الخارطة اللبنانية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٩:١٢، ١٨ أبريل ٢٠١١ للمستخدم Moza (نقاش | مساهمات) (حمى "الخارطة اللبنانية" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الخارطة اللبنانية


1 يوليو 2009


بقلم: نيفين مسعد


على ناصية شارع الحمرا فى قلب بيروت الحبيبة وقفَت فى انتظار توصيلة إلى حيث تذهب، مر عليها تاكسى وآخر وثالث يسألونها: وين رايحة؟ فكانت تبتسم برفق وتشكر.. إنها فى انتظار سرفيس.

فقد أشعل الموسم السياحى أسعار كل شىء فى لبنان، وأصبح الانتقال بالتاكسى من مكان لآخر داخل الحى نفسه يكلفك نحو أربعين جنيها بالتمام والكمال.

ثم إن السرفيس يعطيك فرصة للإنصات إلى دردشة اللبنانيين فى السياسة التى يحظر كثير من الأماكن العامة الخوض فيها طلبا للسلامة.

السرفيس إذن أفضل لكن رطوبة شهر يونيو وارتفاع درجة الحرارة أوشكا أن يرغماها على اختيار ما لا تفضل من وسائل المواصلات، حتى إذا ما همت بأن تشير إلى تاكسى توقف أمامها سائق سرفيس عارضا خدماته.

فى المقعد الأمامى جلست سيدة فى منتصف العمر متأنقة كما أن كل نساء لبنان متأنقات، وكانت الراكبة تشرح للسائق الطريق إلى وجهتها بتفصيل العارفة بزواريب بيروت، فجلست صاحبتنا تستمع. كانت الراكبة ذاهبة إلى منطقة تسمى النويرة، وقد عَرَفتها للسائق بأنها تقع على مقربة من المحكمة الجعفرية، ثم مضت ترسم له خارطة الطريق.

يتوجه أولا إلى تله الدروز ومنها إلى شارع رياض الصلح ثم إلى شارع بشارة الخورى، وأومأ السائق برأسه دليلا على أنه اهتدى إلى المطلوب، أما هى الجالسة فى المقعد الخلفى من السرفيس فقد راحت تتأمل بفضول شديد معالم الطريق من الحمرا إلى النويرة.

كانت خارطة الطريق، ولو أنها لا تحب هذه التسمية سيئة السمعة لكنها لم تجد أفضل منها، كانت فى الواقع هى خارطة البشر فى لبنان.

فمن الحمرا معقل الطائفة السنية فى بيروت، كان يفترض أن ينطلق السرفيس إلى تلة الدروز حيث يتجمع أبناء الطائفة الدرزية على مقربة من حى فردان التجارى الراقى، ثم يعرج على شارعى رياض الصلح الشخصية السنية الأبرز وبشارة الخورى الشخصية المارونية الأشهر فى تاريخ لبنان الحديث، والرجلان معا هما اللذان وضعا الميثاق الوطنى الذى تأسس عليه كل النظام السياسى اللبنانى منذ عام 1943، وفى الأخير فإن السرفيس سوف يتوقف على مقربة من المحكمة الجعفرية الخاصة بأبناء الطائفة الشيعية.

يا الله! أى تنوع هذا الذى يتيه به هذا البلد بملايينه الأربعة، وكيلومتراته العشرة آلاف ونيف، وثمانين عاما هى عمر التقاء الجبل فيه مع السهل والوادى ببيروت لتكوين لبنان بحدوده الحالية؟

لخصَت الراكبة بالمحطات الأربع على طريقها إلى النويرة عبقرية المكان التى لن تجد لها شبيها فى غناها وتمردها وتجددها وحفاوتها إلا فى لبنان، والتى لن تفهمها أبدا كل الفهم حتى وإن ملأت وثيقة سفرك بعديد من تأشيرات الدخول إلى الجمهورية اللبنانية.

فى لبنان تسع عشرة طائفة يتوزع عليها اللبنانيون بنسب تختلف مع الزمن وتجعل كل بضع سنوات من خريطة التوزيع السكانى غير شَكِل كما يقول اللبنانيون.

ثم أنك حين تنفذ إلى داخل كل طائفة ستجدها على الأرجح تتوزع بين عدة انتماءات سياسية، وهذا يزيد فى تفتيت الكل لكنه يسمح بتخليق روابط عابرة للطوائف عندما يحدث التلاقى بين اللبنانيين على أساس سياسى لا طائفى.

وهذه النقطة مهمة فخارج الغير هو داخل لبنان، أو بتعبير آخر فى لبنان أنت لا تعرف بالضبط أين تنتهى حدوده السياسية وأحيانا ولا حتى حدوده الجغرافية وأين تبدأ حدود الآخرين.

هى تذكر أن أول مرة وطأت فيها قدماها أرض لبنان قبل خمسة وثلاثين عاما كانت منظمة التحرير تتخذ من بيروت مقرا لها، وكانت مفاعيل حرب أكتوبر تترك آثارها على المنطقة برمتها وفى الصف الأول منها لبنان، وشكل هذا بامتياز أحد أبعاد تشبيك الداخل بالخارج فى المسألة اللبنانية.

وعندما قدر لها أن تعود إلى لبنان بعد عام على توقيع اتفاق الطائف الذى أنهى الحرب الأهلية وحطت الطائرة فى مطار بيروت الدولى ارتج عليها الأمر عندما وجدت صورة كبيرة للرئيس السورى حافظ الأسد تتصدر صالة الوصول، فتخيلت لوهلة أن الطيار ضل الطريق، وما كان قد ضل الطريق، بل إن ما رأته كان بعدا آخر من أبعاد تشبيك داخل لبنان بخارجه، ومثل ذلك كثير.

توقف بها السرفيس إلى جوار لافتة ضخمة زرقاء اللون تنتشر مثيلاتها على مدد الشوف فى شوارع العاصمة كتب عليها «كلنا تحت سما لبنان»، وكان معناها أن الفريق الذى فاز بالأكثرية النيابية فى الانتخابات الأخيرة يفتح صفحة بيضاء مع فريق المعارضة ويدعو الكل إلى أن يستظل بسما لبنان.

فهل ينبغى لها أن تفرح كما يحب أن يفرح كل من له فى لبنان ذكرى أو صديق؟ هل تبشر روح ما بعد الانتخابات بانتقال سلس من التأزم إلى الانفراج كما كانت تنساب بسلاسة عجلات السرفيس على الطريق منتقلة بين أحياء الدروز والسنة والمارون والشيعة؟ تخشى أن لا، وتعرف أن لا أحد فى لبنان لا يخشى من المستقبل، ببساطة لأنه ليس ثمة جديد تحت الشمس، أو ربما لأن الجديد تحت الشمس يبدو مقلقا.

استرجعت حديث مسئول إيرانى أغاظه تدخل الولايات المتحدة فى الشأن الانتخابى لبلاده فلوح بما لديها من أوراق إقليمية ذكر منها العراق وأفغانستان، وكل لبيب بالإشارة يفهم، فانقبض قلبها للتهديد وتثاقلت خطواتها.

وعندما وصلت إلى البناية التى تقصدها كانت أصوات الرصاص الحى تدوى فى الهواء ابتهاجا بتنصيب زعيم الأكثرية النيابية رئيسا لوزراء لبنان، وفى خلفية المشهد تأكيدات المعارضة على ألا مساومة على سلاح المقاومة لتستمر بذلك القوة النيابية فى جانب والقوة العسكرية فى جانب آخر، فهل يوجد أبلغ من التعبير القرآنى عن حال لبنان اليوم من تلك الآية الكريمة فى سورة «المؤمنون» التى تقول «كل حزب بما لديهم فرحون؟».

المصدر