الحركة الإسلامية في الأردن بين الدعوة والدولة (حزب جبهة العمل الإسلامي)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الحركة الإسلامية في الأردن بين الدعوة والدولة (حزب جبهة العمل الإسلامي)

موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين (إخوان ويكي)

إعداد: أحمد فايق دلول


ملخص البحث

جبهة العمل الإسلامى.jpg

يتناول هذا البحث تطوّر الحركة الإسلامية في الأردن، بدءا بالاستقلال ونشأتها على يد الشيخ عبد اللطيف أبو قورة، ومروراً بمشاركتها في الانتخابات البرلمانية وتأسيس الجناح السياسي تحت مُسمى "حزب جبهة العمل الإسلامي" وليس انتهاءً بمواقفها من القضية الفلسطينية والقضايا الأخرى العربية والإسلامية، يُختتم البحث بأبرز معيقات المشاركة السياسية وإنجازات الحركة، وأخيراً بالخلاصة والنتيجة.

وقد استخدم الباحثُ المنهجَ الوصفيَ التحليليَ في عرض وتحليل البيانات، واستخدم كذلك المنهج التاريخي التفسيري في تتبُّع مسيرة الأردن واستقلاله، ومن ثمَّ تاريخ مسيرة العمل البرلماني الأردني ونشأة الحركة الإسلامية أيضاً، ووصولاً إلى آخر انتخابات نيابية جرت في نوفمبر 2010م.

واعتمد الباحث في جمع البيانات على المصادر الثانوية كالكتب والدراسات والمقالات، هذا فضلا عن استخدام بعضٍ من المصادر الأولية كالحِوارات والمقابلات واللقاءات الصحفية التي أَجْرَتها بعضُ المراكزِ ووكالاتِ الأنباءِ والفضائيات مع المسئولين الأردنيين.

ويأمل الباحث أن يُقدِّم هذا العمل صورةً واضحةَ المعالمِ ومُحدَّدة الأبعادِ حول الحركة الإسلامية الأردنية ومشاركتها في غِمار الحياة السياسية (البرلمانية) ومدى النجاحات التي حققتها خلال مسيرتها النضالية.

ويوصي الباحثُ كافةَ المهتمين والمختصين، أن يبذلوا مزيداً من الجهود الحثيثة اللازمة لعرض وإيضاح التجارب السياسية الإسلامية وقضايا الإسلام السياسي، خاصة بعد الطفرة التي شدتها حركات الإسلام السياسي في ظل إدراك الغرب مدى أهميتها ومكانتها وثِقلها الجماهيري والشعبي، ومن ثمَّ شروعه في فتح قنوات حوار مع هذه الحركات.


المقدمة

إن تزايد واستطراد نفوذ حركات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط قد شكَّل هاجساً كبيراً لدى الغرب، الأمر الذي دفع الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى فتح قنوات للحوار مع هذه الحركات، على اعتبار أنها أصبحت جزءا أصيلاً من المجتمعات، لا يمكن القفز عنها أو تجاهلها بأي حال من الأحوال، ولقد شكّلت التجربة الإسلامية في تركيا (1) أُنموذجاً سياسياً إسلامياً فريدَ المكوّنات، يمكن الاستفادة منه لأيّة تجربة سياسية إسلامية قادمة، ولقد استطاعت الحركة الإسلامية المغربية(2) أن تتعايش مع النظام الحاكم وحقَّقت نجاحات كبيرة. هذا في الوقت الذي مُنيت تجربة الحركة الإسلامية الجزائرية بفشل ذريع(3)، أدّى خلال العشرية الدموية (عشر سنوات من الفتنة والحرب الأهلية) إلى تشريد ومقتل أكثر من 100 ألف مواطن، في حين وصلوت التجربة الإسلامية في الشيشان إلى طريق مسدود.(4) ولم تستطع الحركة الإسلامية في مصر أن تلتقط أنفاسها، هذا في ظلِّ تَغوُّل النظام الحاكم ووصمه بالقمع والدكتاتورية، وفي هذا الصدد، قال الرئيس المصري مبارك: "لن اسمح بتكرار التجربة الجزائرية في الأراضي المصرية". في حين وُضِعَتْ أحجار العثرة في طريق التجربة السياسية الإسلامية في فلسطين منذ اليوم الأول لنجاح حركة حماس في الانتخابات البرلمانية 2006م، الأمر الذي اضطرّها على حسم الأمور عسكرياً في قطاع غـزَّة منتصف عام 2007م.

أما الأردن على وجه الخصوص، فقد حَسَمَتْ جماعةُ الإخوان المسلمين مسألة المشاركة في السلطة التشريعية لصالح إقرار المشاركة منذ ما يربو عن نصف قرن من الزمن، وذلك تطبيقاً لمبادئ الإمام "حسن البنا" المؤيدة للمشاركة(5)، وذلك بالنظر إلى ما يمكن أن تلعبه الجماعة عبر تلك المشاركة من دور في عملية الرقابة على أداء السلطة التنفيذية وتشريع القوانين واللوائح الناظمة للحياة العامة في البلاد، تبعاً للرؤية الإسلامية التي تتبناها. ورغم الظروف المحيطة التي مَرَّت بها الأردن منذ عام 1948م، إلا أن الحركة الإسلامية استطاعت الفوز بالانتخابات البرلمانية وإحرازِ رئاسةِ مجلس الوزراء، هذا فضلاً عن استطاعتها التعايش مع النظام الملكي الحاكم رغم أن الأردن إحدى دول العالم الثالث التي تُوصم بغياب الديمقراطية وحُرِّية الرأي والفكر والتعبير. وكانت التجربة تلك ومنذ بدئها، مرجعية في العمل البرلماني لحركات الإسلام السياسي كي تستفيد منها.

ومن خلال اِطلاعي المتواصل على شئون حركات الإسلام السياسي ومعرفتي بتجاربها النضالية والسياسية، أرى أن التجربة الإسلامية في الأردن ذاخرة بالانجازات والإسهامات الإيجابية موضع البحث والدراسة.


أردن ما بعد الاستقلال

كانت بلاد الشام بما فيها الضفة الشرقية قبل الحرب العالمية الأولى 1914م، تتبع ولاية دمشق التي يُديرها العثمانيون، ومنذ بدء الحرب العالية الأولى والتوقيع على اتفاقية سايكس- بيكو 1916م، خَضَعَتْ بلادُ الشام إلى التجزئة والتقسيم على يد المستعمرَيْنِ الفرنسي والبريطاني، وتمَّ تقسيمها إلى سوريا ولبنان التي احتلَّتهما فرنسا، وشرق الأردن وفلسطين التي احتلتهما بريطانيا وفرضت عليها الانتداب. واستمر الشعب الأردني في كفاحه ضدَّ الانجليز، واستهدفهم أينما وُجدوا، مما اضطر بريطانيا صاغرةً إلى تلبية مطالب الأردنيين، فأبرمت معهم اتفاقيةً تَقْضي بحقِّ الأمير عبدالله الأول بن حسين – الذي أسس إمارة شرق الأردن عام 1921م- في تعيين ممثلين قنصليين لإمارته لدى الدول العربية. وفي خِضَمّ الحرب العالمية الثانية، وقفت الأردن بجانب الحلفاء على أمل أن تنال استقلالها، وشاركت القوات الحربية الأردنية في الأسطول البريطاني. وفي أعقاب الحرب، وقَّعت شرق الأردن سلسلة اتفاقات وأبرمت عدَّة معاهدات، انتهت جميعها باعتراف بريطانيا باستقلال الأردن 25 مايو 1946م، مع الإبقاء على معاهدة تنظم العلاقات وتبادل التمثيل الدبلوماسي بين الأردن وبريطانيا، وأُسنِد بهذا اليوم تسمية "يوم الاستقلال". وبعد احتلال فلسطين عام 1948م، ضَمَّت شرق الأردن (الضفَّة الشرقية) إليها الضفة الغربية وتم إعلان الوحدة رسمياً بين الضفتين في 24 أبريل 1950م، تحت اسم الأردن.(6) وتتبع الأردن في الحكم نظاماً ملكيّاً دستوريّاً، ويُراعَى في تشكيل الحكومة تمثيلها لمختلف الاتجاهات. يتربَّعُ المَلِكُ على عرش المملكة، كما يتولى منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة. ويُمارِس سلطاتِه التنفيذية من خلال رئيس الوزراء ومجلس الوزراء. ويعتبر مجلس الوزراء مسئولاً أمام مجلس النواب المنتخب، والذي يشكِّل إلى جانب مجلس الأعيان الذراع التشريعي للحكومة. وهذا الذراع يعمل باستقلالية تامة.


نشأة الحركة الإسلامية

تأسستْ جماعةُ الإخوان المسلمين في الأردن يوم 19/11/1945م. وكانت الجماعة في تلك الفترة تعيش تمدداً جماهيرياً واسع النطاق، وذلك بسبب مواقفها البطولية وجهادها في قضية فلسطين والقضايا التحرُّرية الأُخرى في العالم العربي، وجاء تأسيس الحركة بمبادرة من الحاج "عبد اللطيف أبو قورة"، الذي اتصلَ بالمرشد العام ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين "حسن البنا"(7) رحمهما الله، وتعرَّف على الجماعة وكان عضواً في الهيئة التأسيسية في مصر. ورغم تسجيل الحركة كجمعية خيرية، إلا أن الكثير من أعمالها وتصرفاتها وبرامجها كانت ذات طبيعة سياسية. فالحركة لا تنُظر إلى الإسلام كدِينٍ فقط، بل كبرنامجٍ أخلاقي شامل، ويتناول هذا البرنامج قضايا سياسية، اقتصادية اجتماعية وروحية، فيحُثُّ على تطبيق الشريعة الإسلامية ويدعو إلى عودة الأردن إلى طابعه الإسلامي قبل هدم الخلافة الإسلامية، وبهذه الطريقة فقط يمكن أن يتحرك الأردن نحو العدالة الاجتماعية والتقدُّم.(8)

وقاد "أبو قورة" كتيبة الإخوان من الأردن إلى فلسطين عام 1948م، وشارك هو وجماعتُه في حرب فلسطين، بِسَرِية "أبو عبيدة عامر بن الجرَّاح"، وكانت السَرِية تتخذ من قرية "عين كارم" مقرَّاً لها، وكان قوامها 120 رجلاً، واستشهد عددٌ منهم، من بينهم الشهيدين "سالم المبسلط وبشير سلطان".(9) ومن أهم أعمال الجماعة في تلك الفترة: إقامة الندوات والمحاضرات والاحتفالات الإسلامية، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما ساهمت ممثَّلة بشخص قائدها الحاج "أبو قورة"، في إنشاء الكلية العلمية الإسلامية في عمَّان، وشاركت كذلك في رابطة العالَم الإسلامي، والمؤتمر الإسلامي، ولجنة نُصرة الجزائر، والمؤتمر الإسلامي لـبيت المقدس، وغيرها. كانت الجماعة منذ قيامها وحتى عام 1956م، يغلب عليها العملُ الاجتماعي والعام، وكانت تتجنَّبُ المشاركة في العمل السياسي المباشر، مثل الوزارة والنواب.

ولمَّا كان "أبو قُورة" هو مهندس الحركة الإسلامية ومؤسسها في الأردن، وهو المُرشد الأعلى والأب الروحي لها، فإن المهنية وموضوعية البحث تقتضي التعريج على مسيرة حياته النضالية.


عبد اللطيف أبو قورة

وُلِدَ عبد اللطيف بن عبده بن صالح أبو قورة في مدينة السَلط عام 1324هـ/1908م، لعائلة عريقة ينحدر معظم أفرادها في السَلط ثم عمَّان، والأردن بشكل عام، إلى جدَّين هما صالح وابن أخيه خير أبو قُورة.(10)

تلقَّى عبد اللطيف علومة الدينية وتخرَّج من مدارس الكتاتيب (في زمنه) على يد فضيلة الشيخ "عبد الحليم زيد الكيلاني" إمام وخطيب مسجد السلط الكبير وقاضي السلط الشرعي. ثم استكمل تعليمه من خلال مجالس العِلم العديدة في بَلَدِه وفي الخارج، وخاصة في القاهرة ودمشق. كما استفاد كثيراً من علاقاته بزعماء الحركات الإسلامية ومفكريها شرقاً وغرباً مثل الإمام حسن البنا والدكتور مصطفى السباعي وأبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي ومعروف الدواليبي والبشير الإبراهيمي وغيرهم من زعماء وعلماء المسلمين. واعتمد عبد اللطيف على نفسه بالدراسة المتعمقة وبناء قاعدة علمية راسخة وثقافة إسلامية واسعة، من خلال قراءته ومطالعته لِأُمهات الكُتب ومصادر العلوم الدينية والدنيوية في مختلفِ فُرُوعِ المعرفة، والتي حَوَتْها مكتبتُه الخاصة التي تعلَّم منها الكثير وعمل بعلمها، وأورثها لأبنائه من بعده.

عمله ودعوته

وانتقل "عبد اللطيف" من السَلط إلى عَمَّان في مطلع شبابه واشتغل بالتجارة والإعمار والأعمال الحُرَّة. فكان أَوَّل من أسس شركةً لتجارة السيارات في الأردن حيث كان وكيل سيارات “شفروليه وروفر وإسكس” في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي. إلا أنه بعد ذلك أخذ يولي العمل الوطني والنشاط الإسلامي الذي تربى عليه منذ نعومة أظفاره، معظم وقته وجهده وماله. فما لبث أن شارك في مختلف الميادين في ثورة 1936م، فأشتغل في جمع السلاح وإذكاء الهِمَم وإثارة النفوس وحمل السلاح بنفسه وشارك كتائب المجاهدين في محاربة الإنجليز والصهاينة منذ أن بدأت طلائع الشرِّ تغزو المنطقة، وقد دوَّن على الراية التي تقدم فيها إلى أرض المعركة: "نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما حيينا أبداً".

اتصاله بالإخوان تأسيس الحركة الإسلامية في الأردن

بعد ذلك تفرغ الحاج عبد اللطيف تماماً للعمل الإسلامي وشرع في التواصل مع الإمام الشهيد البنا (والذي كانت والدته من آل أبو قورة). وقام بزيارة مصر وظلَّ على علاقته المتواصلة مع الإمام "البنا" حيث ضُمَّ إلى الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر. ثم سعى لتأسيس الجماعة في الأردن وطلب حضور الوفود إلى عمَّان ومقابله الملك عبد الله بن الحسين.

وبمساعدة إخوانه، قام بتأسيس الجماعة في الأردن في منتصف أربعينات القرن الماضي. وتم افتتاح أول مقر لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن في عمارة أبو قورة- طلوع جبل عمَّان. وبعد تأسيس الجماعة انتُخب الحاج "عبد اللطيف" ليكون المراقب العام لها. وامتازت مرحلة التأسيس أثناء تولّيه إدارة الحركة منذ عام 1945-1953م، بدعوة الناس لاستئناف حياة إسلامية عن طريق إيجاد المجتمع المسلم اِنطلاقاً من القاعدة الشعبية، والذي تحكمه أنظمة الإسلام الشاملة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.(11)

جهاده في فلسطين

وعلى ثرى فلسطين الطهور لبَّى الإخوان دعوة الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس وشاركوا في حرب اليهود عام 1948م، وتحت قيادة المجاهد "أبو قوة" لِسَرِية أبي عبيدة التي مثَّلت الجماعة في جهادهم في سبيل الله عز وجل، شارك إخوان الأردن في هذه الحرب. وقد أبلوا أفضلا البلاء وأعزّه، وتواترتْ أخبار بطولاتهم في الدفاع عن القدس الشريف وصُور باهر وعين كارِم والمالحة ورامات راحيل، واعترف (اليهود) ببسالة المتطوِّعين المجاهدين من الإخوان وتفانيهم في الدفاع عن حرمة أوطانهم الإسلامية وجهودهم الجبارة في إنقاذ القدس الشريف وغيرها من الوقوع بأيدي الأعداء اليهود.

بعد استقالة الحاج عبد اللطيف من الجماعة 1953م، بقي في مُقَدِّمة مسيرة العطاء والخير والتضحية. ولا يتسع المجال لتعداد جماعات الخير والبناء والعطاء والتضحية والجهاد التي كان للحاج أبو قورة الفضل الكبير في تأسيسها ونشاطاتها.

وفـاته

ولقد فارق الحياة، في العَشرة الأواخر من رمضان 1384ه الموافق 2/1/1967م (قبل سُقوط القدس الشريف في أيدي اليهود الصهاينة)، وكانت حياته مُكلَّلة بأعمال الخير والبِر والتقوى والجهاد بالمال والنفس، وذلك طلباً لمرضاة الله عز وجل، ثم خدمةً لشعبه ووطنه والإسلام والمسلمين، ولم يَسعى إلى منصب أو جمع مال أو طلب دنيوي زائل، رحمه الله رحمة واسعة.

وعَودٌ على بدء، واستكمالاً لِمسير الحديث حول نشأة وتطوّر الحركة الإسلامية، يمكن القول إنه وبتاريخ 26/11/1953م، وقع الاختيار على الأستاذ "محمد عبد الرحمن خليفة" كمراقبٍ عامٍ للجماعة، وكان يحمل ثلاث شهادات علمية. وتم وضع نظام أساسي للحركة، وكذلك هيئة عامة في كل شُعبة تنتخب هيئة إدارية، كما تم انضمام الجماعة في فلسطين إلى شقيقتها الأردن لتُشكِّل جماعةً واحدة. وأصدر الإخوان في هذه الفترة مجلة "الكفاح الإسلامي"، التي كان يرأس تحريرها الأستاذ "يوسف العظم"، وصدر منها أحد عشر عدداً، ثم أغُلقت بقرارٍ من الحكومة الأردنية آنذاك. ودعا الإخوان إلى عقد مؤتمر إسلامي عالمي خاص بـبيت المقدس، فعُقِدَ المؤتمر في مدينة القدس عام 1953م، وبمشاركة واسعة من علماء ومفكرين وقادة إسلاميين من مختلف أقطار العالم الإسلامي، وكان للإخوان حضور واسع في مختلف هيئاته ولجانه المختلفة. وفي عام 1954م، أصدرت الجماعة بياناً حددت فيه سياستها بالخطوط العريضة التالية: "إن الأردن جزء لا يتجزَّأ من العالم الإسلامي، وإن الحكم بشريعة الله هو مطلب الإخوان وغايتهم في هذه الدنيا، وإن قضية فلسطين قضيةٌ إسلاميةٌ ولا بد أن تُحْشَد لها جميعُ الإمكاناتِ المادّية والمعنوية لتحريرها من اليهوديةِ العالميةِ والصليبيةِ الدولية".

واحتجَّ الإخوان عام 1954م، على وجود ضُبَّاط إنجليز في الجيش العربي، وطالبوا بترحيلهم، ونظَّموا المظاهرات المعادية للاستعمار، كما هاجموا حلف بغداد. واعتُقِل المراقب العام للإخوان عام 1955م. كما عارضوا "مبدأ آيزنهاور"(12) الصادر عام 1957م، والمعروف بمبدأ "ملء الفراغ في الشرق الأوسط"، وقادوا مسيراتٍ احتجاجية إثر استدعاء قوَّات بريطانية جديدة في الأردن عام 1958م، واعتُقل المراقب العام للجماعة مرة أخرى عام 1958م، وكان عُضواً في البرلمان. وفي عام 1960م، وَقَفَتْ الجماعةُ ضِدَّ بعض تصرفُّات الحكومة، فاعتُقل عددٌ من عناصرها وعلى رأسِهم المُراقب العام الذي بَقِي في السجن مدة ستة أشهر. وعام 1963م، وبالتعاون مع مجموعة من الشخصيات الإسلامية والوطنية، انشئوا "جمعية المركز الإسلامي الخيرية" التي أصبح لها فروع في مختلف محافظات الأردن، وأُنشأت المستشفى الإسلامي في عمَّان والعقبة وعدة مدارس ومعاهد، وقد شهدت هذه الفترة انحساراً في المد الإسلامي، في مقابل المد اليساري والقومي.

وتزامناً مع اشتعال فتيل حرب 1967م، بدأ المدُّ الإسلامي بالتنامي، هذا في مقابل انحسار المدِّ القومي واليساري، وخاصة بعد أن انتهت الحرب لصالح دولة الكيان الصهيوني ومُنِيَ العرب بهزيمة نكراء. وشارك الإخوان في العمل الفدائي ضِدَّ الكيان الصهيوني من خلال تعاونهم مع حركة فتح، حيث أقاموا ثلاثة مُعسكرات للتدريب، ونَفَّذوا مجموعة من العمليات الفدائية الناجحة ضدَّ أهداف صهيونية مختلفة، وعَمِلَ في هذه المعسكرات حوالي 180 مجاهداً متفرِّغاً، وعدد من المتطوعين الذين عَمِلوا على فترات متقطعة، كما استشهد عدد من هؤلاء المجاهدين في تلك الفترة هم: (صلاح حسن -مصري، مهدي الأدلبي –سوري، رضوان كريشان -أردني، محمد سعيد باعباد -يَمَني، إبراهيم عاشور -فلسطيني، رضوان بلعاسوريا، محمود برقاوي -أردني، صلاح الدين المقدسي -فلسطيني، زهير سعدو -سوري، نصر العيسى -سوري، سليم المومني-أردني، يعقوب عيسى –سوري).

وفي عام 1970م، كان للإخوان موقِفاً جريئاً وحاسماً حِيال فتنة "أيلول الأسود"(13) التي وقعت في الأردن، فرفضوا أن يُعينوا فريقاً ضدَّ آخر، وأكَّدوا على الدوام أن حملهم السلاح، فقط لمقاتلة أعداء الأمة المحتلين اليهود، وشهدت فترة السبعينيات من القرن الماضي تمدداً إسلامياً واسع الانتشار، حيث تدفَّق الشباب على الجماعة التي ركَّزت في تلك الحقبة الزمنية على التربية والدعوة، واتَّجهت نحو التوسُّع في العمل النقابي. وشارك الإخوان في الانتخابات البلدية في إِربد ومادبا وسحاب، وتقدَّموا في قيادة العمل الطلابي في الجامعات، كما عارضوا "معاهدة كامب ديفيد"(14) بين مصر والكيان الصهيوني، التي أدَّت إلى الاعتراف العلني والصريح بالكيان الصهيوني، وانتهت الحرب معه وقد أضفت الشرعية على اغتصابه أرض فلسطين، كما أدَّت إلى إشعال فتنة طائفية في لبنان وحصار المقاومة الفلسطينية. وأكَّد الإخوان كذلك على أن قضية فلسطين هي قضية عقيدة إسلامية مركزيّة ومقَّدسة لدى مسلمي العالم جميعاً، ونددوا بالعدوان الصهيوني على لبنان 1982م، وعلى المقاومة الفلسطينية، وبالمذابح الإجرامية في مخيمات "تل الزعتر وصبرا وشاتيلا". وشهدت هذه الفترة توتُّراً في العلاقة بين الجماعة الإسلامية والنظام الحاكم، حيث فُصِلَ عددٌ كبيرٌ من الإخوان الأساتذة في الجامعات وفي غيرها من المواقع الوظيفية، وبَقِيَ الأمرُ على حاله حتى عام 1989م، كما أيَّدت الجماعة ودعمت الانتفاضة المباركة التي اشتعلت في ديسمبر 1987م، في فلسطين.


تأسيس حزب جبهة العمل الإسلامي

اتسعت مشاركة الجماعة السياسية والعامة في الفترة 1989-1998م، وكانت الأكثر حضوراً ونجاعةً بين القوى السياسية المختلفة، ونتيجة للنجاح الكبير الذي حققته الجماعة في انتخابات 1989م، واعتلائِها رئاسة البرلمان لثلاث دورات متتالية، أصدرت السلطات الأردنية قانوناً انتخابياً جديداً، سُمي بقانون الصوت الواحد، حيث أكَّد كثير من السياسيين والشخصيات الوطنية وحتى بعض المهتمين الأجانب بالشأن الأردني بأن هدف هذا القانون هو محاصرة الحركة الإسلامية وتقليل فرص نجاحها. وعلى الأثر، قررت الجماعة إنشاء "حزب جبهة العمل الإسلامي" سنة 1992م، كجناحٍ سياسيٍّ لحركة الإخوان المسلمين الأردنيين (15)، وذلك بالتعاون مع شخصيات إسلامية عامة وأخرى وطنية قريبة من الإسلاميين. وأُعلن حزبُ الجبهة بموافقة وزارة الداخلية في 8/12/1992م، واجتمعت الهيئة التأسيسية للحزب في 25/12/1992م، لانتخاب مجلس شورى ومكتب تنفيذي للحزب.

وتألّفت الهيئة التأسيسية للحزب من (353) عضواً، اِلتام شملهم للعمل على إقرار النظام الأساسي للحزب ومتابعة إجراءات تسجيله وإبرازه إلى حيّز الوجود فور الإعلان عن التسجيل الرسمي للحزب والحصول على الترخيص. وقد سعت قيادة الإخوان بالمشاركة مع شخصيات إسلامية أخرى مستقلة في تشكيل حزبها السياسي، فكان الهدف من تشكيل الحزب بالنسبة للإخوان أن يكون وعاءً سياسياً كبيراً يستوعب جمهور الحركة الإسلامية في أدوات عمل وتعبئة لأغراض العمل السياسي الجماهيري كالانتخابات البرلمانية والبلدية، ويتيح المجال للجمهور الإسلامي الواسع للعمل العام والمشاركة في بيئة وشروط مختلفة عن قواعد عمل الإخوان التي تركز على الاصطفاء والتربية والتنظيم الداخلي والسلوك الشخصي على نحو لا يسع العمل الحزبي والسياسي العام.(16) وكان من الحكمة أن تعمد الجماعة إلى تأطير نشاطها وتقنينه وتوسيعه ضمن إطار المؤسسة الحزبية دون أن يعني ذلك إلغاء الحركة الأم (جماعة الإخوان المسلمين) التي ظلَّت موجودة على الساحة بجانب ربيبتها حزب الجبهة. هذا بجانب أن الكثيرين يعتقدون بحزب الجبهة أنه الجناح السياسي لجامعة الإخوان المسلمين، خاصة وأنه يضمُّ في مستوياته القيادية العليا عدداً كبيراً من قيادات الجامعة، وأن ما نسبته 75% من أعضاء مجلس الشورى في الحزب هم من جماعة الإخوان في الأصل(17)

أما عن وظيفةِ الحزب، فقد تحدَّدت بأنها العمل الدءوب على التأكيد على إقامة الدولة ومؤسساتها على أُسُس مُشتقَّةٍ من العقيدة الإسلامية، إيماناً بالواجب الشرعي في الدعوة إلى الله ونصرةً الإسلام، والتأكيد على الممارسةِ السياسيةِ المُلتزمةِ بأخلاقِ الإسلامِ وتفعيلِ الجهودِ السياسية في التوجُّه نحو تطبيقِ الشريعة الإسلامية. كما حرص منظِّرو الحزبِ على تأكيد البُعْد الدوليِّ الذي يفرِض نوعاً من الترشيد للصحوة ِالإسلاميةِ كي لا تقع في مُنزلقات العُنف المُضاد، مع التأكيد على دورِ الأحزاب في ترسيخ مسيرة الشورى والديمقراطية داخل الأردن، حتى يَظهر للعالم الوجهُ المُشرقُ المعتدلُ للعمل السياسي الإسلامي.(18)

ويُعتبر حمزة منصور" الأمين العام الحالي لحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وهو من مواليد قرية المنسي- قضاء حيفا 1944م، وحاصل على بكالوريوس لغة عربية وماجستير في المناهج وأصول التربية، وهو بالإضافة إلى عمله السياسي والدعوي والتربوي من الوجوه الأردنية المعروفة في إصلاح ذات البين، بالإضافة لكونه خطيباً مفوهاً. وهو نائب في البرلمان الأردني لعدة دورات نيابية ورئيس كتلة نواب جبهة العمل الإسلامي فيها، رئيس مجلس الشورى الخامس لـحزب جبهة العمل الإسلامي الذراع السياسي لـجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وأمينه العام الثالث.

ويُعرف "منصور" بالتزامه واعتداله ووسطيته وبُعده عن الخلافات والتوترات الداخلية وتمسكه بالثوابت والأصول، وعُرف خلال مسيرته السياسية بسعيه نحو بناء جبهة معارضة عريضة تجمع الإسلاميين واليساريين والقوميين، وأصبح من أكثر الشخصيات الإسلامية قبولاً لدى القوى السياسية المعارضة. كما يعرف بقربه من قواعد الحركة الإسلامية وبشعبيته الفريدة لدى مختلف شرائح الشعب الأردني. وترشَّح لثلاث دورات لمجلس النواب الأردني الأولى عام 1989 عن الدائرة الرابعة في عمان، والمعروفة بتنوعها الديمغرافي والعشائري، وتمكن من الفوز فيها، ثم ترشح في مرتين لاحقتين عن الدائرة الثانية في عمان، والتي تحتوي على عدة مخيمات فلسطينية، وتمكن أيضاً من الفوز فيهما.

وتشتمل مهام الأمين العام للحزب، وفقاً للنظام الأساسي على: تمثيل المكتب التنفيذي لدى المؤسسات والدوائر الرسمية والشعبية والقضائية، رئاسة جلسات المكتب التنفيذي، الناطق الرسمي بلسان الحزب، الإشراف العام على سائر مؤسسات الحزب وأعماله، والقيام بالمهام التي يفوضه بها المكتب التنفيذي.(19)

منطلقات الجبهة

لقد ورد في المنطلقات الخاصة بالحزب، والتي حددها المؤسسون، ما يلي:(20)

انطلاقاً من الواجب الشرعي في الدعوة إلى الله تعالى، ووظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرة الإسلام. ونظراً لما تشهده الساحة العربية والإسلامية بوجه عام، ويشهده العمل السياسي في الأردن بشكل خاص. وإدراكاً لضرورة الوقوف في وجه التحدي الحضاري الذي يواجه أمتنا، والذي يمثل مرحلة خطيرة من مراحل الاستعمار، يريد أن يحول بين أمتنا وبين لحظة استشرافها الحضاري والحفاظ على هويتها، ويقطع الطريق على الإسلام ليعيق وصوله إلى قيادة الأمة بِشرع الله، وتحرير الإنسانية جمعاء. واستشعاراً بعمق المأساة التي يمثلها الوجود اليهودي، الذي يحتل فلسطين، ويدنس أرضنا ومقدساتنا، ووفاءً لدماء شهدائنا، التي جبلت بها أرض الأردن، دفاعاً عن الأردن وفلسطين، ومن أجل تربية الأمة تربية جهادية شاملة. وإيماناً بدور الإسلام في تحقيق الولاء لله تعالى، وأصالة الانتماء للأمة، وفي توجيهه المتميز في صياغة المواطن الصالح. وانطلاقاً من ضرورة توجيه طاقات العاملين للإسلام، في هذا البلد الطيب، من هيئات وجماعات ومنظمات وحركات ومؤسسات وأفراد. وتوضيحاً للموقف السياسي الشامل، على الصعيد العالمي، والإسلامي، والعربي، والوطني. وتحقيقاً لواقعية الإسلام، في مختلف شؤون الحياة التربوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتأكيداً للممارسة السياسية الملتزمة بأخلاق الإسلام وقيمه، وتفعيلاً للجهود السياسية في البناء، والتوجه نحو تطبيق الشريعة الإسلامية. وإزاء كل ذلك، فقد بات لزاماً قيام "حزب جبهة العمل الإسلامي" من الأشخاص الذين يلتزمون بأهداف الحزب بصفتهم الفردية، ممن تتوافر فيهم شروط العضوية المنصوص عليها في هذا النظام.


الأهداف والغايات العامة للجبهة

يسعى حزب الجبهة من منظور استراتيجي بعيد المدى، إلى تحقيق الغايات الكبرى والأهداف العامة التالية:

  • الإسهام في بناء الأمة معنوياً ومادياً، وفي المشروع النهضوي العربي الإسلامي، وإعداد الأمُّة لجهاد أعدائها من الصهاينة والمستعمرين، وخدمة القضية الفلسطينية في إطارها العربي والإسلامي والعمل الدءوب نحو تحريرها من الصهاينة المغتصبين.
  • استئناف الحياة الإسلامية للمجتمع، والسعي نحو تطبيق الشريعة الإسلامية في مختلف ميادين الحياة.
  • السعي تجاه وحدة الأمة، وحريتها، ومقاومة النفوذ الاستعماري والأجنبي.
  • ترسيخ الوحدة الوطنية، وترسيخ المنهج الشورى والديمقراطي، والدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه وعن الحريات بصورة عامة.
  • الاهتمام بقضايا الناس الحياتية، وخدمة الجماهير، والاهتمام بشؤون الشعب الحياتية، والتنمية الشاملة للمجتمع من منظور إسلامي.(21)


مكانة القضية الفلسطينية والتسوية السياسية لدى الجبهة

للقدس وفلسطين مكانة مقدّسة في قلب كل عربي ومسلم، فهي القبلة الأولى، وهي الأرض التي اختارها الله مسرىً لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأَمَّ الأنبياء على أرضها رمزاً لوراثتهم في الرسالة والأرض على السواء، ومسجدها الأقصى مع المسجد الحرام والمسجد النبوي، هي المساجد الثلاثة التي لا تُشدّ الرحال إلا إليها. وفيها أهم المقدسات المسيحية، وأرض فلسطين من البحر إلى النهر ملك للأمة العربية والإسلامية جميعا، وهي وقف مقدس وجزء من دين المسلم، تحفظها الأجيال، ويسلمها الجيل إلى الجيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وفي ضوء ذلك فان حزب الجبهة يُعلن موقفه السياسي من القضية الفلسطينية على النحو التالي:

فلسطين عربيةٌ إسلاميةٌ، وتحريرها واجبٌ على جميع العرب والمسلمين وفي كل الأحوال، يبقى العمل على تحريرِ فلسطين قضية مركزية بالنسبة لجميع المسلمين. وليس لأحدٍ كائنا من كان الحق في التنازل عن أي جزء من ارض فلسطين أو إعطاء الشرعية للاحتلال على أيِّ جزء من أرضها المباركة. أما صراعنا مع اليهود صراع عقائدي، حضاري لا تنهيه اتفاقيات سلام وهو صراع وجود وليس صراع حدود. وإن ارتباطنا بقضية فلسطين ارتباط بجزء من ديننا، والدين لا يقبل القسمة ولا يقبل التجزيء. والجهاد هو السبيل لتحرير فلسطين مما يقتضي ضرورة تعبئة الامة جهاديا، وحشد كافة الطاقات، واستنهاض جميع القوى، لمواجهة الهجمة الصهيونية الاستعمارية. ومدينة القدس والمسجد الأقصى، آية في الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والتفريط بأي منها تفريط بجوهر القضية وعدوان على العقيدة والدين. ونعتبرُ الكيان الصهيوني، أنه كيانٌ دخيل، وهو إلى زوالٍ مهما طال الزمن وخطر هذا الكيان لا يتهدد أرض فلسطين فحسب بل يتهدد المنطقة جميعا والأردن في مقدمتها. أما الاعتراف بالعدو الصهيوني، فهو اعتراف بشرعية الاغتصاب على الجزء الأكبر من ارض المسلمين في فلسطين. وإن اخطر ما تحمله اتفاقيات التسوية القائمة خطر صهينة المنطقة وإفساح المجال واسعا للاختراق الصهيوني لبلاد المسلمين، من خلال التعاون المشترك في مجالات الاقتصاد والاستثمار والمياه والطاقة والسياحة ...الخ، ومقاومة ذلك واجب ديني ووطني. وموقف الحزب سيظل واضحا في رفض التطبيع مع العدو الصهيوني في كل مستوياته وسيعمل جاهدا وبكل الوسائل الممكنة لمقاومة جميع أشكاله، انطلاقاً من موقف عقائدي، يحرص على مصلحة الأمة ولا يفرّط بحقوق أبنائها.


الحركة الإسلامية والعمل البرلماني

أن كتلة نواب جبهة العمل الإسلامي هي كتلة رسالة وفكرة ومنهج مرجعيتها الشريعة الإسلامية، تؤمن أن النيابة أمانة هي مسئولة عن أدائها أمام الله عز وجل، وتُدرك أن ثقة الجماهير هي التي أوصلتها إلى قبَّة البرلمان. لذلك، فهي تحرص على التعبير عن إرادة الجماهير وتحقيق طموحاتها ومصالحها كما تحرص على التواصل التام معها في جميع أنحاء المملكة باعتبار نوابها هم نواب الوطن، وتقف المواقف التي ترضي ربَّها وتنحاز إلى مصلحة الوطن والمواطن متحلِّية بالمسؤولية الكاملة والانشغال بالهمِّ العام وقضايا الوطن والأمة بعيداً عن المصالح الذاتية والاهتمامات الصغيرة.

وإن "حزب الجبهة" يَعتَبرُ وُجوده في المجلس النيابي إحدى الوسائل السياسية لتحقيق شعار "الإسلام هو الحل"، وإحدى وسائل بناء قوّة الأمة، وتطوير واقعها نحو الأفضل. ولذلك فإنه يبذُل قُصارى جهده وينوِّع في عملِه السياسي خاصة، لتوفير الأجواء المناسبة التي تساعده على تحقيق غايات الشعب في الحرية والشورى والديمقراطية، وحفظ حق الأمة باعتبارها مصدر السلطات، في إدارة شئونها وتقرير مصيرها، ومن ثم العمل بكل جِدٍّ لتحكيم شرع الله وإحقاق الحق ونشر العدل والمساواة بين الناس، لتحقيق التغيير والإصلاح المنشود، ووقف التردّي في مجال الحريات العامة والشورى، ووضع حدٍّ للفساد الإداري والمالي والأخلاقي، فتكون المشاركة غالباً أو المقاطعة أحياناً مرتبطة بهذه الغايات النبيلة، باعتبار أن المشاركة أو المقاطعة النيابية اجتهاداً ووسيلةً، وليس ثابتاً عقدياً أو مبدءا لا يتغير.

ومن هنا فإن البرامج التي تقُدّمها الجبهة، تمثِّل رؤية متواضعة لشعار "الإسلام هو الحل" مع الأخذ بعين الاعتبار قصور الممارسة الديمقراطية في أحد بلدان دول العالم الثالث، عن حقيقة الديمقراطية التي لا تتمُّ بغير تداول السلطة وعدالة توزيع المقاعد النيابية، وسلامة العملية الانتخابية.(22) وحفاظا على علاقتها بالأحزاب السياسية والمجتمع المدني، ومع النظام الحاكم، فقد اقتصرت الحركة الإسلامية ومن بعدها الجبهة، فقد انحصر تمثيل الجماعة الإسلامية في البرلمان.

وخلافا ًلحزب الجبهة، هناك عددٌ من التنظيمات والأحزاب المرخصة التي تتبنى التوجه الإسلامي، مثل حزب الوسط الإسلامي والحركة العربية الإسلامية الديمقراطية (دعاء)، غير أن هذه الأحزاب لا تمتلك في الواقع السياسي مكانة مرموقة سواء على صعيد العدد أو التأثير كالمكانة التي يمتلكها حزب الجبهة.(23)


البرلمان الأردني

يتكوَّن البرلمان الأردني من نوَّاب أعمارهم تتجاوز سن الأربعين وعددهم (55) عضواً، ولمدة أربع سنوات. أما مجلس النوّاب فيتم انتخابه مباشرة لمدة أربع سنوات قابلة لتمديد مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن سنتين، وفي منتصف أيّار/ مايو في العام الجاري، تمَّت زيادة عدد أعضائه من (110) نائبا، إلى (120) نائباً، منهم (12) مقعداً مخصصاً للنساء(24)، ويشترط أن يبلغ العضو سن الثلاثين من العمر، ويُنتخب رئيسُ المجلس بالاقتراع السرّي المباشر من قبل الأعضاء لمدة سنة واحدة.

ويتَّبع البرلمان نموذج الفصل المرن المعتدل بين السلطات، الذي يقوم على التعاون والتضامن. ولكي يتم التعاون على الوجه المطلوب، لا بد من وقوف كل سلطة على أعمال السلطة الأخرى، وهذا ما أعطاه الدستور الأردني حين حدد اختصاص كل منها لتقوم بعملها ضمن مجال اختصاصها حسب القوانين والأنظمة المعمول بها، بقصد خلق حالة توازن بين السلطتين في عملية صنع القرار. ويعمل البرلمان الأردني وفق نظام المجلسين، فأعضاء مجلس الأعيان يعينون من قبل الملك، ولمدة لا تزيد عن سنتين، ويجوز إعادة تعيينه مرة أخرى.

ويُذكر أن النظام الانتخابي لا يوزع عدد النواب بشكل عادل على مختلف المحافظات والدوائر الانتخابية، فهو يقضي بأن يمثل النائب الواحد في العاصمة عمان (83348) ناخباً، وفي إربد (56185) ناخباً، وفي الزرقاء (79263) ناخباً، وفي البلقاء (33055) ناخباً، وفي الكرك (20257) ناخباً، وفي المفرق (58075) ناخباً، وفي مادبا (32123) ناخباً، وفي جرش (37036) ناخباً، وفي معان (23565) ناخباً، وفي الطفيلة (19149) ناخباً، وفي عجلون (27966) ناخباً.(25)

وعلى ذلك، فإن هذا النظام يمنح عشرة نواب لكل من محافظات البلقاء والزرقاء والكرك رغم التفاوت الكبير في أعداد سكان هذه المحافظات، حيث يبلغ سكان البلقاء (330555) نسمة، مقارنة بـ (792635) نسمة في الزرقاء، و(202570) نسمة في الكرك. ويمنح هذا النظام أربعة مقاعد لكل من محافظات المفرق ومادبا وجرش ومعان والطفيلة رغم التفاوت الكبير في عدد سكان هذه المحافظات، حيث يبلغ سكان المفرق (232300) نسمة، مقارنة بـ (128495) نسمة في مادبا و (148145) نسمة في جرش، و (98260) نسمة في معان، و (76595) نسمة في الطفيلة.


انطلاق الحياة النيابية

بدأت الحياة الانتخابية في الأردن في وقت مبكر، ولكن عدم تطورِّها بل وتعرّضها لعدة انتكاسات حرمت الأردن من أن يمثِّل أنموذجاً ديمقراطياً متقدماً في العالم العربي. إلا أن ذلك لم يمنع من أن تُقدِّم التجربة الانتخابية الأردنية للديمقراطية العربية بعض الأمثلة الجيدة في وقت كانت تعاني فيه دول عربية أخرى من دكتاتورية أو مركزية صارمة. ولقد تم انتخاب أول مجلس نيابي في 20/10/1947م، برئاسة "هاشم خير" رئيس حزب النهضة العربية. وكان من بين أعضائه (سعيد المفتي وعبد الحليم النمر وشفيق أرشيدات وعاكف الفايز). أما المجلس النيابي الثاني فقد تمَّت الانتخابات فيه يوم 20/4/1950م، في أعقاب تعديل الدستور إثر الوحدة بين الضفتين الشرقية والغربية، واستمر العمل فيه حتى يوم 3/5/1951م. وتمَّ حلُّه بسبب عدم موافقته على مشروع "قانون الموازنة العامة" للدولة وانعدام التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وتعاقب على رئاسته كل من عمر مطر وسعيد المفتي. أما المجلس النيابي الثالث فلقد جرت انتخاباته يوم 1/9/1951م، واستمر في عمله حتى يوم 22/6/1954م، عندما جرى حلُّه لمعارضته سياسة الحكومة وعدم تعاونه مع السلطة التنفيذية. وقد تعاقب على رئاسته كل من (عبد الله الكليب الشريدة وحكمت المصري وعبد الحليم النمر). وفي عهد هذا المجلس صدر دستور عام 1952م.

وفي نوفمبر 1954م، جَرت انتخابات المجلس النيابي الرابع في جوٍّ من المشاحنات والتظاهرات العنيفة التي أسفرت عن مقتل العديد من المواطنين، مما اضطر رئيس الوزراء آنذاك "توفيق أبو الهدى" إلى الاستقالة لتعْقُبه حكومة جديدة برئاسة "سعيد المفتي". وما لبثت الحكومة الجديدة أن استقالت بسبب الجدال العارم حول علاقة الحكومة بـ "حلف بغداد"(26)، حتى جاءت حكومة "هزاع المجالي" التي استقالت هي الأخرى نتيجة المعارضة الشديدة للتوقيع على الانضمام إلى الحلف المذكور. وتألَّفت حكومة جديدة وحُلَّ المجلس الذي كان يرأسه "أحمد الطراونة" يوم 26/6/1956م. وفي عهد هذا المجلس عُدِّل الدستور، حيث تم تخفيض مدة عضوية مجلس الأعيان من ثماني سنوات إلى أربع.(27) ويُذكر أن الحركة الإسلامية لم تشارك في أيّ انتخابات نيابية منذ نشأتها وحتى نهاية عام 1955م، لتبدأ العمل في البرلمان الأردني منذ عام 1956م.


انتخابات 1956م والمشاركة الأولى للإخوان

في عام 1956م، وبعد تغييرات قيادية كبيرة جرت في الجماعة، شارك الإخوان في الانتخابات النيابية، ونجح منهم أربعة نوَّاب من بين (40) نائباً، وهم: (محمد عبد الرحمن خليفة، وعبد الباقي جمو، وعبد القادر العمري، وحافظ النتشة.(28) وشكلت حكومة حزبية برئاسة سليمان النابلسي قائمة على الحزب الوطني الاشتراكي والحزب الشيوعي وحزب البعث، وقد منح نواب الإخوان الثقة لتلك الحكومة. وفي هذه الانتخابات تمّ تشكيل المجلس النيابي الخامس، واستمر في عمله النيابي حتى 21/10/1961م، وتعاقب على رئاسته كل من "حِكمت المصري" و "مصطفى خليفة"، وفي عهد هذا المجلس تم إلغاء المعاهدة البريطانية الأردنية يوم 4/3/1957م، وتم إقرار دستور الاتحاد العربي بين المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العراقية.(29) وبعد ذلك المجلس الذي انتهت ولايته عام 1961م، تراجَع التمثيل النيابي للإخوان إلى نائبين هما: "مشهور الضامن" (نابلس) و "يوسف العظم" الذي ظلَّ يُعاد انتخابه حتى نهاية المجلس الحادي عشر عام 1993م، فتوقَّف عن ترشيح نفسه. وفي عام 1967م، انتُخِب أيضا "حافظ النتشة" الذي كان نائباً عام 1956م.

وبدأ المجلس النيابي السادس أعماله في 22/10/1961م، إلا أنه لم يكمل مدته الدستورية بسبب حلِّه من قبل الحكومة لانعدام التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وقد ترأّس هذا المجلس الدكتور "مصطفى خليفة". أما المجلس النيابي السابع فقد استمر عمله منذ 8/7/1962م، وحتى 21/4/1963م، عندما حُلَّ من قبل حكومة "سمير الرفاعي" بسبب فُقدان التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وحجب الثقة عن الحكومة. وقد ترأس هذا المجلس "صلاح طوقان". وبدأ المجلس النيابي الثامن في عمله منذ 8/7/1963م، ليستمر في العمل حتى 23/12/1966م، وتم حله من قبل حكومة "وصفي التل" لانعدام التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وقد ترأس هذا المجلس "عاكف الفايز".

وبعد الهزيمة النكراء التي مُنيت بها دولٌ عربية عام 1967م، بدأ المدُّ الإسلامي بالتنامي في مقابل لانحسار المدُّ القومي واليساري، وقد شارك الإخوان المسلمون في العمل الفدائي (الجهادي) ضد الكيان الصهيوني من خلال حركة فتح؛ حيث أقاموا ثلاثة معسكرات، ونفَّذوا مجموعة من العمليات الناجحة ضد أهداف صهيونية، وقد عمل في هذه المعسكرات حوالي (180) مجاهدًا متفرِّغًا، إضافة إلى العديد من المتطوعين على فترات متقطعة، كما استُشهد عددٌ من هؤلاء المجاهدين في هذه الفترة هم: صلاح حسن -مصري، مهدي الأدلبي -سوريي، رضوان كريشان- أردني، محمد سعيد باعباد –يَمني، إبراهيم عاشور -فلسطيني، رضوان بلعا -سوري، محمود برقاوي -أردني، صلاح الدين المقدسي -فلسطيني، زهير سعدو -سوري، نصر العيسي -سوري، سليم المومني -أردني، يعقوب عيسى –سوري. وفي عام 1970م، وقف الإخوان موقفًا حاسمًا من الفتنة، ورفضوا أن يعينوا فريقًا ضد فريق، وأكدوا أنهم إنما حملوا السلاح لمقاتلة المحتلين اليهود.(30)

وشهدت فترة السبعينيات تمددًّا إسلاميًّا كبيرًا؛ حيث تدفق الشباب على الجماعة التي ركَّزت في هذه المرحلة على التربية والدعوة، واتجهت نحو التوسع في العمل النقابي، وشارك الإخوان في ثمانينيات القرن الماضي في الانتخابات البلدية في أربد ومادبا وسحاب، وتقدَّموا أيضاً في قيادة العمل الطلابي في الجامعات، كما عارض الإخوان معاهدة "كامب ديفيد" بين مصر والكيان الصهيوني، التي أدَّت إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني، وأكدوا على أن قضية فلسطين هي قضية عقيدة وقضية مُقدَّسة لدى مسلمي العالم جميعًا، وندَّدت الجماعة بالعدوان الصهيوني على لبنان وعلى المقاومة الفلسطينية وبالمذابح الإجرامية في مخيمات تل الزعتر وصبرا وشاتيلا.. وشهدت هذه الفترة توترًا في العلاقة مع النظام؛ حيث فُصِلَ عددٌ كبير من الإخوان الأساتذة في الجامعات وفي غيرها من المواقع الوظيفية، وبَقِي الأمر كذلك حتى عام 1989م، كما أيَّدت الجماعة ودعمت الانتفاضة المباركة التي بدأت في ديسمبر 1987م، في فلسطين(31).

وفي 7/1/1984م، صدر قرارٌ ملكيٌ يقضي بدعوة "مجلس الأمة" التاسع إلى الاجتماع في دورة استثنائية اعتبارا من 9/1/1984 وحتى 16/1/1984م، إذ جرى تعديل المادة (73) من الدستور بإلغاء الفقرة الخامسة منها وتعديلها، بحيث أصبح من حق الملك بناءً على قرار من مجلس الوزراء إعادة المجلس المُنْحل ودعوته للانعقاد. كما تمَّ تعديل الفقرة السادسة من المادة ذاتها بحيث أصبح بالإمكان إجراء الانتخابات النيابية في نصف عدد الدوائر الانتخابية إذا تعذَّر إجراؤها في كل الدوائر ليقوم الفائزون بانتخاب ممثلي الدوائر الأخرى. وبتاريخ 16/1/1984م، عاد المجلس المنحل إلى الانعقاد بقرار ملكي، وشاركت الحركة الإسلامية في الانتخابات النيابية التكميلية وحصلت على مقعدين آخرين في المجلس فأصبح لها أربعة نواب. وفي 22/10/1987م، تم تمديد مدة هذا المجلس لسنتين جديدتين تنتهي في 9/1/1990م، وتم اعتباره المجلس النيابي العاشر. وقد ترأس هذا المجلس "عاكف الفايز"(32).


انتخابات 1989م والفوز الكبير

اتسعت مشاركة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية والعامة، وكانت الأكثر حضوراً ونجاحاً بين القوى السياسية المختلفة، ففي عام 1989م، أُجريت انتخابات المجلس النيابي الحادي عشر بعد عودة الحياة النيابية بجميع أبعادها في الأردن لأول مرة منذ عام 1967م، فتقدَّمت جماعة الإخوان المسلمين بـ(26) مرشحاً، نجح منهم (22) نائباً من بين (80)، أي ما نسبته (27.5%) من مجموع مقاعد مجلس النواب ، وهم: (أحمد الأزايدة، وعبد الحفيظ علاوي، وعبد العزيز جبر، وماجد خليفة، وعبد المنعم أبو زنط، وعلي الحوامدة، وحمزة منصور، وهمام سعيد، ومحمد أبو فارس، وداود قوجق، وعبد اللطيف عربيات، وإبراهيم خريسات، وأحمد الكوفحي، وعبد الرحيم العكور، ويوسف الخصاونة، وكامل العمري، وأحمد الكفاوين، ويوسف العظم، وعبد الله العكايلة، وفؤاد الخلفات، وذيب أنيس، ومحمد الحاج). وتوفي أحمد الأزايدة النائب عن مادبا عام 1992م، ثم أُجريت انتخابات تكميلية فاز فيها ابن عمه محمد الأزايدة. ونجح في هذه الانتخابات مجموعة من الإسلاميين المستقلين مثل: (ليث شبيلات، ومحمد العلاونة، وعاطف البطوش، وعلي الفقير، ويعقوب قرش). وكانت الحركة الإسلامية في نفس العام، قد تحالفت مع حكومة "مضر بدران" وشاركت في الحكومة بخمسة وزراء، إضافة إلى مجموعة أخرى من الإسلاميين المستقلين. وقد تعاقب على رئاسة البرلمان كل من "سليمان عرار" لدورة واحدة و "عبد اللطيف عربيات" لثلاث دورات أخرى.(33)

ويُذكرُ أن القضية الأكثر أهمية في هذه الانتخابات، قد تمثَّلت في أعداد الفائزين ممن ينتمون إلى التيارات السياسية التي لا تعتبر قريبة من السلطة. فبينما حصل التيار المحافظ والوسط (القريب من السلطة) على (35) مقعدا بما نسبته (43.7%)، حصل التيار الإسلامي بكامله على (32) مقعداً، وحصل التيار القومي واليساري على (13) مقعداً أي بما يشكل (40%) و (16.3%) على التوالي، بحيث احتل هذان الأخيران معاً أغلبية مقاعد مجلس النواب. ويُذكرُ أن هذه الانتخابات قد أُجريت وفقاً لقانون رقم (22) لسنة 1986م، ذي القائمة المفتوحة، واتسمت -وفق شهادة العديد من المراقبين- بقدر كبير من الحرية والنزاهة(34).


انتخابات 1993م

لقد صدر قانون الأحزاب رقم 32 لسنة 1992م، قبل إجراء الانتخابات البرلمانية للمجلس النيابي الثاني عشر بتاريخ 8/11/1993م، وكانت هذه الانتخابات بمثابة الفرصة الأولى للأحزاب السياسية كي تعود إلى ممارسة دورها والعمل بشكل علني في الساحة السياسية الأردنية. وذلك رغم ما أثارته من جدلٍ نتيجة إقرار الحكومة لقانون انتخاب جديد عرف "بقانون الصوت الواحد" (أي لكل مواطن صوت واحد بغض النظر عن عدد المقاعد المخصصة لدائرته) الذي يُنظر إليه باعتباره أداة لتحجيم دور القوى السياسية بما فيها الأحزاب -ولا سيما المعارضة- لحساب الانتماءات العشائرية، ودخلت جبهة العمل الإسلامية بـ (36) مرشحاً، بينما دخلت "حركة دعاء" الإسلامية بمرشحين اثنين فقط. ويمكن تصنيف الأحزاب في هذه الفترة ضمن أربعة تيارات: (35)

جدول رقم (1): يوضّح اتجاهات الأحزاب السياسية الأردنية
التيار السياسي الأحزاب
الأحزاب القومية
  • البعث العربي الاشتراكي الأردني.
  • البعث العربي التقدمي.
  • العربي الديمقراطي الأردني.
  • جبهة العمل القومي.
الأحزاب الدينية
  • جبهة العمل الإسلامي
  • الحركة العربية الإسلامية (دعاء)
الأحزاب الماركسية (اليسارية)
الأحزاب الليبرالية (الوسطية)
  • العهد الأردني.
  • التقدم والعدالة.
  • حزب التجمع الوطني الأردني.
  • حزب الوطن.
  • حزب اليقظة.
  • الحزب الوحدوي العربي الديمقراطي (وعد).
  • الحزب المستقبل.
  • حزب الوحدة الشعبية (الوحدويون).
  • حزب الجماهير العربية الأردني.
  • الجبهة الأردنية العربية الدستورية.

وفيما يتعلَّق بالنتائج فقد كان "حزب جبهة العمل الإسلامي" الفائز الأكبر ضمن هذه الانتخابات، وذلك رغم تراجعه مقارنة بانتخابات عام 1989م، حيث حصل على (17) نائباً، هم: (عبد المجيد الأقطش، حمزة منصور، عبد المنعم أبو زنط، إبراهيم زيد الكيلاني، همام سعيد، ذيب أنيس، بسام العموش، محمد الحاج، محمد عويضة، عبد الرحيم العكور، أحمد الكوفحي، ضيف الله المومني، سليمان السعد، عبد الله العكايلة، ذيب خطاب، بدر الرياطي، وأحمد الكساسبة). ونجح من الإسلاميين المستقلين "عبد الرزاق طبيشات" وزير البلديات، ثم انسحب من الحركة الإسلامية ثلاثة نواب هم: "الأقطش، وخطاب، والكساسبة". ليصل عدد مقاعد الإسلاميين كافة إلى (22) مقعداً. في حين بلغ مجموع النواب المرشحين عن الأحزاب بشكل عام (29) نائباً وبما نسبته (36.25%) من أعضاء البرلمان.(36)

جدول رقم (2): يوضّح التمثيل الحزبي لعام 1993م(37)
الحزب عدد المرشحين
التيار الإسلامي
جبهة العمل الإسلامي 36
حركة دعاء 2
التيار القومي
البعث العربي الاشتراكي 4
البعث العربي التقدمي 1
البعث العربي الديمقراطي 3
التيار اليساري
الشيوعي الأردني 3
الديمقراطي الاشتراكي 3
الحرية 1
الشعب الديمقراطي (حشد) 4
الوحدة الشعبية الديمقراطية 4
التقدمي الديمقراطي الأردني 1
التيار الليبرالى الوسطي
وعد 3
المستقبل 4
العهد 7
الجماهير 1
التقدم والعدالة 1
التجمع الوطني الأردني 8
اليقظة 4
حزب الوطن 2
الوحدة الشعبية (الوحدويون) 1
مجموع المرشحين 93

وبالتمعُّن في النتائج، وفق التيارات السياسية، فإنه يظهر واضحاً سيطرة التيار الوسطي والمحافظ بحصوله على (47) مقعداً وبما نسبته (58.7%) من إجمالي مقاعد مجلس النواب، في حين حصل التيار الإسلامي (جبهة العمل الإسلامي وإسلاميون مستقلون آخرون) على (22) مقعداً، والتيار القومي واليساري على (11) مقعداً بما يشكل (27.5%) و (13.8%) على التوالي.(38)

ويُذكر أن البرنامج الانتخابي للجبهة في هذه الانتخابات قد تضمَّن نقاطاً تفصيليةً تدلُّ على خبرة ومتابعة ودِراية، واشتمل على أفكارٍ ملفتة للنظر، ومنها منع أطباق الدِش، وقد صدر قراراً تنظيمياً يحظُر اقتناء هذه الأطباق لدى مُنتسبي الجبهة. وقد تعاقب على رئاسة هذا المجلس "طاهر المصري" لدورة واحدة و "سعد هايل السرور" لثلاث دورات برلمانية.

وتُعتبر انتخابات 1993م، بمثابة الشاهد على مدى حرص الحركة الإسلامية على السير في النهج الديمقراطي، وذلك رغم الإشارات المتلاحقة الصادرة عنها والتي لوَّحوا من خلالها باحتمال مقاطعة المشاركة في هذه الانتخابات. وأكّدت الحركة في أصعب الظروف وأكثرها حساسية اِلتزامها التام بالتشريعات.(39)


انتخابات 1997م والمقاطعة الأُولى

مقاطعة الإنتخابات فى الأردن.jpg

منذ إجراء انتخابات عام 1993م، برزت مظاهر التدخل السلبي للسلطة في الانتخابات، وذلك من خلال دورها على صعيد قانون الانتخاب خصوصاً، حيث عمدت السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) إلى إقرار قانون انتخاب مؤقت عام 1993م، بعد حل مجلس النواب.

وفي عام 1994م، تم انتخاب الأستاذ "عبد المجيد ذنيبات"، كمراقب عام ثالث للجماعة، وعَقدت الجماعة في عام 1996م، مؤتمراً داخلياً لتقويم مسيرة خمسين سنة. ونتيجة لاستمرار التراجع في الممارسة الديمقراطية والتضييق على الحركة الإسلامية بعد توقيع "معاهدة وادي عربة" التي عارضتها الجماعة بشدة، رأت الحركة أنه لا بد من مراجعة المشاركة السياسية الرسمية ومنها المجلس النيابي، واحتجاجاً على هذه الحال، ولتحسين شروط المشاركة السياسية قررت الجماعة مقاطعة الانتخابات القادمة.(40)

وفي 4/11/1997م، جرت انتخابات المجلس النيابي الثالث عشر. وبلغتْ نسبة الاقتراع (54.4%) من مجموع المسجلين في جداول الناخبين. وتعاقب على رئاسة هذا المجلس "سعد هايل السرور" لدورة واحدة و "عبد الهادي المجالي" لثلاث دورات. وقادت جماعة الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي -أكبر الأحزاب السياسية الأردنية وأكثرها تأثيراً ونفوذاً- مقاطعة الانتخابات، وذلك بعد أن رفضت الحكومة تلبية مطالبها للمشاركة في الانتخابات، وفي مقدمِّتها إلغاء قانون الصوت الواحد. وكنتيجة لذلك فقد توزعت الأحزاب السياسية الأردنية بين ثلاثة مواقف متباينة(41)

  • المقاطعة: وهو ما تبينه أحزاب جبهة العمل الإسلامي، والشعب الديمقراطي، والوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني، والعمل القومي، والجبهة الأردنية العربية الدستورية، والأنصار العربي الأردني، والحركة القومية الديمقراطية الشعبية.
  • المشاركة المشروطة: بموافقة الحكومة على تأمين ظروف سياسية وضمانات حقيقية للانتخابات، وهو ما تبناه الحزب الشيوعي الأردني وحزب المستقبل.
  • المشاركة: وقد قاد هذا الاتجاه الحزب الوطني الدستوري الذي تشكل عام 1997م، من اندماج تسعة أحزاب من تيار للوسط.

وقد شارك في الانتخابات (11) حزباً مختلفاً، طرحت (20) مرشحاً معلناً وبلغت نسبة النوَّاب الذين ينتمون إلى أحزاب سياسية وترشحوا عنها بصورة رسمية أو فردية (20) نائباً، أي نحو (25%) من أعضاء المجلس.(42)

جدول رقم (3) يوضِّح الأحزاب المشاركة في انتخابات البرلمان الأردني لعام 1997م
الأحزاب المؤيدة للمشاركة عدد المرشحين المقاعد
الوطني الدستوري 11 2
الديمقراطي الوحدوي 4 1
البعث العربي الاشتراكي 2 1
الشيوعي الأردني 2 -
الأرض العربية 1 1
البعث العربي التقدمي - -
حركة دعاء - -
حزب الأحرار - -
حزب الأمة - -
حزب السلام - -
الحزب التقدمي - -

ورغم مقاطعة الحركة الإسلامية هذه الانتخابات، إلا أنه تقدَّم للانتخابات بصفة مستقلة مجموعة من الإسلاميين، نجح منهم "عبد الله العكايلة"، و "محمد الأزايدة،" و "سلامة الحياري"، و "محمد رأفت". وأدَّت هذه المقاطعة إلى تفاعلاتٍ سياسيةٍ وتنظيميةٍ كشفت عن تداعياتٍ وآثار هي في حقيقتها أعقد بكثير من أسباب المقاطعة والبيئة المحيطة بها مباشرة، ومنها أن المجتمع الفلسطيني في الأردن يعتمد اعتماداً رئيسياً على الحركة الإسلامية في تمثيله النيابي والشعبي، وقد جعلته هذه المقاطعة بلا تمثيل كافٍ يُعبِّرُ عن تطلعاته ومطالبه. هذا، ويرى البعض أن المقاطعة قد جاءت متأخرة أربع سنوات، فكان من الأولى أن تجري عام 1993م، لأجل محاولة تعديل قانون الانتخاب، ولكن يبدو أن إدراك أثر القانون على الحياة البرلمانية لم يظهر إلا أثناء تجربة المجلس النيابي الثاني عشر (1993-1997).

وعلى الرغم من رفض حزب الحركة الإسلامية المشاركة في هذه الانتخابات، إلا أنها لم تكن عملية انسحاب لهم من الحياة البرلمانية وتركها لحزب جبهة العمل الإسلامي، وكذلك لم يصدر عن دُعاة المقاطعة والمتحمِّسين لها ما يشير إلى التخلِّي عن المشاركة في ميدان العمل النيابي، هذا في حين أنهم يؤكدون على أن المشاركة هي الأصل، وأن المقاطعة هي حالة استثنائية أملتها عليهم جملة من الاعتبارات، أهمّها سلسلة التراجعات الديمقراطية التي تضمُّ قانون الانتخابات وقانون المطبوعات، هذا فضلاً عن تغوُّل السلطة التنفيذية وهيمنتها على مجلس النواب، وكذا اندفاعها نحو التطبيع مع (الكيان الصهيوني) والاستجابة لإملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.(43)

أما حول اتجاهات الأحزاب السياسية فقد انقسمت ما بين معارضين (جبهة العمل، والتيار الوطني بأحزابه المختلفة) ووسطيين قريبين من السلطة (تجمع الإصلاح الديمقراطي بأحزابه المختلفة، والمجلس الوطني للتنسيق الحزبي بكامل أحزابه)، ويمكن توضيح هذه الاتجاهات وفق الجدول التالي.

وكان عدد المرشحين الحزبيين (54) مرشحاً من أصل (800) مرشح على مستوى الأردن ككل، وبما نسبته (6%) من مجموع المرشحين. غير أن مما تجب ملاحظته هنا هو لجوء الاتجاه الوسطي تحديداً إلى عدم إعلان أسماء عدد من مرشحيه. فبينما لم يعلن "المجلس الوطني للتنسيق الحزبي" عن اسم أي من مرشحيه، أكد عدد من أحزاب "تجمع الإصلاح الديمقراطي" صراحة وجود مرشحين لها يخوضون الانتخابات دون الإعلان عن مظلتهم الحزبية. ومن ناحية أخرى فإن "تجمع المرشحين المستقلين" -لا يعتبر حزباً أو تكتلاً حزبياً- يحظى بدعم حزب الشعب الديمقراطي وحزب الشغيلة الشيوعي اليساريين.

انتخابات 2003م

وجَّه الملك عبد الله الثاني يوم 17 يونيو/حزيران 2001م، رسالة إلى رئيس الوزراء المهندس "علي أبو الراغب"، طلب فيها وضع "قانون عصري للانتخابات البرلمانية يُسهم في تنمية الحياة السياسية والديمقراطية، ويعزز إمكانات التفاعل مع المستجدات والمتغيرات في حركة سير المجتمع الأردني وتطوره، بما فيها تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني... ويضمن إعادة النظر في تقسيم الدوائر الانتخابية وحصة كل دائرة من النواب، ويعتمد على آلية متطورة في أسلوب التصويت وفرز الأصوات ومراجعة وإقرار جداول الناخبين".(44)

ورغم التعديلات الإيجابية نسبياً التي تضمنها قانون الانتخاب الجديد المؤقت رقم (34) لعام 2001م، من خلال زيادة عدد المقاعد النيابية من (80) إلى (104) والتي أصبحت فيما بعد (110) مقعداً بعد إضافة (6) مقاعد مخصصة للنساء، كما تم زيادة عدد الدوائر الانتخابية من (21) إلى (45)، واعتماد البطاقة الشخصية الصادرة عن دائرة الأحوال المدنية بدلاً من البطاقة الانتخابية، وكذلك خفض سن الاقتراع من (19) إلى (18) سنة، وإدخال القضاء في عملية الإشراف على عملية الاقتراع والفرز التي تم توحيدها، فضلاً عن السماح للناخب بالإدلاء بصوته في أي مركز اقتراع ضمن دائرته الانتخابية.

وعلى الرغم مما سبق ذكره، فقد تضمَّن قانون الانتخاب مجموعة من الثغرات التي تعتبر منفذاً لتدخل السلطة في الحياة النيابية، وضمان الحصول على نتائج ترتضيها. وأبرز من هذه الثغرات يتمثَّل في عدم اعتماد معيار "عدد السكان" في تحديد مقاعد الدوائر الانتخابية، وهو ما يؤدي إلى خلل في معدل تمثيل المقاعد بين دائرة وأخرى. هذا، علاوة على غياب الأخذ بمبدأ "الإشراف القضائي التام" على الانتخابات، أو تشكيل لجنة وطنية مستقلة لهذا الغرض.

ورغم استمرار العمل بآلية الصوت الواحد المُثير للجدل، فلم يعلن أياً من الأحزاب الأردنية مقاطعته لانتخابات المجلس النيابي الرابع عشر 2003م. وفي الوقت ذاته تبدو الملاحظة الرئيسية في تلك الانتخابات على صعيد المشاركة الحزبية، متمثلة في تراجع مشاركتها المعلنة وتحديداً على صعيد عدد المرشحين، لاسيما مع زيادة عدد مقاعد المجلس، فلجئ العديد من الأحزاب إلى تشكيل ائتلافات حزبية انتخابية (45).

ولقد بلغت نسبة التصويت (59%)، وهي نسبة أعلى من الانتخابات السابقة عام 1993م، حيث كانت نسبة التصويت (54%)، وذلك لمقاطعة الأحزاب لتلك الانتخابات. إلا أنها نسبة أقل من تلك في انتخابات عام 1989م، و1993م، حيث كانت نسبة التصويت (68%) و(62%) على التوالي.

وخاض الإخوان المسلمون، ممثلين بحزب جبهة العمل الإسلامي الانتخابات بقائمة تضم (30) مرشحاً فقط، إلا أن بعض المراقبين يرون أن جبهة العمل الإسلامي قد خاضت الانتخابات بقائمتين، الأولى وهي المعلنة وقائمة ثانية غير معلنة تضم حوالي عشرة مرشحين. ولعل أكبر مفاجأة في الانتخابات هي حصول الإسلاميين على (17) مقعداً فقط، إحداها لامرأة فازت بالمقعد النيابي على أساس الكوتا النسائية، وهو ما يشكل تراجعاً ملحوظاً لتمثيل جبهة العمل الإسلامي في مجلس النواب.

هناك نواب إسلاميون دخلوا المجلس ولا ينتمون للجبهة، بل يختلفون معها بشكل كبير (عبد الحفيظ علاوي، عبد الله العكايلة وآخرون). حيث حصل الإخوان المسلمون على (23) مقعداً في انتخابات عام 1989م، و(16) مقعداً في انتخابات عام 1993م، أي أنهم كانوا يشكلون ما نسبته 020%) من مجلس النواب لعام 1993م، المكون من ثمانين مقعداً، إلا أنهم لا يمثلون أكثر من (15%) من مجلس النواب الجديد المكون من مائة وعشرة مقاعد. (46)

وكان من بين مرشحي حزب الجبهة سيدة واحدة في "الزرقاء" بالرغم من إمكانية فُرص نجاح مرشَّحات أخريات على قائمة العمل الإسلامي، ولكن قيادة الجبهة آثرت الاكتفاء بمشاركة رمزية للمرأة، والحقيقة أن الحركة الإسلامية كانت تستطيع إيصال سيدة أو اثنتين عام 1993م، ولكنها لم تبادر إلى ذلك حتى فرضت مقاعد مخصصة للنساء في المجلس، وكان من الممكن تحقيق مكسب معنوي وإعلامي، ورِيادة في العمل النسائي العام، واستجابة لموجة عالمية لا يُستهان بها جعلت مشاركة المرأة في العمل العام والوظائف معياراً للتنمية والديمقراطية، وقللت كثيراً من انتقادات الإعلاميين والسياسيين. (47)

وقدَّم البرنامج الانتخابي للجبهة عام 2003م، إضافات وتحولات جديدة ملفتة تعبر عن نزعة واقعية أو تقترب من الواقعية، فلم يكن تطبيق الشريعة الإسلامية بالقوة والتأكيد والتكرار الوارد عام 1993م، ولم يتطرق إلى المخالفات التي تبدو صريحة مع الشريعة مثل قوانين العقوبات والخمور، وتحدث عن المحكمة الدستورية وتداول السلطة والتنمية السياسية، واعترف بالديمقراطية مصطلحا -وإن على خجل- رغم التأكيد المتكرر والمتواصل على مضامينها وجوهرها. كما طوَّر شعار "الإسلام هو الحل" بإضافة "نعم وإلى الأبد"، و"معا لتحقيق المنظومة الخماسية: تطبيق الشريعة الإسلامية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والحرية، والوحدة". وطرح البرنامج فكرة التجمعات الإقليمية العربية: بلاد الشام والعراق، والجزيرة العربية، ووادي النيل، وشمال أفريقيا. (48)


انتخابات 2007م والتراجع الكبير

أدلى مليونان ونصف مليون أردني الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات النيابة التي جرت الثلاثاء 20/11/2007م، وذلك لاختيار (110) نائباً جديداً من بين (965) مرشحاً، وشارك في هذه الانتخابات النيابية لسنة 2007م، (15) محافظة ومنطقة موزعين إلى (45) دائرة انتخابية. ويجدر الإشارة إلى أنه وفي دوائر مختلفة، قد تم تخصيص مقاعد للأقليات الشيشانية والشركسية والمسيحية. كما تمَّ العمل بنظام الكوتا (الحصة) النسائية، حيث تقوم المشرحات بترشيح أنفسهم عن هذه الكوتا وتفوز النساء ذوات أعلى نسبة تصويت بالنسبة إلى دوائرهم.

وقد بلغت نسبة التصويت في هذه الانتخابات نحو 57% من 2.4 مليون نسمة مؤهلين للتصويت. وأظهرت النتائج فوز مرشحين مستقلين موالين للحكومة بغالبية مقاعد مجلس النواب، أغلبهم يمثل العشائر الأردنية الكبرى. كما ضم مجلس النواب الجديد وجوهاً تمثل جيلا جديداً من الشباب وهم أيضاً موالون للسلطة.

وتقدّمت الحركة الإسلامية بـ (22) نائباً، فُمنيت بخسارة، فلم تحصل إلا على (6) مقاعد في البرلمان بسبب عمليات التزوير وشراء الأصوات التي سهّلت لها الحكومة-حسب رأي الحركة.(49) أي ما نسبته (35.29%) عن تمثيلهم في البرلمان السابق، و (5.5%) من عدد قاعد البرلمان. وحتى في محافظة الزرقاء والتي تعتبر معقل الإسلاميين، لم تتمكن مرشحة جبهة العمل الإسلامي الوحيدة الصيدلانية "حياة المسيمي" من الفوز بالانتخابات عبر نظام "الكوتا" النسائية التي تخصص للمرأة ستة مقاعد في المجلس النيابي.(50)

وينحصر دور الجبهة الإسلامية في البرلمان فحسب، ويرجع ذلك إلى عوامل موضوعية خاصة بالجبهة، منها الخلافات داخل الحركة حول المشاركة والمقاطعة، فبينما يرى فريق بضرورة المشاركة، يرى فريق آخر بضرورة المقاطعة، على اعتبار أن المشاركة لا تعدو كونها شكليَّة في ظل التزام المملكة باتفاقياتها وتعهّداتها تجاه إسرائيل.

ويُذكر أن هذا المجلس لم يستكمل مدته الدستورية إذ استمر في عمله مدة عامين، وتم حله بأمر من الملك عبدالله الثاني، وكان من المُفترض أن يستمر المجلس في أداء مهامه حتى نهاية عام 2011م. كما أمر بإجراء انتخابات نيابية جديدة في التاسع من نوفمبر ليكون المجلس النيابي المقبل هو المجلس السادس عشر(51).

واتهمت الحركة الإسلامية الحكومة بتزوير الانتخابات التي جرت الثلاثاء بعد إعلان النتائج الرسمية في اليوم التالي، والتي أشارت الحركة إلى فقدانها لأكثر من نصف مقاعدها السابقة في البرلمان. وطالبت الحركة "بإلغاء نتائج الانتخابات في الدوائر التي جرى فيها تزوير"، معتبرا أن "ما جرى جريمة كبيرة وخطأ كبير في حق البلد والمواطن"(52).


انتخابات 2010م: الانتخابات الأخيرة والإصرار على المقاطعة

بعد الخسارة الكبيرة التي مُنِيت بها الحركة الإسلامية في الانتخابات الماضية 2007م، قرَّر قيادات الحركة مقاطعة الانتخابات الأخيرة 2010م، حيث جاء هذا القرار بعد اجتماع مجلس شورى الحزب(53) مما شكّل توصية لحزب الجبهة بالمقاطعة، وقد جاء على لسان "زكي بن اٍرشيد" الأمين العام السابق وعضو المكتب التنفيذي للجبهة أن "قرار المقاطعة بشكل نهائي صدر بغالبية كبيرة، فقد صوَّت لصالح المقاطعة (52) عضوٌ من أصل (70) من أعضاء مجلس الشورى". أما "حمزة منصور" الأمين العام الحالي للجبهة فقد قال: "لا نثق بالحكومة ولا بإجراءاتها ولا بقانون الانتخاب المتخلف الذي أصدرته"(54).

وجاء على لسانه كذلك: "إن مقاطعة الانتخابات التي أعلنتها أحزاب سياسية والكثير من الشخصيات الوطنية المستقلة لم تكن مرتجلة ولا كيدية إنما هي فعل سياسي جاد جاء نتيجة منطقية لانسداد الأفق السياسي وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية واستشراء الفساد والفقر والبطالة وتوالي ارتفاع حجم المديونية في ظل حكومات متعاقبة قال أنها تخرج على الدستور الأردني ولا تأخذ بالإرادة الشعبية لان تشكيلها حسب قوله لا يستند إلى أية معايير تستمد من هذه الإرادة" وأضاف منصور أن "المقاطعة لم تكن لأهداف فئوية أو حزبيه بل من اجل الوطن حينما اتضح أن هذا الوطن يشهد حالة من التدهور ينبغي عدم التغاضي عنها، ولفت إلى أن من يتهمون من يقاطعون الانتخابات بأنهم عزلوا أنفسهم ليسوا أكثر منا وطنية(55).

وقد أُجريت الانتخابات يوم 9 نوفمبر من العام الجاري، وشارك فيها (16) حزباً من أصل (18) حزبا مرخصاً بعدما قاطعت الحركة الإسلامية وحزب الوحدة الشعبية، واستطاعت هذه الأحزاب الفوز بـ(17) مقعدا ومعظمها كانت بمساعدة العشائر؛ حيث تغلب على المجلس النيابي الجديد الصبغة العشائرية. وأفرزت مجلس نواب مكونا من (120) نائبا منهم (83) نائباً جديداً لأول مرة و(37) من نواب ووزراء ورؤساء وزارات سابقين، من (763) مرشحاً، كما تنافس (134) امرأة، فاز منهن (13) سيدة، فازت (12) منهن ضمن الكوتا النسائية التي خصصها القانون، أما الأخيرة (ريم بدران) فقد فازت بشكل حر بعيداً عن نظام الكوتا.

وقد أدلى نحو مليون مائتي ألف ناخب بأصواتهم في هذه الانتخابات، حيث بلغت نسبة الاقتراع نحو (53%)، وحسب الأرقام الرسمية للانتخابات فإن محافظة العاصمة شهدت أدنى نسب الاقتراع حيث بلغت (34%)، كما بلغت في الزرقاء (36%)، وكانت أعلى نسب الاقتراع في دوائر البدو، حيث تجاوزت (81%) في دائرة بدو الشمال، و77% في بدو الوسط، و(80%) بدائرة بدو الجنوب.

وقد تمتَّعت عملية التصويت بالمصداقية، أما الانتخابات بمجملها جرت في منظومة سياسية كانت فاقدة للمصداقية والموضوعية. وكشفت نتائج الانتخابات النيابية الأردنية فوز مرشحين موالين للحكومة من أبناء العشائر ورجال الأعمال بأغلبية المقاعد في مجلس النواب. وأعلن التلفزيون الأردني أن مرشحاً واحداً من المرشحين الإسلاميين الذين تحدوا قرار المقاطعة لحزب جبهة العمل الإسلامي المعارض قد فاز في المجلس الجديد في دائرة بعجلون.


إنجازات الحركة

ما من شك أن الحركة اكتسبت من خلال مشاركتها المتتالية تجارب جديدة،فأصبحت أكثر واقعية عن غيرها من الحركات الإسلامية، واستطاعت تطوير قدراتنا وتحسين أدائها، وقدّمت بنجاح صوراً مختلفة عن تلك التي ترسَّخت في أذهان المتخوفين من حركات الإسلام السياسي، والدائبين كذلك على تصوير الإسلاميين بالمتشددين والمتطرفين والأصوليين.

ولقد حققت الحركة خلال سنوات مشاركتها في الحياة النيابية انجازات كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال:

1. تكوين فكرة سليمة عن الجماعة، وإزالة المخاوف التي كانت تثيرها بعض الجهات المختصة من الوطنيين والقوميين، فقد أبدوا في مناسبات كثيرة أن الجماعة تتسم بالاعتدال والتحرك المسئول الواعي، وتحترم الرأي الآخر، وأظهرت مرونة وقدرة على التنسيق والحوار مع الأحزاب والحكومات والشخصيات السياسية، وأزيل الحاجز النفسي الذي كان يفصل بين الجماعة والآخرين. وأتاحت المشاركة فرصة للحركة الإسلامية لعرض أيديولوجيتها وأفكارها ومنطلقاتها حول كافة القضايا أمام البرلمان، ومن ثم استطاعت تقديم فكرتها عبر برنامجها الانتخابي الذي أصبح وثيقة في يد الدارسين والباحثين والمهتمين.
2. طرح الرأي والموقف الإسلامي في المواقف والأحداث، ودفع الحكومة إلى الالتزام به أو احترامه وتقديره، أو سماعه على الأقل.
3. نشر الفكر والدعوة والعمل إلى الإسلام وتسهيل هذه المهمات وحماسة القائمين عليها وتفعيل المؤسسات الإسلامية حتى أصبح الرأي والموقف الإسلامي الصحيح يطرق كل منافذ النشر والتبليغ.
4. التنسيق والتعاون في الفعاليات السياسية المختلفة، حكومية وحزبية ونقابية، وذلك بما يخدم الأمة والوطن، وبما يضمن تنفيذ برامج الحركة الإسلامية وتحقيق أهدافها. ومن القضايا التي تم التنسيق بشأنها، موضوع التسوية السلمية والموقف من أزمة الخليج، وقضايا محاكمة الفساد، والدفاع عن الحريات العامة وقانون الأحزاب وقانون أمن الدولة.
5. أحرزت الحركة رئاسة المجلس ورئاسة الكثير من اللجان النيابية، وهو إنجاز يُعبر عن تأثير نواب الحركة وقدرتهم على التنسيق والحشد.
6. رد الحقوق العامة التي اعتدي عليها إلى أصحابها من إعادة المفصولين، والإفراج عن المعتقلين، وضمان حرية السفر والتنقّل وحرية الرأي والتعبير، والحد من تدخل الأجهزة الأمنية – في التوظيف والنوادي والجمعيات وهي إنجازات وإن لم تصل إلى الحد المطلوب، ولكنها وبمقارنتها بالدول العربية الأخرى تبدو نقلة بعيدة وإنجازاً كبيراً.
7. تخفيف حالة الاحتقان والعداء مع الحكومة، والقدرة على التعايش والتعاطي معها، وحماية أبناء الحركة من محاولة الانجرار إلى صدام مع النظام، لا يعود بالنفع إلا على أعداء الحركة.
8. تنمية العلاقات مع المسئولين المحليين في المحافظات والألوية، من حكّام إداريين ومدراء دوائر، والتعاون معهم في العمل والخدمة وحل المشكلات.
9. مواجهة الفساد المالي والإداري، ومحاسبة الوزراء والحكومات وكبار المسئولين، والرقابة على أداء الأجهزة الحكومية بما يحقق المصالح والمنافع ويحمي البلد ومؤسساته من الإهمال والعبث والفساد.
10. محاسبة الوزراء والحكومة والرقابة على أداء الأجهزة بما يدفع نحو تحقيق المصالح والمنافع ويحمي البلد ومؤسساته من الإهمال والعبث والفساد.
11. لقد استطاعت الجبهة من خلال نوَّابها في البرلمان بالتعاون مع غيرهم من النواب أن تلغي مجموعة من القوانين التي ترى أنه لا حاجة لوجودها، ومنها: إلغاء الأحكام العرفية. إلغاء قانون الدفاع. اقتراح قانون يحظر الخمرة بيعاً وشراء وصناعة واستهلاكاً)، هذا فضلا عن اقتراح مجموعة من القوات ذات الأهمية بمكان، ومنها: (قانون لنقابة المعلمين. قانون اتحاد الطلبة. قانون الكسب غير المشروع. قانون الجريمة الاقتصادية. قانون محكمة العدل العليا. قانون تشكيل المحكمة. قانون رعاية الشباب. قانون صندوق شهداء الدفاع المدني). علاوة على المشاركة في إنجاز مجموعة من القوانين والتشريعات المهمة وفي تعديلها بما يلائم المصلحة العامة وحقوق المواطنين ويتفق مع الشريعة الإسلامية ( قانون الأحزاب، الدفاع، رد الاعتبار، محكمة العدل العليا، أمن الدولة، النقابات، الكسب غير المشروع، الضرية، الاستيراد والتصدير).
12. كان لنواب الإخوان حضور قوي وفعال في اللجان المتخصصة، الحريات المالية والقانونية، التحقيقات النيابية، وقد كان أداؤهم في هذه المجالات وغيرها كثير يعبر عن جهد كبير دؤوب، وموضوعية وإنصاف وإحاطة بالقضايا الفنية والتخصصية، وكان هذا الأداء موضع تقدير المؤسسات الرسمية والإعلامية.
13. تخفيف حالة الاحتقان والعداء مع الحكومة، وحماية الجماعة في أثناء حدوث قضايا كان يمكن أن تضرها مثل جيش محمد والنفير – واستطاع النواب بالتعاون مع قيادة الجماعة تجاوز قضية معتقلي حماس في قضايا كان يمكن أن تضر الجماعة وتخرج بعقوبات شديدة تطال الإخوة المعتقلين، ولكن النواب بما وفقهم الله وآتاهم من الحكمة وقدرة على التحرك والاتصال استطاعوا سحب القضية من المحكمة العسكرية وتجميدها إلى أن أفرج عن المعتقلين بالعفو العام.
14. التفاعل مع الأحداث على الساحة العربية والإسلامية من خلال البرقيات والحضور والمشاركة، بالتعاون مع قيادة الجماعة، وقد أصدر مكتب النواب عشرات البيانات والبرقيات في المناسبات والمواقف المختلفة.
15. دعم القضايا الإسلامية "أفغانستان، البوسنة والهرسك، الشيشان" وإعطاء القضية الفلسطينية أولوية، وذلك من خلال دفع الحكومة إلى الالتزام بما لا يضيع حق الفلسطينيين في أرضهم، وقد استطاع نواب الحركة على التوصل إلى قرار في مجلس النواب يقضي بالحد من معاناة أهالي قطاع غزة وحملة المقيمين في الأردن.
16. التوصل إلى قرار في مجلس النواب يحدُّ من معاناة أهالي قطاع غـزة المقيمين في الأردن.
17. تحرك نواب الحركة لإنهاء قضية "شبيلات وقرّش" من خلال لجنة متابعة برلمانية ترأسها د. عبد اللطيف عربيات، ومقابلة المسئولين على جميع المستويات وإرسال برقية إلى جلالة الملك وإصدار بيانات باسم الكتلة وحضور جلسات المحاكمة وجهود لجنة الحريات، ودعوة جميع النواب للتشاور.
18. المشاركة في صياغة الميثاق الوطني، وقد عمل الإخوة الأعضاء على الاتصال بكثير من أعضاء اللجنة للتنسيق حول الثوابت والمرتكزات الرئيسة للميثاق لتنسجم مع عقيدة الأمة وفكرها والتأكيد على الهوية الإسلامية للشعب الأردني والوحدة الوطنية ونزع الفرقة وتأكيد أهمية القضية الفلسطينية والالتزام بحق الفلسطينيين باستعادة كامل أرضهم.
19. التنسيق والتعاون مع المكتب التنفيذي في العمل والتشاور وقدمت للمكتب مجموعة من الأفكار والاقتراحات في العمل السياسي والعام وضرورة إعطاء الأولوية لعملهم النيابي لمتابعة قضية العائدين من دول الخليج لمساعدتهم وتحصيل حقوقهم.
20. ساهم نواب الحركة في تحقيق كثير من المشاريع والخدمات العامة ومن ذلك: كلية الشريعة في جامعة اليرموك، مدارس وطرق ومراكز صحية وخدمات الكهرباء والماء والهاتف في مختلف المناطق والمحافظات.(56)


معوقات مشاركة الإخوان في العمل النيابي

لقد أقدمت الحكومة الأردنية على سن العديد من القوانين التي من شأنها التأثير على تواجد القوى السياسية في البرلمان والتقليل من فاعليتها فيه مع إظهار المظهر الديمقراطي في الحياة السياسية الأردنية، خاصة بعد تركيز أميركا على وجوب دَمَقرطة مجتمعات المنطقة. كما حرصت الحكومة على تسويق نفسها باعتبارها ديمقراطية صاعدة وأنها قد تكون نموذجا يُحتذى في المنطقة(57). ومنذ انطلاق عملها النيابي، واجهت الحركة الإسلامية جملة كبيرة من المعيقات والعقبات التي حدّت من فاعلية مشاركتها، ونذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

1. لقد عمدت الحكومة في ظل غياب مجلس النواب على إصدار عدد كبير من القوانين المؤقَّتة سبق لمجلس النواب أن رفض بعضها، وهي قوانين من شأنها أن تحدَّ من تأثير قُوى المعارضة في الشارع الأردني، فمن خلال هذه القوانين جرت أوسع حملة تراجُع في الحريات العامة والتضييق على الممارسة الديمقراطية، حسب العديد من المراقبين للساحة الأردنية.(58)
2. هناك عدد من التجاوزات الحكومية التي أعاقت مَسير الانتخابات النيابية 2003م، وذلك باستغلال بعض المتنفِّذين في الحكومة لمناصبهم وما تتيحه من إمكانات لدعم أوضاع بعض المرشحين أو إضعاف أوضاع مرشحين آخرين، وهو ما دفع رئيس الوزراء إلى إصدار بلاغ يحظر على الوزراء زيارة مقار المرشحين. وعلى سبيل المثال ذكرت النائبة السابقة "توجان فيصل"(59) أن رئيس الوزراء (علي أبو الراغب) اتصل بها قبل أسبوع من موعد الترشيح الرسمي لانتخابات 2003م، "وطلب منها عدم ترشيح نفسها"، وأفادت أنه "هددها بتكسير رجليها ومنعِها بالقوة من الترشح إن قامت بترشيح نفسها"(60).
3. لقد تم تسريب معلومات مؤكَّدة تتعلق بوجود قوائم استبعاد لأعضاء الجبهة والمقربين منها وأعضاء مرشحيها ومرشحي المعارضة من لجان الانتخابات، وأن السبب وراء رفض وزارة الداخلية منح المرشحين سجلات الناخبين هو وجود عسكريين بين هؤلاء للتصويت لصالح عدد من المرشحين (رغم أنه يحظر على العسكريين الانتخاب بموجب القانون)، وأن الحكام الإداريين مارسوا ضغوطاً على بعض الشخصيات والمسئولين عن مَضافات وجمعيات لمنع استضافة مرشحين لجبهة العمل الإسلامي والمعارضة(61).
4. لقد قامت بعض الدوائر الرسمية باتخاذ أساليب لإعاقة سير عملية ترشيح بعض مرشحي الحزب والتأثير على فرص نجاح مرشحي الحزب الآخرين في عدة مناطق، مثل تأخير حصولهم على حقوقهم في الأوراق الثبوتية كما حدث مع المهندس علي أبو السكر (وهو عضو لجنة مقاومة التطبيع المنبثقة عن النقابات المهنية الأردنية) في الزرقاء(62).
5. ومارَس الحُكَّام الإداريين ضغوطاً على بعض العشائر والتجمعات السكانية لإنزال مرشحين بهدف التأثير سلباً على فرص مرشحي الحزب(63).
6. مُذ وعت خطورة التهديد الذي يمكن أن تشكله جماعة الإخوان المسلمين على سياساتها وتوجهاتها، وبخاصة الخارجية منها؛ لم تدخر السلطة في الأردن وسعاً لوضع الكثير من العصي في مسار عملية الانفتاح السياسي، لتعويق إمكانات تمكن الجماعة من الانخراط الكامل والفاعل في الحياة السياسية، ومن ثم العجز عن التأثير الجدي في تشكيل القرار السياسي في البلاد، حيث عانى بعض النوَّاب في حالات كثيرة من الاعتقال تارة، ومن الطرد والملاحقة من قبل السلطة الحاكمة، الأمر الذي حال دون ممارسة مهامهم النيابية والتشريعية.
7. ولقد قامت السلطات الأردنية بحملة واسعة النطاق من الاعتقالات في صفوف الإسلاميين منذ بداية عام 2007م، ولم تنته حتى بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الأخيرة.


الخلاصة والنتيجة

يمكن القول إن تجربة الحركة الإسلامية الأردنية في الحياة النيابية، قد أصبحت من التجارب النيابية الفريدة التي تلقى القبول والتقدير والاحترام في كثير من الأقطار ولدى العاملين في الحقل السياسي، وهي موضع دراسة وبحث وتقييم. حقاً، إنها تجربة نضالية ذاخرة بالحقائق والمعطيات، وتحتاج إلى جهد مُؤسسي دءوب كي يستخلص منها الدروس والعبر، ومن ثم الاستفادة منها في تجارب سياسية لاحقة.(64)

ولقد كانت القضية الفلسطينية حاضرة على قائمة أعمال الحركة الإسلامية، وما ان تقاطع الحركة أي انتخابات، حتى يقاطع غالبية الفلسطينيين هذه الانتخابات، ولقد ظهر ذلك بوضوح في هذه الانتخابات، حيث بلغت نسبة التصويت 53%، وكذلك ظهر في انتخابات 1997م، التي كانت نسبة التصويت فيها متدنّية.

وتعكس التجربة في الحياة العامة بمختلف تفريعاتها، صورة مشرقة للدور الذي يمكن أن تلعبه الحركات الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية. ولقد اتسمت العلاقة التاريخية بين الحركة الإسلامية والنظام الملكي بالتعاطي والتعاون في كثير من القضايا، وطُبعت العلاقة بينهما بطابع ودّي قائم على تبادل المنافع وصيانة المصلحة العامة، فقد أخذت الجماعة شكل جمعية خيرية بمباركة من النظام الحاكم في الأردن، وافتتح عبد الله الأول المقر الأول للجماعة في 19/11/1945م.

لقد ساهمت الحركة الإسلامية بما تمتلك من قوة ونفوذ شعبي، في ترسيخ مبادئ الديمقراطية وتكريس عوامل الاستقرار السياسي، فكانت تشارك في الانتخابات إذا ما ارتأت أن مصلحة الأردن تقتضي المشاركة، فيما قاطعتها لأكثر من مرّة، باعتبار أن المشاركة تشكَّل غطاءا لممارسات تتعارض مع المبادئ التي الواجب اتباعها، وتتعارض مع مصالح الشعب الأردني.


المصادر والمراجع

1- لمزيد من التفاصيل انظر: أحمد فايق دلول، تجربة الحركة الإسلامية في تركيا والوصول إلى سدة الحكم، أكتوبر 2008م.

2- لمزيد من التفاصيل انظر: أحمد فايق دلول، تطور الحركة الإسلامية في المغرب حزب العدالة والتنمية، أبريل 2010م.

3- لمزيد من التفاصيل انظر: أحمد فايق دلول، إسلاميو الجزائر في غمار المعترك السياسي حركة مجتمع السلم (حمس)، أغسطس 2008م.

4- لمزيد من التفاصيل انظر: أحمد فايق دلول، الحركة الإسلامية في الشيشان التجربة والطريق المسدود، ديسمبر 2008م.

5- من الجدير ذكره أن الإمام (البنا) كان قد قرر خوض الانتخابات النيابية عن دائرة الإسماعيلية عام 1942م، إلا أنه سرعان ما سحب ترشيحه بعد تهديد رئيس الوزراء "مصطفى النحاس" باتخاذ إجراءات قاسية قد تصل إلى حل الجماعة ومؤسساتها في حال الإصرار على ترشيح الإمام.

6- د. إسماعيل أحمد ياغي، تاريخ العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، الجزء الثاني، دار المريخ للنشر والتوزيع، الرياض-السعودية، 1992م. ص179-180.

7- هو حسن أحمد عبد الرحمن محمد البنا الساعاتي، وُلد يوم 14 أكتوبر 1906 وتوفي يوم 12 فبراير 1949م، وهو مؤسس جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928 والمرشد الأول للجماعة والأب الروحي لها.

8- د. أحمد الموصللي، موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربية وإيران وتركيا، الطبعة الأولى، مركز دراسات الواحدة العربية، بيروت-لبنان، 2004م، ص139-142.

9- الإخوان المسلمون في الأردن، 20/6/2010م

10- د. أحمد الموصللي، مصدر سابق، ص124-125.

11- موسوعة الإخوان المسلمون

12- يُنسب هذا المبدأ إلى دوايت أيزنهاور- الرئيس الأمريكي الجمهوري الرابع والثلاثون، خلال الفترة 1953-1961م. ويتجسّد في الإعلان الصادر عن الكونغرس الأمريكي في عام 1956، والذي حدَّد الإطار العام للإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط في المرحلة التي أعقبت عام 1956م. ويهدف المبدأ إلى احتواء التمدد السوفييتي تجاه المنطقة. وقد تضمَّن تفويضَ الرئيس آيزنهاور سلطةَ استخدام القوة العسكرية في الحالات التي يراها ضرورية لضمان السلامة الإقليمية أو حماية الاستقلال السياسي لأيِّ دولة في الشرق الأوسط، إذا ما طلبَتْ المساعدة لمقاومة أيِّ اعتداء عسكري تتعرض له.

13- أحداث أيلول الأسود 1970م. في هذا الشهر تحرك الجيش الأردني بناء على تعليمات الملك حسين ومستشاريه العسكرين لوضع نهاية لوجود المنظمات الفلسطينية. لم تكن العلاقات بين الملك حسين وجمال عبد الناصر جيدة، الأمر الذي أعطى منظمة التحرير الفلسطينية قوة دافعة داخل الأردن مردُّها أن قيادة المنظمات الفلسطينية كانت متأكدة من أن الأنظمة العربية المجاورة للأردن سوف تتدخَّل لصالح المنظمات الفلسطينية إذا ما نشب صراعٌ مع الجيش الأردني.

14- اتفاقية سلام. تم توقيعه في 17 سبتمبر 1978م، بين الرئيس المصري "السادات" ورئيس الوزراء الصهيوني "بيغن" بعد 12 يوماً من المفاوضات في المنتجع الرئاسي "كامب ديفيد" في ولاية ميريلاند القريب من عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. وكانت المفاوضات والتوقيع على الاتفاقية تحت إشراف الرئيس الأمريكي السابق كارتر. وعلى الأثر، تم تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية من عام 1979 إلى عام 1989م.

15- د. أحمد الموصللي، مصدر سابق، ص262.

16- إبراهيم غرايبة، الحركة الإسلامية في الأردن ثنائية الجماعة والحزب وتداخلات المغانم والأفكار، 26/4/2004م.

17- خالد سليمان، الديمقراطية داخل حزب جبهة العمل الإسلامية، المستقبل العربي، العدد 296، أكتوبر 2003م، ص57-58.

18- د. ثناء فؤاد عبدالله، الدولة والقوى الاجتماعية في الوطن العربي علاقات التفاعل والصراع، الطبعة الأولى، مركز دراسات الواحدة العربية، بيروت-لبنان، 2001م، ص336-339.

19- خالد سليمان، مصدر سابق، ص74.

20- حزب جبهة العمل الإسلامي، النظام الداخلي: منطلقات الحزب، بدون تاريخ.

21- المصدر السابق.

22- حزب جبهة العمل الإسلامي، لماذا نشارك في الانتخابات النيابية؟ دراسة خاصة، بدون تاريخ أو نشر.

23- للمزيد من التفاصيل حول هذه تلك الأحزاب انظر: موسى الكيلاني، الحركات الإسلامية في الأردن وفلسطين: دراسة وتقييم جماعة الإخوان المسلمين، ط2، دار البشير للطباعة والنشر، عمّان- الأردن، 1995م.

24- انظر: بي بي سي ، بتاريخ: 1/8/2010م.

25- شاكر الجوهري، الثنائية الديمغرافية في الأردن وأثرها على الأداء الانتخابي، 10/3/2004م.

26- يعتبر حلف بغداد أحد الأحلاف التي شهدتها حقبة الحرب الباردة، حيث تم إنشاؤه عام 1955م، للوقوف بوجه المد الشيوعي في الشرق الأوسط، وكان يتكون إلى جانب المملكة المتحدة من العراق وتركيا وإيران وباكستان. وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة فكرة إنشاء هذا الحلف حيث وعدت بتقديم العون الاقتصادي والعسكري للأعضاء، ولكنها لم تشارك فيه بشكل مباشر وإنما وكلت بريطانيا بالقيام به.

27- إبراهيم غرايبة، الحركة الإسلامية في الأردن والانتخابات النيابية، الجزيرة نت، 13/3/2004م.

28- المصدر السابق.

29- وكالة الأنباء الأردنية، تاريخ الحياة النيابية في الأردن، 10/3/2004م.

30- الإخوان المسلمون في الأردن، 20/6/2010م.

31- المصدر السابق.

32- قسم البحوث والدراسات، تاريخ الحياة النيابية في الأردن، الجزيرة نت، 2004م.

33- مركز دراسات الشرق الأوسط، قضايا شرق أوسطية، العدد 5-6، عمان، أغسطس 1998م. ص22.

34- منار محمد الرشواني، حضور السلطة في الانتخابات الأردنية، الجزيرة نت، 3/10/2004م

35- منار محمد الرشواني، الأحزاب السياسية في الأردن تاريخها الانتخابي، الجزيرة نت، 10/3/2004م.

36- منار محمد الرشواني، حضور السلطة في الانتخابات الأردنية، الجزيرة نت، 3/10/2004م

37- منار محمد الرشواني، الأحزاب السياسية في الأردن تاريخها الانتخابي، الجزيرة نت، 10/3/2004م.

38- المصدر السابق.

39- مركز دراسات الشرق الأوسط، مصدر سابق، ص30.

40- مُعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية أو ما يُشار إليه باسم معاهدة وادي عربة: هي مُعاهدة سلام وُقِّعت بين إسرائيل والأردن على الحدود الفاصلة بين الدولتين والمارَّة بوادي عربة في 26 أكتوبر 1994م. طبَّعت هذه المعاهدة العلاقات بين البلدين وتناولت النزاعات الحدودية بينهما. وترتبط هذه المعاهدة مباشرة بالجهود المبذولة في عملية السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وبتوقيع هذه المعاهدة أصبح الأردن ثاني دولة عربية بعد مصر، تُطبِّع علاقاتها مع إسرائيل.

41- منار محمد الرشواني، مصدر سابق.

42-منار محمد الرشواني، الأحزاب السياسية في الأردن تاريخها الانتخابي، الجزيرة نت، 10/3/2004م.

43- مركز دراسات الشرق الأوسط، مصدر سابق.

44- منار محمد الرشواني، مصدر سابق.

45-منار محمد الرشواني، حضور السلطة في الانتخابات الأردنية، الجزيرة نت، 3/10/2004م

46- ثامر أبو بكر، قراءة في الانتخابات الأردنية لعام 2003م، مركز جنين للدراسات الإستراتيجية،

47- إبراهيم غرايبة، مصدر سابق.

48- المصدر السابق.

49- صحيفة الحقيقة الدولية، العدد 93، الصفحة 4، الأربعاء 28/11/2007م.

50-الجزيرة نت، نتائج متواضعة للإسلاميين في انتخابات الأردن، 21/11/2007م.

51- مسيرة الحياة البرلمانية الأردنية منذ 1920 وحتى اليوم، 10/10/2010م.

52- جاءت هذه المطالبة على لسان المتحدث باسم الحركة جميل أبو بكر، وذلك يوم 21/11/2007م.

53- يتكون"مجلس الشورى"من مائة وعشرين عضواً، ينتخب 90% منهم من ممثلي المناطق حسب التمثيل النسبي الذي تحدده اللائحة الداخلية، و10% ينتخبهم المؤتمر العام.

54- انظر: بي بي سي ، 1/8/2010م.

55- انظر: موقع صحيفة عمون ، 4/11/2010م.

56- للمزيد من التفاصيل حول انجازات الحركة، انظر: عزام التميمي، مشاركة الإسلاميين في السلطة، منظمة ليبرتي- لندن، 1994م، ص107-110.

57- مركز دراسات الشرق الأوسط، مصدر سابق، ص30-33.

58- جبهة العمل الإسلامي، موجز في إنجازات نواب الحركة الإسلامية 1989 - 1993م.

59- داود سليمان، مستقبل الحياة البرلمانية الأردنية، الجزيرة نت، 10/3/2004م.

60- الجزيرة نت- قسم البحوث والدراسات، توجان فيصل: البرلمان القادم سيكون مواليا للحكومة، الأحد 10/3/2004م.

61- جريدة السبيل الأردنية، 27/5-2/6/2003م.

62- المصدر السابق، 13-19/5/2003م.

63- المصدر السابق.

64- مركز دراسات الشرق الأوسط، مصدر سابق، ص27.

تعريف بالباحث

  • من مواليد غزة - حي الزيتون، عام 1987م.
  • يعمل باحثا متخصصاً في شئون الحركات الاسلامية.
  • له العديد من البحوث والدراسات المتعلقة بالحركات الاسلامية، فضلا عن البحوث الاقتصادية.
  • يحمل درجة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية، ودرجة الماجستير في العلوم السياسية/ دراسات الشرق الاوسط، ورسالة الماجستير تحمل عنوان: "الاصلاح السياسي لدى حركة الاخوان المسلمين في مصر في ضوء المتغيرات الدولية 1971-2010).
  • عمل باحثا في الاقتصاد والعلوم الانسانية سابقاً.
  • ويعمل حاليا باحثاً سياسية في وحدة التحليل الاعلامي والمعلوماتي بوزارة الشئون الخارجية بغزة.


للمزيد عن الإخوان في الأردن

من أعلام الإخوان في الأردن

روابط داخلية

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

تابع أخبار متعلقة

وصلات فيديو

.


بيانات صادرة عن الإخوان في الأردن