممن ينتمون إلى جبهة الإنقاذ عدم جواز ترشيح المرأة لعضوية البرلمان من الناحية الشرعية فى حين تري حركة حماس وحركة النهضة جواز ترشيحها شرعا , ولكن الظروف الحالية والأسباب السالفة الذكر هى التي حالت دون ترشيح بعض العناصر النسائية باسم حماس أو باسم النهضة.

ويلاحظ بصفة عامة أن العنصر الشبابي يحظي بنسبة كبيرة من إجمالي عدد المرشحين على مستوي القطر فقد بلغ عدد المرشحين وأعمارهم أقل من 36 سنة 1888 أى 33% من إجمالي عدد المرشحين وبلغ عدد المرشحين وأعمارهم من 36 إلى 45 سنة 2657 أى 46,5%. وعدد المرشحين وأعمارهم من 46 إلى 55 سنة 898 أى بنسبة 16% أما المرشحون وأعمارهم أكثر من 56 فعددهم 269 فقط أى بنسبة 4,5% من إجمالي عدد المرشحين. كما كانت نسبة المرشحين ذوي التعليم العالي ( الجامعي وما بعد التخرج) مرتفعة حيث وصل عددهم إلى 3485 أى بنسبة 61% فى حين بلغ عدد المرشحين من ذوي المؤهلات الثانوية 1947 مرشحا أى بنسبة 34%, أما عدد المرشحين ذوي المستوي الابتدائي فهو 280 مرشحا أى بنسبة 5% فقط من إجمالي عدد المرشحين على مستوي القطر الجزائري.

وفيما عدا جبهة الإنقاذ لم تستطع الغالبية العظمي من الأحزاب المتنافسة أن تتقدم بمرشحين فى كل الدوائر الانتخابية الـ (430).

فجبهة الإنقاذ هي الحزب الوحيد الذي تقدم بمرشحيه فى الدوائر كلها ( 430 دائرة) وقد تلتها جبهة التحرير الوطني حيث تقدمت بمرشحيها فى ( 429 دائرة) . ثم حزب التجديد الجزائري ( pRA) حيث تقدم مرشحيه فى ( 382 دائرة, ثم حركة حماس التي تقدمت بمرشحيها فى ( 382 دائرة) ثم الحركة من أجل الديمقراطية فى الجزائر ( MDA) حيث تقدمت بمرشحيها فى (338 دائرة) ثم جبهة القوي الإشتراكية التي ترشحت فى ( 317دائرة) ثم التجمع من أجل الديمقراطية الذي ترشح فى ( 300 دائرة).

والجدول التالي رقم ( 3) يبين عدد الدوائر الانتخابية التي تقدمت فيها أهم الأحزاب المتنافسة بمرشحيها:

اسم الحزب عدد الدوائر المترشح فيها
جبهة الإنقاذ 430
جبهة التحرير 429
حزب التجديد 382
حماس 382
الحركة من أجل الديمقراطية 338
جبهة القوي الاشتراكية 317
التجمع الديمقراطي 300
الحزب الوطني التضامن 242
بقية الأحزاب (41 حزبا) 1470

ولئن كانت نسبة الشباب المترشحين مرتفعة بصفة عامة على مستوي كافة الأحزاب إلا أنها بلغت أقصي ارتفاع لها فى الأحزاب الإسلامية حيث وصلت إلى أكثر من 85% فى كل من الجبهة الإسلامية للإنقاذ , وحركة حماس وحركة النهضة الإسلامية. ولا يعكس هذا الأمر حالة المجتمع الجزائري الذي تغلب عليه نسبة الشباب فحسب بل يعكس أيضا الرغبة فى التغيير والدفع بالوجوه الشابة والدماء الجديدة حتي تأخذ فرصتها فى عملية التغيير والإصلاح فى المرحلة المقبلة .

ولغلبة عنصر الشباب على الحركة السياسية الجزائرية مغزي عميق يتخطي مجرد الرغبة فى التغيير , وهذا المغزي هو أن الأغلبية الساحقة من الشباب المنخرط فى الحركة الإسلامية والعمل السياسي, قد تخرجوا من المؤسسة التعليمية الحديثة ( العلمانية) ومن ثم فإن تمرد هؤلاء الشباب على النظام القائم وتمسكهم بالإسلام وتعلقهم بمشروعه السياسي والحضاري عبارة عن شهادة تاريخية على إخفاق مؤسسات التنشئة التي أوجدتها النظم الجديدة فى تحقيق أهدافها , فبدلا من أن تخرج كوادر مؤمنة بأيديولوجية النظام ومنخرطة فى نظمه وهياكله الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أصبحت تفرخ أكثر العناصر ثورية ورفضا للنظام وأيديولوجيته وأكثر تمسكا بالبديل الإسلامي أبعاده الحضارية.

التصويت وحجم المشاركة فى الانتخابات

بالرغم من حرص الحكومة الجزائرية على أن تتم العملية الانتخابية دون عراقيل أو معوقات إدارية أو قانونية أو سياسية إلا أن طريقة التصويت كانت صعبة ومعقدة إلى درجة لا تتناسب مع حال مجتمع تصل نسبة الأمية الأبجدية فيه بين الرجال إلى 60% وترتفع لتصل إلى أكثر من 85 بالنسبة للنساء .

وتتلخص عملية الإدلاء بالصوت الانتخابي فى قيام الناخب بوضع علامة محددة هي علامة (×) وذلك داخل المربع المقابل لاسم ورقم المرشح الذي يختاره الناخب أو الناخبة . فإذا حدث ووضع الناخب أو الناخبة أى علامة أخري غير (×) أو إذا وضعها هي نفسها ولكن خارج المربع , أو إذا رسم بعضها داخله الآخر وبعضها الآخر خارجه , ففي كل هذه الحالات يعتبر الصوت باطلا.

وإضافة إلى ذلك فإن قانون الانتخابات يحدد من له حق التصويت وهو كل مواطن جزائري بالغ من العمر 18 سنة ومسجل فى القوائم الانتخابية بالبلدية التي تقيم فيها ويشترط أيضا أن يكون حاملا لوثيقة تعريف شخصية إضافة إلى البطاقة الانتخابية الخاصة به.

وقد تمت عملية التصويت فى الدور الأول وسط مناخ عام ساده الهدوء والانضباط والإقبال الملحوظ من جميع فئات الشعب الجزائري . ولم تحدث أى حوادث عنف أو صدام فى أى من ولايات القطر على عكس ما كانت تتوقعه الدوائر الإعلامية والسياسية وخاصة الدوائر الغربية.

ووسط مناخ الهدوء العام الذي تمت فيه عملية التصويت وقعت بعض التجاوزات المتفرقة فى بعض الدوائر الانتخابية ومن ذلك قيام أنصار جبهة الإنقاذ بالدعاية لمرشحي الجبهة داخل اللجان الانتخابية أو بالقرب منها أثناء عملية التصويت وفى ذلك مخالفة للقانون فى حين قام البعض الآخر من أنصار الجبهة بكتابة أرقام مرشحي الإنقاذ على كفوف النساء العجائز وهن أميات فى الأغلب الأعم وقاموا بالتنبيه عليهن داخل اللجان الانتخابية مرارا وتكرارا لاختيار مرشح الجبهة وهذا أيضا مخالف للقوانين الخاصة بعملية الانتخاب والتصويت.

ومن جهة أخري وقعت بعض التجاوزات من جانب الإدارة المشرفة على سير العملية الانتخابية مثل منع المراقبين من التواجد داخل مراكز الاقتراع والسماح بوجود بعض الرجال داخل لجان التصويت الخاصة بالنساء والتأخر فى فتح أبواب اللجان للإدلاء بالأصوات . ومن الطري أن رئيس اللجنة الانتخابية فى دائرة سيدي خالد بولاية بسكرة أصر على أن يأخذ صناديق الاقتراع إلى بيته ! ويذهب الناخبون إليه ليدلوا بأصواتهم هناك!.

وأيا كانت تلك الحوادث والتجاوزات التى تناولتها الصحافة الجزائرية فى حينه فإنها فى مجملها لم تؤثر على سلامة سير العملية الانتخابية . واجمع المراقبون عل أنها تمت " بشفافية ونزاهة ونظافة" ومما يذكر فى هذا السياق أن صناديق الاقتراع كانت كلها مصنوعة من الزجاج الشفاف , وقد وضعت فوق منضدة مرتفعة حتي يراها الجميع ويقوم كل ناخب بإيداع الورقة الانتخابية مغلقة بمظروف داخل الصندوق الزجاجي ثم يوقع باسمه فى كسف الانتخابات أو يضع بصمته عليه.

وكان ملفتا للنظر أن تخرج المرأة الجزائرية بكثافة غير معهودة من قبل للإدلاء بصوتها فى الانتخابات بالرغم من أن عادات وأعراف المجتمع لا تشجع على ذلك ويبدو أن مشاركة الأحزاب الإسلامية قد ساعدت على زيادة نسبة مشاركة المرأة وذلك من خلال تكثيف الدعوة للمشاركة والتأكيد على أن التصويت " شهادة" وأن أداءها واجب شرعي لا يجوز التخلف عنه . وتداولت الأوساط الإسلامية فى هذا الصدد نص الفتوي التي أفتوي الشيخ يوسف القرضاوي حول " إعطاء المسلمة صوتها فى الانتخاب" فقد سأله بعض الشباب الجزائريين الإسلاميين أثناء وجوده فى الولايات المتحدة عن شرعية المرأة المسلمة لإعطاء صوتها فى الانتخاب فأجاب بما يلي:

" الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد :

فإن الانتخاب وإعطاء الصوت لمرشح ما يعتبر شهادة له بصلاحيته لتمثيل الأمة ويجب أن يطبق عليه ما يطبق على الشهادة .

والشهادة يجب أن تؤدي لله تعالي لا لغرض من أغراض الدنيا كما قال تعالي : " وأقيموا الشهادة لله )" الطلاق من الآية :2".

كما لا يجوز كتمان الشهادة ولو لم يطالب بها إذا ترتب على كتمانها ضياع حق أو انتصار باطل قال تعالي:" ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه)( البقرة من الآية – 283).

أما إذا دعي الإنسان لأداء الشهادة فلا يجوز له أن يتأخر أو يأبي كما قال تعالي ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا)" البقرة من الآية – 282".

وهذه الأحكام تنطبق على النساء على تنطبق على الرجال سواء بسواء . فلا يجوز للمرأة المسلمة أن تكتمك شهادة تعلمها أو تأبي أداء الشهادة إذا دعيت لها .

وإذا كان ذلك ثابتا فى الحقوق الفردية والخاصة فما بالكم بحقوق الأمة العامة ؟ ومن هنا لا يجوز للمسلمة الحريصة على دينها وإرضاء ربها أن تتخلف عن إعطاء صوتها لكل مسلم صالح , لأنها إذا تخلفت فقد كتمت الشهادة ( ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) ( البقرة من الآية 140).

كما لا يجوز لأبيها أو أخيها أو زوجها أن يمنعها من الذهاب إلى صندوق الانتخاب لأداء هذه الشهادة لما رواء ذلك من إضرار بالمصالح الإسلامية .

وإذا كانت المرأة اللادينية والمستغربة حريصة على إعطاء صوتها للعلمانيين واللادينيين فلتكن المسلمة المتدينة أحرص منها على إعطاء صوتها للمسلمين الملتزمين .

إن القيام بهذا الواجب يعتبر من باب التعاون على البر والتقوي والتواصي بالحق والصبر والنصيحة فى الدين .

وفق الله إخواننا وأخواتنا إلى حسن الفقه فى الدين وهدانا جميعا صراطه المستقيم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مدينة فينكس – الولايات المتحدة الأمريكية

مؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي

الفقير إليه تعالي

يوسف القرضاوي

18 جمادي الأخرة 1412

24 ديسمبر 1991

وطبقا لما كشفت عنه النتائج الرسمية للدور الأول والتي أعلنها المجلس الدستوري الأعلي فى البلاد فقد بلغت نسبة المشاركة فى التصويت 58,55% من أجمالي عدد المسجلين بالجداول الانتخابية وهو ما يعادل 7 مليون و757 ألف و 172 ناخبا من أصل 13 مليون و248 ألف و540 ناخبا.

وقد سجلت أعلي نسبة للمشاركة فى ولاية عين تموشنت حيث بلغت 72,02% فى حين سجلت أضعف نسبة للمشاركة فى ولاية أدرار بأقصي الجنوب حيث بلغت 43,01%.

اسم الولاية أدرار الشلف الأغواط أم البواقي باتنة بجابة بسكرة بشار البليدة البويرة تمنراست تبسة تلمسان تيارت تيزيوزو الجزائر الجلفة جيجل سطيف سعيدة سكيكدة سيدي بلعباس عنابة فالمة قسنطينة المدية مستغانم المسيلة معسكر ورفلة وهران البيض اليزي برج بوعريج بومرداس لطارف تندوف تسمسيلت الوادي خنشلة سوق أهراس تيبازة ميلة عين الدفلي النعامة عين تموشنت عرداية غليزان

ولعل أهم ما يلاحظ على جدول توزيع نسب المشاركة فى الدور الأول من الانتخابات هو انخفاض نسبة المصوتين فى الجزائر العاصمة حيث بلغت 45,92% من إجمالي عدد المسجلين بالجداول وقد يرجع السبب فى ذلك إلى أن العاصمة هى مركز الطبقات الراقية , وذوي الثقافة الغربية كما أنها مقر الحكم ومعظم المؤسسات السياسية فى الدولة , وقد ألف أهلها الممارسات السياسية المشابهة من خلال الاستفتاءات الانتخابات الشكلية لأعضاء المجلس الشعبي الوطني ( البرلمان) ومن ثم تولدت لديهم حالة من اللامبالاة أكبر نسبيا مما هو فى بقية الولايات الجزائرية . ومثل هذه الملاحظة لوحظت فى الانتخابات البرلمانية فى مصر سنة 1978 حيث جاءت نسبة المشاركة فى القاهرة أقل من معظم المحافظات الأخري.

قراءة تحليلية لنتائج الدور الأول للانتخابات

انتهت الجولة الأولي من الانتخابات مساء يوم الخميس 26 /12 / 1991 وأعلنت النتائج الرسمية مساء يوم الأحد 29/12 / 1991 وقد فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بـ 188 مقعدا فى البرلمان بعدد أصوات وصل إلى ثلاثة ملايين وربع مليون صوت وبحسبه بسيطة تكون الجبهة قد ضمنت 44% من إجمالي عدد مقاعد البرلمان الذي يصل إلى 430 مقعدا .

وجاءت جبهة القوي الإشتراكية فى المرتبة الثانية من حيث الحصول على مقاعد فى البرلمان بطريقة مباشرة فى الدور الأول إذ حصلت على 25 مقعدا بعدد أصوات وصل إلى نصف مليون صوت.

أما جبهة التحرير الوطني فقد جاءت فى المرتبة الثالثة إذ حصلت على 15 مقعدا بعدد أصوات وصل إلى مليون ونصف مليون صوت.

والجدول التالي رقم (5) يوضح أهم الأحزاب الفائزة والأصوات التي حصل عليها كل حزب وعدد المقاعد ونسبتها إلى إجمالي عدد مقاعد البرلمان:

الحزب الأصوات التي حصل عليها عدد المقاعد التي فاز بها نسبة المقاعد إلى إجمالي مقاعد البرلمان الجبهة الإسلامية للإنقاذ 3260222 188 43,93% جبهة القوي الإشتراكية 510661 25 5,84% جبهة التحرير الوطني 1612947 15 3,50% التجمع من أجل الثقافة 200267 - - التجمع العربي الإسلامي 10824 - - الحركة من أجل الديمقراطية 135882 - - حركة النهضة الإسلامية 150093 - -

حركة المجتمع الإسلامي 368697 - - المجموع 228 53, 27%

وتؤدي القراءة التحليلية لأرقام نتائج الدور الأول إلى استخلاص الآتي :

1- أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ هى القوة السياسية الأولي فى الجزائر لا لأنها حصلت على أعلى نسبة من الأصوات فقط . ولكن لأن توزيع الأصوات التي حصلت عليها يتسم بالتوازن إلى حد كبير بين مختلف الولايات عكس الحال بالنسبة لجبهة القوي الإشتراكية – على سبيل المثال - التي يتركز وجودها فى المناطق القبلية ( البربرية) وبصفة خاصة فى ولاية بجاية حيث حصلت فيها القوي الإشتراكية على 11 مقعدا من 12 مقعد فى الدور الأول . وكذلك الحال بالنسبة لمدينة الجزائر ( العاصمة) التي تتميز بغلبة العنصر القبلي – البربري على سكانها.

ويدل انتشار أنصار الجبهة الإسلامية عبر مختلف الولايات على أنها قد اجتذبت عناصر من مختلف الفئات الاجتماعية وبصفة خاصة تلك التي تعاني من آثار المشكلة الاقتصادية والبطالة التي يعاني منها أكثر من 2 مليون مواطن لا يدون فرصا للعمل.

2- أن جبهة التحرير الوطني لا تزال تتمتع بوجود وتأييد لا بأس بهما فى مختلف ولايات الجزائر . ولعل السبب فى ذلك يرجع إلى ماضيها التاريخي ودورها فى تحرير البلاد كما يرجع إلى تمسك جناح رئيسى منها بالهوية العربية والإسلامية وعلى رأس هذا الجناح السيد عبد العزيز بلخادم رئيس المجلس الشعبي الوطني السابق 0 البرلمان).

ولكي يمكن فهم ما أسفرت عنه نتيجة الانتخابات من هزيمة منكرة لجبهة التحرير الوطني فلابد من تحديد مؤيديها فى الفئات الاجتماعية المختلفة , فهم ينحصرون فى فئتين هما : فئة الإداريين الذين كانوا جزءا من الجبهة عندما كانت هي جهاز النظام الحاكم فى إدارة البلاد وتسيير شئونها والكثير من هؤلاء لديه ولاء تقليدي تلقائي للجبهة أما الفئة الثانية فهي تضم معظم الجيل القديم الذي عاصر الثورة الجزائرية منذ اندلاعها سنة 1954. وهو جيل لا يزال يري فى جبهة التحرير رمزا لنضال بلاده وسعيها للحصول على الاستقلال.

ولكن الإداريين لا يمثلون سوي 29% من مختلف العاملين فى القطاعات الاقتصادية بينما يصل عدد الذين تزيد أعمارهم على 40 عاما إلى ملايين و300 ألف نسمة فقط من بين عدد سكان الجزائر البالغ 24 مليونا و700 الف نسمة وفقا لإحصاءات سنة1990.

3- احتلت حركة المجتمع الإسلامي ( حماس) المرتبة الرابعة على المستوي الوطني من حيث عدد الأصوات . ويتميز وجودها بالتوازن فى مختلف الولايات على نحو يقترب من حالة جبهة الإنقاذ , مما يؤكد أن أنصار الاتجاه الإسلامي لا يؤسسون حركتهم على أسس جهوية أو قبلية . وإنما يسعون للانتشار فى مختلف فئات الشعب وهو أمر يساعد على استمرار قوة الحركة الإسلامية بصفة عامة.

4- إخفاق كافة الأحزاب التي وصفت نفسها بأنها " ديمقراطية" وعدم فوز أى من مرشحيها فى انتخابات الدور الأول.


وأتي فى مقدمة الأحزاب " الديمقراطية الخاسرة [[حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية]] الذي يرأسه طبيب يدعي سعيد السعدي . وهو حزب قبائلي بربري والمقصود من كلمة " الثقافة" الواردة فى اسم الحزب : الثقافة البربرية والفرنسية وكان هذا الحزب وزعيمه من أكثر الذين الذين فقدوا أعصابهم على أثر ظهور نتيجة الدور الأول ودعا إلى إلغاء الانتخابات وعدم إجراء الدور الثاني , وصرح السعدي فى مؤتمر صحفي بأنه سوف يستخدم القوة لمنع تقدم جبهة الإنقاذ نحو الحكم , وأنه يفضل " عودة العسكر لحكم البلاد" بدلا من أن يحكمها الأصوليون " الإسلاميون".

ومن أبرز الأحزاب الخاسرة أيضا حزب " الحركة من أجل الديمقراطية فى الجزائر" الذي يتزعمه الرئيس الأسبق أحمد بن بلة . ورغم أنه ينصف ضمن الأحزاب التي تصف نفسها بالديمقراطية وتتبني الأفكار العلمانية إلا أنه يتميز بسمات خاصة يظهرها برنامجه الانتخابي الذي تمت صياغته على طريقة من كل بستان زهرة فهو يتضمن آيات قرانية ويتحدث عن الشوري , وعن الديمقراطية ويركز على البعد العربي للمجتمع الجزائري ولعل هذا من أهم ما يميزه عن بقية الأحزاب الديمقراطية الأخري.

إذن فقد فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ باقتدار فى الجولة الأولي للانتخابات ولكن كيف تم استقبال هذا الفوز وكيف تعاملت معه القوي والأطراف داخل الجزائر وخارجها ؟

1- داخل الجزائر:

تباينت مواقف القوي والأحزاب السياسية من انتصار جبهة الإنقاذ ويمكن رصد ثلاثة مواقف أساسية وهي:

أ‌- موقف التأييد: وقد اتخذته الأحزاب الإسلامية والوطنية ذات الصبغة العروبية وأهمها حركة المجتمع الإسلامي وحركة النهضة الإسلامية وحزب الجزائر المسلمة المعاصرة وجبهة الخلاص الوطني وحزب التجمع العربي الإسلامي.

ب- موقف الرفض : والدعوة لوقف المسيرة الديمقراطية للحيلولة دون وصول جبهة الإنقاذ إلى الحكم وكانت الأحزاب المسماة " ديمقراطية" هي حاملة لواء هذا الموقف , وفى مقدمتها [[حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية]] " الذي طالب بإلغاء نتيجة الانتخابات , وحظر الأحزاب المتسلطة ( يقصد جبهة الإنقاذ) وذهب [[حزب الطليعة الاشتراكية]] ( الشيوعي) إلى حد المطالبة بحل جبهة الإنقاذ وذلك عقب ظهور نتيجة الدورة الأولي مباشرة ووزع بيانا طالب فيه بعدم إجراء الدورة الثانية , وأكد على أن " المخرج الوحيد هو وضع المصالح الحزبية جانبا وحظر الأحزاب المتسلطة والظلامية " على حد تعبير بيان الحزب المذكور , واتخذ حزب جبهة القوي الإشتراكية موقفا قريبا من هذا الموقف الرافض لفوز جبهة الإنقاذ ودعا إلى مسيرة للدفاع عن " الديمقراطية" التي أصبحت مهددة بعد فوز جبهة الإنقاذ طبقا لما جاء فى دعوة جبهة القوي الإشتراكية للقيام بالمسيرة وقد جرت بالفعل وذلك يوم 2 يناير 1992.

وإلى جانب تلك الأحزاب التي رفضت القبول بنتيجة الانتخابات, تحركت النقابات العمالية المؤيدة للنظام القديم وشكلت ما أسمته " لجنة الإنقاذ الديمقراطية" للوقوف فى طريق الجبهة الإسلامية للإنقاذ ومنعها من الوصول إلى الحكم وأصدرت تلك اللجنة بيانا دعت فيه أيضا إلى إلغاء نتيجة الانتخابات ووقف مسارها بعدم إجراء الجولة الثانية التي كان من المقرر إجراؤها يوم 16/1/1992.

جـ- موقف التربص واستنفار القوة: وهو الموقف الذي اتخذه الجيش الجزائري وكان أهم وأخطر المواقف جميعها على الصعيد الداخلي فى البلاد . فعلي أثر إعلان نتيجة الانتخابات دفع الجيش بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى العاصمة وبعض المدن الجزائرية الأخري , وهو الأمر الذي مثل بادرة ذات مغزي دلت على أن شيئا خطيرا قد تم الإعداد له للتصدي للجبهة الإسلامية للإنقاذ ودعم ذلك استدعاء الشيخ عبد القادر حشاني – رئيس المكتب التنفيذى المؤقت المؤقت للإنقاذ – للمثول أمام القضاء فى الوقت نفسه بتهمة القدح فى حق المؤسسة العسكرية.

ذلك هو المشهد العام الذي يصور كيفية استقبال القوي والأحزاب الجزائرية لنتيجة أول انتخابات حرة تجري على أساس التعددية السياسية وقبل أن ننتقل إلى مرحلة انقضاض الجيش على الديمقراطية لابد من رسم الصورة العامة لردود الفعل الخارجية وكيفية استقبالها الانتصار جبهة الإنقاذ.

2-خارج الجزائر:

تباينت المواقف خارج الجزائر أيضا مثلما تباينت داخلها إزاء فوز الجبهة الإسلامية ويمكن إجمالها فى موقفين أساسيين هما :

أ‌- موقف التأييد والفرحة الغامرة: وهو الموقف الذى اتخذته مختلف جماعات الحركة الإسلامية فى كل البلدان والأقطار العربية والإسلامية وخاصة فى مصر , وتونس والمغرب , والأردن , واليمن ... الخ بالإضافة إلى تأييد الحكومات الإسلامية فى كل من السودان وإيران . وكذلك الجماعات الإسلامية فى باكستان وبنجلاديش وماليزيا وألمانيا ومجاهدي أفغانستان . وعدد كبير من مراكز الدعوة الإسلامية فى العواصم الأوروبية والأمريكية.

ب‌- موقف العداء والهلع من فوز جبهة الإنقاذ: وهو الموقف الذي وقفته معظم الحكومات العربية والإسلامية , وفى مقدمتها الحكومية التونسية التي دعا رئيسها زين العابدين بن على إلى أن تتعاون الدول العربية معا لسحق الجماعات الإسلامية وذلك فى كلمة ألقاها فى اجتماع وزراء الداخلية العرب بتونس فى مطلع يناير 1992 أى عقب فوز الإنقاذ مباشرة.

ومن ناحية أخري جاءت ردود فعل الدول الغربية وخاصة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية متسمة بالحذر والشعور العميق بالقلق وشنت وسائل الإعلام فى تلك الدول هجوما شرسا على الانتصار الذى حققته جبهة الإنقاذ محذرة من مغبة وصولها إلى الحكم , ومن أنها سوف تقضي على الديمقراطية , وتعود البلاد إلى الخلف , بل وحذرت بعض الدوائر الإسلامية من خطورة وصول جبهة الإنقاذ إلى الحكم وامتلاكها قوة عسكرية ونووية يمكن أن تهدد بها مصالح الغرب وعملائه فى المنطقة كلها وفى مقدمتهم إسرائيل!.. وقد كتبت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية تعليقا على فوز الإنقاذ فقالت فى مقال افتتاحي تحت عنوان مجزرة نووية " إن انتصار الجبهة الإسلامية مثير للقلق الشديد لأن السلاح النووي الذى تعمل الجزائر على تطويره قد يقع فى أيدي ألد أعدائنا الذين يرون فى تدمير إسرائيل المثال الأعلي لهم ".

ومن ناحية ثالثة عزف العلمانيون [ اليساريون واليبراليون والقوميون] فى طول البلاد العربية والإسلامية وعرضها على المعزوفة نفسها التى عزفتها صحافة الغرب والحكومات التابعة له فراحوا يحذرون من مخاطر الحكم الإسلامي ومن مغبة وصول جبهة الإنقاذ إلى السلطة فى الجزائر, بل إن بعضهم – وخاصة فى مصر – راح يلعن " الديمقراطية" التي تؤدي إلى فوز الإسلاميين, ويحذر مما أسماه " الديمقراطية العمياء " وهى " عمياء"- فى نظره – لأنها ستأتي بالإسلاميين إلى الحكم .

وهكذا أصبح الجو مشحونا بالتوتر والفزع من جزاء ما أسفرت عنه صناديق الاقتراع الزجاجية وهو احتمال وصول جبهة الإنقاذ إلى الحكم بأسرع مما كان متوقعا وهو ما أغضب أعداء الإسلام فقرروا قتل فرحة الانتصار .

انقضاض الجيش على الديمقراطية

قبل إجراء الجولة الثانية من الإنتخابات بخمسة أيام فقط فاجأ الرئيس الشاذلي بن جديد الجميع باستقالته من منصبه كرئيس للبلاد وقد أعلنها على شاشات التلفزيون حيث شاهده الجميع وهو يتحاشي النظر فى عيون الجالسين ويغض طرفه هربا من أن يراه أحد من أبناء وطنه الذين أذهلتهم المفاجأة.

وباستقالة الشاذلي أو إقالته فى الحادي عشر من يناير 1992 , بدأ المسلسل المأساوي الذي قاده كبار ضباط الجيش الجزائري للانقضاض على " الديمقراطية " الوليدة ووأدها فى مهدها.

ويبدو أن المسلسل قد أعد بإحكام حيث جاءت استقالة الشاذلي بعد مرور أسبوع فقط على حل المجلس الشعبي الوطني ( البرلمان) وهو الأمر الذي أدي إلى فراغ دستوري – مقصود – وبعد أن تولي عبد المالك بن حبيلس الرئاسة بالنيابة لمدة يوم واحد لاحظ أعضاء المجلس الدستوري – الذيى كان يرأسه عبد المالك نفسه - أن الدستور لا يمنحه هذه الصفة إلا إذا توافقت وفاة الرئيس مع شغور منصب رئيس المجلس الشعبي الوطني , وأن الحالة القائمة هى استقالة وليست وفاة , ومن هنا أصدر المجلس الدستوري بيانا أعلن فيه الشغور النهائي لمنصب رئيس الجمهورية بعد استقالة الشاذلي بن جديد وعهد المجلس الدستوري إلى " المؤسسات المخولة صلاحيات الظروف الضرورية لعمل المؤسسات والنظام الدستوري فى شكل طبيعي ".

وفى خطوة أخري من المسلسل دعت حكومة السيد أحمد غزالي – التي كانت قد أشرفت على الجولة الأولي للانتخابات – المجلس الأعلي للأمن إلى الانعقاد فورا وبعد مشاورات مكثفة بين الحكومة والمجلس الأعلي للأمن والمجلس الدستوري أصدر المجلس الأعلي للأمن بيانا أعلن فيه " استحالة متابعة العملية الانتخابية " ملغيا بذلك نتائج الجولة الأولي وقاطعا الطريق على الجولة فى الوقت نفسه.

وقبل مرور ثمانية وأربعين ساعة على تولي المجلس الأعلي للأمن أمور البلاد أصدر بيانا آخر أعلن فيه عن تشكيل " اللجنة العليا للدولة " برئاسة [[محمد بوضياف – وهو من قدامي الذين خاضوا حرب الاستقلال عن فرنسا , وظل يعيش فى منفاه بالمغرب منذ عام 1963 – وعضوية كل من العقيد علي كافي من قادة جبهة التحرير الوطني وخالد نزار وزير الدفاع , وعلي هارون وزير الدولة لحقوق الإنسان والدكتور [[التيجاني هدام إمام مسجد باريس . وأعلن البيان أيضا عن أن تلك اللجنة سوف تستكمل الفترة القانونية المتبقية لرئاسة الشاذلي بن جديد والتي تمتد إلى سنة 1993.


كان رد الفعل على تلك التطورات متباينا مثلما تباين بالنسبة لنتيجة الجولة الأولي للانتخابات . وتأكدت – بوضوح – مواقف المؤيدين ومواقف المعارضين للإنتصار الذي حققته الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

ففى الجزائر نفسها , هلل العلمانيون وأدعياء الديمقراطية لتدخل الجيش وإجهاضه المسيرة الديمقراطية وحرمان الإسلاميين من اختيار الشعب لهم وتركزت الانتقادات الرئيسية التى وجهتها جبهة التحرير الوطني وجبهة القوي الإشتراكية " اللجنة العليا للدولة على أنها لجنة غير دستورية ومن ثم فإنها فاقدة للشرعية بينما سكت الجميع عن الحق المهدر تحت أقدام العسكريين وجنازير الدبابات لا لشئ إلا لأنه حق الإسلاميين ممثلين فى جبهة الإنقاذ . وعندما تكلم زعيم جبهة القوي الإشتراكية مطالبا بإستمرار المسيرة الديمقراطية لم يتكلم إلا لأنه كان يري أن افتقار جبهة الإنقاذ للخبرة فى إدارة البلاد سياسيا واقتصاديا كان سيؤدي – حتما فى رأيه – إلى عجزها وفشلها . أى أنه لم يطالب باستئناف الديمقراطية ولم يندد بالانقلاب عليها دفاعا عن اختيار الشعب للإسلاميين بقدر ما كان رغبة فى رؤية فشلهم وعجزهم .

أما بالنسبة لموقف القوي الإسلامية فى الجزائر وخاصة حركتي " حماس" و" النهضة " فقد ساءها ما جري , ورفضته جملة وتفصيلا , ولكنها فى الوقت نفسه لم تتخذ موقفا عمليا مؤيدا للجبهة الإسلامية للإنقاذ ولكنها نددت بما جري وطالبت بإجراء حوار واسع ومصالحة وطنية يجتمع عليها كل الفرقاء. ويبدو لنا أن رواسب العلاقات غير الودية بين حركة " حماس " والإنقاذ وكذلك بين الإنقاذ وحركة " النهضة " قد أثرت كثيرا على الموقف الذي اتخذته الحركتان, إلى الدرجة التي جعلت زعيم حماس – على سبيل المثال – يقبل الاجتماع مع لجنة قيادة الدولة التي أدانها الجميع وقرروا أنها فاقدة للشرعية .

وعلى غير المتوقع اتسم رد فعل الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالهدوء وضبط النفس وعلقت فى البداية على استقالة الشاذلي بن جديد فوصفتها بأنها " مسرحية تهدف إلى قمع الشعب وإلغاء النتائج فى الجولة الأولي من الانتخابات التشريعية " وحذرت من اتخاذ أى إجراء لإلغاء ما اختاره الشعب وأصرت على استمرار الانتخابات ودعت فى بيان لها إلى أن يقوم الجيش ومعه أجهزة الأمن بتحمل " مسئولياتها فى الحفاظ على اختيار الشعب وعدم الاستجابة لأهواء المغامرين وشهواتهم التسلطية".

ومع أن جبهة الإنقاذ قد حاولت إلزام أنصارها بالهدوء وضبط النفس , إلا أن تصاعد حملات التضييق والاستفزازات المتكررة التي عمدت إليها السلطات الجديدة التي يسيطر عليها الجيش, دفعت الجبهة إلى التشدد المشوب بالحذر وكانت أبرز ملامحه تلك الرسالة التي وجهها نواب الجبهة الإسلامية الذين تم انتخابهم فى الجولة الأولي ( 188 نائبا) إلى " الجيش" ووقعها الشيخ عبد القادر حشاني – الرئيس المؤقت للجبهة – وقد دعوا الجيش فى تلك الرسالة إلى أن يتصدي " للممارسات المتسلطة للطغمة الحاكمة " ودعوه أيضا إلى التخلص من الولاء لهواء التسلط والوصاية على الشعب وإلى الدفاع الصادق عن الإسلام وحماية اختيار الأمة الذي تجسد فى انتخابات 26 ديسمبر 1991.

وعلى الصعيد الخارجي اتسمت ردود فعل الدول الغربية بصفة عامة بالرضا والارتياح للتطورات التي شهدتها الجزائر على أثر انقضاض الجيش على الديمقراطية وأعلنت تلك الدول وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا أنها " تراقب عن كثب أحداث الجزائر وتوليها أهمية خاصة " ومع تداعيات الموقف وشعور الغرب عامة بالارتياح تأكد بما لا يدع مجالا للشك أن شعاراته الداعية إلى الديمقراطية والحرية واحترام إرادة الشعوب ليست غلا كلمات خادعة لا رصيد لها فى الواقع طالما أن تلك الشعارات يمكن أن تأتي بالإسلاميين إلى الحكم .

أما بالنسبة لموقف الدول العربية والإسلامية فقد تقاسمه اتجاهان : الأول هو اتجاه التأييد السافر للانقلاب العسكري واغتصاب إرادة الشعب وقد عبر عن هذا الاتجاه بوضوح النظام الحاكم فى تونس وفى المملكة المغربية – الجيران المباشرين للجزائر والمشتركين معها فى اتحاد المغرب العربي – والثاني هو اتجاه الإدانة والتنديد بما حدث وقد عبرت عنه حكومات السودان واليمن وإيران , بالإضافة غلى الحركات الإسلامية الشعبية فى مختلف البلدان العربية والإسلامية التي نددت هى الأخري بإجهاض التجربة الديمقراطية فى الجزائر وأعلنت رفضها لتدخل الجيش وإهدار اختيار الشعب .

ولكن كيف سارت الأمور بين السلطة الجديدة وجبهة الإنقاذ؟ ولماذا تبلورت المعركة بصورة حاسمة بين الجيش من ناحية والجبهة الإسلامية للإنقاذ من ناحية أخري ؟

لقد بدت نية الجيش واضحة منذ بداية تخله وهي أنه يريد أن يكسر عظام الجبهة الإسلامية للإنقاذ وليس حرمانها من الوصول إلى السلطة فقط . وقد شجعه على ذلك الميراث غير الودي بينه وبين الإنقاذ منذ ظهورها على الساحة السياسية تقريبا وبصفة خاصة منذ أحداث يونيو سنة 1919 التي سقط فيها عدد كبير من الضحايا على أيدي قوات الجيش أثناء قيامها بقمع مظاهرات جبهة الإنقاذ آنذاك احتجاجا على عدم الاستجابة لمطالبها الخاصة بقانون إجراء الانتخابات طبقا لما سبق أن أشرنا إليه.

ومضت معركة تكسير العظام بين الجيش والجبهة فى إطار خطة استهدفت استدراج الجبهة إلى العنف, حتي تتوفر الحجة ويوجد المبرر الذي يسوغ حلها والتخلص منها, بالرغم من حذر الجبهة من هذه الخطة الخبيثة إلا أنه قيادتها لم تستطع السيطرة على أنصارها المتحمسين الذين شعروا بالإحباط الشديد نتيجة حرمانهم من نصرهم السلمي عبر صناديق الانتخابات . فتوالت أعمال العنف المتفرقة, مع اشتداد حملات الاعتقال وإلقاء القبض على قيادات الجبهة الواحد تلو الآخر .

وبالغرم من اتساع موجة الاعتقالات فى صفوف أنصار جبهة الإنقاذ – ثمانية آلاف معتقل حتي أواخر فبراير 1992 حسب الإحصاءات الرسمية – وكذلك بالرغم من وقوع عدد كبير من الضحايا نتيجة المصادمات مع قوات الجيش والشرطة – 150 قتيلا و700 جريحا – إلا أن المعركة الأساسية بين الطرفين كان ميدانها هو " المسجد" فى مختلف ولايات البلاد وبصفة خاصة فى الجزائر العاصمة .

فمنذ انقضاض الجيش على العملية الديمقراطية شرعت السلطات فى تطبيق القانون بحظر استعمال المسجد لأغراض سياسية وهو قانون كان قد صدر فى ربيع سنة 1991 وتوسعت السلطات الجديدة فى تطبيقه فمنعت الصلاة خارج المساجد, وأمرت المصلين بالانصراف عقب أدائهم للصلاة كما وقفت بحزم فى مواجهة الأئمة والخطباء لمنعهم من تناول الشئون السياسية فى خطبهم لصلاة الجمعة من كل أسبوع وعلى هذا الأساس تم اعتقال العديد من الأئمة والخطباء الذين لم يمثلوا لتلك الأوامر وأعلنوا إصرارهم على عدم تخليهم عن منابرهم والحدي من فوقها فى كل شأن من شئون المجتمع بما فى ذلك الشئون السياسية .

وقد أدركت السلطة الأهمية البالغة لكسب معركة المسجد فى صراعها مع جبهة الإنقاذ ففي تصريح لسيد أحمد غزالي رئيس الحكومة للتلفزيون السويسري يوم 2/2/1992 قال :ط إن غياب الدولة فى السنتين الماضيتين هو الذي ادي إلى الانحراف عن الوظيفة المقدسة للمساجد – وهي أداء الصلاة فقط من وجهة نظره – واستعملن كمنابر لأغراض حزبية وهو ما يمنعه القانون ويمنعه الإسلام أيضا – حسب رأي رئيس الوزراء –".

والواقع أن المساجد التي يقارب عددها فى الجزائر الـ10 آلاف مسجد ظلت تعاني لفترة طويلة من نقص الأئمة والخطباء ذوي الكفاءة التى تتناسب مع التطورات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال , ولم تستطيع وزارة الشئون الدينية التابعة للحكومة إلا تغطية خمسة آلاف مسجد فقط بأئمة معينين من قبلها , وهو الأمر الذي أتاح فرصة كبيرة أمام الحركة الإسلامية الجزائرية بصفة عامة لكي تملأ هذا الفراغ وتمارس نشاطها وتبلغ دعوتها من خلال هذا المنبر الشعبي ذى الأهمية البالغة والمكانة الرفيعة فى نفوس كافة فئات الشعب وبجهود دعاة الحركة إسلامية فى المساجد تشكلت قاعدة واسعة من أنصار الحل الإسلامي وتربت عناصر أساسية وقيادية فى الحركة نفسها ويكفي أن نذكر أن ذيوع صيت الشيخ على بلحاج والشيخ عباسي مدني , والشيخ محفوظ نحناح والشيخ جاب الله وغيرهم قد كان بفضل انطلاقهم من المساجد وإحيائهم لوظيفتها التاريخية فى حياة المجتمع الإسلامي ولهذا شعرت السلطة أن معركتها مع جبهة الإنقاذ – والإسلاميين عموما – لن تكون ناجحة ما لم تحكم سيطرتها على المساجد وبعبارة أخري مالم تخرج السياسة من المسجد فهل أفلحت السلطة الجزائرية فى ذلك؟

إن ما جري حتي – رمضان 1412 هـ/ مارس 1992م – هو عبارة عن عملية قمع وملاحقة لأنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ واقتلاعهم من المساجد ووضعهم فى المعتقلات ,وقد نجحت السلطة فى ذلك إلى حد كبير أما أنها نجحت بذلك فى إخراج السياسة من المساجد فهذا مالا يمكنها تحقيقه أو الوصول إليه اللهم إلا إذا استطاعت" سلطة ما" أن تخرج الإسلام ذاته من المساجد وهو ما لم تستطع أى سلطة أن تقوم به عبر مختلف عصور التاريخ الإسلامي كله.

لقد لجأت السلطات الجزائرية إلى إعلان حالة الطوارئ فى 9/2/1992 لتتمكن من إحكام قبضتها على البلاد , وتثبيت أقدامها فى الحكم , والقضاء على قوة الجبهة الإسلامية للإنقاذ بحرمان الشعب من اختياره لها وباعتقال أنصارها والتخلص من وجودها الشرعي فى المحليات على مستوي القطر , وهو ما نصت عليه المادة الثامنة من مرسوم إعلان الطوارئ فى قولها " عندما يعطل العمل الشرعي للسلطات العمومية أو يعرقل بتصرفات عائقة مثبتة , أو معارضة معلنة من قبل مجالس محلية , أو هيئات تنفيذية بلدية تتخذ الحكومة عند الاقتضاء التدابير التي من شأنها تعليق نشاطها أو حلها وفى هذه الحالة تقوم السلطة الوصية بتعيين مندوبيات تنفيذية على مستوي الجماعات الإقليمية المعينة إلى أن تتجدد هذه الأخيرة عن ريق الانتخاب".

وأخيرا جاء قرار حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ بمثابة تحصيل حاصل لكافة الإجراءات التي اتخذتها السلطة منذ الانقلاب على المسيرة الديمقراطية وعادت الكلمة حول مستقبل البلاد إلى مدافع الدبابات بدلا من صناديق الانتخابات والسؤال المثار على كل الأصعدة هو : هل هذا هو الحل ؟ وبدون مبالغة فى التكهن بإحتملات المستقبل يمكن القول إن ما حدث ليس إلا حلا مؤقتا ولكنه لن يطول وإن طال فلن يدوم فنصر الله آت لا ريب فيه وساعتها سيندم الظالمون ولات ساعة مندم.

الخاتمة

دروس وعبر

أردنا فى هذا الكتيب أن نكشف عن أصالة الحركة الإسلامية الجزائرية , وأن نبين عمق وتجذر الإسلام فى هذا البلد الشقيق , وشدة ارتباط شعبه الأبي بدينه , ورغبته العارمة فى التمسك بأهدابه والخضوع لأحكامه , وتابعنا مسيرته الجهادية منذ الاحتلال الفرنسي لأراضيه فى سنة 1830, إلى نهوض الحركة الإسلامية الجديدة فى نهاية الثمانينات من هذا القرن وبعبارة أخري منذ الأمير عبد القادر الجزائري إلى الشيخ عباسي مدني ومحفوظ نحناح وعلى بلحاج وعبد الله جاب الله وإخوانهم .

وأردنا من ذلك أن يعرف الأخ المسلم فى مصر – وفى غيرها من بلادنا الإسلامية – أخاه المسلم فى الجزائر وما يعانيه من محن , وما يواجهه من ابتلاءات فى سبيل دعوته ورفع لواء الإسلام وإعلان حكم القرآن وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول :" المسلم للمسلم كالبينان يشد بعضه بعضا ".

وأردنا أيضا أن نستخلص الدروس والعبر مما جري للحركة الإسلامية الجزائرية فى أول تجربة للتغيير والإصلاح عبر صناديق الاقتراع والاختيار الحر للجماهير المسلمة التي خضعت لأنظمة حكم ديكتاتورية منذ استقلالها بعد أن خضعت للتسلط الأجنبي المستبد طوال عهود الاستعمار ( أو بالأحرى: الاستخراب).

ولعل أهم الدروس والعبر التي نخرج بها هي كما يلي :

أولا: أن النظم الحاكم فى بلادنا العربية والإسلامية لن تتخلي عن السلطة التي تمرست فيها طويلا استمر أتها كثيرا – بسهولة ويسر , وإن كانت جميعها ترفع شعارات الديمقراطية وتتغني بها ليلا ونهارا, إلا أنها لن تتورع عن استخدام ما لديها من أساليب القمع والبطش المتطورة, وهذا ما حدث فى الجزائر رغم تعارضه مع أبسط قواعد الممارسة الديمقراطية القائمة جميعها على أساس التداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات الحرة.

ثانيا: أن عدم إيمان الأنظمة الحاكمة بأساليب التغيير والتحول السلمي – التي تسمي ديمقراطية – لا يعني أن تكفر بها الحركة الإسلامية بل العكس هو الصحيح , إذ لن تستطيع تلك الأنظمة البقاء طويلا معتمدة على القوة المادية وحدها دون أن تدعمها شرعية حقيقية مستمدة من إرادة شعوبها وتلك الإرادة هى الرصيد الذى لا ينفد ويجب على الحركة الإسلامية أن تحصل منه على أكبر قدر ممكن من خلال التحامها بالجماهير ومشاركتها فى همومها ومشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية.

ثالثا : أن الخطاب السياسي الإسلامي يجب ان يكون متماسكا ومتجاوبا مع القضايا التي يعاني منها الناس ويجب أيضا وهذا هو الأهم ألا يكون غامضا بخصوص القضايا الأساسية فالغموض يتم استخدامه لضرب الحركة وتعويق مسارها وهذا أيضا حدث فى الجزائر حيث عاني الخطاب السياسي لجبهة الإسلامية للإنقاذ قبل الانتخابات التي لم تكتمل من تلك الصفة فكان هناك من يعلن الكفر بالديمقراطية وآخر يعلن القبول بها وهكذا فى عدة قضايا أخري حساسة وجوهرية .

رابعا: الحذر من أن تتخذ لعبة الديمقراطية – فى ظل تسلط النظم الحاكمة – وسيلة للإيقاع بالحركة الإسلامية وتشتيت أبنائها وتفكيك أوصالها وإهدار إمكانياتها.

خامسا : التمسك بمبدأ الحوار مع جميع الأطراف , والدعوة إلى مقارعة الحجة بالحجة واستئناس السلطة عبر الحوار السلمي بهدف تكتيل كل القوي لمصلحة البلاد وتحقيق الاستقلال الحضاري الشامل.

سادسا: ضرورة المحافظة على صيغة التنوع والتعدد فى إطار الوحدة العامة التي تجمع كل جماعات العمل الإسلامي فهذه الصيغة لها فوائد كثيرة ولا غني عنها .

سابعا : إدراك أن الكفر ملة واحدة ففي ساعات الشدة تلتقي كل القوي المعادية للإسلام فى معسكر واحد . فلا أقل من أن تعلو روابط الأخوة الإسلامية بين مختلف الجماعات فوق كل الاعتبارات الأخري .

ثامنا: أن من يحكم المسجد يستطيع أن يحكم الدولة أو على الأقل يكون مهيئا فى مجتمع عقيدته الإسلام .

تاسعا : أن ضعف القوي السياسية غير الإسلامية , هو الذي يفتح الطريق أمام الجيوش للتدخل فى السياسة فلو كانت هناك أحزاب سياسية ذات شأن توازن قوة الجبهة الإسلامية للإنقاذ لما استطاع الجيش أن يتدخل ويجهض عملية التحول السلمي للسلطة انتقالها من صيغة الحزب الواحد إلى صيغة أكثر انفتاحا وتعددا .

عاشرا : أن النصر مع الصبر ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ولله عاقبة الأمور.

ملف وثائقي تاريخي عن الحركة الإسلامية فى الجزائر

يتضمن هذا الملف مجموعة من الوثائق التاريخية والفكرية والسياسية التي تعبر عن أهم مراحل تطور الحركة الإسلامية فى الجزائر . وقد حرصنا على التركيز على وثائق الحركة الراهنة وخاصة برامجها السياسية التي توضح لرؤاها الإصلاحية واجتهاداتها الفكرية لمعالجة قضايا الواقع ومشاكله المعقدة كخطوة لازمة لبناء صرح النهضة الإسلامية الشاملة وتأسيس" الدولة الإسلامية المعاصرة ".

ويشتمل هذا الملف على الآتي :

1- البرنامج السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ .

2- البرنامج السياسيى لحركة المجتمع الإسلامي ( حماس).

3- لبرنامج السياسي لحركة النهضة الإسلامية .

4- رسالة الشيخ عبد الله جاب الله رئيس النهضة الإسلامية إلى رئيس الجمهورية الجزائرية فى نوفمبر 1988.

5- وثيقة دعوة جمعية العلماء لمسلمين الجزائريين وأصولها للشيخ عبد الحميد ابن باديس.

6- رسالة الأمير عبد القادر الجزائري إلى علماء مصر وجواب الشيخ عليش مفتي المالكية بالديار المصرية عليها.

البرنامج السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ

نص البرنامج السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله , نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له ,ومن يضلل فلا هادي له, واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الذي تساءلون به والأرحام, إن الله كان عليكم رقيبا)

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا, يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)

بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار.

مدخل

من أهم خصائص العمل الإسلامي الهادف الجدية فهو منضبط شرعا وعقلا ومصلحة وواقعا مراعاته للفطرة البشرية التي يتعامل معها وحتي لا نقع فى الضلال والزيغ والشطط فى الإفراط والتفريط عولجت المحاور الرئيسية للعمل السياسية لجبهة الإسلامية للإنقاذ على أساس الضوابط التالية :

1- الالتزام بالمشروع الإسلامي ومنهجه فى العدل والكفاية والشمول حتي يتسنى لنا معالجة جميع القضايا المطروحة وعلى اختلاف أهميتها لقوله تعالي ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون).

2- توظيف العلم ومعارفه واستخدام منهجيته فى ضبط المسائل وتحديد المشكلات وتحليلها وكسف الحلول لها وطرق إنجازها واستخدام التقنيات وفنياتها لتتوفر لدي المحاور شروط الخبرة والكفاءة من حيث هي شروط لازمة لكل عمل قويم صالح هادف وكل هذا تحقيقا لقوله تعالي : ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) وقوله تعالي : ( وقل ربي زدني علما)


3- ضرورة إعادة الاعتبار إلى الشعب الجزائري المسلم التائق للمعالي الراغب فى الخروج من ورطة الاستعمار للتخلص من التخلف بكل أشكاله بفضل إيمانه وقوة قناعته بإسلامه وثقته فى ربه عزوجل ذلك الذي يساعده على القفز خارج دائرة التبعية وأشكال الاستعمار الحديث فلا تكون المحاور إلا مجالات لإرادته ومهدا لعبقريته ومحكا لتجربته وإستمرار لرسالته.

وحتي لا تثبط عزيمته ان تنبسط المراحل ضبطا منهجيا مراعيا نفسية الشعب كي يستعيد ثقته بنفسه فى أشواط تاريخية تحدد مراحلها حسب شروط أو حيثيات القدرة والواقعية والفعالية وباختصار إننا ننطلق بعون الله وحده من احترام مشاعر شعبنا وطموحاته.

4- حفاظا على مشروعنا السياسي من أن يبقي حبرا على ورق لابد من استحضار الشروط المنهجية لتطبيق النماذج أو البدائل والحلول باعتبارها خطة عملية سياسية تبقي حافزا لعمل الجبهة الإسلامية للإنقاذ باعتباره عملا سياسيا واعيا وجهدا للإرادة الكلية للشعب الجزائري عبر أجياله إلى أن يتحقق المراد بعون الله وتوفيقه .

إن الجبهة الإسلامية للإنقاذ من خصائص منهجيتها أنها تعمل لا فى معزل عن الشعب بل تنطلق دوما من مبدأ العمل معه فى كل خطوة إجرائية تاريخية فتكون المنجزات ثمرة لجهده وجهاده وهو منهج الصحابة رضي الله عنهم عندما قالوا .. لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ولا يتخلف منا أحد.

5- التزاما من الجبهة الإسلامية للإنقاذ بروابطها السابقة تحدد علاقتها ومواقفها بكل ما بالساحة من الهيئات والجمعيات والمؤسسات فى ضوء الوضوح المنهجي لرؤياها العقائدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية فى النطاق الإسلامي الشامل والمصالح الكبري للشعب الجزائري وثوابته, وذلك حسما للمواقف الارتجالية ومنعا للتصرفات الشخصية وتلافيا للمواقف الفاقدة للوعي السياسي المطلوب والالتزام بالمنهجية والشريعة من ضوابط الجبهة .

بناء على ذلك يتم ضمان العدل والاعتدال والدقة والشمول لمحاور العمل السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ حسب الترتيب التالي :

الإطار العقائدي

إن الشعب الجزائري شعب مسلم عريق فى إسلامه ويمثل رسالته التاريخية الحضارية وبناء على ذلك فإن الإسلام هو النطاق العقائدي والضابط الأيديولوجي للعمل السياسي فى جميع مجالات الحياة . وإذا كانت الأزمة التي تحتاج العالم وتهز الحضارة الغربية من أقوي الأدلة على القصور الأيديولوجي الذي آلت إليه النظم والأم فإن الإسلام هو النطاق العقائدي الأقوم للمشروع السياسي الذي يقوي على مواجهة الأزمة لقوله تعالي: ( ومن أحسن دينا من أسلم وجهه لله وهو محسن ) وقوله تعالى ( إن الدين عن الله الإسلام ) ( ومن يبتغي غير الإسلام دسنا فلن يقبل منها وهو فى الآخرة من الخاسرين ) وقوله تعالي ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وقوله تعالي وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ).

المحور السياسي

السياسة فى مفهوم الجبهة الإسلامية للإنقاذ هي السياسة الشرعية والتي تتمثل فى حكمة التدبير وجودة التنسيق وأحكام التوقع ومرونة الحوار للوصول إلى الحق والحقيقة وعدل الإلزام واعتدال فى المواقف بمنهج الصدق لأنها تقوم على الإقناع بدلا من القهر ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) وقوله تعالي( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وقوله تعالي ( ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين) وتلتزم الشوري تفاديا للاستبداد لقوله تعالي ( وأمرهم شوري بينهم ) وقوله تعالي ( وشاروهم فى الأمر ) ولتجاوز تناقضات سياسة الأيدلوجيات المستوردة يعمل البرنامج السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ على تحقيق ما يلي:


أولا: القضاء على الاستبداد بتبني الشوري ولإزالة الاحتكار السياسي والاقتصادي والاجتماعي بتبني المساواة ومبدأ تكافؤ السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولتفادي قمع الحريات العامة تعمل الجبهة على إفساح مجالها للعبقرية والإرادة الكلية للأمة و وفى جميع مجالات الحياة وإكفالها للناس على السواء للتخلص من سياسة الحرمان تعمل على وضع معايير للمسئوليات وضمان الأمانة وأداء المهام فى تشجيع روح العمل الجماعي والقضاء على الأنانية والمحسوبية والنزاعات الفردانية وكي لا تقع الجبهة فى ذلك تضمن حرية التعبير وتشجع على النقد الذاتي وتحدد طرق المحاسبة الإدارية والسياسية والاقتصادية فى كل المؤسسات والنظم وتوعية الشعب وإشعاره بالمسئولية حيال ذلك وتحيي الحسبة الإسلامية وتطبق مبدأ من أين لك هذا فى حدود الشرع.

ثانيا: ولتحقيق ذلك يصير لزاما أو مطلوبا من الجبهة الإسلامية للإنقاذ العمل على تصحيح النظام السياسي ابتداء من الميادين التالية:

أ‌- جعل التشريعات السياسية لأحكام الشريعة لقوله تعالي ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله) وقوله تعالي ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يؤمنون) مع مراعاة مستجدات مرحلة التعددية الحزبية ليساهم كل طرف بحقه فى الإصلاح ابتداء من المجلس الوطني وسائر الولائية والبلدية حتي يصبح جميعها قائما على الشريعة التي يتبناها الشعب الجزائري المسلم من خلال قناعتها.

ب‌- إصلاح الجهاز التنفيذى فى الرئاسة والوزارة والولاية والدائرة والبلدية.


ت‌- إصلاح المنظومة العسكرية قصد الرقي بها إلى حماية البلاد والعباد من أى خطر يمس بالسيادة أو الحريات والحقوق والواجبات ومصالح الأمة الكبري.

ث‌- إصلاح السياسة المنية حتي تخلو من كل قهر أو تعسف وتؤمم لمصلحة الأمة فى ضوء رسالتها وفى نطاق حرياتها التي أقرها الشرع وتحديد مهام كل المصالح والمؤسسات لضمان العدل والاستقرار والسلام .


ج‌- إصلاح المنظومة الإعلامية فتوظف المؤسسات بما تقتضيه رسالتها الثقافية والتربوية وشروط نهضتها الحضارية بوعي سياسي ثقافي حضاري يجنب البلاد التبعية الثقافية ويحفظها ممن الغزو الثقافي الذي ما زالت هدفا له .

ح‌- إصلاح المنظومة الاقتصادية توزيعا وظيفيا وسياسيا واقتصاديا وحضاريا بالإعادة النظر فى سياسة الطاقة والمحروقات وتصدير المعادن وسائر الثروات.


خ‌- إصلاح السياسة التجارية الداخلية والخارجية لوضع حد للاحتكار والربا والرشوة والتبذير والضياع .

د‌- إصلاح المنظومة الإدارية لتسيير المهام وضمان سير المصالح وكفالة الحقوق وإزالة عقبة البيروقراطية كما قال.


ذ‌- إعادة النظر فى السياسة الزراعية بكفالة الدعم الفلاحي وضمان العلاقة الوظيفية بينها وبين الصناعة التحويلية لضمان الاكتفاء الذاتي والتصدير المناسبين لكل من السوق الداخلية والخارجية .

ر‌- إصلاح المنظومة التربوية لوضع حد للفاقد التربوي واستيعاب جميع الأعمار وكفالة حقهم فى الحد الأعلي من جودة التحصيل أو التوعية التربوية التى يطمحون إليها لتجعلهم بحق ورثة حضارة ومساهمين فى حمل الرسالة وعاملين على الاستمرارية نحو الأفضل.


وهكذا بإصلاح جميع النظم وهياكلها ومؤسساتها يتم الإصلاح الشامل النظام السياسي فى نطاق الحل الذي يمثل سياسة التغيير كما تحدده الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

ز‌- إصلاح المنظومة القضائية بإعادة الاعتبار إلى استقلالية القضاء وحصانة القاضي كما حددته الشريعة الإسلامية لتوفير مناخ العدل الرباني الذي لا تشوبه شائبة الظلم ولا تشينه شائنة الجور من حيث أن العدل هو أساس السياسة الشرعية ومبرر الحكم وغاية النظام السياسى.

س‌- ضمانا لحرية الأمة وحق التعبير عن إرادتها بأصح الطرق وأسلمها شرعا وشرعية يعاد النظر فى قانون الانتخابات فلا توكل لغير الراشد كالسفيه والصغير وفاقد العدالة الشرعية ولا يجبر أحد على الانتخابات سواء فى خدمة عسكرية أو فى وظيفة أمنية أو إدارية أو غيرها فينتخب جميع الناس بمحض الحرية. وتحفظ الصناديق بالطرق الشرعية القضائية ولا توضع إلا أمام شهود عدول يجمع الناس على أمانتهم وتنظم طرق عد الأصوات وجمعها ونقلها إلى الرأي العام الوطني والعالمي مما يضمن شرعيتها ولا يترك سبيلا إلى الشك فى صحتها وعدم تزييفها بحال من الأحوال وحضور مراقبين ممثلين للهيئات المعنية مع حق الطعن بواسطة القضاء .

بالإضافة إلى تحديد طرق الترشيح العادل المتمثل للأمة والمناسب للتعبير عن المشاركة الفعالة فى تسيير أمور البلاد بإخراج الممثلين الشرعيين فى مختلف المجالس والهيئات التشريعية والتنفيذية والسياسية وغيرها .

منظور السياسة الاقتصادية

تقوم السياسة الاقتصادية للجبهة الإسلامية للإنقاذ على مفهوم بمقتضاه ضمان التجاوب بين الحاجات الاستهلاكية الضرورية وشروط الانتاج والتكامل بين النوعية والكمية ومراعاة نمو الحاجة إليهما فى ضوء النمو السكاني والتطور الحضاري والعمل على تحقيق الاستقلال الاقتصادي..بالإضافة إلى التوازن بين الصادرات والواردات لحماية البلاد من التضخم والمديونية اللتين أمستا تشكلان أخطر التناقضات التي تواجهنا أمام العمل الجاد من أجل تحقيق العيش الكريم ووضع حد للتبعية الاقتصادية والسياسية والحضارية ولما تعرضت البلاد لفترة طويلة من النهب لثرواتها لمدة قرن وربع من الاستعمار كما تعرضت للضياع فى فترة النظم السابقة التي أوقعت البلاد فى أزمة اقتصادية تعذر فيها التوازن بين الاستهلاك والإنتاج حتي فى أكثر الأمور ضرورة كالدواء والسكن فزاد الاستهلال وقل الإنتاج وزادت الحاجة إلى استيراد المواد الاستهلاكية والإمعان فى التبعية الاقتصادية .

ولنعرض البلاد إلى سياسة خنق الحريات والقضاء على روح المبادرة بدعوي التخطيط وتأخر الخطط الإنمائية وتخلف المنظومة التربوية تعرضت لفاقد همش الطاقات البشرية ولانخفاض مستوي التحصيل وسذاجة الخبرات وتعطيل المشاريع الانتاجية ومنع المؤسسات الصناعية الصغري فقلت وظائف الشغل وكثرت البطالة ونمت العطالة مما زاد التضخم استفحالا , والتناقضات الاقتصادية تفاقما وجعل النظام الحالي يفقد القدرة على السيطرة على أوضاع اقتصاد متدهور إن سياسة التصنيع التي انطلقت من المركبات الصناعية الكبري والمصنع التي تعتمد على مواد أولية واصطناعية مستوردة , وخبرات عالية مستعارة, وإنتاج غير كاف فى جودته وفى وفرته جعل هذه السياسة تؤول بالبلاد إلى إفلاس اقتصادي خطير فإذا لم تكن الصناعة مبنية على الاكتفاء الذاتي سواء فى التشغيل أو الاستهلاك أو التصنيع فإن هذه الصناعة لن تزيدنا إلا فقرا وإمعانا فى التبعية وهو ما جعل الصناعة عندنا عالة على الاقتصاد بعدما كان مبررها كفاية البلاد وتشغيل الطاقات من الشباب والخبرات ... بالإضافة إلى ما سبق سوء التسيير وضياع التسويق .

إن الاستثمار من أهم الوسائل العملية لتطبيق الخطة السياسية الإنمائية الشاملة خاصة فى شعب يعيش طفرة سكانية جعلت ثلثي السكان شبابا – اقل من ثلاثين سنة – فإذا لك تكن السياسة المستقبلية لإعداد شروط الاستقبال فى مختلف مستويات مناصب التشغيل والوظائف يصبح الأمر من الخطورة ما يجعل اجيال الأمة تخشي من المستقبل الذي يتهددها بالبطالة والفقر المفضيين إلى الهامشية الحضارية .

لهذه الأسباب كلها تلخص السياسة الاقتصادية فى المحاور التالية :

1- وضع سياسة رشيدة للزراعة.

2- إعادة النظر فى سياسة التصنيع الحالية كي تصبح مردودية مناسبة للمطلوب .


3- إعادة النظر فى التجارة وهياكلها وسياستها الاستهلاكية ونظام التسويق ووسائل التوزيع إلى غير ذلك.

4- إعادة النظر فى السياسة المالية والنقدية لضمان القرار السياسى سواء بالداخل أو فى الخارج .


5- إن الجبهة الإسلامية للإنقاذ وهي تنطلق من منطلق إسلامي لإنقاذ الإنسان والحضارة تعتبر الاقتصاد سواء فى إنتاجه أو استهلاكه وسواء فى استثماره الاستهلاكي أو الحضاري الأشمل ما هى إلا عامل من عوامل خدمة الإنسان والرقي به إلى ما يطمح إليه من سعادة فى الدارين ومكانة وظيفية تاريخية وحضارية من هذا المنطلق العقائدي والأيديولوجي الاقتصادي تعالج المحاور التالية فى نموذج اقتصادي إسلامي فى جميع مجالات الحياة كالزراعة والصناعة والتجارة والسياسة المالية والخطة والإنمائية الشاملة .

الزراعة

6- الزراعة من أهم موارد البلاد , وذلك لما منحها الله من سعة فى المساحة واعتدال فى المناخ وتنوع فى التضاريس.. بالإضافة إلى أن الجزائري بطبعه مرتبط بأرضه ارتباطا نفسيا وعضويا جعله من أنجح الفلاحين إنتاجا نوعا وكما مما در على البلاد أرزاقا طائلة جعلها تعرف بالتصدير لأشهر الأسواق العالمية استهلاكا هذا بالنسبة لما تم إصلاحه واستغلاله فى الشريط الشمالي وفي عمق الهضاب العليا من الأراضي الخصبة أم الهضاب العليا والأراضي الصحراوية الصالحة للزراعة التي لم تستصلح بعد لافتقارها إلى سياسة واعية للري جعل البلاد لا تستغل كميات المطار التي أدرها الله على البلاد , مما جعل المياه الجوفية لم تستخرج والأدوية والأنهار تهدر فتكب فى الشطوط فى عمق الصحراء وفى البحر من الناحية الشمالية.

إن السياسة الزراعية التى أخلت الأراضي من فلاحيها وضيعت الوقت على الأمة والبلاد بعدم إنجاز السدود وتحويل الثروة المالية إلى الأراضي التي تطلبها ورط البلاد فى تخلف زراعي لم تعرفه فى تاريخها القديم والحديث.

إن المعطيات الطبيعية المذكورة آنفا تتوقف ثروتها على سياسة رشيدة تعد المشاريع الكبري لأحسن استفادة بالمياه وأجود استغلال للأراضي وذلك بإصلاحها حسب الطرق العلمية والقتنيات ذات الكفاءات والفاعليات التي قد تجعل الصحراء ترتوي بأمطار الشمال وتجعل أسواق الشمال تغني بغلال الصحراء فإذا تكاملت الطبيعة فى تنوعها كيف لا تتكامل السياسة فى إنتاجها وفق الحاجات الاستهلاكية والأسواق العالمية فعندما توفر الجودة للمنتوج الزراعي تقوي الخطوط للتفوق فى الأسواق العالمية للمنتوج الزراعي. وتتلخص الجهود السياسية الزراعية للجبهة الإسلامية للإنقاذ فى الإجراءات التالية بعون الله وتوفيقه :

أ‌- تصاغ السياسة الزراعية فى السياسة الشرعية العادلة لوضع حد لأخذ الأرض غصبا من أصحابها وعملية توزيعها بالطرق الإقطاعية لقوله عليه الصلاة والسلام :" من ظلم شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أراضين" رواه البخاري ومسلم عن عائشة.

ب‌- جدية استصلاح الأراضي بالطرق الفنية التكنولوجية وتوزيعها على ذوي الاستحقاق بشرعية خالية من المحسوبية والخطوة وسائر حالات التعسف والظلم أى أن يكون توزيع الأراضي عادلا وفق المعايير التى تحدد بعد فى نطاق الشرع.


ت‌- العناية بتربية المواشي حيث تستغني البلاد فى أقرب وقت ممكن عن استيراد اللحوم والألبان ومشتقاتها .

ث‌- إعادة النظر فى سياسة التوزيع والتسويق فى الداخل والخارج.

ج‌- تدعيم الزراعية والصناعة التحويلية وتشجيع المركبات الإنتاجية الصغري والمتوسطة حسب حاجات الزراعية كي لا يتعرض منتوجها إلى إتلاف .

ح‌- إنشاء المخازن الكبري لخزن المنتوجات الزراعية إحتياطيا وحسبا لأزمات والحروب والعاهات .

خ‌- وضع خطة زراعية ضامنة للمصالح حتي لا تكون الحاجات الآجلة على حساب العاجلة او العكس.

إن السياسة التي لا تأخذ بعين الاعتبار سنين القحط فى سنين الرخاء سياسة عمياء ليس لها من الحكم شئ قال الله تعالي ( تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه فى سنبله إلا قليلا مما تأكلون)

د‌- إنشاء مراكز للبحوث العلمية الزراعية فى مزارع نموذجية لتطوير علم الزراعة وتقنياتها.

ذ‌- إرجاع ثقة الجزائري بنفسه ومساعده له على رفع مستواه فى الخبرة تصلح المؤسسات التربوية الزراعية وفق حاجات البلاد إلى أرقي الخبرات التقنية والزراعية وفى حالة ما إذا كانت وسائل الاستقبال غير كافية تدعم وتثري وتساند بما يكون محققا للمراد.

ر‌- وضع خطة صناعية لتطوير العتاد الزراعي حتي تكون الزراعة فى بلادنا فى مستوي التطور السلمي والتكنولوجي للبلدان التي تنافسنا فى الأسواق العالمية باعتبار أن نوعية الإنتاج مرتبطة بنوعية التقنية ومستوي تفوقها مع ضرورة تلبية الحاجات الوطنية المحلية بدلا من تسويقها فى الخارج فلا تكون التجارة على حساب الزراعة .

هذا وإن الجبهة الإسلامية للإنقاذ إذ تحدد العوامل الأساسية المؤثرة فى الميدان الزراعي سلبا أو إيجابا فذلكم فقط فى مجال عالم الأسباب وهي تدرك أن توبة الشعب الجزائري والتي تجسدها هذه الروح التي انطلقت من أعماق ضميره فى شوق إلى العودة للإسلام فغن الله سبحانه وتعالي قادر بذلك أن يدر علينا خيراته وأنعمه وأفضاله لقوله تعالي ( ولو أن أهل القري آمنوا واتقوا لفحتنا عليهم بركات من السماء والأرض) وقوله تعالي( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الله هو الرزاق ذو القوة المتين) على أن ذلك لا يبرر الاتكالية وعدم الجد فى توفير الأسباب لقوله عليه الصلاة والسلام " اعقلها وتوكل ".

الصناعة

فى بلد يطمح شعبه إلى وضع حد للتبعية ويأمره دينه بإعداد العدة من القوة المطلوبة على مستوي الفعالية الحضارية لقوله تعالي( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) تعتبر الصناعة من الشروط الضرورية للنهضة الحضارية.

غير أن الصناعة فى منظور الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أهميتها لا تكون على حساب الزراعة كما حصل بالماضي بل بالعكس تعمل على مساندتها والتكامل معها ولا تكون على حساب الإنسان المسلم فى قيمته وقيمة نفسيته ومكانته كالذي يحدث فى البلدان الرأسمالية فى أمريكا وغيرها, أو الذي يحدث فى البلدان الشيوعية كروسيا ومن على شاكلتها , إنما هي صناعة للإنسان الصانع لذاتيه حضارية كونية ذات فعالية سواء أكانت للمجالات السلمية أو للضروريات العسكرية لحماية حمي أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله وحماية الحق والحريات فى العالم .

وتتلخص السياسة الصناعية فى المحاور التالية :

1- جعل الصناعة في الجزائر تتكامل فيها قوي الإنتاج الصناعية وغيرها .

2- لمواجهة مشكلات البطالة ضرورة الإكثار من مناصب الشغل عن طريق تشجيع المعامل الصغري والمتوسطة على أن توظف هذه المراكز فى ضوء حاجات البلاد الاستهلاكية إلى حد الكفاية دون أن تفتقر إلى المواد الأولية الأجنبية ’التي تتعارض مع مبدأ الاستقلالية الاقتصادية أو بمعني آخر تكوين صناعة متكاملة فى إنتاجها وتصنيعها على أن تكون على حساب النوعية .


3- تشجيع التنوع الوظيفي للهياكل الصناعية والمؤسسات لجعل الصناعة عندنا قادرة على الاكتفاء الذاتي فيشغل بعضها بعضا فى سلسلة محكمة حلقاتها منسقة وظائفها متوازنة إنتاجيتها متجاوبة أدواتها بالقدر الذى يكفي البلاد مؤونة الحاجة إلى الخارج .

4- إنماء الخبرات التكنولوجية برفع مستويات المؤسسات التربوية الصناعية من معاهد وجامعات ومراكز بحوث حتي تلبي حاجة البلاد إلى النهضة الصناعية .


5- مراعاة حاجة ثروات البلاد الطبيعية إلى صناعة مصنعة متكيفة مع مستجدات التطور الصناعي والتكنولوجي الذي تشهده الحضارة على مستوي السياق سواء فى التسلح أو في التسويق أو فى الاستهلاك .

6- إنشاء معامل نموذجية للبحوث العلمية والتكنولوجية تعمل على إعداد ذوي الكفاءات العليا والعبقريات المتفوقة من العلماء والتقنيين وذوي التخصصات الدقيقة سواء فى العلم أو في التكنولوجيا خاصة فى علوم الصناعة أو مالها علاقة بها كالفيزياء والرياضيات والكيمياء,ومختلف أشكال الهندسات المعمارية والفضائية وتشجيع الذكاء والعبقرية والميول والقدرات على التفوق والإبداع .


7- وإذا كان تسيير المؤسسات من أهم عوامل ازدهار الصناعة فإن منهجيته الإسلامية تقضي بأن تسوده روح الجماعة عن طريق الشوري والاحترام المتبادل والشعور بالمسئولية من طرف جميع العاملين فى المؤسسة وفقا لقوله عليه الصلاة والسلام :" كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".

8- ضرورة إعادة الاعتبار إلى العامل ومراعاة نفسيته وكفالة حقوقه وتوفير الشروط النفسية والصحية والاجتماعية والأمنية والنقل والترقية والتعويضات والتشجيعات والسكن وسائر متطلبات الحياة الكريمة لقوله عليه السلام " اعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه " وكذلك قوله : من أمسي كالا من عمله أمسي مغفورا له ".


9- إعادة النظر فى سياسة الجمارك فى ضوء تحقيق وحدة المغرب العربي وتشجيع إنشاء سوق عربية وإسلامية مشتركة للخروج من الحصار الجمركي التقليدي الذي صار عائقا لضرورة التبادل الوظيفي للمنتوج الزراعي والصناعي , وتبادل المصالح وتكامل الثروات والإمكانيات والطاقات البشرية والطبيعية على مستوي أوسع عبر البلاد الإسلامية وللتخلص من المضايقات التي تفرضها علينا الدول المنتجة الثرية كالذي حدث لليبيا بسبب الموقف الأمريكي والذي حدث لقبرص التركية وللبترول الإيراني وهو ما يثبت ضرورة التكامل الاقتصادي سواء فى الإنتاج أو فى الاستهلاك على مستوي أوسع مغاربي وعربي وإسلامي دون أن نغفل التفتح على جيراننا الأفارقة لتعميق سياسة الوحدة الإفريقية.

10- إنشاء مؤسسات إدارية ذات الاعتمادات المالية لرعاية المبادرات الصناعية للبحث والاكتشاف والتجديد والتطوير فى مختلف ميادين الصناعة والتكنولوجيا مع تسهيل لتعامل سواء فى الداخل أو فى الخارج وذلك برفع الحواجز الجمركية أمام هذه المبادرات وتخفيف أو إعفاء المشاريع من هذا النوع من الضرائب غير المباشرة .

11- إعادة النظر فى سياسة الملكية العامة للحفاظ عليها من الوقوع فى يد الأجنبي أو ذوي الخطوة لقوله تعالي فى شأن المال ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)

12- وضع معايير تحدد مجالات تدخل الدولة فى الملكية الصناعية وحماية مبادرات القطاع الخاص على أن لا يحول هذا الأخير إلى محتكر أو يتعدي حدود المصلحة العامة فيصير طفيليا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.


13- وضع معايير لحماية الجودة وحق المستهلك.

هذا وإن الجبهة الإسلامية للإنقاذ على ضوء هذه السياسة ستعمل دوما بعون الله وتوفيقه على مراقبة وتجديد هذه السياسة وفق المستجدات ومطالب الصيرورة الانتاجية والاستهلاكية لمعرفة مدي ما تحقق من الأهداف والمقاصد والحاجات ضمن سياستها الإسلامية الشرعية الشاملة حتي تكون الصناعة متجاوبة مع غيرها من المحاور المكونة للبرنامج السياسي المتكامل واكتشاف المعوقات والموانع التي تظهر فى الميدان عند التطبيق قصد معالجتها وتحقيق الخطة الإنمائية الشاملة فى أوانها ومكانها بالدقة العلمية السياسية الشرعية التي تنهجها الجبهة .

التجارة

التجارة كما تتصورها الجبهة الإسلامية للإنقاذ هي شرايين الاقتصاد فيها يوظف الإنتاج وعن طريقها توجه الثروات وبواسطتها تتكامل المصالح وبفضلها يكون التوازن المفضي إلى تحديث القيم المادية فى نطاق الشريعة الإسلامية والمصالح المتبادلة فلا تكون مصلحة المنتج على حساب المستهلك كما لا يكون العكس ويكون ربح البائع على الزبون ولا يصح العكس أيضا لقوله تعالي( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) ولقوله عليه الصلاة والسلام :" لا ضرر ولا ضرار " لتحقيق هذه المقاصد تنضبط التجارة حسب سياسة الجبهة الإسلامية للإنقاذ وفق الطرق التالية :


أولا : إصلاح المنظومة التجارية بإزالة الإحتكار والربا والوسطاء وجميع أشكال الطفيليات الاقتصادية كالغش وإخسار الميزان وبيع الغرر ... لقوله الصلاة والسلام" من غشنا فليس منا".

ثانيا: إعادة تنظيم التوزيع والعمل على تحقيق لا مركزية المؤسسات.

ثالثا: تغيير سياسة التسويق لتحقيق اللامركزية وإزالة السوق السوداء وتشجيع التنافس والوفرة, وتسير أو توفير حاجات الطلب الضرورية وإعطاء الأولوية للسوق الداخلية عن الأسواق الخارجية فى توزيع المنتجات الوطنية .

رابعا: إعادة النظر فى سياسة التسعير لمقاومة الغلاء والتضخم وفقا للقاعدة – لا ضرر ولا ضرار.

خامسا: التوفيق بين البيع والشراء . ويتم حسب ما تنص عليه الشريعة الإسلامية لضمان المصالح وصيانة القيم .

سادسا: إعادة الاعتبار إلى نظام المساهمة وتشجيع ظهور الشركات التجارية الحرة لتنشيط الاقتصاد وتيسير طرق التوزيع وتحقيق الوفرة .

سابعا: إعادة الاعتبار إلى الضوابط الشرعية والمنهجية الفقية فى إبرام العقود التجارية وتنظيم الشركات وضبط المعاملات فى كل مستويات الحفاظ على المصالح وتأمين الحقوق المبررة للواجبات .

ثامنا: إيجاد المؤسسات الإعلامية الاقتصادية والتجارية لمساعدة التجار والمنتجين والمستهلكين على التعرف على البضائع والمواد الاستهلاكية ومركز توزيعها وطرق الحصول عليها قصد تسهيل التبادل التجاري بين المستهلك والمنتج حتي يجد كل إنسان حاجته على قدر مستواه وكفايته .

تاسعا: وضع جهاز استقبال إداري تقني اقتصادي للإشراف على هذه المؤسسات.

عاشرا : وضع سياسة التجارة الخارجية بناء على متطلبات استقلالية الاقتصاد وحمايته بالشروط التالية .

أ‌- ضبط التعامل التجاري الخارجي وفق الحاجة والوفرة فى الداخل حتي لا يكون التسويق الخارجي على حساب السوق الداخلية أو المنتج أو المستهلك .

ب‌- منع احتكار التجارة إلا فى حالات استثنائية تكون الدولة ملزمة بذلك لضمان المصالح الكبري السياسية والاقتصادية وغيرها .

ت‌- ضرورة مراعاة التدرج فى تحقيق حرية التبادل التجاري للمحافظة على الميزان الاقتصادي الضروري الذي يكون بين حجم الصادرات والمستوردات وأن تعطي الأولوية فى المراحل المبكرة من هذه السياسة إلى المواد المصنعة والضرورية صحيا ومعرفيا لفك الحصار عن عبقرية الأمة وإداراتها للمساهمة فى الحظوظ الحضارية والجهود الرسالية لتؤدي مهمتها حيال الإنسانية والعمل على إقرار السلم بالمفهوم الإسلامي والعدل ومناصرة الشعوب الضعيفة والأمم المتضررة من السياسة الاستعمارية والتخفيف من وطأة التخلف والفقر والجوع والمرض والجهل والضلال وإن استلزم ذلكم سياسة التحالف.

ث‌- ويخضع ميزان الصادرات والواردات إلى معيار الخطة الإنمائية الحضارية البعيدة المدن كي لا تحول المواد الأولية الصناعية الحضارية كالطاقة والمعادن إلى مواد استهلاكية آنية مما يجعل سياسة الجبهة الإسلامية للإنقاذ تنصف الأحفاد وتراعي حاجتهم لزمانهم مما يجعل النهضة الاقتصادية والحضارية ذات النفس الطويل عبر الأجيال فى المستقبل .

ج‌- وضع ميزان بين الصادرات والواردات من نفس النوع لحماية المنتوج الوطني مع مراعاة ضمان الجودة وأن يؤدي ذلك إلى دعم الدولة للمنتوج المحلي .

ح‌- ويعتبر المنتوج المصدر للخارج من أهم الميادين التي تتبلور فيها إرادة الشعب الجزائري لفرض وجوده بجهده واجتهاده لكسب الثقة بالجودة مع الاعتدال فى الأسعار حسب مقتضيات السوق العالمية المبنية على التنافس .

خ‌- ضرورة إعادة النظر فى العلاقات مع صندوق النقد الدولي وسائر الهيئات المالية والتجارية المتورطة فى الأزمة الحالية . وإثارة مشكلة المديونية فى ضوء المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تطرحها سياسة الجبهة الإسلامية للإنقاذ .

ومن ثم فالسياسة التجارية للجبهة الإسلامية للإنقاذ تكون مكملة ومتكاملة مع سياستها الزراعية والصناعية فى نطاق اقتصاد محقق للإستقلال والوفرة للإستقلال والوفرة والنماء والتجاوب مع متطلبات النمو الاجتماعي والثقافي والحضاري.

المالية

تشكل السياسة النقدية اخطر العوامل التي تساعد على التحكم المنهجي فى الاقتصاد قصد حماية الثروات من الضياع لضمان النمو والازدهار كمقصدين من مقاصد السياسة الاقتصادية للجبهة الإسلامية حسب الطرق التالية :


أ‌- إعادة النظر فى القيمة النقدية إعطائها قيمتها الحقيقية الموحدة سواء فى الخارج أو الداخل حسب الشروط المالية وحيثيات التبادل التجاري بين الصادرات والواردات مما يشكل الحوافز الحقيقية للإنتاج على أن ذلك يخضع إلى التحديات الشرعية الإسلامية للسياسة النقدية .

ب‌- إعادة النظر فى تسعير العملة داخليا وخارجيا لحماية القدرة الشرائية لدي المواطن فى الداخل والخارج أو تقوية الحافز لجهد المنتج وحماية القيم الاقتصادية ولضمان القرار السياسي سواء فى الداخل أو الخارج تعتمد ميزانية الدولة على المصادر التالية :

1- الثروات الطبيعية.


2- المنتوج الزراعي والصناعي والاعتماد على توفير شروط الاكتفاء الذاتي وعدم الاتكالية على الغير مع ضرورة ضمان العدل .

وبناء على ذلك يعاد النظر فيما يلي :

أ‌- سياسة الضرائب الجمركية.

ب‌- اعتبار الزكاة والأوقاف من الموارد الشرعية للدولة ما التزمت الدولة بالسياسة الشرعية .

ت‌- وفى حالات التأزم الاقتصادي أو الاجتماعي يكون صندوق التكافل الاجتماعي والقرض الشرعي إن الدولة التى تستلف من مواطنيها لعدلها خير من تلك التي تغتصب أموالهم أو تعتمد على أسلوب التضخم أو المديونية الخارجية .

ث‌- تشجيع الجزائريين وسائر المسلمين من ذوي الثروة فى الخارج بما في ذلكم المهاجرون على وضع أموالهم فى صالح تحريك الاقتصاد الوطني ليحقق الكفاية المطلوبة وهي من ضروب الجهاد بالمال وذلك وساء عن طريق القرض أو عن طريق التبرع أو الاستثمار على أن الدولة تلتزم بجميع الضمانات للحفاظ على أرزاق الناس.

ج‌- إعادة النظر فى سياسة البنوك قصد ضمان ثروات الدولة وأرزاق المواطنين المساهمين فى إثراء البلاد عن طريق الاستثمار لضمان حرية القرار السياسي سواء فى الداخل أو في الخارج.

ح‌- إنشاء بنوك إسلامية وصناديق للقرض والتوفير الخالية من الربا بكل أشكاله الضامنة للمصالح العامة على ضمان روح التكافل والتعاون والرقي الاجتماعي والنمو الاقتصادي .

وبناء على ذلك تحدد فى كل سنة ميزانية الدولة حسب الحاجات العاجلة والآجلة , بميزان يضمن التحسس التدريجي والنمو الاقتصادي بالسرعة المطلوبة حسب حيثيات المستجدات السياسية والأحداث التاريخية سواء فى الداخل أو فى الخارج على أن سياسة الميزانية تلتزم بأن تصرف المالية حسب سلم الأولويات الذي يحدد حسب المستجدات باستثناء الزكاة التي تصرف لما حدده الشارع الحكيم لها .

خ‌- تعديل وسيلة الجباية التي صارت فوق مستوي طاقة المواطنين وصارت عاملا من عوامل الغلاء الفاحش والتضخم وسياسة نهب المواطن واغتصاب ماله , باسم القانون والمصلحة العامة وكأن المصلحة العامة فى إضرار المواطن وتكليفه ما لا يطبق فلابد من وضع حد من هذا التعسف لدفع عجلة النماء العادل.

السياسة الاجتماعية

تنطلق السياسة الاجتماعية للجبهة الإسلامية للإنقاذ من مبدأ تكريم الإنسان الذي ورد فى قوله تعالي ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) وذلك بدءا بكفالة الحقوق والحريات التي كفلها الشرع الحكيم المحققة لنموذج خير أمة أخرجت للناس بالتساوي لجميع الناس باعتباره النموذج القائم على التكافل الاجتماعي المانع للصراع الطبقي الطائفي.

ومن ثمة فإن السياسة الاجتماعية للجبهة الإسلامية للإنقاذ تتمحور فى العناصر التالية :

حق الوجود

من أبعاد التكريم للإنسان أن جعل وجوده نعمة واتخذ مهمته مبررا لوجوده فقال تعالي : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطمعون, إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين).

فبرر الله الوجود بالعبادة ولم يبرره بالكسب الذي اعتبرته النظريات الحديثة ابتداء من مالتوس إلى ماركس عالة على الاقتصاد وطفيليا فى الكون .كما أبرز التكريم علاقته بربه أكثر من علاقته بالأكوان التي سخرها له فقال تعالي ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

وإذا كان الإنسان بحكم التكريم هو محور الكون بفضل فعاليته فإن هذه الفعالية ليست بالفعالية الحيوانية التي لا تتجاوز حدود الاستهلاك بل هي فعالية كونية تتجاوز الحاجات الفردية والجماعية الآتية إلى الأبعاد الحضارية من حيث هو – أى الإنسان- يصير صانعا للحضارة وليس أبدا عالة عليها . ولذلك فإن ما رفع من شعارات لتحديد النسل ما هو إلا مس بكرامة الإنسان وهدر لقيمته واستلاب لاستحقاقه للمكانة الأولية فى الكون يقول تعالي ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ) على أن الأمة مطالبة بكفالة الرعاية والعناية لجميع المةاليد بالتساوي فى حظوظها وبعد الحرمان من ذلك مسا بقيمة الوجود.

حق الرعاية والعناية

إن حق الرعاية والعناية فى جميع مراحل النمو من النطفة إلى آخر مراحل الرشد والاكتمال وأرقي مستويات التحصيل مرتبط بقيمة الوجود باعتباره وجودا رساليا تاريخيا ضاريا ومن ثمة فإن الحق فى التربية حق شرعي يتضمن الواجب الذي يخول المسئولية التربوية لكل من الأم والطفل المعني بالتربية ولذلك فيحق وواجب فى آن واحد لقوله تعالي ( اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق) فربط النص الشرعي بين حق الإيجاد وحق التعلم لمضمون الرسالة إشارة إلى أن الرسالة من مبررات الخلق وأن التعلم المحقق لجدارة حمل الرسالة واجب بحكم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ولذلك فإن سياسة الجبهة الإسلامية للإنقاذ تقوم على مبدأ كفالة هذا الحق للجميع بمقتضي مبدأ المساواة فى الإسلام وهو ما يتطلب الشروط الإصلاحية التالية للمنظومة التربوية , ابتداء من السياسة التعليمية السائدة الآن المتورطة فى كل أوضاع الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية .....

السياسة التعليمية

أ‌- أذا كانت السياسة التعليمية جزءا من سياسة الدولة عامة وإذا كانت السياسة التي تنتهجها الجبهة الإسلامية هي السياسة الشرعية فى السياسة التربوية ملزمة بكل ما ألزمتها مقاصد الشريعة الإسلامية من ضرورة كفالة حق التربية لجميع من فى الوطن دون تمييز عنصري أو طائفي أو عرقي أو ديني أو نوعي .

ب‌- اعتبار التربية كما هي للفرد هي حق للأمة بضرورة مراعاة جميع مصالحها .

ت‌- تحدد ميزانية التربية فى نطاق ضمان العدل والتوعية معا.

ميزانية الدولة للتربية :

تحدد لتحقيق التوازن بين الحاجة التربوية وبين التمويل باعتبار التربية من أهم ميادين الاستثمار.

التوجيه التربوي:

أ‌- الميول والخبرات للحصول على أرقي الكفاءات.

ب‌- القيم الإسلامية كعدم الاختلاط ونظام الآداب والمعاملات الاجتماعية التي ينبغي أن تكون وفق الضوابط الشرعية.

ت‌- مراعاة التوظيف على مستوي المهمة الرسالية والحضارية كمجال لمساهمة الجيل المعد لذلك ومواجهة البطالة وتغطية الوظائف المختلفة المستويات فى التعقيد التكنولوجي الوظيفي.

ث‌- ضبط سياسة الامتحانات حسب هذه المعاني كلها لتخفيف من الفاقد التربوي وعطالة الخريجين بعد إنهاء مرحلة التربية والتكوين ولتلافي ما حصل تمنح فرص جديدة للمتواجدين فى الشارع والذين طردوا من المعاهد التربوية إن بواسطة الامتحان وإن بغيره قصد كسبهم للمشروع الاقتصادي والرسالي الحضاري الذي ا‘د لهم , ذلك بإعداد مؤسسات خاصة لهم من ثانويات وجامعات شعبية استدراكية قصد ضمان ترقيتهم الاجتماعية.

المحتوي التربوي أو المنهج:

أ‌- يعاد النظر فى المحتويات التربوية فى نطاق حاجة البلاد إلى النهضة الشاملة وذلك عن طريق ضمان التوعية التربوية المطلوبة فى كل المستويات وجميع التخصصات.

ب‌- إعادة النظر فى المحتوي التربوي من اجل تصفيته من الأيدلوجيات الغازية والمفاهيم التي تحمل فيما تتعارض وقيم الأمة الإسلامية وذلك لصيانة الشخصية وتحقيق الأصالة وتشجيع روح الإبداع.


ت‌- إعادة النظر فى الطرق التربوية الشائعة عندنا والتي تعمق هوة التقليد الأعمي مما جعل جامعاتنا تستهلك المعارف بدلا من أن تنتجها وصارت تكون المتعلمين بدلا من العلماء العارفين . وإعطاء الصبغة الإسلامية للتخصصات التكنولوجية مع ضمان أعلي المستويات التربوية للخبرة التكنولوجية لتجنب البلاد الحاجة إلى الخبرات الأجنبية.

إعداد المعلمين:

إعادة النظر فى وضع المؤسسات التربوية بإعداد المعلمين لمختلف المستويات التعليمية, وذلك لضمان أعلي المستويات فى الخبرة وأرقي النماذج فى المسلكية باعتبار المعلم والمربي قدوة ليس فقط لتلاميذه بل للأمة بأكملها وذلك يعني إعادة الاعتبار إلى رسالة المربي وقيمته ومكانته فى الأمة الإسلامية اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم من ضرورة رد الاعتبار المادي ليتكافأ مع الواجبات الجسم المطلوبة منه فى هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الأمة باعتبار أن الواجب يكمن مبرره فى الحقوق فكلما زاد الطلب النوعي فى المهمة زاد حق مردودها المادي والمعنوي على صاحبها .

النظام الاجتماعي فى المؤسسات التربوية:

أ‌- يعد النظام الاجتماعي فى المؤسسة التربوية من أهم الشروط التربوية لتكوين شخصية التلميذ والطالب بحيث يكون المجتمع التربوية نموذجا سليما للأمة.

ب‌- ضرورة توفير الشروط النفسية والمادية والاجتماعية فى الحياة التربوية داخل المؤسسة مما يجعل الشخصية الإسلامية تنمو فى شكل متكامل شامل صحيا ونفسيا وعقليا وثقافيا واجتماعيا وأخلاقيا.

السلم التعليمي من الحضانة إلى ما بعد الجامعة :

إعادة النظر فى السلم التعليمي من المدرسة إلى الجامعة فى ضوء المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وجعل الانتقال من مرحلة إلى أخري خاضعا للشروط التربوية لا غير . و تعريب كل المراحل التي لم يتم تعريبها.

مرحلة الإلزام:

رفع مرحلة الإلزام إلى التعليم الثانوي.

الوسائل التعليمية:

إعادة النظر فى الكتب المدرسية بناء على مقاصد الشريعة ومتطلبات التربية الإسلامية.

المنظومة التربوية الرياضية:

إعادة النظر فى السياسية التربوية الرياضية بحيث تصير وسيلة لنمو الجسم والرعاية النفسية والأخلاقية مع مراعاة أحكام الشريعة الإسلامية .

التربية الإعلامية:

إعادة النظر فى جميع برامجها ومقاصدها كي تتحول من وسيلة غزو فكر ثقافي غلى وسيلة مناعة ثقافية إيمانية وجدارة فنية تتبلور فيها عبقرية الأجيال وقدرتها على الإبداع والتفوق.

سياسة المنح فى الداخل والخارج:

تضبط سياسة المنح بحيث تكون لمن هو أكثر استحقاقا سواء فى الجدارة أو فى الحاجة .

النظام الإداري لسياسة تسيير المؤسسات فى كل المستويات :

يعاد النظر فى سياسة التسيير الإداري بحيث يكون ثمة اعتدال فى المركزية واللامركزية على أن تعتمد الروح الجماعية ويجمع بين المعاهد والتربوية والإدارية مما ييسر مهمة المعلم والمتعلم معا ويخدم مصلحة البلاد.

سياسة التوظيف فى الميدان التربوي والتسيير أو الممارسة الميدانية للعملية التربوية والبحث لتحقيق التوعية

حق الانتخاب والترشيح والمشاركة فى التسيير:

إن الإسلام دين الحرية باعتبار هذه الأخيرة تقوم على المسئولية من حيث هي تعبير على الإرادة الخيرة الواعية القائمة على القناعة الإيمانية والمناعة الأخلاقية الوجدانية من ذلكم قوله تعالي( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) وقوله صلى الله عليه وسلم :" كل مولود يولد على الفطرة) وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" فالإنسان بناء على هذا المنظور العميق الإسلامي للإنسان يجعل هذا الأخير مسئولا وبمقتضي هذه المسئولية يستحق الحقوق التالية:

1- حقه فى الانتخاب أو اختيار القيادة .

2- إن حقه فى الانتخاب يخوله حقا للترشيح ما دام قد توفرت فيه الشروط التالية : الإسلام- العدالة – القدوة – الكفاءة أو الجدارة – الميول الشخصية والاستعدادات النفسية والحيثيات الموضعية التى تتطلبها المستجدات.

3- حقه فى التسيير وهو تولي المسئوليات الإدارية والمهنية وهي تقوم على التقوي والجدارة والمسلكية لا غير فبموجب ذلك يكون الموظف أو المعين للمسئوليات مسئولا أمام الله ومسئولا أما ومسئولا أمام المصلحة التي يشرف عليها او يكون عنصرا مسيرا منها وذلك حتي لا تضيع الأمانات بضياع المسئولية قال تعالي ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) وقال عليه الصلاة والسلام :" كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".

4- توفر الثقة بموجب اشتمال الشخصية المسئولة على الصفات السابقة الذكر والثقة هنا بمعناها الشرعي والأخلاقي , المهني والسياسي.


إفساح المجال للمبادرة:

لتكون الأمة فى مستوي مواجهة المستجدات السياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية لابد من فك القيود التي قضت على روح المبادرة فى شعبنا العصامي الذي كاد يحال إلى اتكالية خطيرة لابد من الحريات التي تفسح المجال أمام المبادرات الانتاجية الإبداعية فى جميع مجالات الحياة, وهو شرط نفسي تفرضه طبيعة المرحلة لتأهيل الأجيال المقبلة للمهام الكبري التي تنتظرها على مستوي الرسالة والحضارة والتاريخ .

ضمان الأمن على الدين وعلى النفس والعقل والعرض والمال:

إن الإسلام من مقاصد شريعته ضمان المصالح ومن ضرورياتها كفل الإسلام الضرورات الخمس والتي لا يكون الإنسان إنسانا إلا بها وهي :

1- كفالة الدين.

2- النفس.


3-العقل

3- العرض

4- المال


فكفالة هذه الضرورات توفر شرطا نفسيا لا يكون الاستقرار إلا به .

إصلاح الأسرة الجزائرية فى نطاق الشريعة الإسلامية:

إعتني الإسلام بالأسرة عناية لم يعرفها دين ولا فلسفة ولا نظام , لا قديما ولا حديثا وذلكم لخطورة وظيفتها فى الأمة ونجمل هذه العناية فيما يلي :

1- الرعاية والعناية بالطفل إلى سن الرشد.

2- ضمان التكافل الاجتماعي إلى حد الإيثار .


3- ضمان التماسك الاجتماعي بواسطة التماسك الأسري وإذا اشتملت الأسرة على هذه الخصائص وأدت هذه المهام فى مختلف العهود والعصور منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليوم فإن ذلك ليعد من أهم نتائج اهتمام الشر عبها ولئن تعرضت الأسرة إلى التضرر من جراء ظروف الاستعمار بشكليه القديم والحديث فإنها لم تستسلم لسياسة وبفضلها استطاع الشعب الجزائري أن يواجه فى غياب الدولة وأن يثور فى وجه الأعداء ونتيجة لا تعرضت له الأسرة من سياسة التعذيب والانحلال والفقر والجهل فإن إصلاحها ليعد من أوسع ميادين سياسة الجبهة لإسلامية للإنقاذ ولذلك فهي تقترح إزالة العقبات التالية:

أ‌- توفير الشغل لأصحاب الأسر لإيقاف الهجرة التي اتخذت سبيلا لتفكك الأسرة.

ب‌- إعادة النظر فى سياسة الإسكان لتوفير المسكن الكريم لبيت الزوجية منعا للتشرد وسائر آفات غياب السكن التي عرفته البلاد بحظر البناء وتعطيل المجتمع من تشييد عمرانه وفق حاجاته الآنية والمستبلية التى تمليها ضرورة نموه السكاني فى مرحلة النمو الشامل.

ت‌- العناية بالمهاجرين وتسيير عودتهم إلى بلادهم وذلك بتوفير ما جعلهم يلجأون إلى الغربة ويتجرعون مرارتها وغصة آلامها ووحشة البعد عن الوطن .

ث‌- العناية بالأم خاصة التي ترعي الأطفال تسعف فى حالة الضرورة بمساعدة توظف لذلك وتعطي منحة للأمومة حيث يعتبر عملها البيتي وظيفة اجتماعية وتربوية تتقاضي عليها جراية بنفس المستوي الذي يتقاضاها العامل فى المعمل أو الحقل او غيرها مع مراعاة مستوي الخبرة والكفاءة والجدارة بالنسبة إلى التربية البيتية ويقوم بمهمة التوظيف والإشراف والتوزيع للموظفات جهاز من التكافل الاجتماعي يضمن جميع الشروط الأمنية والأخلاقية والنفسية....


ز‌- العناية بالمرأة نظرا لسمعة المراة المسلمة التى اكتسبتها فى عهد السرول صلى الله عليه وسلم بما توصلت إليه من نموذج أمهات المؤمنين ومنهن عائشة رضي الله عنها بعلمها حتي كانت راوية لأكثر من ألفي حديث- ومشاركتهن مع رسول الله ف غزواته وموقف أم سلمة بالحديبية , مما دل على وعيها السياسي وفى عصور النهضة العلمية والفكرية مشاركتها بعبقرية النابغات فى الفكر والأدب والفقه والسياسة والطب وفى عهود كثيرة استماتتهن فى المواقف الجهادية فى المغرب والأندلس وفى عهد احتلال الجزائر وثورة نوفمبر التي برزت فيها مجاهدات مؤمنات أحيت أمجاد المرأة المسلمة فإن مهمتها فى هذه المرحلة وقد أصبحت تمثل أكثر من ثلثي نسبة الطلبة الجامعيين وتلامذه الثانويات فإن الجبهة الإسلامية للإنقاذ تعتبر هذه الطاقة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية الجديرة بالاهتمام قصد توجيهها الحكيم وتوظيفها الرشيد فى الخطة الإنمائية الحضارية الشاملة وذلك بتخصيص المرأة بالعناية التالية:

1- رفع مستواها العقائدي وجودة تكوينها المسلكي .

2- رفع مستوي وعيها السياسي والتربوي والحضاري.


3- إعادة الاعتبار لى مكانتها بحفظها من التعسف والانحلال وآفة التقليد الأعمي .

4- توعية المجتمع كي يدرك أهمية طاقتها وعظيم رسالتها.


من أجل ذلك كان الإسلام وما يزال الدين الذي لم يميز المرأة عن أخيها الرجل بكل ما كرم به الإنسان وشرفه وفضله لقوله صلى الله عليه وسلم :" النساء شقائق الرجال " وقوله صلى الله عليه وسلم :"استوصوا بالنساء خيرا".

ز‌- إعادة النظر فى سياسة المنح العائلية خاصة العمال أو الذين مستوي دخلهم لا يكفي لضمان الضروري من الغذاء .

س‌- العناية بالعجزة والمعوقين بتحديد جرايات تكون فى مستوي كفالتهم الاجتماعية التي تحفظ كرامتهم وتجعلهم فى مأمن من الضياع أو الإهمال أو التفريط مما يجعلهم يشعرون بدفء احتضان أمتهم لهم . والجدير بالملاحظة أن هذه العناية لجميع المستحقين – يجب أن تكون – بدون ميز نوعي او عنصري أو طائفي أو ديني .


ش‌- إعادة النظر فى سياسة السجون وطرق معاملة المساجين لضمان كرامتهم ورعايته جسميا ونفسيا واجتماعيا وتربويا : إسلاميا ومعرفيا ومهنيا , وإعدادهم للاندماج الوظيفي فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بعد خروجهم .

ص‌- وضع ميزان بين الجراية المناسبة للجهد والخبرة وبين القدرة الشرائية التى تستجيب للحاجات الاستهلاكية عموما.

ض‌- الإصلاح الاجتماعي الشامل:

يعد نظام الحسبة فى الإسلام من أحكم الطرق الشرعية لضبط العلاقات بين الناس فى الميادين التالية :

1- الشارع.

2- السوق

3- المصنع

4-الحقل

5- الإدارة


6- المسجد


وبالإشراف على هذه الميادين من طرف رعاية جهاز الحسبة الذي يعين من طرف القضاء يستتب النظام وتتوفر شروط الوئام وتصان المصانع والآداب العامة والقيم والشيم , وترقي الأمة إلى ما تري إليه مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة.

السياسة الصحية

إن الصحة والعناية بها ضرورية لوقاية الأمة من الأمراض والأوبئة وسائر العاهات التى تتعارض مع مقاصد التربية الصحية الضامنة لتربية أجيال يكونون محققين لما ترمي إليه الآية الكريمة فى قوله تعالي( أشداء على الكفار رحماء بينهم) وقوله تعالي( إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم) وقوله تعالي (إن خير من استأجرت القوي الأمين ) وقوله صلى الله ليه وسلم :" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير " وللعناية بالمرضي وكفالة علاجهم فى الوقت المناسب وبالقدر الكاف ي. ولتحقيق ذلك تري الجبهة الإسلامية للإنقاذ ضرورة اتخاذ التدابير التالية:

1- رفع مستوي الوعي الصحي التربوي فى جميع المؤسسات كالمدارس والمعاهد والجامعات والمساجد وسائر وسائل الإعلام, مما يجعل الأمة على علم تام بما ظهر فيها من عاهات وطرق علاجها وضمان جميع الشروط الصحية كالأطباء ومراكز الاستقبال والخبراء فى التمريض والإسعاف بأنجح الطرق وأسلمها ووسائل النقل الجيد وإن أدي ذلك إلى تخصيص أسطول من الطائرات العمودية عند اللزوم.

2- وضع علامات على صدر المريض بالسيدا لكي يحذر منه الناس . ويستحسن أن يتعلم الناس آداب الوقاية , فإذا كان مصابا بأي مرض معد يتجنب الاحتكاك بالناس وفي حالة الضرورة يحجر منعا لانتشار الجراثيم ونقلها لغيره خاصة إذا كان معلما للأطفال أو طبيبا يحافظ على المرضي أو تاجرا يحافظ على زبائنة.


3- إعادة النظر فى نظام المستشفيات لتوفير أسباب الصحة بالنظافة المادية والأخلاق وحسن أداء المهام بوضع رقابة صحية على جميع المؤسسات من مستشفيات ومراكز وغيرها .

4- وضع طريقة تكاميلية بين الطب المجاني الخاص مما يجعلهما يتكاملان فى منظومة صحية عادلة لا يغبن فيها فقير ولا يهمش فيها خبير ولا يبخس فيها أجير.


5- توفير الدواء مع تدعيمه كي لا يقصر على شرائه فقير.

6- توفير الأجهزة التكنولوجية المتناسبة مع تطور علوم الطب والإكثار من المستشفيات الجامعية ومراكز البحث العلمي لتحقيق الاكتفاء الذاتي فى المجال الصحي حتي يشمل جميع التخصصات والمراكز " الشبه طبية" وهو ما يساعد على إيجاد مناصب للشغل دون أن تكون عالة على الاقتصاد والنمو الاجتماعي والتطور الحضاري.

7- تطوير وسائل الإنتاج الصيدلي ومخابر البحث كي تحقق البلاد كفايتها التي هي شرط فى استقلالها ووضع حد للتبعية لغيرها.

8- إكثار من المستوصفات حتي تتواجد فى كل الأحياء .


المحور الثقافي والحضاري

إن السياسة الثقافية والحضارية من منظور الإسلامية للإنقاذ تتلخص فى حماية الأمة من الغزو الثقافي والقهر الحضاري مما يجعل الأمة على أتم استعداد بثقافتها الإسلامية وحضارتها خاصة فيما يلي :

أ‌- الدين وشريعته.

ب‌- الأخلاق الإسلامية وقيمها.


ت‌- الفكر الإسلامي وعبقريته.

ث‌- حرية المبادرة الذكية العلمية والشرعية وإشراقاتها.

وهي ثقافة تكامل فيها العقل مع الشرع والأخلاق مع الفن والعلم نظريا وتطبيقيا إنها ثقافة خبرة أمة , وإرهاصة تاريخها تجربتها وقيمة فعاليتها إنها مجموعة الشروط النفسية والكنوز التاريخية والآفاق المستقبلية حيث تصبح مجالا تترعرع به أجيال من العبقرية إنها سر الاستمرارية ومبرر الوجود الكلي لخير أمة أخرجت للناس أمة الرسالة أمة الحضارة .

وخلاصة القول فإن هذه المقاصد النفسية والتاريخية والحضارية تتحقق بضمان الشروط التالية :

1- ضرورة مراعاة نفسية الأمة من حيث هى أمة ذات استحقاق لحياة العزة وحياة المشاركة الفعالة فى الجهد على أوسع مدي وذلك بإفساح مجال الحرية أمام المبادرات العبقرية.

2- ضرورة رد الاعتبار إلى الدين الإسلامي كنظام حياة ضامن السعادة فى الدارين ومحقق لمقاصد ومبررات التكريم الذي سبق ذكره.


3- إعادة الاعتبار إلى العلم وتقنياته حتي يعود إلى مكانته فى الأمة تلك التي أعطاها له القرآن الكريم والسنة برد الاعتبار إلى العلماء من حيث هم أهل الذكر وهو أولو الأمر فلا يبث أمر عظيم من أمور الأمة إلا بعد استشارتهم , وفى ضوء حكمتهم وفى نطاق توجيهاتهم ما أطاعوا الله ورسوله وأجادوا وأصلحوا وبينوا.

4- تشجيع تعميم استعمال اللغة الوطنية فى سائر أنحاء القطر بدون استثناء لضمان التفاهم بين الجزائريين وحفاظا على وحدة القطر ولأنها لغة القرآن والسنة وهذا لا يعني نبذ ما سواها مما يساعد على تيسير التجاوب وإثراء العلاقات الثقافية .


وبهذا تصير الثقافة مانعا من موانع التصدع لوحدتنا وحامي حمي الأمة الثقافي والحضاري من الغزو الفكري والحضاري ومصدرا من مصادر الثروة الكيميائية والأخلاقية والفنية والعلمية والتكنولوجية مما يجعل البلاد تضمن لأجيالها مستقبلا مزدهرا تطورت فيه أصالته وتفوقت بالتجديد عبقرية ليكون من ورثة الرسالة وبناة الحضارة وتحقيقا لذلك يعاد النظر فيما يلي :

1- البرمجة الإذاعية والتلفزة ونظام المكتبات وقاعات العرض والمراكز الثقافية والمسرح.

2- مركبات الرياضية والفنية ودور السينما.


3- تشجيع المجالات العلمية المتخصصة والعامة .

4- توفير الكتاب الإسلامي والعلمي والتقني مما يجعل المكتبات فى مستوي حاجة المعاهد والجامعات ومراكز البحوث.


إن السياسة الإعلامية للجبهة الإسلامية للإنقاذ هي الميدان الذي تتجسد فيه حرية التعبير وحق الأمة فى استنشاق الهواء النقي من حيث هى نافذة على العالم ناقلة لأخباره معرفة بأحداثه وموصلة لعلومه ومعارفه وتقنياته وفنياته فى أحداث أطواره على أن الخناق الذي عانت منه الأمة فى البلاد حرمها من حقها فى حرية التعبير والاتصال الحر بالعالم كي تعيش ظروفه وتستغل علومه وتقنياته وتوظف أجود فعالياته وتستفيد من أرقي خبراته وثمرات عبقريته وتواكب تطورا اكتشافاته وتردك أرقي مستويات وعيه الحضاري والتربوي مما يساعدها على التجاوب المثمر ويؤهلها للمشاركة الفعالة فى حل مشكلات الإنسان الحديث ومعالجة قضايا مستجدات العصر ووضع حد لتشويه الإسلام وقمع المسلمين ومنعهم من توصيل بيان افسلام والدفاع عنه والذود عن كل المسلمين شعوبا وأمة.

ولذلك فإن الجبهة الإسلامية للإنقاذ تعتبر المرحلة الراهنة مرحلة من أغلي مكاسبها حرية التعبير عن ذاتيتها الحضارية الرسالية ومن ثمة يعد الإعلام شرايين الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية الذي فتح على العالم لكي تصبح علاقتنا به ثرية فعالة لا تعطي إلا من جيد إنتاجها فى نطاق رسالتها الربانية ولا تأخذ إلا ما صح من علوم وتقنية ولا تستورد إلا ما جد مما يصلح لمواجهة ما استجد من الحاجات المناسبة للصراع الثقافي والحضاري المعزز للإرهاصات التى تجعل عبقرية أجيالنا محققة للمراد من الاستقلالية الثقافية والحضارية ومن ثمة فالأجهزة الإعلامية هى مصفاة للخبرات ومعيار للمعلومات وتمحيص للأخبار وإثراء للمعرفة الإعلامية وتبليغ لكلمة الله ولتحقيق ذلك تعمل الجبهة الإسلامية للإنقاذ على إصلاح ما يلي :

1- الصحف على اختلافها من يومية وأسبوعية إلى شهرية أو دورية تشجعها على كشف الحقائق والبحث عنها وعرضها بموضوعية يساعد على معرفة واقع البلاد فى مختلف المجالات وحتي على مستوي العالم بل تذهب سياسة الجبهة إلى أبعد من ذلك فتشجعها ( أى الصحافة ) على التخلص من عقدة النقص حيال وسائل الإعلام الأجنبية كي تستعيد ثقة الشعب بها على اختلاف مستويات الثقافة وذلك لضمان حصانة الصحافي وإعادة الاعتبار إليه بناء على أهمية رسالته المذكورة آنفا.

2- تشجيع التخصص فى الصحافة فى جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية سواء فى الداخل أو فى الخارج.

إن العموميات التي تطغي على الأسلوب الصحفي فى بلادنا أمسي من أخطر عوامل سيطرة العموميات والمستوي الردئ الثقافي والذهاب بالوعي السياسي والحضاري إن تجهيل الشعب الجزائري فى إسلامه وملية تشويهه قصد تنفيره وتحريفه لمن أخطر السياسات الاستعمارية التي شدت على الإسلام أيام الاستعمار وما تزال إلى اليوم ولذلك تلفت الجبهة نظر الشعب الجزائري الغيور على دينه إلى ضرورة إنشاء جرائد وصحف تكون فى مستوي وظيفة الدعوة الإسلامية المعطلة وترشيد صحوته المظفرة وإجلاء الحقائق لجدراته فى الإنقاذ للأمة والإنسانية والتصدي لخصومه ووضع حد لتضليلهم وتزويرهم وتحذير الرأى العام وتأليبه على الإسلام والمسلمين إن غياب الصحافة الإسلامية الحرة ثغرة خطيرة نفذ منها الغزو الثقافي والتوجيه المغرض لعرقلة سير النهضة الإسلامية التى هبت الشعوب لحمل لوائها وانطلقت الأمة بجدية لتحقيق آمالها بعد إزالة آلامها حد لسياسة استعمارية تركتها ضحية لخططها الماكرة وأغراضها الحاقدة.

إن من يريد الغناء فى كل وقت يجده ومن يريد الأفلام يلقها وأما من يريد أن يبحث عن دينه كي يفقهه أو ينشد علما كي يتعلمه وينتفع به لا يجدهما لأن وسائل الإعلام ضاقت وأوصدت نوافذها أمام طلاب الحرية والحقيقة والراغبين فى الإسلام والشريعة والباحثين عن العلم والتقنية .

ولتفادي هذه الأوضاع المتردية تري سياسة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ضرورة إصلاحها كي تصبح صالحة تربويا ومصلحة اجتماعيا ومقنعة عقائديا وفكريا ومشوقة أدبيا وفنيا فلا يكون الجمال على حساب الخير ولا تكون الأخبار على حساب الحقيقة ولا يكون التوجيه على حساب الأمانة.

3- ضرورة إثراء وتدعيم وكالة الأنباء الجزائرية بالكفاءات وأعلي الخبرات وأرقي التقنيات كي تكون فى المستوي المحقق للمراد من الحرية والإعلامية.

الجيش

إن الجيش الجزائري ذو شهرة تاريخية قلما وصلت إليها أشهر جيوش العالم لقد قام كحام لحمي البحر الأبيض المتوسط وحامي حمي دار الإسلام برجاله,, وحامل لواء الجهاد للذود عن حمي عقيدة التوحيد وأمة المكانة والهيبة والمنعة فكان يحمي حماها وبالغا صداها.....

ولئن انكسرت شوكته بعد الغزو وأخذت سلطته بعد العز فإن الشعب الجزائري لم يستسلم نهائيا بل ظهرت مقاومات شعبية ومنظمة أبدي فيها شجاعة المستميت وثبات المؤمن وقدرة على الاستمرار حاملا لواء الجهاد إلى أن حقق الله له الانتصار على الاستعمار وأفتك حريته واستقلاله واستعاد سيادته وذلك بنصر الله وعونه وتوفيقه ... فبينت الثورات وأحداث ثورة التحرير أن شعبنا جيش وجيشا شعب.

ولكي يبقي كذلك تري الجبهة الإسلامية للإنقاذ ضرورة إصلاحه كي يستعيد سمعته التاريخية وقدرته القتالية كما يلي.

1- إصلاح البرامج التربوية العسكرية ابتداء من التربية العقائدية والأخلاقية حيث يصير الإيمان أول مواصفاته.

2- أخلاقه التي تجعله شجاعا أبيا أو أمينا على المسئوليات غيورا على المصالح صادقا فى العهد ثابتا عليه .

3- رفع مستوي خبرته العسكرية العلمية والتكنولوجية.

4- تطوير عتاده وجدية تدريبه على جوده استخدامه.

5- إنشاء أكاديميات راقية لإعداد القيادات على مستوي أرقي الخبرات القيادية العسكرية فى ضوء التطور العلمي والتكنولوجي العسكري فى كل مجالات الصراع الأرضي والبحري والجوي والقضائي.

6- إحداث الصناعة العسكرية التي تكون فى المستوي الحضاري المطلوب.

7- تشجيع البحث والاكتشاف فى المجال العسكري.

8- ترفع الجيش عن التورط فى القضايا السياسية كي يبقي جيش الرسالة والأمة والبلاد مما يجعل ثقة الأمة به تنمو على قدر نمو أخلاقياته جدارته ووظيفته وقدرته على حماية البلاد.

9- لكي لا تكون الخدمة العسكرية على حساب النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي تحدد الخدمة الوطنية بالضرورة من التدريب العسكري الذي يخول ابن الجزائر القدرة على الدفاع عن حمي وطنه على أن لا تزيد مدة الخدمة عل ستة أشهر لا غير فى ترصدات لتنمية الخبرة تتم فى ظروف مناسبة للتدرب.

10- ضرورة الجمع بين الخدمة العسكرية والاحتراف على أن هذا الأخير تجدد عناصره خبرتها بواسطة الخدمة العسكرية التى تتعاقب عليها أجيال الشباب مما يجعل التربية العسكرية من حقوق جميع أبناء الجزائر ليكونوا فى مستوي الدفاع عن وطنهم وقت الحاجة وتبقي القاعدة ثابتة من قوله تعالي( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) لأنه إذا أردت السلم فاستعد للحرب.

11- إن الجيش الجزائري عريق فى تاريخه وأمجاده جديد فى نشأته وخبراته يحتاج إلى جهود جبارة من التدريب والخبرة كي يستعيد مكانته ويصبح فى المستوي المطلوب الذي تفرضه القيمة الإستراتيجية بترقية قدرته التقالية.

السياسة الخارجية

السياسة الخارجية للجبهة الإسلامية للإنقاذ تحدد فى نطاق المطالب التالية :

1- مكانة الجزائر وسمعتها فى العالم .

2- منهجها الاعتدالي فى المواقف والعدل فى معالجة القضايا العالمية والتحررية والاقتصادية والاجتماعية التاريخية والحضارية.

3- معاملاتها الاقتصادية والسياسية الرائحة تحدد ضمن السياسة الشرعية الإسلامية وبذلك تكون الجزائر فى عون كل قضية عادلة , ومساعدة لكل أمة محتاجة على قدر طاقتها وعلى استعداد لتدعيم الوئام والسلام بمفهوميهما الإسلامي واستقرار العالم ما يجعل الحضارة تقوي على أزماتها وتستمر فى ازدهارها.

إن الإسلام يمثل أثقل وزن عقائدي فى العالم وأقوي محرك لضمير الإنسانية وأقدر إحياء له وأعظم رسالة ربانية لهداية البشرية وأثري مصدر للخير وأرقي مسامح لتكوين الإنسان وأعدل شريعة لحماية حقوقه ومن ثمة فإن السياسة الخارجية للجبهة الإعلامية للإنقاذ تعتبر حماية حقوق الإنسان كما جاءت فى القرآن والسنة من أهم مقاصدها الجديرة باهتمامها وبذل أقوي الجهود لنشرها والعمل بها مما ينقذه مما يتعرض له من إهانات كالتمييز العنصري والتعذيب وبشاعة الأسر وخنق حريته فى التعبير وسوء معاملته مما يحط من كرامته ببشريته لقوله تعالي ( وما أرسلناك إ لا رحمة للعالمين).

البرنامج السياسي لحركة المجتمع الإسلامي (حماس)

المرحلية – الموضوعية – الواقعية

البرنامج السياسي لحركة المجتمع الإسلامي (حماس)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه

(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) التوبة الآية:72)

( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) ( النور من الآية : 55)

( مقدمة)

حركة المجتمع الإسلامي امتداد للمسيرة الجهادية والرسالية للشعب الجزائري التى توجت بطرد المستعمر ولكنها للأسف الشديد صودرت من قبل الأنظمة المتعاقبة على الحكم التي أجهضت تطلعات الأمة التائقة إلى الاستقرار والعزة والعيش الرغيد فى كنف الإسلام وتبنت المذاهب والمناهج الدخيلة فى السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع فلا غرابة أن تكون الحصيلة الإفلاس التام والشلل العام والتبعية المريعة والغثائية وشيوع النزعة الاستهلاكية والآفات الاجتماعية وانسداد الأفق أمام أجيال الاستقلال الأمر الذي أفضي إلى انفجار الشارع فى 5 أكتوبر 1988 تعبير عن استيائه ورفضه للسياسة الجائرة.

وحركة " حماس كانت سابقة إلى رفض المسلك التغريبي منذ منصف الستينات من خلال مواقفها الجريئة ولا سيما موقفها من دستور 1976, كما أسهمت على غرار الحركات الأخري فى حمل النظام على نبذ الأحادية والتوجه إلى الانفتاح السياسي وإقرار التعددية الحزبية.

وحركة المجتمع لا تطرح نفسها بديلا عن المجتمع لأنها من صميمه عنه انبثقت وبمشاركة تتحرك ومن أجله تسعي وتعتبر التنوع الجغرافي واللغوي والسياسي والفقهي , إذا كان فى نطاق الإسلام والثوابت سنة كونية وظاهرة صحية تثري الحياة وتبعث الحيوية فى المجتمع من خلال الشوري والحوار والمنافسة النزيهة وتلاقح الأفكار والنقد البناء .

وتهدف حركة المجتمع الإسلامي إلى استئناف الحياة الإسلامية المعطلة فى شتي مجالات الحياة عقيدة وشريعة دنيا ويدنا علما وحضارة وتحقيق الحل الإسلامي لكافة المشاكل والمعضلات من خلال:

1- قراءة تجديدية للإسلام بعين العصر واجتهاد جماعي معتصم بالشرع كتابا وسنة وموصول بالسلف الصالح ومنتق للصالح من مذخور التاريخ ومتفتح على التراث الإنساني والإنجازات التكنولوجية والفتوحات العلمية الحديثة.

2- منهجية تراعي سنن التغيير وتعتمد المرحلية والموضوعية والواقعية ومبدأ الشوراقراطية وتنظر حركة المجتمع الإسلامي إلى مرحلى ما بعد الاستقلال نظرة موضوعية تتبني ايجابياتها وإنجازاتها الشعبية وتستدرك على القصور السريع والخطاء الجسيمة التي تورطت فيها الأنظمة التي تعقبت على الحكم والتي نجملها فيما يلي:

1- تبني مناهج ومذاهب مستوردة تتنافي وعقيدة الأمة وقيمها .

2- الانفراد بالحكم وغياب الشوري والحوار والشفافية.

3- صارع الأجنحة داخل النظام على حساب الاستقرار والتنمية والمصالح العليا للأمة.

4- غياب القدوة الصالحة واعتماد مقاييس الجهوية والولاء للأشخاص بدل الصلاح والأمانة والكفاءة فى إسناد المسئوليات.

5- فقدان الثقة بين الشعب والحكام بسبب الأحادية والاستبداد والاختلاس واستغلال النفوذ لقضاء المأرب الشخصية والجهوية والحزبية.

6- الفشل الذريع للنظام الاشتراكي فى الصناعة والزراعة والثقافة.

7- اعتماد منظومة تربوية وثقافية تجاهلت قيم الشعب الحضارية وأمجاده وجهاده المبارك سخرت لخدمة النظام بدل المشروع الحضاري فكانت الحصيلة تشوهات وتناقضات فى عقلية الشخصية الحضارية السوية القادرة على الإبداع المتميز ورفع التحدي .

النظام الدستوري والسياسي

تهدف حركة المجتمع الإسلامي " حماس " إلى :

1- صياغة دستور يحدد هوية الأمة وتوجهاتها الرئيسية وطبيعة النظام على ضوء الإسلام عقيدته وشريعته ومنهاجه فى الحياة .

2- نظام حكم إسلامي يقوم على الشوري والمساواة والعدل والحرية.

3- ضمان الحريات العامة والفردية التي تشمل:

- الحريات الأساسية والسياسية.

- حرية الضمير والتفكير والتعبير والنشر والصحافة.

- حرية التنقل فى الداخل والخارج.

- حرية إنشاء الأحزاب والجمعيات والنقابات وتسيير المظاهرات السلمية على أن لا تستغل هذه الحريات فى تفويض أركان المجتمع أو التآمر على الأمة أو المساس بثوابتها أو إشاعة الفاحشة بين بين أفرادا.

- حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال .

- فلا يجوز التعذيب الجسدي أو المعنوي أو انتهاك كرامة الإنسان بأي شكل من الأشكال .

- ولا يجوز الاعتقال أو الحبس أو تفتيش البيوت او التجسس بجميع أشكاله إلا فى الحالات الخاصة جدا وبإذن قضائي.

- الناس سواسية أمام القانون والقضاء والفرص وحق العمل والتملك.

4- الارتقاء بالمنافسة أمام القانون والقضاء والفرص وحق العمل والتملك.

5- توزيع اختصاصات المجلس الدستوري وتعزيزه بالفقهاء .

6- العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية وإلغاء النظم والقوانين المخالفة لنصوصها وقاصدها تدريجيا.

7- الأخذ بمبدأ فصل السلطات ونبذ تركيزها فى شخص أو هيئة منعا للاستبداد وطلبا للاستقرار واعتماد منهجية التداول على السلطة .

8- دعم استقلالية القضاء وتوفير الحماية للقضاة وتسهيل إجراءات التقاضي على مستوي إصدار الأحكام وتنفيذها.

الإقتصاد

إن النظام الاقتصادي طبق ثلاثة عقود من الزمن على الأمة الجزائرية تميز بتناقضات ونقائص هيكلية وسوء فى التخطيط والتسيير والتوزيع وبالتبعية الكلية للخارج وبتضخيم كبير وإنتاجية ضعيفة رغم وجود الاحتياطات الضخمة نجم عن هذه السياسة ارتفاع نسبة البطالة وتضخم أثر على القدرة الشرائية للمواطن بحيث لم يتكيف جيدا مع محيط اقتصادي دولي تميزه رغبة البلدان المصنعة فى الهيمنة والمناورات النقدية التي تتميز بها فى هذه البلدان .

غن هذا النظام أدي إلى انخفاض الصادرات وتقليص وانخفاض الإنتاج الوطني الخام وظهور عجز الميزانية التي كانت تعتمد على مداخيل المرحوقات لتغطية هذا العجز متغافلا عن القطاعات الأخير مثل : الزراعة والصناعات التحويلية والصناعات التكاملية.

إن حركة المجتمع الإسلامي " حماس" تولي أهمية كبري للحياة الاقتصادية وتعمل على إيجاد بديل اقتصادي يهتدي بالإسلام ويسعي للتحرر من التبعية ويسد حاجيات المجتمع وتطوير إمكانياته ومؤسساته بما يحفظ المواطن.

القطاع الزراعي

إعطاء الأهمية القصوي لهذا القطاع وذلك:

1- توسيع المساحات الفلاحية .

2- استصلاح الأراضي فى الهضاب العليا والجنوب .

3- تشجيع المبادرات الفردية عن طريق تسهيل الحصول على الملكية العقارية وتسوية وضعية المستفيدين من الثروة الزراعية .

4- تزويد اليد العاملة الشابة بإمكانيات زراعية عصرية .

5- تشجيع كل مبادرات الصيد البحري وتربية المواشي والدواجن .

6- مكافحة التصحر بتطبيق برنامج تنموي خاص بالمناطق الصحراوية . يعتمد على تشجيع الإسكان الريفي والتهيئة العمرانية وتطوير غرس النباتات لمناخ الصحراوي .

قطاع الري

1- تشجيع الاستثمار فى مجال المشاريع المائية.

2- البحث عن موارد جديدة للمياه واستغلال الموجود منها برشاده.

3- تجنيد الموارد المائية لتزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب.

القطاع الصناعي

1- تجنيد أوسع لمؤسساتنا الإنتاجية

2- ترقية الصناعات الصغيرة والمتوسطة والحرفية والتقليدية.

3- تعبئة كل الموارد المالية والبشرية المحلية فى هذا الاتجاه .

4- توسيع وتنويع القاعدة الصناعية بالاعتماد على المتعاملين الاقتصاديين الوطنيين الخواص بالدرجة الأولي.

قطاع النقل

1- تطوير قطاع السكك الحديدية

2- ربط شمال الصحراء بالهضاب العليا عبر السكك الحديدية

3- تحسين نوعية خدمات النقل.

4- تنشيط النقل الحضري وتطويره بإستخدام شبكات الميترو فى المدن الكبري.

5- استخدام هذا القطاع لإيجاد مناصب شغل جديدة

6- توسيع شبكة النقل فى الأرياف والبوادي.

قطاع البريد والمواصلات

1- تطوير الخدمات العمومية فى قطاع البريد والهاتف وتعميمه فى كل أنحاء الوطن.

قطاع المحروقات

1- تطوير الصناعات التحويلية.

2- الدفاع عن التثمين المناسب للنفط والغاز.

3- دعم موقفنا الداعي إلى سعر معقول للنفط داخل الأوبيك.

4- الدفاع عن مبدأ ( التأشير) بين أسعار المادة الأولية وأسعار المواد المصنعة ونصف المصنعة.

5- دفع العمل على تطوير جهود الاستكشاف للتقليل من تكاليف الإنتاج.

المناجم والتعدين

1- مسح دقيق للثروات المنجمية وتشجيع البحث والتنقيب فى هذا المجال .

2- تطوير صناعة التعدين واستغلال هذا القطاع فى دعم الاقتصاد الوطني


قطاع التوزيع

1- تطوير شبكة التوزيع على أساس عادل متوازن.

2- تنظيم الوظيفة التجارية.

3- إنعاش قطاع التوزيع بالمستثمرين الخواص وتشجيعهم.

القطاع الإداري

1- إتباع سياسة رشيدة للتقشف فى مجال النفقات الإدارية.

2- تدعيم إجراءات اختيار الرجال للوظيفة الإدارية على أساس الكفاءة والأمانة .

3- تطهير ميزانية الدولة من الاعتمادات المالية غير الموضوعية.

4- إعطاء الأولوية للنفقات ذات الطابع الإنتاجي .

مجال الديون الخارجية

1- دراسة هيكلة الديون تجاه الدولة الدائنة لنا.

2- اتباع أسلوب المفاوضات مع دولة على حدة.

3- استغلال الأموال الموجودة الجالية الجزائرية بالخارج عن طريق إحداث إجراءات فنية جديدة كالاستثمار بالمشاركة أو المضاربة.

4- التقليل من الاستدانة من الخارج وتجنب القروض القصيرة المدي.

مجال النقود والمالية

1- إحداث سياسة نقدية ومصرفية متوازنة لحماية العملة المحلية .

2- إحداث مؤسسات ادخار محلية تتكفل بتجميع المدخرات وتوظيف الأموال على هدي الشريعة الإسلامية .

3- مراجعة المنظمة الجبائية والضريبية على ضوء مبادئ الشريعة الإسلامية .

التهيئة العمرانية

1- التكفل بالتوازن الجهوي عن طريق المدن الداخلية .

2- دفع الاستثمارات فى المناطق المحرومة والمعزولة.


3- إعادة النظر فى الجانب القانوني والتخطيطي لهذا الجانب على نحو يحفظ الأراضي الزراعية.

قطاع التشغيل

1- العمل على حماية التشغيل الموجود .

2- البحث عن سوق عمل جديدة فى المناطق الأكثر تضررا.

3- دفع المشاريع المنشئة لمناصب شغل جديدة لا سيما قطاع الفلاحة والبناء .

4- تشجيع المبادرات الفردية لا سيما المنشئة بالاقتصاد الوطني.

5- تطهير التموين وعصرنته وربطه بالاقتصاد الوطني.

البحث العلمي والتنمية التكنولوجية

تهدف سياسة البحث العلمي والتنمية التكنولوجية إلى تحقيق :

1- التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد وكذا تنمية المواد البشرية .

2- الاكتفاء الذاتي فى المواد الغذائية والمياه.

3- تلبية حاجيات المواطنين الصحية.

4- الاستغلال الأمثل للموارد البشرية والطبيعية.

5- حفظ الأمن الوطني.

6- التنويع فى أنظمة الطاقة .

7- إحياء التراث الإسلامي فى المجال العلمي .

وسعيا لتحقيق هذه الأهداف تتخذ حركة المجتمع الإسلامي التدابير التالية :

1- مساهمة البحث العلمي فى إنجاح مشاريع التنمية الشاملة للبلاد.

2- تطوير برامج التعليم الجامعي .

3- تأسيس مؤسسة رسمية ومركزية تهتم بالبحث العلمي وتطويع وتطوير التكنولوجيا .

4- توفير الظروف المشجعة على عودة الكفاءات المهاجرة وتحسين وضعيه الإطار الجزائري على العموم.

5- تشجيع سياسات التعاون والتنسيق بين الدول العربية والإسلامية فى ميدان العلوم والتنمية التكنولوجية.

6- إقامة المؤتمرات والملتقيات المتخصصة والاحتكاك بعلماء الدول المتقدمة.

7- المشاركة فى المؤسسات العلمية والانخراط فى الجمعيات العلمية والدولية .

8- التخطيط السليم للبعثات العلمية فى الخارج والمتابعة الجادة لها أثناء وبعد الدراسة.

9- التنسيق بين القطاع الصناعي والقطاع العلمي.

10- تخصيص ميزانية مرتفعة للبحث العلمي والتكنولوجية.

11- إنشاء صندوق مالي خاص بتمويل البحث تشارك فيه المؤسسات الصناعية والدولة والخواص.

12- مساهمة الأوقاف الخيرية فى خدمة البحث العلمي والتنمية التكنولوجية .

13- إلغاء الضرائب على قطاع البحث العلمي .

14- تشجيع الباحثين ماديا ومعنويا وتوفير شروط البحث العلمي .

التربية والتعليم

المنظومة التربوية فى المراحل السابقة تتحمل مسئولية كبري فى الإفرازات الاجتماعية الشاذة عند الشباب وتأخذ السياسة التربوية فى حركة المجتمع الإسلامي على عاتقها مسئولية التصحيح والاستدراك من خلال المقترحات التالية :

1- إلزامية ومجانية التعليم .

2- التركيز فى البرامج على بناء الشخصية الإسلامية بناء متكاملا.

3- الربط بين التعليم والمجتمع لتكوين المواطن الصالح المنسجم مع مجتمعه وقيمه.

4- التوسع فى التعليم الجامعي وتوجيهه نحو تلبية حاجيات المجتمع .

5- الحرص على تأهيل المعلم للقيام بدوره الاجتماعي والتربوي والتعليمي وتحديد مواصفات يختار على أساسها المعلم.

6- تكريم المعلمين والأساتذة وإعادة الاعتبار لهم ماديا ومعنويا .

7- تحقيق الموازنة بين التعليم والشغل منعا للتسرب المدرسي وحفظا للجهود.

8- توسيع الطاقة الاستيعابية للتعليم التقني.

9- اعتماد سياسة واضحة فى التوجيه المدرسي تراعي القدرات وتلبي حاجيات المجتمع .

10- الحرص على توفير الإمكانيات المادية لإنجاح السياسة التربوية والتعليمية.

11- اعتماد اللغة العربية فى كل أطوار التعليم وتيسير عملية تعريب العلوم التكنولوجية والطيبة والانفتاح على اللغات الأجنبية .

12- جعل " تيفيناغ" مادة تخصصية فى التعاليم العالي.

النظام الاجتماعي

الصحة

1- الحفاظ على الطب المجاني لمن يستحقه.

2- التركيز على الرقابة والتربية الصحية على كل المستويات.

3- تعميم العلاج وتسهيل الوصول إليه .

4- إيجاد برنامج حي وطني يضمن تحسين:

- نوعية تسيير الموارد البشرية والمادية.

- نوعية العلاج.

- تكوين الإطارات الصحية.

5- إقامة سياسة للدواء تضمن توفيره كما وكيفا بأقل التكاليف .

6- تحفيز وتدعيم البحث العلمي فى المجال الصحي.

7- إيجاد نصوص قانونية وشرعية طبية تتماشي والثوابت الوطنية.

8- تدعيم القطاع الصحي الخاص قانونيا وماديا حتي يشارك بأكثر فعالية فى التنمية الصحية .

9- الحث على التصنيع فى الميدان الطبي والشبه طبي والصيدلاني مع إيجاد تسهيلات للمتعاملين الاقتصاديين.

10- إعطاء الفرصة وتشجيع الإطار الجزائري فى الميدان الصحي للتقليص من التبعية الأجنبية.

11- إعطاء عناية خاصة للمعوقين وذوي العاهات بفتح مراكز صحية متخصصة توفير الأجهزة الطبية.

12- إيلاؤهم الرعاية الاجتماعية الخاصة وإدماجهم فى الحياة العامة وعالم الشغل.

الشباب

إن حركة المجتمع الإسلامي تولي الشباب عناية خاصة وتعتبره كنزا مثمرا للوطن ولبناء البلاد وتشييدها وهي تسعي من خلال برنامجها للإهتمام بهذه الفئة فكريا وثقافيا ونفسيا وبدنيا من خلال توفير هياكل التأطير والاستقبال والتكوين والتمهين والتشغيل والترفيه . ومن جملة ما تراه الحركة لهذه الشريحة من المجتمع:

1- فى مجال النشاط الثقافي والتكوين:

- رسم سياسة هادفة للمراكز الثقافية وتطوير دور الثقافة ومختلف الهياكل الثقافية من مسرح وسينما وتشجيع المبادرات والابتكارات الشبابية فى جميع الميادين ومن غير ديمغوجية.

- توفير مراكز التكوين والتمهين وتطويرها وجعلها تستجيب إلى متطلبات التنمية الاقتصادية .

- إدماج الشباب فى المجال الزراعي وتشجيعه ودعمه ماديا ومعنويا.

مجال الرياضة

- دعم الرياضة الشبابية ماديا ومعنويا.

- رسم سياسة وطنية واضحة وهادفة للرياضة تنطلق من فلسفة دور الرياضة فى المنافسة على الغير وفى التنمية وفى غرسها للقيم الوطنية.

- الاهتمام بالمنشآت والمؤسسات الرياضية وتطويرها والعمل على ضمان استمرارية المكونين والمدربين.

- إفساح المجال للرياضة النسوية بعيدا عن التصورات الغربية فى إطار القيم العليا .

- ترسيخ الرياضة البدنية فى البرامج المدرسية.

التشغيل

- إفساح المجال للأعمال الحرة والمبادرة الشخصية.

- توفير شروط العمل للشباب

- غرس شروط العمل للشباب .

- غرس فكرة أن العمل عبادة وحق وواجب .

- ربط الشباب بالأرض وخدمتها.

المرأة

1- إثراء قانون الأسرة بما يساير تطور المجتمع فى إطار قيمه وأصالته .

2- تحرير المرأة من العادات البالية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ولا سيما حرمانها من الميراث.

3- فتح المجال أمامها لتقوم بوظيفتها الرسالية إلى جانب الرجل .

4- تأهيلها علميا وثقافيا بما يلائم فطرتها .

5- رفع منحة الزوجة فى البيت.

6- توسيع مساهمة المرأة فى الحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

7- تيسير الزواج للقضاء على ظاهرة العنوسة.

8- مراجعة القوانين المجحفة لحقوق المرأة

السكن

1- تخفيف إجراءات الترقية العقارية .

2- توفير مواد البناء وتشجيع المبادرات الفردية.

3- تشجيع الاستثمار الخاص فى قطاع البناء ومواده.

4- المساهمة الفعالة لجميع المؤسسات الاقتصادية فى معالجة مشكلة السكن بمساعدة العمال على امتلاك سكن عائلي .

5- إنشاء صندوق وطني للإسكان لدعم الفئات ذات الدخل المحدود.

6- العناية بالطابع الإسلامي للعمران.

7- توفير الظروف المناسبة لحصول كل عائلة على مسكن خاص .

محو الأمية

خطورة الأمية فى مجتمع يطمح للتقدم والتحضر يستدعي وضع خطة فعالة لمحاربة الأمية والقضاء عليها فى سنوات محددة تعتمد على :

1- وضع برنامج علمي محدد لمحو الأمية من طرف مختصين.

2- فتح المجال للمساجد والجمعيات والمؤسسات الاقتصادية للمساهمة فى تنفيذ برنامج محو الأمية .

3- توفير الإمكانيات المادية اللازمة وإيجاد مؤسسات متنقلة للتكفل بتطبيق برنامج محو الأمية داخل الأرياف والبدو والرحل.

4- مساهمة الوسائل السمعية البصرية فى محو الأمية.

5- الترخيص للتعليم الحر فى القيام بدوره الفعال لمحو الأمية.

السياسة الثقافية والإعلامية

الثقافة والإعلام تحظيان بالأولوية القصوي فى حركة المجتمع الإسلامي باعتبارهما:

1- المرآة التي تعكس شخصية الأمة فى الداخل والخارج واللسان الذي يحكي مآثرها وأمجادها ويذود عن حياضها ويبلغ رسالتها.

2- الجبهة التى نقل الغرب إليها الصراع بعد أن مني بالهزيمة على الجبهة العسكرية والسياسية.

3- القنوات التي استطاع الغرب أن يمرر عبرها مشروعه التغريبي والتجزيئي.

الإعلام

الإعلام فى منظور حركة المجتمع الإسلامي " حماس" هو رسالة عقيدية ملتزمة تتوخي البحث عن الخبر وإيصاله بصدق وهو أداة التوحيد والتصور وتماسك المجتمع وعامل تنشئة لتربية الأجيال تكوينها وتنمية عناصر الخير فيها والوحدة وحب العمل وهو منبر للحوار والتشاور والتناصح فى عبر غير تجريح ولا مراهنة .

والإعلام فى نظر " حماس" رسالة مشتركة بين الحاكم والمحكوم من حيث الالتزام بالتناصح والنقد البناء وهو جدار منيع فى وجه العنف الإعلامي االمتنوع الذي يستهدف تحطيم عناصر القوة والوحدة فى الأمة وتهدف السياسة الإعلامية إلى ما يلي :

- تعبيد الإنسان وربطه ربطا وثيقا.

- تحقيق الحل الإسلامي .

- نشر الإسلام وإيصاله إلى أبعد الحدود.

- إيجاد المواطن الصالح الذي يتحقق به المجتمع الصالح.

- تحصين الفرد من المفاسد " الداخلية والخارجية"

- الترويح البرئ الذي ينمي الشخصية ويصقلها ويفجر مكامن الخير فيها

- تشجيع الإنتاج السمعي والبصري وتطويره ليرتفع إلى مستوي المنافسة العالمية.

إن حركة المجتمع الإسلامي " حماس" تؤدي وظائفها الإعلامية لتحقيق الأهداف المرسومة من خلال تسخير مختلف الوسائل التقنية.

الثقافة

إعداد برنامج ثقافي شامل ومتكامل يهتدي بالإسلام .

بعث روح الإبداع والابتكار فى الأمة وتشجيع الآداب والفنون وتفجير الطاقات والمواهب التي تزخر بها الأمة.

- مسح شامل للتراث الثقافي واتخاذ التدابير الكفيلة بحفظه من النهب والاتلاف والإهمال وإحياء النافع منه.

- تشجيع الثقافات الشعبية واعتبارها رافدا من روافد الشخصية الوطنية.

- الاهتمام بالأمازيغية تاريخيا ولغة ولهجات وفنونا.

- تكثيف النشاطات الثقافية مع البلدان العربية والإسلامية والانفتاح على الثقافات الأخري بما فيها الثقافات الإفريقية.

الجيش والشئون العسكرية

إن أهمية الجيش الأمنية والتنموية تقتضي من حركة المجتمع الإسلامي أ، توليه الأهمية الكبري حتي دوره بشكل جيد على اعتبار أنه سليل جيش التحرير الوطني ولذلك نري:

1- إبعاد الجيش عن الصراعات الحزبية والجهوية.

2- تقوية الجيش وتنظيمه وتطوير قدراته القتالية والتقنية لحماية الوطن والدفاع عن مقدسات الأمة.

3- الإستفادة من إمكانيات الجيش فى التنمية الوطنية الشاملة .

4- الإهتمام بالصناعات العسكرية تماشيا مع مقتضيات العصر.

5- الاهتمام بالجانب التربوي والديني فى إعداد الجيش وإشاعة روح الجهاد والفداء بين أفراده.

6- دعم الخدمة العسكرية وتقليص مدتها وتكثيف برنامجها بما يناسب تطور المجتمع وطموحاته.

7- حفظ كرامة الجندي بماضيه الجهادي خصوصا جهاد ثورة نوفمبر 1954 واحترام رموز بلاده .

السياسة الخارجية

تعتمد السياسة الخارجية لحركة المجتمع الإسلامي على المحاور التالية :

1- اعتماد الإسلام مصدر السياسة الخارجية .

2- إحلال الجزائر مكانتها الدولية اللائقة بها وحماية استقلالها والدفاع عن مصالحها ومصالح رعاياها فى العالم.

3- الاعتماد على مبدأ الاستقلالية فى اتخاذ القرار بعيدا عن كل ألوان التبعية الذليلية الحضارية .

4- الاهتمام بقضايا المسلمين والأخوة الإسلامية.

5- التزام مبدأ الحياد الإيجابي.

6- الإنحياز إلى صف المستضعفين.

7- الدفاع عن كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه فى العالم بغض النظر عن لونه أو جنسه أو معتقده.

8- اعتماد الدبلوماسية المشروعة بمختلف أصنافها ووسائلها فى تحقيق أهداف السياسة الخارجية .

9- اعتماد المرحلية والواقعية فى التعاطي مع القضايا الدولية .

10- وضع آليات جديدة وصيغ عملية لوحدة المغرب العربي والعالم العربي والعالم الإسلامي .

11- اعتبار القضية الفلسطينية قضية عربية إسلامية مركزية ومن ثم فإننا نعمل على تحرير فلسطين كاملة وعدم التفريط فى أى شبر منها , ونعمل على دعم انتفاضاتها المباركة .

12- مناصرة المسلمين المقهورين والوقوف إلى جانبهم من أجل تحرير أوطانهم من نير الاستعمار والاستعباد وكذلك دعم كل القضايا العادلة فى العالم .

13- الوفاء بالإلتزامات الدولية .

14- إعادة النظر فى بنية التنظيم الدولي الحالي والسعي لتحقيق تنظيم دولي جديد مؤسس على قاعدة الاحترام المتبادل وحماية حقوق الدول وإزالة مظاهر التسلط والإرهاب الدولي .

15- الاهتمام بالقارة الإفريقية ومشاكلها.

16- محاربة الميز العنصري وثالوث المرض والجهل والفقر فى أنحاء العالم .

17- السعي لإرساء علاقات دولية مع مختلف الدول شرط أ، تكون مبنية على التفاهم والاحترام المتبادل وألا يكون ذلك على حساب الأمة الإسلامية والإنسانية عامة.

18- حماية السلم العالمي المرهون بالحفاظ على حقوق الشعوب وجعل البحر المتوسط بحيرة آمنة من عوامل التوتر والصراع.

19- حماية البيئة من التلوث والمحافظة على الطبيعة.

20- محاربة المخدرات والآفات والإجرام وتجارة الرقيق الأبيض .

21- منع التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخري وعدم تغيير أنظمتها بالقوة.

كلمة خاتمة

وحركة المجمع الإسلامي " حماس" إذ تضع بين يدي الناخب هذا البرنامج الذي اختارت له شعار " الإسلام هو الحل" تقر ابتداء بالتقصير ولكن حسبها أنها اجتهدت فى تجسيد الأخطاء التي تورطت فيها الأنظمة السابقة ولا غرو فإن كل تجربة لا تهتدي بشرع الله مآلها الفشل.

وحتي لا تبقي الأمة حقلا للتجارب الفاشلة وحفظا للطاقات وتوفيرا للجهد الأوقات وقياما بالواجب الذي ميليه الشرع والعقل والواقع ووفاء للشهداء الذين جاهدوا من أجل جزائر قوية حرة تعيش فى ظلال الإسلام .

تتقدم " حماس" بهذه البرنامج الواضح الولاء لله ولرسوله والمؤمنين الذي يهدف إلى إرساء أسس كفيلة بطي المسافة التي تفصل الواقع عن الإسلام وإحداث النهضة الإسلامية المنشودة التي تحقق دولة الشوري والحرية والعلم والعمل والعدل ومجتمع الأخوة والرحمة والتسامح والاعتدال مرشحة لذلك رجالا توخت فيهم الصلاح والأمانة والتقوي والكفاية والمصداقية والكفاية والمصداقية لدي الأمة . وهي تؤمن بان نجاح هذا البرنامج مرهون بتضافر جهود جميع الجزائريين والجزائريات وحركة المجتمع الإسلامي " حماس" تنتظر منك أيها الوفي ردا إيجابيا فكن فى الموعد مع مرشحها.

( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) الآية.

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) الآية .

البرنامج السياسي لحركة النهضة الإسلامية

مجتمع أصيل ــــــــــــــــــــــــــــ بالمصحف

دولة قوية ـــــــــــــــــــــــــــــــــ بالسيف

حضارة رائدةــــــــــــــــــــــــــــ بالقلم

البرنامج السياسي لحركة النهضة الإسلامية

مقدمة

إن حركة النهضة الإسلامية التي تتبني الإسلام عقيدة وعبادة وأخلاقا ونظاما فى الحياة تري أن الشعب الجزائري يعيض أزمة ثقة فى النظام السياسي الذي يحكم حياته وينظمها وأزمة ثقة فى الرجال الذين تعاقبوا على إدارة شئونه الذي شل من فعالية الفردية فيه وجعل منه عنصرا سلبيا فى الحياة لا يشعر بالحضور الفعال فى الوسط الاجتماعي والسياسي الذي يعيش فيه فطغي الظلم وعم الجهل وانتشر الفساد وأصبح يعيش ضنك الحياة ولا سبيل لإخراجه من أزماته إلا بإعادة الثقة له:

1- فى نفسه بالإرتفاع إلى مستوي رسالته الحضارية علما وإيمانا وخلقا وتضحية وصبرا وبتمكينه من ممارسة حرياته السياسية وحقوقه العامة.

2- فى نظامه على أنه يتسم بالسمو والكمال والشمول , ويتوفر له الضمانات القانونية والواقعية الكفيلة بحفظ مصالحه وتفجير طاقاته فى حماية الحق وتحقيق الخير.

3- فى قياداته على أنهم أكفاء أمناء ومخلصون يحترمون النظام السياسي ويستطيعون حماية الحقوق والحريات السياسية وتحقيق العدل الاجتماعي بما يسعد الأفراد ويعز المجتمع ويقوي الدولة.

4- ومن ثم فإن حل الأزمات وتحقيق التقدم وبناء الحضارة فى نظر حركة النهضة الإسلامية يحتاج إلى منهج كامل وشامل وواقعي وواجباته وللطريق الذي يسلكه فى أداء الواجبات وتحصيل الحقوق.

5- ونعتقد ان الطريق السليم لتوفير هذه الشروط اللازمة للتقدم والحضارة لا يبدأ بتغيير رجال المجلس الوطني الشعبي وإنما يبدأ بالدستور ولكن لما كان الأمر ليس لغيرنا فإننا وإن كانت عندنا تحفظات جوهرية على الدستور والمنظومة القانونية الانتخابات والدوائر الانتخابية نري ضرورة دخول المعركة الانتخابية بالبرنامج السياسي التالي الذي هو عبارة عن عناوين رئيسية فى سياسة الإصلاح كما تراها الحركة والتي تجسد جزءا أساسيا من آمال الأمة .

وتستجيب لكثير من مطالبها وتنقلها إلى المستوي اللازم والذي تستطيع فيها تحقيق ما تصبو إليه وتتمناه بما يحققه:

1- من استقلال اقتصادي وإجتماعي وثقافي .

2- من تمتين للوحدة الداخلية وشحن الطاقات الأمة جميعا وتسخيرها فى خدمة الدين والوطن .

3- من إستقلالية عن أمم الكفر سواء فى المناهج والنظم و فى الإمكانات والطاقات .

4- من توفير للجهد والوقت واختصار للطريق نحو الحضارة والتقدم وبعده وقبل ذلك من فوز بعون الله سبحانه وبنصرته وحفظه وتأييده.

أهم مناحي الإصلاح فى البرنامج السياسي

من أهدافنا :

1- تحرير البلاد من التبعية الأجنبية والمحافظة على استقلالها.

2- المساهمة فى تكوين مجتمع إسلامي بإصلاح مختلف قطاعات نشاطاته .

3- إقامة دولة إسلامية حرة وعادلة تعمل بأحكام الإسلام .

4- التكفل بالحقوق والحريات العامة لسائر المواطنين.

5- مناصرة القضايا العادلة فى العالم .

6- المساهمة فى إنجاز مشاريع الوحدة العربية والإسلامية .

الجانب السياسي

- اعتماد الشوري منهجا وأسلوبا فى الحكم .

- إعلان مبدأ السيادة لشرع الله والسلطة للشعب يمارسها فى حدود الشرع.

- تكريس الحقوق السياسية والحقوق العامة وإحاطتها بالضمانات القانونية والواقعية اللازمة.

- الإعلان عن مسئولية الدولة فى حماية الدين وإقامة أحكامه وتبليغه للناس .

- تكريس مبدأ الفصل بين السلطات وإعطاء الرقابة والمحاسبة للسلطة التشريعية.

- تبني فكرة العمل على تقوية العلاقات بين الدول العربية والإسلامية والسعي لتحقيق الوحدة المغاربية تمهيدا لتحقيق الوحدة الإسلامية الكبري .

- إخضاع العلاقات الخارجية مع غير المسلمين إلى أحكام الشريعة المتعلقة بذلك أولا والمصلحة الأكيدة للبلد ثانيا.

الجانب الاقتصادي

1- إخضاع السياسة الاقتصادية للمبادئ التالية :

أ‌- اتباع سياسة الأهم فالمهم فتقدم المشروعات الضرورية على الكماليات فى الإنشاء والتنفيذ .

ب‌- مبدأ الحرية الاقتصادية المحدودة بحدود الحق والخير أو الشرع والمصلحة.

ت‌- مبدأ الملكية المزدوجة لا يشكل خطرا على الأمن الاجتماعي والسياسي.

ث‌- مبدأ العدالة الاجتماعية .

2- تحريم الربا بكل صوره وتحريم كل مظاهر الاحتكار والتبذير والاستغلال .

3- تنظيم امر الزكاة دخلا ومصرفا .

4- تشجيع حرية التجارة المشروعة بجميع أنواعها وأشكالها وعدم التدخل فى التسعير إلا فى حالات الضرورة القصوي .

5- تنظيم أمر الضرائب .

6- تشجيع الرأسمال الجزائري ثم العربي والإسلامي ثم الأجنبي تحقيق الاستثمار وضبط ذلك بقوانين واضحة ودقيقة .

7- تحقيق الاستقرار للفلاح عن طريق إعادة الثقة له فى نفسه وفى القوانين .

8- التمليك الفردي للأرض بشرط الاستغلال الفعلي لها.

9- التغيير الجذري للأجهزة التي لها علاقة مباشرة بالفلاح من تجهيز وتوزيع وتسويق وتموين وتمويل .

10- الاستغلال الحسن للثروة المائية عن طريق السدود الحواجز المائية وحفر الآبار .

11- تدعيم مكانة الفلاحة بإدخالها كعامل أساسي للتنمية الاقتصادية وذلك عن طريق إنشاء مركبات فلاحية تحويلية فى الهضاب العليا والجنوب .

12- تطوير الفلاحة الصحراوية عن طريق تكثيف زراعة النخيل ذات النوعية الجيدة وتوسيع فلاحة المحاصيل المسقية بصفة واسعة..... إلخ.

13- تطوير الفلاحة الجبلية بغرس الأشجار المثمرة وتربية الدواجن والنحل.

14- استغلال الغابات وتوجيهها نحو طابع اقتصادي .

15- حماية الأراضي الفلاحية بمقاومة الزحف العمراني والتصحر .

16- تشجيع البحث العلمي فى الميدان الفلاحي وتحفيز الفلاح عبر نظام الحوافز.

الجانب الاجتماعي

1- صيانة عقيدة الأمة وحماية شريعتها وتنظيم شعائرها.

2- نشر الأخلاق الفاضلة والدفاع عنها.

3- العناية بالمرأة وتعليمها وتوجيهيا وصيانتها من الاستغلال والتبذل .

4- العمل على منع الاختلاط فى التعليم والإدارة والصحة والشركات والمؤسسات .

5- القضاء على البغاء بنوعيه السري والعلني .

6- منع تعاطي الخمر والمخدرات وغلق الحانات والمصانع المخصصة لذلك.

7- تنظيم أماكن السباحة المصايف بما يحافظ على الآداب العامة والنظام العام فى المجتمع .

8- رعاية شئون الزواج والتشجيع عليه وتقديم المساعدات اللازمة لكل محتاج بإحداث صندوق لذلك.

9- رفع المنح العائلية إلى 500 د.ج لكل طفل.

10- تحسين وضعية الطالب ورفع قيمة المنح الدراسية شهريا .

11- العناية بشئون القري والأرياف وتوفير المسائل الضرورية من مسكن ومواصلات وإنارة وري ومدرسة ومستوصف

12- كفالة الجحق فى العمل والسكن والراحة والعلاج وحماية العامل والطفولة والأمومة من كل صور الاستغلال والإرهاق .

13- توفير أسباب العلاج بجميع أنواعه لكل أفراد المجتمع وتعويض الفقراء وذوي الدخل المحدود عن تكاليف العلاج.

14- التكفل بمن لا كفيل لهم من اليتامي والأرامل والعجزة وذوي العاهات والمجانين والأولاد القصر.

15- العناية بشئون الصحة العامة من حيث الدعاية الوقائية أو العلاج أو الأدوية أو الأطباء والممرضين .

16- تحسين القدرة الشرائية للعامل بما يحفظ كرامته.

17- توزيع الوظائف والأعمال على الراغبين فيها بصورة عادلة ومحاربة البيروقراطية والمحسوبية والرشوة والاجتهاد فى إيجاد مناصب شغل والابتعاد عن سياسة الإسراف والتبذير.

الجانب التعليمي والتربوي والثقافي

1- محاربة الغزو الفكري بكل صوره وتحذير الناس منه .

2- العمل على نشر الثقافة الإسلامية بكل وسائل الإعلام والتربية .

3- تعليم فروض العين لكل أبناء الأمة والتشجيع على تعليم فروض الكفاية .

4- مراجعة البرامج التعليمية ومناهجها الموجودة بما يخدم عقيدة المجتمع وشريعته وشعائره .

5- تشجيع حفظ القرآن الكريم وإدخاله كمادة أساسية فى الفروع العلمية المتصلة بالدين واللغة العربية .

6- العناية العربية فى كل مراحل التعليم وإفرادها بالتدريس فى مرحلة الأساسية للطورين عن غيرها من اللغات الحية مع حسن اختيار النصوص لذلك .

7- العناية بتدريس التاريخ الإسلامي والتاريخ الوطني .

8- تشجيع البحث العلمي المتخصص بتقديم المكافآت المادية والمعنوية للمتفوقين فى ذلك وبتوفير الإمكانات لمادية اللازمة لذلك.

9- العناية بالعلوم وتشجيع المتفوقين فى ذلك .

10- تقرير مبدأ حرمة المسجد وإمداده بما يلزمه لأداء رسالته التربوية والتوجيهية والإصلاحية .

الجانب الإعلامي

1- إصلاح السياسة الإعلامية وتوظيفها فيما يخدم الصالح العام ولا يتعارض مع الآداب العامة للإسلام والنظام لعام فى المجتمع .

2- اختيار رجال الإعلام المقروء والمسوع والمنظور على أساس الكفاءة والخلق

3- إخضاع ما يعرض على المجتمع أو يباع لخدمة الآداب العام للإسلام والنظام العام فى المجتمع .

4- التشجيع على الكتابة والتأليف وتيسير عملية الطبع والنشر والتوزيع .

5- تيتسير سبل التحقيق أمام الصحفيين وتشجيعهم على قول كلمة الحق فى حدود ما يسمح به الآداب وتدعو إليه المصلحة .

6- تشجيع الكفاءات الفنية وتوجيهها إلى خدمة الفضائل وشحن العزائم .

الجانب القضائي والقانوني

1- التدرج فى طرح المنظومة القانونية الإسلامية.

2- الالتزام بالمبادئ التالية:

أ‌- المساواة أمام القضاء فى التقاضي والحماية .

ب‌- لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص فى القانون .

ت‌- كل إنسان مسئول عن أفعاله ولا يؤخذ أحد بجريمة غيره .

ث‌- المتهم برئ حتي تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي .

ج‌- لا يحكم بإدانة شخص إلا بمحاكمة عادلة تتوافر له فيها كل ضمانات الدفاع عن نفسه.

3- تكريس فكرة استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية.

4- حصر وظيفة الدولة بالنسبة لأحكام القضاء فى تنفيذها وأى امتناع منها عن تنفيذها يعتبر جريمة يعرضها للمتابعة القضائية.

5- تطبيق مبدأ علانية الجلسات غلا لضرورة شرعية .

6- لكل فرد الحق فى الحماية من تعسف السلطة وليس لها الحق فى مطالبة أى فرد بتفسير عمل أو وضع يخصه أو توجيه اتهام له إلا بناءا على قرائن قوية .

7- تقرير مبدأ عدم المساءلة فى حالات الدفاع عن الحقوق الشخصية او الحقوق العامة .

8- اختيار القضاة على أساس العلم والخلق.

خاتمة

هذه أهم خطوات الإصلاح فى البرنامج السياسي الذي تريد الحركة أن تنظم به المجتمع فى حالة وصولها إلى الحكم بما يحقق الاكتفاء الذاتي للمجتمع ويرعي المصالح العام للأمة , ويوجد الشخصية الجزائرية المسلمة ويقيم المجتمع الأصيل والدولة المسلمة القوية ويهيئ الشروط لحضارة رائدة , يسعد فى ظلها الإنسان كإنسان بغض النظر عن عقيدته ولغته وجنسه .

وهي مجرد عناوين لموضوعات تحتاج إلى بحوث تشرحها وخطة تترجمها إلى واقع وقوانين تضبط كيفية تطبيقها وهي تحتاج إلى إرادة قوية ونية صادقة لأنهما عدة الإصلاح سلاح البناء.

والله نسأل التوفيق والثبات والقبول.

( وقل اعملوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون)

(فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقي)

خطوات لازمة فى الإصلاح

نص رسالة / الشيخ عبد الله جاب الله رئيس حركة النهضة الإسلامية إلى الشاذلي بن جديد رئيس الجمهورية فى نوفمبر 1988

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة إلى السيد رئيس الجمهورية

الحمد لله الذي أنزل القرآن هاديا ومبشرا .

( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ) ( سورة الإسراء : 9)

والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

سيادة رئيس الجمهورية: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

فإن ما حملني على التقدم بهذه الرسالة إلى سيادتكم أمور منها :

1- دعوتكم إلى الحوار الوارد فى خطابكم الذي توجهتم به إلى الأمة بمناسبة الأحداث الأليمة يوم الاثنين 29 صفر 1409 هـ الموافق 10 أكتوبر 1988م.

2- خطورة المرحلة التي تمر بها بلادنا وما تتطلبه من تكاتف وتعاون بين ذوي الرأي ن أبناء هذه الأمة.

3- ما أوجبه الله علينا كل بحسب استطاعته من أداء للنصيحة وتبليغ للكتاب .

قال تعالي :( وغذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) ( سورة أل عمران: 187).

( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدي من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون , إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فألئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم )(سورة البقرة : 159 – 160).

وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم "من كان عنده علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " وقال أيضا " إنما الدين النصيحة, قيل لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " البخاري ومسلم .

4- كون النصيحة لولاه الأمر نصيحة للأمة كلها ففي صلاحهم صلاح الرعية وفى فسادهم فسادها وقد جاء فى الحديث :

صنفان من أمتي إذا صلحا صلح المجتمع وإذا فسد فسد المجتمع , العلماء والأمراء " وقد قيل صلاح الوالي خير من خصب الزمان .

سيادة الرئيس : أبدأ رسالتي بان أذكركم بعظم الأمانة وثقل المسئولية الملقاة على عاتقكم فقد استرعاكم الله هذه الأمة وهو سبحانه سائلكم عنها فإن أحسنتم فلأنفسكم وإن أسأتم فعليها وما ربك بظلام للعبيد فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته .

وليست مسئوليتكم منحصرة فى العمل على إقامة الأمن والدفاع عن حدود البلاد ورفع مستوي معيشة الأمة والنظر لها فى علاقتها الخارجية وإنما تتعداها إلى حراسة الدين وسياسة الدنيا به فإقامة الفروض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنهوض بالصناعة والزراعة وحماية العامل والأمومة والطفولة وسائر ذوي الحقوق من كل صور الاستغلال والإرهاق وكفالة الحق فى الأجر والراحة والعلاج والارتقاء بالمستوي العلمي والتقني وتشجيع الاختراع والإبداع وكفالة الحريات وتوفير الأمن وإقامة الدفاع عن حدود البلاد بما يحقق مقاصد الإسلام ويدفع الضرر عن الناس كل ذلك إنما هو من صميم مسئولياتكم وقد جاء فى القرآن الكريم ( لقد أرسلنا رسلنا بالبيانات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) ( سورة الحديد من الآية 52).

( والذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ( سورة الحج : 41).

وجاء فى الأثر :" إن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن".

ونحن اليوم نجد أنفسنا وبعد تجربة مريرة دامت ربع قرن بكامله واقفين أمام مفرق الطرق .

الأول : طريق الإسلام وأصوله ومبادئه وقواعده .

الثاني : طريق لغرب ونظمه ومناهجه .

وقبل أن نتحدث عن طريق الإسلام الواجب إتباعه أود أن ألفت نظركم إلى جملة أمور أساسية.


قضايا لابد من التدبر فيها

1- ضرورة الاتعاظ بتجربة ربع قرن أثمرت الواقع المر الذي تعيشه البلاد قيادة وشعبا فى جميع جوانب الحياة والتي أدت إلى الانفجار الأخير الذى كاد ان يشمل سائر أجزاء القطر لولا لطف الله أولا وموقف الإسلاميين ثانيا .

2- ضرورة الاستفادة من تجارب الغير فإذا كانت تجربة البلاد المرة قد فشلت فإنه لا يجوز أبدأ أن يخرج منها لندخل فى تجربة الأسلوب الليبير فى الحياة فاليبرالية لا تقل سوءا ولا شؤما عن الإشتراكية فاصلهما واحد وأهدافهما واحدة وإن اختلفت بعد ذلك وسائلهما فى تحقيق الأهداف ويكفي لمزيد من الاتعاظ الالتفات إلى تطبيقاتها فى العالم سواء ف دول المغرب او دول المشرق لنري إندكاك أصولها وانهدام قواعدها وفشل سياستها فى الحكم والاقتصاد والاجتماع حتي أضحت الإنسانية شقية قلقة مضطربة نسبة الإجرام والانتحار ومرض النفس والمجانين هناك لا تعرفها بلاد الإسلام بفضل ما تبقي لها من تمسك بالدين والفضيلة ثم الالتفات إلى ما لحقنا من تلك الدول منذ أن وطئت أقدام فرنسا أرض الجزائر وإلى اليوم من قهر وظلم واستغلال وغدر وخيانة... والأمثلة على ذلك كثيرة ماثلة بين أيديكم ومعلومة لديكم لتحذروا هذا النظام وتبتعدوا عنه فلا تورطوا الأمة فى مصيبة أخري تفوتون عليها مصالحها,وتضيعون عمرها ومالها وإمكاناتها فى تطبيق شئ لا يزيدها من السعادة إلا بعدا ومن الهم إلا قربا والعاقل من اتعظ بتجربة غيره.

3- واجب الوقوف عند الأحداث الأخيرة للدراسة والتأمل فى أسبابها ثم إعلان العودة إلى الحق واستعمال الدواء الناجع بعد عملية تشخيص الداء ووصف الدواء وأنا أعتقد أن هذه الأزمة إنما هى مجرد شرارة تنذر بخطر يعلم نتائجه إلا الله , قاد إليها باختصار :

انحرافنا عن دين الله سبحانه وتعالي بالمفهوم الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبقه الخلفاء الراشدون – رضي الله عنهم – وتكلم عنه العلماء الربانيون وقد قال تعالي ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمي) ( سورة طه: 124).

( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتي إذا فرحوا بما أتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) سورة الأنعام: 44, 45).

ومظاهر هذا الانحراف أكثر من أن تعد أو تحصي منها:

فى المجال السياسي والإداري والمهني والقضائي:

أ- سيطرة الحزب الواحد على كل شئ فى البلاد جعل وكرا لكثير من الانتفاعيين والانتهازيين عاثوا فى الأرض فسادا وإفسادا.

ب- مصادرة سائر الحريات السياسية ومعاقبة كل من يجرؤ على التحدث فى شئون الحكم والسياسة بأقصي أنواع العقوبات.

ت- حكر المناصب والمسئوليات من مستوي مدير فصاعدا على رجال الحزب وذوي الوساطة والجاه.

ث- عزل المتدينين عن المشاركة فى سائر أنواع عمليات الإصلاح والبناء .

ج- عدم الكفاءة والنزاهة فى القضاء وعدم استقلاليتهم عن السلطة التنفيذية جعل من القضاء عصا غليظة مشهرة فى وجوه الناس تنشر الرعب وتعاون على نشر الفساد.

ح- عدم الكفاءة والخلق فى رجال الأمن جعل المتوجة لمصالحهم كأنه متوجه للوقوف فى الحساب بين يدي الله فانتشر الرعب وعم الاضطراب وتحكمت البغضاء فى النفوس للنظام.

خ- فساد الجهاز الإداري وانتشار التعامل بدءا الرشوة والمحسوبية عطل مصالح الناس وعمق الكراهية فى النفوس للنظام.

المجال الاقتصادي

أ- احتكار الدولة للتجارة الخارجية وللصناعة الثقيلة وسائر وسائل الانتاج والتنمية ومنافستها للتجار الصغار حتي على مستوي القري والمدن الصغيرة أدي إلى تذمر الناس من النظام والنظر إليه بعين الكراهية والحقد.

ب- التمكين لطبقة الحكام فى الحزب والدولة والقادة والعسكريين وقدماء المجاهدين والمناضلين فى التجارة والزراعة والصناعة والتضييق على غيرهم أوجد نوعا من الحسد والبغضاء بين فئات المجتمع وعمق الهوة بين الدولة والشعب .

ت- احتكار الدولة للزراعة ومصادرتها للأراضي والتضييق على الفلاحين الصغار فى الحصول على المواد الولية وآلات الحراثة , وفى بيع منتوجاتهم بعد ذلك أفقد الفلاحين الثقة فى النظام فدفعهم إلى ترك أراضيهم والنزوح للمدن والعمل فى المصانع وغيرها فترتب عنه خراب فى الزراعة لم تعرفه البلاد من قبل.

ث- تعامل البنوك بالربا والتشجيع عليه ورث غما واضطرابا شل الحركة ونشر الفساد .

ج- فتح المجال أمام الشركات الأجنبية بدون مراقبة ولا محاسبة فى المستوي أتاح الفرصة للانتهازيين فأثروا فاحشا غير مشروع.

ح- التفاوت الكبير فى الأجور بين مرتبات الموظفين الكبار والموظفين الصغار اوجد نوعا من الطبقية غير المشروعة .

خ- إتباع سياسة غير رشيدة فى توزيع الثروة وتوظيفها فعملية تجميل البلاد بالنصب التذكارية وعقد المؤتمرات الدولية والمهرجانات وكذا الحفلات والسهرات مثلا أثقل ميزانية الدولة واستنزف اقتصادها.

المجال الاجتماعي والتربوي والإعلامي

أما الانحراف فى هذا المجال فإن حصرها أمر متعذر لكثرتها فماذا يمكن أن يحدث من سياسة تعزل الدين عن واقع لتفتح الباب واسعا أمام الغرائز والأهواء تفعل فى الفرد والأسرة والمجتمع ما تشاء ولكن مع هذا نذكر بعض هذه الانحرافات:

أ- تشجيع التبرج والسفور ومحاربة الحجاب والأمر بالاختلاط وتطبيق ذلك فى مختلف مجالات الحياة فى التعليم والإدارة والصحة والصناعة .

ب- تشجيع أمهات الجرائم وكبائر المعاصي كالخمر والزنا والقمار والربا والاحتكار... وحماية أصحابها بقوة القانون.

ت- التضييق على الناس فى المسكن واعتماد سياسة تقسيم الأسرة والتقليل من عدد أفرادها.

ث- عزل الدين عن مناهج التربية والتعليم والتضييق على المتدينين فى المدارس والمعاهد والثانويات.

ج- تفريغ المساجد من الأئمة والأكفاء والقدوة والمخلصين وتأطيرها بأئمة لا يعرف معظمهم لدين أصوله وأحكامه, ولا للمسجد رسالته وآدابه.

ح- فتح الباب واسعا أمام هواة الفن والغناء والرقص وتشجيع ذلك بمختلف وسائل الإعلام والدعاية.

خ- فراغ الإعلام من محتواه الحضاري وصد الباب فى وجه ذوي الخبرة والكفاءة والخلق.

د – اعتماد برامج علمانية فى العلوم الإنسانية وتشجيع الأساتذة المنحلين وأحيانا المرتدين والكافرين وصد غيرهم من الملزمين الواعين من أبناء هذه الأمة.

كل ذلك إنما هو قليل من كثير هذا الواقع المر , وأوجد بركانا يعتلج فى صدور آحاد الأمة شبابا وفتيات رجالا ونساءا شيوخا وعجائز لا يزيدها السكوت عنها والقعود عن تغييرها وإصلاحها مع مر الأيام إلا مرارة تنذر ببلاء كبير وشر مستطير إن لم يتداركه العقلاء قبل فوات الأوان.

4- واجب الوفاء لشهداء هذا البلد الذي ما توقف عن جهاد الكافرين والكفر منذ أن عرف الإسلام ومئات المعارك التي خاضها وخلف فيها ملايين الشهداء تطالبك كرجل انتهت إليك المسئولية فى هذا البلد منذ عشر سنوات لتسلك بأبنائهم وأحفادهم سبيل الحق وتسير بهم على الصراط المستقيم .

5- واجب الوفاء لما جاء فى بيان أول نوفمبر ولما جاء فى دستور الجزائر 1976 والدستور المعدل بعد ذلك 1986 حيث ذكر الأول أن هدف الثورة هو: إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية .

ونص الثاني على أن الإسلام هو دين الدولة " المادة 2" والمبادئ هى الأسس التي يعتمد عليها الشئ والتي تحدد مساره وتضفي عليه لطابع المميز له وقد نص البيان على أن هذه المبادئ إنما هي مبادئ الإسلام ومن ثم فإن الطابع لهذه الدولة هو الطابع الإسلامي ومسارها فى الحياة إنما هو منهج الإسلام والدين غنما هو النظام والطريق والمنهج والشريعة قال تعالي  إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) سورة يوسف من الآية :40) ( كذلك كدن اليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك) ( سورة يوسف من الآية 76)

وهذا الذي أكده القرآن فى جميع نصوصه المتحدثة فى هذا الباب. واتفق عليه علماء هذه الأمة عبر تاريخها الطويل أما ما شاع بين كثير من الناس حول القطيعة الموجودة بين الدين والحياة فإنما هو من ثمرات الفكر العلماني الذي أوجد جيلا منهزما فكريا وشعوريا بهرته الحضارة الغربية فانقاد وراءها كالأعمي فتعطلت قواه الفكرية والنفسية والإدارية وانطلقت فيه القوي الجسدية المختلفة وسيطر عليه الجهل بالمفاهيم والتعاليم الإسلامية الصحيحة فحلت الكارثة بالأمة والبلاد.

6- إنكم تحكمون شعبا صفته الشجاعة والوفاء والكرم وهو مسلم أبا عن جد لا يحتاج إلى إثبات هويته هذه فهي كالنار على علم و يجوز شرعا كما لا يقبل عقلا أن تحكموه بما يتعارض ودينه ومقولة لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة التي طالما تبجح بها الرؤساء والزعماء ليعطوا لأنفسهم بعد ذلك حق التشريع وسن القوانين بلا وازع دين ولا رقيب من ضمير ولا رادع من قانون إنما هي مقولة كفر تضع من يؤمن بها ويدعو لها فى صف الكافرين , فالدين عندنا عقيدة وشريعة وعبادة وأخلاق قال تعالي : ( وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون) سورة المائدة: 49).

(فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير) ( سورة هود: 112).

( إن الحكم إلا الله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) سورة يوسف من الآية : 40).

7- واجب الخوف من الله سبحانه وتعالي فإن من المعلوم من الدين بالضرورة مما لا يجوز أن يجهله عالم ولا جاهل أن الإنسان مأخوذ بأعماله كلها وأنه مسئول عن تصرفاته فإذا كانت الأعمال والتصرفات صادرة من رئيس دولة فإن الأمر أدهي وأمر فهو المسئول الأول عن دين رعيته والنظر لها فيما فيه مصالحها فى الآجل والعاجل . وفى القرآن الكريم: ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون) سورة النحل : 25)

وفى الحديث :" من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "

وإن أى خروج عن دين الله سبحانه وتعالي بما لا تسمح به قواعد التشريع ومبادئ الدين إنما هو ابتداع فى الدين يلحق صاحبه أبشع أنواع العقوبات فى الدنيا والآخرة وفى الحديث : " من أحدث حدثا أو آوي محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ".

وفى القرآن (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمي )

( سورة طه: 124) ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ( سورة النور من الآية 63).

8- واجب التدبر فى طبيعة العهد الذي نعيشه والمرحلة التى نمر بها فهو عهد جديد ومرحلة جديدة وأن أصعب المراحل وأخطر العهود فى حياة الأمم وأولاها بتدقيق النظر والالتفات إلى التاريخ ودراسة الواقع واستشارة ذوي الرأي والخبرة والمخلصين النزهاء إنما هو عهد الانتقال ن حال إلى حال , وقد كان الواجب أن يكون هذا إبان الاستقلال ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ( وربك يخلق ما يشاء ويختار )( سورة القصص من الآية 68).

9- وجاءت الأحداث الأخيرة فى وقت استعداد الدولة إلى عقد مؤتمر حربها السادس الذي جعلت موضوعه مناقشة وإثراء القضايا النظامية فهي لذلك مرحلة مهمة فى تاريخ هذا البلد تدعو إلى التوقف والنظر قبل ضياع الفرصة وفوات الأوان .

مزايا النظام الإسلامي

من خلال ما سبق ذكره يتبين لنا أن المناهج الوضعية قد افتضح حالها وانتهي أمرها وانكشفت عوراتها وأن السبيل الوحيد الذي تجب العودة إليه إنما هو طاعة الله وإتباع سبيله مثلا فى الكتاب والسنة وطاعتنا له إنما هو وفاء لعهد الشهداء واستجابة لنداءات الأمة وتلبية لرغبتها ثم هو بعد ذلك ما تدعو إليه المصلحة وتتطلبه المرحلة فنحن إذا سلكنا بالأمة هذا المسلك واتبعنا هذا الطريق حققنا الفوائد التالية على سبيل المثال لا الحصر:

1- تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بعد الاستقلال السياسي لأننا إنما نطبق منهجا جرب فى تاريخ هذه الأمة فحقق لها أسمي النتائج التي سعدت بها الإنسانية جميعا ونتبع دنيا يستمد قدسيته من الله سبحانه وتعالي فله من التأثير على النفس ما يسهل على الجميع تعلم تعاليمه والاستجابة لأحكامه والتأدب بآدابه فيسهل علينا عملية الإصلاح وييسر لنا جهد البناء قال تعالي ( ولو أن أهل القري منوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) ( سورة الأعراف من الآية 96).

2- تمتين الوحدة الداخلية وشحن طاقات الأمة جميعا وتسخيرها فى خدمة الدين والقوم والوطن فالناس فى الإسلام يؤمنون بوجوب الطاعة والنصرة لولاة الأمر منهم ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) سورة النساء من الآية 59).


ويشعرون بالأخوة الكاملة نحو بعضهم بعضا ( إنما المؤمنون إخوة) ( سورة الحجرات من الآية 10) ويعتقدون ان المحاسبة على الواجب إنما تكون حسب الطاقة والاستطاعة ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ( فاتقوا الله ما استطعتم).

وأن خدمة القوم والوطن إنما هي طاعة لله وخدمة للدين ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربي واليتامي والمساكين والجار ذي القربي والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ( سورة النساء : 36).

3- قيادة شعوب لعالم العربي أولا شعوب العالم الإسلامي ثانيا فالمسلمون على اختلاف ألوانهم وتنوع جنسياتهم يشعرون بالإخوة الكاملة نحو بعضهم بعضا ( إنما المؤمنون إخوة) ويؤمنون بوجوب النصرة للإسلام ومساعدة المسلمين والعون على تطبيق شرع الله سبحانه وتعالي, ويعتبرون كل ذلك من الجهاد المقدس الواجب عليهم بالمال والنفس ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله أولئك هم الصادقون) ( سورة الحجرات : 15).

فيمدوننا بطاقاتهم وإمكاناتهم المعنوية والمادية وفى هذا خير كبير للوطن لا يرغب عنه ذو رأي وحكمة.

4- الاستقلالية عن أمم الكفر سواء فى المناهج والنظم أو فى الإمكانات والطاقات فنحن حينئذ إنما نطبق نظاما شاملا كاملا ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( سورة المائدة : من الآية 3).

يهدي أتباعه للتي هى أقوم فى كل جوانب الحياة ( إن هذا القرآن يهدي للتي هى أقوم ) ( سورة الإسراء من الآية 9).

ويفرض على أتباعه كلهم خصة ذوي الخبرة والطاقة وضع خبراتهم وطاقاتهم فى خدمته ( فاتقوا الله ما استطعتم) وفى هذا ما يدعم استقلال الوطن ويوجد له قيمة ومكانة بين دول العالم وشعوبه.

5- توفير الجهد والوقت واختصار الطريق نحو الحضارة والتقدم فاتباع هذا المنهج إنما هو اتباع للطريق المستقيم وهو أقصر الطرق نحو السعادة فى الدنيا والفلاح فى الآخرة .

( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)( سورة الأنعام : 153).

6- ثم هو بعد ذلك وقبل ذلك يجعلنا نفوز بعون الله سبحانه وتعالي وبنصره وحفظه وتأييده ( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ) سورة آل عمران من الآية 120).

( ومن يتق يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ) ( سورة الطلاق : 2- 3).

( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) ( سورة آل عمران من الآية 126).

وليس هذا الذي نقوله مجردا بل هو ما يؤكده القرآن والسنة وهو قليل من كثير وأنا على قلة ما عندي من بضاعة فى العلم التجربة أضع بين أيديكم ما أراه حلا لأزمات الأمة مما يشبع رغباتها ويحقق آمالها ولست أبغي من وراء ذلك إلا أن أكون قد أديت واجب النصيحة وقمت بأمانة الإرشاد.

خطوات لازمة فى الإصلاح

سيادة رئيس الجمهورية: بعد الذي سبق بيانه من مزايا الحل الإسلامي , وفشل المناهج الوضعية وعجزها عن تحقيق رغبات الأمة وتلبية مطالبها ومن ضرورات وموجبات العودة إلى منهج القرآن والسنة : أتقدم إلى سيادتكم ببعض المقترحات اللازمة فى سياسة الإصلاح والتي تجسد جزءا من آمال الأمة وتستجيب لكثير من مطالبها وتنقلها إلى المستوي اللازم الذي تستطيع فيه تطبيق ما تصبوا إليه وتتمناه , وإني أعلم أن هذه الخطوات إنما هي مجرد عناوين لموضوعات تحتاج إلى بحث طويل من مجموعة من الأخصائيين الأكفاء كما أعلم أن هناك كثيرا من العقبات التي تقف دون تطبيقها ولكن يقيني فى أن الإرادة القوية والنية الصادقة هما عدة الإصلاح وسلاح البناء فلتعزموا والله معكم والمؤمنون يؤيدونكم ويضعون كل ما يملكون تحت تصرفكم .

عناوين خطوات الإصلاح

الجانب السياسي الإداري والحقوقي والأمني

1- تشكيل هيئة دستورية عليا من العلماء ورجال القانون تتولي مراجعة القوانين الموجودة على ضوء الكتاب والسنة وكذا مراجعة كل مرسوم أو قرار يصدر من السلطة التنفيذية.

2- إعلان مبدأ السيادة لشرع الله والسلطة للشعب يمارسها طبقا لأحكام الشريعة .

3- إعلان مبدأ مسؤولية رئيس الدولة أمام الشعب وأمام المجلس الشعبي الوطني . وعزله إن صدر فى حقه حكم جنائي أو سياسي.

4- إعلان مبدأ الفصل بين السلطات وإعطاء الرقابة والمحاسبة للسلطة التشريعية.

5- الإعلان عن مسؤولية الدولة عن الدين وتعهدها بحمايته والسعي فى تحقيق أهدافه فى المجتمع وإبلاغها إلى الناس .

6- تبني العمل على تقوية العلاقات بين الدول العربية الإسلامية والسعي لتحقيق الوحدة المغاربية والعربية تمهيدا لتحقيق الوحدة الإسلامية الكبري واسترجاع الخلافة الضائعة.

7- تقليص نفوذ الحزب والسماح لذوي الكفاءة والخلق من غير الحزبيين لمساهمة فى الإصلاح والبناء .

8- اتخاذ الشوري منهجا وأسلوبا فى الحكم .

9- الإعلان عن فتح الحريات – حرية الاعتقاد والقول والنشر والاجتماع والعمل وإنشاء الجمعيات- السياسية والثقافية والاجتماعية ... إلخ- والنقابات وحرية التنقل داخل البلاد وخارجها – فى حدود الأدب الإسلامي وأحكام الشريعة وإصدار القوانين التي تنظمها وتحميها.

10- ضمان حرمة المسكن والمراسلات والمكالمات إلا فى حالات الجرائم بإذن قضائي.

11- توفير أسباب العلاج المجاني بجميع أنواعه لكل أفراد المجتمع .

12- الإعلان عن تحمل الدولة لمسؤولية إعالة وكفالة من لا كفيل له من اليتامي والأرامل والعجزة وذوي العاهات والمجانين والأولاد القصر .

13- منع تعذيب الأشخاص المتهمين ومعاقبة من يمارس ذلك من جميع مصالح التحقيق الابتدائي.

14- الإعلان عن تحمل الدولة لمسؤولية من لحقه ضرر فى نفسه أو ماله ن الدولة أو من أشخاص غير معروفين أو غير قادرين على التعويض.

15- إعلان مبدأ حماية ونصرة المظلومين والمستضعفين حيثما كانوا فى الأرض وإعطاء حق اللجوء لمن يطلبه فى حدود القانون مع تكفل الدولة لمن تمنحه هذا الحق بالأمان والحماية والضيافة وأن تبلغه متي طلب ذلك .

16- إخضاع العلاقات الخارجية مع غير المسلمين غلى أحكام الشريعة المتعلقة بذلك أولا والمصلحة المتيقنة للبلد ثانيا .

17- إعلان وتطبيق المبادئ التالية:

- المساواة أمام القضاء فى التقاضي والحماية .

- لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص فى القانون.

- كل إنسان مسؤول عن أفعاله ولا يؤخذ أحد بجريمة غيره .

- المتهم بريء حتي تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي .

- لا يحكم بإدانة شخص إلا بمحاكمة عادلة تتوافر له فيها كل ضمانات الدفاع عن نفسه .

18- إلغاء محكمة أمن الدولة ورد القضايا كلها إلى المحاكم العامة .

19- إعلان تطبيق مبدأ استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية وحرية تصرفه فى حدود القانون.

20- لا يخضع القاضي إلا إلى الشريعة وتوجيهاتها.

21- وظيفة الدولة بالنسبة لأحكام القضاء هي تنفيذها وأى امتناع منها عن تنفيذ الأحكام يعتبر جريمة يعرضها للمتابعة القضائية .

22- إعلان وتطبيق علنية الجلسات إلا لضرورة شرعية .

23- اختيار القضاة على أساس العلم والورع والإخلاص .

24- لكل فرد الحق فى الحماية من تعسف السلطة وليس لها الحق فى مطالبة أى فرد بتفسير أى عمل أو وضع يخصه أو توجيه اتهام له إلا بناء على قرائن قوية على تورطه فى ما نسب إليه .

25- إعلان مبدأ عدم المساءلة فى حالات الدفاع عن الحقوق الشخصية أو عن الحقوق العامة.

26- لأعضاء المجلس الشعبي حق التعبير عن آرائهم أثناء تأدية واجباتهم ولا يجوز القبض عليهم بسبب ذلك ولا اعتقالهم ولا إيذاؤهم أو الإضرار بهم بأية صورة كانت ولا إسقاط عضوية المجلس عنهم .

27- إعلان مبدأ المساواة فى الحقوق دون امتياز أو تمييز بسبب منصب أو جاه .

28- ليس لرئيس الدولة حق العفو عن عقوبة الحدود القصاص والدية ولا يحق تخفيفها ولا إيقاف تنفيذها و استبدال غيرها بها .

29- مراعاة الصفات الأخلاقية إلى جانب الكفاءات اللازمة فى أعضاء الجهاز الإداري والأمني .

30- مراقبة سلوك الموظفين الإداريين ورجال الأمن وعدم الفصل بين السلوك الشخصي والسلوك العملي .

31- تنظيم دوريات توعية وتوجيه للموظفين الإداريين ورجال الأمن بحيث يتفهمون طبيعة واجباتهم ويشعرون بأنهم مطالبون بتعاليم الإسلام .

32- مراعاة أوقات الصلاة فى تحديد برنامج العمل الزمني .

33- محاربة الرشوة والمحسوبية وملاحقة من يفعل ذلك قضائيا .

34- إعطاء حق العضوية القانونية فى المجلس الشعبي للعلماء والمصلحين واختيار البقية على أساس التخصص والقدوة والإخلاص .

35- إعطاء الحصنة للعلماء المصلحين الذين اشتهروا بالكفاءة والقدوة والتضحية فلا يتابعون من قبل مصالح التحقيق الابتدائي وإنما يسألون فى حالات الخطأ أمام المجلس الشعبي الوطني أو أمام هيئة من العلماء تنشأ لذلك حتي يتسني لهم المساهمة الفعالة فى تربية الأمة وحسن إعدادها .

الجانب الاقتصادي

1- السماح بالملكية الخاصة واعتبارها حقا ووظيفة لا يجوز التعرض لها بالمصادرة العامة والخاصة.

2- تنظيمي أمر الزكاة دخلا ومصرفا وفق أحكام الشريعة الإسلامية وإسناد أمر هذه المهمة إلى هيئة من العلماء تابعة للجهاز التشريعي أو الديني " وزارة الشؤون الدينية".

3- تحريم الربا بكل صوره , كذا الاحتكار والتبذير والاستغلال وان تكون الدولة قدوة فى ذلك .

4- إعادة الأوقاف الإسلامية المصادرة واحترام رغبات الواقفين سابقا ولاحقا .

5- النهوض بالزراعة ورفع شعار الأرض لمن يحييها ما مساعدة الفلاحين الصغار وحمايتهم من المستغلين أيا كان موقعهم.

6- تشجيع المشروعات الاقتصادية الحكومية والإكثار منها .

7- تشجيع حرية التجارة المشروعة بجميع أنواعها وأشكالها وعدم التدخل فى التسعير إلا فى حالات الضرورة القصوي .

8- تنظيم أمر الضرائب وحصرها على القادرين من التجار وغيرهم إذا دعت الضرورة وعجزت ميزانية الدولة .

9- منع صور النشاط الاقتصادي المحرمة شرعا.

10- منع كل صور السيطرة الاقتصادية الأجنبية .

11- إشراك علماء الشريعة فى المجالس واللجان المكلفة بالشؤون الاقتصادية للمساهمة معهم فى وضع الخطط فى الأمور ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي

12- كفالة الحق فى الأجر والراحة والعلاج وحماية العامل والطفولة والأمومة من كل صور الاستغلال والإرهاق .

13- تحسين حال الموظفين برفع مرتباتهم ومكافآتهم .

14- توزيع الوظائف والأعمال على الراغبين فيها بصورة عادلة ومحاربة البيروقراطية والمحسوبية والرشوة من يفعل ذلك .

15- العناية بشؤون العامل الفنية والاجتماعية والعمل على رفع مستواه العلمي والتقني .

16- الابتعاد عن سياسة الإسراف والتبذير فى الاجتماعات والحفلات والمهرجانات والمؤتمرات والاقتصاد فى ذلك .

17- اتباع سياسة الأهم فالمهم فتقدم المشروعات الضرورية على الكماليات فى الإنشاء والتنفيذ.

18- التوقف عن سياسة تجميل المحيط بالنصب التذكارية أو بغيرها مما لا تدعو إليه النظافة والراحة .

الجانب الاجتماعي والتعليمي والإعلامي

1- صيانة عقيدة الأمة وحماية شريعتها وتنظيم شعائرها.

2- تشجيع الأخلاق الفاضلة والدفاع عنها ومعاقبة كل من يعتدي على الآداب الإسلامية.

3- محاربة الغزو الفكري بكل صوره وتحذير الناس منه .

4- العمل على نشر الثقافة الإسلامية بكل وسائل الإعلام المتوفرة وتشجيع من يفعل ذلك من أبناء هذه الأمة .

5- تعليم فروض العين لكل أبناء الأمة والتشجيع على تعلم فروض الكفاية مع وضع البرامج والمناهج المناسبة وتوفير الوسائل ورصد الإمكانات اللازمة لذلك.

6- مراعاة الصفات الأخلاقية إلى جانب الكفاءات العلمية فى اختيار الأساتذة والمعلمين وأعضاء الهيئات الإدارية التابعة للتعليم .

7- تشكيل لجان من العلماء والأساتذة الجامعيين وأساتذة الثانوي لمراجعة البرامج التعليمية ومناهجها الموجودة بما يخدم عقيدة المجتمع وشريعته وشعائره.

8- ضرورة إعادة النظر فى مناهج تعليم البنات ووجوب التفريق بينها وبين مناهج تعليم الذكور فى كثير من مراحل التعليم .

9- الالتزام بتحصيل ما تيسر من القرآن الكريم لجميع سنوات التعليم وتشجيع تحفيظ القرآن فى المدارس المسجدية واشتراط حفظه فى نيل الشهادات العلمية المتصلة بالدين واللغة العربية .

10- العناية باللغة العربية فى كل مراحل التعليم وإفرادها فى المرحلة الابتدائية عن غيرها من اللغات الحية مع حسن اختيار النصوص لذلك .

11- العناية بتدريس التاريخ الإسلامي والتاريخ الوطني سواء التاريخ السياسي والعسكري أو التاريخ الثقافي والعلمي .

12- العناية بالمرأة وتعليمها وتوجيهها وصيانتها من الاستغلال والتبذل.

13- مقاومة التبرج والخلاعة والتشديد فى ذلك على المدرسات والتلميذات والطالبات الطبيبات والممرضات ومن فى حكمهن.

14- منع الاختلاط فى التعليم والإدارة والصحة والشركات والمؤسسات ومعاقبة كل من وجد متلبسا بذلك .

15- التقليل من توظيف المرأة إلا فى المرافق الخاصة بشؤون النساء كالتمريض والتدريس للبنات.... إلخ.

16- القضاء على البغاء بنوعيه السري والعلني واعتبار الزنا واللواط مهما كانت الظروف جريمة يعاقب عليها القانون بالعقوبة المناسبة شرعا.

17- رعاية شؤون الزواج والتشجيع عليه وتقديم المساعدات اللازمة لكل محتاج.

18- رعاية شؤون الأسرة وحماية الأمومة والطفولة .

19- القضاء على القمار بكل أنواعه والتشديد فى معاقبة من وجد متلبسا بذلك .

20- منع الخمر وسائر المخدرات وغلق كل الحانات المخصصة لذلك والتشديد فى معاقبة من وجد متلبسا بذلك.

21- تحريم الرقص وغلق المراقص والصالات الخليعة ومعاقبة من وجد متلبسا بذلك.

22- إصلاح السياسة الإعلامية وإخضاعها لأحكام الشريعة وتوظيفها فيما يخدم مقاصد الدين ولا يتعارض مع الآداب العامة للإسلام والنظام العام فى المجتمع .

23- اختيار رجال الإعلام – المقروء والمسموع والمنظور – على أساس الكفاءة والخلق .

24- تشديد الرقابة على دور التمثيل ومراكز بيع أو إيجاز أشرطة الفيديو وبرامج التلفزة والإذاعة وحسن اختيار ما يعرض على المجتمع أو يذاع من برامج وروايات وأفلام وأغان ومحاضرات.

25- التشجيع على الكتابة والتأليف وتيسير عملية النشر والتوزيع .

26- تيسير سبل التحقيق أمام الصحفيين وتسجيعهم على قول كلمة الحق ونشرها فى حدود ما يسمح به الأدب الإسلامي وتدعو إليه المصلحة الراجحة .

27- مصادرة الكتب والروايات والصحف الماسة بدين الأمة وكرامتها.

28- السماح لذوي العلم والورع وأصحاب الكفاءة والاختصاص بإصدار ما شاؤوا من المجلات التربوية والتثقيفية أو التوجيهية أو الأدبية أو السياسية .

29- حماية رجال الإعلام والصحافة وأرباب القلم والكتابة من رجال الأمة من المتابعات القضائي فى كل ما يقولون أو يكتبون مما يسمح به الأدب الإسلامي والمصلحة الراجحة.

30- تنظيم أماكن السباحة والمصايف وتطهيرها من الإباحية والخلاعة والاختلاط.

31- تنظيم أوقات فتح وغلق المقاهي ومراقبة ما يجري فيها مما يخل بالأدب الإسلامي أو يتعارض مع القانون والنظام العام .

32- تكوين فرق الحسبة وإحياء رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإسناد ذلك لرجال يتسمون بالتدين والعلم والقدرة .

33- معاقبة كل من يعتدي على شعائر الإسلام كالإطار فى رمضان وترك الصلاة عمدا وسب الدين بما هو مقرر فى الفقه الإسلامي . 34- حماية الأئمة من رجال الأمن والمتابعات القضائية ورفع الرقابة عليهم فى كل ما يقولون مما لا يخرج عن أحكام الشريعة ولا يتعارض والأدب الإسلامي.

35- إعلان حرية واستقلالية المساجد وإعادة الأوقاف المؤممة والسماح بتوقيف ما يلزمها لأداة رسالتها التربوية والتعليمية والتوجيهية.

36- العناية بشؤون الصحة العامة من حيث الدعاية والوقائية او العلاج أو الأدوية أو الأطباء والممرضين أو المستشفيات .. ورصد الإمكانات اللازمة لذلك .

37- العناية بشؤون القري والأرياف وتوفير المسائل الضرورية من مسكن وطرق ومواصلات وإنارة ومدرسة ومستوصف ورصد الإمكانات اللازمة لذلك .

وختاما فإني ألفت نظركم إلى أن الأمة تحتاج لتقدمها وبناء حارتها إلى قيادة حازمة ومنهج كامل شامل ورعية مؤمنة بمنهجها عارفة لواجباتها وحقوقها وقد توفر عنصران اليوم لهذه الأمة فالمنهج الكامل الشامل المستغني عن غيره من المناهج الموجودة وهو الإسلام والإيمان به حاصل لدي هذه الأمة وبقي أن تكونوا أنتم هذه القيادة الحازمة لتسير بعد ذلك هذه الأمة نحو التقدم والحضارة بإذن الله .

وما ذكرته فى كتابي هذا من مناحي الإصلاح إنما هو خلاصة دراسة وتاملات فى واقع هذه الأمة وتطلعاتها وإذا تأملتموه ونظرتم إليه بعين الاعتبار وأعطيتوه حظه من العناية والنظر والإصغاء علمتم مدي حبي وصدقي وإخلاصي لدين وبلادي وأمتي .

وأملي أن ترتفعوا عن مرتبة من تستحوذ عليهم شهواتهم وتتغلب عليهم الأهواء فتكونوا من ذوي الهمم البعيدة والأنفس الأبية وهذا هو المؤمل فيكم بعد المنعطف الخطير الذي وصلت إليه البلاد وقديما قيل : دافع عن دينك تصلح عاقبتك.

والسلام عليكم!!

الأستاذ عبد الله جاب الله

إمام مسجد الشهداء - سكيكدة

وثيقة: دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأصولهاللشيخ عبد الحميد بن باديس (رحمه الله)

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله وسلم

دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأصولها

1- الإسلام هو دين الله الذي وضعه لهداية عباد . وأرسل به جميع رسله وكمله على يد نبيه محمد الذي لا نبي من بعده .

2- الإسلام هو دين البشرية الذي لا تسعد إلا به وذلك لأنه :

أولا: كما يدعو إلى الإخوة الإسلامية بين جميع المسلمين , يذكر بالأخوة الإنسانية بين البشر أجمعين .

ثانيا: يسوي فى الكرامة البشرية والحقوق الإنسانية بين جميع الأجناس والألوان.

ثالثا: لأنه يفرض العدل فرضا عاما بين جميع الناس بلا أدني تمييز .

رابعا: يدعو إلى الإحسان العام .

خامسا : يحرم الظلم بجميع وجوهه وبأقل قليلة من أى أحد على أى أحد من الناس .

سادسا : يمجد العقل ويدعو إلى بناء الحياة كلها على التفكير .

سابعا: ينشر دعوته بالحجة والإقناع لا بالختل والإكراه .

ثامنا : يترك لأهل كل دين دينهم يفهمونه ويطبقونه كما يشاءون .

تاسعا : شرك الفقراء مع الأغنياء فى الأموال وشرع مثل القراض والمزارعة والمغارسة مما يظهر به التعاون العادل بين العمال وأرباب الأراضي والأموال .

عاشرا : يدعو إلى رحمة الضعيف فيكفي العاجز ويعلم الجاهل ويرشد الضال ويعان المضطر ويغاث الملهوف وينصر المظلوم ويؤخذ على يد الظالم .

حادي عشر : يجعل الحكم شوري ليس فيه استبداد ولو لأعدل الناس .

3- القرآن هو كتاب الإسلام

4- لسنة " القولية والفعلية " الصحيحة تفسير وبيان للقرآن.

5- سلوك السلف الصالح " الصحابة والتابعين وأتباع التابعين) تطبيق صحيح لهدي الإسلام.

6- فهوم أئمة السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب والسنة .

7- البدعة كل ما أحدث على أنه عبادة وقربة ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وكل بدعة صلالة.

8- المصلحة كل ما اقتضته حاجة الناس فى أمر دنياهم ونظام معيشتهم وضبط شؤونهم وتقدم عمرانهم مما تقره أصول الشريعة .

9- أفضل الخلق هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه :

أولا : اختاره الله لتبليغ أكمل شريعة إلى الناس عامة .

ثانيا : كان على أكمل أخلاق البشرية.

ثالثا: بلغ السرالة ومثل كمالها بذاته وسيرته.

رابعا : عاش مجاهدا فى كل لحظة من حياته قى سبيل سعادة البشرية جمعاء حتي خرج من الدنيا ودرعه مرهونة.

10- أفضل أمته بعده هم السلف الصالح لكمال ابتاعهم له .

11- أفضل المؤمنين هم الذين آمنوا وكانوا يتقون وهم الأولياء الصالحون فحظ كل مؤمن من ولاية الله على قدر حظه من تقوي الله .

12- التوحيد أساس الدين فكل شرك فى " الاعتقاد أو فى القول أو فى الفعل " فهو باطل مردود على صاحبه.

13- العمل الصالح المبني على التوحيد به وحده النجاة والسعادة عند الله فلا النسب ولا الحسب ولا الحظ بالذي يغني عن الظالم شيئا.

14- اعتقاد تصرف أحد من الخلق مع الله فى شئ ما شرك وضلال منه اعتقاد الغوث والديوان .

15- بناء القباب على القبور ووقد السرج عليها والذبح عندها لأجلها والاستغاثة بأهلها ضلال من أعمال الجاهلية ومضاهدة لأ‘مال المشركين من فعله جهلا يعلم ومن أقره ممن ينتسب إلى العلم فهو ضال مضل .

16- الأوضاع الطرقية بدعة لم يعرفها السلف ومبناها كلها على الغلو فى الشيخ والتحيز لاتباع الشيخ وخدمة دار الشيخ وأولاد الشيخ إلى ما هنالك من استغلال وإذلال وإعانة لأهل الإذلال... والاستغلال ... ومن تجميد للعقول وإماتة للهمم وقتل للشعور وغير ذلك من الشرور ...

17- تدعو ما دعا إليه الإسلام وما بيناه منه من الأحكام بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من الأئمة مع الرحمة والإحسان دون عداوة أو عدوان .

18- الجاهلون والمغرورون أحق الناس بالرحمة .

19- المعاندون المستغلون أحق الناس بكل مشروع من الشدة والقسوة .

20- عند المصلحة من مصالح الأمة يجب تناسي كل خلاف يفرق الكلمة ويصدع الوحدة ويوجد للشر الثغرة ويتحتم التآزر والتكاتف حتي تنفرج الأزمة وتزول الشدة بإذن الله ثم بقوة الحق وادراع الصبر وسلاح العلم والعمل والحكمة .

( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين )

عبد الحميد بن باديس

بقسنطينة بالجامع الأخضر

أثر صلاة الجمعة 4 ربيع الأول 1356هـ

رسالة الأمير عبد القادر الجزائري إلى علماءمصر يستفتيهم فى أمر الهجرة من المناطق التي احتلها الفرنسيون وجواب الشيخ عليش مفتي المالكية بالديار المصرية على ذلك

ما كتبه الأمير عبد القادر الجزائري إلى علماء مصر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا يوافي نعمه , ويكافئ مزيده . اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وارض اللهم عن الصحابة أجمعين وعن الآئمة الراشدين.

من خديم المجاهدين والعلماء والصالحين عبد القادر بن محي الدين إلى سادتنا العلماء الأبرار الأفاضل الأخيار رضي الله عنكم وأرضاكم وجعل الجنة منزلتكم ومثواكم. جوابكم عما فعله بنا سلطان المغرب من المنكرات الشرعية التي لا تتوقع من مطلق الناس فضلا عن أعيانهم فأمعنوا نظركم فيها شافيا وأجيبونا جوابا كافيا خاليا عن الخلاف ليخلو قلب سامعه عن الاعتساف وذلك أنه لما استولي عدو الله الفرنسيس على الجزائر وخلت الإيالة عن الأمير وانقطعت السبل , وعطلت الأسباب وطالت شوكة الكافر , اجتمع ذوو الرأي للجهاد لئلا يبقي الكافر فى راحة فتمتد يده فاختاروا رجى منهم وقدموه لذلك فتقدم , وعمل جهده فيما قدموه له فتأمنت السبل بحمد الله وتيسرت الأسباب بعونه وجاهد فى سبيله وذلك من لدن سنة الستة والأربعين غلى سنة ثلاث وستين هذه ولن نزال كذلك غن شاء الله فإذا بسلطان المغرب فعل بنا الأفعال التي تقوي حزب الكافر على الإسلام وتضعفنا وأضر بنا الضرر الكثير ولم يلتفت إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه" ولا إلى قوله صلى الله عليه وسلم :" المؤمن لأخيه كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضا " ولا إلى قوله :" المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعي بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم " إلى غير ذلك من الأحاديث الشريفة فأول ما فعل بنا أننا حاصرنا الكافر فى جميع ثغوره نحوا من ثلاث سنين وقطعنا عليه السبل ومادة البر من الحب والحيوان وغيرهما تضييقا عليه وتضعيفا له خصوصا من جهة الحيوان لأن قانون عسكره أنهم إذا لم يأكلوا اللحم يومين أو ثلاثة يفرون عن طاغيتهم ولا يقاتلون ولا يلامون , حتي بلغت قيمة الثور عندهم مائة ريال دوروا فإذا بالسلطان المذكور أمدهم وهم فى الضيق الشديد بألوف من البقر وغيرها الثاني أنه غصب من عاملنا ألفا وخمسمائة بندقية إنكليزية الثالث . أنه غصب من وكيلنا أربعمائة كسوة جوخ أعددناها لمجاهدين الرابع أن بعض المحبين فى الله ورسوله من رعيته قطع قطعة من ماله الخاص به ليعين به المجاهدين,, فإذا بالسلطان المذكور زجره ونزعها منه وقال أنا أحق بها والحال أنه لم يجاهد. الخامس أن بعض القبائل من رعيته عزموا على إعانتنا بأنفسهم فى سبيل الله فمنعهم من ذلك وأعاننا آخر من رعيته بسيوف فى سبيل الله فحبسه إلى الآن زجرا له وردعا لغيره السادس أنه لما وقعت لهذا السلطان مقاتلة مع الفرنسيس أيام قلائل ثم تصالحا واشترط عليه الفرنسيس أن لا يتم الصلح بينهما إلا إذا حل أمر هذه العصابة المحمدية المجاهدين ويقبض رئيسهم فإما أن يحبسه طول عمره , وإما أن يقتله , وإما أن يمكنه من يد الفرنسيس أو يجليه من الأرض فأجابه السلطان السلطان إلى ذلك كله ثم أمرني بترك الجهاد فأبيت , لأنه ليس له على ولاية ولا أنا من رعيته , ثم قطع عن المجاهدين الكيل حتي هام جوعا من لم يجد صبرا وأسقط من المجاهدين ركنا ثم أخذ يسعي ف قبضي فحفظني الله منه , ولو ظفر بي لقتلني أو لفعل بى ما اشترطه عليه الفرنسيس ثم أمر بعض القبائل من رعيته أن يقتلونا , ويأخذوا أموالنا , وكأنه استحل ذلك فأبوا جزاهم الله خيرا . فإذا تصورتم أيها السادات هذه الأفعال التي تنفطر منها الأكباد وتتأثر عند سماعها العباد فهل يحرم عليه ذلك ويضمن ما غصب وقتل بنا أن قتلنا حسبما نص عليه المعيار فى أول باب الجهاد وزبدتها أنه إذا نزل الكافر بساحة المسلمين وقال لهم إن لم تعطوني فلانا أو ماله أو يقتل استأصلتكم فإنه لا يسعهم ذلك ولا يعطوه شيئا مما طلب , ولو خافوا استيصاله فإن أعطي ماله ضمنه الأمر به ونقل ذلك عن نصوص المالكية والشافعية وكما نص على ذلك الشيخ مياره فى شرح لأميه الزقاق فى آخر باب الإمامة الكبري ونصه : قال ابن رشيد :" إذا أمر الإمام بعض أعوانه بقتل رجل ظلما ففعل فلا خلاف أنهما يقتلان معا" نقله المراق عند قول خليل فى باب الجنايات كمكره ومكره فإن فعل المأمورذلك خوفا على نفسه فإنه لا يعذر بذلك قال ابن رشيد أيضا :" الإكراه على الأفعال إن كان يتعلق به حق لمخلوق كالقتل والغصب فلا خلاف أن الإكراه غير نافع " نقله أيضا عند قوله فى الطلاق لا قتل مسلم وقطعه ونقله الحطاب فى هذا المحل الثاني ونصه فى آخر معين الحكام:" ومن هدد بقتل أو غيره على أن يقتل رجلا أو يقطع يده أو يأخذ ماله أو يزني بامرأة أو يبيع متاع رجل فلا يسعه ذلك وإن علم أنه إن عصي وقع به ذلك فإن فعل فعليه القود , ويغرم ما أتلف , ويحد إن زني , ويضرب إن ضرب , ويأثم ".

وهل المهادنة التي أوقعها فاسدة ومنقوصة لأن الجهاد تعين عليه قبل أن يفجأه العدو بسبب قربنا منه وعجزنا عن الجهاد ولأن منفعتها عائدة على الكفار , ووبالها على الإسلام كما هو مشاهد حسبما نص على ذلك فى المعيار أيضا فى باب الجهاد فى الجواب عن سؤال التلمساني وحاصله أن الخليفة أوقع الصلح مع النصاري والمسلمون لا يرون إلا الجهاد بيع البقر لهم فى وقت حصرهم المسلمين على حرمة بيع الخيل لهم والشعير وآلة الحرب أم لا ؟ وعلى أنه لم تسعه مخالفة الفرنسيس فيما شرطه عليه من قتلنا وتفريق جماعتنا , وما ينشأ عنه من ترك الجهاد بالكلية واقتحم الأمر وشق العصا وجاءنا بالجيش ليقتلنا ويأخذ أموالنا ويفرق جمعنا فهل يجوز لنا أن نقاتله بمقتضي ما نقله الشيخ مياره أيضا فى شرحه المذكور فى الباب ونصه :" انظر إذا خلا الوقت من الأمير واجمع الناس رأيهم على بعض كبراء الوقت ليمهد سبلهم ويرد قويهم عن ضعيفهم فقام بذلك قدر جهده وطاقته والظاهر أن القيام عليه لا يجوز والمعترض له يريد شق عصي الإسلام وتفريق جماعته" ففي صحيح مسلم رضي الله عنه عن زيادة بن علاقة قال : سمعت عرفجة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إنها ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهو جميع فاقتلوه كائنا من كان " ويسنده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد تفريق جماعتكم فاقتلوه" أم لا يجوز لنا ذلك ونترك الجهاد ؟ ليس إلا جوابكم تؤجرون وتحمدون وعليكم السلام فى المبدأ والختام والحمد لله رب العالمين .

جواب العلامة الحجة الشيخ محمد عليش مفتي المالكية بالديار المصرية على رسالة الأمير عبد القادر الجزائري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله المهتدين نعم يحرم على السلطان المذكور – أصلح الله أحواله – جميع ذلك الذي ذكرتم . حرمته معلومة من الدين بالضرورة لا يشك فيها من فى قلبه مثقال ذرة من الإيمان . وما كان يخطر ببالنا أن يصدر من مولانا السلطان عبد الرحمن – وفقه الله تعالي – مثل هذه الأمور مع مثلكم فإنا لله وإنا إليه راجعون, وما قدر الله سبحانه وتعالي بد أن يكون , خصوصا وأنتم جسر بينه وبين عدوه , وإن كنا فى اطمئنان على إقليمية من استيلاء عدو الله عليه بما فى الأحداث الصحيحة من بقاء أهله على الحق حتي تقوم القيامة منها وما وجد بخط الشيخ المقري ونصه من خط الفقيه المحدث العالم أبي القاسم العبدوسي حفظه اله تعالي ما نصه : وجدت فى ظهر تقييد الشيخ أبي الحسن الصغير على المدونة بخط من يقتدي به قال ذكر صاحب كتاب نقط العروس عن أبي مطرف قال حدثنا محمد بن الموز عن أبي القاسم , عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب , عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ستكون بالمغرب مدينة يقال لها فاس , أقوم أهل المغرب قبلة وأكثرهم صلاة أهلها قائمون على الحق , لا يضرهم من خالفهم , يدفع الله عنهم ما يكرهون إلى يوم القيامة ".

وكذا ضمانه لما غضب ضروري لا يشك فيه مسلم . وكذا استحاقه القصاص منه بقتله مؤمنا عمدا عدوانا مباشرة أو بإكراه غيره عليه معلوم من الدين بالضرورة والنصوص التي ذكرتم صحيحة صريحة لا تقبل التأويل والمهادنة التي أوقعها فاسدة منقوصة وما بسبتم للمعيار هو كذلك فيه وبيع البقر وسائر الحيوان والطعام والعروض وكل ما ينتفعون به فى النازلة المذكورة حرام قطعا إجماعا ضرورة لا يشك فيه مسلم سواء فى حال حصر المسلمين وإياهم وفى حال عدمه أو قتالهم , فرض عين على كل من فيه قدرة عليه ولو من النساء والصبيان من أهل تلك البلاد , ومن قرب منهم كأهل عمل السلطان المذكور – وفقه الله تعالي – فكيف يتخيل مسلم أن معاملتهم بما ينتفعون به ويتفوون به على البقاء فى أرض الإسلام جائزة ؟ مع ذلك قال الحطاب : وأما بيع الطعام يعني للحربيين فقال ابن يونس عن ابن حبيب يجوز فى الهدنة وأما فى غير الهدنة فلا . قاله ابن الماجشون وظاهره أن هذا فيما يذهبون ب لبلادهم أما ما يستعينون به على البقاء فى أرض الإسلام وقتال أهله أولي بالمنع . وإن اقتحم الأمر وشق العصا وأتاكم بجيشه وجب عليكم قتاله وجوبا عينيا إذ هو حينئذ كالعدو والبغاة المتغلبين الفاجئين القاصدين الأنفس والحريم لعدوانه وتجارته على ما أجمع المسلمون على تحريمه , وهو أنفسكم وحريمكم أموالكم , ومنعكم مما هو متعين عليكم بالإجماع من جهاد الكفار الفاجئين لكم والمقتول منكم فى قتله كالمقتول فى قتال الكفار ليس بينه وبين الجنة إلا طلوع الروح فصمموا على قتاله وأعدوا له ما استطعتم من قوة نصركم الله تعالي عليه وعلى أعداء الدين وبارك فيكم وفى كل من أعانكم من المسلمين وخذل كل من عاداكم وخذ لكم كأئنا من كان وجعل كيده فى نحره .

والحمد لله رب العالمين !!