السعيد الخميسي يكتب: "مساطيل " على مقهى السياسة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
السعيد الخميسي يكتب: "مساطيل " على مقهى السياسة


بتاريخ : الثلاثاء 12 اغسطس 2014

وكما تأوي الطيور إلى أعشاشها حين تكسف الشمس ظهرا , وتعرف بفطرتها أن ثمة شذوذا قد حدث , وأن الغروب لازال بعيدا ويكون لهذا الشعاع الضئيل الباقي مصدر أمل لعودة سريعة لنور الحياة .

وتظل تنتظر ولا تنام ولا ترقد ولا يغمض لها جفن , فكذلك الأحرار في كل وطن والشرفاء في كل بلد والثوار فى كل مكان يدركون ويعلمون أن إقصاء وتنحية واعتقال وسجن كل من ينادى بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لأبناء وطنه وأفراد شعبه هو بالفعل أمر غريب شاذ , ولكنه ليس الغروب النهائي لشمس الحرية .

وإنما هو حدث طارئ عارض , وأن شروق شمس الحرية وبذوع شعاع الديمقراطية هو الحدث الطبيعي الذي يجب أن تستمع به الشعوب وتحيا به حياة طبيعية حتى تنمو الحياة وتزدهر ولا تتجمد عند نقطة لاتتقدم عنها ولا تتأخر .

إن الأرض تفسد والحياة تأسن والقيادات تتعفن إذا دارت الأوطان حول نقطة ارتكاز واحدة , ألا وهى فكرة الزعيم الأوحد الملهم والنظام السياسي الذي لايأتيه الباطل من بين يديه .

النظام الذي إذا قال أسمع , وإذا صمت فكر, وإذا عاقب أوجع . وإذا عفي فقد تفضل .

إن تلك الفكرة نكبة قاصمة للظهور وتقف حائلا دون خروج البلاد إلى النور.

إن الشعوب التي استلهمت تلك الفكرة وطافت حول كعبتها , وقدست مكوناتها سقطت فى بئر النهاية والذل والهوان.

فالاتحاد السوفيتي سقط في العام 1991 رغم ماكان يملكه من ترسانة عسكرية قادرة على تدمير العالم فى دقائق معدودة.

غير أن النظام الماركسي قطع الألسنة وصادر الحريات وملأ السجون والمعتقلات وأعطى جميع المنابر الإعلامية لبوق واحد فلاصوت يعلو فوق صوت الماركسية والزعيم الأوحد وحاشية الزعيم وكل محبي الزعيم .

وكما أن هناك مساطيل يجلسون على المقاهي , فإن هناك مساطيل يجلسون على مقهى السياسة .

يظنون ظن السوء أن الحرية رجس من عمل الشيطان .

والديمقراطية خرافات يبتدعها الإنسان , وحقوق الإنسان ماهى إلا خرافات وخزعبلات من وهم الواهمين. لذا ترى هولاء المساطيل يبذلون كل غال ورخيص لكتم الأنفاس , ومصادرة حق الناس حتى تصاب الشعوب بالفقر والإفلاس .

والمقصود هنا ليس الإفلاس المادي فقط بقدر ماهو إفلاس ثقافي وفكري وديني وسياسي ومادي . تراهم يجرفون أرض الوطن من كل الكفاءات ويقربون إليهم كل النفايات , حتى يجرفوا الأرض ويجعلوها جرداء لانبت فيها ولاماء .

ومن هنا تكثر الغربان على أطلال الوطن ويسهل تحويل البلاد إلى خرابه .

الكل يبحث عن الكلأ والماء , ولادخل لأحد بالشأن العام لأن البطون الفارغة لاتبحث إلا عن الطعام والشراب وما يسد رمقها .

إن رسالة الإسلام في الأصل جاءت هدما لصرح الجاهلية الأولى وليست ترميما له أو ترقيعا لثوبه الأسود . رسالة الإسلام فى أصلها وجوهرها رسالة حرية للبشرية المعذبة المستعبدة المضطهدة . رسالة تحرير لها من قيود العبودية للبشر.

وماكان لبشر أن يستعبد بشرا بعد هذا اليوم . يوم أن أشرقت شمس الإسلام فى كل ربوع الأرض . لكن يبدو أن " مساطيل " السياسة مازالوا نائمين فى كهف الجاهلية المظلم .

ويعتبرون أن الشعوب مازالت غير قادرة على تحمل أعباء الحرية والديمقراطية .

لأن من وجهة نظرهم , فإن الشعب لم يبلغ سن الرشد ولابد أن يكون هناك أوصياء عليه حتى يكبر ويبلغ سن الرشد .

ولامانع عندهم من حجز الشعب فى" دار الأيتام " حتى يجدوا له أبا يتولى أمره وشانه..!؟. وهذا المفهوم هو الثقافة التي تتغذى عليها النظم الاستبدادية وتحاول أن تروج لها في أوطانها .

والحق أقول أن أول من أطلق مصطلح " المساطيل " هو الراحل الدكتور مصطفى محمود رحمه الله . فهو صاحب حق براءة هذا الاختراع .

لقد قال رحمه الله : " إنما المساطيل حقا وأهل الغفلة هم الذين يعيشون في خدر الأوهام الباطلة.

هولاء هم الذين يعيشون في خدر الأفيون . هولاء هم الذين خدرتهم أطماعهم وأهواؤهم وشهواتهم .

وهولاء هم الذين أعمتهم أطماعهم وأضغانهم , فتصوروا أنه لاوجود لأي شئ وراء هذه الأحقاد والأطماع .

حسبهم لحظتهم فليعيشوها أو فليسرقوها ثم لايعبأوا بعد ذلك بشئ .

وتلك طمأنينة الغفلة وراحة الأفيون وسكينة آكلي المخدرات . وتلك هي حبوب الهيروين التي يروجونها " . لقد قال ذلك رحمه الله فى معرض الحديث عن النظم الاستبدادية القمعية التي أفقرت شعوبها ودفست رؤوسهم فى وحل الفقر إلى يوم القيامة .

إن شعوبا ودولا كثيرة صعدت إلى سطح القمر واخترعت صواريخ عابرة للقارات كما اخترعت قنابل نووية بل واستخدمت الطاقة النووية السلمية لتوليد الكهرباء ولعلاج الأمراض المستعصية .

إن تلك الأنظمة السياسة لم تكن لتحقق تلك النجاحات بقهر وقتل وسجن مواطنيها لخلافها معهم فى الرأي والحجة .

بل احترمت الإنسان وعظمت من شانه وأعلت من قدره ومنحته حرية الإبداع والتفكير للتقدم والرقى فى شتى مجالات الحياة سياسيا واقتصاديا وعلميا وتعليميا وخلقيا.

يوم أن اتجهت بلادنا لبناء سجون ومعتقلات جديدة لاستقبال دفعات جديدة من معارضة الأنظمة الحاكمة بدلا من من بناء مدارس ومستشفيات لعلاج المرضى , هو ذات اليوم الذي وقعت فيه تلك السلطات الحاكمة على شهادة وفاة الوطن اقتصاديا وسياسيا وتكنولوجيا .

ويوم أن ارتقى أهل الثقة بدلا من أهل الخبرة إلى المناصب العليا للوطن , يوم أن أصابت بلادي جرثومة التخلف فى مقتل . فالأوطان تتقدم بالعلم والتخطيط لا بالطبل والزمر والرقص البلدي .

إن مساطيل السياسة الذين يجلسون على المقهى فى غيبوبة دائمة لايفيقون منها أبدا , لذا فهم يخشون أن تشرق شمس الحرية على الوطن خشية أن يفيق الناس فيحاسبونهم على ماهم فيه من غي وضلال .

الحرية التي تتقدم بها الشعوب هى أن تقول كلمتك فى وجه السلطة بلا خوف أو تردد وأن تعبر عن رأيك فى وجه الاستبداد دون خوف من سجن أو اعتقال.

إن الحرية ليست أن تأكل وتشرب وتتنفس فقط .

فهذه هى حرية الحيوانات التي تأكل وتشرب وتتنفس وتتزاوج وتنجب . فهل هذه الحيوانات حرة فى حياتها ..؟. أم أنها ملك لأصحابها يسوقونها حيث يريدون.

إن حريتنا التي وهبها لنا خالقنا عز وجل هى النبض الذي يدق فى صدورنا , والدم الذي يسرى فى عروقنا , والعطر الذي نستنشق عبيره كل صباح ومساء . .

ويوم أن يصادروا حريتنا , يوم أن يقتلونا بدم بارد ولا خير فى وطن يقتل أبناءه بدم بارد مع سبق الإصرار والترصد . فهل سيفيق يوما ما " مساطيل السياسة.؟ ".

أم أن الجرعة التي يتجرعونها أثقلت رؤوسهم وذهبت بعقولهم..!؟.

المصدر