«السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية»: الفرق بين المراجعتين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ط (السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية....عبد الكريم زيدان تم نقلها إلى [[السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأ...)
 
سطر ١: سطر ١:
'''<center>السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة [[الإسلام]]ية</center>'''
+
'''<center><font color="blue"><font size=5>السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة [[الإسلام]]ية</font></font></center>'''
 +
 
  
 
'''تأليف :  الدكتور [[عبد الكريم زيدان]]'''   
 
'''تأليف :  الدكتور [[عبد الكريم زيدان]]'''   
سطر ٢٧: سطر ٢٨:
 
ـ والبشر يخضعون لقوانين ثابتة ـ يسميها القرآن بالسنن ـ في تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يكونون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش ، والسعادة والشقاء ، والعز والذل ، والرقي والتأخر ، والقوة والضعف ، وما يصيبهم في الدنيا والآخرة من عذاب أو نعيم ..  
 
ـ والبشر يخضعون لقوانين ثابتة ـ يسميها القرآن بالسنن ـ في تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يكونون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش ، والسعادة والشقاء ، والعز والذل ، والرقي والتأخر ، والقوة والضعف ، وما يصيبهم في الدنيا والآخرة من عذاب أو نعيم ..  
  
ـ وقد بيّن الكاتب في كتابه خضوع البشر لهذا القانون والذي جاءت الآيات القرآنية مشيرة تارة وموضحة أخرى إلى تأكيد بعض معاني الشريعة [[الإسلام]]ية للمسلمين ونشرها فيما بينهم لتبصيرهم بها ودعوتهم إلى مراجعة نفوسهم وصفاتهم وأحوالهم . ليعلموا يقيناً أن ما هم عليه ، وما أصابهم وما حل في ديارهم ، لم يحدث شيء من ذلك قط (صدفة) أو خبط عشواء ، بل كان نتيجة حتمية لما فعلوه أو قصروا في فعله ، وليعلموا أيضاً على وجه اليقين أن الخلاص من الحالة السيئة التي هم عليها لا يكون أبداً إلا بإتباع ما تقضي به سنن الله تعالى . عسى أن يكون فيما كتبه المؤلف محركاً ودافعاً لهم للعمل الجدّي الدؤوب الصامت وفقاً لمقتضيات سنن الله في التبديل والتحويل من السيىء إلى الحسن ، إلى حيث أراد الله تعالى للمؤمنين من العزة والكرامة والقيادة للبشر جميعاً ، والله الموفق .  
+
ـ وقد بيّن الكاتب في كتابه خضوع البشر لهذا القانون والذي جاءت الآيات القرآنية مشيرة تارة وموضحة أخرى إلى تأكيد بعض معاني الشريعة [[الإسلام]]ية للمسلمين ونشرها فيما بينهم لتبصيرهم بها ودعوتهم إلى مراجعة نفوسهم وصفاتهم وأحوالهم .  
 +
 
 +
ليعلموا يقيناً أن ما هم عليه ، وما أصابهم وما حل في ديارهم ، لم يحدث شيء من ذلك قط (صدفة) أو خبط عشواء ، بل كان نتيجة حتمية لما فعلوه أو قصروا في فعله ، وليعلموا أيضاً على وجه اليقين أن الخلاص من الحالة السيئة التي هم عليها لا يكون أبداً إلا بإتباع ما تقضي به سنن الله تعالى . عسى أن يكون فيما كتبه المؤلف محركاً ودافعاً لهم للعمل الجدّي الدؤوب الصامت وفقاً لمقتضيات سنن الله في التبديل والتحويل من السيىء إلى الحسن ، إلى حيث أراد الله تعالى للمؤمنين من العزة والكرامة والقيادة للبشر جميعاً ، والله الموفق .  
  
 
'''رضوان دعبول'''  
 
'''رضوان دعبول'''  
سطر ٤٢: سطر ٤٥:
 
4 ـ دلالة القرآن على هذا الوجه من القانون : قد دلّ القرآن الكريم على هذا الوجه من هذا القانون العام في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : '''(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {38} وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ {39} لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)1''' ، وفي خلق الإنسان وخضوعه لهذا الوجه من القانون قوله تعالى : '''(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ {12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)2''' ،  من الواضح البيّن أن خلق الإنسان والأطوار التي يمر بها وهو في بطن أمه يخضع في ذلك كلّه إلى قانون عام ثابت .  
 
4 ـ دلالة القرآن على هذا الوجه من القانون : قد دلّ القرآن الكريم على هذا الوجه من هذا القانون العام في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : '''(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {38} وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ {39} لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)1''' ، وفي خلق الإنسان وخضوعه لهذا الوجه من القانون قوله تعالى : '''(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ {12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)2''' ،  من الواضح البيّن أن خلق الإنسان والأطوار التي يمر بها وهو في بطن أمه يخضع في ذلك كلّه إلى قانون عام ثابت .  
  
5 ـ من سمات هذا القانون الثبات والاستمرار : ومن سمات هذا القانون العام في وجهه الأول ، ثباته واستمراره بدليل اطّراد أحكامه وسريانها على الحوادث والظواهر التي يحكمها هذا القانون ، فالأرض تحيا بالمطر ويخرج به منها النبات ، قال تعالى : '''(وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ)3''' . وكذلك جريان الشمس والقمر ، وجريان الفلك في البحر وفقاً لهذا القانون العام ، قال تعالى : '''(وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)4''' ، ومما يدل على ثبات هذا القانون بوجهه الأول الذي نتكلم عليه أن الله تعالى يلفت الأنظار إلى هذه الظراهر الكونية ويجعلها من الآيات الدالة على خالقيته وربوبيته لقوم يعقلون ويتفكرون ، ولولا اطراد حدوثها مما يدل على خضوعها لقانون ثابت لما صح لفت الأنظار إليها واعتبارها من آيات الله تعالى . فمن هذه الآيات قوله تعالى : '''(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)5''' .
+
5 ـ من سمات هذا القانون الثبات والاستمرار : ومن سمات هذا القانون العام في وجهه الأول ، ثباته واستمراره بدليل اطّراد أحكامه وسريانها على الحوادث والظواهر التي يحكمها هذا القانون ، فالأرض تحيا بالمطر ويخرج به منها النبات ، قال تعالى : '''(وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ)3''' .  
 +
 
 +
وكذلك جريان الشمس والقمر ، وجريان الفلك في البحر وفقاً لهذا القانون العام ، قال تعالى : '''(وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)4''' ، ومما يدل على ثبات هذا القانون بوجهه الأول الذي نتكلم عليه أن الله تعالى يلفت الأنظار إلى هذه الظراهر الكونية ويجعلها من الآيات الدالة على خالقيته وربوبيته لقوم يعقلون ويتفكرون ، ولولا اطراد حدوثها مما يدل على خضوعها لقانون ثابت لما صح لفت الأنظار إليها واعتبارها من آيات الله تعالى .  
 +
 
 +
فمن هذه الآيات قوله تعالى : '''(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)5''' .
 
   
 
   
 
وقال تعالى : '''(اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)6''' . وقوله تعالى : '''(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)'''7 . ووجه الدلالة بهاتين الآيتين أن حصول تسخير الله تعالى البحر وما خلقه في السموات والأرض لمنافع الناس إنما يكون بأن يعرف الناس كيف يستمدون منافعهم من هذه المُسخَّرات وذلك بأن يعرفوا ما تخضع له هذه الموجودات من قواعد ثابتة أي من قانون عام في وجودها وطرق الانتفاع بها بموجب هذا القانون العام .  
 
وقال تعالى : '''(اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)6''' . وقوله تعالى : '''(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)'''7 . ووجه الدلالة بهاتين الآيتين أن حصول تسخير الله تعالى البحر وما خلقه في السموات والأرض لمنافع الناس إنما يكون بأن يعرف الناس كيف يستمدون منافعهم من هذه المُسخَّرات وذلك بأن يعرفوا ما تخضع له هذه الموجودات من قواعد ثابتة أي من قانون عام في وجودها وطرق الانتفاع بها بموجب هذا القانون العام .  
سطر ٥٨: سطر ٦٥:
 
8 ـ سبيل المعرفة بالقانون العام ( بوجهه الأول ) : وسبيل المعرفة بالقانون بالآلات التي ركبها الله في الإنسان ( السمع والبصر والأفئدة ) يكون بالمشاهدة والنظر والتأمل واستخلاص النتائج في ضوء ذلك للتعرف على القواعد التي تحكم موجودات هذا العالم وحوادثه المادية .
 
8 ـ سبيل المعرفة بالقانون العام ( بوجهه الأول ) : وسبيل المعرفة بالقانون بالآلات التي ركبها الله في الإنسان ( السمع والبصر والأفئدة ) يكون بالمشاهدة والنظر والتأمل واستخلاص النتائج في ضوء ذلك للتعرف على القواعد التي تحكم موجودات هذا العالم وحوادثه المادية .
 
   
 
   
جاء في تفسير الآلوسي بصدد الآية الكريمة : '''(وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)''' ، قال الآلوسي رحمه الله تعالى : (( والمعنى : جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم ـ أي بعقولكم ـ وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس فيحصل لكم علوم بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية ))6 . والقرآن الكريم أمر بالنظر والتفكير فيما خلق الله في السموات والأرض ليزداد الناس يقيناً بأن الله هو الخالق العظيم ، وليعلموا أن ما خلقه الله كان بدقة ونظام ، وأن كل ما فيه يجري بأمر الله ، أي وفق ما وضعه له من نظام . فمن هذه الآيات الداعية إلى النظر في الكون والتأمل بما فيه للوقوف على أسراره وكيفية جريانه ، قوله تعالى : '''(قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)'''7 ، فالأصل في معرفة هذا القانون العام في وجهه الأول هو النظر والمشاهدة والتأمل والاستقراء والتجارب . ومع هذا يوجد في القرآن الكريم إشارات لحقائق علمية يشملها هذا القانون العام ـ في وجهه الأول ـ أو إنها بعض تطبيقاته ذكرها الله تعالى في معرض بيان عظيم قدرته وعموم مشيئته وإرادته وتنظيمه لأمور مخلوقاته من ذلك كيفية تكوين المطر وإنزاله وكيفية تلقيح النبات بالرياح كقوله تعالى : (وأرسلنا الرياح لواقح) ومثل الإشارة إلى قلة الضغط الجوي كلما ارتفع الإنسان في أعالي الجو ، وهذا يفهم من تشبيه حال الضال وتضيُّق صدره بحال من يصعّد في السماء في قوله تعالى : (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنَّما يصَّعَّد في السماء) .
+
جاء في تفسير الآلوسي بصدد الآية الكريمة : '''(وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)''' ، قال الآلوسي رحمه الله تعالى : (( والمعنى : جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم ـ أي بعقولكم ـ وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس فيحصل لكم علوم بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية ))6 .  
 +
 
 +
والقرآن الكريم أمر بالنظر والتفكير فيما خلق الله في السموات والأرض ليزداد الناس يقيناً بأن الله هو الخالق العظيم ، وليعلموا أن ما خلقه الله كان بدقة ونظام ، وأن كل ما فيه يجري بأمر الله ، أي وفق ما وضعه له من نظام .  
 +
 
 +
فمن هذه الآيات الداعية إلى النظر في الكون والتأمل بما فيه للوقوف على أسراره وكيفية جريانه ، قوله تعالى : '''(قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)'''7 ، فالأصل في معرفة هذا القانون العام في وجهه الأول هو النظر والمشاهدة والتأمل والاستقراء والتجارب .  
 +
 
 +
ومع هذا يوجد في القرآن الكريم إشارات لحقائق علمية يشملها هذا القانون العام ـ في وجهه الأول ـ أو إنها بعض تطبيقاته ذكرها الله تعالى في معرض بيان عظيم قدرته وعموم مشيئته وإرادته وتنظيمه لأمور مخلوقاته من ذلك كيفية تكوين المطر وإنزاله وكيفية تلقيح النبات بالرياح كقوله تعالى : (وأرسلنا الرياح لواقح) ومثل الإشارة إلى قلة الضغط الجوي كلما ارتفع الإنسان في أعالي الجو ، وهذا يفهم من تشبيه حال الضال وتضيُّق صدره بحال من يصعّد في السماء في قوله تعالى : (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنَّما يصَّعَّد في السماء) .
 
   
 
   
ومعرفة هذا القانون في وجهه الأول مباحة للجميع ويمكن الحصول عليها من قبل المسلم والكافر ، وأكثرهما جدية ونشاطاً ونظراً وبحثاً وسعياً أكثرهما وقوفاً عليه وإحاطة بجوانبه وجزئياته . فهذا العلم مشاع للجميع ولا يختص المسلمون بشيء منه باعتبارهم مسلمين ، اللهم إلا في القصد من تعلمه وفي أوجه الانتفاع منه ، لأن قصد المسلم وأوجه انتفاعه بالأشياء وبما يعلم ، كل ذلك محكوم بحكم الشريعة [[الإسلام]]ية فما تبيحه أو توجبه فهو المباح أو الواجب وما تنهى عنه فهو المكروه أو الحرام .  
+
ومعرفة هذا القانون في وجهه الأول مباحة للجميع ويمكن الحصول عليها من قبل المسلم والكافر ، وأكثرهما جدية ونشاطاً ونظراً وبحثاً وسعياً أكثرهما وقوفاً عليه وإحاطة بجوانبه وجزئياته .  
9 ـ الوجه الثاني من القانون العام : أما الوجه الثاني من القانون العام فهو الذي يتعلق بخضوع البشر له باعتبارهم أفراداً وأمماً وجماعات . وأعني بخضوعهم له خضوع تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يكونون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش ، والسعادة والشقاء والعز والذل والرقي والتأخر والقوة والضعف ونحو ذلك من الأمور الاجتماعية في الدنيا وما يصيبهم في الآخرة من عذاب أو نعيم وفقاً لأحكام هذا القانون بوجهه الثاني ، وهذا هو موضوع بحثنا في هذا الكتاب .  
+
 
 +
فهذا العلم مشاع للجميع ولا يختص المسلمون بشيء منه باعتبارهم مسلمين ، اللهم إلا في القصد من تعلمه وفي أوجه الانتفاع منه ، لأن قصد المسلم وأوجه انتفاعه بالأشياء وبما يعلم ، كل ذلك محكوم بحكم الشريعة [[الإسلام]]ية فما تبيحه أو توجبه فهو المباح أو الواجب وما تنهى عنه فهو المكروه أو الحرام .  
 +
9 ـ الوجه الثاني من القانون العام : أما الوجه الثاني من القانون العام فهو الذي يتعلق بخضوع البشر له باعتبارهم أفراداً وأمماً وجماعات .  
 +
 
 +
وأعني بخضوعهم له خضوع تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يكونون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش ، والسعادة والشقاء والعز والذل والرقي والتأخر والقوة والضعف ونحو ذلك من الأمور الاجتماعية في الدنيا وما يصيبهم في الآخرة من عذاب أو نعيم وفقاً لأحكام هذا القانون بوجهه الثاني ، وهذا هو موضوع بحثنا في هذا الكتاب .  
  
  
 
10 ـ هل يوجد هذا القانون في الشريعة [[الإسلام]]ية : ونتساءل هنا هل يوجد هذا القانون بوجهه الثاني في الشريعة [[الإسلام]]ية ويخضع له البشر في أفعالهم وسلوكهم وما يترتب عليها من نتائج في ضوء قواعد هذا القانون وأحكامه؟ والجواب : إن الشريعة [[الإسلام]]ية ـ بكتابها العزيز القرآن ، وبالسنة النبوية الكريمة ـ تبين بوضوح وجلاء وجود (سنة عامة) لله تخضع لحكمها تصرفات البشر وأفعالهم وسلوكهم ومواقفهم من شرع الله وما قد يترتب على ذلك من نتائج معينة في الدنيا والآخرة ، فهل تعني (سنة الله) ما نعنيه بالقانون العام الذي نتكلم عليه؟ والجواب يعرف بعد أن أبين تعريف سنة الله في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء وعلماء التفسير .  
 
10 ـ هل يوجد هذا القانون في الشريعة [[الإسلام]]ية : ونتساءل هنا هل يوجد هذا القانون بوجهه الثاني في الشريعة [[الإسلام]]ية ويخضع له البشر في أفعالهم وسلوكهم وما يترتب عليها من نتائج في ضوء قواعد هذا القانون وأحكامه؟ والجواب : إن الشريعة [[الإسلام]]ية ـ بكتابها العزيز القرآن ، وبالسنة النبوية الكريمة ـ تبين بوضوح وجلاء وجود (سنة عامة) لله تخضع لحكمها تصرفات البشر وأفعالهم وسلوكهم ومواقفهم من شرع الله وما قد يترتب على ذلك من نتائج معينة في الدنيا والآخرة ، فهل تعني (سنة الله) ما نعنيه بالقانون العام الذي نتكلم عليه؟ والجواب يعرف بعد أن أبين تعريف سنة الله في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء وعلماء التفسير .  
  
11 ـ تعريف سنة الله : السنة في اللغة تعني السيرة ، حسنة كانت أو قبيحة ، كما جاء في لسان العرب لابن منظور1 . وفي النهاية لابن الأثير : والأصل في هذا اللفظ ـ السنّة ـ الطريقة والسيرة . وفي حديث المجوس (سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) أي خذوهم على طريقتهم وأجروهم في قبول الجزية منهم مجراهم2 .
+
11 ـ تعريف سنة الله : السنة في اللغة تعني السيرة ، حسنة كانت أو قبيحة ، كما جاء في لسان العرب لابن منظور1 .  
 +
 
 +
وفي النهاية لابن الأثير : والأصل في هذا اللفظ ـ السنّة ـ الطريقة والسيرة .  
 +
 
 +
وفي حديث المجوس (سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) أي خذوهم على طريقتهم وأجروهم في قبول الجزية منهم مجراهم2 .
 
   
 
   
وقال الفيروز آبادي في معنى السنة : والأصل فيها الطريقة والسيرة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من سنّ سنة حسنة ) أي طرق طريقة حسنة ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم طريقته التي كان يتحرّاها3 . وقال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية : ( والسنّة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول ، ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار )4 .  
+
وقال الفيروز آبادي في معنى السنة : والأصل فيها الطريقة والسيرة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من سنّ سنة حسنة ) أي طرق طريقة حسنة ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم طريقته التي كان يتحرّاها3 .  
 +
 
 +
وقال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية : ( والسنّة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول ، ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار )4 .  
 
   
 
   
 
وقال الإمام الرازي في تفسيره : ( والسنة : الطريقة المستقيمة والمثال المتبع )5 ، وقال رشيد رضا صاحب تفسير المنار : ( السنن جمع سنة ، وهي الطريقة المعبدة أو السيرة المتبعة أو المثال المتبع )6 .  
 
وقال الإمام الرازي في تفسيره : ( والسنة : الطريقة المستقيمة والمثال المتبع )5 ، وقال رشيد رضا صاحب تفسير المنار : ( السنن جمع سنة ، وهي الطريقة المعبدة أو السيرة المتبعة أو المثال المتبع )6 .  
سطر ٨٠: سطر ١٠٣:
 
وقال تعالى : '''(فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)1''' .
 
وقال تعالى : '''(فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)1''' .
 
    
 
    
وهي مطردة لا تتخلف ، ويدل على اطرادها أن الله تعالى قصّ علينا قصص الأمم السابقة وما حلّ بها لنتعظ ونعتبر ولا نفعل فعلهم لئلا يصيبنا ما أصابهم ، ولولا اطرادها لما أمكن الاتعاظ والاعتبار بها . فمن هذه الآيات قوله تعالى : '''( فاعبروا يا أولي الأبصار)''' بعد أن قصّ الله تعالى علينا ما حلّ ببني النضير لسوء أعمالهم ، قال الآلوسي في هذه الآية : أي فاتعظوا بما جرى عليهم ـ أي على اليهود من بني النضير ـ من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار ، واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي ، واعتبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على غير الله تعالى ـ الصائرة سبباً لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ومفارقة أوطانهم كارهين ـ إلى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب وتعتمدوا على غيره عزّ وجلّ بل توكلوا عليه2 . وكذلك قوله تعالى : '''(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ {137} هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)3 .'''  
+
وهي مطردة لا تتخلف ، ويدل على اطرادها أن الله تعالى قصّ علينا قصص الأمم السابقة وما حلّ بها لنتعظ ونعتبر ولا نفعل فعلهم لئلا يصيبنا ما أصابهم ، ولولا اطرادها لما أمكن الاتعاظ والاعتبار بها . فمن هذه الآيات قوله تعالى : '''( فاعبروا يا أولي الأبصار)''' بعد أن قصّ الله تعالى علينا ما حلّ ببني النضير لسوء أعمالهم ، قال الآلوسي في هذه الآية : أي فاتعظوا بما جرى عليهم ـ أي على اليهود من بني النضير ـ من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار ، واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي ، واعتبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على غير الله تعالى ـ الصائرة سبباً لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ومفارقة أوطانهم كارهين ـ إلى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب وتعتمدوا على غيره عزّ وجلّ بل توكلوا عليه2 .  
 +
 
 +
وكذلك قوله تعالى : '''(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ {137} هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)3 .'''  
 
        
 
        
 
وهي ، أي سنة الله ، تتصف بالعموم أي أنها عامة يسري حكمها على الجميع دون محاباة ولا تمييز ، قال تعالى : '''(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ) ، (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)4 . أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم5 .'''
 
وهي ، أي سنة الله ، تتصف بالعموم أي أنها عامة يسري حكمها على الجميع دون محاباة ولا تمييز ، قال تعالى : '''(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ) ، (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)4 . أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم5 .'''
 
    
 
    
وقال تعالى : (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)6 ، والمعنى أن كل من يعمل سوءاً يلق جزاءه ؛ لأن الجزاء بحسب سنّة الله تعالى أثر طبيعي للعمل لا يتخلف عنه7 . فسنّة الله تعالى ثابتة ومطردة وعامة غير مقتصرة على فرد دون فرد ولا على قوم دون قوم . ولولا ثباتها واطرادها وعمومها لما كان معنى في ذكر قصص وأخبار الأمم السابقة وطلب الاعتبار بما حل هم ، ولكن لما كان ما جرى لهم وعليهم يجري على غيرهم إذا فعلوا فعلهم ، حسن ذكر قصصهم وطلب الاعتبار والاتعاظ بها .  
+
وقال تعالى : (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)6 ، والمعنى أن كل من يعمل سوءاً يلق جزاءه ؛ لأن الجزاء بحسب سنّة الله تعالى أثر طبيعي للعمل لا يتخلف عنه7 . فسنّة الله تعالى ثابتة ومطردة وعامة غير مقتصرة على فرد دون فرد ولا على قوم دون قوم .  
 +
 
 +
ولولا ثباتها واطرادها وعمومها لما كان معنى في ذكر قصص وأخبار الأمم السابقة وطلب الاعتبار بما حل هم ، ولكن لما كان ما جرى لهم وعليهم يجري على غيرهم إذا فعلوا فعلهم ، حسن ذكر قصصهم وطلب الاعتبار والاتعاظ بها .  
  
 
15 ـ السبيل لمعرفة سنّة الله : والسبيل لمعرفة (سنة الله) أي الوجه الثاني للقانون العام هو الرجوع إلى كتاب الله العظيم وسنّة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فما فيهما هو القول الفصل ، وما بيّناه ـ أي القرآن والسنّة النبوية ـ من أنه هو (سنة الله) أي قانونه العام الذي تجري بموجبه أحداث ووقائع البشر ، فهذا البيان هو الحق المبين والقول الصدق : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً)8 ، وهو الإخبار الحق الصادق عن هذا القانون العام (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً)9 .  
 
15 ـ السبيل لمعرفة سنّة الله : والسبيل لمعرفة (سنة الله) أي الوجه الثاني للقانون العام هو الرجوع إلى كتاب الله العظيم وسنّة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فما فيهما هو القول الفصل ، وما بيّناه ـ أي القرآن والسنّة النبوية ـ من أنه هو (سنة الله) أي قانونه العام الذي تجري بموجبه أحداث ووقائع البشر ، فهذا البيان هو الحق المبين والقول الصدق : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً)8 ، وهو الإخبار الحق الصادق عن هذا القانون العام (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً)9 .  
سطر ٩٤: سطر ١٢١:
 
ومن الواضح  أن أحوال الأمم مع أنبيائهم التي اعتبرها الآلوسي رحمه الله بحق أنها من جملة الدين ، هذه الأحوال تعني ما جرى لهم مع انبيائهم وما حلّ فيهم بسبب سلوكهم معهم وموقفهم منهم وفقاً لسنّة الله ، وما طلبه الله منا من الاتعاظ والاعتبار بهم . فيتحصل من ذلك أن معرفة سنن الله جزء من معرفة الدين أو معرفة لجزء من الدين ، وأن هذه المعرفة ضرورية . ومن الواجبات الدينية لأنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة حتى لا نقع في الخطأ والعثار والغرور والأماني الكاذبة ، وبذلك ننجو ممّا حذّرنا الله منه ، ونظفر بما وعد الله به عباده المؤمنين المتقين .  
 
ومن الواضح  أن أحوال الأمم مع أنبيائهم التي اعتبرها الآلوسي رحمه الله بحق أنها من جملة الدين ، هذه الأحوال تعني ما جرى لهم مع انبيائهم وما حلّ فيهم بسبب سلوكهم معهم وموقفهم منهم وفقاً لسنّة الله ، وما طلبه الله منا من الاتعاظ والاعتبار بهم . فيتحصل من ذلك أن معرفة سنن الله جزء من معرفة الدين أو معرفة لجزء من الدين ، وأن هذه المعرفة ضرورية . ومن الواجبات الدينية لأنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة حتى لا نقع في الخطأ والعثار والغرور والأماني الكاذبة ، وبذلك ننجو ممّا حذّرنا الله منه ، ونظفر بما وعد الله به عباده المؤمنين المتقين .  
  
18 ـ الغرض من تأليف هذا الكتاب : والغرض من تأليف هذا الكتاب توضيح بعض معاني الشريعة [[الإسلام]]ية للمسلمين ونرها فيما بينهم لتبصيرهم بها ودعوتهم إلى فحص نفوسهم وصفاتهم وأحوالهم وما هم عليه كأفراد أو أمم أو دول أو جماعات في ضوء سنن الله التي بيّنها لنا ، وليعلموا يقيناً أن ما هم عليه مما يحزن المحب ويسرّ له العدو ، وما أصابهم وما حلّ في ديارهم ، لم يحدث شيء من ذلك قط (صدفة) أو خبط عشواء ، بل كان نتيجة حتمية لما فعلوه أو قصّروا في فعله أو تسببوا في فعله أو التقصير فيه .. وليعلموا أيضاً على وجه اليقين أن الخلاص من الحالة السيئة التي هم عليها لا يكون أبداً إلا باتباع ما تقضي به سنن الله تعالى وليس باتباع غيرها أو اتباع ما يناقضها . وليعلموا أيضاً أن من يريد تبديل حاله السيىء بغير تهيئة مقتضيات التبديل مثله كمثل من يريد تبريد الماء بوضعه على النار أو يريد تسخينه بوضعه على الثلج ..  
+
18 ـ الغرض من تأليف هذا الكتاب : والغرض من تأليف هذا الكتاب توضيح بعض معاني الشريعة [[الإسلام]]ية للمسلمين ونرها فيما بينهم لتبصيرهم بها ودعوتهم إلى فحص نفوسهم وصفاتهم وأحوالهم وما هم عليه كأفراد أو أمم أو دول أو جماعات في ضوء سنن الله التي بيّنها لنا ، وليعلموا يقيناً أن ما هم عليه مما يحزن المحب ويسرّ له العدو ، وما أصابهم وما حلّ في ديارهم ، لم يحدث شيء من ذلك قط (صدفة) أو خبط عشواء ، بل كان نتيجة حتمية لما فعلوه أو قصّروا في فعله أو تسببوا في فعله أو التقصير فيه .. وليعلموا أيضاً على وجه اليقين أن الخلاص من الحالة السيئة التي هم عليها لا يكون أبداً إلا باتباع ما تقضي به سنن الله تعالى وليس باتباع غيرها أو اتباع ما يناقضها .  
 +
 
 +
وليعلموا أيضاً أن من يريد تبديل حاله السيىء بغير تهيئة مقتضيات التبديل مثله كمثل من يريد تبريد الماء بوضعه على النار أو يريد تسخينه بوضعه على الثلج ..  
  
 
إن تأليف هذا الكتاب ليس من قبيل الترف العقلي أو لغرض التأليف العلمي النظري البحت ، وإنما هو لأجل تعريف أحبائي وإخواني المسلمين في كل مكان ببعض حقائق [[الإسلام]]  العظيم ومعانيه وقوانينه الثابتة ، لا ليخزنوا هذه المعرفة في رؤوسهم وإنما ليجعلوها محركاً ودافعاً لنفوسهم للعمل الجدّي الصحيح الدؤوب الصامت وفقاً لمقتضيات سنن الله في التبديل والتحويل من السيىء إلى الحسن ، ومن حياة الذل إلى حياة العز ، ومن التبعية الذليلة المهينة للطواغيت والكفرة والفجرة ، إلى حيث أراد الله تعالى للمؤمنين من العزّة والكرامة والقيادة للبشر جميعاً ، قال تعالى : '''(وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)1 ، وقال تعالى : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)2 .'''  
 
إن تأليف هذا الكتاب ليس من قبيل الترف العقلي أو لغرض التأليف العلمي النظري البحت ، وإنما هو لأجل تعريف أحبائي وإخواني المسلمين في كل مكان ببعض حقائق [[الإسلام]]  العظيم ومعانيه وقوانينه الثابتة ، لا ليخزنوا هذه المعرفة في رؤوسهم وإنما ليجعلوها محركاً ودافعاً لنفوسهم للعمل الجدّي الصحيح الدؤوب الصامت وفقاً لمقتضيات سنن الله في التبديل والتحويل من السيىء إلى الحسن ، ومن حياة الذل إلى حياة العز ، ومن التبعية الذليلة المهينة للطواغيت والكفرة والفجرة ، إلى حيث أراد الله تعالى للمؤمنين من العزّة والكرامة والقيادة للبشر جميعاً ، قال تعالى : '''(وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)1 ، وقال تعالى : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)2 .'''  
  
19 ـ منهج البحث وفصوله : قلنا إن موضوع بحثنا في هذا الكتاب هو الوجه الثاني من القانون العام الذي يحكم المخلوقات في هذا العالم . والوجه الثاني من هذا القانون العام هو (سنة الله) المتعلقة بسلوك البشر وأفعالهم في الدنيا وما يترتب عليها من نتائج في الدنيا والآخرة .  
+
19 ـ منهج البحث وفصوله : قلنا إن موضوع بحثنا في هذا الكتاب هو الوجه الثاني من القانون العام الذي يحكم المخلوقات في هذا العالم .  
 +
 
 +
والوجه الثاني من هذا القانون العام هو (سنة الله) المتعلقة بسلوك البشر وأفعالهم في الدنيا وما يترتب عليها من نتائج في الدنيا والآخرة .  
  
 
أما الوجه الاول من القانون العام ، فيقابله أيضاً في اصطلاحنا الشرعي (سنة الله) . ولكن هذه السنة تتعلق بالأشياء والظواهر والأحداث المادية ، وهذه السنّة لا أتكلم عليها إلا على سبيل التمثيل والاستطراد وهي على كل حال شيء قليل جداً .  
 
أما الوجه الاول من القانون العام ، فيقابله أيضاً في اصطلاحنا الشرعي (سنة الله) . ولكن هذه السنة تتعلق بالأشياء والظواهر والأحداث المادية ، وهذه السنّة لا أتكلم عليها إلا على سبيل التمثيل والاستطراد وهي على كل حال شيء قليل جداً .  
سطر ١١٤: سطر ١٤٥:
 
'''21 ـ كل شيء بسبب :'''  
 
'''21 ـ كل شيء بسبب :'''  
  
وقد دلّ القرآن الكريم على أن كل شيء يحدث بسبب سواء كان هذا الحدث يتعلق بالجماد أو بالنبات أو بالحيوان أو بالإنسان أو بالأجرام السماوية أو الظواهر الكونية المادية المختلفة . فقانون السببية أي ربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها ، هذا القانون عام شامل لكل ما في العالم ولكل ما يحصل للإنسان في الدنيا والآخرة . قال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب ، والله خالق الأسباب والمسببات )1. فمن الأسباب المادية قوله تعالى : '''(وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ)2 . ومن الأسباب المعنوية : (إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً)3 .''' كما سنبينه فيما بعد .
+
وقد دلّ القرآن الكريم على أن كل شيء يحدث بسبب سواء كان هذا الحدث يتعلق بالجماد أو بالنبات أو بالحيوان أو بالإنسان أو بالأجرام السماوية أو الظواهر الكونية المادية المختلفة .  
 +
 
 +
فقانون السببية أي ربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها ، هذا القانون عام شامل لكل ما في العالم ولكل ما يحصل للإنسان في الدنيا والآخرة .  
 +
 
 +
قال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب ، والله خالق الأسباب والمسببات )1. فمن الأسباب المادية قوله تعالى : '''(وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ)2 . ومن الأسباب المعنوية : (إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً)3 .''' كما سنبينه فيما بعد .
 
    
 
    
 
والقرآن الكريم ـ كما يقول ابن القيم ـ مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة ، فيأتي بباء السببية تارة كقوله تعالى : '''(كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية)''' ، ويأتي باللام تارة كقوله تعالى : (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم) ويأتي بذكر الوصف المقتضي للحكم تارة كقوله تعالى : '''(ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً)'''4 ، فالله تعالى اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها5 .   
 
والقرآن الكريم ـ كما يقول ابن القيم ـ مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة ، فيأتي بباء السببية تارة كقوله تعالى : '''(كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية)''' ، ويأتي باللام تارة كقوله تعالى : (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم) ويأتي بذكر الوصف المقتضي للحكم تارة كقوله تعالى : '''(ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً)'''4 ، فالله تعالى اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها5 .   
سطر ١٥٨: سطر ١٩٣:
 
'''26 ـ لا بدّ للأسباب من شروط وانتفاء الموانع :'''  
 
'''26 ـ لا بدّ للأسباب من شروط وانتفاء الموانع :'''  
  
وليكن معلوماً أن السبب إنما يستوجب مسببه إذا توفرت شروطه أي إذا تحققت شروط عمل هذا السبب وفعاليته واستدعاءه لمسببه . كما لا بد من انتقاء موانعه أي انتفاء الموانع التي تعيق عمل هذا السبب أو تسلبه فعاليته بحيث يصبح غير قادر على استدعاء مسببه . فالأكل مثلاً سبب للغداء والشبع واستدامة الحياة ، ولكن بشرط سلامة أعضاء الإنسان الضرورية لتلقي الطعام والاستفادة منه ، وانتفاء الموانع أي انتفاء العوائق التي تعيق عمل هذه الأعضاء في انتفاعها من الأكل .
+
وليكن معلوماً أن السبب إنما يستوجب مسببه إذا توفرت شروطه أي إذا تحققت شروط عمل هذا السبب وفعاليته واستدعاءه لمسببه .  
 +
 
 +
كما لا بد من انتقاء موانعه أي انتفاء الموانع التي تعيق عمل هذا السبب أو تسلبه فعاليته بحيث يصبح غير قادر على استدعاء مسببه . فالأكل مثلاً سبب للغداء والشبع واستدامة الحياة ، ولكن بشرط سلامة أعضاء الإنسان الضرورية لتلقي الطعام والاستفادة منه ، وانتفاء الموانع أي انتفاء العوائق التي تعيق عمل هذه الأعضاء في انتفاعها من الأكل .
 
    
 
    
والزرع سببه حرث الأرض وإلقاء البذر ، وشرطه صلاحية الأرض للإنبات وصلاحية هذا البذر للنبات وتوفر الماء الكافي وانتفاء الموانع من خروج النبات والثمر كانتفاء الآفات التي تهلك الزرع والثمر أو تمنع نموه وهكذا .. وقد ، صرّح غير واحد من العلماء بضرورة تحقق شروط السبب وانتفاء موانعه حتى ينتج هذا السبب مسببه ، فمن أقوالهم قول الفقيه الشاطبي : ( وأما إذا لم تفعل الأسباب على ما ينبغي ولا استكملت شرائطها ولم تنتف موانعها فلا تقع مسبباتها شاء المكلف أو أبى ، لأن المسببات ليس وقوعها أو عدم وقوعها لاختياره . وأيضاً فإن الشارع لم يجعلها أسباباً مقتضية لمسبباتها إلا مع وجود شرائطها وانتفاء موانعها ، فإذا لم تتوفر لم يستكمل السبب أن يكون سبباً شرعياً سواء علينا أقلنا إن الشروط وانتفاء الموانع أجزاء أسباب أم لا ، فالثمرة واحدة3 .  
+
والزرع سببه حرث الأرض وإلقاء البذر ، وشرطه صلاحية الأرض للإنبات وصلاحية هذا البذر للنبات وتوفر الماء الكافي وانتفاء الموانع من خروج النبات والثمر كانتفاء الآفات التي تهلك الزرع والثمر أو تمنع نموه وهكذا .. وقد ، صرّح غير واحد من العلماء بضرورة تحقق شروط السبب وانتفاء موانعه حتى ينتج هذا السبب مسببه ، فمن أقوالهم قول الفقيه الشاطبي : ( وأما إذا لم تفعل الأسباب على ما ينبغي ولا استكملت شرائطها ولم تنتف موانعها فلا تقع مسبباتها شاء المكلف أو أبى ، لأن المسببات ليس وقوعها أو عدم وقوعها لاختياره .  
 +
 
 +
وأيضاً فإن الشارع لم يجعلها أسباباً مقتضية لمسبباتها إلا مع وجود شرائطها وانتفاء موانعها ، فإذا لم تتوفر لم يستكمل السبب أن يكون سبباً شرعياً سواء علينا أقلنا إن الشروط وانتفاء الموانع أجزاء أسباب أم لا ، فالثمرة واحدة3 .  
 
   
 
   
 
وقال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية : ( فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع )4 . ثم قال ابن تيمية رحمه الله : ( فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع ، وكل ذلك بقضاء الله وقدره ، وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوبه بل لا بد من انضمام أسباب أخرى إليه ، ولا بد أيضاً من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود ، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك . ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له . والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل الله في البدن من الأعضاء والقوى5 .   
 
وقال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية : ( فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع )4 . ثم قال ابن تيمية رحمه الله : ( فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع ، وكل ذلك بقضاء الله وقدره ، وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوبه بل لا بد من انضمام أسباب أخرى إليه ، ولا بد أيضاً من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود ، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك . ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له . والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل الله في البدن من الأعضاء والقوى5 .   
سطر ١٦٩: سطر ٢٠٨:
  
 
ولا يجوز إسقاط الأسباب وعدم مباشرتها بحجة الإيمان بالقضاء والقدر كأن يترك الإنسان العمل وغيره من أسباب الرزق بحجة أنه إذا كان الله قدّر له رزقاً فلا بد أن يأتيه ويحصل عليه عمل أو لم يعمل .  
 
ولا يجوز إسقاط الأسباب وعدم مباشرتها بحجة الإيمان بالقضاء والقدر كأن يترك الإنسان العمل وغيره من أسباب الرزق بحجة أنه إذا كان الله قدّر له رزقاً فلا بد أن يأتيه ويحصل عليه عمل أو لم يعمل .  
فهذا الاحتجاج من قبيل الوهم والتوهم وقد ردّه النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه ، قال : كنّا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكّس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال : ما منكم من أحد ، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنّة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة . فقال رجل يا رسول الله : أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال : من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة . فقال اعملوا فكل ميسّر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ، ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأمّا من بخل واستغنى وكذّب بالحسنى فسنيسره للعسرى)3 . 
 
  
   
+
فهذا الاحتجاج من قبيل الوهم والتوهم وقد ردّه النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه ، قال : كنّا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكّس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال : ما منكم من أحد ، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنّة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة .
 +
 
 +
فقال رجل يا رسول الله : أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال : من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة .
 +
 
 +
فقال اعملوا فكل ميسّر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ، ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأمّا من بخل واستغنى وكذّب بالحسنى فسنيسره للعسرى)3 .  
 +
 
 
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : وفي هذا الحديث النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر ، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها وكل مُيسر لما خلق له لا يقدر على غيره4 .  
 
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : وفي هذا الحديث النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر ، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها وكل مُيسر لما خلق له لا يقدر على غيره4 .  
  
وأيضاً فإن الله تعالى أمر الناس بالدعاء والاستغفار وبغيرهما من الأسباب المؤدية إلى مسبباتها من تفريج الكروب وغفران الذنوب وتحصيل المقاصد ، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل الله تعالى ولا أستغفره اعتماداً على الخطأ كان مخطئاً ؛ لأن الله تعالى جعل الدعاء ونحوه من العبادات أسباباً تنال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره . وإذا قدّر الله للعبد خيراً يناله بالدعاء أو بغيره من الأسباب لم يحصل ما قدره له بغير هذا السبب من الدعاء وغيره . وما قدره الله وقضاه وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره بأسباب تقع فيقع ما ارتبط بها من مسببات ، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب والله خالق الأسباب والمسببات5 .  
+
وأيضاً فإن الله تعالى أمر الناس بالدعاء والاستغفار وبغيرهما من الأسباب المؤدية إلى مسبباتها من تفريج الكروب وغفران الذنوب وتحصيل المقاصد ، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل الله تعالى ولا أستغفره اعتماداً على الخطأ كان مخطئاً ؛ لأن الله تعالى جعل الدعاء ونحوه من العبادات أسباباً تنال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره .  
 +
 
 +
وإذا قدّر الله للعبد خيراً يناله بالدعاء أو بغيره من الأسباب لم يحصل ما قدره له بغير هذا السبب من الدعاء وغيره . وما قدره الله وقضاه وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره بأسباب تقع فيقع ما ارتبط بها من مسببات ، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب والله خالق الأسباب والمسببات5 .  
  
 
'''28 ـ الأسباب والتوكل :'''  
 
'''28 ـ الأسباب والتوكل :'''  
سطر ١٨١: سطر ٢٢٦:
  
 
قال ابن تيمية رحمه الله في ردّه على هذا القول : ( وهذا القول وأمثاله من قلة العلم بسنّة الله في خلقه وأمره ، فإن الله تعالى خلق المخلوقات بأسباب ، وشرع للعباد أسباباً ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة . فمن ظنَّ أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب يحصل مطلوبه وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسباباً لها فهو غالط )6 .  
 
قال ابن تيمية رحمه الله في ردّه على هذا القول : ( وهذا القول وأمثاله من قلة العلم بسنّة الله في خلقه وأمره ، فإن الله تعالى خلق المخلوقات بأسباب ، وشرع للعباد أسباباً ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة . فمن ظنَّ أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب يحصل مطلوبه وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسباباً لها فهو غالط )6 .  
 +
 
والحقيقة أن إسقاط الأسباب والإعراض عنها وعدم مباشرتها بحجة التوكل على الله تعالى يفضي بفاعل ذلك إلى مخالفة الشرع فإن الله تعالى قد أمر بالأخذ بالأسباب فمن أعرض عنها فإنه يعرض عما أمره الله تعالى به ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ( والله أمر بالقيام بالأسباب فمن رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضاد الله في أمره ، وكيف يحل لمسلم أن يرفض الأسباب كلّها؟ )7 .   
 
والحقيقة أن إسقاط الأسباب والإعراض عنها وعدم مباشرتها بحجة التوكل على الله تعالى يفضي بفاعل ذلك إلى مخالفة الشرع فإن الله تعالى قد أمر بالأخذ بالأسباب فمن أعرض عنها فإنه يعرض عما أمره الله تعالى به ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ( والله أمر بالقيام بالأسباب فمن رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضاد الله في أمره ، وكيف يحل لمسلم أن يرفض الأسباب كلّها؟ )7 .   
  
 +
'''29 ـ تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل :'''
  
'''29 ـ تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل :'''
+
وليكن معلوماً أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل ، بل إن التوكل نفسه من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه ، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل .
  
وليكن معلوماً أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل ، بل إن التوكل نفسه من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه ، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل . ثم إن حقيقة التوكل الثقة بالله والطمأنينة به والسكون إليه فالتوكل ـ كما قال الإمام أحمد ـ هو عمل القلب ، ومعنى ذلك أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح1 .  
+
ثم إن حقيقة التوكل الثقة بالله والطمأنينة به والسكون إليه فالتوكل ـ كما قال الإمام أحمد ـ هو عمل القلب ، ومعنى ذلك أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح1 .  
  
 
وعلى هذا فالتوكل الشرعي الصحيح هو الاعتماد الكامل على الله والثقة بكفايته لعبده مع مباشرة العبد للأسباب المشروعة أو العادية التي جعلها الله مفضية إلى مسبباتها ، ويدل على ذلك الحديث النبوي الشريف : ( لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ) رواه الترمذي2 .  
 
وعلى هذا فالتوكل الشرعي الصحيح هو الاعتماد الكامل على الله والثقة بكفايته لعبده مع مباشرة العبد للأسباب المشروعة أو العادية التي جعلها الله مفضية إلى مسبباتها ، ويدل على ذلك الحديث النبوي الشريف : ( لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ) رواه الترمذي2 .  
سطر ١٩٢: سطر ٢٣٩:
 
ففي هذا الحديث الشريف دلالة على مشروعية العمل للكسب والأخذ بالأسباب ، فالطير لا يأتيها رزقها وهي في عشوشها بل بسعيها ، فقد ألهمها تعالى بالسعي لتحصيل رزقها فتخرج جياعاً وترجع بطاناً ممتلئة البطون شبعاً . وهكذا ينبغي أن يكون الصادق في توكله يباشر الأسباب للحصول على مقصوده ومطلوبه . وعن أنس أن رجلاً قال يا رسول الله : ( أعقلها ـ أي ناقته أو بعيره ـ وأتوكل؟ أو أطلقها وأتوكل؟ قال : اعقلها وتوكل ) رواه الترمذي3 .  
 
ففي هذا الحديث الشريف دلالة على مشروعية العمل للكسب والأخذ بالأسباب ، فالطير لا يأتيها رزقها وهي في عشوشها بل بسعيها ، فقد ألهمها تعالى بالسعي لتحصيل رزقها فتخرج جياعاً وترجع بطاناً ممتلئة البطون شبعاً . وهكذا ينبغي أن يكون الصادق في توكله يباشر الأسباب للحصول على مقصوده ومطلوبه . وعن أنس أن رجلاً قال يا رسول الله : ( أعقلها ـ أي ناقته أو بعيره ـ وأتوكل؟ أو أطلقها وأتوكل؟ قال : اعقلها وتوكل ) رواه الترمذي3 .  
  
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير . احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز .. )  
+
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير .  
 +
 
 +
احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز .. )  
 +
 
 
ويقول شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية في هذا الحديث : قوله صلى الله عليه وسلم : ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ) أمرٌ بالتسبب المأمور به وهو الحرص على المنافع وأمرٌ بالتسبب المأمور به وهو الحرص على المنافع وأمرٌ مع ذلك بالتوكل وهو الاستعانة بالله ، فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين4 .  
 
ويقول شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية في هذا الحديث : قوله صلى الله عليه وسلم : ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ) أمرٌ بالتسبب المأمور به وهو الحرص على المنافع وأمرٌ بالتسبب المأمور به وهو الحرص على المنافع وأمرٌ مع ذلك بالتوكل وهو الاستعانة بالله ، فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين4 .  
  
 
'''30 ـ الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب :'''  
 
'''30 ـ الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب :'''  
  
ومع الأمر بتعاطي الأسباب ومباشرتها فإن الاعتماد القلبي على الله تعالى لا عليها فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها ، وحال بدنه قيامه بها ، وهداه هي حقيقة التوكل : يباشر المسلم الأسباب وثقته بالله واعتماده عليه ، كالفلاح في أرض (الديم) التي تسقى بماء المطر ، يحرث الأرض ويلقي البذور واعتماده على الله في إنزال المطر وإخراج الزرع . وعلى هذا فإذا كانت الأسباب مقدورة له وهو مأمور بها فعليه أن يقوم بها مع توكله على الله ، كما يؤدي الفرائض وكما يجاهد العدو وهو يلبس جُنّة الحرب ويحمل السلاح ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون توكله بدون أن بفعل ما أمره به الشرع من أمور [[الجهاد]]  ، فمن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط5 .  
+
ومع الأمر بتعاطي الأسباب ومباشرتها فإن الاعتماد القلبي على الله تعالى لا عليها فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها ، وحال بدنه قيامه بها ، وهداه هي حقيقة التوكل : يباشر المسلم الأسباب وثقته بالله واعتماده عليه ، كالفلاح في أرض (الديم) التي تسقى بماء المطر ، يحرث الأرض ويلقي البذور واعتماده على الله في إنزال المطر وإخراج الزرع .  
 +
 
 +
وعلى هذا فإذا كانت الأسباب مقدورة له وهو مأمور بها فعليه أن يقوم بها مع توكله على الله ، كما يؤدي الفرائض وكما يجاهد العدو وهو يلبس جُنّة الحرب ويحمل السلاح ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون توكله بدون أن بفعل ما أمره به الشرع من أمور [[الجهاد]]  ، فمن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط5 .  
  
31 ـ سنّة الله في الأسباب وعلاقتها بالسنن الأخرى :  
+
31 ـ سنّة الله في الأسباب وعلاقتها بالسنن الأخرى :
 +
 
سنّة الله في الأسباب تشغل مساحة كبيرة جداً من سنته الأخرى ، وقد لا أكون مغالياً إذا قلت إن السنن الأخرى تقوم على سنته تعالى في الأسباب بصورة مباشرة أو غير مباشرة حتى لتبدو للمتأمل فيها كأنها من مفردات سنّة الله في الأسباب وليست سنناً مستقلة ، وإن إفرادها بالذكر وبأسماء خاصة بها إنما هو لإبرازها ولفت النظر إليها لمعنى خاص بها ، وتبقى مع ذلك قائمة على سنّة في الأسباب ومعتمدة عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة .  
 
سنّة الله في الأسباب تشغل مساحة كبيرة جداً من سنته الأخرى ، وقد لا أكون مغالياً إذا قلت إن السنن الأخرى تقوم على سنته تعالى في الأسباب بصورة مباشرة أو غير مباشرة حتى لتبدو للمتأمل فيها كأنها من مفردات سنّة الله في الأسباب وليست سنناً مستقلة ، وإن إفرادها بالذكر وبأسماء خاصة بها إنما هو لإبرازها ولفت النظر إليها لمعنى خاص بها ، وتبقى مع ذلك قائمة على سنّة في الأسباب ومعتمدة عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة .  
 
 
 
 
 
  
 
== الفصل الثاني : سنّة الله في اتباع هداه والإعراض عنه[ قانون الهدى والضلال ] ==
 
== الفصل الثاني : سنّة الله في اتباع هداه والإعراض عنه[ قانون الهدى والضلال ] ==
سطر ٢١٩: سطر ٢٦٧:
 
'''34 ـ من يترك هدى الله يتركه الله وما اختاره :'''  
 
'''34 ـ من يترك هدى الله يتركه الله وما اختاره :'''  
  
قال تعالى : (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيراً)7 ، هدى الله هو [[الإسلام]]  وهو سبيل المؤمنين ، فمن يشاقق الرسول صلى الله عليه وسلم ـ أي يعاديه ـ فلا يتبع [[الإسلام]]  ويتبع غير سبيل المؤمنين بعد أن تبين له هدى الله فإن الله تعالى يتركه وشأنه وما اختاره لنفسه من ضلال . قال الإمام الرازي في قوله تعالى : (نولِّه ما تولّى) أي نتركه وما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه8 . ومن المعلوم أن ما اختاره لنفسه هو سبيل الضلال لأنه ليس بعد الحق ـ [[الإسلام]]  الذي تركه ـ إلا الضلال ، قال تعالى : (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنّى تصرفون)9 .   
+
قال تعالى : (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيراً)7 ، هدى الله هو [[الإسلام]]  وهو سبيل المؤمنين ، فمن يشاقق الرسول صلى الله عليه وسلم ـ أي يعاديه ـ فلا يتبع [[الإسلام]]  ويتبع غير سبيل المؤمنين بعد أن تبين له هدى الله فإن الله تعالى يتركه وشأنه وما اختاره لنفسه من ضلال .  
 +
 
 +
قال الإمام الرازي في قوله تعالى : (نولِّه ما تولّى) أي نتركه وما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه8 . ومن المعلوم أن ما اختاره لنفسه هو سبيل الضلال لأنه ليس بعد الحق ـ [[الإسلام]]  الذي تركه ـ إلا الضلال ، قال تعالى : (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنّى تصرفون)9 .   
  
 
'''35 ـ تهديد من يتبع غير هدى الله :'''  
 
'''35 ـ تهديد من يتبع غير هدى الله :'''  
سطر ٢٣١: سطر ٢٨١:
 
وفي الآية تهديد ووعيد لمن يتبع أهل الباطل في باطلهم وأهوائهم استمالة لهم ، فقد جاء في تفسير المنار بشأن هذه الآية : هذا الخطاب بهذا الوعيد لأعلى الناس مقاماً عند الله تعالى وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو أشد وعيد لغيره ممن يتبع الهوى ويحاول استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من الباطل ، فإنه أورده بالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مع أن المراد أمته ليعلم المؤمنين أن اتباع أهواء الناس ولو لغرض صحيح هو من الظلم العظيم الذي يقطع طريق الحق ويردي الناس في مهاوي الباطل13 .   
 
وفي الآية تهديد ووعيد لمن يتبع أهل الباطل في باطلهم وأهوائهم استمالة لهم ، فقد جاء في تفسير المنار بشأن هذه الآية : هذا الخطاب بهذا الوعيد لأعلى الناس مقاماً عند الله تعالى وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو أشد وعيد لغيره ممن يتبع الهوى ويحاول استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من الباطل ، فإنه أورده بالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مع أن المراد أمته ليعلم المؤمنين أن اتباع أهواء الناس ولو لغرض صحيح هو من الظلم العظيم الذي يقطع طريق الحق ويردي الناس في مهاوي الباطل13 .   
  
 +
'''36 ـ لا حزن ولا خوف على متبع هدى الله :'''
 +
 +
قال تعالى : (قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينّكم منّي هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)1 .
  
'''36 ـ لا حزن ولا خوف على متبع هدى الله :'''
+
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : أي من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا2 .
 
   
 
   
قال تعالى : (قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينّكم منّي هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)1 . قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : أي من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا2 .
 
 
وفي تفسير المنار : المهتدون بهدى الله تعالى لا يخافون مما هو آت ولا يحزنون على ما فات لأن اتباع الهدى يسهل عليهم سبيل اكتساب الخيرات ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة ، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يستقبله ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده لأنه موقن بأن الله يخلقه3 .  
 
وفي تفسير المنار : المهتدون بهدى الله تعالى لا يخافون مما هو آت ولا يحزنون على ما فات لأن اتباع الهدى يسهل عليهم سبيل اكتساب الخيرات ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة ، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يستقبله ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده لأنه موقن بأن الله يخلقه3 .  
  
سطر ٢٤٧: سطر ٢٩٩:
 
'''38 ـ سنّة الله في متبع هداه ، ودليلها :'''  
 
'''38 ـ سنّة الله في متبع هداه ، ودليلها :'''  
  
قلنا : إنّ سنّة الله في متبع هداه ـ أي القرآن ـ هو تمتعه بطيب العيش في الدنيا ، ودليل هذه السنّة قوله تعالى : (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) . قال ابن عباس : (لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة )7 ، والضلال في الدنيا الانحراف عن [[الإسلام]]  ، والشقاء في الآخرة العقاب فيها .  
+
قلنا : إنّ سنّة الله في متبع هداه ـ أي القرآن ـ هو تمتعه بطيب العيش في الدنيا ، ودليل هذه السنّة قوله تعالى : (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) . قال ابن عباس : (لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة )7 ، والضلال في الدنيا الانحراف عن [[الإسلام]]  ، والشقاء في الآخرة العقاب فيها .
قال الزمخشري في قوله تعالى : (فلا يضل ولا يشقى) ، والمعنى أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه 8. ولكن نظم الآية وسياقها يتسعان للقول بأن الشقاء المنتفي عن متبع القرآن يشمل انتفاءه عنه في الدنيا والآخرة ، وهذا التفسير هو أحد الوجوه في تفسير قوله تعالى : ( فلا يضل ولا يشقى) والذي ذكره الإمام الرازي في تفسيره  لهذه الآية ، وأورد على هذا الوجه من التفسير سؤالاً فقال : ( الوجه الثالث ـ أي في تفسيرها ـ لا يضل ولا يشقى في الدنيا . فإن قيل : المتبع لهدى الله قد يلحقه الشقاء في الدنيا . قلنا : المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين ، فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس )9 .
+
 +
قال الزمخشري في قوله تعالى : (فلا يضل ولا يشقى) ، والمعنى أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه 8. ولكن نظم الآية وسياقها يتسعان للقول بأن الشقاء المنتفي عن متبع القرآن يشمل انتفاءه عنه في الدنيا والآخرة ، وهذا التفسير هو أحد الوجوه في تفسير قوله تعالى : ( فلا يضل ولا يشقى) والذي ذكره الإمام الرازي في تفسيره  لهذه الآية ، وأورد على هذا الوجه من التفسير سؤالاً فقال : ( الوجه الثالث ـ أي في تفسيرها ـ لا يضل ولا يشقى في الدنيا . فإن قيل : المتبع لهدى الله قد يلحقه الشقاء في الدنيا .  
 +
 
 +
قلنا : المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين ، فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس )9 .
 
   
 
   
والواقع أن متبع هدى الله ـ أي القرآن الكريم ـ يحيا حياة طيبة كما وعد الله تعالى وكما هو مقتضى سنته ، قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)10 ، والشأن بمتبع هدى الله ـ القرآن الكريم ـ أنه مؤمن ويعمل الصالحات وإلا لما كان متبعاً للقرآن ، والحياة الطيبة التي يحياها لا يشقى فيها قطعاً ، لأنها تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت كما قال ابن كثير في تفسيره11 . ولأن الشقاء ينافي الحياة الطيبة التي يتمتع بها متبع القرآن ، فالشقاء إذن منفي عنه في الدنيا ، كما أن الضلال منفي عنه في الدنيا . ولأن متبع هدى الله همّه مرضاة الله فهو قانع بما قسمه الله له في الدنيا غير متسخط على ذلك ؛ لأنه سعيد بما أنعم الله عليه من نعمة الدين ، فهو في عيش طيب رغيد ، لأن تطلعه ـ بعد أن أنعم الله عليه ب[[الإسلام]]  ـ إلى ما عند الله لا إلى الدنيا ومتاعها الزائل ، فهو لا يحرص على تحصيله وإن كان لا يرفضه إذا جاءه ولا يأسف إذا فاته فهو في طيب عيش وحياة طيبة قطعاً .  
+
والواقع أن متبع هدى الله ـ أي القرآن الكريم ـ يحيا حياة طيبة كما وعد الله تعالى وكما هو مقتضى سنته ، قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)10 ، والشأن بمتبع هدى الله ـ القرآن الكريم ـ أنه مؤمن ويعمل الصالحات وإلا لما كان متبعاً للقرآن ، والحياة الطيبة التي يحياها لا يشقى فيها قطعاً ، لأنها تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت كما قال ابن كثير في تفسيره11 .  
 +
 
 +
ولأن الشقاء ينافي الحياة الطيبة التي يتمتع بها متبع القرآن ، فالشقاء إذن منفي عنه في الدنيا ، كما أن الضلال منفي عنه في الدنيا .  
 +
 
 +
ولأن متبع هدى الله همّه مرضاة الله فهو قانع بما قسمه الله له في الدنيا غير متسخط على ذلك ؛ لأنه سعيد بما أنعم الله عليه من نعمة الدين ، فهو في عيش طيب رغيد ، لأن تطلعه ـ بعد أن أنعم الله عليه ب[[الإسلام]]  ـ إلى ما عند الله لا إلى الدنيا ومتاعها الزائل ، فهو لا يحرص على تحصيله وإن كان لا يرفضه إذا جاءه ولا يأسف إذا فاته فهو في طيب عيش وحياة طيبة قطعاً .  
  
 
'''39 ـ سنّة الله في المُعْرِض عن هداه ودليلها :'''  
 
'''39 ـ سنّة الله في المُعْرِض عن هداه ودليلها :'''  
سطر ٢٥٨: سطر ٣١٧:
 
وهذا المعرض عن هدى الله له المعيشة الضنك أي الضيقة في الدنيا ، لأن الضنك أصله الضيق والشدّة . ووجه ضيق معيشته أنه شديد الحرص على الدنيا متهالك عليها وعلى الزيادة منها خائف من انتقاصها ، لا طمأنينة له ولا انشراح لصدره ، بل صدره ضيق حرج لضلاله ، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه مالم يعمره هدى الله لا يحس بسعادة ولا بطيب العيش2 . وهذا في الدنيا .
 
وهذا المعرض عن هدى الله له المعيشة الضنك أي الضيقة في الدنيا ، لأن الضنك أصله الضيق والشدّة . ووجه ضيق معيشته أنه شديد الحرص على الدنيا متهالك عليها وعلى الزيادة منها خائف من انتقاصها ، لا طمأنينة له ولا انشراح لصدره ، بل صدره ضيق حرج لضلاله ، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه مالم يعمره هدى الله لا يحس بسعادة ولا بطيب العيش2 . وهذا في الدنيا .
 
   
 
   
أما في الآخرة فقد مضت سنّة الله في الجزاء أنه سيصيبه عقاب المعرضين عن هداه ، ومن هذا العقاب حشره يوم القيامة أعمى لعماه عن آيات الله وهداه ، قال تعالى مخبراً عن هذا الجزاء وسببه : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى . قال ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً . قال كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) ، والمعنى أن هذا المعرض عن هدى الله يحشر يوم القيامة أعمى فيقول : (ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً) أي في الدنيا فيقول الله تعالى له : (كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها) أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك فأنت قد عميت عنها لأن من عمي عن شيء نسيه وتركه (وكذلك اليوم تنسى) أي تترك في العمى كما كنت أعمى عن آيات الله ، جزاءً وفاقاً لأن الجزاء من جنس العمل3 . وهذا العقاب الذي ينتظر المعرض عن هدى الله هو أشد وأبقى من عذاب الدنيا . وسيصيب أيضاً المسرفين المكذبين بآيات الله ما أصاب المعرضين عن هدى الله من العيش الضنك في الدنيا والعذاب في الآخرة لقوله تعالى : (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) .  
+
أما في الآخرة فقد مضت سنّة الله في الجزاء أنه سيصيبه عقاب المعرضين عن هداه ، ومن هذا العقاب حشره يوم القيامة أعمى لعماه عن آيات الله وهداه ، قال تعالى مخبراً عن هذا الجزاء وسببه : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى . قال ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً .  
 +
 
 +
قال كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) ، والمعنى أن هذا المعرض عن هدى الله يحشر يوم القيامة أعمى فيقول : (ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً) أي في الدنيا فيقول الله تعالى له : (كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها) أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك فأنت قد عميت عنها لأن من عمي عن شيء نسيه وتركه (وكذلك اليوم تنسى) أي تترك في العمى كما كنت أعمى عن آيات الله ، جزاءً وفاقاً لأن الجزاء من جنس العمل3 . وهذا العقاب الذي ينتظر المعرض عن هدى الله هو أشد وأبقى من عذاب الدنيا .  
 +
 
 +
وسيصيب أيضاً المسرفين المكذبين بآيات الله ما أصاب المعرضين عن هدى الله من العيش الضنك في الدنيا والعذاب في الآخرة لقوله تعالى : (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) .  
  
 
'''40 ـ من يعرض عن هدى الله يقيّض له شيطاناً :'''  
 
'''40 ـ من يعرض عن هدى الله يقيّض له شيطاناً :'''  
سطر ٢٦٤: سطر ٣٢٧:
 
والمعرض عن هدى الله ، أي القرآن ، يقيض الله له شيطاناً يصاحبه  ولا يفارقه ، يزين له عمل الشر ويصده عن سبيل الحق ، ويحسب أنه على هدى وصواب ، وبهذا جرت ستة الله في المعرضين عن هداه قال تعالى : '''(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ {36} وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ)4 .'''
 
والمعرض عن هدى الله ، أي القرآن ، يقيض الله له شيطاناً يصاحبه  ولا يفارقه ، يزين له عمل الشر ويصده عن سبيل الحق ، ويحسب أنه على هدى وصواب ، وبهذا جرت ستة الله في المعرضين عن هداه قال تعالى : '''(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ {36} وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ)4 .'''
 
   
 
   
وجاء في تفسير هاتين الآيتين : أن من يتعامى ويتغافل ويعرض عن ذكر الله أي عن القرآن الكريم وما أنزل الله فيه ، ويأخذ بأقوال المضلين وأباطيلهم ، نقيّض له شيطاناً أي نتح له شيطاناً فهو له قرين دائماً لا يفارقه ، يمنعه من الحلال ويبعثه على الحرام وينهاه عن الطاعة ويأمره بالمعصية ويزين له سيىء الأعمال .. وهذا عقاب له عن إعراضه عن هدى القرآن كما يقال : إن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد اكتساب السيئات . وإن الشياطين ليصدون أولئك المعرضين عن هدى الله عن سبيل الحق ويحسب أولئك المعرضون عن هدى الله أنهم مهتدون إلى الحق5 . وهؤلاء الضالون المعرضون عن هدى الله يصدق عليهم قول الله تعالى : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)6 .  
+
وجاء في تفسير هاتين الآيتين : أن من يتعامى ويتغافل ويعرض عن ذكر الله أي عن القرآن الكريم وما أنزل الله فيه ، ويأخذ بأقوال المضلين وأباطيلهم ، نقيّض له شيطاناً أي نتح له شيطاناً فهو له قرين دائماً لا يفارقه ، يمنعه من الحلال ويبعثه على الحرام وينهاه عن الطاعة ويأمره بالمعصية ويزين له سيىء الأعمال .. وهذا عقاب له عن إعراضه عن هدى القرآن كما يقال : إن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد اكتساب السيئات .  
 +
 
 +
وإن الشياطين ليصدون أولئك المعرضين عن هدى الله عن سبيل الحق ويحسب أولئك المعرضون عن هدى الله أنهم مهتدون إلى الحق5 . وهؤلاء الضالون المعرضون عن هدى الله يصدق عليهم قول الله تعالى : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)6 .  
  
 
== الفصل الثالث : سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل [ قانون التدافع ] ==
 
== الفصل الثالث : سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل [ قانون التدافع ] ==
سطر ٢٩٤: سطر ٣٥٩:
 
جاء في لسان العرب6 : الدفع الإزالة بقوة . يقال دفعه يدفعه دفعاً ودفاعاً ، ودافع عنه بمعنى دفع . ونقول : دفع الله عنك المكروه دفعاً ودفاعاً ، ودافع الله عنك السوء دفاعاً . وتدافع القوم : دفع بعضهم بعضاً . والمدافعة : المزاحمة . والاندفاع المضي في الأمر .  
 
جاء في لسان العرب6 : الدفع الإزالة بقوة . يقال دفعه يدفعه دفعاً ودفاعاً ، ودافع عنه بمعنى دفع . ونقول : دفع الله عنك المكروه دفعاً ودفاعاً ، ودافع الله عنك السوء دفاعاً . وتدافع القوم : دفع بعضهم بعضاً . والمدافعة : المزاحمة . والاندفاع المضي في الأمر .  
  
وجاء في المعجم الوسيط7 : دفع الشيء إذا نحاه وأزاله بقوة . وفي القرآن الكريم : (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) . ودفع القول : رده بالحجة . ودفع فلاناً إلى كذا : اضطره . دافع عنه مدافعة ودفاعاً : حامى عنه وانتصر له ودافعه : زاحمه . ويقال هو سيد قومه غير مُدافَع : أي غير مُزاحَم وتدافع القوم : دفع بعضهم بعضاً .  
+
وجاء في المعجم الوسيط7 : دفع الشيء إذا نحاه وأزاله بقوة . وفي القرآن الكريم : (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) . ودفع القول : رده بالحجة .  
 +
 
 +
ودفع فلاناً إلى كذا : اضطره . دافع عنه مدافعة ودفاعاً : حامى عنه وانتصر له ودافعه : زاحمه . ويقال هو سيد قومه غير مُدافَع : أي غير مُزاحَم وتدافع القوم : دفع بعضهم بعضاً .  
  
 
'''45 ـ المقصود بالحق والباطل والتدافع بينهما :'''  
 
'''45 ـ المقصود بالحق والباطل والتدافع بينهما :'''  
  
نريد بالحق في بحثنا ما هو ثابت وصحيح وواجب فعله أو بقاؤه من اعتقاد أو قول أو فعل بحكم الشرع . ونريد بالباطل نقيض الحق أي ما لا ثبات له ولا اعتبار ولا يوصف بالصحة ويستوجب الترك ولا يستحق البقاء ، بل يستوجب القلع والإزالة وكل ذلك بحكم الشرع . وعلى هذا فالحق يشمل كل ما أمر الله به ، والباطل يشمل كل ما نهى عنه .  
+
نريد بالحق في بحثنا ما هو ثابت وصحيح وواجب فعله أو بقاؤه من اعتقاد أو قول أو فعل بحكم الشرع . ونريد بالباطل نقيض الحق أي ما لا ثبات له ولا اعتبار ولا يوصف بالصحة ويستوجب الترك ولا يستحق البقاء ، بل يستوجب القلع والإزالة وكل ذلك بحكم الشرع .  
 +
 
 +
وعلى هذا فالحق يشمل كل ما أمر الله به ، والباطل يشمل كل ما نهى عنه .
 +
 
ونريد (بالتدافع بين الحق والباطل) تنحية أحدهما للآخر أو إزالته ومحوه بالقوة عند الاقتضاء .  
 
ونريد (بالتدافع بين الحق والباطل) تنحية أحدهما للآخر أو إزالته ومحوه بالقوة عند الاقتضاء .  
  
سطر ٣١٣: سطر ٣٨٣:
 
قلنا إن كلمة (تدافع) تعني في اللغة الإزالة بقوة ، فتدافع الحق والباطل أي تدافع أصحابهما يكون بقوة حيث يسعى كل من أهل الحق والباطل إلى تنحية الآخر عن مكانه ومركزه والغلبة عليه . فأهل الباطل لا يكفيهم بقاؤهم على باطلهم وإنما يسعون إلى محق الحق وأهله وإزالة هذا الحق بالقوة وصد الناس عنه ببذل المال وبالقتال وبكل ما يرون فيه قوة وقدرة لتحقيق ما يريدون .
 
قلنا إن كلمة (تدافع) تعني في اللغة الإزالة بقوة ، فتدافع الحق والباطل أي تدافع أصحابهما يكون بقوة حيث يسعى كل من أهل الحق والباطل إلى تنحية الآخر عن مكانه ومركزه والغلبة عليه . فأهل الباطل لا يكفيهم بقاؤهم على باطلهم وإنما يسعون إلى محق الحق وأهله وإزالة هذا الحق بالقوة وصد الناس عنه ببذل المال وبالقتال وبكل ما يرون فيه قوة وقدرة لتحقيق ما يريدون .
 
   
 
   
وهذا هو شأن الباطل وقوته ، تطغيه هذه القوة فتدفعه إلى إزالة الحق وأهله ولو بالقوة . قال تعالى : '''(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ(1 . وقال تعالى : (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ)2''' . وقتال الكفرة للمؤمنين قتال لنصرة باطلهم فهو في سبيل الطاغوت ، قال تعالى : '''(الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)3 .'''
+
وهذا هو شأن الباطل وقوته ، تطغيه هذه القوة فتدفعه إلى إزالة الحق وأهله ولو بالقوة . قال تعالى : '''(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ(1 . وقال تعالى : (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ)2''' .  
 +
 
 +
وقتال الكفرة للمؤمنين قتال لنصرة باطلهم فهو في سبيل الطاغوت ، قال تعالى : '''(الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)3 .'''
  
 
'''49 ـ لا بدّ للحق من قوة تحميه :'''  
 
'''49 ـ لا بدّ للحق من قوة تحميه :'''  
  
وإذا كان الأمر كما ذكرنا من شأن الباطل وقوته التي تطغيه وأهله فلا بدّ للحق من قوة تحميه من طغيان الباطل وأهله ، وتمكِّن أهل الحق من محق الباطل والغلبة على أهله . ولهذا أمر الله تعالى أهل الحق بإعداد القوة لإرهاب أهل الباطل ومنعهم من التحرش بأهل الحق ، قال تعالى : '''(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)4 .'''
+
وإذا كان الأمر كما ذكرنا من شأن الباطل وقوته التي تطغيه وأهله فلا بدّ للحق من قوة تحميه من طغيان الباطل وأهله ، وتمكِّن أهل الحق من محق الباطل والغلبة على أهله .  
 +
 
 +
ولهذا أمر الله تعالى أهل الحق بإعداد القوة لإرهاب أهل الباطل ومنعهم من التحرش بأهل الحق ، قال تعالى : '''(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)4 .'''
  
 
وأمر الله تعالى أهل الحق ب[[الجهاد]]  في سبيل الله بالمال وبالنفس وبكل ما يمكن [[الجهاد]]  به لمحق الباطل وأهله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى . والآيات في [[الجهاد]]  بأنواعه ومنه القتال ، آيات كثيرة منها : '''(انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون َ)5 ، وقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)6 . وقال تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه)7 .'''  
 
وأمر الله تعالى أهل الحق ب[[الجهاد]]  في سبيل الله بالمال وبالنفس وبكل ما يمكن [[الجهاد]]  به لمحق الباطل وأهله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى . والآيات في [[الجهاد]]  بأنواعه ومنه القتال ، آيات كثيرة منها : '''(انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون َ)5 ، وقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)6 . وقال تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه)7 .'''  
سطر ٣٦١: سطر ٤٣٥:
 
ومما يجب أن يُعرف أنَّ نصر المؤمنين حسب سنة الله في نصرهم قد يتأخر لأن الله تعالى يريد لهم النصر الأكبر والأكمل والأعظم والأدوم والأكثر تأثيراً في واقع الحياة وفي عموم الناس بعد أن يتهيأ في المؤمنين القاعدة اللازمة لاستحقاقهم هذا النصر الأكبر واستقبالهم له ، ويدل على ذلك أن نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المؤمنين ، لم يحصل هذا النصر في يوم وليلة ولا سنة واحدة ، وإنما تأخر فلم يحصل إلا بعد مضي أكثر مدة نبوته صلى الله عليه وسلم ، فقد حصل هذا النصر بالغلبة والانتصار على قريش وبفتح مكة وذلك في سنة ثمان للهجرة ، أي قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بسنتين ، وقد دخل بسبب هذا النصر الناس في دين الله أفواجاً ، وأنزل فيه تعالى سورة : '''(إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ {1} وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً {2} فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) .'''  
 
ومما يجب أن يُعرف أنَّ نصر المؤمنين حسب سنة الله في نصرهم قد يتأخر لأن الله تعالى يريد لهم النصر الأكبر والأكمل والأعظم والأدوم والأكثر تأثيراً في واقع الحياة وفي عموم الناس بعد أن يتهيأ في المؤمنين القاعدة اللازمة لاستحقاقهم هذا النصر الأكبر واستقبالهم له ، ويدل على ذلك أن نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المؤمنين ، لم يحصل هذا النصر في يوم وليلة ولا سنة واحدة ، وإنما تأخر فلم يحصل إلا بعد مضي أكثر مدة نبوته صلى الله عليه وسلم ، فقد حصل هذا النصر بالغلبة والانتصار على قريش وبفتح مكة وذلك في سنة ثمان للهجرة ، أي قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بسنتين ، وقد دخل بسبب هذا النصر الناس في دين الله أفواجاً ، وأنزل فيه تعالى سورة : '''(إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ {1} وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً {2} فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) .'''  
  
وجاء في تفسيرها : والمعنى : نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة . وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان للهجرة ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب . وكانت تدخل في [[الإسلام]]  بعد فتح مكة جماعات كثيفة من الناس فكانت القبيلة تدخل في [[الإسلام]]  بأسرها بعدما كانوا يدخلون في [[الإسلام]]  واحداً واحداً أو اثنين اثنين3 .   
+
وجاء في تفسيرها : والمعنى : نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة .  
 +
 
 +
وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان للهجرة ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب . وكانت تدخل في [[الإسلام]]  بعد فتح مكة جماعات كثيفة من الناس فكانت القبيلة تدخل في [[الإسلام]]  بأسرها بعدما كانوا يدخلون في [[الإسلام]]  واحداً واحداً أو اثنين اثنين3 .   
  
 
'''54 ـ قد يسبق نصر المؤمنين أذى من العدو وغلبة له :'''  
 
'''54 ـ قد يسبق نصر المؤمنين أذى من العدو وغلبة له :'''  
  
إن نصر الله تعالى للمؤمنين حسب سنّته تعالى في نصرهم لا يأتي عادة دون جهد عظيم يبذلونه وتضحية يقدمونها في مدافعتهم لأهل الباطل مما قد يترتب عليه عادة أذى شديد يلحقهم من أهل الباطل وغلبة لهؤلاء المبطلين على المؤمنين . وهذا لا يتعارض مع سنة الله في نصر المؤمنين ؛ لأن الأمور بخواتيمها وعاقبتها . والعاقبة دائماً للمؤمنين في نصرهم على أهل الباطل . ولله الحكمة فيما يصيب المؤمنين من أذى قبل بلوغهم النصر الحاسم على أهل الباطل وعلى هذا دلّ القرآن الكريم وأشار إليه المفسرون ، قال تعالى : '''(إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {140}‏ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ)4 .'''  
+
إن نصر الله تعالى للمؤمنين حسب سنّته تعالى في نصرهم لا يأتي عادة دون جهد عظيم يبذلونه وتضحية يقدمونها في مدافعتهم لأهل الباطل مما قد يترتب عليه عادة أذى شديد يلحقهم من أهل الباطل وغلبة لهؤلاء المبطلين على المؤمنين .  
 +
 
 +
وهذا لا يتعارض مع سنة الله في نصر المؤمنين ؛ لأن الأمور بخواتيمها وعاقبتها . والعاقبة دائماً للمؤمنين في نصرهم على أهل الباطل .  
 +
 
 +
ولله الحكمة فيما يصيب المؤمنين من أذى قبل بلوغهم النصر الحاسم على أهل الباطل وعلى هذا دلّ القرآن الكريم وأشار إليه المفسرون ، قال تعالى : '''(إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {140}‏ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ)4 .'''  
  
 
بيّن الله تعالى أن المؤمنين الذين يصيبهم قرح أي جراحات بسبب القتال يجب أن لا يضعف ذلك همتهم واجتهادهم في جهاد العدو؛ لأنه كما أصابهم قرح فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، وعدوهم لم يفتروا لما أصابهم من القرح من محاربتكم مع كونهم مبطلين وسوء عاقبتهم ، فأنتم أيها المؤمنين أهل الحق أولى أن لا تضعفوا ولا تفتروا عن مجاهدة ومحاربة هؤلاء الأعداء المبطلين5 .  
 
بيّن الله تعالى أن المؤمنين الذين يصيبهم قرح أي جراحات بسبب القتال يجب أن لا يضعف ذلك همتهم واجتهادهم في جهاد العدو؛ لأنه كما أصابهم قرح فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، وعدوهم لم يفتروا لما أصابهم من القرح من محاربتكم مع كونهم مبطلين وسوء عاقبتهم ، فأنتم أيها المؤمنين أهل الحق أولى أن لا تضعفوا ولا تفتروا عن مجاهدة ومحاربة هؤلاء الأعداء المبطلين5 .  
  
وقوله تعالى : (وتلك الأيام نداولها بين الناس) أي ونديل عليكم الأعداء تارة وإن كانت لكم العاقبة لما لنا من الحكمة ، ومن هذه الحكمة : ليعلم الله الذين آمنوا (ومنها) ليتخذ منكم شهداء بأن يُقتلوا في جهادهم لأهل الباطل . (ومنها) ليمحص الله الذين آمنوا (ومنها) ليمحق الكافرين . فعل ذلك من وجوه الحكمة كالسبب والعلّة في تلك المداولة أي في غلبة العدو6 .  
+
وقوله تعالى : (وتلك الأيام نداولها بين الناس) أي ونديل عليكم الأعداء تارة وإن كانت لكم العاقبة لما لنا من الحكمة ، ومن هذه الحكمة : ليعلم الله الذين آمنوا (ومنها) ليتخذ منكم شهداء بأن يُقتلوا في جهادهم لأهل الباطل .  
 +
 
 +
(ومنها) ليمحص الله الذين آمنوا (ومنها) ليمحق الكافرين . فعل ذلك من وجوه الحكمة كالسبب والعلّة في تلك المداولة أي في غلبة العدو6 .  
  
 
فالأيام في الآية الكريمة أوقات الظفر والفوز ، ومدوالتها بين المؤمنين وأعدائهم أي تحويل الظفر والغلبة بينهم مرّة للمؤمنين ومرّة لأعدائهم ، فهذه المداولة سنّة من سنن الله في تدافع أهل الحق مع أهل الباطل ، فلا عجب أن تكون الدولة مرّة للمبطل ومرّة للمحق ؛ لأن المضمون والمؤكد لصاحب الحق أن تكون العاقبة له ، والأعمال بالخواتيم7 .
 
فالأيام في الآية الكريمة أوقات الظفر والفوز ، ومدوالتها بين المؤمنين وأعدائهم أي تحويل الظفر والغلبة بينهم مرّة للمؤمنين ومرّة لأعدائهم ، فهذه المداولة سنّة من سنن الله في تدافع أهل الحق مع أهل الباطل ، فلا عجب أن تكون الدولة مرّة للمبطل ومرّة للمحق ؛ لأن المضمون والمؤكد لصاحب الحق أن تكون العاقبة له ، والأعمال بالخواتيم7 .
سطر ٣٧٧: سطر ٤٥٩:
 
وقال تعالى : '''(ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون)2 .'''  وجاء في تفسيرها : الكلمة هي قوله تعالى : (إنّهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) والمراد : الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة . ولا يلزم من انهزامهم في بعض المشاهد أن يكون نقضاً للغلبة وللنصر ، فإن الغلبة كانت لهم ولمن بعدهم في العاقبة .  
 
وقال تعالى : '''(ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون)2 .'''  وجاء في تفسيرها : الكلمة هي قوله تعالى : (إنّهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) والمراد : الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة . ولا يلزم من انهزامهم في بعض المشاهد أن يكون نقضاً للغلبة وللنصر ، فإن الغلبة كانت لهم ولمن بعدهم في العاقبة .  
  
وقال تعالى : '''(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)3 .''' قال الزمخشري في تفسيرها : إن الله تعالى يغلّبهم في الدارين جميعاً بالحجة والظفر على مخالفيهم وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحاناً من الله تعالى فالعاقبة لهم4 . وقال الآلوسي رحمه الله في تفسيرها : إننا ننصر رسلنا وأتباعهم في الحياة الدنيا بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة ، ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق للكفرة من صورة الغلبة امتحاناً إذ العبرة إنما هي بالعواقب وغالب الأمر5 .  
+
وقال تعالى : '''(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)3 .''' قال الزمخشري في تفسيرها : إن الله تعالى يغلّبهم في الدارين جميعاً بالحجة والظفر على مخالفيهم وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحاناً من الله تعالى فالعاقبة لهم4 .  
 +
 
 +
وقال الآلوسي رحمه الله في تفسيرها : إننا ننصر رسلنا وأتباعهم في الحياة الدنيا بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة ، ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق للكفرة من صورة الغلبة امتحاناً إذ العبرة إنما هي بالعواقب وغالب الأمر5 .  
  
 
'''55 ـ عوامل نصر المؤمنين ومعوقاته :'''  
 
'''55 ـ عوامل نصر المؤمنين ومعوقاته :'''  
سطر ٣٨٥: سطر ٤٦٩:
 
'''56 ـ أولاً : الإيمان :'''  
 
'''56 ـ أولاً : الإيمان :'''  
  
من عوامل النصر التي مضت بها سنة الله في النصر وأخبرنا بها الله جلّ جلاله الإيمان . قال تعالى وهو أصدق القائلين : (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)6 ، قال صاحب تفسير المنار في هذه الآية : وهي نصٌّ في تعليل النصر بالإيمان7 ، وقال الآلوسي : وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا وأنه عام لجميع المؤمنين فيشمل من بعد الرسل من الأمة8 .  
+
من عوامل النصر التي مضت بها سنة الله في النصر وأخبرنا بها الله جلّ جلاله الإيمان .  
 +
 
 +
قال تعالى وهو أصدق القائلين : (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)6 ، قال صاحب تفسير المنار في هذه الآية : وهي نصٌّ في تعليل النصر بالإيمان7 ، وقال الآلوسي : وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا وأنه عام لجميع المؤمنين فيشمل من بعد الرسل من الأمة8 .  
 
    
 
    
 
وقال تعالى : '''(إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)9 ، أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت10.'''
 
وقال تعالى : '''(إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)9 ، أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت10.'''
ومن الواضح أن هذه (المعية الإلهية) للمؤمنين هي معية خاصة بهم ولهم بسبب إيمانهم ، فهي تتناسب مع مقدار إيمانهم وعمقه ومدى انصباغهم وتأثرهم به . ولا شك أن الصحابة الكرام المخاطبين بهذه الآية بوصف (المؤمنين) وأن (الله معهم) كان لهم النصيب الأكبر من هذه المعية الخاصة لأهل الإيمان لما عرفوا به من عمق الإيمان وسعته وانصباغهم وتأثرهم به ، ولذلك تحقق لهم النصر على قلة عددهم وكثرة عدد أعدائهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته . (فمعية الله) للمؤمنين بالعون والتأييد ثم بالنصر تتناسب طردياً مع كمية الإيمان وعمقه في نفوس المؤمين .
+
 
 +
ومن الواضح أن هذه (المعية الإلهية) للمؤمنين هي معية خاصة بهم ولهم بسبب إيمانهم ، فهي تتناسب مع مقدار إيمانهم وعمقه ومدى انصباغهم وتأثرهم به .  
 +
 
 +
ولا شك أن الصحابة الكرام المخاطبين بهذه الآية بوصف (المؤمنين) وأن (الله معهم) كان لهم النصيب الأكبر من هذه المعية الخاصة لأهل الإيمان لما عرفوا به من عمق الإيمان وسعته وانصباغهم وتأثرهم به ، ولذلك تحقق لهم النصر على قلة عددهم وكثرة عدد أعدائهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته . (فمعية الله) للمؤمنين بالعون والتأييد ثم بالنصر تتناسب طردياً مع كمية الإيمان وعمقه في نفوس المؤمين .
  
 
'''57 ـ واقع المسلمين لا ينقض سنّة الله في نصر المؤمنين :'''  
 
'''57 ـ واقع المسلمين لا ينقض سنّة الله في نصر المؤمنين :'''  
  
إنّ سنّة الله في نصر المؤمنين المقررة بإخبار الله وإعلامنا بها في القرآن الكريم هي سنة مؤكدة يقيناً لا يخامرنا فيها ذرة من الشك ، ولا تنتقض أو تتزعزع بما يُرى من واقع المسلمين في كونهم مغلوبين لا غالبين ومقهورين من قبل أعدائهم غير منصورين عليهم، لأن هذه السنّة هي في (نصر المؤمنين) والمؤمنون هم من يكونون مؤمنين بأوصاف ومقاييس ومعاني الإيمان التي بيّنها الله تعالى في كتابه العزيز وبيّنها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته النبوية الكريمة المطهرة ، لا أن يكونوا مؤمنين بمقاييسهم وتخيلاتهم وأمانيهم ، فعدم انتصارهم على أهل الباطل يعني أن الإيمان المطلوب منهم وما يستلزمه هذا الإيمان ويقتضيه من صفات وأفعال غير متحقق فيهم ، وبالتالي لا يستحقون نصر الله الموعود به للمؤمنين . فعليهم أن يراجعوا أنفسهم ويعرضوها ويعرضوا أحوالهم وأفعالهم وما هم عليه على معاني الإيمان ومقتضياته ويزنوها بميزانه ليعرفوا الخلل الذي هم فيه ، والنقص الموجود فيهم فيقوموا بالتصحيح والتقويم وتدارك ما فاتهم وتحقيق معاني الإيمان في نفوسهم وثمرات هذا الإيمان في خارج نفوسهم حتى يدخلوا في مضمون سنّة الله تعالى في نصر المؤمنين وفي متعلق إخباره تعالى: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) .   
+
إنّ سنّة الله في نصر المؤمنين المقررة بإخبار الله وإعلامنا بها في القرآن الكريم هي سنة مؤكدة يقيناً لا يخامرنا فيها ذرة من الشك ، ولا تنتقض أو تتزعزع بما يُرى من واقع المسلمين في كونهم مغلوبين لا غالبين ومقهورين من قبل أعدائهم غير منصورين عليهم، لأن هذه السنّة هي في (نصر المؤمنين) والمؤمنون هم من يكونون مؤمنين بأوصاف ومقاييس ومعاني الإيمان التي بيّنها الله تعالى في كتابه العزيز وبيّنها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته النبوية الكريمة المطهرة ، لا أن يكونوا مؤمنين بمقاييسهم وتخيلاتهم وأمانيهم ، فعدم انتصارهم على أهل الباطل يعني أن الإيمان المطلوب منهم وما يستلزمه هذا الإيمان ويقتضيه من صفات وأفعال غير متحقق فيهم ، وبالتالي لا يستحقون نصر الله الموعود به للمؤمنين .  
 +
 
 +
فعليهم أن يراجعوا أنفسهم ويعرضوها ويعرضوا أحوالهم وأفعالهم وما هم عليه على معاني الإيمان ومقتضياته ويزنوها بميزانه ليعرفوا الخلل الذي هم فيه ، والنقص الموجود فيهم فيقوموا بالتصحيح والتقويم وتدارك ما فاتهم وتحقيق معاني الإيمان في نفوسهم وثمرات هذا الإيمان في خارج نفوسهم حتى يدخلوا في مضمون سنّة الله تعالى في نصر المؤمنين وفي متعلق إخباره تعالى: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) .   
  
 
'''58 ـ الإيمان وعوامل النصر المادية :'''  
 
'''58 ـ الإيمان وعوامل النصر المادية :'''  
سطر ٣٩٨: سطر ٤٨٩:
 
وليكن معلوماً أن الإيمان وحده لا يغني عن عوامل النصر المادية مثل عدد القتال وعدد المقاتلين وغيرهما من وسائل القتال ومستلزماته وكذلك وسائل النصر المادية في غير ساحة القتال أي في سوح [[الجهاد]]  الأخرى ومدافعة الباطل في هذه السوح .  
 
وليكن معلوماً أن الإيمان وحده لا يغني عن عوامل النصر المادية مثل عدد القتال وعدد المقاتلين وغيرهما من وسائل القتال ومستلزماته وكذلك وسائل النصر المادية في غير ساحة القتال أي في سوح [[الجهاد]]  الأخرى ومدافعة الباطل في هذه السوح .  
  
ولهذا أمرنا الله تعالى بإعداد القوة المادية ، قال تعالى : '''(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ...)''' ؛ لأن [[الإسلام]]  دين واقعي لا يغفل عما في العوامل المادية من قوة وهو يقرر ما للإيمان من قوة ومن سببية في النصر . ولكن هذه القوة للإيمان أو هذه السببية فيه للنصر لها حد محدود بيّنه الله تعالى حتى لا نغالي في الأمور ، وحتى نعطي لكل شيء حقّه من التقييم والتقدير من دون مغالاة فلا نقع في الوهم والخطأ في الحساب والتقدير فنخسر ولا ننتصر على عدونا .  
+
ولهذا أمرنا الله تعالى بإعداد القوة المادية ، قال تعالى : '''(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ...)''' ؛ لأن [[الإسلام]]  دين واقعي لا يغفل عما في العوامل المادية من قوة وهو يقرر ما للإيمان من قوة ومن سببية في النصر .  
 +
 
 +
ولكن هذه القوة للإيمان أو هذه السببية فيه للنصر لها حد محدود بيّنه الله تعالى حتى لا نغالي في الأمور ، وحتى نعطي لكل شيء حقّه من التقييم والتقدير من دون مغالاة فلا نقع في الوهم والخطأ في الحساب والتقدير فنخسر ولا ننتصر على عدونا .  
  
 
ويدل على ما قلته قوله تعالى : '''(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مّاِئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ {65} الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)1 .'''
 
ويدل على ما قلته قوله تعالى : '''(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مّاِئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ {65} الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)1 .'''
سطر ٤٠٨: سطر ٥٠١:
 
'''59 ـ للقوة المادية تأثيرها في النفوس :'''  
 
'''59 ـ للقوة المادية تأثيرها في النفوس :'''  
  
وليكن معلوماً أن للقوة المادية ـ ومنها كثرة أهل الحق أو أهل الباطل ـ تأثيراً في النفوس ، نفوس المؤمنين والكافرين على حد سواء ، ومن هذا التأثير الإحساس بزيادة القوة لدى الفريق الذي يرى أنه أكثر قوة مادية من الفريق الآخر فيتصرف ضد خصمه في ضوء هذا الإحساس والشعور ، كأن يرى المؤمنون الكافرين أقل عدداً منهم مما يجرِّئهم على قتال الكفار والهجوم عليهم ، بعزم وثبات وصبر وثقة بالنصر ، ومثل كثرة المقاتلين وقتلهم فيما يورثانه من إحساس بزيادة أو قلة بالقوة ، سائر القوى المادية الأخرى كنوع السلاح وكثرته . وهذه الحقيقة التي ذكرتها تدعو المؤمنين أفراداً وأمماً وجماعات لا سيما الجماعة المسلمة ، أن يكونوا أقوى من أعدائهم في القوى المادية في هذا العصر الذي تنوعت فيه القوى المادية ولم تعد محصورة في نوع واحد منها .  
+
وليكن معلوماً أن للقوة المادية ـ ومنها كثرة أهل الحق أو أهل الباطل ـ تأثيراً في النفوس ، نفوس المؤمنين والكافرين على حد سواء ، ومن هذا التأثير الإحساس بزيادة القوة لدى الفريق الذي يرى أنه أكثر قوة مادية من الفريق الآخر فيتصرف ضد خصمه في ضوء هذا الإحساس والشعور ، كأن يرى المؤمنون الكافرين أقل عدداً منهم مما يجرِّئهم على قتال الكفار والهجوم عليهم ، بعزم وثبات وصبر وثقة بالنصر ، ومثل كثرة المقاتلين وقتلهم فيما يورثانه من إحساس بزيادة أو قلة بالقوة ، سائر القوى المادية الأخرى كنوع السلاح وكثرته .  
 +
 
 +
وهذه الحقيقة التي ذكرتها تدعو المؤمنين أفراداً وأمماً وجماعات لا سيما الجماعة المسلمة ، أن يكونوا أقوى من أعدائهم في القوى المادية في هذا العصر الذي تنوعت فيه القوى المادية ولم تعد محصورة في نوع واحد منها .  
  
 
وقد دلّ على تأثير القوة المادية في نفوس المقاتلين المؤمنين والكافرين قوله تعالى : '''(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَـكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {43} وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ)1 .'''  
 
وقد دلّ على تأثير القوة المادية في نفوس المقاتلين المؤمنين والكافرين قوله تعالى : '''(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَـكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {43} وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ)1 .'''  
  
وجاء في تفسير هاتين الآيتين أن الله تعالى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه عدد الكفار قليلاً قبيل بدء القتال في معركة بدر ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه فكان ذلك الإخبار تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم . وبيّن الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم أنه (َلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً) أي لو أراك عدد الكفار كثيراً (لَّفَشِلْتُمْ) أي لأصاب المؤمنين جبن ووهن وهيبة من الإقدام والهجوم على الكفار (وَلَتَنَازَعْتُمْ) أي ولحصل نزاع واختلاف بين المؤمنين وتفرق كلمتهم فيما يصنعونه من مقاتلتهم  أو الانصراف عنهم وعدم مقاتلتهم . ثم بيّن الله تعالى أنه أرى المؤمنين عند لقائهم بالعدو أراهم إياهم قليلاً تصديقاً لرؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم وليعاينوا ما أخبرهم به فبزداد يقينهم ويجدّوا ويثبتوا في قتالهم '''(وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ)''' أي يقلل المؤمنين في أعين الكفار مما يجرئهم على الاندفاع في مقاتلة المؤمنين مع قلّة مبالاة بهم فتفجؤهم كثرة المؤمنين التي لم يتوقعوها ولم يروها بأعينهم فيقع القتل فيهم وينتصر المؤمنون عليهم2 .  
+
وجاء في تفسير هاتين الآيتين أن الله تعالى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه عدد الكفار قليلاً قبيل بدء القتال في معركة بدر ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه فكان ذلك الإخبار تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم .  
  
ووجه الدلالة بهاتين الآيتين وما جاء في تفسيرهما أن القوة المادية ـ وهي هنا كثرة عدة المقاتلين أو قلتهم ـ لها تأثيرها في النفوس من جهة الاندفاع في القتال والشجاعة فيه وفي نتيجته من نصر أو خذلان . لأنه إذا رأى هذا الفريق قلّة عدد خصمه فهذا يجرئه على الاندفاع إلى قتاله ويزيد في ثباته ويزداد أمله في التغلب عليه . بخلالف ما إذا رأى كثرة عدد خصمه فهذا قد يحمله على التردد في قتاله والصمود فيه إذا باشره . ومثل القوة بعدد المقاتلين من حيث كثرتهم وقلتهم وتأثير ذلك على النحو الذي بيّناه ، القوة بالسلاح ونوعيته وكثرته وقلته ، والقوة بسائر مستلزمات القتال والتدافع بين أهل الحق وأهل الباطل في ساحة القتال وفي غيرها من سوح [[الجهاد]]  .  
+
وبيّن الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم أنه (َلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً) أي لو أراك عدد الكفار كثيراً (لَّفَشِلْتُمْ) أي لأصاب المؤمنين جبن ووهن وهيبة من الإقدام والهجوم على الكفار (وَلَتَنَازَعْتُمْ) أي ولحصل نزاع واختلاف بين المؤمنين وتفرق كلمتهم فيما يصنعونه من مقاتلتهم  أو الانصراف عنهم وعدم مقاتلتهم .
 +
 
 +
ثم بيّن الله تعالى أنه أرى المؤمنين عند لقائهم بالعدو أراهم إياهم قليلاً تصديقاً لرؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم وليعاينوا ما أخبرهم به فبزداد يقينهم ويجدّوا ويثبتوا في قتالهم '''(وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ)''' أي يقلل المؤمنين في أعين الكفار مما يجرئهم على الاندفاع في مقاتلة المؤمنين مع قلّة مبالاة بهم فتفجؤهم كثرة المؤمنين التي لم يتوقعوها ولم يروها بأعينهم فيقع القتل فيهم وينتصر المؤمنون عليهم2 .
 +
 
 +
ووجه الدلالة بهاتين الآيتين وما جاء في تفسيرهما أن القوة المادية ـ وهي هنا كثرة عدة المقاتلين أو قلتهم ـ لها تأثيرها في النفوس من جهة الاندفاع في القتال والشجاعة فيه وفي نتيجته من نصر أو خذلان . لأنه إذا رأى هذا الفريق قلّة عدد خصمه فهذا يجرئه على الاندفاع إلى قتاله ويزيد في ثباته ويزداد أمله في التغلب عليه .  
 +
 
 +
بخلالف ما إذا رأى كثرة عدد خصمه فهذا قد يحمله على التردد في قتاله والصمود فيه إذا باشره . ومثل القوة بعدد المقاتلين من حيث كثرتهم وقلتهم وتأثير ذلك على النحو الذي بيّناه ، القوة بالسلاح ونوعيته وكثرته وقلته ، والقوة بسائر مستلزمات القتال والتدافع بين أهل الحق وأهل الباطل في ساحة القتال وفي غيرها من سوح [[الجهاد]]  .  
  
 
'''60 ـ ثانياً : من عوامل النصر تقوى الله :'''  
 
'''60 ـ ثانياً : من عوامل النصر تقوى الله :'''  
سطر ٤٢٠: سطر ٥٢١:
 
قال تعالى : '''(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ {124} بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ)3 .'''
 
قال تعالى : '''(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ {124} بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ)3 .'''
 
   
 
   
وجاء في تفسيرهما : والظاهر في المدد أن الملائكة يشركون الجيش في القتال إن وقعت الحاجة إليهم ، ويجوز أن لا تقع الحاجة إليهم في نفس القتال ، وأن يكون مجرد حضورهم كافياً في تقوّي القلب . وجعل مجيء خمسة آلاف من الملائكة مشروطاً بثلاثة أشياء : الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور4 .  
+
وجاء في تفسيرهما : والظاهر في المدد أن الملائكة يشركون الجيش في القتال إن وقعت الحاجة إليهم ، ويجوز أن لا تقع الحاجة إليهم في نفس القتال ، وأن يكون مجرد حضورهم كافياً في تقوّي القلب .  
 +
 
 +
وجعل مجيء خمسة آلاف من الملائكة مشروطاً بثلاثة أشياء : الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور4 .
 +
 
فمدد الملائكة للمؤمنين كان بسبب تقواهم ؛ لان صبرهم من جملة تقواهم ؛ لأن التقوى كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : ((التقوى تجمع فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه))5 ، والصبر من جملة ما أمر الله به . ثم إن مدد الملائكة للمؤمنين لتحقيق نصرهم على الكفار ، فكانت التقوى ـ تقوى الله ـ من العوامل المؤكدة لنصر المؤمنين حسب سنّة الله تعالى .  
 
فمدد الملائكة للمؤمنين كان بسبب تقواهم ؛ لان صبرهم من جملة تقواهم ؛ لأن التقوى كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : ((التقوى تجمع فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه))5 ، والصبر من جملة ما أمر الله به . ثم إن مدد الملائكة للمؤمنين لتحقيق نصرهم على الكفار ، فكانت التقوى ـ تقوى الله ـ من العوامل المؤكدة لنصر المؤمنين حسب سنّة الله تعالى .  
  
 
'''61 ـ وصية عمر لجنده بتقوى الله :'''  
 
'''61 ـ وصية عمر لجنده بتقوى الله :'''  
  
وفي وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص وجنده في حرب العراق ، جاء في هذه الوصية : فإني آمرك ومن معك من أجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب . وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم . وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدّتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، والاّ نُنصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا . واعلموا أنه عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شرٌّ منا فلن يُسلَّط علينا وإن أسأنا ، فرب قوم قد سُلِّط عليهم شرٌّ منهم كما سُلِّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله ، كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعد الله مفعولاً . واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم . أسأل الله ذلك لنا ولكم6 .  
+
وفي وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص وجنده في حرب العراق ، جاء في هذه الوصية : فإني آمرك ومن معك من أجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب .  
 +
 
 +
وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم .  
 +
 
 +
وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدّتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، والاّ نُنصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا .  
 +
 
 +
واعلموا أنه عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شرٌّ منا فلن يُسلَّط علينا وإن أسأنا ، فرب قوم قد سُلِّط عليهم شرٌّ منهم كما سُلِّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله ، كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعد الله مفعولاً . واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم . أسأل الله ذلك لنا ولكم6 .  
 
   
 
   
 
'''62 ـ ثالثاً : من عوامل النصر نصرة الدين :'''  
 
'''62 ـ ثالثاً : من عوامل النصر نصرة الدين :'''  
سطر ٤٣٦: سطر ٥٤٦:
 
وقال الإمام الرازي في تفسيره : وفي نصر الله تعالى وجوه (الأول) إن تنصروا دين الله وطريقه . (والثاني) إن تنصروا حزب الله وفريقه3 .
 
وقال الإمام الرازي في تفسيره : وفي نصر الله تعالى وجوه (الأول) إن تنصروا دين الله وطريقه . (والثاني) إن تنصروا حزب الله وفريقه3 .
 
   
 
   
ونصرة دين الله تتحقق بأن يسلّم المسلم نفسه بالكلية لله رب العالمين ، فلا يبقى فيه شيء خارج عن الاستسلام المطلق والانقياد التام لله رب العالمين . ويظهر هذا الخضوع والاستسلام بالاستسلام الكامل لشرع الله تعالى ، وهذا في نفسه وما ينطوي عليه قلبه وتقوم به جوارحه ثم تظهر النصرة لدين الله بجهاد المسلم الدائم لإقامة شرع الله في الأرض بحيث يكون هذا الشرع هو المهيمن والحاكم لجميع العلاقات بين الناس فلا يتحاكمون إلا إليه ولا يقبلون إلا إيّاه .  
+
ونصرة دين الله تتحقق بأن يسلّم المسلم نفسه بالكلية لله رب العالمين ، فلا يبقى فيه شيء خارج عن الاستسلام المطلق والانقياد التام لله رب العالمين .  
 +
 
 +
ويظهر هذا الخضوع والاستسلام بالاستسلام الكامل لشرع الله تعالى ، وهذا في نفسه وما ينطوي عليه قلبه وتقوم به جوارحه ثم تظهر النصرة لدين الله بجهاد المسلم الدائم لإقامة شرع الله في الأرض بحيث يكون هذا الشرع هو المهيمن والحاكم لجميع العلاقات بين الناس فلا يتحاكمون إلا إليه ولا يقبلون إلا إيّاه .
 +
 
 +
ومسألة أخرى مهمة جداً فيما تتحقق به النصرة لله تعالى وهي التي أشار إليها الرازي في أحد وجوه نصرة الله حيث قال رحمه الله : ( إن تنصروا حزب الله وطريقه ) ، ومن المعلوم أن حزب الله هو الذي يقوم بنصرة الله أي بنصرة دينه أي بإقامة شرع الله في الأرض .
 +
 
 +
ولا شك أن بانضمام جهود المؤمنين بعضهم إلى بعض لإقامة شرع الله وبالتناصر فيما بينهم على هذا المقصد الشريف تتحقق منهم النصرة لدين الله بشكل أسرع وأكمل مما لو قاموا بالنصرة لدين الله وهم فرادى متفرقون ، وبهذا يتحقق منهم ما شرطه الله عليهم لينالوا ما وعدهم الله به من نصرة .
 +
 
 +
وعلى هذا فبمقدار ما يقوم به المؤمنون من نصرة لدين الله وجهاد في سبيله وإعداد لوسائل [[الجهاد]]  ونصرة الدين يتحقق لهم النصر حسب سنة الله التي وضعها لنصر المؤمنين .  
  
ومسألة أخرى مهمة جداً فيما تتحقق به النصرة لله تعالى وهي التي أشار إليها الرازي في أحد وجوه نصرة الله حيث قال رحمه الله : ( إن تنصروا حزب الله وطريقه ) ، ومن المعلوم أن حزب الله هو الذي يقوم بنصرة الله أي بنصرة دينه أي بإقامة شرع الله في الأرض . ولا شك أن بانضمام جهود المؤمنين بعضهم إلى بعض لإقامة شرع الله وبالتناصر فيما بينهم على هذا المقصد الشريف تتحقق منهم النصرة لدين الله بشكل أسرع وأكمل مما لو قاموا بالنصرة لدين الله وهم فرادى متفرقون ، وبهذا يتحقق منهم ما شرطه الله عليهم لينالوا ما وعدهم الله به من نصرة . وعلى هذا فبمقدار ما يقوم به المؤمنون من نصرة لدين الله وجهاد في سبيله وإعداد لوسائل [[الجهاد]]  ونصرة الدين يتحقق لهم النصر حسب سنة الله التي وضعها لنصر المؤمنين .  
+
وآية أخرى في نصرة الدين كعامل من عوامل سنة الله في نصر المؤمنين هي قوله تعالى : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)4 . قال الإمام الرازي في هذه الآية : وعد الله بالنصر لمن هذه حاله5 .  
  
وآية أخرى في نصرة الدين كعامل من عوامل سنة الله في نصر المؤمنين هي قوله تعالى : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)4 . قال الإمام الرازي في هذه الآية : وعد الله بالنصر لمن هذه حاله5 . وقال الزمخشري فيها : لينصرنَّ الله من ينصر دينه وأولياءه6 . وقد بيّنا كيفية قيام المسلم بنصرة الله وذلك بأن يبذل جهده في إقامة دين الله في الأرض فيكون هو الحاكم على جميع تصرفات وأفعال وعلاقات البشر .  
+
وقال الزمخشري فيها : لينصرنَّ الله من ينصر دينه وأولياءه6 . وقد بيّنا كيفية قيام المسلم بنصرة الله وذلك بأن يبذل جهده في إقامة دين الله في الأرض فيكون هو الحاكم على جميع تصرفات وأفعال وعلاقات البشر .  
  
 
63''' ـ التنظيم الجماعي لنصرة دين الله :'''  
 
63''' ـ التنظيم الجماعي لنصرة دين الله :'''  
سطر ٤٤٨: سطر ٥٦٦:
 
فهل يعني هذا أن نصرة دين الله يجب أن تكون بطريق جماعي أي بقيام تنظيم جماعي للقيام بمتطلبات النصرة لدين الله حتى يتحقق شرط نصر الله للمؤمنين؟  
 
فهل يعني هذا أن نصرة دين الله يجب أن تكون بطريق جماعي أي بقيام تنظيم جماعي للقيام بمتطلبات النصرة لدين الله حتى يتحقق شرط نصر الله للمؤمنين؟  
  
والجواب : إن المطلوب من كل مسلم أن يعمل لنصرة دين الله بأن يسعى لإقامة شرع الله فينصره الله بقدر سعيه وجهده . ولكن مما لا شك فيه أن العمل الجماعي لنصرة [[الإسلام]]  هو الذي أرشد إليه [[الإسلام]]  وأشار إليه القرآن الكريم ، قال تعالى :'''(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)7''' والأمة في أحد الوجهين بعض الأمة وليس كلها8 .   
+
والجواب : إن المطلوب من كل مسلم أن يعمل لنصرة دين الله بأن يسعى لإقامة شرع الله فينصره الله بقدر سعيه وجهده .  
 +
 
 +
ولكن مما لا شك فيه أن العمل الجماعي لنصرة [[الإسلام]]  هو الذي أرشد إليه [[الإسلام]]  وأشار إليه القرآن الكريم ، قال تعالى :'''(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)7''' والأمة في أحد الوجهين بعض الأمة وليس كلها8 .   
 
   
 
   
ومعنى ذلك أن المراد ب(الأمة) في الآية جماعة من المسلمين تقوم بالدعوة إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أي تقوم بنصرة الدين . والجماعة تنظيم جماعي ، فهي إذن تقوم بنصرة الدين بشكل جماعي منظم ، وعملها هذا بهذا الشكل أجدى وأنفع من عمل المسلمين فرادى ومتفرقين . وهذا يعني أن ضم جهود الأفراد بعضهم إلى بعض والعمل سوية بتنظيم جماعي يحقق من النتائج ما لا يحققه العمل الفردي ، ومعنى ذلك أن العمل الجماعي المنظم مما يحبه الله ويطلبه [[الإسلام]]  قطعاً للأمر بتكوّن (أمّة) تقوم بنصرة الدين . وأيضاً فإن الله تعالى يأمر بالتعاون ، قال تعالى : (وتعاونوا على البرّ والتقوى .. )9 .  
+
ومعنى ذلك أن المراد ب(الأمة) في الآية جماعة من المسلمين تقوم بالدعوة إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أي تقوم بنصرة الدين .  
 +
 
 +
والجماعة تنظيم جماعي ، فهي إذن تقوم بنصرة الدين بشكل جماعي منظم ، وعملها هذا بهذا الشكل أجدى وأنفع من عمل المسلمين فرادى ومتفرقين . وهذا يعني أن ضم جهود الأفراد بعضهم إلى بعض والعمل سوية بتنظيم جماعي يحقق من النتائج ما لا يحققه العمل الفردي ، ومعنى ذلك أن العمل الجماعي المنظم مما يحبه الله ويطلبه [[الإسلام]]  قطعاً للأمر بتكوّن (أمّة) تقوم بنصرة الدين . وأيضاً فإن الله تعالى يأمر بالتعاون ، قال تعالى : (وتعاونوا على البرّ والتقوى .. )9 .  
  
 
والتعاون يقتضي ضم جهود المتعاونين بعضها إلى بعض ، وهذا يعني قيام (تنظيم جماعي) أي جماعة إسلامية لتحقيق البرّ المطلوب ومن أعظم البرّ نصرة الدين .  
 
والتعاون يقتضي ضم جهود المتعاونين بعضها إلى بعض ، وهذا يعني قيام (تنظيم جماعي) أي جماعة إسلامية لتحقيق البرّ المطلوب ومن أعظم البرّ نصرة الدين .  
سطر ٤٦٤: سطر ٥٨٦:
 
[[الجهاد]]  بالمال والنفس من فرائض [[الإسلام]]  ، ولكنه فريضة منسية من قبل أكثر المسلمين إن لم نقل عامتهم ، مع أن [[الجهاد]]  هو طريق النصر ووسيلة العز وإظهار دين الله ومحق الباطل وأهله ونوال رضوان الله .. وإن تركه يفضي إلى غلبة الباطل وأهله وإذلال المؤمنين وذهاب قوتهم وزوال دولتهم .  
 
[[الجهاد]]  بالمال والنفس من فرائض [[الإسلام]]  ، ولكنه فريضة منسية من قبل أكثر المسلمين إن لم نقل عامتهم ، مع أن [[الجهاد]]  هو طريق النصر ووسيلة العز وإظهار دين الله ومحق الباطل وأهله ونوال رضوان الله .. وإن تركه يفضي إلى غلبة الباطل وأهله وإذلال المؤمنين وذهاب قوتهم وزوال دولتهم .  
  
قال تعالى : '''(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)1 .''' أي هو كرهٌ لكم في الطباع (وعسى) من الله تعالى إيجاب . والمعنى : وعسى أن تكرهوا ما في [[الجهاد]]  من المشقة وهو خيرٌ لكم في أنكم تغلبون عدوكم وتظفرون به وتغنمون أمواله وتؤجرون وتثابون على جهادكم (وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ) أي عسى أن تحبوا الدّعة والراحة وترك القتال وهو شرٌ لكم في أنكم تُغلبون وتُذلون وتذهب قوتكم . قال الإمام القرطبي : وهذا صحيح لا غبار عليه كما اتفق في بلاد الأندلس تركوا [[الجهاد]]  وجبنوا عند القتال وأكثروا من الفرار فاستولى العدو على البلاد وأسر وقتل وسبى واسترق فإن لله وإنا إليه راجعون ، ذلك بما قدمت أيديهم وكسبته2 .  
+
قال تعالى : '''(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)1 .''' أي هو كرهٌ لكم في الطباع (وعسى) من الله تعالى إيجاب . والمعنى : وعسى أن تكرهوا ما في [[الجهاد]]  من المشقة وهو خيرٌ لكم في أنكم تغلبون عدوكم وتظفرون به وتغنمون أمواله وتؤجرون وتثابون على جهادكم (وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ) أي عسى أن تحبوا الدّعة والراحة وترك القتال وهو شرٌ لكم في أنكم تُغلبون وتُذلون وتذهب قوتكم .  
 +
 
 +
قال الإمام القرطبي : وهذا صحيح لا غبار عليه كما اتفق في بلاد الأندلس تركوا [[الجهاد]]  وجبنوا عند القتال وأكثروا من الفرار فاستولى العدو على البلاد وأسر وقتل وسبى واسترق فإن لله وإنا إليه راجعون ، ذلك بما قدمت أيديهم وكسبته2 .  
  
 
'''65 ـ ترك [[الجهاد]]  مدعاة إلى العذاب :'''  
 
'''65 ـ ترك [[الجهاد]]  مدعاة إلى العذاب :'''  
سطر ٤٧٠: سطر ٥٩٤:
 
ذكرنا في الفقرة السابقة ما في ترك [[الجهاد]]  من ذل للمؤمنين ، ونزيد على ذلك ما جاء في الآية الكريمة : '''(إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)3 .'''  
 
ذكرنا في الفقرة السابقة ما في ترك [[الجهاد]]  من ذل للمؤمنين ، ونزيد على ذلك ما جاء في الآية الكريمة : '''(إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)3 .'''  
  
قال الإمام ابن العربي المالكي في هذه الآية : وجب بمقتضى هذه الآية النفير [[للجهاد]] والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا . والعذاب الأليم هو الذي في الدنيا باستيلاء العدو على من لم يستولِ عليه وبالنار في الآخرة . وزيادة على ذلك باستبدال غيركم4 .  
+
قال الإمام ابن العربي المالكي في هذه الآية : وجب بمقتضى هذه الآية النفير [[للجهاد]] والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا .  
 +
 
 +
والعذاب الأليم هو الذي في الدنيا باستيلاء العدو على من لم يستولِ عليه وبالنار في الآخرة .  
 +
 
 +
وزيادة على ذلك باستبدال غيركم4 .  
 +
 
 
وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى : والعذاب الذي يهددهم ليس عذاب الآخرة وحده فهو كذلك عذاب الدنيا : عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن [[الجهاد]]  ، والغلبة عليهم للأعداء والحرمان من الخيرات واستغلالها للعادين ، وما من أمة تركت [[الجهاد]]  إلا ضرب الله عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء5 .  
 
وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى : والعذاب الذي يهددهم ليس عذاب الآخرة وحده فهو كذلك عذاب الدنيا : عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن [[الجهاد]]  ، والغلبة عليهم للأعداء والحرمان من الخيرات واستغلالها للعادين ، وما من أمة تركت [[الجهاد]]  إلا ضرب الله عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء5 .  
  
 
'''66 ـ ما يقال للقاعد أو للمتكاسل عن [[الجهاد]]  :'''  
 
'''66 ـ ما يقال للقاعد أو للمتكاسل عن [[الجهاد]]  :'''  
  
أ ـ يقال لمن قعد أو تكاسل عن [[الجهاد]]  ويُذكَّر به قوله تعالى : '''(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)'''6 . فمن لم يستجب لدعوة [[الجهاد]]  في سبيل الله ، أو استجاب متثاقلاً متباطئاً ، فيقال له على وجه التذكير : '''(أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ)''' ، أي أرضيتم براحة الدنيا ولذتها الناقصة الفانية بدلاً من سعادة الآخرة الكاملة الباقية التي تنالونها ب[[الجهاد]]  (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم نعيم الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة في قلته في نفسه وزمنه بمن وضع إصبعه في اليم ثم أخرجها منه ، وقال صلى الله عليه وسلم : فانظروا بم ترجع1 .  
+
أ ـ يقال لمن قعد أو تكاسل عن [[الجهاد]]  ويُذكَّر به قوله تعالى : '''(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)'''6 .  
 +
 
 +
فمن لم يستجب لدعوة [[الجهاد]]  في سبيل الله ، أو استجاب متثاقلاً متباطئاً ، فيقال له على وجه التذكير : '''(أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ)''' ، أي أرضيتم براحة الدنيا ولذتها الناقصة الفانية بدلاً من سعادة الآخرة الكاملة الباقية التي تنالونها ب[[الجهاد]]  (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم نعيم الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة في قلته في نفسه وزمنه بمن وضع إصبعه في اليم ثم أخرجها منه ، وقال صلى الله عليه وسلم : فانظروا بم ترجع1 .  
 
   
 
   
 
ب ـ ويقال أيضاً للمتكاسل أو القاعد عن [[الجهاد]]  ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق [[الجهاد]]  والمجاهدين وما قاله أهل العلم في [[الجهاد]]  مما فهموه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلاّ الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة ) . وفي رواية لما يرى من فضل الشهادة . رواه البخاري .  
 
ب ـ ويقال أيضاً للمتكاسل أو القاعد عن [[الجهاد]]  ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق [[الجهاد]]  والمجاهدين وما قاله أهل العلم في [[الجهاد]]  مما فهموه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلاّ الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة ) . وفي رواية لما يرى من فضل الشهادة . رواه البخاري .  
  
وقال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث : هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة وليس في أعمال البرّ ما تبذل فيه النفس غير [[الجهاد]]  فلذلك عظم فيه الثواب2 . وقال الإمام أحمد بن حنبل : لا أعلم شيئاً من العمل بعد الفرائض أفضل من [[الجهاد]]  . فالذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن [[الإسلام]]  وعن حريمهم ، فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفون ، قد بذلوا مهج أنفسهم في سبيل الله3 . وقال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية في المرابطة في ثغور دار [[الإسلام]]  وحدودها وهي مداخل الأعداء ومواضع مهاجمتهم لدار [[الإسلام]]  ، قال رحمه الله تعالى : ( المرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس )4 .  
+
وقال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث : هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة وليس في أعمال البرّ ما تبذل فيه النفس غير [[الجهاد]]  فلذلك عظم فيه الثواب2 . وقال الإمام أحمد بن حنبل : لا أعلم شيئاً من العمل بعد الفرائض أفضل من [[الجهاد]]  .  
 +
 
 +
فالذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن [[الإسلام]]  وعن حريمهم ، فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفون ، قد بذلوا مهج أنفسهم في سبيل الله3 . وقال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية في المرابطة في ثغور دار [[الإسلام]]  وحدودها وهي مداخل الأعداء ومواضع مهاجمتهم لدار [[الإسلام]]  ، قال رحمه الله تعالى : ( المرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس )4 .  
  
 
'''67 ـ إعداد القوة [[للجهاد]] :'''  
 
'''67 ـ إعداد القوة [[للجهاد]] :'''  
سطر ٤٩١: سطر ٦٢٤:
 
جاء في الآية الكريمة : '''(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)''' فجاءت كلمة (قُوَّة) نكرة غير محددة بنوع من أنواع القوة ، وإنما ذكر نوعاً منها وهو (رِّبَاطِ الْخَيْلِ) تخصيصاً لها مما يتقوى به . ولا شك أن مما يشمله معنى القوة التي يمكن للمسلمين مدافعة العدو بها أنواع وسائل القتال وعدده في كل زمان ومكان ولكن هل القوة المراد والمطلوب من المسلمين إعدادها لمدافعة العدو والتغلب عليه وردّ شره ، هل هذه القوة المطلوبة مقصورة على عدد القتال والسلاح الذي يقاتل به العدو فعلاً ، وأن معنى القوة يكمن في سلاح القتال فقط؟ الذي يتبين لي من معاني القوة واستعمالها أنها تعني القدرة على تنفيذ إدارة صاحبها شاء الغير أم أبى هذا التنفيذ .
 
جاء في الآية الكريمة : '''(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)''' فجاءت كلمة (قُوَّة) نكرة غير محددة بنوع من أنواع القوة ، وإنما ذكر نوعاً منها وهو (رِّبَاطِ الْخَيْلِ) تخصيصاً لها مما يتقوى به . ولا شك أن مما يشمله معنى القوة التي يمكن للمسلمين مدافعة العدو بها أنواع وسائل القتال وعدده في كل زمان ومكان ولكن هل القوة المراد والمطلوب من المسلمين إعدادها لمدافعة العدو والتغلب عليه وردّ شره ، هل هذه القوة المطلوبة مقصورة على عدد القتال والسلاح الذي يقاتل به العدو فعلاً ، وأن معنى القوة يكمن في سلاح القتال فقط؟ الذي يتبين لي من معاني القوة واستعمالها أنها تعني القدرة على تنفيذ إدارة صاحبها شاء الغير أم أبى هذا التنفيذ .
 
   
 
   
ومتعلَّق الإرادة المراد تنفيذها قد يكون دفع الغير أو إبعاده أو إزالته أو التسلط عليه وحكمه أو إلزامه بدفع شيء ، وهذه القوة تتحقق بما تتحقق به معناها وهو القدرة على تنفيذ إرادة صاحبها ، فقد يكون تحقيقها بإعداد السلاح للجند ، وتدريبهم على فنون القتال وتربيتهم على معاني الإيمان التي تهيئهم للقتال في سبيل الله والرغبة في الشهادة في سبيله كما تحقق القوة بالقيادة الكفؤة ، ويتوفر ما يحتاجه الجند من طعام ولباس وحصون ونحو ذلك ، وبكون الدولة مكتفية ذاتياً من الناحية الإقتصادية والإنتاجية . وتتحقق القوة بالعلم والمعرفة الضرورية لتحقيقها وبإيجاد العلماء في جميع المجالات مثل مجالات الزراعة والصناعة بأنواعها . وكل الذي ذكرته يختلف باختلاف المكان والزمان إلا تربية النفوس على معاني الإيمان فهي الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان .  
+
ومتعلَّق الإرادة المراد تنفيذها قد يكون دفع الغير أو إبعاده أو إزالته أو التسلط عليه وحكمه أو إلزامه بدفع شيء ، وهذه القوة تتحقق بما تتحقق به معناها وهو القدرة على تنفيذ إرادة صاحبها ، فقد يكون تحقيقها بإعداد السلاح للجند ، وتدريبهم على فنون القتال وتربيتهم على معاني الإيمان التي تهيئهم للقتال في سبيل الله والرغبة في الشهادة في سبيله كما تحقق القوة بالقيادة الكفؤة ، ويتوفر ما يحتاجه الجند من طعام ولباس وحصون ونحو ذلك ، وبكون الدولة مكتفية ذاتياً من الناحية الإقتصادية والإنتاجية .  
 +
 
 +
وتتحقق القوة بالعلم والمعرفة الضرورية لتحقيقها وبإيجاد العلماء في جميع المجالات مثل مجالات الزراعة والصناعة بأنواعها . وكل الذي ذكرته يختلف باختلاف المكان والزمان إلا تربية النفوس على معاني الإيمان فهي الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان .  
  
 
'''69 ـ إعداد القوة من فروض [[الإسلام]]  :'''  
 
'''69 ـ إعداد القوة من فروض [[الإسلام]]  :'''  
  
وإعداد القوة للأمة [[الإسلام]]ية بالمعنى الذي بينته (للقوة) من فروض [[الإسلام]]  للأمر بها ، والأصل في الأمر أنه للوجوب إلا لقرينة صارفة له عن الوجوب ولا قرينة هنا فيبقى دالاً على الوجوب وهو قوله تعالى : '''(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ . . )''' . والأمة هي المخاطبة بهذا الأمر ـ إعداد القوة ـ والذي يمثلها ويقوم مقامها في تنفيذ  هذا الأمر نيابة عنها هو وكيلها : الخليفة . فالأمة ما انتخبته إلا ليقوم مقامها مستعملاً سلطتها لتنفيذ ما هي مخاطبة به من أحكام الشرع التي تخص الأمة بمجموعها ومنها : الأمر بإعداد القوة . فلا يجوز للخليفة أي لولي الأمر التقصير في هذا الواجب ، وإذا قصَّر فعلى الأمة بجميع أفرادها لاسيما أهل الحلّ والعقد فيها أن يطلبوا من الخليفة القيام بإعداد القوة اللازمة لدولة [[الإسلام]]  . وقد يكون من ضرورات إعداد القوة تعلم العلوم الدنيوية في المجالات المختلفة ، فيكون تعلم هذه العلوم من الواجبات الكفائية لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .  
+
وإعداد القوة للأمة [[الإسلام]]ية بالمعنى الذي بينته (للقوة) من فروض [[الإسلام]]  للأمر بها ، والأصل في الأمر أنه للوجوب إلا لقرينة صارفة له عن الوجوب ولا قرينة هنا فيبقى دالاً على الوجوب وهو قوله تعالى : '''(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ . . )''' .  
 +
 
 +
والأمة هي المخاطبة بهذا الأمر ـ إعداد القوة ـ والذي يمثلها ويقوم مقامها في تنفيذ  هذا الأمر نيابة عنها هو وكيلها : الخليفة . فالأمة ما انتخبته إلا ليقوم مقامها مستعملاً سلطتها لتنفيذ ما هي مخاطبة به من أحكام الشرع التي تخص الأمة بمجموعها ومنها : الأمر بإعداد القوة .  
 +
 
 +
فلا يجوز للخليفة أي لولي الأمر التقصير في هذا الواجب ، وإذا قصَّر فعلى الأمة بجميع أفرادها لاسيما أهل الحلّ والعقد فيها أن يطلبوا من الخليفة القيام بإعداد القوة اللازمة لدولة [[الإسلام]]  . وقد يكون من ضرورات إعداد القوة تعلم العلوم الدنيوية في المجالات المختلفة ، فيكون تعلم هذه العلوم من الواجبات الكفائية لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .  
  
 
'''70 ـ إعداد الجند المدرب من إعداد القوة :'''  
 
'''70 ـ إعداد الجند المدرب من إعداد القوة :'''  
سطر ٥٠٣: سطر ٦٤٢:
 
'''71 ـ يجب أن تكون قوة المسلمين مرهبة للعدو :'''  
 
'''71 ـ يجب أن تكون قوة المسلمين مرهبة للعدو :'''  
  
ويلاحظ في الآية الكريمة : (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ . .) إن الله تعالى أمرنا بإعداد القوة لنرهب بها عدو الله وعدونا ، ومعنى ذلك أن القوة التي تعدها يجب أن تكون مرهبة للعدو ، وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت أكبر وأقوى من قوته بحيث تجعله يخاف أن يتحرش بالمسلمين وبدولتهم ويرهب قوتهم وبالتالي ييأس من إمكان أن يحصل على شيء من المسلمين ودولتهم إذا هجم عليهم أو تعرض ببلادهم ، فينكف شره عن المسلمين . إن إعداد هذه القوة المرهبة للعدو ضروري ولا يجوز التكاسل عنه أو التفريط فيه ، إذ لا يكفي أن نقول إننا على الحق وإنهم على الباطل لننتصر عليهم فلا بد للحق من قوة تحميه وتخيف الباطل وأهله وتمنعهم من التحرش بدولة [[الإسلام]]  .  
+
ويلاحظ في الآية الكريمة : (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ . .) إن الله تعالى أمرنا بإعداد القوة لنرهب بها عدو الله وعدونا ، ومعنى ذلك أن القوة التي تعدها يجب أن تكون مرهبة للعدو ، وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت أكبر وأقوى من قوته بحيث تجعله يخاف أن يتحرش بالمسلمين وبدولتهم ويرهب قوتهم وبالتالي ييأس من إمكان أن يحصل على شيء من المسلمين ودولتهم إذا هجم عليهم أو تعرض ببلادهم ، فينكف شره عن المسلمين .  
 +
 
 +
إن إعداد هذه القوة المرهبة للعدو ضروري ولا يجوز التكاسل عنه أو التفريط فيه ، إذ لا يكفي أن نقول إننا على الحق وإنهم على الباطل لننتصر عليهم فلا بد للحق من قوة تحميه وتخيف الباطل وأهله وتمنعهم من التحرش بدولة [[الإسلام]]  .  
  
 
'''72 ـ خامساً : من عوامل النصر : الصبر والمصابرة والمرابطة :'''  
 
'''72 ـ خامساً : من عوامل النصر : الصبر والمصابرة والمرابطة :'''  
  
قال تعالى : '''(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(2''' . أي اصبروا على ما يلحقكم من الأذى في قتال العدو ومدافعته ، وصابروا الأعداء الذين يقاومونكم ليغلبوكم على أمركم ويخذلون الحق الذي في أيديكم ولا تكونوا أقل صبراً منهم . فالمصابرة تعني مقاومة العدو أو الخصم في ميدان الصبر (ورابطوا) أي أقيموا في الثغور رابطين خيولكم فيها استعداداً للقتال ومترصدين للعدو لئلا يتسلل إلى داخل بلادكم .  
+
قال تعالى : '''(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(2''' . أي اصبروا على ما يلحقكم من الأذى في قتال العدو ومدافعته ، وصابروا الأعداء الذين يقاومونكم ليغلبوكم على أمركم ويخذلون الحق الذي في أيديكم ولا تكونوا أقل صبراً منهم .  
 +
 
 +
فالمصابرة تعني مقاومة العدو أو الخصم في ميدان الصبر (ورابطوا) أي أقيموا في الثغور رابطين خيولكم فيها استعداداً للقتال ومترصدين للعدو لئلا يتسلل إلى داخل بلادكم .  
  
 
وفي زماننا ينبغي أن يكون مع المرابطين ورباط الخيل كل أنواع الأسلحة الحديثة اللازمة لحماية البلاد وثغورها من الأعداء . وقوله تعالى : '''(وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)''' والمعنى فإنكم لم تؤمروا ب[[الجهاد]]  من غير تقوى ، فالصبر ومصابرة الأعداء والمرابطة في ثغور بلاد [[الإسلام]]  وتقوى الله باجتناب معاصيه وفعل ما يرضيه كلها من عوامل النصر على الأعداء في الدنيا كما أنها مع حسن النيّة وقصد إقامة الحق والعدل ودين الله ـ [[الإسلام]]  ـ الذي هو شأن المسلم في قتاله وجهاده من أسباب الفوز والفلاح في الآخرة3 .  
 
وفي زماننا ينبغي أن يكون مع المرابطين ورباط الخيل كل أنواع الأسلحة الحديثة اللازمة لحماية البلاد وثغورها من الأعداء . وقوله تعالى : '''(وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)''' والمعنى فإنكم لم تؤمروا ب[[الجهاد]]  من غير تقوى ، فالصبر ومصابرة الأعداء والمرابطة في ثغور بلاد [[الإسلام]]  وتقوى الله باجتناب معاصيه وفعل ما يرضيه كلها من عوامل النصر على الأعداء في الدنيا كما أنها مع حسن النيّة وقصد إقامة الحق والعدل ودين الله ـ [[الإسلام]]  ـ الذي هو شأن المسلم في قتاله وجهاده من أسباب الفوز والفلاح في الآخرة3 .  
سطر ٥٢١: سطر ٦٦٤:
 
'''74 ـ سادساً : ومن عوامل النصر : ذكر الله :'''  
 
'''74 ـ سادساً : ومن عوامل النصر : ذكر الله :'''  
  
ومن عوامل النصر للمؤمنين ذكر الله كثيراً قال تعالى : '''(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ)'''5 . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة من أعدائكم الكفار وكذا من البغاة في القتال فاثبتوا لهم ولا تفروا من أمامهم فإن الثبات قوة معنوية طالما كانت هي السبب الأخير للنصر والغلبة بين الأفراد والجيوش (وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً) أي وأكثروا من ذكر الله في أثناء القتال وقبله .
+
ومن عوامل النصر للمؤمنين ذكر الله كثيراً قال تعالى : '''(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ)'''5 .  
 +
 
 +
والمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة من أعدائكم الكفار وكذا من البغاة في القتال فاثبتوا لهم ولا تفروا من أمامهم فإن الثبات قوة معنوية طالما كانت هي السبب الأخير للنصر والغلبة بين الأفراد والجيوش (وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً) أي وأكثروا من ذكر الله في أثناء القتال وقبله .
 +
 +
اذكروه في قلوبكم بذكر قدرته ووعده بنصر رسله والمؤمنين وبمعيته الخاصة للمؤمنين الصابرين وبذكر نهيه تعالى لكم عن البأس مهما اشتد البأس وبأن النصر بيده تعالى ينصر من يشاء وهو القوي  العزيز . فمن ذكر هذا وتذكره وتأمله لا تهوله قوة عدوه واستعداده لإيمانه بأن الله تعالى أقوى من عدوه .
 +
 
 +
وفي الأمر بذكر الله تعالى كثيراً إشعار بأن على المسلم أن لا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلباً وأكثر ما يكون هماً (لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ) هذا الرجاء بالفلاح منوط بالأمرين كليهما أي بالثبات وذكر الله تعالى فهما السببان للفلاح والفوز بالنصر في الدنيا ثم نيل الثواب في الآخرة6 .
 
   
 
   
اذكروه في قلوبكم بذكر قدرته ووعده بنصر رسله والمؤمنين وبمعيته الخاصة للمؤمنين الصابرين وبذكر نهيه تعالى لكم عن البأس مهما اشتد البأس وبأن النصر بيده تعالى ينصر من يشاء وهو القوي  العزيز . فمن ذكر هذا وتذكره وتأمله لا تهوله قوة عدوه واستعداده لإيمانه بأن الله تعالى أقوى من عدوه . وفي الأمر بذكر الله تعالى كثيراً إشعار بأن على المسلم أن لا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلباً وأكثر ما يكون هماً (لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ) هذا الرجاء بالفلاح منوط بالأمرين كليهما أي بالثبات وذكر الله تعالى فهما السببان للفلاح والفوز بالنصر في الدنيا ثم نيل الثواب في الآخرة6 .
 
 
هذا وإن الأمر بذكر الله في مدافعة أهل الحق لأهل الباطل في القتال يعني أن على المسلم والجماعة المسلمة في مدافعتها لأهل الباطل أن تذكر الله كثيراً كما يذكره أهل الحق في مدافعتهم لأهل الباطل في القتال .  
 
هذا وإن الأمر بذكر الله في مدافعة أهل الحق لأهل الباطل في القتال يعني أن على المسلم والجماعة المسلمة في مدافعتها لأهل الباطل أن تذكر الله كثيراً كما يذكره أهل الحق في مدافعتهم لأهل الباطل في القتال .  
  
سطر ٥٣٠: سطر ٦٧٨:
 
الحذر مطلوب لبلوغ النصر قال تعالى : '''(وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً)7''' .  
 
الحذر مطلوب لبلوغ النصر قال تعالى : '''(وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً)7''' .  
  
الخطاب في هذه الآية للرسول صلى الله عليه وسلم وفيها بيان لكيفية الصلاة والمسلمون في مواجهة العدو للقتال ، والمعنى : فاجعلهم طائفتين ، فلتقم منهم طائفة معك ـ أي مع الرسول صلى الله عليه وسلم ـ فصلِّ بها ، فإذا سجدوا فليكونوا أي غير المصلين من ورائكم يحرسونكم (وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) . فقد جعل الله تعالى (الحذر) وهو التحذر والتيقظ أداة من أدوات الحرب يستعملها المسلم في القتال فلذلك جمع (الحذر) بينه وبين الأسلحة في الأخذ . ثم قال تعالى : (وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ) والمعنى أنه لما رخَّص الله لهم وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم الله تعالى مرّة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر لئلا يجترىء العدو عليهم احتيالاً في الميل عليهم . والآية دلّت على وجوب الحذر من العدو في الحرب ، فيدل ذلك على وجوب الحذر من جميع المضار المحتملة8 .
+
الخطاب في هذه الآية للرسول صلى الله عليه وسلم وفيها بيان لكيفية الصلاة والمسلمون في مواجهة العدو للقتال ، والمعنى : فاجعلهم طائفتين ، فلتقم منهم طائفة معك ـ أي مع الرسول صلى الله عليه وسلم ـ فصلِّ بها ، فإذا سجدوا فليكونوا أي غير المصلين من ورائكم يحرسونكم (وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) .  
 +
 
 +
فقد جعل الله تعالى (الحذر) وهو التحذر والتيقظ أداة من أدوات الحرب يستعملها المسلم في القتال فلذلك جمع (الحذر) بينه وبين الأسلحة في الأخذ .  
 +
 
 +
ثم قال تعالى : (وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ) والمعنى أنه لما رخَّص الله لهم وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم الله تعالى مرّة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر لئلا يجترىء العدو عليهم احتيالاً في الميل عليهم . والآية دلّت على وجوب الحذر من العدو في الحرب ، فيدل ذلك على وجوب الحذر من جميع المضار المحتملة8 .
 
   
 
   
 
وقوله تعالى في هذه الآية : (إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً). والظاهر أن هذا العذاب المهين الذي يصيب الكافرين هو عذاب الغلب وانتصار المسلمين عليهم إذا قاموا بما أمرهم اللله به من تهيئة أسباب النصر على أعدائهم1 .  
 
وقوله تعالى في هذه الآية : (إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً). والظاهر أن هذا العذاب المهين الذي يصيب الكافرين هو عذاب الغلب وانتصار المسلمين عليهم إذا قاموا بما أمرهم اللله به من تهيئة أسباب النصر على أعدائهم1 .  
سطر ٥٣٨: سطر ٦٩٠:
 
وقد فقه المسلمون أموامر الله تعالى بالأخذ بأسباب النصر وعوامل الغلبة على أعدائهم ، فكان القادة المسلمون يأمرون جنودهم بالأخذ بها .  
 
وقد فقه المسلمون أموامر الله تعالى بالأخذ بأسباب النصر وعوامل الغلبة على أعدائهم ، فكان القادة المسلمون يأمرون جنودهم بالأخذ بها .  
  
من ذلك ما ذكره ابن كثير في أخبار معركة اليرموك مع الروم في فتوح الشام ، فقد قال رحمه الله تعالى :(ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان ، وعظ أبو عبيدة ـ قائد جيش المسلمين ـ جنده فكان مما قاله : يا عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم . يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار .. ثم قال لهم : وشرعوا الرماح واستتروا بالدرق وألزموا الصمت إلا من ذكر الله في انفسكم حتى آمركم إن شاء الله
+
من ذلك ما ذكره ابن كثير في أخبار معركة اليرموك مع الروم في فتوح الشام ، فقد قال رحمه الله تعالى :(ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان ، وعظ أبو عبيدة ـ قائد جيش المسلمين ـ جنده فكان مما قاله : يا عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم .  
 +
 
 +
يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار .. ثم قال لهم : وشرعوا الرماح واستتروا بالدرق وألزموا الصمت إلا من ذكر الله في انفسكم حتى آمركم إن شاء الله
 
تعالى)2.  
 
تعالى)2.  
 
    
 
    
سطر ٥٥٥: سطر ٧٠٩:
 
'''79 ـ ثانياً : الغرور والرياء :'''  
 
'''79 ـ ثانياً : الغرور والرياء :'''  
  
ومن معوقات النصر الغرور والخروج للقتال على وجه البطر والفخر والرياء . والله تعالى لا يعطي نصره إلا لمن خرج ابتغاء مرضاته ونصرة دينه ولهذا نهى الله تعالى عن مثل هذا الخروج ، فقال تعالى : (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ)5 ، ومعنى (بَطَراً) أي فخراً وأشراً (وَرِئَاء النَّاسِ)أي خرجوا ليثني عليهم الناس أي يمدحونهم بالشجاعة والسماحة . والمقصود نهي المؤمنين أن يكونوا أمثال أولئك في البطر والرياء ، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص6 .  
+
ومن معوقات النصر الغرور والخروج للقتال على وجه البطر والفخر والرياء . والله تعالى لا يعطي نصره إلا لمن خرج ابتغاء مرضاته ونصرة دينه ولهذا نهى الله تعالى عن مثل هذا الخروج ، فقال تعالى : (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ)5 ، ومعنى (بَطَراً) أي فخراً وأشراً (وَرِئَاء النَّاسِ)أي خرجوا ليثني عليهم الناس أي يمدحونهم بالشجاعة والسماحة .  
 +
 
 +
والمقصود نهي المؤمنين أن يكونوا أمثال أولئك في البطر والرياء ، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص6 .  
  
 
'''80 ـ وما النصر إلا من عند الله :'''  
 
'''80 ـ وما النصر إلا من عند الله :'''  
سطر ٥٦٢: سطر ٧١٨:
 
حَكِيمٌ)1.'''
 
حَكِيمٌ)1.'''
  
وقوله تعالى : (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لكم) أي وما جعل الله تعالى هذا الغمداد لكم بالملائكة إلا بشرى لكم بأنه سينصركم كما وعدكم . (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) أي تسكن بعد ذلك الزلزال الذي أصابها . (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) دون غيره من الملائكة أو غيرهم من الأسباب فهو عز وجل الفاعل للنصر مهما تكن أسبابه المادية والمعنوية إذ هو المسخر لها2 .  
+
وقوله تعالى : (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لكم) أي وما جعل الله تعالى هذا الغمداد لكم بالملائكة إلا بشرى لكم بأنه سينصركم كما وعدكم .  
 +
 
 +
(وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) أي تسكن بعد ذلك الزلزال الذي أصابها . (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) دون غيره من الملائكة أو غيرهم من الأسباب فهو عز وجل الفاعل للنصر مهما تكن أسبابه المادية والمعنوية إذ هو المسخر لها2 .  
  
 
'''81 ـ نصر الجماعة المسلمة :'''  
 
'''81 ـ نصر الجماعة المسلمة :'''  
سطر ٥٧٠: سطر ٧٢٨:
 
والجماعة المسلمة في عملها النبيل وجهادها المبرور ستتعرض إلى التكذيب والصدود من الناس واتهامها بالباطل من قبل خصومها ، فعليها أن تعرف ذلك وتضع في حسابها بأن تكذيبها ومقاومتها واتهامها بالباطل ، فهذا كلّه بعض ما جرت به سنّة الله في دعوة رسله الكرام ، فليست الجماعة المسلمة بأكرم على الله من رسله الكرام ، وليست هي بأقوم حجة ولا أعظم إخلاصاً من رسل الله ، وهم قد أوذوا وكذبوا واتهموا بالباطل ولكنهم صبروا كما أمرهم الله تعالى ، وبعد هذا الصبر والثبات جاءهم نصر الله ، قال تعالى : '''(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ)3 .'''  
 
والجماعة المسلمة في عملها النبيل وجهادها المبرور ستتعرض إلى التكذيب والصدود من الناس واتهامها بالباطل من قبل خصومها ، فعليها أن تعرف ذلك وتضع في حسابها بأن تكذيبها ومقاومتها واتهامها بالباطل ، فهذا كلّه بعض ما جرت به سنّة الله في دعوة رسله الكرام ، فليست الجماعة المسلمة بأكرم على الله من رسله الكرام ، وليست هي بأقوم حجة ولا أعظم إخلاصاً من رسل الله ، وهم قد أوذوا وكذبوا واتهموا بالباطل ولكنهم صبروا كما أمرهم الله تعالى ، وبعد هذا الصبر والثبات جاءهم نصر الله ، قال تعالى : '''(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ)3 .'''  
  
والمقصود بكلمات الله التي لا مبدل لها هو قوله تعالى : '''(ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لَهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون)''' ، ومن البشارة للمؤمنين بهذه الآية أن الله تعالى وعد المؤمنين بما وعد المرسلين من النصر . وكذلك أخبرنا تعالى بأن سنة الله ماضية وقاطعة في نصر المرسلين وأتباعهم المؤمنين ، قال تعالى : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)4 .  
+
والمقصود بكلمات الله التي لا مبدل لها هو قوله تعالى : '''(ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لَهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون)''' ، ومن البشارة للمؤمنين بهذه الآية أن الله تعالى وعد المؤمنين بما وعد المرسلين من النصر .  
 +
 
 +
وكذلك أخبرنا تعالى بأن سنة الله ماضية وقاطعة في نصر المرسلين وأتباعهم المؤمنين ، قال تعالى : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)4 .  
  
 
فسنّة الله في نصر المؤمنين تشمل الجماعة المسلمة ما دامت ملتزمة بأسباب النصر وشروطه .  
 
فسنّة الله في نصر المؤمنين تشمل الجماعة المسلمة ما دامت ملتزمة بأسباب النصر وشروطه .  
سطر ٥٨٠: سطر ٧٤٠:
 
'''83 ـ على الجماعة المسلمة تجنب النزاع والاختلاف :'''  
 
'''83 ـ على الجماعة المسلمة تجنب النزاع والاختلاف :'''  
  
وعلى الجماعة المسلمة أن تتجنب معوقات النصر ومنها النزاع والاختلاف بين أعضائها أو بينهم وبين رئيس الجماعة . والخلاص من ذلك يكون بتطهير النفس من أدران الهوى مع دوام استحضار مراقبة الله وإخلاص النيّة والمقصد لله تعالى . وهذا وحده لا يكفي ، بل لا بد من وضع نظام واضح ودقيق وصارم لعمل الجماعة وعلاقة أعضائها بها ، وحقوق وواجبات أميرها أي رئيسها . فإذا كان من نظام الجماعة تفويض العمل لأميرها حسب اجتهاده بعد مشاورة مجلس شورى الجماعة ، فعلى الأعضاء السمع والطاعة فيما يأمر به ما دام في أمره في حدود الشرع نصاً أو اجتهاداً .  
+
وعلى الجماعة المسلمة أن تتجنب معوقات النصر ومنها النزاع والاختلاف بين أعضائها أو بينهم وبين رئيس الجماعة .  
 +
 
 +
والخلاص من ذلك يكون بتطهير النفس من أدران الهوى مع دوام استحضار مراقبة الله وإخلاص النيّة والمقصد لله تعالى .  
 +
 
 +
وهذا وحده لا يكفي ، بل لا بد من وضع نظام واضح ودقيق وصارم لعمل الجماعة وعلاقة أعضائها بها ، وحقوق وواجبات أميرها أي رئيسها .  
 +
 
 +
فإذا كان من نظام الجماعة تفويض العمل لأميرها حسب اجتهاده بعد مشاورة مجلس شورى الجماعة ، فعلى الأعضاء السمع والطاعة فيما يأمر به ما دام في أمره في حدود الشرع نصاً أو اجتهاداً .
 +
 
 +
وإذا كان نظام الجماعة يقضي تقييد أميرها بما يقرره مجلس شورى الجماعة بأكثريته ، فعلى أمير الجماعة أن يتقيد برأي أكثرية مجلس شورى الجماعة ما دام في حدود الشرع نصاً أو اجتهاداً وعلى أعضاء الجماعة السمع والطاعة لرأي مجلس الشورى الذي يأمر به أمير الجماعة تنفيذاً له .
 +
 
 +
وبهذا الالتزام تسير الجماعة وتعمل بنظام وانتظام وبصورة جماعية حقيقية دون خلل أو اختلال أو نزاع أو اختلاف .  
  
وإذا كان نظام الجماعة يقضي تقييد أميرها بما يقرره مجلس شورى الجماعة بأكثريته ، فعلى أمير الجماعة أن يتقيد برأي أكثرية مجلس شورى الجماعة ما دام في حدود الشرع نصاً أو اجتهاداً وعلى أعضاء الجماعة السمع والطاعة لرأي مجلس الشورى الذي يأمر به أمير الجماعة تنفيذاً له . وبهذا الالتزام تسير الجماعة وتعمل بنظام وانتظام وبصورة جماعية حقيقية دون خلل أو اختلال أو نزاع أو اختلاف . ومثل هذا السير للجماعة بهذه الكيفية ضروري لها حتى ولو وقعت في خطأ في بعض مراحل سيرها أو في بعض جزئيات عملها ، لأن العمل المنظم للجماعة وهي موحدة وإن كان في خطأ هو بالتأكيد أقل ضرراً على الجماعة من عملها الذي فيه الصواب وهي متفرقة مختلفة متنازعة ، والضرر الأقل يتحمل لدفع الضرر الأكبر بناء على قاعدة دفع أعظم المفسدتين بتحمل أقلهما .  
+
ومثل هذا السير للجماعة بهذه الكيفية ضروري لها حتى ولو وقعت في خطأ في بعض مراحل سيرها أو في بعض جزئيات عملها ، لأن العمل المنظم للجماعة وهي موحدة وإن كان في خطأ هو بالتأكيد أقل ضرراً على الجماعة من عملها الذي فيه الصواب وهي متفرقة مختلفة متنازعة ، والضرر الأقل يتحمل لدفع الضرر الأكبر بناء على قاعدة دفع أعظم المفسدتين بتحمل أقلهما .  
  
 
'''84 ـ على الجماعة المسلمة تجنب الرياء والشبهات :'''  
 
'''84 ـ على الجماعة المسلمة تجنب الرياء والشبهات :'''  
سطر ٥٨٨: سطر ٧٥٨:
 
وعلى الجماعة المسلمة أن تتجنب الرياء في عملها ، وأن لا تحرص على ثناء الناس ورضاهم عليها مطلقاً .. لأن الرياء يفقد الجماعة رضا الله وتأييده ، وإنما عليها أن تحرص على رضا الله بعمل ما يحبه الله وإن سخطه الناس ، وتبتعد عما يحبه الناس إذا كان فيه سخط الله .  
 
وعلى الجماعة المسلمة أن تتجنب الرياء في عملها ، وأن لا تحرص على ثناء الناس ورضاهم عليها مطلقاً .. لأن الرياء يفقد الجماعة رضا الله وتأييده ، وإنما عليها أن تحرص على رضا الله بعمل ما يحبه الله وإن سخطه الناس ، وتبتعد عما يحبه الناس إذا كان فيه سخط الله .  
  
ولكن هذا لايعني أنها لا تتوقى سخط الناس ولا ترغب في رضاهم ، لا . فرضا الناس يؤدي إلى ثقتهم بالجماعة ، والثقة بها شيء مطلوب وضروري لها ، ولكن لا يجوز للجماعة طلب رضا الناس بسخط الله ، وإنما لها أن تترك ما هو مباح في ذاته أو مباح بالنسبة إلى آحاد الناس حتى تبعد عن نفسها الشكوك والشبهات التي يشيرها المبطلون وينفثونها في الناس ، وفي الناس دائماً من يسمع الاتهام ويصدقه ولا يطالب بالدليل .. فتوقي الشبهات وترك المباح حتى لا تهتز ثقة الناس بالجماعة من الأمور المطلوبة الواجب ملاحظتها من قبل الجماعة ، ودليلنا على ما قلناه أن الله تعالى أبعد رسوله صلى الله عليه وسلم عن تعلم الكتابة والقراءة مع أن هذا التعلم مباح حتى لا يتقول المبطلون الكافرون أن هذا القرآن تعلمه من اطلاعه على كتب الأقدمين ، قال تعالى : '''(وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)1 .'''  
+
ولكن هذا لايعني أنها لا تتوقى سخط الناس ولا ترغب في رضاهم ، لا .  
 +
 
 +
فرضا الناس يؤدي إلى ثقتهم بالجماعة ، والثقة بها شيء مطلوب وضروري لها ، ولكن لا يجوز للجماعة طلب رضا الناس بسخط الله ، وإنما لها أن تترك ما هو مباح في ذاته أو مباح بالنسبة إلى آحاد الناس حتى تبعد عن نفسها الشكوك والشبهات التي يشيرها المبطلون وينفثونها في الناس ، وفي الناس دائماً من يسمع الاتهام ويصدقه ولا يطالب بالدليل .. فتوقي الشبهات وترك المباح حتى لا تهتز ثقة الناس بالجماعة من الأمور المطلوبة الواجب ملاحظتها من قبل الجماعة ، ودليلنا على ما قلناه أن الله تعالى أبعد رسوله صلى الله عليه وسلم عن تعلم الكتابة والقراءة مع أن هذا التعلم مباح حتى لا يتقول المبطلون الكافرون أن هذا القرآن تعلمه من اطلاعه على كتب الأقدمين ، قال تعالى : '''(وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)1 .'''  
  
 
وجاء في تفسيرها لو كنتَ تحسن القراءة والكتابة لارتاب المبطلون وقالوا لعله تعلمه وكتبه بيده من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء ، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب . فرسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بينهم فترة طويلة من حياته لا يقرأ ولا يكتب ثم جاءهم بهذا الكتاب العجيب المعجز ـ القرآن ـ الذي يعجز القارئين والكاتبين ، ولربّما كانت شبهتهم لو أنه كان من قبل قارئاً كاتباً فما شبهتهم وهذا ماضيه بينهم2 .
 
وجاء في تفسيرها لو كنتَ تحسن القراءة والكتابة لارتاب المبطلون وقالوا لعله تعلمه وكتبه بيده من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء ، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب . فرسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بينهم فترة طويلة من حياته لا يقرأ ولا يكتب ثم جاءهم بهذا الكتاب العجيب المعجز ـ القرآن ـ الذي يعجز القارئين والكاتبين ، ولربّما كانت شبهتهم لو أنه كان من قبل قارئاً كاتباً فما شبهتهم وهذا ماضيه بينهم2 .
سطر ٥٩٨: سطر ٧٧٠:
 
جاء في لسان العرب3 : جماع معنى الفتنة : الابتلاء والامتحان والاختبار وأصلها مأخوذ من قولك : فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد أو إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته .
 
جاء في لسان العرب3 : جماع معنى الفتنة : الابتلاء والامتحان والاختبار وأصلها مأخوذ من قولك : فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد أو إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته .
 
   
 
   
والفتنة : الإحراق ، الإثم ، اختلاف الناس بالآراء ، الجنون ، الإزالة ومنه قوله تعالى : (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) أي يميلونك ويزيلونك عن الذي أوحينا إليك .  
+
والفتنة : الإحراق ، الإثم ، اختلاف الناس بالآراء ، الجنون ، الإزالة ومنه قوله تعالى : (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) أي يميلونك ويزيلونك عن الذي أوحينا إليك .
والفتنة : الكفر ، كما في قوله تعالى : '''(والفتنة أشد من القتل)''' ، والفتنة : ما يقع بين الناس من القتال . والفتنة : القتل كما في قوله تعالى : (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أرى الفتن خلال بيوتكم ) بأن يكون القتل والحروب والاختلاف الذي يكون بين فرق المسلمين . ويكون بما يبلون به من زينة الدنيا وشهواتها فيفتنون بذلك عن الآخرة والعمل لها .  
+
 +
والفتنة : الكفر ، كما في قوله تعالى : '''(والفتنة أشد من القتل)''' ، والفتنة : ما يقع بين الناس من القتال .  
 +
 
 +
والفتنة : القتل كما في قوله تعالى : (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أرى الفتن خلال بيوتكم ) بأن يكون القتل والحروب والاختلاف الذي يكون بين فرق المسلمين . ويكون بما يبلون به من زينة الدنيا وشهواتها فيفتنون بذلك عن الآخرة والعمل لها .  
  
 
وفي النهاية لابن الأثير4 : الفتنة : الامتحان والاختبار ، وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه . ثم كثر حتى استعمل لفظ الفتنة بمعنى الإثم والكفر والقتل والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء .  
 
وفي النهاية لابن الأثير4 : الفتنة : الامتحان والاختبار ، وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه . ثم كثر حتى استعمل لفظ الفتنة بمعنى الإثم والكفر والقتل والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء .  
  
وفي المعجم الوسيط5 : الفتنة : الاختبار بالنار ،  والابتلاء والاختبار . قال تعالى : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) . والفتنة : الإعجاب بالشيء ، والاضطراب وبلبلة الأفكار ، والعذاب والضلال . وفتنه : رماه في شدّة ليختبره . وفتن فلاناً : عذّبه ليحوله عن رأيه أو دينه .  
+
وفي المعجم الوسيط5 : الفتنة : الاختبار بالنار ،  والابتلاء والاختبار . قال تعالى : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) .  
 +
 
 +
والفتنة : الإعجاب بالشيء ، والاضطراب وبلبلة الأفكار ، والعذاب والضلال . وفتنه : رماه في شدّة ليختبره . وفتن فلاناً : عذّبه ليحوله عن رأيه أو دينه .
 +
 
 +
وفي المفردات في غريب القرآن6 : أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته عن رداءته . وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعملون هذا اللفظ فيه نحو قوله تعالى : (ألا في الفتنة سقطوا) وتارة يستعملوا (الفتنة) في الاختبار نحو قوله تعالى : (وفتناك فتوناً) .
 +
 
 +
وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يُدْفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء وهما في الشدّة أظهر معنى وأكثر استعمالاً قال تعالى : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) .  
  
وفي المفردات في غريب القرآن6 : أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته عن رداءته . وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعملون هذا اللفظ فيه نحو قوله تعالى : (ألا في الفتنة سقطوا) وتارة يستعملوا (الفتنة) في الاختبار نحو قوله تعالى : (وفتناك فتوناً) . وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يُدْفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء وهما في الشدّة أظهر معنى وأكثر استعمالاً قال تعالى : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) . وقال تعالى في الشدّة : (فتنتم أنفسكم) أي أوقعتموها في بلية وعذاب وقوله تعالى : (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) فقد سماهم هاهنا فتنة اعتباراً بما ينال الإنسان من الاختبار بهم . وقوله تعالى : (الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) أي لا يختبرون فيميز خبيثهم من طيبهم .  
+
وقال تعالى في الشدّة : (فتنتم أنفسكم) أي أوقعتموها في بلية وعذاب وقوله تعالى : (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) فقد سماهم هاهنا فتنة اعتباراً بما ينال الإنسان من الاختبار بهم . وقوله تعالى : (الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) أي لا يختبرون فيميز خبيثهم من طيبهم .  
  
 
'''86 ـ معنى الابتلاء :'''  
 
'''86 ـ معنى الابتلاء :'''  
سطر ٦١١: سطر ٧٩٢:
 
جاء في لسان العرب1 :  بلوت الرجل وابتليته : اختبرته . وابتلاه الله : امتحنه . والاسم : البلوى والبلاء . والبلاء : الاختبار يكون في الخير والشر .  
 
جاء في لسان العرب1 :  بلوت الرجل وابتليته : اختبرته . وابتلاه الله : امتحنه . والاسم : البلوى والبلاء . والبلاء : الاختبار يكون في الخير والشر .  
  
وفي المعجم الوسيط2  ابتلاه : جربه وعرفه . والبلاء : الحادث ينزل بالمرء ليختبره .       
+
وفي المعجم الوسيط2  ابتلاه : جربه وعرفه . والبلاء : الحادث ينزل بالمرء ليختبره .  
وفي النهاية لابن الأثير3 : الابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان ، يقال : بلوته وأبليته وابتليته . والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معاً من غير فرق بين فعلهما ومنه قوله تعالى : '''(ونبلوكم بالشر والخير فتنة)''' وفي المفردات في غريب القرآن4 : بلوته : اختبرته . وأبليت فلاناً إذا اختبرته . وسمي التكليف بلاء من أوجه (أحدها) أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان فصارت من هذا الوجه بلاء . (والثاني) أنها اختبارات ولهذا قال عزّ وجل : '''(ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين)''' . (والثالث) أن اختبارالله تعالى للعبد تارة بالمسار ليشكر وتارة بالمضار ليصبر فصارت المحنة والمحنة جميعاً بلاء .  
+
      
 +
وفي النهاية لابن الأثير3 : الابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان ، يقال : بلوته وأبليته وابتليته . والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معاً من غير فرق بين فعلهما ومنه قوله تعالى : '''(ونبلوكم بالشر والخير فتنة)''' وفي المفردات في غريب القرآن4 : بلوته : اختبرته . وأبليت فلاناً إذا اختبرته .  
 +
 
 +
وسمي التكليف بلاء من أوجه (أحدها) أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان فصارت من هذا الوجه بلاء . (والثاني) أنها اختبارات ولهذا قال عزّ وجل : '''(ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين)''' . (والثالث) أن اختبارالله تعالى للعبد تارة بالمسار ليشكر وتارة بالمضار ليصبر فصارت المحنة والمحنة جميعاً بلاء .  
  
 
'''87 ـ الخلاصة في معنى الفتنة والابتلاء :'''  
 
'''87 ـ الخلاصة في معنى الفتنة والابتلاء :'''  
سطر ٦٢٠: سطر ٨٠٤:
 
'''88 ـ من سنة الله الابتلاء بالشر والخير :'''  
 
'''88 ـ من سنة الله الابتلاء بالشر والخير :'''  
  
وقد مضت سنة الله في الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر والخير أي يخبرهم بما يصيبهم مما يثقل عليهم كالمرض والفقر والمصائب المختلفة كما يخبرهم بما ينعم عليهم من النعمة المختلفة التي تجعل حياتهم في رفاهية ورخاء وسعة العيش كالصحة والغنى ونحو ذلك . ليتبين بهذا الامتحان من يصبر في حال الشدّة ومن يشكر في حال الرخاء والنعمة ، قال تعالى : '''(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)'''5 ، أي نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا والمصائب والشدائد كالسقم والفقر وغير ذلك مما يجب فيه الصبر . كما نختبركم بما يجب فيه الشكر من النعم كالصحة والغنى والرخاء ونحو ذلك فيقوم المنعم عليه بأداء ما افترضه الله عليه فيما أنعم به عليه .  
+
وقد مضت سنة الله في الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر والخير أي يخبرهم بما يصيبهم مما يثقل عليهم كالمرض والفقر والمصائب المختلفة كما يخبرهم بما ينعم عليهم من النعمة المختلفة التي تجعل حياتهم في رفاهية ورخاء وسعة العيش كالصحة والغنى ونحو ذلك . ليتبين بهذا الامتحان من يصبر في حال الشدّة ومن يشكر في حال الرخاء والنعمة ، قال تعالى : '''(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)'''5 ، أي نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا والمصائب والشدائد كالسقم والفقر وغير ذلك مما يجب فيه الصبر .  
وكلمة (فتنة) في قوله تعالى : '''(وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)''' أي ابتلاه فهي مصدر مؤكد لقوله تعالى : (وَنَبْلُوكُم) من غير لفظه . (وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)أي فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر6 . فاختبار الله تعالى لعباده تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا ، فالمحنة والمحنة جميعاً بلاء ، فالمحنة مقتضية للصبر والمحنة مقتضية للشكر ، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر ، فالمحنة أعظم البلاءين . وبهذا النظر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر7 .  
+
 
 +
كما نختبركم بما يجب فيه الشكر من النعم كالصحة والغنى والرخاء ونحو ذلك فيقوم المنعم عليه بأداء ما افترضه الله عليه فيما أنعم به عليه .  
 +
 
 +
وكلمة (فتنة) في قوله تعالى : '''(وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)''' أي ابتلاه فهي مصدر مؤكد لقوله تعالى : (وَنَبْلُوكُم) من غير لفظه . (وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)أي فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر6 .  
 +
 
 +
فاختبار الله تعالى لعباده تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا ، فالمحنة والمحنة جميعاً بلاء ، فالمحنة مقتضية للصبر والمحنة مقتضية للشكر ، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر ، فالمحنة أعظم البلاءين . وبهذا النظر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر7 .  
  
 
'''89 ـ من أنواع الابتلاء بالشر :'''  
 
'''89 ـ من أنواع الابتلاء بالشر :'''  
سطر ٦٢٧: سطر ٨١٦:
 
قلنا : إن من سنة الله في الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر كما يمتحنهم بالخير ، ومن امتحانه لهم بالشر إصابتهم بأنواع البلايا والمصائب والشدائد وما يشق على نفوسهم ، ومن هذا النوع من الاختبار ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز : '''(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)'''1 .
 
قلنا : إن من سنة الله في الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر كما يمتحنهم بالخير ، ومن امتحانه لهم بالشر إصابتهم بأنواع البلايا والمصائب والشدائد وما يشق على نفوسهم ، ومن هذا النوع من الاختبار ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز : '''(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)'''1 .
 
   
 
   
أخبرنا الله تعالى أنه يبتلي عباده أي يختبرهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء كالمذكور في هذه الآيات وهو الخوف والجوع ونقص من الأموال ، أي ذهاب بعضها ، ونقص في الأنفس كموت الأصحاب والأقارب والأحباب ونقص في الثمرات فلا تثمر الحدائق والمزارع والأشجار كعادتها . فالذين يصبرون في هذه البلايا ويقولون : (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) ، أي يقولون ذلك عن علم ومعرفة بأنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء وعلموا أنه لا يضيع عنده مثقال ذرّة من خير ، ومن الخير صبرهم ، وعلموا أنهم راجعون إليه تعالى فيجازيهم على صبرهم يوم القيامة ، هؤلاء الصابرون يبشرهم الله تعالى بما أخبرنا به وهو : (أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) أي ثناء من الله ورحمة : (وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) أي مهتدون إلى الطريق الصواب حيث استرجعوا وسلّموا الأمر لله تعالى2 .   
+
أخبرنا الله تعالى أنه يبتلي عباده أي يختبرهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء كالمذكور في هذه الآيات وهو الخوف والجوع ونقص من الأموال ، أي ذهاب بعضها ، ونقص في الأنفس كموت الأصحاب والأقارب والأحباب ونقص في الثمرات فلا تثمر الحدائق والمزارع والأشجار كعادتها .  
 +
 
 +
فالذين يصبرون في هذه البلايا ويقولون : (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) ، أي يقولون ذلك عن علم ومعرفة بأنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء وعلموا أنه لا يضيع عنده مثقال ذرّة من خير ، ومن الخير صبرهم ، وعلموا أنهم راجعون إليه تعالى فيجازيهم على صبرهم يوم القيامة ، هؤلاء الصابرون يبشرهم الله تعالى بما أخبرنا به وهو : (أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) أي ثناء من الله ورحمة : (وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) أي مهتدون إلى الطريق الصواب حيث استرجعوا وسلّموا الأمر لله تعالى2 .   
  
 
'''90 ـ امتحان الناس بزينة الدنيا :'''  
 
'''90 ـ امتحان الناس بزينة الدنيا :'''  
  
قال تعالى : '''(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً)3''' . أي جعلنا ما يصلح أن يكون زينة للأض ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها لنمتحن الناس بذلك4 ، وذهب الإمام القرطبي إلى أن (الزينة) تشمل كل ما على وجه الأرض ، فلفظ الزينة في الآية عموم لانه كل شيء على وجه الأرض دال على خالقه جلّ جلاله ، فكل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه5 .  
+
قال تعالى : '''(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً)3''' .  
 +
 
 +
أي جعلنا ما يصلح أن يكون زينة للأض ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها لنمتحن الناس بذلك4 ، وذهب الإمام القرطبي إلى أن (الزينة) تشمل كل ما على وجه الأرض ، فلفظ الزينة في الآية عموم لانه كل شيء على وجه الأرض دال على خالقه جلّ جلاله ، فكل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه5 .  
  
 
وعلى هذا العموم الذي ذهب إليه الإمام القرطبي يكون معنى الآية : إن الله تعالى جعل ما على الأرض من غير ذوي العقول زينة للأرض تتزين به وتتحلى وهو شامل لزينة أهلها أيضاً . وزينة كل شيء بحسبه وهو زينة لاهلها ، ولا شيء مما على الأرض إلا وفيه جهة انتفاع ولا أقل من الاستدلال به على خالقه الله جلّ جلاله6 .  
 
وعلى هذا العموم الذي ذهب إليه الإمام القرطبي يكون معنى الآية : إن الله تعالى جعل ما على الأرض من غير ذوي العقول زينة للأرض تتزين به وتتحلى وهو شامل لزينة أهلها أيضاً . وزينة كل شيء بحسبه وهو زينة لاهلها ، ولا شيء مما على الأرض إلا وفيه جهة انتفاع ولا أقل من الاستدلال به على خالقه الله جلّ جلاله6 .  
  
ومعنى '''(لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)''' أي لنختبرهم في زينة الأرض ليتبين من هم أحسن عملاً . وحسن العمل الزهد في زينة الدنيا وعدم الاغترار بها ، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها والتمتع بها حسبما أذن به الشرع واداء حقوقها والشكر على ما أوتي منها لا اتخاذها وسيلة إلى الشهوات والأغراض الفاسدة كما تفعله الكفرة وأصحاب الأهواء . ومراتب حسن العمل ـ أي الزهد في زينة الدنيا بالمعنى الذي نبيّنه ـ متفاوتة ، وكلما قوي الزهد كان العمل أحسن ، ولهذا قال الإمام سفيان الثوري في قوله تعالى : '''(لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)''' أي لنختبرهم أيهم أزهد في زينة الدنيا7 .     
+
ومعنى '''(لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)''' أي لنختبرهم في زينة الأرض ليتبين من هم أحسن عملاً . وحسن العمل الزهد في زينة الدنيا وعدم الاغترار بها ، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها والتمتع بها حسبما أذن به الشرع واداء حقوقها والشكر على ما أوتي منها لا اتخاذها وسيلة إلى الشهوات والأغراض الفاسدة كما تفعله الكفرة وأصحاب الأهواء .  
 +
 
 +
ومراتب حسن العمل ـ أي الزهد في زينة الدنيا بالمعنى الذي نبيّنه ـ متفاوتة ، وكلما قوي الزهد كان العمل أحسن ، ولهذا قال الإمام سفيان الثوري في قوله تعالى : '''(لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)''' أي لنختبرهم أيهم أزهد في زينة الدنيا7 .     
  
 
'''91 ـ ابتلاء الناس بالتفاوت فيما بينهم :'''  
 
'''91 ـ ابتلاء الناس بالتفاوت فيما بينهم :'''  
سطر ٦٤٢: سطر ٨٣٧:
 
رَّحِيمٌ)8 .'''
 
رَّحِيمٌ)8 .'''
  
والمعنى أن الله تعالى هو الذي جعلكم ـ أيها المسلمون ـ خلفاً للأمم الماضية والقرون السابقة (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) أي فاوت وخالف بينكم في الخلق والرزق والقوة والفضل والعلم والأخلاق والمحاسن والمساوىء والمناظر والأشكال والألوان وله الحكمة في ذلك . وقد جرت سنّته تعالى في هذا التفاوت ورفع بعضكم فوق بعض في هذا التفاوت (لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) أي ليختبركم في الذي انعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغنيّ في غناه ويسأله عن شكره ، والفقير في فقره ويسأله عن صبره ، وليختبر ذا الجاه والسلطان في أي شيء استعمل جاهه وسلطانه (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) لمن قام بشكر نعمته وأطاعه فيها9 .  
+
والمعنى أن الله تعالى هو الذي جعلكم ـ أيها المسلمون ـ خلفاً للأمم الماضية والقرون السابقة (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) أي فاوت وخالف بينكم في الخلق والرزق والقوة والفضل والعلم والأخلاق والمحاسن والمساوىء والمناظر والأشكال والألوان وله الحكمة في ذلك .  
 +
 
 +
وقد جرت سنّته تعالى في هذا التفاوت ورفع بعضكم فوق بعض في هذا التفاوت (لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) أي ليختبركم في الذي انعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغنيّ في غناه ويسأله عن شكره ، والفقير في فقره ويسأله عن صبره ، وليختبر ذا الجاه والسلطان في أي شيء استعمل جاهه وسلطانه (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) لمن قام بشكر نعمته وأطاعه فيها9 .  
  
 
'''92 ـ من سنّة الله في الابتلاء امتحان المؤمنين بالشدائد :'''  
 
'''92 ـ من سنّة الله في الابتلاء امتحان المؤمنين بالشدائد :'''  
سطر ٦٥٦: سطر ٨٥٣:
 
ومعنى الآية : أم ظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تختبروا وتُمتحنوا كما امتحن الذين من قبلكم من الأمم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا أي خوفوا من الأعداء تخويفاً شديداً وامتحنوا امتحاناً عظيماً ، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه أخذوا يستفتحون على أعدائهم ويدعون الله بقرب الفرج والمخرج من الضيق الذي هو فيه . وكان الجواب لدعاء المؤمنين أن قال لهم الله : (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)4 .   
 
ومعنى الآية : أم ظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تختبروا وتُمتحنوا كما امتحن الذين من قبلكم من الأمم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا أي خوفوا من الأعداء تخويفاً شديداً وامتحنوا امتحاناً عظيماً ، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه أخذوا يستفتحون على أعدائهم ويدعون الله بقرب الفرج والمخرج من الضيق الذي هو فيه . وكان الجواب لدعاء المؤمنين أن قال لهم الله : (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)4 .   
  
وفي تفسير القرطبي : وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية هو من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . أي إن الجهد قد بلغ بهم مبلغاً عظيماً حتى استبطؤوا النصر فقال تعالى : (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) . ويكون ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على معنى طلب استعجال النصر لا على الشك والارتياب في حصول النصر .  
+
وفي تفسير القرطبي : وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية هو من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين .  
 +
 
 +
أي إن الجهد قد بلغ بهم مبلغاً عظيماً حتى استبطؤوا النصر فقال تعالى : (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) .  
 +
 
 +
ويكون ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على معنى طلب استعجال النصر لا على الشك والارتياب في حصول النصر .
 +
 
 +
وقالت طائفة من المفسرين : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب .  
  
وقالت طائفة من المفسرين : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب . وإنما قُدِمَ ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في الآية لمكانته وعلو منزلته ثم قدم قول المؤمنين لأنه هو المتقدم في الوقوع من حيث الزمان ، أي قالوا ذلك ثم أجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم بان نصر الله قريب5 .  
+
وإنما قُدِمَ ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في الآية لمكانته وعلو منزلته ثم قدم قول المؤمنين لأنه هو المتقدم في الوقوع من حيث الزمان ، أي قالوا ذلك ثم أجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم بان نصر الله قريب5 .  
 
   
 
   
 
وفي تفسير الرازي : ولقول هذه الطائفة نظائر في القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله تعالى : (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) أي لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار6 .
 
وفي تفسير الرازي : ولقول هذه الطائفة نظائر في القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله تعالى : (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) أي لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار6 .
 
   
 
   
وفي تفسير المنار : يقول الأستاذ الإمام (محمد عبده) إن هذه الآية عتاب لهم ـ أي للصحابة الكرام ـ فكيف لا ينكر المسلم على نفسه مثل هذا وهو يعلم أنه دون الصحابة الكرام إيماناً وإسلاماً ودعوة إلى الحق وصبراً على المكاره في سبيل الله تعالى . لماذا لا ينكر على نفسه وعلى من يراه من امثاله الذين يقولون آمنا بالله ، فإذا أوذِي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله وآثر ما عند الناس على ما عند الله7 .  
+
وفي تفسير المنار : يقول الأستاذ الإمام (محمد عبده) إن هذه الآية عتاب لهم ـ أي للصحابة الكرام ـ فكيف لا ينكر المسلم على نفسه مثل هذا وهو يعلم أنه دون الصحابة الكرام إيماناً وإسلاماً ودعوة إلى الحق وصبراً على المكاره في سبيل الله تعالى .  
 +
 
 +
لماذا لا ينكر على نفسه وعلى من يراه من امثاله الذين يقولون آمنا بالله ، فإذا أوذِي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله وآثر ما عند الناس على ما عند الله7 .  
  
 
'''93 ـ امتحان المؤمنين ب[[الجهاد]]  :'''  
 
'''93 ـ امتحان المؤمنين ب[[الجهاد]]  :'''  
  
 
ومن سنته تعالى امتحان عباده المؤمنين ب[[الجهاد]]  بأن تتهيأ ظروفه وأسبابه فيجب على المؤمنين فيظهر عند ذلك من يقوم بهذه الفريضة ويصبر على مقتضياتها فيستحق بفضل الله وبحسب وعده وسنته الجنة ، قال تعالى : '''(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)8 .'''  
 
ومن سنته تعالى امتحان عباده المؤمنين ب[[الجهاد]]  بأن تتهيأ ظروفه وأسبابه فيجب على المؤمنين فيظهر عند ذلك من يقوم بهذه الفريضة ويصبر على مقتضياتها فيستحق بفضل الله وبحسب وعده وسنته الجنة ، قال تعالى : '''(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)8 .'''  
 +
 
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية : أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تمتحنوا بالقتال والشدائد؟ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تمتحنوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرن على مقاومة الأعداء9 .   
 
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية : أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تمتحنوا بالقتال والشدائد؟ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تمتحنوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرن على مقاومة الأعداء9 .   
  
 
94''' ـ امتحان المؤمنين بأنواع الأذى :'''  
 
94''' ـ امتحان المؤمنين بأنواع الأذى :'''  
  
قال تعالى : '''(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)1 .''' إن من سنة الله في عباده المؤمنين الداعين إليه المجاهدين في سبيله أن يبتلوا بأنواع البلاء ، يبتلوا في أموالهم بما يطلب منهم من الإنفاق منها في سبيل الله ، وبما يقع فيها من الآفات . ومن البلاء الذي يمتحنون به البلاء في أنفسهم بالقتل والجرح والأسر في قتال العدو ويلحق به الحبس في زماننا حيث يسجن الطغاة الظلمة المؤمنين الدعاة إلى الله تعالى .  
+
قال تعالى : '''(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)1 .''' إن من سنة الله في عباده المؤمنين الداعين إليه المجاهدين في سبيله أن يبتلوا بأنواع البلاء ، يبتلوا في أموالهم بما يطلب منهم من الإنفاق منها في سبيل الله ، وبما يقع فيها من الآفات .  
 +
 
 +
ومن البلاء الذي يمتحنون به البلاء في أنفسهم بالقتل والجرح والأسر في قتال العدو ويلحق به الحبس في زماننا حيث يسجن الطغاة الظلمة المؤمنين الدعاة إلى الله تعالى .
 +
 
 +
ومن البلاء الذي يبتلون به على وجه الامتحان وحسب مقتضيات سنة الله تعالى في الداعين إليه المجاهدين في سبيله ما يسمعون من اهل الكتاب والمشركين وغيرهم من الكفرة من أنواع الأذى القولي كالطعن في [[الإسلام]]  وفي الدعاة إليه وبإلصاق التهم الباطلة بهم لصدّ الناس عنهم وعن دعوتهم .  
  
ومن البلاء الذي يبتلون به على وجه الامتحان وحسب مقتضيات سنة الله تعالى في الداعين إليه المجاهدين في سبيله ما يسمعون من اهل الكتاب والمشركين وغيرهم من الكفرة من أنواع الأذى القولي كالطعن في [[الإسلام]]  وفي الدعاة إليه وبإلصاق التهم الباطلة بهم لصدّ الناس عنهم وعن دعوتهم . وغن من عزائم الأمور الصبر على هذا الأذى والالتزام بالتقوى ، فهذا مما يجب أن يعزم عليه المؤمنون من الأمور التي تزهق الباطل وتنصر الحق وأهله2 .   
+
وغن من عزائم الأمور الصبر على هذا الأذى والالتزام بالتقوى ، فهذا مما يجب أن يعزم عليه المؤمنون من الأمور التي تزهق الباطل وتنصر الحق وأهله2 .   
  
 
'''95 ـ أشد الناس بلاء الانبياء ثم الأمثل فالأمثل :'''  
 
'''95 ـ أشد الناس بلاء الانبياء ثم الأمثل فالأمثل :'''  
  
أ ـ أخرج الترمذي في جامعه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال ، قلت : يا رسول الله ، أي الناس أشد بلاءً؟ قال : (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل . يُبلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صُلباً اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقّة ابتلي على قدر دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)3 .  
+
أ ـ أخرج الترمذي في جامعه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال ، قلت : يا رسول الله ، أي الناس أشد بلاءً؟ قال : (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل .  
 +
 
 +
يُبلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صُلباً اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقّة ابتلي على قدر دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)3 .  
  
 
ب ـ وفي حديث آخر أخرجه الطبراني في معجمه الكبير عن أخت حذيفة بن اليمان فاطمة أو خولة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل)4 .  
 
ب ـ وفي حديث آخر أخرجه الطبراني في معجمه الكبير عن أخت حذيفة بن اليمان فاطمة أو خولة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل)4 .  
سطر ٦٨٣: سطر ٨٩٥:
 
'''96 ـ شرح الحديثين في أشد الناس بلاءً :'''  
 
'''96 ـ شرح الحديثين في أشد الناس بلاءً :'''  
  
والمقصود بالأمثل فالأمثل : الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة في الدين والفضل . وقال الراغب : الأمثل يعبر به عن الأشبه بالأفاضل والأقرب إلى الخير . وأماثل القوم كناية عن خيارهم5 .  
+
والمقصود بالأمثل فالأمثل : الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة في الدين والفضل . وقال الراغب : الأمثل يعبر به عن الأشبه بالأفاضل والأقرب إلى الخير .  
 +
 
 +
وأماثل القوم كناية عن خيارهم5 .  
 +
 
 
وإنما كان أكثر الناس بلاءً ـ أي محنة ـ لتتضاعف أجورهم وتتكامل فضائلهم ويظهر للناس صبرهم ورضاهم فيقتدى بهم ، ثم من بعدهم الامثل فالأمثل من جهة شدّة البلاء الذي يتعرضون له ، لأن البلاء في مقابلة النعمة : فمن كانت نعمة الله عليه أكثر فبلاؤه أشد ، فهم ـ أي الأمثل فالأمثل ـ معرضون للمحن والمصائب وطروق المنغصات والمتاعب ويشمل ذلك كل ما يتأذى به الإنسان من أذى مادي أو معنوي فيبتلى الرجل على حسب دينه ، أي على مقدار دينه أي بقدر قوة إيمانه وشدّة يقينه ، فإن كان في دينه صُلباً أي قوياً شديداً اشتد بلاؤه كمية وكيفية ونوعاً .  
 
وإنما كان أكثر الناس بلاءً ـ أي محنة ـ لتتضاعف أجورهم وتتكامل فضائلهم ويظهر للناس صبرهم ورضاهم فيقتدى بهم ، ثم من بعدهم الامثل فالأمثل من جهة شدّة البلاء الذي يتعرضون له ، لأن البلاء في مقابلة النعمة : فمن كانت نعمة الله عليه أكثر فبلاؤه أشد ، فهم ـ أي الأمثل فالأمثل ـ معرضون للمحن والمصائب وطروق المنغصات والمتاعب ويشمل ذلك كل ما يتأذى به الإنسان من أذى مادي أو معنوي فيبتلى الرجل على حسب دينه ، أي على مقدار دينه أي بقدر قوة إيمانه وشدّة يقينه ، فإن كان في دينه صُلباً أي قوياً شديداً اشتد بلاؤه كمية وكيفية ونوعاً .  
 
    
 
    
وإن كان في دينه رقّة أي ضعف ولين ابتلي على قدر دينه . فما يبرح البلاء بالعبد أي ما يفارقه حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة ، كناية عن خلاصه من الذنوب فكأنه كان محبوساً ثم أطلق وخلي سبيله يمشي وما عليه بأس6 .   
+
وإن كان في دينه رقّة أي ضعف ولين ابتلي على قدر دينه .  
 +
 
 +
فما يبرح البلاء بالعبد أي ما يفارقه حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة ، كناية عن خلاصه من الذنوب فكأنه كان محبوساً ثم أطلق وخلي سبيله يمشي وما عليه بأس6 .   
  
 
'''97 ـ ما يستفاد من الحديثين من سنة عامة لله تعالى :'''  
 
'''97 ـ ما يستفاد من الحديثين من سنة عامة لله تعالى :'''  
سطر ٦٩٦: سطر ٩١٣:
 
وتعليل هذه بالسنة العامة وهي : (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) أن الأنبياء يقومون بتبليغ رسالات ربِّهم ويدعون الناس إلى الله وعبادته فيكذبهم أهل الباطل ويؤذونهم بشتى أنواع الأذى كما قضت سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل .
 
وتعليل هذه بالسنة العامة وهي : (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) أن الأنبياء يقومون بتبليغ رسالات ربِّهم ويدعون الناس إلى الله وعبادته فيكذبهم أهل الباطل ويؤذونهم بشتى أنواع الأذى كما قضت سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل .
 
   
 
   
وأما تعليل كثرة البلاء على الصالحين ثم الأمثل فالأمثل ، فإن الصالحين هم القائمون بما عليهم من حقوق الحق والخلق7 . ومن هذه الحقوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و[[الجهاد]]  في سبيل الله وإعلاء كلمة الله ودعوة الخلق إلى الحق جلّ جلاله ، وما يترتب على ذلك ـ حسب سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل ـ من أذى بشتى أنواعه يلحق بهم . وكلّما كان المؤمن صلباً في دينه أي قوياً في إيمانه كان أكثر جهاداً في سبيل الله فيكون أكثر بلاء من غيره لما يلقاه من الكفرة وأهل الباطل في جهاده ومدافعته لهم .
+
وأما تعليل كثرة البلاء على الصالحين ثم الأمثل فالأمثل ، فإن الصالحين هم القائمون بما عليهم من حقوق الحق والخلق7 .  
 +
 
 +
ومن هذه الحقوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و[[الجهاد]]  في سبيل الله وإعلاء كلمة الله ودعوة الخلق إلى الحق جلّ جلاله ، وما يترتب على ذلك ـ حسب سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل ـ من أذى بشتى أنواعه يلحق بهم .  
 +
 
 +
وكلّما كان المؤمن صلباً في دينه أي قوياً في إيمانه كان أكثر جهاداً في سبيل الله فيكون أكثر بلاء من غيره لما يلقاه من الكفرة وأهل الباطل في جهاده ومدافعته لهم .
 
   
 
   
وأيضاً من تعليل هذه السنة العامة قول أهل العلم في تعليل هذه السنّة في حق الأنبياء : (لتتضاعف أجورهم وتتكامل فضائلهم ويظهر للناس صبرهم ورضاهم فيقتدى بهم)1 . وقولهم بالنسبة لكثرة بلاء الأمثل فالأمثل : (إن البلاء بمقابلة النعمة فمن كانت نعمة الله عليه أكثر فبلاؤه أشد)2 .  
+
وأيضاً من تعليل هذه السنة العامة قول أهل العلم في تعليل هذه السنّة في حق الأنبياء : (لتتضاعف أجورهم وتتكامل فضائلهم ويظهر للناس صبرهم ورضاهم فيقتدى بهم)1 .  
 +
 
 +
وقولهم بالنسبة لكثرة بلاء الأمثل فالأمثل : (إن البلاء بمقابلة النعمة فمن كانت نعمة الله عليه أكثر فبلاؤه أشد)2 .
 +
 
 +
ولا شك أن نعمة الله على عباده المؤمنين الصالحين نعمة عظيمة إذ هداهم للإيمان وهذه النعمة تستحق الشكر وشكرها القيام بحقوق الله ، ومنها [[الجهاد]]  في سبيله وما يترتب عليه من أذى يلحق بالمجاهدين ومن تعليل هذه السنة التي نحن بصددها أن في البلاء كالمرض ونحوه زيادة أجر للمصاب به وتكفير سيئات المؤمن كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن الحارث بن سويد عن عبد الله قال : (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك رجلان منكم .
 +
 
 +
قلت : ذلك بأن لك أجرين . قال : أجل ، ذلك كذلك ، ما من مسلم يصيبه أذى ـ حتى شوكةً فما فوقها ـ إلا كفّر الله بها سيئاته  كما تحط الشجرة ورقها)3 . ومعنى الوعك الحمى وقيل ألم الحمى ، وقوله (ذلك كذلك) إشارة إلى مضاعفة الأجر بشدة الحمى .  
  
ولا شك أن نعمة الله على عباده المؤمنين الصالحين نعمة عظيمة إذ هداهم للإيمان وهذه النعمة تستحق الشكر وشكرها القيام بحقوق الله ، ومنها [[الجهاد]]  في سبيله وما يترتب عليه من أذى يلحق بالمجاهدين ومن تعليل هذه السنة التي نحن بصددها أن في البلاء كالمرض ونحوه زيادة أجر للمصاب به وتكفير سيئات المؤمن كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن الحارث بن سويد عن عبد الله قال : (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك رجلان منكم . قلت : ذلك بأن لك أجرين . قال : أجل ، ذلك كذلك ، ما من مسلم يصيبه أذى ـ حتى شوكةً فما فوقها ـ إلا كفّر الله بها سيئاته  كما تحط الشجرة ورقها)3 . ومعنى الوعك الحمى وقيل ألم الحمى ، وقوله (ذلك كذلك) إشارة إلى مضاعفة الأجر بشدة الحمى . وقوله (أجل) أي نعم . فالحديث أثبت أن المرض ـ وهو نوع من البلاء ـ إذا اشتد ضاعف الأجر ، أو أن شدة المرض ترفع الدرجات وتحط الخطيئات أيضاً حتى لا يبقى منها شيء4 .  
+
وقوله (أجل) أي نعم . فالحديث أثبت أن المرض ـ وهو نوع من البلاء ـ إذا اشتد ضاعف الأجر ، أو أن شدة المرض ترفع الدرجات وتحط الخطيئات أيضاً حتى لا يبقى منها شيء4 .  
  
 
'''99 ـ ابتلاء الأمم الكافرة :'''  
 
'''99 ـ ابتلاء الأمم الكافرة :'''  
سطر ٧٠٦: سطر ٩٣٣:
 
وقد مضت سنّة الله في الأمم الكافرة أن يبتليها بالبأساء والضراء عسى أن يردعها هذا الابتلاء عن كفرها وعنادها وترجع إلى ربها ، فإن لم تفعل ابتلاها بعد ذلك بالسراء عسى أن يحملها ذلك على التوبة بعد أن لم تحملها الشدّة على ذلك ، قال تعالى : '''(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)5 .'''
 
وقد مضت سنّة الله في الأمم الكافرة أن يبتليها بالبأساء والضراء عسى أن يردعها هذا الابتلاء عن كفرها وعنادها وترجع إلى ربها ، فإن لم تفعل ابتلاها بعد ذلك بالسراء عسى أن يحملها ذلك على التوبة بعد أن لم تحملها الشدّة على ذلك ، قال تعالى : '''(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)5 .'''
 
    
 
    
والمعنى أن سنّة الله تعالى في الأمم التي كذبت رسلها أن الله تعالى أخذها بالبأساء وبالضرّاء أي بالشدة في أنفسهم وأبدانهم وأرزاقهم وأموالهم ، وقد فعل الله تعالى ذلك بهم لكي يتضرعوا . والتضرع يعني الخضوع والانقياد إلى الله تعالى ؛ لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى وأن يحمل أولئك المعاندين على التوجه إلى خالقهم فيتضرعوا إليه ويطلبوا رحمته وعفوه ، فلم يفعلوا ذلك فأخذهم بالرخاء ليختبرهم فيه ، ولهذا قال : (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَة) أي حوّلنا حالهم من الشدّة إلى الرخاء ومن المرض والسقم إلى الصحة والعافية ، ومن الفقر إلى الغنى ، ليشكروا على ذلك ويرجعوا إلى ربهم بالتوبة والانقياد فلم يفعلوا ذلك (حَتَّى عَفَواْ) أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم (وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء) يقول تعالى ابتليناهم بهذا وبهذا ، أي بالضرّاء والسرّاء ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فلم ينفع فيهم لا هذا ولا هذا ، ولا انتهوا عن غيِّهم بهذا ولا بهذا ، وإنما قالوا قد مسّنا من البأساء والضرّاء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر وهذه عادة الزمان في أهله فمرة يحصل لهم فيه الشدّة والنكد ومرّة يحصل لهم الرّخاء والرّاحة فلم يكن ما مسّنا من البأساء والضرّاء عقوبة من الله بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل ، فلم يتفطنوا لأمر الله فيهم ولا اتعظوا ولا اعتبروا ولا استشعروا امتحان الله لهم في الحالين فاستحقوا العقاب قال تعالى : (فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) أي أخذناهم بالعقوبة بغتة أي على بغتة وعدم شعور منهم أي أخذناهم فجأة6 .  
+
والمعنى أن سنّة الله تعالى في الأمم التي كذبت رسلها أن الله تعالى أخذها بالبأساء وبالضرّاء أي بالشدة في أنفسهم وأبدانهم وأرزاقهم وأموالهم ، وقد فعل الله تعالى ذلك بهم لكي يتضرعوا .  
 +
 
 +
والتضرع يعني الخضوع والانقياد إلى الله تعالى ؛ لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى وأن يحمل أولئك المعاندين على التوجه إلى خالقهم فيتضرعوا إليه ويطلبوا رحمته وعفوه ، فلم يفعلوا ذلك فأخذهم بالرخاء ليختبرهم فيه ، ولهذا قال : (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَة) أي حوّلنا حالهم من الشدّة إلى الرخاء ومن المرض والسقم إلى الصحة والعافية ، ومن الفقر إلى الغنى ، ليشكروا على ذلك ويرجعوا إلى ربهم بالتوبة والانقياد فلم يفعلوا ذلك (حَتَّى عَفَواْ) أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم (وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء) يقول تعالى ابتليناهم بهذا وبهذا ، أي بالضرّاء والسرّاء ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فلم ينفع فيهم لا هذا ولا هذا ، ولا انتهوا عن غيِّهم بهذا ولا بهذا ، وإنما قالوا قد مسّنا من البأساء والضرّاء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر وهذه عادة الزمان في أهله فمرة يحصل لهم فيه الشدّة والنكد ومرّة يحصل لهم الرّخاء والرّاحة فلم يكن ما مسّنا من البأساء والضرّاء عقوبة من الله بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل ، فلم يتفطنوا لأمر الله فيهم ولا اتعظوا ولا اعتبروا ولا استشعروا امتحان الله لهم في الحالين فاستحقوا العقاب قال تعالى : (فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) أي أخذناهم بالعقوبة بغتة أي على بغتة وعدم شعور منهم أي أخذناهم فجأة6 .  
  
 
'''100 ـ من ابتلاء الأمم الكافرة :'''  
 
'''100 ـ من ابتلاء الأمم الكافرة :'''  
سطر ٧١٤: سطر ٩٤٣:
 
'''101 ـ فتنة مدعي الإيمان :'''  
 
'''101 ـ فتنة مدعي الإيمان :'''  
  
قال تعالى : '''(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)2 .''' والفتنة : الامتحان بشدائد التكاليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وما يترتب عليه من أذى في الأموال والأبدان ، والقيام بسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات والملذات ، وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم . والمعنى : أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة وأظهروا القول بالإيمان أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين؟ بل إن الله تعالى يمتحنهم بضروب المحن حتى يختبر صبرهم وثبات أقدامهم وصحة عقائدهم وصدق إيمانهم ليتميز المخلص من غير المخلص ، والصادق في إيمانه من الكاذب فيه ، والراسخ في الدين من المضطرب فيه ، فسنّة الله لا تتبدل وهي امتحان مدعي الإيمان ، ولهذا فقد امتحن الله أتباع الأنبياء عليهم السلام بأنواع المحن فلا وجه لتخصيص المسلمين بعدم الامتحان ، فسنة الله في هذا الامتحان ماضية فيهم كما مضت فيمن سبقهم من المؤمنين أتباع الانبياء السابقين . وبهذا الامتحان يظهر الصادق في إيمانه ويتميز من الكاذب3 .   
+
قال تعالى : '''(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)2 .''' والفتنة : الامتحان بشدائد التكاليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وما يترتب عليه من أذى في الأموال والأبدان ، والقيام بسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات والملذات ، وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم .  
 +
 
 +
والمعنى : أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة وأظهروا القول بالإيمان أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين؟ بل إن الله تعالى يمتحنهم بضروب المحن حتى يختبر صبرهم وثبات أقدامهم وصحة عقائدهم وصدق إيمانهم ليتميز المخلص من غير المخلص ، والصادق في إيمانه من الكاذب فيه ، والراسخ في الدين من المضطرب فيه ، فسنّة الله لا تتبدل وهي امتحان مدعي الإيمان ، ولهذا فقد امتحن الله أتباع الأنبياء عليهم السلام بأنواع المحن فلا وجه لتخصيص المسلمين بعدم الامتحان ، فسنة الله في هذا الامتحان ماضية فيهم كما مضت فيمن سبقهم من المؤمنين أتباع الانبياء السابقين .  
 +
 
 +
وبهذا الامتحان يظهر الصادق في إيمانه ويتميز من الكاذب3 .   
  
 
'''102 ـ فتنة النعمة :'''  
 
'''102 ـ فتنة النعمة :'''  
  
قال تعالى : '''(فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)4 .''' يقول الله تبارك وتعالى مخبراً عن الإنسان أنه في حال الضرّاء يتضرع إلى الله عزّ وجلّ وينيب إليه ويدعوه ، وإذا خوَّله نعمة منه بغى وطغى وقال إنما أوتيته على علم ، قال تعالى إنكاراً لقول هذا الإنسان : (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ) أي ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنمتحنه فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي ،  أيشكر أم يكفر ، مع علمنا المتقدم بذلك . فما أعطيناه من نعمة فهي فتنة أي اختبار له ، وقد قال مثل مقالته ـ وهي ((إنما أوتيته على علم ـ وزعم هذا الزعم وادّعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم ومنهم قارون (فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي ما صح قولهم ولا نفعهم ما كانوا يكسبون من متاع الدنيا وما كانوا يجمعون منه))5 .   
+
قال تعالى : '''(فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)4 .''' يقول الله تبارك وتعالى مخبراً عن الإنسان أنه في حال الضرّاء يتضرع إلى الله عزّ وجلّ وينيب إليه ويدعوه ، وإذا خوَّله نعمة منه بغى وطغى وقال إنما أوتيته على علم ، قال تعالى إنكاراً لقول هذا الإنسان : (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ) أي ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنمتحنه فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي ،  أيشكر أم يكفر ، مع علمنا المتقدم بذلك .  
 +
 
 +
فما أعطيناه من نعمة فهي فتنة أي اختبار له ، وقد قال مثل مقالته ـ وهي ((إنما أوتيته على علم ـ وزعم هذا الزعم وادّعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم ومنهم قارون (فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي ما صح قولهم ولا نفعهم ما كانوا يكسبون من متاع الدنيا وما كانوا يجمعون منه))5 .   
  
 
'''103 ـ فتنة الأموال والأولاد :'''  
 
'''103 ـ فتنة الأموال والأولاد :'''  
سطر ٧٢٦: سطر ٩٦١:
 
'''104 ـ الله وحده هو المنفرد بامتحان عباده :'''  
 
'''104 ـ الله وحده هو المنفرد بامتحان عباده :'''  
  
وليكن معلوماً أن الله تعالى هو وحده المنفرد بامتحان عبده ولا يشركه أحد في هذا الامتحان وما يتعلق بهمن حيث مكانه وزمانه ومفرداته فهو تعالى يعين مفردات هذا الامتحان أي أنواع الفتن والمحن التي يمتحن الله بها عبده ، وهو تعالى يُعيِّن وقت هذا الامتحان ومكانه ومدته . ولا يجوز مطلقاً للعبد كائناً من كان أن يعترض على هذا الامتحان ولا على مفرداته ومواضيعه ولا على زمانه ومكانه ومدّته ولا أن يختار مفردات معينة لامتحانه ولا أن يختار مكاناً أو زماناً لهذا الامتحان ولا مدّة له ، فكل ذلك لا يجوز مطلقاً ، وإذا صدر من المسلم كان ذلك مناقضاً لإيمانه بل ردّة عن [[الإسلام]]  والعياذ بالله فليحذر المسلم ذلك . إن التلميذ لا يحق له ان يفرض مفردات امتحانه على أستاذه ولا ان يعترض على الامتحان ولا على مدّته ، فكيف يجوز للعبد أن يفعل ذلك مع الله جلّ جلاله بشأن امتحانه؟ نعم ، يجوز للمسلم ان يدعو الله تعالى ان يخفف عليه الامتحان ويسأله اللطف فيه ويستعيذ به من الفتن ، وهذا ما نبيّنه في الفقرة التالية .  
+
وليكن معلوماً أن الله تعالى هو وحده المنفرد بامتحان عبده ولا يشركه أحد في هذا الامتحان وما يتعلق بهمن حيث مكانه وزمانه ومفرداته فهو تعالى يعين مفردات هذا الامتحان أي أنواع الفتن والمحن التي يمتحن الله بها عبده ، وهو تعالى يُعيِّن وقت هذا الامتحان ومكانه ومدته .  
 +
 
 +
ولا يجوز مطلقاً للعبد كائناً من كان أن يعترض على هذا الامتحان ولا على مفرداته ومواضيعه ولا على زمانه ومكانه ومدّته ولا أن يختار مفردات معينة لامتحانه ولا أن يختار مكاناً أو زماناً لهذا الامتحان ولا مدّة له ، فكل ذلك لا يجوز مطلقاً ، وإذا صدر من المسلم كان ذلك مناقضاً لإيمانه بل ردّة عن [[الإسلام]]  والعياذ بالله فليحذر المسلم ذلك .  
 +
 
 +
إن التلميذ لا يحق له ان يفرض مفردات امتحانه على أستاذه ولا ان يعترض على الامتحان ولا على مدّته ، فكيف يجوز للعبد أن يفعل ذلك مع الله جلّ جلاله بشأن امتحانه؟ نعم ، يجوز للمسلم ان يدعو الله تعالى ان يخفف عليه الامتحان ويسأله اللطف فيه ويستعيذ به من الفتن ، وهذا ما نبيّنه في الفقرة التالية .  
  
 
'''105 ـ الاستعاذة بالله من الفتن :'''  
 
'''105 ـ الاستعاذة بالله من الفتن :'''  
سطر ٧٣٨: سطر ٩٧٧:
 
وفي تفسير الآلوسي ((أي لا تسلطهم ـ أي الكفار ـ علينا فيَسْبونا ويعذبونا ، قاله ابن عباس . وقال مجاهد : أي لا تعذبنا بأيديهم أو بعذاب من عندك فيظنوا أنهم محقون وأنا مبطلون فيفتنوالذلك . والأول أرجح5 .  
 
وفي تفسير الآلوسي ((أي لا تسلطهم ـ أي الكفار ـ علينا فيَسْبونا ويعذبونا ، قاله ابن عباس . وقال مجاهد : أي لا تعذبنا بأيديهم أو بعذاب من عندك فيظنوا أنهم محقون وأنا مبطلون فيفتنوالذلك . والأول أرجح5 .  
  
 +
'''106 ـ امتحان الجماعة المسلمة :'''
  
'''106 ـ امتحان الجماعة المسلمة :'''
+
إن الابتلاء كما يصيب الفرد والأمة يصيب الجماعة المسلمة التي تدعو إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فما ذكرناه من أنواع البلاء والابتلاء مما يصيب المؤمنين في جهادهم في سبيل الله يصيب الجماعة المسلمة أيضاً فيصيب أعضاءها أنواع الأذى في أموالهم بالمصادرة والاستيلاء عليها ، وفي أشخاصهم بالحبس والتعذيب وبسمعتهم بالاتهامات الباطلة ، لاسيما في زماننا الذي تنوعت فيه وسائل الدعاية لاسيما إذا كان خصم الجماعة المسلمة ذا سلطان بماله أو نفوذه أو سلطته بل وربما يكون خصمها الحكام وولاة الأمر أنفسهم .
  
إن الابتلاء كما يصيب الفرد والأمة يصيب الجماعة المسلمة التي تدعو إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فما ذكرناه من أنواع البلاء والابتلاء مما يصيب المؤمنين في جهادهم في سبيل الله يصيب الجماعة المسلمة أيضاً فيصيب أعضاءها أنواع الأذى في أموالهم بالمصادرة والاستيلاء عليها ، وفي أشخاصهم بالحبس والتعذيب وبسمعتهم بالاتهامات الباطلة ، لاسيما في زماننا الذي تنوعت فيه وسائل الدعاية لاسيما إذا كان خصم الجماعة المسلمة ذا سلطان بماله أو نفوذه أو سلطته بل وربما يكون خصمها الحكام وولاة الأمر أنفسهم . فلا بد للجماعة المسلمة أن تعتصم بالصبر والتقوى لتفوّت على خصومها ما يريدون ، قال تعالى : '''(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)6 .'''  
+
فلا بد للجماعة المسلمة أن تعتصم بالصبر والتقوى لتفوّت على خصومها ما يريدون ، قال تعالى : '''(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)6 .'''  
  
 
'''107 ـ الابتلاء للجماعة المسلمة تمييز وتمحيص :'''
 
'''107 ـ الابتلاء للجماعة المسلمة تمييز وتمحيص :'''
سطر ٧٤٩: سطر ٩٨٩:
 
والمعنى : ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق وأشباهه حتى يميز الخبيث من الطيب أي المنافق من المؤمن بإلقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة ، فمن كان مؤمناً ثبت على إيمانه وعلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن كان منافقاً ظهر نفاقه وكفره ، (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بان يطلعكم الله على غيبه فيقول : إن فلاناً منافق وفلاناً مؤمن فإن سنّة الله جارية بأن لا يطلع عوام الناس على غيبه ، فلا سبيل لكم إلى معرفة ذلك التمييز إلا بامتحانكم بما يصيبكم من المحن والآفات حتى يتميز بذلك المنافق من المؤمن1 .  
 
والمعنى : ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق وأشباهه حتى يميز الخبيث من الطيب أي المنافق من المؤمن بإلقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة ، فمن كان مؤمناً ثبت على إيمانه وعلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن كان منافقاً ظهر نفاقه وكفره ، (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بان يطلعكم الله على غيبه فيقول : إن فلاناً منافق وفلاناً مؤمن فإن سنّة الله جارية بأن لا يطلع عوام الناس على غيبه ، فلا سبيل لكم إلى معرفة ذلك التمييز إلا بامتحانكم بما يصيبكم من المحن والآفات حتى يتميز بذلك المنافق من المؤمن1 .  
  
فتمحيص صفوف الجماعة المسلمة وتمييز أعضائها بحيث يعرف الصادق في إيمانه الراسخ فيه كما يعرف الكاذب في إيمانه أو المنافق أو الضعيف في إيمانه ، فإن هذا التمحيص والتمييز والعرفان لا يحصل إلا بابتلاء الجماعة المسلمة بالمحن والشدائد ، فالشدائد هي التي تميز القوي من الضعيف وتزيل الالتباس والخطأ بين الصادقين وغيرهم . ولا شك أن هذا التمايز ضروري جداً للجماعة المسلمة لانه قد ينضم إليها ويعتبر من اعضائها ويحسب عليها المؤمن الصادق والمنافق الكاذب ، والقوي في إيمانه والضعيف فيه والمخلص في انتمائه للجماعة والذي جاءها للغنيمة أو للفتنة أو للتجسس أو لغير ذلك من الأغراض التي ليست هي أغراض الجماعة المسلمة ، فالتمايز بين الخبيث والطيب من أعضائها ضروري جداً لها والشدائد والمحن تقوم بهذا التمييز كما تقوم النار بتمييز المعدن الأصيل من غيره .  
+
فتمحيص صفوف الجماعة المسلمة وتمييز أعضائها بحيث يعرف الصادق في إيمانه الراسخ فيه كما يعرف الكاذب في إيمانه أو المنافق أو الضعيف في إيمانه ، فإن هذا التمحيص والتمييز والعرفان لا يحصل إلا بابتلاء الجماعة المسلمة بالمحن والشدائد ، فالشدائد هي التي تميز القوي من الضعيف وتزيل الالتباس والخطأ بين الصادقين وغيرهم .  
 +
 
 +
ولا شك أن هذا التمايز ضروري جداً للجماعة المسلمة لانه قد ينضم إليها ويعتبر من اعضائها ويحسب عليها المؤمن الصادق والمنافق الكاذب ، والقوي في إيمانه والضعيف فيه والمخلص في انتمائه للجماعة والذي جاءها للغنيمة أو للفتنة أو للتجسس أو لغير ذلك من الأغراض التي ليست هي أغراض الجماعة المسلمة ، فالتمايز بين الخبيث والطيب من أعضائها ضروري جداً لها والشدائد والمحن تقوم بهذا التمييز كما تقوم النار بتمييز المعدن الأصيل من غيره .  
  
 
'''108 ـ من حكمة ابتلاء الجماعة المسلمة :'''  
 
'''108 ـ من حكمة ابتلاء الجماعة المسلمة :'''  
سطر ٧٥٥: سطر ٩٩٧:
 
ثم إن بابتلاء الجماعة المسلمة بالشدائد تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية ؛ لأن الشدائد كما قلنا تمييز وتمحيص ، فبانكشاف حال المنافقين المندسين في صفوفها وانكشاف حال القادمين إليها للغنيمة والجاه أو التجسس أو غير ذلك من الأغراض الدنيوية أو الخسيسة سيكون وزن قوة الجماعة قدر وزن الذين ظهر صدقهم وإخلاصهم وثباتهم .  
 
ثم إن بابتلاء الجماعة المسلمة بالشدائد تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية ؛ لأن الشدائد كما قلنا تمييز وتمحيص ، فبانكشاف حال المنافقين المندسين في صفوفها وانكشاف حال القادمين إليها للغنيمة والجاه أو التجسس أو غير ذلك من الأغراض الدنيوية أو الخسيسة سيكون وزن قوة الجماعة قدر وزن الذين ظهر صدقهم وإخلاصهم وثباتهم .  
  
كما أن بالشدائد ينكشف حال أعضائها المؤمنين الضعفاء فتعرف الجماعة أن هؤلاء كانوا يزيدون في عدد أعضائها فقط ولا يزيدون في وقتها ، والمنظور إليه في قوة الجماعة هو قوتها الحقيقية وليس بمجرد عدد أعضائها  . وفي امتحان الجماعة وابتلائها بالمحن سيعرف كل عضو مؤمن مخلص صادق في إيمانه مقدار إيمانه الحقيقي ومدى عمقه في نفسه ومقدار ثباته عليه ، ومثل هذه المعرفة مهمة جداً للعضو نفسه وللجماعة نفسها ، فقد يغالي المؤمن المخلص في تقدير إيمانه وثباته عليه وتأثيره في نفسه ويعتقد بأنه حاضر للفداء ومتطلبات [[الجهاد]]  بكل شيء في سبيل الله ولا يعرف ما في نفسه من قصور وضعف وأنَّ ما كان يجول في خاطره وما كان يحس به قبل نزول البلاء بشأن [[الجهاد]]  وعزمه عليه ، إنَّ ذلك كلّه كان من قبيل الأماني ، وإنّ الأماني غير ما يُعزم عليه ، وما يعزم عليه غير تنفيذه وفعله فقد تنفسخ العزائم إذا جدّ الجدّ وحقت الحقائق . والفعل نفسه قد ينقطع ولا يستمر ، أو يستمر ولكن في الجو الهادىء المريح فقط وليس في الرياح العاتية والأعاصير الشديدة .  
+
كما أن بالشدائد ينكشف حال أعضائها المؤمنين الضعفاء فتعرف الجماعة أن هؤلاء كانوا يزيدون في عدد أعضائها فقط ولا يزيدون في وقتها ، والمنظور إليه في قوة الجماعة هو قوتها الحقيقية وليس بمجرد عدد أعضائها  .  
 +
 
 +
وفي امتحان الجماعة وابتلائها بالمحن سيعرف كل عضو مؤمن مخلص صادق في إيمانه مقدار إيمانه الحقيقي ومدى عمقه في نفسه ومقدار ثباته عليه ، ومثل هذه المعرفة مهمة جداً للعضو نفسه وللجماعة نفسها ، فقد يغالي المؤمن المخلص في تقدير إيمانه وثباته عليه وتأثيره في نفسه ويعتقد بأنه حاضر للفداء ومتطلبات [[الجهاد]]  بكل شيء في سبيل الله ولا يعرف ما في نفسه من قصور وضعف وأنَّ ما كان يجول في خاطره وما كان يحس به قبل نزول البلاء بشأن [[الجهاد]]  وعزمه عليه ، إنَّ ذلك كلّه كان من قبيل الأماني ، وإنّ الأماني غير ما يُعزم عليه ، وما يعزم عليه غير تنفيذه وفعله فقد تنفسخ العزائم إذا جدّ الجدّ وحقت الحقائق .  
 +
 
 +
والفعل نفسه قد ينقطع ولا يستمر ، أو يستمر ولكن في الجو الهادىء المريح فقط وليس في الرياح العاتية والأعاصير الشديدة .
 +
 
فهذه المعرفة تنفع العضو المؤمن المخلص فينكشف له حاله تماماً مما يحمله على الالتفات إلى نفسه يتأملها ويفحصها ليتعرف على أوجه الضعف فيها فيتداركها بالتقوية ، ويتعرف على ما في نفسه من كدورة ووسخ فيعمل على تنقيتها وغسلها ويزيل عنها العوائق والشوائب التي تمنع من تغلغل الإيمان في كيانه وتجعله حاضراً للفداء و[[الجهاد]]  على وجه الحقيقة لا على وجه الأماني والرغبات .  
 
فهذه المعرفة تنفع العضو المؤمن المخلص فينكشف له حاله تماماً مما يحمله على الالتفات إلى نفسه يتأملها ويفحصها ليتعرف على أوجه الضعف فيها فيتداركها بالتقوية ، ويتعرف على ما في نفسه من كدورة ووسخ فيعمل على تنقيتها وغسلها ويزيل عنها العوائق والشوائب التي تمنع من تغلغل الإيمان في كيانه وتجعله حاضراً للفداء و[[الجهاد]]  على وجه الحقيقة لا على وجه الأماني والرغبات .  
  
سطر ٧٦٢: سطر ١٬٠٠٩:
 
وقد تبتلى الجماعة المسلمة بفقد أميرها بالموت أو القتل وهو ابتلاء شديد ، فعلى الجماعة المسلمة أن تقف الموقف الصحيح أمام هذا الامتحان الصعب وتقابله بالصبر الجميل والثبات على المعاني التي جاهد من أجلها فقيدها الغالي العزيز ، وقامت الجماعة نفسها لهذه المعاني و[[الجهاد]]  لأجلها ، وهي الدعوة إلى الله تعالى وإعلاء كلمة الله بإقامة شرعه في الأرض . وهذه المعاني باقية لا تزول ولا تموت بموت أميرها ولا بموت غيره فلا يجوز لها أن تضعف عن [[الجهاد]]  لمصيبتها بفقد أميرها كما لا يجوز أن توقف العمل وتقعد .  
 
وقد تبتلى الجماعة المسلمة بفقد أميرها بالموت أو القتل وهو ابتلاء شديد ، فعلى الجماعة المسلمة أن تقف الموقف الصحيح أمام هذا الامتحان الصعب وتقابله بالصبر الجميل والثبات على المعاني التي جاهد من أجلها فقيدها الغالي العزيز ، وقامت الجماعة نفسها لهذه المعاني و[[الجهاد]]  لأجلها ، وهي الدعوة إلى الله تعالى وإعلاء كلمة الله بإقامة شرعه في الأرض . وهذه المعاني باقية لا تزول ولا تموت بموت أميرها ولا بموت غيره فلا يجوز لها أن تضعف عن [[الجهاد]]  لمصيبتها بفقد أميرها كما لا يجوز أن توقف العمل وتقعد .  
  
ألا ترى أن جماعة المصلين في مسجد تستمر على صلاتها الجماعية ولو مات إمام مسجدها؟ فكذلك الجماعة المسلمة تستمر على عملها ولو مات أميرها . فقد حذر الشرع الصحابة الكرام من وقف العمل و[[الجهاد]]  في سبيل الله لموت الرسول صلى الله عليه وسلم أو قتله فقال تعالى : '''(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)2 .'''   
+
ألا ترى أن جماعة المصلين في مسجد تستمر على صلاتها الجماعية ولو مات إمام مسجدها؟ فكذلك الجماعة المسلمة تستمر على عملها ولو مات أميرها .  
 +
 
 +
فقد حذر الشرع الصحابة الكرام من وقف العمل و[[الجهاد]]  في سبيل الله لموت الرسول صلى الله عليه وسلم أو قتله فقال تعالى : '''(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)2 .'''   
 +
 
 +
وجاء في تفسيرها : أعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست باقية في قومها أبداً وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل ، وإن فقد الرسول بموت أو قتل فالأديان لا تزول بموت الأنبياء .
  
وجاء في تفسيرها : أعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست باقية في قومها أبداً وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل ، وإن فقد الرسول بموت أو قتل فالأديان لا تزول بموت الأنبياء . ثم قال تعالى منكراً على من حصل له ضعف لموت النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله فقال تعالى : (أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) أي رجعتم القهقرى وقعدتم عن [[الجهاد]]  ، ومن فعل ذلك فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين أي الذين قاموا بطاعة الله وقاتلوا عن دينه واتبعوا رسوله حياً وميتاً1.   
+
ثم قال تعالى منكراً على من حصل له ضعف لموت النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله فقال تعالى : (أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) أي رجعتم القهقرى وقعدتم عن [[الجهاد]]  ، ومن فعل ذلك فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين أي الذين قاموا بطاعة الله وقاتلوا عن دينه واتبعوا رسوله حياً وميتاً1.   
 
   
 
   
 
'''110 ـ حذار من جلب المحن أو الحرص عليها :'''  
 
'''110 ـ حذار من جلب المحن أو الحرص عليها :'''  
سطر ٧٧٢: سطر ١٬٠٢٣:
 
'''111 ـ أولاً : استعجال المحن لجهل الجماعة المسلمة :'''  
 
'''111 ـ أولاً : استعجال المحن لجهل الجماعة المسلمة :'''  
  
وأعني بهذا الجهل جهل الجماعة المسلمة بمعنى سنّة الله في الفتنة والامتحان وما يجب أن يكون عليه موقفها تجاه هذه السنّة الربانية . وبيان ذلك أن هذه السنّة تعني فيما تعنيه أن المحن والشدائد مما يلاقيه المؤمنون الداعون إلى الله ، ولكن لا تعني وجوب أو استحباب أو إباحة تقصد جلب هذه المحن وتعمد إيقاعها بالجماعة .
+
وأعني بهذا الجهل جهل الجماعة المسلمة بمعنى سنّة الله في الفتنة والامتحان وما يجب أن يكون عليه موقفها تجاه هذه السنّة الربانية .  
 +
 
 +
وبيان ذلك أن هذه السنّة تعني فيما تعنيه أن المحن والشدائد مما يلاقيه المؤمنون الداعون إلى الله ، ولكن لا تعني وجوب أو استحباب أو إباحة تقصد جلب هذه المحن وتعمد إيقاعها بالجماعة .
 
   
 
   
 
كما لا تعني هذه السنّة عدم جواز الحذر أو الوقاية من الفتن والمحن والشدائد لئلا تقع ولا تمنع من رفع المحنة إذا وقعت . وعلى هذا الصحيح للجماعة المسلمة من هذه السنّة الإلهية في ضوء المعنى الصحيح لها هو : لا تستغرب الجماعة المسلمة ولا تندهش إذا أصابتها المحن والشدائد ، وإنها ـ أي الجماعة ـ غير ممنوعة من الوقاية من هذه المحن لئلا تقع وإذا وقعت فعليها أن تقابلها بالصبر الجميل مع سعيها الحثيث لرفعها لأن الشرع قد أذن أو ندب لذلك أو أوجبه عليها .  
 
كما لا تعني هذه السنّة عدم جواز الحذر أو الوقاية من الفتن والمحن والشدائد لئلا تقع ولا تمنع من رفع المحنة إذا وقعت . وعلى هذا الصحيح للجماعة المسلمة من هذه السنّة الإلهية في ضوء المعنى الصحيح لها هو : لا تستغرب الجماعة المسلمة ولا تندهش إذا أصابتها المحن والشدائد ، وإنها ـ أي الجماعة ـ غير ممنوعة من الوقاية من هذه المحن لئلا تقع وإذا وقعت فعليها أن تقابلها بالصبر الجميل مع سعيها الحثيث لرفعها لأن الشرع قد أذن أو ندب لذلك أو أوجبه عليها .  
سطر ٧٨٢: سطر ١٬٠٣٥:
 
وقد دلّ على ما قلته الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الناس فقال : (لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا)2 .
 
وقد دلّ على ما قلته الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الناس فقال : (لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا)2 .
 
   
 
   
وجاء في شرحه : قال ابن بطال : حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إيه الأمر وهو نظير سؤال العافية من الفتن ، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : (لأن أُعافى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر) . وقال غيره : إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب بالنفس والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو ، وكل ذلك يخالف اغلاحتياط والأخذ بالحزم .  
+
وجاء في شرحه : قال ابن بطال : حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إيه الأمر وهو نظير سؤال العافية من الفتن ، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : (لأن أُعافى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر) .  
 +
 
 +
وقال غيره : إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب بالنفس والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو ، وكل ذلك يخالف اغلاحتياط والأخذ بالحزم .  
  
وأخرج سعيد بن منصور حديثاً مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم) ، وقال ابن دقيق العيد : لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفوس وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة لم يوثق أن يكون عند الوقوع كما ينبغي فيكره التمني لذلك ، ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه من الثبات عند لقاء العدو3 .  
+
وأخرج سعيد بن منصور حديثاً مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم) ، وقال ابن دقيق العيد : لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفوس وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة لم يوثق أن يكون عند الوقوع كما ينبغي فيكره التمني لذلك ، ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه من الثبات عند لقاء العدو3 .
 +
 
وفي وصيته صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد وقد جعله أميراً على جيش المسلمين لغزو الروم قبيل وفاته عليه الصلاة والسلام بأيام ، قال له : (ولا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ، ولكن قولوا : اللهم اكفناهم واكفف بأسهم)1 .     
 
وفي وصيته صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد وقد جعله أميراً على جيش المسلمين لغزو الروم قبيل وفاته عليه الصلاة والسلام بأيام ، قال له : (ولا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ، ولكن قولوا : اللهم اكفناهم واكفف بأسهم)1 .     
  
 
'''113 ـ الحرب خدعة :'''  
 
'''113 ـ الحرب خدعة :'''  
  
ودليل آخر على صحة ما قلته أن الجماعة المسلمة وهي تدعو إلى الله ويقاومها أهل الباطل تصير معهم في حالة تشبه حالة الحرب . وغالباً لا تكون قوة الجماعة مكافئة لقوة خصومها الذين يملكون قوة المال والأعوان والسلطان . ويكون هذا التباين واضحاً وجلياً إذا كان خصوم الجماعة الدولة نفسها أي حكامها ، ففي هذه الحالة يجب على الجماعة المسلمة أن تعرف وزنها وقوتها فلا تتصرف إلا بحذر وبقدر ما يأذن به الشرع وكأنها في حالة حرب فعلية مع خصومها .  
+
ودليل آخر على صحة ما قلته أن الجماعة المسلمة وهي تدعو إلى الله ويقاومها أهل الباطل تصير معهم في حالة تشبه حالة الحرب .  
 +
 
 +
وغالباً لا تكون قوة الجماعة مكافئة لقوة خصومها الذين يملكون قوة المال والأعوان والسلطان .  
 +
 
 +
ويكون هذا التباين واضحاً وجلياً إذا كان خصوم الجماعة الدولة نفسها أي حكامها ، ففي هذه الحالة يجب على الجماعة المسلمة أن تعرف وزنها وقوتها فلا تتصرف إلا بحذر وبقدر ما يأذن به الشرع وكأنها في حالة حرب فعلية مع خصومها .
 +
 
 +
وفي الحرب جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذ رواه البخاري عن أبي هريرة قال : (سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة)2 .
 +
 
 +
وجاء في شرحه : وأصل الخداع إظهار أمر وإضمار خلافه . وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب والندب إلى خداع الكفار ، وإن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه .
 +
 
 +
قال النووي واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا ان يكون فيه نفض عهد أو أمان فلا يجوز .  
  
وفي الحرب جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذ رواه البخاري عن أبي هريرة قال : (سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة)2 . وجاء في شرحه : وأصل الخداع إظهار أمر وإضمار خلافه . وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب والندب إلى خداع الكفار ، وإن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه . قال النووي واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا ان يكون فيه نفض عهد أو أمان فلا يجوز . قال ابن العربي المالكي : الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك . وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة . وقال ابن التين : معنى (الحرب خدعة) أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر3 .  
+
قال ابن العربي المالكي : الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك . وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة . وقال ابن التين : معنى (الحرب خدعة) أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر3 .  
  
 
'''114 ـ خلاصة ما يستفاد من الحديثين :'''  
 
'''114 ـ خلاصة ما يستفاد من الحديثين :'''  
  
وخلاصة ما يستفاد من الحديثين الشريفين : (لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا) . وحديث (الحرب خدعة) أن على الجماعة المسلمة أن لا تستعجل وقوع المحن وتتعمد وقوعها ، وأن تتصرف مع خصومها بأسلوب الحرب ، والحرب خدعة ، كما جاء في الحديث النبوي الشريف . ومن خداع الحرب وأساليب الحرب : الكرّ والفرّ والاختفاء والظهور وتبديل أساليب الدفاع والهجوم والانسحاب ، وعدم الجمود على أسلوب واحد ، وهكذا يجب أن تكون أساليب الدعوة ووسائلها ، فإذا علمت الجماعة المسلمة ان عدوها الكافر يتربص بها ويراقبها ويرصد تحركاتها ليبطش بها فعليها ان لا تريه قوتها ولا اعضاءها ولا تتحرك بعملها بشكل جماعي والطبول أمامها تقرع كما تفعل الجيوش في سيرها ، ولا أن ترفع صوتها بالتهديد والوعيد لمن يخالفها أو يقف في طريقها ، لا تفعل ذلك ، فهذا الصراخ لا يفيدها ، بل يجلب عليها الضرر ويفتح عيون أعدائها عليها ، فيعرف مكانها ومكان أعضائها فيسهل عليه البطش بها وبهم .
+
وخلاصة ما يستفاد من الحديثين الشريفين : (لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا) .  
 +
 
 +
وحديث (الحرب خدعة) أن على الجماعة المسلمة أن لا تستعجل وقوع المحن وتتعمد وقوعها ، وأن تتصرف مع خصومها بأسلوب الحرب ، والحرب خدعة ، كما جاء في الحديث النبوي الشريف .  
 +
 
 +
ومن خداع الحرب وأساليب الحرب : الكرّ والفرّ والاختفاء والظهور وتبديل أساليب الدفاع والهجوم والانسحاب ، وعدم الجمود على أسلوب واحد ، وهكذا يجب أن تكون أساليب الدعوة ووسائلها ، فإذا علمت الجماعة المسلمة ان عدوها الكافر يتربص بها ويراقبها ويرصد تحركاتها ليبطش بها فعليها ان لا تريه قوتها ولا اعضاءها ولا تتحرك بعملها بشكل جماعي والطبول أمامها تقرع كما تفعل الجيوش في سيرها ، ولا أن ترفع صوتها بالتهديد والوعيد لمن يخالفها أو يقف في طريقها ، لا تفعل ذلك ، فهذا الصراخ لا يفيدها ، بل يجلب عليها الضرر ويفتح عيون أعدائها عليها ، فيعرف مكانها ومكان أعضائها فيسهل عليه البطش بها وبهم .
 
   
 
   
 
إن أساليب الدعوة كثيرة جداً وقد يكون من أسلمها وأنفعها دائماً الدعوة الفردية الصامتة بالقول والفعل والسلوك ، وإشاعة الوعي [[الإسلام]] ي في الناس وتعميقه في نفوسهم وتبصيرهم بحقائق [[الإسلام]]  وبواجبهم نحوه ، ولا تبدأ بمهاجمة الحكام فإن آخر ما تفعله هي مهاجمتهم ، وأمامها سوح العمل للإسلام الميسرة المفتوحة كثيرة فلتبدأ بها ، حتى إذا ما شاع الوعي [[الإسلام]] ي وانتشر في المجتمع وصار مسلماً حقاً فإن الحكومة المسلمة ستنبثق منه ، لأن انبثاقها من الشعب المسلم شيء طبيعي كخروج الثمرة من الشجرة ، والشعب المسلم هو الذي يشيع فيه الوعي [[الإسلام]] ي الصحيح وتكون طليعته الجماعة المسلمة المستنيرة المخلصة التي ينجذب إليها الطيبون المؤمنون الصادقون دون طلب منها إلى هذا الانجذاب كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس .  
 
إن أساليب الدعوة كثيرة جداً وقد يكون من أسلمها وأنفعها دائماً الدعوة الفردية الصامتة بالقول والفعل والسلوك ، وإشاعة الوعي [[الإسلام]] ي في الناس وتعميقه في نفوسهم وتبصيرهم بحقائق [[الإسلام]]  وبواجبهم نحوه ، ولا تبدأ بمهاجمة الحكام فإن آخر ما تفعله هي مهاجمتهم ، وأمامها سوح العمل للإسلام الميسرة المفتوحة كثيرة فلتبدأ بها ، حتى إذا ما شاع الوعي [[الإسلام]] ي وانتشر في المجتمع وصار مسلماً حقاً فإن الحكومة المسلمة ستنبثق منه ، لأن انبثاقها من الشعب المسلم شيء طبيعي كخروج الثمرة من الشجرة ، والشعب المسلم هو الذي يشيع فيه الوعي [[الإسلام]] ي الصحيح وتكون طليعته الجماعة المسلمة المستنيرة المخلصة التي ينجذب إليها الطيبون المؤمنون الصادقون دون طلب منها إلى هذا الانجذاب كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس .  
سطر ٨٠١: سطر ١٬٠٧١:
 
'''115 ـ ثانياً : رياء الجماعة المسلمة يجلب المحن :'''  
 
'''115 ـ ثانياً : رياء الجماعة المسلمة يجلب المحن :'''  
  
وقد يكون الدافع للجماعة المسلمة في سعيها لجلب المحن لنفسها هو رياؤها وطلبها السمعة لنفسها عند الناس . وهذا الدافع للعمل ـ الرياء وطلب السمعة ـ داء قديم في الجماعات والأفراد ولكن ضرره بالجماعة المسلمة أشد من ضرره بالأفراد وبالجماعات الدنيوية . إنّ الجماعة [[الإسلام]]ية قامت على أساس المعاني [[الإسلام]]ية وللدعوة إليها ، فمن التناقض أن يكون الدافع لعملها هو ما حرّمه الله : الرياء وطلب السمعة عند الناس . إنها تسعى لإعلاء كلمة الله بتطبيق شرعه ونصرة دينه ابتغاء مرضاة الله وطاعته فيجب أن تنأى عن الرياء بأي شكل كان . وعليها أن تعلم أن خطر الرياء عظيم وتأثيره في النفس كبير ، فقد يحمل الرياء المرائي على أن يعرض نفسه للقتل حتى يقول الناس ولو بعد قتله : ما أشجعه وما أجرأه .
+
وقد يكون الدافع للجماعة المسلمة في سعيها لجلب المحن لنفسها هو رياؤها وطلبها السمعة لنفسها عند الناس .  
 +
 
 +
وهذا الدافع للعمل ـ الرياء وطلب السمعة ـ داء قديم في الجماعات والأفراد ولكن ضرره بالجماعة المسلمة أشد من ضرره بالأفراد وبالجماعات الدنيوية . إنّ الجماعة [[الإسلام]]ية قامت على أساس المعاني [[الإسلام]]ية وللدعوة إليها ، فمن التناقض أن يكون الدافع لعملها هو ما حرّمه الله : الرياء وطلب السمعة عند الناس .  
 +
 
 +
إنها تسعى لإعلاء كلمة الله بتطبيق شرعه ونصرة دينه ابتغاء مرضاة الله وطاعته فيجب أن تنأى عن الرياء بأي شكل كان . وعليها أن تعلم أن خطر الرياء عظيم وتأثيره في النفس كبير ، فقد يحمل الرياء المرائي على أن يعرض نفسه للقتل حتى يقول الناس ولو بعد قتله : ما أشجعه وما أجرأه .
 
   
 
   
فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إنّ أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأُتِيَ به فعرّفه نعمة فعرفها . قال : فما عملت فيها؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت . قال : كذبت  ولكنك  قاتلت لأن يقال جريء ، فقد قيل ، ثم أمر به  فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار ..)1 .  
+
فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إنّ أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأُتِيَ به فعرّفه نعمة فعرفها . قال : فما عملت فيها؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت .  
 +
 
 +
قال : كذبت  ولكنك  قاتلت لأن يقال جريء ، فقد قيل ، ثم أمر به  فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار ..)1 .  
 
    
 
    
والمعنى أن أول الناس يجري عليه القضاء رجل مات في [[الجهاد]]  أي في قتال الكفار ، فيؤتى به ويوقف بين يدي الله تعالى ، فيعرفه الله بنعمه التي أنعم بها عليه في الدنيا فيعترف بها فيقول الله تعالى له فما عملت في هذه النعم التي أنعمت بها عليك ، هل قمت بشكرها؟ فيقول هذا الرجل : قاتلت في سبيلك وبطلب مرضاتك حتى استشهدت ، فيقول الله تعالى : كذبت ، ولكنك قاتلت حتى يقال إنك جريء ، أي شجاع ، وقد قيل ما قاتلت من أجله . فانظروا ـ رحمكم الله ـ يا جماعة المسلمين ، كيف يعمل الرياء بصاحبه؟ إنه يحمله على ان يموت بيد الكفار حتى يقول الناس ولو بعد موته إنه شجاع ، وفي الآخرة ينتظره عذاب أهل الرياء ، فهل يليق بالمسلم العاقل المؤمن بالله واليوم الآخر أن يبتغي بعمله مدح الناس وثناءهم عليه مع خسرانه الدنيا بفقد حياته وخسران الآخرة بمقت الله له وإدخاله النار؟  
+
والمعنى أن أول الناس يجري عليه القضاء رجل مات في [[الجهاد]]  أي في قتال الكفار ، فيؤتى به ويوقف بين يدي الله تعالى ، فيعرفه الله بنعمه التي أنعم بها عليه في الدنيا فيعترف بها فيقول الله تعالى له فما عملت في هذه النعم التي أنعمت بها عليك ، هل قمت بشكرها؟ فيقول هذا الرجل : قاتلت في سبيلك وبطلب مرضاتك حتى استشهدت ، فيقول الله تعالى : كذبت ، ولكنك قاتلت حتى يقال إنك جريء ، أي شجاع ، وقد قيل ما قاتلت من أجله .  
 +
 
 +
فانظروا ـ رحمكم الله ـ يا جماعة المسلمين ، كيف يعمل الرياء بصاحبه؟ إنه يحمله على ان يموت بيد الكفار حتى يقول الناس ولو بعد موته إنه شجاع ، وفي الآخرة ينتظره عذاب أهل الرياء ، فهل يليق بالمسلم العاقل المؤمن بالله واليوم الآخر أن يبتغي بعمله مدح الناس وثناءهم عليه مع خسرانه الدنيا بفقد حياته وخسران الآخرة بمقت الله له وإدخاله النار؟  
  
 
'''116 ـ افتضاح رياء الجماعة المسلمة :'''  
 
'''116 ـ افتضاح رياء الجماعة المسلمة :'''  
سطر ٨١٩: سطر ١٬٠٩٧:
 
'''117 ـ قد تفعل الجماعة المسلمة ما يفعله من يقاتل للرياء والسمعة :'''  
 
'''117 ـ قد تفعل الجماعة المسلمة ما يفعله من يقاتل للرياء والسمعة :'''  
  
وقد تفعل الجماعة المسلمة فعل المرائي وطالب السمعة الذي يقاتل ليعرف مكانه ويمدحه الناس بأن تتعمد الجمماعة المسلمة المواجهة والمقابلة مع عدوها وهي تعلم عجزها عن مواجهته ومنازلته وتعلم أنها يسعها شرعاً أن لا تفعل ذلك ولكنها تفعله وتصر على فعله طالباً للسمعة والمنزلة عند الناس وحتى يقولوا ما أشجع هذه الجماعة وما أجرأها ، ويكون الثمن الذي تقدمه ثمناً باهظاً جداً : إنه سخط الله عليها لأنها لم تقصد بعملها وجه الله وطاعته ومرضاته وإنما أرادت بعملها هذا مرضاة الناس ، ومن طلب مرضاة الناس بسخط الله أسخط الله عليه الناس . ومع سخط الله فإنها تعرّض أعضاءها ـ وهم أمانة عندها ـ إلى الأذى وتنكيل الأعداء بهم وزجهم بالسجون ومصادرة أموالهم والاعتداء على أعراضهم وتعريضهم للفتنة وزعزعة إيمانهم إلى غير ذلك من البلايا العظام التي سببتها لهم جماعتهم أو قيادتهم.
+
وقد تفعل الجماعة المسلمة فعل المرائي وطالب السمعة الذي يقاتل ليعرف مكانه ويمدحه الناس بأن تتعمد الجمماعة المسلمة المواجهة والمقابلة مع عدوها وهي تعلم عجزها عن مواجهته ومنازلته وتعلم أنها يسعها شرعاً أن لا تفعل ذلك ولكنها تفعله وتصر على فعله طالباً للسمعة والمنزلة عند الناس وحتى يقولوا ما أشجع هذه الجماعة وما أجرأها ، ويكون الثمن الذي تقدمه ثمناً باهظاً جداً : إنه سخط الله عليها لأنها لم تقصد بعملها وجه الله وطاعته ومرضاته وإنما أرادت بعملها هذا مرضاة الناس ، ومن طلب مرضاة الناس بسخط الله أسخط الله عليه الناس .  
 +
 
 +
ومع سخط الله فإنها تعرّض أعضاءها ـ وهم أمانة عندها ـ إلى الأذى وتنكيل الأعداء بهم وزجهم بالسجون ومصادرة أموالهم والاعتداء على أعراضهم وتعريضهم للفتنة وزعزعة إيمانهم إلى غير ذلك من البلايا العظام التي سببتها لهم جماعتهم أو قيادتهم.
 
   
 
   
 
ثم مع هذا الذي ذكرته ستضيق سبل العمل على الجماعة ويَنْفَضُّ ضعاف الإيمان من حولها خوفاً من أن يمسهم الأذى ـ وقد كان من المأمول تقوية إيمانهم لو بقيت الجماعة في منأى عن البلاء الذي نزل بها ـ كما ان الناس لا يقبلون على الجماعة خوفاً من تنكيل خصومها بهم .  
 
ثم مع هذا الذي ذكرته ستضيق سبل العمل على الجماعة ويَنْفَضُّ ضعاف الإيمان من حولها خوفاً من أن يمسهم الأذى ـ وقد كان من المأمول تقوية إيمانهم لو بقيت الجماعة في منأى عن البلاء الذي نزل بها ـ كما ان الناس لا يقبلون على الجماعة خوفاً من تنكيل خصومها بهم .  
سطر ٨٢٧: سطر ١٬١٠٧:
 
ولتعلم الجماعة المسلمة أنَّ العمل الخالص لله المقبول عنده هو الخالي من الرياء وطلب السمعة ، فلتحرص أن يكون عملها دائماً خالصاً لله بأن يكون الدافع له مرضاة الله وإعلاء كلمة الله لا طلب السمعة وثناء الناس فقد جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي موسى رضي الله عنه قال : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليُرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)1 .   
 
ولتعلم الجماعة المسلمة أنَّ العمل الخالص لله المقبول عنده هو الخالي من الرياء وطلب السمعة ، فلتحرص أن يكون عملها دائماً خالصاً لله بأن يكون الدافع له مرضاة الله وإعلاء كلمة الله لا طلب السمعة وثناء الناس فقد جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي موسى رضي الله عنه قال : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليُرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)1 .   
  
وجاء في شرحه : قوله (والرجل يقاتل للذكر) أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة . وقوله : (والرجل يقاتل ليرى مكانه) وفي رواية أخرى (والرجل يقاتل رياء) فمرجع الذي قبله إلى السمعة ومرجع هذا إلى الرياء وكلاهما مذموم . وقوله : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) المراد بكلمة الله كلمة التوحيد ودينه [[الإسلام]]  المبني عليها والدعوة إليه . واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه وطلب ثوابه وطلب دحض أعدائه2 .   
+
وجاء في شرحه : قوله (والرجل يقاتل للذكر) أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة .  
 +
 
 +
وقوله : (والرجل يقاتل ليرى مكانه) وفي رواية أخرى (والرجل يقاتل رياء) فمرجع الذي قبله إلى السمعة ومرجع هذا إلى الرياء وكلاهما مذموم .  
 +
 
 +
وقوله : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) المراد بكلمة الله كلمة التوحيد ودينه [[الإسلام]]  المبني عليها والدعوة إليه . واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه وطلب ثوابه وطلب دحض أعدائه2 .   
  
 
'''119 ـ لا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه :'''  
 
'''119 ـ لا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه :'''  
سطر ٨٣٥: سطر ١٬١١٩:
 
'''120 ـ ثانياً : التصور الخاطىء للجماعة يحملها على جلب المحن لنفسها :'''  
 
'''120 ـ ثانياً : التصور الخاطىء للجماعة يحملها على جلب المحن لنفسها :'''  
  
وقد تقع الجماعة في الوهم والتصور الخاطىء وسوء التقدير بما تحصل به الجماعة على ثقة الناس ورضاهم فتعتقد أن ذلك لا يحصل لها إلا إذا أُوذِيتْ وقدمت أعضاءها إلى أعدائها ليجلدوهم ويعذبوهم بأنواع العذاب ويذلوهم ويحبسوهم أو يقتلوهم ، وبهذا ـ في تصورها ـ تقدم الجماعة (شهادة حسن السلوك) لنفسها لجماهير الناس حتى يثقوا بها ويرضوا عليها . وهذا خطأ جسيم فإن ثقة الناس ورضاهم وإقبالهم عليها لا يحصل شيء منه إلا برضا الله فقط ، ورضاه يحصل بجعل عملها صحيحاً وبإخلاص نيتها . ويكون عملها صحيحاً إذا وافق الشرع واخذت بسنته العامة واعتبرت بها . وإخلاص النيّة بان يكون العمل لله وحده فقط لا غير أي لطلب مرضاته فقط مائة بالمائة . فهذا النهج من العمل إذا التزمت به الجماعة وعضت عليه بالنواجذ ولم تحد عنه قط هو الذي يجلب ثقة الناس بها ورضاهم عليها ، ويكسبها قبل هذا وذاك تأييد الله لها .  
+
وقد تقع الجماعة في الوهم والتصور الخاطىء وسوء التقدير بما تحصل به الجماعة على ثقة الناس ورضاهم فتعتقد أن ذلك لا يحصل لها إلا إذا أُوذِيتْ وقدمت أعضاءها إلى أعدائها ليجلدوهم ويعذبوهم بأنواع العذاب ويذلوهم ويحبسوهم أو يقتلوهم ، وبهذا ـ في تصورها ـ تقدم الجماعة (شهادة حسن السلوك) لنفسها لجماهير الناس حتى يثقوا بها ويرضوا عليها .  
 +
 
 +
وهذا خطأ جسيم فإن ثقة الناس ورضاهم وإقبالهم عليها لا يحصل شيء منه إلا برضا الله فقط ، ورضاه يحصل بجعل عملها صحيحاً وبإخلاص نيتها . ويكون عملها صحيحاً إذا وافق الشرع واخذت بسنته العامة واعتبرت بها .  
 +
 
 +
وإخلاص النيّة بان يكون العمل لله وحده فقط لا غير أي لطلب مرضاته فقط مائة بالمائة .  
 +
 
 +
فهذا النهج من العمل إذا التزمت به الجماعة وعضت عليه بالنواجذ ولم تحد عنه قط هو الذي يجلب ثقة الناس بها ورضاهم عليها ، ويكسبها قبل هذا وذاك تأييد الله لها .  
  
 
121''' ـ اعتراض ودفعه : '''
 
121''' ـ اعتراض ودفعه : '''
سطر ٨٥٧: سطر ١٬١٤٧:
  
 
جاء في لسان العرب1 : الظلم وضع الشيء في غير موضعه . وأصل الظلم الجوز ومجاوزة الحدّ . ويقال : ظلمه يظلمه ظلماً ومظلمة ، فالظلم مصدر حقيقي . وهو ظالم وظلوم . والظَلَمَه هم المانعون أهل الحقوق حقوقهم . والظُلامة ما تُظلمهُ وهي المَظْلِمة . وتظالم القوم : ظلم بعضهم بعضاً .  
 
جاء في لسان العرب1 : الظلم وضع الشيء في غير موضعه . وأصل الظلم الجوز ومجاوزة الحدّ . ويقال : ظلمه يظلمه ظلماً ومظلمة ، فالظلم مصدر حقيقي . وهو ظالم وظلوم . والظَلَمَه هم المانعون أهل الحقوق حقوقهم . والظُلامة ما تُظلمهُ وهي المَظْلِمة . وتظالم القوم : ظلم بعضهم بعضاً .  
 +
 
وفي المفردات للراغب  الأصفهاني2 : والظلم عند أهل اللغة وكثير من أهل العلم : وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة ، وإما بعدول عن وقته أو مكانه .  
 
وفي المفردات للراغب  الأصفهاني2 : والظلم عند أهل اللغة وكثير من أهل العلم : وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة ، وإما بعدول عن وقته أو مكانه .  
 
وقال الفيروزآبادي3 : والظلم يقال في مجاوزة الحق ويقال في الكثير والقليل .  
 
وقال الفيروزآبادي3 : والظلم يقال في مجاوزة الحق ويقال في الكثير والقليل .  
سطر ٨٧٠: سطر ١٬١٦١:
  
 
جاء في لسان العرب : العدل ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور . وعدل الحاكم في الحكم يعدل عدلاً وهو عادل . والعدل الحكم بالحق . والعدل من الناس المرضي قوله وحكمه6 .  
 
جاء في لسان العرب : العدل ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور . وعدل الحاكم في الحكم يعدل عدلاً وهو عادل . والعدل الحكم بالحق . والعدل من الناس المرضي قوله وحكمه6 .  
 +
 
وجاء في المفردات للراغب الأصفهاني : العدل هو المساواة في المكافأة7 .  
 
وجاء في المفردات للراغب الأصفهاني : العدل هو المساواة في المكافأة7 .  
 +
 
وجاء في النهاية لابن الأثير : العدل هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم8 .  
 
وجاء في النهاية لابن الأثير : العدل هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم8 .  
 +
 
وقال الفيروزآبادي : العدل خلاف الجور. وعدل عليه في القضية فهو عادل9 .  
 
وقال الفيروزآبادي : العدل خلاف الجور. وعدل عليه في القضية فهو عادل9 .  
  
سطر ٨٩١: سطر ١٬١٨٥:
 
'''129 ـ عقوبة الظالم في الدنيا :'''  
 
'''129 ـ عقوبة الظالم في الدنيا :'''  
  
والغالب أن الظالم ـ حسب سنّة الله في الظلم والظالمين ـ يعاقب في الدنيا على ظلمه للغير ، يدل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أبو داود : (ما من ذنب أجدر أن يُعجّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم) . وجاء في شرحه : ما من ذنب أحق وأولى لصاحبه أي لمرتكب الذنب أن يعجل الله له العقوبة مع ما يؤجل من العقوبة له في الآخرة مثل (البغي) أي بغي الباغي وهو الظلم والخروج عن السلطان أو الكبر وقطيعة الرحم أي ومن قطع صلة ذوي الأرحام4 .
+
والغالب أن الظالم ـ حسب سنّة الله في الظلم والظالمين ـ يعاقب في الدنيا على ظلمه للغير ، يدل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أبو داود : (ما من ذنب أجدر أن يُعجّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم) .  
 +
 
 +
وجاء في شرحه : ما من ذنب أحق وأولى لصاحبه أي لمرتكب الذنب أن يعجل الله له العقوبة مع ما يؤجل من العقوبة له في الآخرة مثل (البغي) أي بغي الباغي وهو الظلم والخروج عن السلطان أو الكبر وقطيعة الرحم أي ومن قطع صلة ذوي الأرحام4 .
 
    
 
    
 
وأيضاً فإن المظلوم مستجاب الدعوة جاء في الصحيح الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن (.. واتق ودعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) . وجاء في شرحه للعسقلاني : أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم . وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم .
 
وأيضاً فإن المظلوم مستجاب الدعوة جاء في الصحيح الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن (.. واتق ودعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) . وجاء في شرحه للعسقلاني : أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم . وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم .
سطر ٩٠٧: سطر ١٬٢٠٣:
 
من سنة الله تعالى في الظلم والظالمين أنّ الرعية الظالمة أي التي يتظالم أفرادها فيما بينهم يولّى عليها حاكم ظالم فيكون تسلطه عليهم من العقاب لهم على ظلمهم قال تعالى : (وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون)1 .
 
من سنة الله تعالى في الظلم والظالمين أنّ الرعية الظالمة أي التي يتظالم أفرادها فيما بينهم يولّى عليها حاكم ظالم فيكون تسلطه عليهم من العقاب لهم على ظلمهم قال تعالى : (وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون)1 .
 
    
 
    
وجاء في تفسيرها : نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله . وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالماً آخر . ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية أو التاجر يظلم الناس في تجارته2 . وقال الإمام الرازي في تفسير هذه الآية : (الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم ، فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم)3 . وقال الآلوسي في تفسير هذه الآية : (وقد استدل بالآية على أن الرعية إذا كانوا ظالمين فإن الله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم ، وفي الحديث : كما تكونوا يولى عليكم)4 .   
+
وجاء في تفسيرها : نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله . وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالماً آخر .  
 +
 
 +
ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية أو التاجر يظلم الناس في تجارته2 . وقال الإمام الرازي في تفسير هذه الآية : (الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم ، فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم)3 . وقال الآلوسي في تفسير هذه الآية : (وقد استدل بالآية على أن الرعية إذا كانوا ظالمين فإن الله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم ، وفي الحديث : كما تكونوا يولى عليكم)4 .   
  
 
'''132 ـ لا يفلح الظالمون :'''  
 
'''132 ـ لا يفلح الظالمون :'''  
  
ومن سنته تعالى في الظلم والظالمين أنهم لا يفلحون ولا يفوزون في الدنيا كما لا يفلحون ولا يفوزون في الآخرة . قال تعالى : (قُل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون)5 ، وهذا خطاب من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لقومه المصرين على كفرهم ما هو مذكور في الآية ، وهو تهديد شديد ووعيد أكيد ، أي استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي فسوف تعلمون بعد حين من تكون له العاقبة الحسنى في هذه الدار ، وهي لا تكون إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين كما وعد الله تعالى ووقع ما وعد الله ، فنصر رسوله صلى الله عليه وسلم على الكافرين ، وأشار إلى السبب في هذه العاقبة الحسنى لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، وهذا السبب هو أن مخالفيهم ظالمون ، وأن سنته تعالى : (إنه لا يفلح الظالمون) وإنما وضع الظلم موضع الكفر لأنه أعم منه وهو أكثر فائدة لأنه إذا لم يفلح الظالم فكيف الكافر المتصف بأعظم أفراد الظلم؟  
+
ومن سنته تعالى في الظلم والظالمين أنهم لا يفلحون ولا يفوزون في الدنيا كما لا يفلحون ولا يفوزون في الآخرة .  
والظالمون الذين لا يفلحون يشمل الظالمين لأنفسهم بالكفر بنعم الله أو باتخاذ الشركاء له في ألوهيته كما يشمل الظالمين للناس في حقوقهم . فالسنة لا تتخلف وهي أن الظالمين للناس في حقوقهم . فالسنّة لا تتخلف وهي أن الظالمين لا يفلحون فلا ينتصرون ولا يظفرون بمطلوبهم . وإذا كان الفلاح منتفياً عن الظالمين بموجب شرع الله وسنته العادلة انحصر الفلاح والفوز في أهل الحق والعدل وهؤلاء هم رسل الله وأتباعهم المؤمنون كما قال تعالى : (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) ، وقوله تعالى : (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون)6 .   
+
 
 +
قال تعالى : (قُل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون)5 ، وهذا خطاب من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لقومه المصرين على كفرهم ما هو مذكور في الآية ، وهو تهديد شديد ووعيد أكيد ، أي استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي فسوف تعلمون بعد حين من تكون له العاقبة الحسنى في هذه الدار ، وهي لا تكون إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين كما وعد الله تعالى ووقع ما وعد الله ، فنصر رسوله صلى الله عليه وسلم على الكافرين ، وأشار إلى السبب في هذه العاقبة الحسنى لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، وهذا السبب هو أن مخالفيهم ظالمون ، وأن سنته تعالى : (إنه لا يفلح الظالمون) وإنما وضع الظلم موضع الكفر لأنه أعم منه وهو أكثر فائدة لأنه إذا لم يفلح الظالم فكيف الكافر المتصف بأعظم أفراد الظلم؟  
 +
 
 +
والظالمون الذين لا يفلحون يشمل الظالمين لأنفسهم بالكفر بنعم الله أو باتخاذ الشركاء له في ألوهيته كما يشمل الظالمين للناس في حقوقهم .  
 +
 
 +
فالسنة لا تتخلف وهي أن الظالمين للناس في حقوقهم . فالسنّة لا تتخلف وهي أن الظالمين لا يفلحون فلا ينتصرون ولا يظفرون بمطلوبهم .  
 +
 
 +
وإذا كان الفلاح منتفياً عن الظالمين بموجب شرع الله وسنته العادلة انحصر الفلاح والفوز في أهل الحق والعدل وهؤلاء هم رسل الله وأتباعهم المؤمنون كما قال تعالى : (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) ، وقوله تعالى : (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون)6 .   
  
 
'''133 ـ هلاك الأمة بظلمها :'''  
 
'''133 ـ هلاك الأمة بظلمها :'''  
  
من سنّة الله في الظلم والظالمين هلاك الأمة بظلمها ، وفي بيان هذه السنة العامة آيات كثيرة في كتاب الله العزيز منها : (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) ، وقوله تعالى : (هل يُهلك إلا القوم الظالمون) ، وقوله تعالى : (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ) ، وكلمة (لما) ظرف يدل على وقوع فعل لوقوع غيره مما هو سبب له . وهذا يدل على وقوع هلاك الأمة لوقوع سببه وهو الظلم . وهذا الظلم نوعان (الأول) ظلم الأفراد لأنفسهم بالفسق والفجور والخروج عن طاعة الله والتظالم فيما بينهم . (والثاني) ظلم الحكام لهم على نحو يهدر حقوقهم ويذهب بعزتهم ويعودهم على حياة الذل والمهانة مما يجعل الأمة ضعيفة غير صالحة للبقاء فيسهل على الأعداء الاستيلاء عليها واستعبادها فيكون هذا محقاً لها وفناءً لشخصيتها . فيصدق عليها قول الله تعالى : (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ)1 ، وهذه السنة دائمة في الأمم ولها مواقيت لهلاكها بسبب الظلم ، تختلف ـ هذه المواقيت ـ باختلاف أحوالها وأحوال أعدائها وهي آجالها المشار إليها في قوله تعالى : (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)2 .  
+
من سنّة الله في الظلم والظالمين هلاك الأمة بظلمها ، وفي بيان هذه السنة العامة آيات كثيرة في كتاب الله العزيز منها : (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) ، وقوله تعالى : (هل يُهلك إلا القوم الظالمون) ، وقوله تعالى : (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ) ، وكلمة (لما) ظرف يدل على وقوع فعل لوقوع غيره مما هو سبب له .  
 +
 
 +
وهذا يدل على وقوع هلاك الأمة لوقوع سببه وهو الظلم . وهذا الظلم نوعان (الأول) ظلم الأفراد لأنفسهم بالفسق والفجور والخروج عن طاعة الله والتظالم فيما بينهم .  
 +
 
 +
(والثاني) ظلم الحكام لهم على نحو يهدر حقوقهم ويذهب بعزتهم ويعودهم على حياة الذل والمهانة مما يجعل الأمة ضعيفة غير صالحة للبقاء فيسهل على الأعداء الاستيلاء عليها واستعبادها فيكون هذا محقاً لها وفناءً لشخصيتها .  
 +
 
 +
فيصدق عليها قول الله تعالى : (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ)1 ، وهذه السنة دائمة في الأمم ولها مواقيت لهلاكها بسبب الظلم ، تختلف ـ هذه المواقيت ـ باختلاف أحوالها وأحوال أعدائها وهي آجالها المشار إليها في قوله تعالى : (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)2 .  
  
 
'''134 ـ هلاك الأمم الظالمة له أجل محدود :'''  
 
'''134 ـ هلاك الأمم الظالمة له أجل محدود :'''  
  
وهلاك  الأمم الظالمة له أجل محدود ، بمعنى أن بقاء الأمة الظالمة بقاء محدود المدة إذا انقضت هذه المدة جاء أجلها فتهلك كما يهلك الإنسان ويموت إذا حان أجله بمضي مدة عمره . وتوضيح ذلك أن الظالم في الامة كالمرض في الإنسان يعجل في موته بعد أن يقضي المدة المقدرة له وهو مريض . وبانتهاء هذه المدّة يحين أجل موته ، فكذلك الظلم في الأمة يعجل في هلاكها بما يحدثه فيها من آثار مدمرة تؤدي إلى هلاكها واضمحلالها خلال مدة معينة يعلمها الله هي الأجل المقدر لها ، أي الذي قدره الله تعالى له بموجب سنته العامة التي وضعها لآجال الأمم بناء على ما يكون فيها من عوامل البقاء كالعدل ، أو من عوامل الهلاك كالظلم التي يظهر أثرها وهو هلالكها بعد مضي مدّة محددة يعلمها الله . قال تعالى : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) قال الآلوسي في هذه الآية (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) ، أي ولكل أمة من الأمم الهالكة أجل أي وقت معين مضروب لاستئصالهم3 . ولكن هلاك الأمم وإن كان شيئاً مؤكداً ولكن وقت حلوله مجهول لنا ، أي إننا نعلم يقيناً أن الأمة الظالمة تهلك حتماً بسبب ظلمها حسب سنة الله تعالى في الظلم والظالمين ، ولكننا لا نعرف وقت هلاكها بالضبط ، فلا يمكن لأحد أن يحدده بالأيام ولا بالسنين ، وهو محدد عند الله تعالى بالساعات ولذلك قال تعالى : (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)4 .  
+
وهلاك  الأمم الظالمة له أجل محدود ، بمعنى أن بقاء الأمة الظالمة بقاء محدود المدة إذا انقضت هذه المدة جاء أجلها فتهلك كما يهلك الإنسان ويموت إذا حان أجله بمضي مدة عمره .  
 +
 
 +
وتوضيح ذلك أن الظالم في الامة كالمرض في الإنسان يعجل في موته بعد أن يقضي المدة المقدرة له وهو مريض .  
 +
 
 +
وبانتهاء هذه المدّة يحين أجل موته ، فكذلك الظلم في الأمة يعجل في هلاكها بما يحدثه فيها من آثار مدمرة تؤدي إلى هلاكها واضمحلالها خلال مدة معينة يعلمها الله هي الأجل المقدر لها ، أي الذي قدره الله تعالى له بموجب سنته العامة التي وضعها لآجال الأمم بناء على ما يكون فيها من عوامل البقاء كالعدل ، أو من عوامل الهلاك كالظلم التي يظهر أثرها وهو هلالكها بعد مضي مدّة محددة يعلمها الله .  
 +
 
 +
قال تعالى : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) قال الآلوسي في هذه الآية (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) ، أي ولكل أمة من الأمم الهالكة أجل أي وقت معين مضروب لاستئصالهم3 .  
 +
 
 +
ولكن هلاك الأمم وإن كان شيئاً مؤكداً ولكن وقت حلوله مجهول لنا ، أي إننا نعلم يقيناً أن الأمة الظالمة تهلك حتماً بسبب ظلمها حسب سنة الله تعالى في الظلم والظالمين ، ولكننا لا نعرف وقت هلاكها بالضبط ، فلا يمكن لأحد أن يحدده بالأيام ولا بالسنين ، وهو محدد عند الله تعالى بالساعات ولذلك قال تعالى : (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)4 .  
  
 
'''135 ـ سنة الله مطردة في هلاك الأمم الظالمة :'''  
 
'''135 ـ سنة الله مطردة في هلاك الأمم الظالمة :'''  
  
وسنة الله مطردة في هلاك الأمم الظالمة قال تعالى : (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)5 . وقوله تعالى : (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ) أي ما ظلمناهم بإهلاكنا إياهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما به أُهلِكوا . وقوله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) ، أي إن عذاب الله ليس بمقتصر على من تقدم من الأمم الظالمة ، بل إن سنته تعالى في أخذ كل الظالمين سنّة واحدة فلا ينبغي أن يظن أحد أن هذا الهلاك قاصر بأولئك الظلمة السابقين ، لأن الله تعالى لما حكى أحوالهم قال : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) ، فبيَّن الله تعالى أن كل من شارك أولئك المتقدمين في أفعالهم التي أدت إلى هلاكهم فلا بد أن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد . فالآية تحذير من وخامة الظلم ، فلا يغتر الظالم بالإمهال6 .   
+
وسنة الله مطردة في هلاك الأمم الظالمة قال تعالى : (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)5 .  
 +
 
 +
وقوله تعالى : (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ) أي ما ظلمناهم بإهلاكنا إياهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما به أُهلِكوا .  
 +
 
 +
وقوله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) ، أي إن عذاب الله ليس بمقتصر على من تقدم من الأمم الظالمة ، بل إن سنته تعالى في أخذ كل الظالمين سنّة واحدة فلا ينبغي أن يظن أحد أن هذا الهلاك قاصر بأولئك الظلمة السابقين ، لأن الله تعالى لما حكى أحوالهم قال : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) ، فبيَّن الله تعالى أن كل من شارك أولئك المتقدمين في أفعالهم التي أدت إلى هلاكهم فلا بد أن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد . فالآية تحذير من وخامة الظلم ، فلا يغتر الظالم بالإمهال6 .   
  
 
136 ـ تبقى الدولة مع الكفر ولا تبقى مع الظلم :  
 
136 ـ تبقى الدولة مع الكفر ولا تبقى مع الظلم :  
قال تعالى : (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)7 . إن الدولة الكافرة قد تكون عادلة بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم ، فهذه الدولة مع كفرها تبقى ، إذ ليس من سنّته تعالى إهلاك الدولة بكفرها فقط ، ولكن إذا انضم إلى كفرها ظلم حكامها للرعية وتظالم الناس فيما بينهم ، وبهذا قال المفسرون وأهل العلم ، قال الإمام الرازي في تفسيره (إن المراد من الظلم في هذه الآية الشرك . والمعنى أن الله تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين ، إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم يعامل بعضهم بعضاًً على الصلاح ، وعدم الفساد)1 .  
+
 
 +
قال تعالى : (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)7 . إن الدولة الكافرة قد تكون عادلة بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم ، فهذه الدولة مع كفرها تبقى ، إذ ليس من سنّته تعالى إهلاك الدولة بكفرها فقط ، ولكن إذا انضم إلى كفرها ظلم حكامها للرعية وتظالم الناس فيما بينهم ، وبهذا قال المفسرون وأهل العلم ، قال الإمام الرازي في تفسيره (إن المراد من الظلم في هذه الآية الشرك .  
 +
 
 +
والمعنى أن الله تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين ، إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم يعامل بعضهم بعضاًً على الصلاح ، وعدم الفساد)1 .  
  
 
وفي تفسير القرطبي قوله تعالى : (بظلم) أي بشرك وكفر (وأهلها مصلحون) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق . ومعنى الآية : إن الله تعالى لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان وقوم لوط باللواط2 .  
 
وفي تفسير القرطبي قوله تعالى : (بظلم) أي بشرك وكفر (وأهلها مصلحون) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق . ومعنى الآية : إن الله تعالى لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان وقوم لوط باللواط2 .  
سطر ٩٣٣: سطر ١٬٢٥٩:
 
'''137 ـ قول ابن تيمية في هلاك الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة :'''  
 
'''137 ـ قول ابن تيمية في هلاك الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة :'''  
  
وقال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية رحمه الله تعالى : (وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم ، ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة . ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم و[[الإسلام]]  . وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها من خلاق ـ أي في الآخرة ـ وإن لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة)3 .  
+
وقال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية رحمه الله تعالى : (وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم ، ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة . ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم و[[الإسلام]]  .  
 +
 
 +
وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها من خلاق ـ أي في الآخرة ـ وإن لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة)3 .  
  
 
'''138 ـ من الظلم المهلك المحاباة في تطبيق القانون :'''  
 
'''138 ـ من الظلم المهلك المحاباة في تطبيق القانون :'''  
سطر ٩٤٠: سطر ١٬٢٦٨:
 
تطبيق القانون على الجميع وبالسوية وبدون محاباة يبعث الطمأنينة في النفوس ، ويجعل الضعيف المحق يوقن بأنه في مأمن من ظلم القوي ، لأن الدولة معه ممثلة بقانونها الذي تطبقه محاكمها بعدل وبجدية وعلى الجميع وبدون محاباة لأحد ، ومن كانت معه الدولة وقانونها فهو أقوى من غيره مهما كان هذا الغير ذا نفوذ وجاه وسلطان .  
 
تطبيق القانون على الجميع وبالسوية وبدون محاباة يبعث الطمأنينة في النفوس ، ويجعل الضعيف المحق يوقن بأنه في مأمن من ظلم القوي ، لأن الدولة معه ممثلة بقانونها الذي تطبقه محاكمها بعدل وبجدية وعلى الجميع وبدون محاباة لأحد ، ومن كانت معه الدولة وقانونها فهو أقوى من غيره مهما كان هذا الغير ذا نفوذ وجاه وسلطان .  
  
فإذا اختل هذا الوضع فلم يطبق القانون على الجميع وأخذت المحاباة تفعل فعلها وهي التي يأخذ بها الحاكم ، كان ذلك من الظلم الذي تباشره الدولة أو تعين على وقوعه أو تسكت عنه فلا تمنعه ، فتتلبس الدولة بالظلم وتغشاها ظلمته فيقوم فيها سبب الهلاك فتهلك ، وهذا ما حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمها شأن المرأة المخزومية التي سرقت ، فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا من يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكلمه فيها فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أتشفع في حدّ من حدود الله؟ فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول الله .
+
فإذا اختل هذا الوضع فلم يطبق القانون على الجميع وأخذت المحاباة تفعل فعلها وهي التي يأخذ بها الحاكم ، كان ذلك من الظلم الذي تباشره الدولة أو تعين على وقوعه أو تسكت عنه فلا تمنعه ، فتتلبس الدولة بالظلم وتغشاها ظلمته فيقوم فيها سبب الهلاك فتهلك ، وهذا ما حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمها شأن المرأة المخزومية التي سرقت ، فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا من يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم .  
 +
 
 +
فكلمه فيها فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أتشفع في حدّ من حدود الله؟ فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول الله .
 +
 
 
فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد : فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ ، وإني والذي نفسي بيده لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها . ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها4 .
 
فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد : فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ ، وإني والذي نفسي بيده لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها . ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها4 .
 
   
 
   
سطر ٩٥٥: سطر ١٬٢٨٦:
 
'''140 ـ من آثار الظلم خراب البلاد :'''  
 
'''140 ـ من آثار الظلم خراب البلاد :'''  
  
ومن آثار الظلم الذي يعجل في هلاك الدولة الظالمة خراب البلاد اقتصادياً وعمرانياً لزهد الناس في العمل والغنتاج ، وسعيهم الدائم إلى الفرار والخروج منها . وكان هذا يؤثر في قوة الدولة اقتصادياً وعسكرياً ويقلل مواردها المالية التي كان يمكن أن تنفقها على إعداد قوتها في مختلف المجالات ، مما يجعل الدولة ضعيفة أمام أعدائها الخارجين وإن بقيت قوية طاغية على مواطنيها الضعفاء المساكين المظلومين .. وكل هذا يؤدي إلى إغراء أعدائها من الدول القوية لتهجم عليها وتستولي عليها أو على بعض أقاليمها أو إلحاق الأذى والضرر بها مما يعجل في هلاكها .  
+
ومن آثار الظلم الذي يعجل في هلاك الدولة الظالمة خراب البلاد اقتصادياً وعمرانياً لزهد الناس في العمل والغنتاج ، وسعيهم الدائم إلى الفرار والخروج منها .  
وقد أشار علماؤنا رحمهم الله تعالى إلى أثر الظلم في خراب البلاد ، ففي تفسير القرطبي قوله رحمه الله : (فإن الجور والظلم يخرّب البلاد بقتل أهلها وانجلائهم منها ، وترفع من الأرض البركة)1 . وفي تفسير الآلوسي : (وروي عن ابن عباس أنه قال : أجد في كتاب الله تعالى أن الظلم يخرب البيوت ، وقرأ قوله تعالى : (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)2 .  
+
 
 +
وكان هذا يؤثر في قوة الدولة اقتصادياً وعسكرياً ويقلل مواردها المالية التي كان يمكن أن تنفقها على إعداد قوتها في مختلف المجالات ، مما يجعل الدولة ضعيفة أمام أعدائها الخارجين وإن بقيت قوية طاغية على مواطنيها الضعفاء المساكين المظلومين .. وكل هذا يؤدي إلى إغراء أعدائها من الدول القوية لتهجم عليها وتستولي عليها أو على بعض أقاليمها أو إلحاق الأذى والضرر بها مما يعجل في هلاكها .  
 +
 
 +
وقد أشار علماؤنا رحمهم الله تعالى إلى أثر الظلم في خراب البلاد ، ففي تفسير القرطبي قوله رحمه الله : (فإن الجور والظلم يخرّب البلاد بقتل أهلها وانجلائهم منها ، وترفع من الأرض البركة)1 . وفي تفسير الآلوسي : (وروي عن ابن عباس أنه قال : أجد في كتاب الله تعالى أن الظلم يخرب البيوت ، وقرأ قوله تعالى : (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)2 .  
  
 
'''141 ـ تأخير عقاب الظالمين :'''  
 
'''141 ـ تأخير عقاب الظالمين :'''  
سطر ٩٧٥: سطر ١٬٣٠٩:
 
''' 144 ـ ثانياً : عدم الاستكانة للظالم :'''
 
''' 144 ـ ثانياً : عدم الاستكانة للظالم :'''
 
   
 
   
رفض الظلم وعدم الاستكانة للظالم والانتصار منه ، كل ذلك مما يجب أن يتربى عليه الفرد المسلم لأنه شيء ضروري لتكوين شخصيته [[الإسلام]]ية ومن مقوماتها الأساسية ومن الصفات الأصلية للمسلم قال تعالى:(والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)6 . وانتصارهم هو أن يقتصروا على ما جعله الله لهم ولا يعتدوا ، وهو محمودون على الانتصار لأن من أخذ حقه غير متعدٍّ حدّ الله وما أمر به فلم يسرف في القتل إذا كان ولي دم او ردَّ على سفيه محاماة على عرضه وردعاً له فهو مطيع ، وكل مطيع فهو محمود1 .  
+
رفض الظلم وعدم الاستكانة للظالم والانتصار منه ، كل ذلك مما يجب أن يتربى عليه الفرد المسلم لأنه شيء ضروري لتكوين شخصيته [[الإسلام]]ية ومن مقوماتها الأساسية ومن الصفات الأصلية للمسلم قال تعالى:(والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)6 .  
 +
 
 +
وانتصارهم هو أن يقتصروا على ما جعله الله لهم ولا يعتدوا ، وهو محمودون على الانتصار لأن من أخذ حقه غير متعدٍّ حدّ الله وما أمر به فلم يسرف في القتل إذا كان ولي دم او ردَّ على سفيه محاماة على عرضه وردعاً له فهو مطيع ، وكل مطيع فهو محمود1 .  
 +
 
 
وفي تفسير القرطبي في هذه الآية : (أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه)2 .  
 
وفي تفسير القرطبي في هذه الآية : (أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه)2 .  
 +
 
وفي صحيح البخاري ؛ قال إبراهيم النخعي كانوا ـ أي الصحابة ـ يكرهون أن يُستذلّوا ، فإذا قدروا عفوا3 .  
 
وفي صحيح البخاري ؛ قال إبراهيم النخعي كانوا ـ أي الصحابة ـ يكرهون أن يُستذلّوا ، فإذا قدروا عفوا3 .  
  
سطر ٩٨٣: سطر ١٬٣٢١:
 
'''145 ـ ثالثاً : عدم الركون إلى الذين ظلموا :'''  
 
'''145 ـ ثالثاً : عدم الركون إلى الذين ظلموا :'''  
  
ومن سبل الوقاية من وقوع الظلم أو شيوعه وانتشاره وما يترتب على ذلك من العقاب أو الهلاك بالأمة ، عدم الركون إلى الذين ظلموا بأي نوع من أنواع الركون إليهم حتى يعجزوا أو يضعفوا عن ارتكاب الظلم لاسيما الحكام الظلمة ، لأنهم لا يرتكبون المظالم إلا بأعوانهم وبسكوت أهل الحق عنهم أو بركونهم إليهم . قال تعالى محذراً من الركون إلى الذين ظلموا : (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)5 .  
+
ومن سبل الوقاية من وقوع الظلم أو شيوعه وانتشاره وما يترتب على ذلك من العقاب أو الهلاك بالأمة ، عدم الركون إلى الذين ظلموا بأي نوع من أنواع الركون إليهم حتى يعجزوا أو يضعفوا عن ارتكاب الظلم لاسيما الحكام الظلمة ، لأنهم لا يرتكبون المظالم إلا بأعوانهم وبسكوت أهل الحق عنهم أو بركونهم إليهم .  
 +
 
 +
قال تعالى محذراً من الركون إلى الذين ظلموا : (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)5 .  
  
 
قال الزمخشري في تفسيرها : (ولا تركنوا ، من أركنه إذا أماله . والنهي متناول للانحطاط في هواهم ، والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم ، والتشبه بهم والتزيي بزيهم ومدّ العين إلى زهرتهم ، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم . وتأمل قوله تعالى : (وَلاَ تَرْكَنُواْ) فإن الركون هو الميل اليسير . وقوله تعالى : (إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ) أي إلى الذين وجد منهم الظلم ، ولم يقل إلى الظالمين)6 .  
 
قال الزمخشري في تفسيرها : (ولا تركنوا ، من أركنه إذا أماله . والنهي متناول للانحطاط في هواهم ، والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم ، والتشبه بهم والتزيي بزيهم ومدّ العين إلى زهرتهم ، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم . وتأمل قوله تعالى : (وَلاَ تَرْكَنُواْ) فإن الركون هو الميل اليسير . وقوله تعالى : (إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ) أي إلى الذين وجد منهم الظلم ، ولم يقل إلى الظالمين)6 .  
سطر ٩٩٢: سطر ١٬٣٣٢:
 
أعوان الظالم ظلمة مثله ، فلا تجوز إعانة الظالم . لأنه إذا كان الركون بجميع أشكاله وأنواعه لا يجوز ، فما يكون فيه إعانة فعلية للظالم ، أولى أن لا يجوز . والواقع أن الحاكم الظالم إنما يتمكن من ظلمه بمعاونة أعوانه وأتباعه وليس بنفسه فقط .  
 
أعوان الظالم ظلمة مثله ، فلا تجوز إعانة الظالم . لأنه إذا كان الركون بجميع أشكاله وأنواعه لا يجوز ، فما يكون فيه إعانة فعلية للظالم ، أولى أن لا يجوز . والواقع أن الحاكم الظالم إنما يتمكن من ظلمه بمعاونة أعوانه وأتباعه وليس بنفسه فقط .  
  
فالمعاونة له بأي شكل من أشكالها لا تجوز لأنها تقوية له ومساعدة له لتنفيذ ظلمه . ولهذا إذا نزل العذاب بالحاكم الظالم نزل باعوانه أيضاً لأنهم مثله ظالمون كما حصل لفرعون وأعوانه قال تعالى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)7 ، فالله تعالى جمعهم بوصف الخطيئة ، ومن خطيئتهم : الظلم الذي كان يقترفه فرعون ويعاونه عليه هامان وجنودهما . فلما نزل العذاب بفرعون نزل بأعوانه قال تعالى : (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ)8 . وقال تعالى في آية أخرى : (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)9 . فجعلهم الله تعالى جميعاً ظالمين : فرعون وجنوده لمعاونة جنوده له ، فأهلكهم جميعاً .  
+
فالمعاونة له بأي شكل من أشكالها لا تجوز لأنها تقوية له ومساعدة له لتنفيذ ظلمه . ولهذا إذا نزل العذاب بالحاكم الظالم نزل باعوانه أيضاً لأنهم مثله ظالمون كما حصل لفرعون وأعوانه قال تعالى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)7 ، فالله تعالى جمعهم بوصف الخطيئة ، ومن خطيئتهم : الظلم الذي كان يقترفه فرعون ويعاونه عليه هامان وجنودهما .  
 +
 
 +
فلما نزل العذاب بفرعون نزل بأعوانه قال تعالى : (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ)8 . وقال تعالى في آية أخرى : (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)9 . فجعلهم الله تعالى جميعاً ظالمين : فرعون وجنوده لمعاونة جنوده له ، فأهلكهم جميعاً .  
  
 
'''147 ـ خامساً : لا يعان الظالم على بقائه :'''  
 
'''147 ـ خامساً : لا يعان الظالم على بقائه :'''  
سطر ١٬٠١٣: سطر ١٬٣٥٥:
 
'''151 ـ استثناء من حظر الدخول إلى الظلمة :'''
 
'''151 ـ استثناء من حظر الدخول إلى الظلمة :'''
 
   
 
   
ويستثنى من مباشرة معاني الركون إلى الظلمة حسب الظاهر ـ مثل الدخول عليهم أو مجالستهم أو الطلب منهم ـ وجود حالة ضرورية تدعو لذلك أو وجود المبرر الشرعي الذي يبيح ذلك أي يبيح مباشرة بعض ما يندرج في معاني الركون إلى الذين ظلموا كالتي مثلنا لها . قال الإمام الرازي وهو يفسر قوله تعالى : (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، قال : فأما مداخاتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون إليهم2 ، وقال الآلوسي في معاني الركون إلى الذين ظلموا : (ومجالستهم من غير داع شرعي) ، ومعنى ذلك جواز مجالستهم لداعٍ شرعي3 .  
+
ويستثنى من مباشرة معاني الركون إلى الظلمة حسب الظاهر ـ مثل الدخول عليهم أو مجالستهم أو الطلب منهم ـ وجود حالة ضرورية تدعو لذلك أو وجود المبرر الشرعي الذي يبيح ذلك أي يبيح مباشرة بعض ما يندرج في معاني الركون إلى الذين ظلموا كالتي مثلنا لها .  
 +
 
 +
قال الإمام الرازي وهو يفسر قوله تعالى : (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، قال : فأما مداخاتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون إليهم2 ، وقال الآلوسي في معاني الركون إلى الذين ظلموا : (ومجالستهم من غير داع شرعي) ، ومعنى ذلك جواز مجالستهم لداعٍ شرعي3 .  
  
 
'''152 ـ لا يجوز التوسع ولا التسرع في الاستثناء :'''  
 
'''152 ـ لا يجوز التوسع ولا التسرع في الاستثناء :'''  
سطر ١٬٠٢٥: سطر ١٬٣٦٩:
 
'''154 ـ على الجماعة المسلمة أن تبصر الأمة بتقصيرها وواجبها :'''  
 
'''154 ـ على الجماعة المسلمة أن تبصر الأمة بتقصيرها وواجبها :'''  
  
على الجماعة المسلمة أن تبصّر الأمة بتقصيرها وبواجبها . أما تقصيرها فبسكوتها عن الحاكم الظالم ورضوخها إليه واستكانتها له وركونها إليه ، بل ومعاونتها له . ولولا هذا التقصير منها لما بقي هذا الظالم في الحكم ولا استمر في ظلمه . فإذا أرادت الأمة أن تتخلص منه فعليها القيام بواجبها نحوه والعمل الجاد لاستئصال كل الأسباب التي أدت إلى تسلط هذا الحاكم الظالم عليها سواء كانت هذه الأسباب تظالم الأمة فيما بينها أو انتشار المعاصي فيها أو تفرق كلمتها أو إعانة الحاكم الظالم بأي شكل ونوع من أشكال وأنواع الإعانة ثم إن عليها أن تقوم بواجب الإنكار عليه وتهيئة القوة اللازمة لتحقيق الإنكار الفعلي عليه وإزالة منكر الظلم فعلاً . وهذا يقتضيها أن تلتف حول الجماعة المسلمة التي ترفع راية [[الإسلام]]  و[[الجهاد]]  في سبيل الله .
+
على الجماعة المسلمة أن تبصّر الأمة بتقصيرها وبواجبها . أما تقصيرها فبسكوتها عن الحاكم الظالم ورضوخها إليه واستكانتها له وركونها إليه ، بل ومعاونتها له . ولولا هذا التقصير منها لما بقي هذا الظالم في الحكم ولا استمر في ظلمه .  
 +
 
 +
فإذا أرادت الأمة أن تتخلص منه فعليها القيام بواجبها نحوه والعمل الجاد لاستئصال كل الأسباب التي أدت إلى تسلط هذا الحاكم الظالم عليها سواء كانت هذه الأسباب تظالم الأمة فيما بينها أو انتشار المعاصي فيها أو تفرق كلمتها أو إعانة الحاكم الظالم بأي شكل ونوع من أشكال وأنواع الإعانة ثم إن عليها أن تقوم بواجب الإنكار عليه وتهيئة القوة اللازمة لتحقيق الإنكار الفعلي عليه وإزالة منكر الظلم فعلاً . وهذا يقتضيها أن تلتف حول الجماعة المسلمة التي ترفع راية [[الإسلام]]  و[[الجهاد]]  في سبيل الله .
 
   
 
   
 
وعلى كل الخيرين المؤمنين الانضمام إلى هذه الجماعة المسلمة ليكون لها صوت مسموع وقوة مرهبة تجبر الحاكم الظالم : إما على ترك ظلمه والرجوع إلى مقتضيات العدل والالتزام بشرع الله وهديه ، وإما أن يترك السلطة ويتخلى عن الحكم فليست البلاد أو الدولة ضيعة أو بستاناً أو مزرعة له أو لآبائه ولا الرعية عبيداً له .  
 
وعلى كل الخيرين المؤمنين الانضمام إلى هذه الجماعة المسلمة ليكون لها صوت مسموع وقوة مرهبة تجبر الحاكم الظالم : إما على ترك ظلمه والرجوع إلى مقتضيات العدل والالتزام بشرع الله وهديه ، وإما أن يترك السلطة ويتخلى عن الحكم فليست البلاد أو الدولة ضيعة أو بستاناً أو مزرعة له أو لآبائه ولا الرعية عبيداً له .  
سطر ١٬٠٣٣: سطر ١٬٣٧٩:
 
وعلى الجماعة المسلمة أن تحذر الناس من الوقوع في الكفر والردّة عن [[الإسلام]]  باعتراضهم على الله واتهامهم إياه  
 
وعلى الجماعة المسلمة أن تحذر الناس من الوقوع في الكفر والردّة عن [[الإسلام]]  باعتراضهم على الله واتهامهم إياه  
  
ـ نعوذ بالله ـ بتأييد الحاكم الظالم بدليل بقائه في الحكم والسلطة . ومما يزين لهم الشيطان كفرهم قولهم أو احتجاجهم بأنهم مسلمون ومع هذا يسلط الله عليهم حاكماً ظالماً بل وقد يكون مع ظلمه كافراً أو مرتداً ، ويبقيه في السلطة ولا ينزل عليه عذابه ليخلص من شره البلاد والعباد وينتقم منه للناس المظلومين . فعلى الجماعة المسلمة أن تبين لهم جهلهم وأن ما يقولونه كفر وردّة عن [[الإسلام]]  وأنهم إذا أرادوا حاكماً عادلاً بمقاييس الشرع [[الإسلام]]ي وبالالتزام بهذا الشرع فعليهم أن يقيموا العدل فيما بينهم ، لأن الرعية التي تريد حاكماً عادلاً كعمر بن الخطاب عليها أن تكون رعية عادلة كرعية عمر بن الخطاب لأن القاعدة : (كيفما تكونوا يولى عليكم) .  
+
ـ نعوذ بالله ـ بتأييد الحاكم الظالم بدليل بقائه في الحكم والسلطة . ومما يزين لهم الشيطان كفرهم قولهم أو احتجاجهم بأنهم مسلمون ومع هذا يسلط الله عليهم حاكماً ظالماً بل وقد يكون مع ظلمه كافراً أو مرتداً ، ويبقيه في السلطة ولا ينزل عليه عذابه ليخلص من شره البلاد والعباد وينتقم منه للناس المظلومين .  
  
فعلى الجماعة المسلمة أن تبين للناس أن أمور الحياة تجري وفق سنن الله العامة ومنها سنته في الأسباب والمسببات ، وسنته تعالى في تدافع الحق والباطل ، وأن الله تعالى لن يخرق من أجل عيونهم قوانين الحياة وسننها العامة في الاجتماع ، فهم ليسوا بأحسن حالاً ولا أكرم على الله تعالى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وقد قص الله علينا ما لقوم من شدائد وأذى وما تحملوه في سبيل الله وما قدموه من تضحية وفداء حتى اتاهم نصر الله بإزالة الطواغيت من الأرض . فعلى المسلمين أن يعلموا أن إزاحة الطواغيت والحكام الظلمة لا يكون بمجرد تأففهم أو تضجرهم أو تحسرهم أو بالاحتجاج بأنهم مسلمون فلا بد أن يهلك الله الحكام الظلمة وهم في بيوتهم قاعدون يمنون على الله أن أسلموا فيريدون أن يرسل الله ملائكة تقاتل عنهم وتزيح الحاكم الظالم فتخلصهم من شرّه ، لا ، لا يكون هذا فالمسلم الحقيقي هو الذي يطيع الشرع وينفذ أوامره ويهتدي بسننه العامة ، فإذا أرادوا الخلاص من الحاكم الظالم أو الكافر فعليهم سلوك [[الجهاد]] الشرعي بأنواعه وإعداد القوة اللازمة لذلك ، ومن أولى خطواته ومستلزماته وحدة الكلمة وضم الجهود بعضها إلى بعض ، بالتجمع حول الجماعة المسلمة والانضمام إلى عضويتها ، لأنها جماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، ومن المنكر إزالة الظلم وتنحية أهله عن الحكم والسلطان إذا لم يقلعوا عنه .  
+
فعلى الجماعة المسلمة أن تبين لهم جهلهم وأن ما يقولونه كفر وردّة عن [[الإسلام]]  وأنهم إذا أرادوا حاكماً عادلاً بمقاييس الشرع [[الإسلام]]ي وبالالتزام بهذا الشرع فعليهم أن يقيموا العدل فيما بينهم ، لأن الرعية التي تريد حاكماً عادلاً كعمر بن الخطاب عليها أن تكون رعية عادلة كرعية عمر بن الخطاب لأن القاعدة : (كيفما تكونوا يولى عليكم) .  
  
 +
فعلى الجماعة المسلمة أن تبين للناس أن أمور الحياة تجري وفق سنن الله العامة ومنها سنته في الأسباب والمسببات ، وسنته تعالى في تدافع الحق والباطل ، وأن الله تعالى لن يخرق من أجل عيونهم قوانين الحياة وسننها العامة في الاجتماع ، فهم ليسوا بأحسن حالاً ولا أكرم على الله تعالى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وقد قص الله علينا ما لقوم من شدائد وأذى وما تحملوه في سبيل الله وما قدموه من تضحية وفداء حتى اتاهم نصر الله بإزالة الطواغيت من الأرض .
  
 +
فعلى المسلمين أن يعلموا أن إزاحة الطواغيت والحكام الظلمة لا يكون بمجرد تأففهم أو تضجرهم أو تحسرهم أو بالاحتجاج بأنهم مسلمون فلا بد أن يهلك الله الحكام الظلمة وهم في بيوتهم قاعدون يمنون على الله أن أسلموا فيريدون أن يرسل الله ملائكة تقاتل عنهم وتزيح الحاكم الظالم فتخلصهم من شرّه ، لا ، لا يكون هذا فالمسلم الحقيقي هو الذي يطيع الشرع وينفذ أوامره ويهتدي بسننه العامة ، فإذا أرادوا الخلاص من الحاكم الظالم أو الكافر فعليهم سلوك [[الجهاد]]  الشرعي بأنواعه وإعداد القوة اللازمة لذلك ، ومن أولى خطواته ومستلزماته وحدة الكلمة وضم الجهود بعضها إلى بعض ، بالتجمع حول الجماعة المسلمة والانضمام إلى عضويتها ، لأنها جماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، ومن المنكر إزالة الظلم وتنحية أهله عن الحكم والسلطان إذا لم يقلعوا عنه .
  
 
== الفصل السادس : سنة الله في الاختلاف والمختلفين [ قانون الاختلاف] ==
 
== الفصل السادس : سنة الله في الاختلاف والمختلفين [ قانون الاختلاف] ==
سطر ١٬٠٤٥: سطر ١٬٣٩٣:
 
الاختلاف في اللغة يعني عدم الاتفاق على الشيء بأن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخرين في أمر من الأمور .  
 
الاختلاف في اللغة يعني عدم الاتفاق على الشيء بأن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخرين في أمر من الأمور .  
  
ويعني أيضاً عدم التساوي ، فكل مالم يتساوى فقد تخالف واختلف . والخلاف هو المضادة ، وقد خالفه مخالفة وخلافاً فهو يدل على ما يدل عليه لفظ الاختلاف ، وإن كان معناه أعم إذ هو من الضد ولا يلزم من كل مختلفين أن يكونا ضدين وإن كان كل ضدين مختلفين1 .  
+
ويعني أيضاً عدم التساوي ، فكل مالم يتساوى فقد تخالف واختلف .  
 +
 
 +
والخلاف هو المضادة ، وقد خالفه مخالفة وخلافاً فهو يدل على ما يدل عليه لفظ الاختلاف ، وإن كان معناه أعم إذ هو من الضد ولا يلزم من كل مختلفين أن يكونا ضدين وإن كان كل ضدين مختلفين1 .  
  
 
'''157 ـ الاختلاف في الاصطلاح الشرعي :'''
 
'''157 ـ الاختلاف في الاصطلاح الشرعي :'''
سطر ١٬٠٥٥: سطر ١٬٤٠٥:
 
'''158 ـ [[الإسلام]]  ينهى عن الاختلاف :'''  
 
'''158 ـ [[الإسلام]]  ينهى عن الاختلاف :'''  
  
قال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية رحمه الله تعالى : (وأمرنا الله تعالى بالاجتماع والائتلاف ونهانا عن التفرق والاختلاف)3 ، وما قاله ابن تيمية رحمه الله تعالى حق نطق به القرآن وجاءت به السنة النبوية المطهّرة قال تعالى : (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)4 . وقال رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : (.. ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)5 ، وفي حديث أخرجه الترمذي قال صلى الله عليه وسلم : (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد)6 .  
+
قال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية رحمه الله تعالى : (وأمرنا الله تعالى بالاجتماع والائتلاف ونهانا عن التفرق والاختلاف)3 ، وما قاله ابن تيمية رحمه الله تعالى حق نطق به القرآن وجاءت به السنة النبوية المطهّرة قال تعالى : (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)4 .  
 +
 
 +
وقال رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : (.. ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)5 ، وفي حديث أخرجه الترمذي قال صلى الله عليه وسلم : (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد)6 .  
  
 
'''159 ـ ما يستفاد من النهي عن الاختلاف :'''
 
'''159 ـ ما يستفاد من النهي عن الاختلاف :'''
 
   
 
   
وإذا كان [[الإسلام]]  قد أمر بالاجتماع والائتلاف ونهى عن التفرق والاختلاف ، فهذا النهي يدل على جملة امور (منها) أن الاختلاف يمكن وقوعه بين البشر وبين المسلمين أنفسهم ، لانه لو كان مستحيلاً لما نهى [[الإسلام]]  عنه لأن النهي عن إيقاع المستحيل عبث ينزه عنه الشارع الحكيم . (ومنها) إذا كان الاختلاف يمكن وقوعه بين المسلمين فإنه يمكن توقيعه تحصيل ضده وهو الاتفاق لما عرف من أصول الشريعة لا تكليف إلا بمقدور ولا تكليف بمستحيل (ومنها) إذا كان الاختلاف منهياً شرعاً فهو إذن مذموم لان الأصل أن الذم يتبع النهي أو يقترن به إلا ما استثني ، (ومنها) إذا كان الاختلاف منهياً عنه ومذموماً فمن وقع فيه أو تلبس به حقت عليه المسؤولية الدينية ولحقه الجزاء على النحو المقرر في الشريعة . (ومنها) وإذا كان الاختلاف منهياً عنه ومذموماً ومعاقباً عليه فينبغي توقيه واتخاذ الأسباب والوسائل المانعة من وقوعه والدافعة له بعد وقوعه .  
+
وإذا كان [[الإسلام]]  قد أمر بالاجتماع والائتلاف ونهى عن التفرق والاختلاف ، فهذا النهي يدل على جملة امور (منها) أن الاختلاف يمكن وقوعه بين البشر وبين المسلمين أنفسهم ، لانه لو كان مستحيلاً لما نهى [[الإسلام]]  عنه لأن النهي عن إيقاع المستحيل عبث ينزه عنه الشارع الحكيم .  
 +
 
 +
(ومنها) إذا كان الاختلاف يمكن وقوعه بين المسلمين فإنه يمكن توقيعه تحصيل ضده وهو الاتفاق لما عرف من أصول الشريعة لا تكليف إلا بمقدور ولا تكليف بمستحيل (ومنها) إذا كان الاختلاف منهياً شرعاً فهو إذن مذموم لان الأصل أن الذم يتبع النهي أو يقترن به إلا ما استثني ، (ومنها) إذا كان الاختلاف منهياً عنه ومذموماً فمن وقع فيه أو تلبس به حقت عليه المسؤولية الدينية ولحقه الجزاء على النحو المقرر في الشريعة .  
 +
 
 +
(ومنها) وإذا كان الاختلاف منهياً عنه ومذموماً ومعاقباً عليه فينبغي توقيه واتخاذ الأسباب والوسائل المانعة من وقوعه والدافعة له بعد وقوعه .  
  
 
'''160 ـ وقوع الاختلاف بين المسلمين :'''  
 
'''160 ـ وقوع الاختلاف بين المسلمين :'''  
  
والاختلاف وقع ويقع بين المسلمين بالرغم من تحذير [[الإسلام]]  والنهي عنه تصديقاً لإخبارات النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه فقد قال صلى الله عليه وسلم : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في حجر لاتبعتموهم . قلنا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى؟ قال : فمن)7 . وكان من سنن الذين من قبلنا وقوعهم في الاختلاف والافتراق كما جاء في الحديث النبوي الشريف : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة . وتفرقت أمتى على ثلاث وسبعين)8 .  
+
والاختلاف وقع ويقع بين المسلمين بالرغم من تحذير [[الإسلام]]  والنهي عنه تصديقاً لإخبارات النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه فقد قال صلى الله عليه وسلم : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في حجر لاتبعتموهم .  
 +
 
 +
قلنا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى؟ قال : فمن)7 . وكان من سنن الذين من قبلنا وقوعهم في الاختلاف والافتراق كما جاء في الحديث النبوي الشريف : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة . وتفرقت أمتى على ثلاث وسبعين)8 .  
  
 
'''161 ـ الحكمة من التحذير من الاختلاف مع حتمية وقوعه :'''  
 
'''161 ـ الحكمة من التحذير من الاختلاف مع حتمية وقوعه :'''  
سطر ١٬٠٨٠: سطر ١٬٤٣٨:
 
مضت سنة الله تعالى في الأمم أن الاختلاف من أسباب هلاكها كما أخبرنا بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه إمام المحدثين البخاري رحمه الله تعالى وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : (فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) وفي رواية (فأهلكوا)1 .
 
مضت سنة الله تعالى في الأمم أن الاختلاف من أسباب هلاكها كما أخبرنا بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه إمام المحدثين البخاري رحمه الله تعالى وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : (فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) وفي رواية (فأهلكوا)1 .
 
   
 
   
وعند ابن حبان والحاكم عن ابن مسعود : (فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف)2 ، قال ابن حجر العسقلاني : وفي الحديث والذي قبله الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف3 . وقد أخرج هذا الحديث الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : (سمعت رجلاً قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهية وقال : كلاكما محسن ولا تختلفوا فغن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) ذكر هذا الحديث شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية وقال : أخرجه الإمام مسلم ثم قال ابن تيمية : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع الآخر من الحق لان كلا القارئين كان محسناً فيما قرأه . وعلل صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا4 ، فالخلاف إذن علّة هلاك الأمة .   
+
وعند ابن حبان والحاكم عن ابن مسعود : (فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف)2 ، قال ابن حجر العسقلاني : وفي الحديث والذي قبله الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف3 .  
 +
 
 +
وقد أخرج هذا الحديث الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : (سمعت رجلاً قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهية وقال : كلاكما محسن ولا تختلفوا فغن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) ذكر هذا الحديث شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية وقال : أخرجه الإمام مسلم ثم قال ابن تيمية : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع الآخر من الحق لان كلا القارئين كان محسناً فيما قرأه .  
 +
 
 +
وعلل صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا4 ، فالخلاف إذن علّة هلاك الأمة .   
  
 
'''163 ـ الخلاف المهلك للأمة هو الخلاف المذموم :'''  
 
'''163 ـ الخلاف المهلك للأمة هو الخلاف المذموم :'''  
سطر ١٬٠٩٨: سطر ١٬٤٦٠:
 
وضعف الامة بسبب اختلافها يحصل ولو كان بعض المختلفين على صواب ونية المخالفين لهم نية حسنة لظنهم أنهم هم المصيبون ، لأن ضعف الأمة بسبب اختلافها وتفرقها فرقاً شتى نتيجة حتمية للتفرق ولا علاقة لها بالخطأ والصواب ولا يحسن النية أو سوئها ، لأن التفرق واقعة مادية تستوجب نتيجتها وهي ضعف المختلفين جميعاً ولا تمنع ولا تدفع هذه النتيجة حسن نوايا المختلفين .  
 
وضعف الامة بسبب اختلافها يحصل ولو كان بعض المختلفين على صواب ونية المخالفين لهم نية حسنة لظنهم أنهم هم المصيبون ، لأن ضعف الأمة بسبب اختلافها وتفرقها فرقاً شتى نتيجة حتمية للتفرق ولا علاقة لها بالخطأ والصواب ولا يحسن النية أو سوئها ، لأن التفرق واقعة مادية تستوجب نتيجتها وهي ضعف المختلفين جميعاً ولا تمنع ولا تدفع هذه النتيجة حسن نوايا المختلفين .  
  
وما أحسن نصيحة ذلك الأب الحكيم لاولاده وتعليمهم ضرر الفرقة والاختلاف بالمثال المحسوس فقد أمرهم أن يجلب كل واحد منهم عصا وكانوا عشرة أولاد فلما جاؤوه بما أراد جعل العصي حزمة وشدها وطلب منهم واحداً واحداً كسر تلك الحزمة فلم يستطيعوا ثم فرق الحزمة وأعطى كل واحد منهم عصا وامره بكسرها فكسر كل واحد منهم عصاه بسهولة ويسر . وعند ذلك التفت إليهم أبوهم وقال لهم إن في الاجتماع قوة تستعصي على الكسر من قبل العدو كما استعصت حزمة العصي على الكسر ، وإن في التفرق والفرقة ضعفاً للجميع مما يسهل على العدو كسرهم والتغلب عليهم واحداً واحداً كما يسهل على العصي كسرها بعد تفرقها .   
+
وما أحسن نصيحة ذلك الأب الحكيم لاولاده وتعليمهم ضرر الفرقة والاختلاف بالمثال المحسوس فقد أمرهم أن يجلب كل واحد منهم عصا وكانوا عشرة أولاد فلما جاؤوه بما أراد جعل العصي حزمة وشدها وطلب منهم واحداً واحداً كسر تلك الحزمة فلم يستطيعوا ثم فرق الحزمة وأعطى كل واحد منهم عصا وامره بكسرها فكسر كل واحد منهم عصاه بسهولة ويسر .  
 +
 
 +
وعند ذلك التفت إليهم أبوهم وقال لهم إن في الاجتماع قوة تستعصي على الكسر من قبل العدو كما استعصت حزمة العصي على الكسر ، وإن في التفرق والفرقة ضعفاً للجميع مما يسهل على العدو كسرهم والتغلب عليهم واحداً واحداً كما يسهل على العصي كسرها بعد تفرقها .   
  
 
'''167 ـ الاختلاف يضعف الجماعة المسلمة ويهلكها :'''  
 
'''167 ـ الاختلاف يضعف الجماعة المسلمة ويهلكها :'''  
  
والاختلاف كما يضعف الأمة ويهلكها يضعف الجماعة المسلمة التي تنهض بواجب الدعوة إلى الله ثم يهلكها . ولهذا كان شر ما تبتلى به الجماعة المسلمة وقوع الاختلاف المذموم فيما بينها بحيث يجعلها فرقاً شتى ، بحيث ترى كل فرقة أنها على حق وصواب وأن غيرها على خطأ وضلال ، وتعتقد كل فرقة أنها هي التي تعمل لمصلحة الدعوة . وهيهات أن تكون الفرقة والتشتت والاختلاف المذموم في مصلحة الدعوة أو أنَّ مصلحة الدعوة تأتي عن طريق التفرق ، ولكن الشيطان هو الذي يزين الفرقة والتفرق في اعين المتفرقين المختلفين فيجعلهم يعتقدون ان اختلافهم وتفرقهم في مصلحة الدعوة .
+
والاختلاف كما يضعف الأمة ويهلكها يضعف الجماعة المسلمة التي تنهض بواجب الدعوة إلى الله ثم يهلكها . ولهذا كان شر ما تبتلى به الجماعة المسلمة وقوع الاختلاف المذموم فيما بينها بحيث يجعلها فرقاً شتى ، بحيث ترى كل فرقة أنها على حق وصواب وأن غيرها على خطأ وضلال ، وتعتقد كل فرقة أنها هي التي تعمل لمصلحة الدعوة .  
 +
 
 +
وهيهات أن تكون الفرقة والتشتت والاختلاف المذموم في مصلحة الدعوة أو أنَّ مصلحة الدعوة تأتي عن طريق التفرق ، ولكن الشيطان هو الذي يزين الفرقة والتفرق في اعين المتفرقين المختلفين فيجعلهم يعتقدون ان اختلافهم وتفرقهم في مصلحة الدعوة .
 
   
 
   
والاختلاف في الجماعة لا يقف تأثيره عند حد إضعاف الجماعة وإنما يضعف تأثيرها في الناس وتجعل المغرضين ينفثون باطلهم في الناس ويقولون : جماعة سوء تأمر الناس بأحكام [[الإسلام]]  ، و[[الإسلام]]  يدعو إلى الألفة والاجتماع وينهى عن الاختلاف ، وهي تخالفه إذ هي متفرقة مختلفة فيما بينها ، كل فرقة تعيب الأخرى وتدعي أنها وحدها على الحق . ثم يؤول الأمر إلى انحسار تأثير الجماعة في المجتمع ثم اضمحلالها واندثارها وقيام جماعات جديدة مكانها هي فرق المنفصلين عنها ، ووقائع التاريخ البعيد والقريب تؤيد ما نقول .  
+
والاختلاف في الجماعة لا يقف تأثيره عند حد إضعاف الجماعة وإنما يضعف تأثيرها في الناس وتجعل المغرضين ينفثون باطلهم في الناس ويقولون : جماعة سوء تأمر الناس بأحكام [[الإسلام]]  ، و[[الإسلام]]  يدعو إلى الألفة والاجتماع وينهى عن الاختلاف ، وهي تخالفه إذ هي متفرقة مختلفة فيما بينها ، كل فرقة تعيب الأخرى وتدعي أنها وحدها على الحق .  
 +
 
 +
ثم يؤول الأمر إلى انحسار تأثير الجماعة في المجتمع ثم اضمحلالها واندثارها وقيام جماعات جديدة مكانها هي فرق المنفصلين عنها ، ووقائع التاريخ البعيد والقريب تؤيد ما نقول .  
  
 
'''168 ـ توقي الهلاك بتوقي الاختلاف :'''  
 
'''168 ـ توقي الهلاك بتوقي الاختلاف :'''  
سطر ١٬١١٢: سطر ١٬٤٨٠:
 
'''169 ـ سبل الوقاية من الاختلاف :'''  
 
'''169 ـ سبل الوقاية من الاختلاف :'''  
  
إن سبل الوقاية من الاختلاف تختلف باختلاف أطراف الخلاف ، فقد يقع الخلاف بين الأمة وحكامها ، أو بين أفرادها أو بين أعضاء الجماعة المسلمة أو بين الجماعة [[الإسلام]]ية . ونذكر فيما يلي سبل الوقاية من الخلاف في هذه الحالات حتى لا يقع الخلاف أو لرفعه إذا وقع ، علماً بأن الوقاية قد تنجح فلا يقع الخلاف أو يقل كثيراً أو يضعف أثره ، وإذا وقع قد يرفع كله أو بعضه أو يضعف تأثيره . فسبل الوقاية كالدواء يؤخذ للحمية لئلا يقع المرض ، ويؤخذ للعلاج بعد وقوع المرض وقد ينفع في الحالتين أو في أحدهما وقد لا ينفع تماماً وقد ينفع جزئياً ، وكل ذلك لأسباب وعوامل متعددة .  
+
إن سبل الوقاية من الاختلاف تختلف باختلاف أطراف الخلاف ، فقد يقع الخلاف بين الأمة وحكامها ، أو بين أفرادها أو بين أعضاء الجماعة المسلمة أو بين الجماعة [[الإسلام]]ية .  
 +
 
 +
ونذكر فيما يلي سبل الوقاية من الخلاف في هذه الحالات حتى لا يقع الخلاف أو لرفعه إذا وقع ، علماً بأن الوقاية قد تنجح فلا يقع الخلاف أو يقل كثيراً أو يضعف أثره ، وإذا وقع قد يرفع كله أو بعضه أو يضعف تأثيره .  
 +
 
 +
فسبل الوقاية كالدواء يؤخذ للحمية لئلا يقع المرض ، ويؤخذ للعلاج بعد وقوع المرض وقد ينفع في الحالتين أو في أحدهما وقد لا ينفع تماماً وقد ينفع جزئياً ، وكل ذلك لأسباب وعوامل متعددة .  
  
 
'''170 ـ أولاً : الوقاية من الخلاف بين الأمة وحكامها :'''  
 
'''170 ـ أولاً : الوقاية من الخلاف بين الأمة وحكامها :'''  
  
الخليفة ومن دونه من ولاة الأمور يباشرون السلطة والأمر والنهي في إدارة شؤون الدولة وفق اجتهادهم وما يرونه من وجوه المصلحة للأمة وهذا فيما عدا ما هو منصوص عليه في الشريعة ، لأن ما هو منصوص عليه واجب على الخليفة ومن دونه من ولاة الأمر التقيد به إذ لا اجتهاد في مورد النص ، وإنما الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ومثل هذا الاجتهاد جائز لولاة الأمور . وقد يخالفهم غيرهم فيما يأمرون به أو ينهون عنه ، وقد يكون المخالف فرداً أو أفراداً أو جماعة تقوم بالدعوة إلى [[الإسلام]]  ، وقد يكون الصواب مع ولي الأمر والخطأ مع مخالفيه وقد يكون العكس ، وفي جميع الأحوال يكون من حق أفراد الأمة والجماعة المسلمة أن يبدوا آراءهم في تصرفات ولي الأمر مؤيدين لها أو مخالفين ، وفق قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
+
الخليفة ومن دونه من ولاة الأمور يباشرون السلطة والأمر والنهي في إدارة شؤون الدولة وفق اجتهادهم وما يرونه من وجوه المصلحة للأمة وهذا فيما عدا ما هو منصوص عليه في الشريعة ، لأن ما هو منصوص عليه واجب على الخليفة ومن دونه من ولاة الأمر التقيد به إذ لا اجتهاد في مورد النص ، وإنما الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ومثل هذا الاجتهاد جائز لولاة الأمور .  
 +
 
 +
وقد يخالفهم غيرهم فيما يأمرون به أو ينهون عنه ، وقد يكون المخالف فرداً أو أفراداً أو جماعة تقوم بالدعوة إلى [[الإسلام]]  ، وقد يكون الصواب مع ولي الأمر والخطأ مع مخالفيه وقد يكون العكس ، وفي جميع الأحوال يكون من حق أفراد الأمة والجماعة المسلمة أن يبدوا آراءهم في تصرفات ولي الأمر مؤيدين لها أو مخالفين ، وفق قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
 
   
 
   
 
ومن هذه القواعد : عدم الإنكار في الأمور الاجتهادية وإن كان من الجائز لأفراد الأمة أو للجماعة المسلمة إبداء آرائهم فيما ذهب إليه ولي الأمر في الأمور الاجتهادية كما قلت ، ولكن لا يجوز لهم اعتبار رأيهم هو الحق والصواب والواجب التنفيذ وأن رأي ولي الأمر (الخليفة فمن دونه) المخالف لرأيهم باطل وخطأ قطعاً ولا يجوز تنفيذه ، لأن من القواعد الفقهية أن الاجتهاد لا ينقض بمثله وأن حكم الحاكم يرفع الخلاف في الأمور الاجتهادية ، فإذا أخذ ولي الأمر برأيه واجتهاده المخالف لرأي غيره فهو قد استعمل حقه ومن يستعمل حقه فهو مصيب غير مخطىء ومحسن غير مسيء فلا يجوز الإنكار عليه وتجميع الناس ضده وإباحة الخروج عليه ، فهذا الصنيع من مخالفيه يقع في دائرة الخلاف والجماعة المسلمة أن يفقهوا هذا لئلا يقعوا في الخلاف المذموم وتحق عليهم المسؤولية الدينية وما يترتب عليها من جزاء .  
 
ومن هذه القواعد : عدم الإنكار في الأمور الاجتهادية وإن كان من الجائز لأفراد الأمة أو للجماعة المسلمة إبداء آرائهم فيما ذهب إليه ولي الأمر في الأمور الاجتهادية كما قلت ، ولكن لا يجوز لهم اعتبار رأيهم هو الحق والصواب والواجب التنفيذ وأن رأي ولي الأمر (الخليفة فمن دونه) المخالف لرأيهم باطل وخطأ قطعاً ولا يجوز تنفيذه ، لأن من القواعد الفقهية أن الاجتهاد لا ينقض بمثله وأن حكم الحاكم يرفع الخلاف في الأمور الاجتهادية ، فإذا أخذ ولي الأمر برأيه واجتهاده المخالف لرأي غيره فهو قد استعمل حقه ومن يستعمل حقه فهو مصيب غير مخطىء ومحسن غير مسيء فلا يجوز الإنكار عليه وتجميع الناس ضده وإباحة الخروج عليه ، فهذا الصنيع من مخالفيه يقع في دائرة الخلاف والجماعة المسلمة أن يفقهوا هذا لئلا يقعوا في الخلاف المذموم وتحق عليهم المسؤولية الدينية وما يترتب عليها من جزاء .  
سطر ١٬١٢٢: سطر ١٬٤٩٦:
 
'''171 ـ الخلاف مع الحاكم الظالم :'''  
 
'''171 ـ الخلاف مع الحاكم الظالم :'''  
  
المركز القانوني للخليفة في علاقته مع الأمة مركز النائب والوكيل ، فالأمة هي التي اختارته وأنابته مناب نفسها ليقوم بتنفيذ شرع الله ويدير شؤونها بما يحقق المصلحة لها ويحفظ حقوقها ، وحقوق أفرادها وفق الضوابط الشرعية . ولكن قد لا يفعل الخليفة ذلك فتقع تصرفاته أو تصرفات نوابه في دائرة الظلم مثل غمط الناس حقوقهم أو سلبها منهم أو تقديم من حقه التأخير ، وتأخير من حقه التقديم ، ففي هذه الحالة على الأمة بأفرادها المتضررين منهم بهذه التصرفات وغيرهم وبالجماعات المسلمة فيها الإنكار عليه تكرار الإنكار حتى يقلع عن الظلم . ولكن لا يجوز للأمة ولا للمتضررين من تصرف ولي الأمر ولا للجماعة المسلمة دفع الناس إلى التمرد والعصيان والخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح وتأجيج الفتنة لأن هذا السلوك في مواجهة ولي الأمر يضعف الأمة ويعرضها إلى استيلاء العدو عليها . وعلى المتضررين من بغي السلطان ((ولي الأمر)) أو نوابه مراجعة القاضي لينصفهم عن ظلمهم ، فغن لم يجدوا عند القاضي النصفة لهم لأي سبب كان ، فلا يجوز لهم ولا لغيرهم الخروج على السلطان أي على الدولة إيثاراً منهم للمصلحة العامة على مصلحتهم الخاصة ، وعليهم أن يستمروا على موقفهم في الإنكار على ولي الأمر الظالم ومراجعة القضاء مع الصبر وعدم الخروج على الدولة . وليس في هذا الموقف النبيل من الأمة أو المتضررين من ظلم السلطان مذلة ولا استكانة للظلم وإنما فيه تضحية وإيثار للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، وعلى هذا دلّت السنة النبوية الشريفة ، فمن ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات مات ميتة الجاهلية)1 .
+
المركز القانوني للخليفة في علاقته مع الأمة مركز النائب والوكيل ، فالأمة هي التي اختارته وأنابته مناب نفسها ليقوم بتنفيذ شرع الله ويدير شؤونها بما يحقق المصلحة لها ويحفظ حقوقها ، وحقوق أفرادها وفق الضوابط الشرعية .  
 +
 
 +
ولكن قد لا يفعل الخليفة ذلك فتقع تصرفاته أو تصرفات نوابه في دائرة الظلم مثل غمط الناس حقوقهم أو سلبها منهم أو تقديم من حقه التأخير ، وتأخير من حقه التقديم ، ففي هذه الحالة على الأمة بأفرادها المتضررين منهم بهذه التصرفات وغيرهم وبالجماعات المسلمة فيها الإنكار عليه تكرار الإنكار حتى يقلع عن الظلم .  
 +
 
 +
ولكن لا يجوز للأمة ولا للمتضررين من تصرف ولي الأمر ولا للجماعة المسلمة دفع الناس إلى التمرد والعصيان والخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح وتأجيج الفتنة لأن هذا السلوك في مواجهة ولي الأمر يضعف الأمة ويعرضها إلى استيلاء العدو عليها .  
 +
 
 +
وعلى المتضررين من بغي السلطان ((ولي الأمر)) أو نوابه مراجعة القاضي لينصفهم عن ظلمهم ، فغن لم يجدوا عند القاضي النصفة لهم لأي سبب كان ، فلا يجوز لهم ولا لغيرهم الخروج على السلطان أي على الدولة إيثاراً منهم للمصلحة العامة على مصلحتهم الخاصة ، وعليهم أن يستمروا على موقفهم في الإنكار على ولي الأمر الظالم ومراجعة القضاء مع الصبر وعدم الخروج على الدولة .
 +
 
 +
وليس في هذا الموقف النبيل من الأمة أو المتضررين من ظلم السلطان مذلة ولا استكانة للظلم وإنما فيه تضحية وإيثار للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، وعلى هذا دلّت السنة النبوية الشريفة ، فمن ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات مات ميتة الجاهلية)1 .
 
      
 
      
 
وجاء في شرحه : الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار2 .
 
وجاء في شرحه : الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار2 .
 
      
 
      
وفي حديث آخر للبخاري عن عبادة بن الصامت : دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال : فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان3 . وأخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك)4 .  
+
وفي حديث آخر للبخاري عن عبادة بن الصامت : دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال : فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان3 .  
 +
 
 +
وأخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك)4 .  
  
 
وقال النووي في شرحه لهذا الحديث : قال العلماء ، معناه : تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية ، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة . ((والأثرة )) هي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم . وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الاحوال وسببها اجتماع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد احوالهم في دينهم ودنياهم5 .  
 
وقال النووي في شرحه لهذا الحديث : قال العلماء ، معناه : تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية ، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة . ((والأثرة )) هي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم . وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الاحوال وسببها اجتماع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد احوالهم في دينهم ودنياهم5 .  
سطر ١٬١٣٨: سطر ١٬٥٢٢:
 
'''173 ـ ثانياً : الخلاف بين أفراد الأمة والوقاية منه :'''  
 
'''173 ـ ثانياً : الخلاف بين أفراد الأمة والوقاية منه :'''  
  
وقد يقع الخلاف بين أفراد الأمة ويكون اختلافهم من النوع المذموم فليزمهم الإقلاع عنه والوقاية فيه بعد تبصيرهم بحكم الشرع فيما اختلفوا فيه . ومن هذا الاختلاف المذموم الواجب الوقاية منه الخلاف بين مقلدة المذاهب والخلاف بين المقلدين ومنكري التقليد والخلاف بين المتفقهة والمتصوفة . ونتكلم فيما يلي عن طبيعة هذه الخلافات وسبل الوقاية منها .  
+
وقد يقع الخلاف بين أفراد الأمة ويكون اختلافهم من النوع المذموم فليزمهم الإقلاع عنه والوقاية فيه بعد تبصيرهم بحكم الشرع فيما اختلفوا فيه .  
 +
 
 +
ومن هذا الاختلاف المذموم الواجب الوقاية منه الخلاف بين مقلدة المذاهب والخلاف بين المقلدين ومنكري التقليد والخلاف بين المتفقهة والمتصوفة . ونتكلم فيما يلي عن طبيعة هذه الخلافات وسبل الوقاية منها .  
  
 
'''174 ـ أ : الخلاف بين مقلدة المذاهب :'''  
 
'''174 ـ أ : الخلاف بين مقلدة المذاهب :'''  
  
تقليد المذاهب [[الإسلام]]ية المعتبرة جائز للعاجز عن الاجتهاد باعتبار أن هذا التقليد يشمله المعنى العام لقوله تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، إن المراد من سؤالهم معرفة ما يجهلونه ويسألون عنه أهل الذكر . والمسلم يسأل أهل العلم عن حكم الشرع في المسألة التي تهمه يسأل اهل العلم عن حكمها الشرعي . وسؤال أهل العلم كما يكون بالمجيء إليهم وهم أحياء وسؤالهم مشافهة ومواجهة ، يكون بحكم سؤالهم بالرجوع إلى أقوالهم التي حرروها في المسائل الشرعية وبينوا أحكامها .
+
تقليد المذاهب [[الإسلام]]ية المعتبرة جائز للعاجز عن الاجتهاد باعتبار أن هذا التقليد يشمله المعنى العام لقوله تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، إن المراد من سؤالهم معرفة ما يجهلونه ويسألون عنه أهل الذكر .  
 +
 
 +
والمسلم يسأل أهل العلم عن حكم الشرع في المسألة التي تهمه يسأل اهل العلم عن حكمها الشرعي . وسؤال أهل العلم كما يكون بالمجيء إليهم وهم أحياء وسؤالهم مشافهة ومواجهة ، يكون بحكم سؤالهم بالرجوع إلى أقوالهم التي حرروها في المسائل الشرعية وبينوا أحكامها .
 
   
 
   
كما أن تبرير تقليدهم أنهم يعرفون من يقلدهم بحكم الشرع . فعلى هذا الأساس جاز للجاهل أن يقلد المذاهب [[الإسلام]]ية المعتبرة ، ولكن لا يجوز للمقلد أن يعتقد أن أقوال من يقلده هي الحق والصواب قطعاً وأن ما يخالفها هو الخطأ قطعاً ثم يرتب على ذلك نتائج غير مقبولة شرعاً ومفرقة للأمة ومضعفة لها مثل إباحة المقلد لنفسه مقاطعة من يخالفه في تقليده وعدم الصلاة خلفه ، وربما تجاوز ذلك إلى الخصومات والمشاجرات والعداوات بين مقلدة المذاهب واتهام بعضهم بعضاً بأسوأ التهم ونعتهم بأسوأ الأوصاف ، كما حدث شيء من ذلك في الماضي . ولا شك أن هذا الخلاف من النوع المذموم وقطعاً الذي يرده ولم يقصده أئمة المذاهب وإنما يفعله مقلدتهم منهم .  
+
كما أن تبرير تقليدهم أنهم يعرفون من يقلدهم بحكم الشرع . فعلى هذا الأساس جاز للجاهل أن يقلد المذاهب [[الإسلام]]ية المعتبرة ، ولكن لا يجوز للمقلد أن يعتقد أن أقوال من يقلده هي الحق والصواب قطعاً وأن ما يخالفها هو الخطأ قطعاً ثم يرتب على ذلك نتائج غير مقبولة شرعاً ومفرقة للأمة ومضعفة لها مثل إباحة المقلد لنفسه مقاطعة من يخالفه في تقليده وعدم الصلاة خلفه ، وربما تجاوز ذلك إلى الخصومات والمشاجرات والعداوات بين مقلدة المذاهب واتهام بعضهم بعضاً بأسوأ التهم ونعتهم بأسوأ الأوصاف ، كما حدث شيء من ذلك في الماضي .  
 +
 
 +
ولا شك أن هذا الخلاف من النوع المذموم وقطعاً الذي يرده ولم يقصده أئمة المذاهب وإنما يفعله مقلدتهم منهم .  
  
 
'''175 ـ الوقاية من هذا الخلاف :'''  
 
'''175 ـ الوقاية من هذا الخلاف :'''  
سطر ١٬١٥٠: سطر ١٬٥٤٠:
 
والوقاية من هذا الخلاف بين مقلدة المذاهب تعريفهم بحكم الشرع فيما اختلفوا فيه وتبصيرهم بحقيقة المذاهب [[الإسلام]] ية وطبيعتها ومعناها وموقف المسلم منها . فالمذاهب [[الإسلام]]ية ما هي إلا وجوه لتفسير النصوص الشرعية في القرآن والسنة النبوية واستنباط الأحكام الشرعية منها ومن المصادر التي أرشدت إليها هذه النصوص في ضوء ضوابط معينة وقواعد في فهم النصوص وتفسيرها .  
 
والوقاية من هذا الخلاف بين مقلدة المذاهب تعريفهم بحكم الشرع فيما اختلفوا فيه وتبصيرهم بحقيقة المذاهب [[الإسلام]] ية وطبيعتها ومعناها وموقف المسلم منها . فالمذاهب [[الإسلام]]ية ما هي إلا وجوه لتفسير النصوص الشرعية في القرآن والسنة النبوية واستنباط الأحكام الشرعية منها ومن المصادر التي أرشدت إليها هذه النصوص في ضوء ضوابط معينة وقواعد في فهم النصوص وتفسيرها .  
  
وإن أئمة المذاهب [[الإسلام]]ية من أهل العلم المشهود لهم بالعلم والإيمان ، وإنهم أئمة في الفقه [[الإسلام]]ي وأهل لأن يسألهم الناس عن أحكام الشرع [[الإسلام]]ي بالمجيء إليهم في حياتهم وسؤالهم عما يريدون معرفته من أحكام الشرع . وبحكم سؤالهم في حياتهم الرجوع إلى أقوالهم وفتاواهم بعد وفاتهم باعتبار أن أقوالهم هذه مظنّة الصواب وتوصل إلى معرفة الأحكام التي شرعها الله . ولكن هذه المظنة للصواب ليست مقصورة على مذهب معين أي على أقوال مجتهد بعينه وإنما هي شائعة بين أئمة المذاهب المختلفة المعتبرة وإن كان بعضهم أقوى مظنة للصواب من غيره إما مطلقاً وإما في مسألة معينة أو في جملة مسائل من الفقه .  
+
وإن أئمة المذاهب [[الإسلام]]ية من أهل العلم المشهود لهم بالعلم والإيمان ، وإنهم أئمة في الفقه [[الإسلام]]ي وأهل لأن يسألهم الناس عن أحكام الشرع [[الإسلام]]ي بالمجيء إليهم في حياتهم وسؤالهم عما يريدون معرفته من أحكام الشرع . وبحكم سؤالهم في حياتهم الرجوع إلى أقوالهم وفتاواهم بعد وفاتهم باعتبار أن أقوالهم هذه مظنّة الصواب وتوصل إلى معرفة الأحكام التي شرعها الله .  
 +
 
 +
ولكن هذه المظنة للصواب ليست مقصورة على مذهب معين أي على أقوال مجتهد بعينه وإنما هي شائعة بين أئمة المذاهب المختلفة المعتبرة وإن كان بعضهم أقوى مظنة للصواب من غيره إما مطلقاً وإما في مسألة معينة أو في جملة مسائل من الفقه .  
  
 
وإذا كانت أقوال المذاهب [[الإسلام]]ية المعتبرة سائغة على أساس أنها مظنة الصواب وموصل إلى حكم الله ، وأن هذه المظنة شائعة بين المذاهب [[الإسلام]]ية المعتبرة وليست حكراً على مذهب معين فلا يجوز لمقلد أحد هذه المذاهب أن يحتكر لمذهبه كل الصواب في جميع أقواله ويقرر الخطأ في كل قول يخالف مذهبه . فهذا لم يقله أي مذهب من المذاهب ولم ينسبه لنفسه ولم يحتكره لاجتهاده فكيف يدعيه مقلده له؟  
 
وإذا كانت أقوال المذاهب [[الإسلام]]ية المعتبرة سائغة على أساس أنها مظنة الصواب وموصل إلى حكم الله ، وأن هذه المظنة شائعة بين المذاهب [[الإسلام]]ية المعتبرة وليست حكراً على مذهب معين فلا يجوز لمقلد أحد هذه المذاهب أن يحتكر لمذهبه كل الصواب في جميع أقواله ويقرر الخطأ في كل قول يخالف مذهبه . فهذا لم يقله أي مذهب من المذاهب ولم ينسبه لنفسه ولم يحتكره لاجتهاده فكيف يدعيه مقلده له؟  
 +
 
وإذا كان اتباع المذاهب الفقهية سائغاً للأسباب التي ذكرناها وللاعتبارات التي بينّاها فلا يجوز التقاطع والمخاصمة بين مقلدة المذاهب ولا الاعتقاد بأن أقوال مذهبه كلها هي الصواب وأن ما يخالفها هي الباطل قطعاً وأن متبعها يستحق الهجر والقطيعة ، فكل ذلك من الخلاف المذموم ، والوقاية منه يكون بتبصير المقلدين بما قلناه والله هو الهادي إلى سواء السبيل .  
 
وإذا كان اتباع المذاهب الفقهية سائغاً للأسباب التي ذكرناها وللاعتبارات التي بينّاها فلا يجوز التقاطع والمخاصمة بين مقلدة المذاهب ولا الاعتقاد بأن أقوال مذهبه كلها هي الصواب وأن ما يخالفها هي الباطل قطعاً وأن متبعها يستحق الهجر والقطيعة ، فكل ذلك من الخلاف المذموم ، والوقاية منه يكون بتبصير المقلدين بما قلناه والله هو الهادي إلى سواء السبيل .  
 
  
 
'''176 ـ ب : الخلاف بين المقلدين ومنكري التقليد :'''  
 
'''176 ـ ب : الخلاف بين المقلدين ومنكري التقليد :'''  
سطر ١٬١٦٢: سطر ١٬٥٥٤:
 
'''177 ـ الوقاية من هذا الخلاف :'''  
 
'''177 ـ الوقاية من هذا الخلاف :'''  
  
والوقاية من هذا الخلاف يكون بتبصير الفريقين بما قلناه بالنسبة للخلاف بين مقلدة المذاهب أنفسهم ، ونزيد عليه بان نقول لمنكري التقليد مطلقاً ، إن المسألة بسيطة وواضحة جداً ولا ينبغي أن يكون بينكم وبين المقلدين خلاف ، وبيان ذلك أن المطلوب من المسلم معرفة حكم الشرع أي ما أنزله الله في القرآن والسنة ، أو ما أرشدت إليه نصوصهما من مصادر يعرف بها حكم الشرع كالإجماع . فإذا كان المسلم قادراً على تحصيل هذه المعرفة بنفسه بأن كان من أهل الاجتهاد فليفعل ذلك وليصل إلى معرفة حكم الشرع بنفسه ويحرم عليه التقليد في هذه الحالة .
+
والوقاية من هذا الخلاف يكون بتبصير الفريقين بما قلناه بالنسبة للخلاف بين مقلدة المذاهب أنفسهم ، ونزيد عليه بان نقول لمنكري التقليد مطلقاً ، إن المسألة بسيطة وواضحة جداً ولا ينبغي أن يكون بينكم وبين المقلدين خلاف ، وبيان ذلك أن المطلوب من المسلم معرفة حكم الشرع أي ما أنزله الله في القرآن والسنة ، أو ما أرشدت إليه نصوصهما من مصادر يعرف بها حكم الشرع كالإجماع .  
 +
 
 +
فإذا كان المسلم قادراً على تحصيل هذه المعرفة بنفسه بأن كان من أهل الاجتهاد فليفعل ذلك وليصل إلى معرفة حكم الشرع بنفسه ويحرم عليه التقليد في هذه الحالة .
 
   
 
   
ومن كان عاجزاً عن ذلك فعليه أن يفعل ما أمره الله عندما يجهل مسألة ويريد أن يعرفها قال تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وأهل الذكر بالنسبة للأحكام الشرعية هم العارفون بها وهم فقهاء الشريعة وعلى رأسهم أئمة الفقه المشهود لهم بالإمامة بالفقه كأصحاب المذاهب المعروفة بأسماء مؤسيسها ، وسؤالهم يكون بالمجيء إليهم وهذا في حياتهم وإما بالرجوع إلى أقوالهم وفتاواهم بعد مماتهم ، فهم أهلٌ لأن يُسألوا وأهلٌ لأن يُؤخذ قولهم ، كما أن سيبويه أهلٌ لأن يؤخذ قوله فيما اختص وعرف به من علوم اللغة العربية . وأيضاً فإن المقلد إنما يأخذ أقوال من يقلده باعتبارها مظنة الصواب وموصلة إلى معرفة حكم الشرع ، ولا ضير عليه ولا لوم في سلوك هذا المسلك في معرفة حكم الشرع ، ومثله في مسلكه هذا كمسلك الذي يريد الوصول إلى مكة بسلوك طريق البرّ فيتخذ له دليلاً هو مظنة المعرفة بطرق الصحراء الآمنة ليوصله إلى مكة فيسير وراءه ويتبعه فيما يشير به ويدله عليه من معالم الطريق .  
+
ومن كان عاجزاً عن ذلك فعليه أن يفعل ما أمره الله عندما يجهل مسألة ويريد أن يعرفها قال تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وأهل الذكر بالنسبة للأحكام الشرعية هم العارفون بها وهم فقهاء الشريعة وعلى رأسهم أئمة الفقه المشهود لهم بالإمامة بالفقه كأصحاب المذاهب المعروفة بأسماء مؤسيسها ، وسؤالهم يكون بالمجيء إليهم وهذا في حياتهم وإما بالرجوع إلى أقوالهم وفتاواهم بعد مماتهم ، فهم أهلٌ لأن يُسألوا وأهلٌ لأن يُؤخذ قولهم ، كما أن سيبويه أهلٌ لأن يؤخذ قوله فيما اختص وعرف به من علوم اللغة العربية .  
 +
 
 +
وأيضاً فإن المقلد إنما يأخذ أقوال من يقلده باعتبارها مظنة الصواب وموصلة إلى معرفة حكم الشرع ، ولا ضير عليه ولا لوم في سلوك هذا المسلك في معرفة حكم الشرع ، ومثله في مسلكه هذا كمسلك الذي يريد الوصول إلى مكة بسلوك طريق البرّ فيتخذ له دليلاً هو مظنة المعرفة بطرق الصحراء الآمنة ليوصله إلى مكة فيسير وراءه ويتبعه فيما يشير به ويدله عليه من معالم الطريق .  
  
 
'''178 ـ ادعاء الجاهل الاجتهاد :'''  
 
'''178 ـ ادعاء الجاهل الاجتهاد :'''  
  
ولا يجوز للجاهل الذي ليست له أهلية الاجتهاد ولا القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها ، لا يجوز له أن يدعي القدرة على الاجتهاد والوصول إلى معرفة الحكم الشرعي بنفسه فيتهجم على نصوص الشريعة في القرآن الكريم والسنة النبوية فيفسرها كما يشاء ، ويستنبط الأحكام منها كما يريد ، ويقول بالحل والحرمة لفعل أو ترك لما يتراءى له من مصلحة أو مفسدة من هذا الترك أو ذلك الفعل ، أو يقيس شيئاً على شيء بلا معرفة بأصوله وضوابطه . وقد لا يدعي الجاهل لنفسه رتبة الاجتهاد والقدرة على الاستنباط صراحة ، ولكنه يدعيها لنفسه عملاً بأن يتصرف تصرف المجتهدين فيفسر كتاب الله وآياته كما يهوى دون أن يرجع إلى ما قاله أهل العلم فيما يفسره هو من آيات وما يستنبطه منها من أحكام ، أو أنه يجد حديثاً نبوياً في كتاب فيفسره كما يهوى دون أن يرجع إلى أهل العلم بالسنة النبوية المطهرة وما قالوه في هذا الحديث الذي يفسره ، ومدى علاقته بالأحاديث الأخرى التي تخص موضوعه ، وما الحكم الذي يدل عليه من إيجاب أو ندب أو إباحة إن كان بصيغة الطلب ، وما يدل عليه من تحريم أو كراهة إن كان بصيغة النهي إلى غير ذلك من الأمور المتعلقة بهذا الحديث والواجب معرفتها قبل أن يفسر الحديث ويقول بمقتضاه .  
+
ولا يجوز للجاهل الذي ليست له أهلية الاجتهاد ولا القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها ، لا يجوز له أن يدعي القدرة على الاجتهاد والوصول إلى معرفة الحكم الشرعي بنفسه فيتهجم على نصوص الشريعة في القرآن الكريم والسنة النبوية فيفسرها كما يشاء ، ويستنبط الأحكام منها كما يريد ، ويقول بالحل والحرمة لفعل أو ترك لما يتراءى له من مصلحة أو مفسدة من هذا الترك أو ذلك الفعل ، أو يقيس شيئاً على شيء بلا معرفة بأصوله وضوابطه .  
 +
 
 +
وقد لا يدعي الجاهل لنفسه رتبة الاجتهاد والقدرة على الاستنباط صراحة ، ولكنه يدعيها لنفسه عملاً بأن يتصرف تصرف المجتهدين فيفسر كتاب الله وآياته كما يهوى دون أن يرجع إلى ما قاله أهل العلم فيما يفسره هو من آيات وما يستنبطه منها من أحكام ، أو أنه يجد حديثاً نبوياً في كتاب فيفسره كما يهوى دون أن يرجع إلى أهل العلم بالسنة النبوية المطهرة وما قالوه في هذا الحديث الذي يفسره ، ومدى علاقته بالأحاديث الأخرى التي تخص موضوعه ، وما الحكم الذي يدل عليه من إيجاب أو ندب أو إباحة إن كان بصيغة الطلب ، وما يدل عليه من تحريم أو كراهة إن كان بصيغة النهي إلى غير ذلك من الأمور المتعلقة بهذا الحديث والواجب معرفتها قبل أن يفسر الحديث ويقول بمقتضاه .  
  
 
'''179 ـ لا يجوز الطعن بأئمة المذاهب :'''  
 
'''179 ـ لا يجوز الطعن بأئمة المذاهب :'''  
سطر ١٬١٧٦: سطر ١٬٥٧٤:
 
ومما لا خلاف فيه أن أبا حنيفة والشافعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المذاهب [[الإسلام]] ية المعتبرة هم من أهل العلم ، فيدخلون في مضمون هذه الآية وهي رفعة درجاتهم عند الله تعالى ، لأن العلم المقصود بالآية العلم الشرعي .  
 
ومما لا خلاف فيه أن أبا حنيفة والشافعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المذاهب [[الإسلام]] ية المعتبرة هم من أهل العلم ، فيدخلون في مضمون هذه الآية وهي رفعة درجاتهم عند الله تعالى ، لأن العلم المقصود بالآية العلم الشرعي .  
  
وقد يكون من المفيد أن أذكر هنا ما جاء في تفسير هذه الآية في تفسير الآلوسي قال رحمه الله : (والذين أوتوا العلم) أي العلم الشرعي (درجات) أي كثيرة جليلة كما يشعر به المقام ، وعطف ـ الذين أوتوا العلم ـ على (الذين آمنوا) من عطف الخاص على العام تعظيماً لهم بعدهم كأنهم جنس آخر وعنه عليه الصلاة والسلام : (يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فأعظم بمرتبة بين النبوة والشهادة بشهادة الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم . والدال على فضل العلم والعلماء أكثر من أن يحصى ، وأرجى حديث عندي في فضلهم ما رواه الإمام أبو حنيفة في مسنده عن ابن مسعود قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يجمع الله العلماء يوم القيامة فيقول : إني لم أجعل حكمتي في قلوبكم إلا وانا أريد بكم الخير ، اذهبوا إلى الجنة فقد غفرت لكم على ما كان منكم) . ودلالة الآية على فضل العلماء ظاهرة بل أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال : ما خصَّ الله تعالى العلماء في شيء ما خصهم في هذه الآية .. فضَّل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم بدرجات1 . فالله تعالى أخبر أنه رفع درجات العلماء ، ويأتي هؤلاء الجهال يريدون تنقيص درجاتهم بالكلام السيء عليهم ، ولا شك أن من رفعه الله لن يستطيع خفضه أهل الجهالة والأهواء .  
+
وقد يكون من المفيد أن أذكر هنا ما جاء في تفسير هذه الآية في تفسير الآلوسي قال رحمه الله : (والذين أوتوا العلم) أي العلم الشرعي (درجات) أي كثيرة جليلة كما يشعر به المقام ، وعطف ـ الذين أوتوا العلم ـ على (الذين آمنوا) من عطف الخاص على العام تعظيماً لهم بعدهم كأنهم جنس آخر وعنه عليه الصلاة والسلام : (يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فأعظم بمرتبة بين النبوة والشهادة بشهادة الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم .  
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) شهادة صريحة بأن الله تعالى أراد يأئمة الفقه خيراً كأبي حنيفة وامثاله لأنهم من اهل الفقه قطعاً فهم ممن أراد الله بهم خيراً بدلالة هذا الحديث النبوي الشريف . وعلى هذا فلن يذهب عنهم هذا الخير الذي أراده الله لهم ما يقوله الجاهلون عنهم وما ينفثونه من قبيح الكلام فيهم .
+
 
 +
والدال على فضل العلم والعلماء أكثر من أن يحصى ، وأرجى حديث عندي في فضلهم ما رواه الإمام أبو حنيفة في مسنده عن ابن مسعود قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يجمع الله العلماء يوم القيامة فيقول : إني لم أجعل حكمتي في قلوبكم إلا وانا أريد بكم الخير ، اذهبوا إلى الجنة فقد غفرت لكم على ما كان منكم) .  
 +
 
 +
ودلالة الآية على فضل العلماء ظاهرة بل أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال : ما خصَّ الله تعالى العلماء في شيء ما خصهم في هذه الآية .. فضَّل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم بدرجات1 . فالله تعالى أخبر أنه رفع درجات العلماء ، ويأتي هؤلاء الجهال يريدون تنقيص درجاتهم بالكلام السيء عليهم ، ولا شك أن من رفعه الله لن يستطيع خفضه أهل الجهالة والأهواء .  
 +
 
 +
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) شهادة صريحة بأن الله تعالى أراد يأئمة الفقه خيراً كأبي حنيفة وامثاله لأنهم من اهل الفقه قطعاً فهم ممن أراد الله بهم خيراً بدلالة هذا الحديث النبوي الشريف .  
 +
 
 +
وعلى هذا فلن يذهب عنهم هذا الخير الذي أراده الله لهم ما يقوله الجاهلون عنهم وما ينفثونه من قبيح الكلام فيهم .
 
   
 
   
 
ويقال أيضاً لمنكري التقليد الذين يبيحون لأنفسهم الطعن بأئمة المذاهب ويمنعون الناس من الأخذ بأقوالهم والاجتماع بها والتعويل عليها ، يقال لهؤلاء : إن الاحتجاج بأقوال أئمة كل علم في موضوع علمه شيء مألوف ومقبول ولا ينبغي أن يكون فيه أي جدال ، ألا يرى أننا نحتج بقول سيبويه والكسائي ونحوهما في مسائل اللغة العربية وصرفها ونحوها؟ واحتجاجنا بأقوالهم مقبول من قبل الموافق والمخالف لأنهما من أهل العلم بالغة العربية ، فلماذا نخرج على هذا المقبول المألوف فنرفض الاحتجاج بأقوال أئمة الفقه والأخذ بها؟ إن الأخذ بأقوالهم لا يعني أنها تؤخذ مطلقاً ولا يجوز تركها وإنما تعني أنها تصلح للاحتجاج بها والعمل بها ولا تترك إلا بدليل أقوى من دليلها .  
 
ويقال أيضاً لمنكري التقليد الذين يبيحون لأنفسهم الطعن بأئمة المذاهب ويمنعون الناس من الأخذ بأقوالهم والاجتماع بها والتعويل عليها ، يقال لهؤلاء : إن الاحتجاج بأقوال أئمة كل علم في موضوع علمه شيء مألوف ومقبول ولا ينبغي أن يكون فيه أي جدال ، ألا يرى أننا نحتج بقول سيبويه والكسائي ونحوهما في مسائل اللغة العربية وصرفها ونحوها؟ واحتجاجنا بأقوالهم مقبول من قبل الموافق والمخالف لأنهما من أهل العلم بالغة العربية ، فلماذا نخرج على هذا المقبول المألوف فنرفض الاحتجاج بأقوال أئمة الفقه والأخذ بها؟ إن الأخذ بأقوالهم لا يعني أنها تؤخذ مطلقاً ولا يجوز تركها وإنما تعني أنها تصلح للاحتجاج بها والعمل بها ولا تترك إلا بدليل أقوى من دليلها .  
سطر ١٬١٨٧: سطر ١٬٥٩٢:
 
'''181 ـ لا يترك الواجب لأجل المندوب :'''  
 
'''181 ـ لا يترك الواجب لأجل المندوب :'''  
  
قد يكون قول منكري التقليد في مسألة من المسائل هو الذي تشهد له السنة النبوية بالصحة أو بالرجحان ، وإن قول المخالف له من المقلدين هو الخطأ أو المرجوح ، ومن أمثلة ذلك رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه ، ومثل وضع اليدين فوق الصدر أو تحته ، ونحو ذلك ولا يأخذ المقلد بقول منكر التقليد فيشتد الخلاف بينهما إلى درجة الخصومة مع أن المسألة لا تحتاج إلى تصعيد الخلاف إلى هذا الحدّ فهذه الأمور من مستحباتالصلاة أو سننها وليست من أركانها ولا واجباتها ، والصلاة بدونها صحيحة وإن كان الإتيان بها أفضل ، فلا يجوز جعلها أساساً للموالاة والائتلاف وعدمها سبباً للنفرة والاختلاف والعداء ، لان الائتلاف والاجتماع واجب ، والاختلاف المذموم ـ كهذا الاختلاف المؤددي إلى العداوة ـ حرام فلا يجوز ترك الواجب مع ارتكاب الحرام من أجل مندوب أو مستحب في الدين ، وإنما يقتضي التلطف بالبيان والنصح في الدلالة على ان السنة النبوية وردت بهذه المستحبات كرفع اليدين في الصلاة ، عند الركوع وعند الرفع منه ، كما قرر ذلك أهل الحديث وفقهاء الشريعة ، وإن الأئمة الذين لم يأخذوا بهذا المستحب في الصلاة مع وروده في السنة ، لأنهم لم تبلغهم هذه السنة النبوية أو بلغتهم ولم تثبت عندهم فهم معذورون في عدم الأخذ بها ، وغيرهم الذين بلغتهم هذه السنة وثبتت عندهم صحتها لا يُعذرون بتركها . فبهذا الكلام ونحوه ينسد باب الجدل والخلاف والخصام . وإذا لم يقتنع المقلد بهذا الكلام فلا يجوز هجره ومقاطعته وعداوته ونصب الخلاف المذموم معه لما قلته : إن الواجب هو الائتلاف وإن المحظور هو الخلاف والافتراق فلا يجوز ترك الواجب وارتكاب المحرم من أجل الخلاف في المندوب .  
+
قد يكون قول منكري التقليد في مسألة من المسائل هو الذي تشهد له السنة النبوية بالصحة أو بالرجحان ، وإن قول المخالف له من المقلدين هو الخطأ أو المرجوح ، ومن أمثلة ذلك رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه ، ومثل وضع اليدين فوق الصدر أو تحته ، ونحو ذلك ولا يأخذ المقلد بقول منكر التقليد فيشتد الخلاف بينهما إلى درجة الخصومة مع أن المسألة لا تحتاج إلى تصعيد الخلاف إلى هذا الحدّ فهذه الأمور من مستحباتالصلاة أو سننها وليست من أركانها ولا واجباتها ، والصلاة بدونها صحيحة وإن كان الإتيان بها أفضل ، فلا يجوز جعلها أساساً للموالاة والائتلاف وعدمها سبباً للنفرة والاختلاف والعداء ، لان الائتلاف والاجتماع واجب ، والاختلاف المذموم ـ كهذا الاختلاف المؤددي إلى العداوة ـ حرام فلا يجوز ترك الواجب مع ارتكاب الحرام من أجل مندوب أو مستحب في الدين ، وإنما يقتضي التلطف بالبيان والنصح في الدلالة على ان السنة النبوية وردت بهذه المستحبات كرفع اليدين في الصلاة ، عند الركوع وعند الرفع منه ، كما قرر ذلك أهل الحديث وفقهاء الشريعة ، وإن الأئمة الذين لم يأخذوا بهذا المستحب في الصلاة مع وروده في السنة ، لأنهم لم تبلغهم هذه السنة النبوية أو بلغتهم ولم تثبت عندهم فهم معذورون في عدم الأخذ بها ، وغيرهم الذين بلغتهم هذه السنة وثبتت عندهم صحتها لا يُعذرون بتركها . فبهذا الكلام ونحوه ينسد باب الجدل والخلاف والخصام .  
 +
 
 +
وإذا لم يقتنع المقلد بهذا الكلام فلا يجوز هجره ومقاطعته وعداوته ونصب الخلاف المذموم معه لما قلته : إن الواجب هو الائتلاف وإن المحظور هو الخلاف والافتراق فلا يجوز ترك الواجب وارتكاب المحرم من أجل الخلاف في المندوب .  
  
 
'''182 ـ ج : الخلاف بين المتفقهة والمتصوفة :'''
 
'''182 ـ ج : الخلاف بين المتفقهة والمتصوفة :'''
سطر ١٬١٩٩: سطر ١٬٦٠٦:
 
ويقال لهم أيضاً إن كونهم من (المتفقهة) أو من (المتصوفة) لا يمنحهم حصانة تمنع عنهم أي نقد أو تعقيب أو إنكار أو تجعلهم معصومين من أي خطأ ، بل عليهم أن يخضعوا لحكم الشرع ، وتخضع كل أقوالهم وتصرفاتهم لحكم الشرع فما أجازه منها جاز وكان صحيحاً ، وما لم يجزه كان خطأ محظوراً . أي إن أقوالهم وأفعالهم تأخذ وصف الوجوب أو الندب أو الإباحة أو التحريم حسب حكم الشرع عليها رضوا أو كرهوا .  
 
ويقال لهم أيضاً إن كونهم من (المتفقهة) أو من (المتصوفة) لا يمنحهم حصانة تمنع عنهم أي نقد أو تعقيب أو إنكار أو تجعلهم معصومين من أي خطأ ، بل عليهم أن يخضعوا لحكم الشرع ، وتخضع كل أقوالهم وتصرفاتهم لحكم الشرع فما أجازه منها جاز وكان صحيحاً ، وما لم يجزه كان خطأ محظوراً . أي إن أقوالهم وأفعالهم تأخذ وصف الوجوب أو الندب أو الإباحة أو التحريم حسب حكم الشرع عليها رضوا أو كرهوا .  
  
ويقال لهم أيضاً إن أحكام الشرع الخاصة بالظاهر تسري على الجميع ولا يستثنى منها المتصوفة فهم مطالبون بالالتزام بها . وإن أحكام الشرع الخاصة بالباطن مثل أعمال القلوب وتزكيتها تسري على الجميع ولا يستثنى منها المتفقهة فهم مطالبون بالالتزام بها كغيرهم . فبهذا الكلام ونحوه يمكن أن يزال الخلاف بين المتفقهة والمتصوفة أو تقل شروره  بإذن الله  وتوفيقه .  
+
ويقال لهم أيضاً إن أحكام الشرع الخاصة بالظاهر تسري على الجميع ولا يستثنى منها المتصوفة فهم مطالبون بالالتزام بها .  
 +
 
 +
وإن أحكام الشرع الخاصة بالباطن مثل أعمال القلوب وتزكيتها تسري على الجميع ولا يستثنى منها المتفقهة فهم مطالبون بالالتزام بها كغيرهم . فبهذا الكلام ونحوه يمكن أن يزال الخلاف بين المتفقهة والمتصوفة أو تقل شروره  بإذن الله  وتوفيقه .  
  
 
'''184 ـ ثالثاً : الخلاف بين الجماعات [[الإسلام]]ية والوقاية منه :'''  
 
'''184 ـ ثالثاً : الخلاف بين الجماعات [[الإسلام]]ية والوقاية منه :'''  
سطر ١٬٢١١: سطر ١٬٦٢٠:
 
'''186 ـ ساحة العمل واسعة لمن يريده بإخلاص :'''  
 
'''186 ـ ساحة العمل واسعة لمن يريده بإخلاص :'''  
  
وإذا لم يتحقق توحيد الجماعات [[الإسلام]]ية ، فيجب تفهيمها بأن ساحة العمل للإسلام واسعة جداً لمن يريده بإخلاص ولن تضيق هذه الساحة بهم ، فالجميع يريدون خدمة [[الإسلام]]  . ومن دلائل صدق العمل للإسلام فرح العاملين له إذا رأوا غيرهم يعمل له . فإذا ساءهم عمل غيرهم وساءهم ظهور العاملين للإسلام من غيرهم فلذلك دليل على كدورة إخلاصه وعدم نقائه . فيجب أن تبقى الجماعات [[الإسلام]]ية في دائرة الائتلاف الواسعة وتبتعد عن كل معاني الخلاف ومظاهره ، وليعتبروا تعددهم كتعدد جماعات المصلين في المساجد وكتعدد حلقات الدراسة وذكر الله ، ولا بأس من التنافس فيما بينهم بكثرة العمل الصالح الذي يقدمونه .  
+
وإذا لم يتحقق توحيد الجماعات [[الإسلام]]ية ، فيجب تفهيمها بأن ساحة العمل للإسلام واسعة جداً لمن يريده بإخلاص ولن تضيق هذه الساحة بهم ، فالجميع يريدون خدمة [[الإسلام]]  . ومن دلائل صدق العمل للإسلام فرح العاملين له إذا رأوا غيرهم يعمل له .  
 +
 
 +
فإذا ساءهم عمل غيرهم وساءهم ظهور العاملين للإسلام من غيرهم فلذلك دليل على كدورة إخلاصه وعدم نقائه .  
 +
 
 +
فيجب أن تبقى الجماعات [[الإسلام]]ية في دائرة الائتلاف الواسعة وتبتعد عن كل معاني الخلاف ومظاهره ، وليعتبروا تعددهم كتعدد جماعات المصلين في المساجد وكتعدد حلقات الدراسة وذكر الله ، ولا بأس من التنافس فيما بينهم بكثرة العمل الصالح الذي يقدمونه .  
  
 
'''187 ـ رابعاً : الخلاف بين أعضاء الجماعة المسلمة :'''  
 
'''187 ـ رابعاً : الخلاف بين أعضاء الجماعة المسلمة :'''  
سطر ١٬٢١٩: سطر ١٬٦٣٢:
 
'''188 ـ ضرر الخلاف في الجماعة المسلمة :'''  
 
'''188 ـ ضرر الخلاف في الجماعة المسلمة :'''  
  
ولما قلناه من صعوبة العمل الجماعي ودقته واحتياجه إلى الضبط وحسن التوجيه فإن الخلاف في الجماعة يؤثر تأثيراً سيئاً فيها ويضرها ضرراً بليغاً لأنه سيوقف عملها أو يؤخره وسيضطرها إلى توجيه كثير من طاقاتها وجهدها لمواجهة هذا الخلاف والقضاء عليه واتقاء شره ، وهذه سيشغلها عن عملها الأصلي وهو العمل للإسلام ومواجهة خصومه وخصومها . ثم إن الخلاف إذا لم يقض عليه بحزم وبسرعة وبصورة جذرية فسيؤدي إلى نتائج خطيرة ومفجعة ومنها خروج بعض أعضائها أو إخراجهم من الجماعة ، وهذا قد يؤدي بالخارجين أو المخرجين إلى تكوين جماعة أخرى ويكون من أهدافها الكيد للجماعة الأم الاولى ، ولهذا غالباً ما يحدث بينهما خصام واتهامات يستغلها خصوم [[الإسلام]]  لصرف الناس عن الاستجابة للدعوة إليه .  
+
ولما قلناه من صعوبة العمل الجماعي ودقته واحتياجه إلى الضبط وحسن التوجيه فإن الخلاف في الجماعة يؤثر تأثيراً سيئاً فيها ويضرها ضرراً بليغاً لأنه سيوقف عملها أو يؤخره وسيضطرها إلى توجيه كثير من طاقاتها وجهدها لمواجهة هذا الخلاف والقضاء عليه واتقاء شره ، وهذه سيشغلها عن عملها الأصلي وهو العمل للإسلام ومواجهة خصومه وخصومها .
 +
 
 +
ثم إن الخلاف إذا لم يقض عليه بحزم وبسرعة وبصورة جذرية فسيؤدي إلى نتائج خطيرة ومفجعة ومنها خروج بعض أعضائها أو إخراجهم من الجماعة ، وهذا قد يؤدي بالخارجين أو المخرجين إلى تكوين جماعة أخرى ويكون من أهدافها الكيد للجماعة الأم الاولى ، ولهذا غالباً ما يحدث بينهما خصام واتهامات يستغلها خصوم [[الإسلام]]  لصرف الناس عن الاستجابة للدعوة إليه .  
  
 
'''189 ـ وسائل الوقاية من هذا الخلاف :'''  
 
'''189 ـ وسائل الوقاية من هذا الخلاف :'''  
  
والوقاية من وقوع الخلاف الذميم في الجماعة المسلمة تستلزم أموراً كثيرة (منها) أن يكون لها أمير مطاع تطيعه في غيرمعصية الله ، وأن ياورها فيما يهم الجماعة وأمور الدعوة عن طريق مشاورة مجلس الشورى فيها . وبوجود الامير المطاع والتزامه بمبدأ الشورى ، يؤمل عدم وقوع الخلاف أو يقل وقوعه ويضعف أثره وضرره إذا وقع . ونتكلم عن ضرورة وجود هذا الأمير المطاع المشاور الذي يمنع الخلاف أو يقلل وقوعه وضرره إذا وقع .  
+
والوقاية من وقوع الخلاف الذميم في الجماعة المسلمة تستلزم أموراً كثيرة (منها) أن يكون لها أمير مطاع تطيعه في غيرمعصية الله ، وأن ياورها فيما يهم الجماعة وأمور الدعوة عن طريق مشاورة مجلس الشورى فيها .  
 +
 
 +
وبوجود الامير المطاع والتزامه بمبدأ الشورى ، يؤمل عدم وقوع الخلاف أو يقل وقوعه ويضعف أثره وضرره إذا وقع . ونتكلم عن ضرورة وجود هذا الأمير المطاع المشاور الذي يمنع الخلاف أو يقلل وقوعه وضرره إذا وقع .  
  
 
'''190 ـ الأمير ضروري للجماعة المسلمة ويمنع الخلاف :'''  
 
'''190 ـ الأمير ضروري للجماعة المسلمة ويمنع الخلاف :'''  
  
[[الإسلام]]  يدعو إلى أن يكون أمير لأقل الجماعات وفي أقل الأغراض المباحة ، فلأن يكون للجماعة المسلمة أمير أولى . فقد أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) قال الإمام الخطابي : إنما أمر صلى الله عليه وسلم بذلك ليكون أمرهم جميعاً ولا يتفرق بهم الرأي ولا يقع بينهم الاختلاف1 .
+
[[الإسلام]]  يدعو إلى أن يكون أمير لأقل الجماعات وفي أقل الأغراض المباحة ، فلأن يكون للجماعة المسلمة أمير أولى .  
 +
 
 +
فقد أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) قال الإمام الخطابي : إنما أمر صلى الله عليه وسلم بذلك ليكون أمرهم جميعاً ولا يتفرق بهم الرأي ولا يقع بينهم الاختلاف1 .
 
   
 
   
وفي حديث آخر لأبي داود عن نافع أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) قال نافع فقلنا لأبي سلمة : فأنت أميرنا . وجاء في شرحه : أنه إذا كان جماعة وأقلها ثلاثة فليؤمروا أحدهم أي فليجعلوا أحدهم أميراً عليهم2 .  
+
وفي حديث آخر لأبي داود عن نافع أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) قال نافع فقلنا لأبي سلمة : فأنت أميرنا .  
 +
 
 +
وجاء في شرحه : أنه إذا كان جماعة وأقلها ثلاثة فليؤمروا أحدهم أي فليجعلوا أحدهم أميراً عليهم2 .  
  
 
'''191 ـ الجماعة تختار أميرها :'''  
 
'''191 ـ الجماعة تختار أميرها :'''  
  
والحديث يدل على مشروعية اختيار أمير للجماعة بل ووجوب هذا الاختيار لأن الحديث الشريف يقول : (فليؤمروا أحدهم) والأصل في الأمر أنه للوجوب . وهذا في أقل الجماعات وفي أقل الاغراض فكيف بالجماعة التي تقوم لخدمة [[الإسلام]]  والدعوة إليه ويحتاج عملها إلى ضبط ونظام وتنظيم؟.  
+
والحديث يدل على مشروعية اختيار أمير للجماعة بل ووجوب هذا الاختيار لأن الحديث الشريف يقول : (فليؤمروا أحدهم) والأصل في الأمر أنه للوجوب .  
والحديث يدل على أن الجماعة نفسها هي التي تختار أميرها أي أن الذين يريدون الاشتراك في عمل ما ، هم الذين يختارون أميرهم ، فكذلك الراغبون في الاشتراك في العمل لخدمة [[الإسلام]]  وتكوين جمعية لهذا الغرض هم الذين يختارون أميراً لها . وسواء اشتراك جميع أعضاء الجمعية في اختيار الامير أو قام بالاختيار نخبة من الأعضاء يسمون ب((مجلس شورى الجماعة)) وهؤلاء يعتبرون نواباً عن الجماعة في اختيار أميرها ويشاورهم في أمور الدعوة .  
+
 
 +
وهذا في أقل الجماعات وفي أقل الاغراض فكيف بالجماعة التي تقوم لخدمة [[الإسلام]]  والدعوة إليه ويحتاج عملها إلى ضبط ونظام وتنظيم؟.  
 +
 
 +
والحديث يدل على أن الجماعة نفسها هي التي تختار أميرها أي أن الذين يريدون الاشتراك في عمل ما ، هم الذين يختارون أميرهم ، فكذلك الراغبون في الاشتراك في العمل لخدمة [[الإسلام]]  وتكوين جمعية لهذا الغرض هم الذين يختارون أميراً لها .  
 +
 
 +
وسواء اشتراك جميع أعضاء الجمعية في اختيار الامير أو قام بالاختيار نخبة من الأعضاء يسمون ب((مجلس شورى الجماعة)) وهؤلاء يعتبرون نواباً عن الجماعة في اختيار أميرها ويشاورهم في أمور الدعوة .  
  
 
'''192 ـ من تختاره الجماعة تجب طاعته :'''  
 
'''192 ـ من تختاره الجماعة تجب طاعته :'''  
سطر ١٬٢٤١: سطر ١٬٦٦٧:
 
   
 
   
 
وليكن معلوماً أن شر ما تبتلى به جماعة مسلمة تدعو إلى الله وقوع الخلاف فيها وتفرقها مما يسهل لأعدائها استغلال ذلك وإيذائها والأمثلة على ذلك كثيرة والعاقل من اعتبر بغيره ، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين .   
 
وليكن معلوماً أن شر ما تبتلى به جماعة مسلمة تدعو إلى الله وقوع الخلاف فيها وتفرقها مما يسهل لأعدائها استغلال ذلك وإيذائها والأمثلة على ذلك كثيرة والعاقل من اعتبر بغيره ، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين .   
 
  
 
'''193 ـ نصب الامير لطاعته ولمنع الخلاف :'''  
 
'''193 ـ نصب الامير لطاعته ولمنع الخلاف :'''  
سطر ١٬٢٥٤: سطر ١٬٦٧٩:
 
   
 
   
 
وخلاصة هذا الشرح أن من يتولى إمرة شيء بموجب الشرع ويقضي بموجب الشرع فهو يعتبر أميراً من قبل الشرع وطاعته واجبة ، فمن أطاعه فقد أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمر بطاعة مثل هذا الأمير ، ومن أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله تعالى . ومن يعص الأمير المذكور فإنه يعصِ الله ورسوله .  
 
وخلاصة هذا الشرح أن من يتولى إمرة شيء بموجب الشرع ويقضي بموجب الشرع فهو يعتبر أميراً من قبل الشرع وطاعته واجبة ، فمن أطاعه فقد أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمر بطاعة مثل هذا الأمير ، ومن أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله تعالى . ومن يعص الأمير المذكور فإنه يعصِ الله ورسوله .  
 +
 
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  (من أطاعني فقط أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصى الأمير فقد عصاني) قال النووي في شرحه لهذا الحديث : (لأن الله تعالى أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر هو صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير فتلازمت الطاعة) 3.  
 
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  (من أطاعني فقط أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصى الأمير فقد عصاني) قال النووي في شرحه لهذا الحديث : (لأن الله تعالى أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر هو صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير فتلازمت الطاعة) 3.  
  
سطر ١٬٢٦٢: سطر ١٬٦٨٨:
 
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : (تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية ، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة)5 .  
 
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : (تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية ، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة)5 .  
  
وأخرج الإمام البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه واللفظ للبخاري : (بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمَّر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه ، فغضب عليهم وقال : أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا : بلى . قال قد عزمت عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها . فجمعوا حطباً فأوقدوا ناراً فلما هموا بالدخول فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض ، فقال بعضهم : إنما تبعنا النبي فراراً من النار ، أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه . فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً ، إنما الطاعة في المعروف)6 .  
+
وأخرج الإمام البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه واللفظ للبخاري : (بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمَّر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه ، فغضب عليهم وقال : أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا : بلى .  
 +
 
 +
قال قد عزمت عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها .  
 +
 
 +
فجمعوا حطباً فأوقدوا ناراً فلما هموا بالدخول فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض ، فقال بعضهم : إنما تبعنا النبي فراراً من النار ، أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه .  
 +
 
 +
فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً ، إنما الطاعة في المعروف)6 .  
  
 
'''196 ـ مفهوم المعصية التي لا يطاع فيها الأمير :'''  
 
'''196 ـ مفهوم المعصية التي لا يطاع فيها الأمير :'''  
  
والمعصية التي لا يطاع فيها الأمير إذا أمر بها هي التي عليها دليل شرعي واضح صريح لا يتحمل التفسير بأكثر من وجه ولا الاجتهاد في مدلوله كدخول النار التي أمر أمير السرية أتباعه بدخولها ، لأن الدخول في النار قتل للنفس ، وقتل النفس لا يجوز قطعاً . أما في الأمور الاجتهادية فطاعته فيها واجبة إذ لا معصية في اختيار الأمير رأياً دون رأي فيما يجوز الاجتهاد فيه .  
+
والمعصية التي لا يطاع فيها الأمير إذا أمر بها هي التي عليها دليل شرعي واضح صريح لا يتحمل التفسير بأكثر من وجه ولا الاجتهاد في مدلوله كدخول النار التي أمر أمير السرية أتباعه بدخولها ، لأن الدخول في النار قتل للنفس ، وقتل النفس لا يجوز قطعاً .  
 +
 
 +
أما في الأمور الاجتهادية فطاعته فيها واجبة إذ لا معصية في اختيار الأمير رأياً دون رأي فيما يجوز الاجتهاد فيه .  
  
 
'''197 ـ أخذ الأمير بالشورى من موانع الخلاف :'''  
 
'''197 ـ أخذ الأمير بالشورى من موانع الخلاف :'''  
سطر ١٬٢٨١: سطر ١٬٧١٥:
  
 
والأخذ بوسائل الوقاية من الخلاف والتي ذكرنا منها اختيار الأمير من قبل الجماعة وأخذه بالشورى في إدارته أعمال الجماعة على النحو الذي بيناه ، فالأخذ بهذه الوقاية سيجعل الجماعة ـ إن شاء الله تعالى ـ بعيدة عن الاختلاف المذموم الذي يفرقها ويوقع الخصام فيها ، وإن وقع الخلاف أمكن معالجته وحسمه وسدّ المنافذ في وجوه المخالفين سيِّئي النية الذين يتوكؤون عادة لتبرير خلافهم وتمردهم على الاحتجاج بمصلحة الدعوة ، ومصلحة الدعوة لا تكون بالخروج على نظام الجماعة ، وإنما تكون بالتقيد والالتزام بهذا النظام وإعطاء الأمير ما أوجبه الشرع له من حق الطاعة بالعروف بعد قيامه بالمشاورة المطلوبة منه .   
 
والأخذ بوسائل الوقاية من الخلاف والتي ذكرنا منها اختيار الأمير من قبل الجماعة وأخذه بالشورى في إدارته أعمال الجماعة على النحو الذي بيناه ، فالأخذ بهذه الوقاية سيجعل الجماعة ـ إن شاء الله تعالى ـ بعيدة عن الاختلاف المذموم الذي يفرقها ويوقع الخصام فيها ، وإن وقع الخلاف أمكن معالجته وحسمه وسدّ المنافذ في وجوه المخالفين سيِّئي النية الذين يتوكؤون عادة لتبرير خلافهم وتمردهم على الاحتجاج بمصلحة الدعوة ، ومصلحة الدعوة لا تكون بالخروج على نظام الجماعة ، وإنما تكون بالتقيد والالتزام بهذا النظام وإعطاء الأمير ما أوجبه الشرع له من حق الطاعة بالعروف بعد قيامه بالمشاورة المطلوبة منه .   
 
 
 
 
  
 
== الفصل السابع : سنّة الله في المتساوين والمختلفين [قانون التماثل والأضداد] ==
 
== الفصل السابع : سنّة الله في المتساوين والمختلفين [قانون التماثل والأضداد] ==
سطر ١٬٣٠٢: سطر ١٬٧٣٢:
 
'''202 ـ قول ابن تيمية في المتماثلين والمختلفين :'''  
 
'''202 ـ قول ابن تيمية في المتماثلين والمختلفين :'''  
  
قال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية رحمه الله تعالى : وهو سبحانه وتعالى كما يفرق بين الأمور المختلفة ، فإنه يجمع ويسوي بين الأمور المتماثلة فيحكم في الشيء خلقاً وأمراً بحكم مثله ، فلا يفرق بين المتماثلين ولا يسوي بين شيئين غير متماثلين ، بل إن كانا مختلفين متضادين لم يسوِّ بينهما . وقد بيّن سبحانه وتعالى أن (السنّة) لا تتبدل ولا تتحول في غير موضع . والسنّة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره ، ولهذا أمر سبحانه وتعالى بالاعتبار فقال : (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) .  
+
قال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية رحمه الله تعالى : وهو سبحانه وتعالى كما يفرق بين الأمور المختلفة ، فإنه يجمع ويسوي بين الأمور المتماثلة فيحكم في الشيء خلقاً وأمراً بحكم مثله ، فلا يفرق بين المتماثلين ولا يسوي بين شيئين غير متماثلين ، بل إن كانا مختلفين متضادين لم يسوِّ بينهما .  
  
والاعتبار أن يقرن الشيء بمثله فيعلم أن حكمه مثل حكمه ، فإذا قال تعالى : (فاعتبروا يا أولي الأبصار) ، وقال : (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) أفاد أن من عمل مثل أعمالهم جوزي مثل جزائهم ليحذر السامع أن يعمل مثل أعمال الكفار وليرغّب في أن يعمل مثل أعمال المؤمنين أتباع الأنبياء ، قال تعالى : (لقد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) فالله تعالى أخبر أن سنته لن تتبدل ولن تتحول . وسنته تعالى عادته التي يسوي فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي أي الذي وقع قبله ، وهذا يقتضي أنه سبحانه يحكم في الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة ، ولهذا قال تعالى : (أكفاركم خير من أولئكم) وقال تعالى : (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) ، أي أشباههم ونظراءهم . وقال تعالى : (وإذا النفوس زوجت) ، أي قرن النظير بنظيره . وقال تعالى : (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) فجعل تعالى التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة1 .  
+
وقد بيّن سبحانه وتعالى أن (السنّة) لا تتبدل ولا تتحول في غير موضع . والسنّة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره ، ولهذا أمر سبحانه وتعالى بالاعتبار فقال : (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) .  
  
'''203 ـ الأدلةعلى قانون التماثل والأضاد :'''
+
والاعتبار أن يقرن الشيء بمثله فيعلم أن حكمه مثل حكمه ، فإذا قال تعالى : (فاعتبروا يا أولي الأبصار) ، وقال : (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) أفاد أن من عمل مثل أعمالهم جوزي مثل جزائهم ليحذر السامع أن يعمل مثل أعمال الكفار وليرغّب في أن يعمل مثل أعمال المؤمنين أتباع الأنبياء ، قال تعالى : (لقد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) فالله تعالى أخبر أن سنته لن تتبدل ولن تتحول . وسنته تعالى عادته التي يسوي فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي أي الذي وقع قبله ، وهذا يقتضي أنه سبحانه يحكم في الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة ، ولهذا قال تعالى : (أكفاركم خير من أولئكم) وقال تعالى : (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) ، أي أشباههم ونظراءهم .
  
الدليل الأول ـ التأمل في أحوال المكذبين :  
+
وقال تعالى : (وإذا النفوس زوجت) ، أي قرن النظير بنظيره .
  
قال تعالى : (لقد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) . أي انظروا إلى من تقدمكم من الصالحين والمكذبين ، فإذا سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم ، وإن سلكتم سبيل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم ، أي هلاككم كما هلكوا . وهذا بيان من الله تعالى لجميع الناس ليهتدوا به وليعرفوا سنته . ومن سنته تعالى أن لسير الناس في الحياة سنناً يؤدي بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها يؤدي إلى الهلاك والشقاوة وأن من يتبع تلك السنن فلا بد أن ينتهي إلى ما توصل إليه تلك السنن . والذي ينتفع بهذا البيان هم المتقون الذين يهتدون به ويتعظون بما يقصه الله عليهم من أحوال السابقين وما يبينه لهم ما حلّ فيهم بسبب تكذيبهم رسلهم ورفضهم هدى الله تعالى2 .  
+
وقال تعالى : (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) فجعل تعالى التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة1 .
 +
 
 +
'''203 ـ الأدلةعلى قانون التماثل والأضاد :'''
 +
 
 +
الدليل الأول ـ التأمل في أحوال المكذبين :
 +
 
 +
قال تعالى : (لقد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) .  
 +
 
 +
أي انظروا إلى من تقدمكم من الصالحين والمكذبين ، فإذا سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم ، وإن سلكتم سبيل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم ، أي هلاككم كما هلكوا . وهذا بيان من الله تعالى لجميع الناس ليهتدوا به وليعرفوا سنته . ومن سنته تعالى أن لسير الناس في الحياة سنناً يؤدي بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها يؤدي إلى الهلاك والشقاوة وأن من يتبع تلك السنن فلا بد أن ينتهي إلى ما توصل إليه تلك السنن .  
 +
 
 +
والذي ينتفع بهذا البيان هم المتقون الذين يهتدون به ويتعظون بما يقصه الله عليهم من أحوال السابقين وما يبينه لهم ما حلّ فيهم بسبب تكذيبهم رسلهم ورفضهم هدى الله تعالى2 .  
  
 
'''204 ـ الدليل الثاني : الاعتبار بإهلاك الكافر الأقوى :'''
 
'''204 ـ الدليل الثاني : الاعتبار بإهلاك الكافر الأقوى :'''
 
   
 
   
قال تعالى : (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)3 ، والقرن الأمة من الناس . وقيل أهل قرن ، والقرن على هذا المعنى مدة من الزمان قيل مئة سنة وعليه أكثر أهل الحديث والمعنى : ألم يروا إلى مصارع الأجيال السابقة وقد مكنهم الله تعالى في الأرض وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان والنعم الفيرة ما لم يعط مثله للمخاطبين من كفار قريش ثم لم تكن تلك المواهب والنعم والقوة والسلطان بمانعة لهم من عذابنا لما استحقوه بتكذيبهم رسل الله تعالى ، وأنشأنا من بعدهم جيلاً آخر لنختبرهم فعملوا مثل أعمال من سبقهم فأهلكوا كإهلاكهم فاحذروا أيها المخاطبون ـ أي كفار قريش ـ أن يصيبكم مثل ما أصابهم فما أنتم بأعز على الله تعالى منهم4 .  
+
قال تعالى : (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)3 ، والقرن الأمة من الناس .  
 +
 
 +
وقيل أهل قرن ، والقرن على هذا المعنى مدة من الزمان قيل مئة سنة وعليه أكثر أهل الحديث والمعنى : ألم يروا إلى مصارع الأجيال السابقة وقد مكنهم الله تعالى في الأرض وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان والنعم الفيرة ما لم يعط مثله للمخاطبين من كفار قريش ثم لم تكن تلك المواهب والنعم والقوة والسلطان بمانعة لهم من عذابنا لما استحقوه بتكذيبهم رسل الله تعالى ، وأنشأنا من بعدهم جيلاً آخر لنختبرهم فعملوا مثل أعمال من سبقهم فأهلكوا كإهلاكهم فاحذروا أيها المخاطبون ـ أي كفار قريش ـ أن يصيبكم مثل ما أصابهم فما أنتم بأعز على الله تعالى منهم4 .  
  
 
'''205 ـ الدليل الثالث : لا يستوي الخبيث والطيب :'''  
 
'''205 ـ الدليل الثالث : لا يستوي الخبيث والطيب :'''  
  
قال تعالى : (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)1 ، في هذه الآية الكريمة حكم عام على نفي المساواة عند الله تعالى بين النوعين : الخبيث والطيب من الأشياء والأعمال والأموال والفاسد والصالح والحلال والحرام ولا يستوي الخبيث والطيب من الناس كالظالم والعادل والمفسد والمصلح والبرّ والفاجر والمؤمن والكافر ، فلكل من الخبيث والطيب مما ذكرناه حكم يليق به ويناسبه ، فالمساواة منتفية بين النوعين : الخبيث والطيب (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) أي ولو أعجبك أيها السامع كثرة الخبيث من الناس لقوتهم أو من الأموال المحرمة لسهولة تناولها والتوسع في التمتع بها كأكل الربا والرشوة فلا يستويان في أنفسهما ولا عند الله ولو فرض أن كثرة الخبيث أعجبتك وغرتك ، فالعبرة بصفة الشيء وما هو عليه من خبث أو طيب . فاتقوا الله يا أصحاب العقول الراجحة ولا تغتروا بكثرة المال الخبيث ولا بكثرة أهل الباطل والفساد الخبيثين ، فإن تقوى الله هي التي تجعلكم في زمرة الطيبين الفائزين في الدنيا والآخرة2 .  
+
قال تعالى : (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)1 ، في هذه الآية الكريمة حكم عام على نفي المساواة عند الله تعالى بين النوعين : الخبيث والطيب من الأشياء والأعمال والأموال والفاسد والصالح والحلال والحرام ولا يستوي الخبيث والطيب من الناس كالظالم والعادل والمفسد والمصلح والبرّ والفاجر والمؤمن والكافر ، فلكل من الخبيث والطيب مما ذكرناه حكم يليق به ويناسبه ، فالمساواة منتفية بين النوعين : الخبيث والطيب (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) أي ولو أعجبك أيها السامع كثرة الخبيث من الناس لقوتهم أو من الأموال المحرمة لسهولة تناولها والتوسع في التمتع بها كأكل الربا والرشوة فلا يستويان في أنفسهما ولا عند الله ولو فرض أن كثرة الخبيث أعجبتك وغرتك ، فالعبرة بصفة الشيء وما هو عليه من خبث أو طيب .  
 +
 
 +
فاتقوا الله يا أصحاب العقول الراجحة ولا تغتروا بكثرة المال الخبيث ولا بكثرة أهل الباطل والفساد الخبيثين ، فإن تقوى الله هي التي تجعلكم في زمرة الطيبين الفائزين في الدنيا والآخرة2 .  
  
 
'''206 ـ المتساوون في موجبات العقاب يعاقبون :'''  
 
'''206 ـ المتساوون في موجبات العقاب يعاقبون :'''  
  
موجبات العقاب من تكذيب الرسل أو عصيان شرع الله أو ظلم عباد الله أو الكفر بنعم الله وغير ذلك إذا تلبس بها قوم أو فئة أو شخص استوجبوا عقاب الله في الدنيا والآخرة . ومن عقابهم في الدنيا هلاكهم أو إصابتهم بالذل والهوان وضيق العيش وزوال الأمن منهم والاطمئنان وغير ذلك . وبهذا مضت سنة الله في الأولين وتجري في الحاضرين واللاحقين ، والأمثلة على ذلك نذكر بعضها مما قصه الله علينا للعبرة والاتعاظ .  
+
موجبات العقاب من تكذيب الرسل أو عصيان شرع الله أو ظلم عباد الله أو الكفر بنعم الله وغير ذلك إذا تلبس بها قوم أو فئة أو شخص استوجبوا عقاب الله في الدنيا والآخرة .  
 +
 
 +
ومن عقابهم في الدنيا هلاكهم أو إصابتهم بالذل والهوان وضيق العيش وزوال الأمن منهم والاطمئنان وغير ذلك .  
 +
 
 +
وبهذا مضت سنة الله في الأولين وتجري في الحاضرين واللاحقين ، والأمثلة على ذلك نذكر بعضها مما قصه الله علينا للعبرة والاتعاظ .  
  
 
'''207 ـ أولاً : من يبدل نعمة الله فإن الله شديد العقاب :'''  
 
'''207 ـ أولاً : من يبدل نعمة الله فإن الله شديد العقاب :'''  
سطر ١٬٣٢٨: سطر ١٬٧٧٦:
 
قال تعالى : (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)3 .
 
قال تعالى : (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)3 .
 
   
 
   
قال الإمام القرطبي : قوله تعالى : (وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ) لفظ عام لجميع الناس ، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله4 ، أي فيصيب كل مبدل نعمة الله العقاب الذي يستحقه . ولم يقل فإن الله يعاقبهم وإنما قال : (فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ليشعرنا بأن هذا من سنته العامة التي تجري على المبدلين لنعمة الله في الحاضر والمستقبل كما جرت على المبدلين السابقين في الزمن الماضي5.  
+
قال الإمام القرطبي : قوله تعالى : (وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ) لفظ عام لجميع الناس ، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله4 ، أي فيصيب كل مبدل نعمة الله العقاب الذي يستحقه .
 +
 
 +
ولم يقل فإن الله يعاقبهم وإنما قال : (فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ليشعرنا بأن هذا من سنته العامة التي تجري على المبدلين لنعمة الله في الحاضر والمستقبل كما جرت على المبدلين السابقين في الزمن الماضي5.  
  
 
'''208 ـ المقصود بنعمة الله وتبديلها :'''  
 
'''208 ـ المقصود بنعمة الله وتبديلها :'''  
سطر ١٬٣٣٤: سطر ١٬٧٨٤:
 
والمقصود بنعمة الله التي يستوجب تبديلها عقاب الله هي نعمة [[الإسلام]]  والإيمان وما أنزله الله تعالى من الآيات البيِّنات الدالة على دينه الحق [[الإسلام]]  .
 
والمقصود بنعمة الله التي يستوجب تبديلها عقاب الله هي نعمة [[الإسلام]]  والإيمان وما أنزله الله تعالى من الآيات البيِّنات الدالة على دينه الحق [[الإسلام]]  .
 
   
 
   
وتبديل هذه النعمة يعني عدم التصديق بها أو عدم الاهتداء بها وعدم القيام بما تستوجبه من طاعة الله باتباع شرعه المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم . وما بدلت البشرية هذه النعمة إلا أصابها العقاب الشديد في حياتها على الأرض قبل عقاب الآخرة ، وما حلَّ بالمسلمين من شقاء وضيق وعيش تعيس فسببه تبديلهم نعمة الله عليهم بنقيض ما تقتضيه من الشكر لله تعالى والعمل بشريعته6 .  
+
وتبديل هذه النعمة يعني عدم التصديق بها أو عدم الاهتداء بها وعدم القيام بما تستوجبه من طاعة الله باتباع شرعه المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم .  
 +
 
 +
وما بدلت البشرية هذه النعمة إلا أصابها العقاب الشديد في حياتها على الأرض قبل عقاب الآخرة ، وما حلَّ بالمسلمين من شقاء وضيق وعيش تعيس فسببه تبديلهم نعمة الله عليهم بنقيض ما تقتضيه من الشكر لله تعالى والعمل بشريعته6 .  
  
 
'''209 ـ ثانياً : من يخالف بعض شرع الله يعاقبه الله :'''  
 
'''209 ـ ثانياً : من يخالف بعض شرع الله يعاقبه الله :'''  
سطر ١٬٣٤٠: سطر ١٬٧٩٢:
 
قال تعالى مخاطباً اليهود : (ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)7 .  
 
قال تعالى مخاطباً اليهود : (ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)7 .  
  
والمعنى أن الله تعالى أخذ العهود على اليهود أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرجوهم من ديارهم ولا يظاهرون عليهم في ذلك ، وأن يفادوا أسراهم فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء ، فوبخهم الله تعالى على ذلك توبيخاً يُتلى فقال تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي تأخذون الفداء وتتركون البعض الآخر من التوراة وهو النهي عن القتل والإخراج من ديارهم (فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أوعدهم الله تعالى كما أوعد من قبلهم ومن بعدهم بأنهم يعاقبون على نقض ميثاق الدين وعصيانه وعدم الإيمان به كله ، والعقاب هو الخزي العاجل الذي يصيبهم في الدنيا والعذاب الآجل في الآخرة . وقد شهدت الوقائع التاريخية بأنه ما من أمة فسقت عن أمر ربها واعتدت حدود شريعتها إلا تفرق شملها ونزل بها الذل والهوان وهو بعض الخزي في الدنيا وهذه هي سنّة الله التي يجب أن يحصل بها الاعتبار ولا يغفل عنها المسلمون1 .
+
والمعنى أن الله تعالى أخذ العهود على اليهود أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرجوهم من ديارهم ولا يظاهرون عليهم في ذلك ، وأن يفادوا أسراهم فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء ، فوبخهم الله تعالى على ذلك توبيخاً يُتلى فقال تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي تأخذون الفداء وتتركون البعض الآخر من التوراة وهو النهي عن القتل والإخراج من ديارهم (فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أوعدهم الله تعالى كما أوعد من قبلهم ومن بعدهم بأنهم يعاقبون على نقض ميثاق الدين وعصيانه وعدم الإيمان به كله ، والعقاب هو الخزي العاجل الذي يصيبهم في الدنيا والعذاب الآجل في الآخرة .  
 +
 
 +
وقد شهدت الوقائع التاريخية بأنه ما من أمة فسقت عن أمر ربها واعتدت حدود شريعتها إلا تفرق شملها ونزل بها الذل والهوان وهو بعض الخزي في الدنيا وهذه هي سنّة الله التي يجب أن يحصل بها الاعتبار ولا يغفل عنها المسلمون1 .
 
   
 
   
 
وقال الإمام القرطبي بعد أن ذكر نقض العهود وميثاق الله عليهم قال رحمه الله تعالى : (ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع فتضافر بعضنا على بعض ليت بالمسلمين بل بالكافرين حتى إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)2 ، وما ذكره الإمام القرطبي هو بعض ما فعله المسلمون بعد عصره وفي عصرنا الحاضر فحلَّ بهم ما حذر الله منه اليهود لأن من سنة الله تساوي المتساوين في موجبات العقاب بالعقاب الذي حذر منه .  
 
وقال الإمام القرطبي بعد أن ذكر نقض العهود وميثاق الله عليهم قال رحمه الله تعالى : (ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع فتضافر بعضنا على بعض ليت بالمسلمين بل بالكافرين حتى إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)2 ، وما ذكره الإمام القرطبي هو بعض ما فعله المسلمون بعد عصره وفي عصرنا الحاضر فحلَّ بهم ما حذر الله منه اليهود لأن من سنة الله تساوي المتساوين في موجبات العقاب بالعقاب الذي حذر منه .  
سطر ١٬٣٦٨: سطر ١٬٨٢٢:
  
 
'''213 ـ سادساً : من يُسخط الله يصبه عقابه :'''  
 
'''213 ـ سادساً : من يُسخط الله يصبه عقابه :'''  
قال تعالى : (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ)2 ،  قوله تعالى : (فَلَمَّا آسَفُونَا) أي أسخطونا . وقوله تعالى : (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ) أي قدوة للكفار الذين بعدهم يقتدون فيهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم لإتيانهم بمثل أفعالهم3 .  
+
 
 +
قال تعالى : (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ)2 ،  قوله تعالى : (فَلَمَّا آسَفُونَا) أي أسخطونا .  
 +
 
 +
وقوله تعالى : (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ) أي قدوة للكفار الذين بعدهم يقتدون فيهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم لإتيانهم بمثل أفعالهم3 .  
  
 
'''214 ـ سابعاً : ينزل العقاب على مستحقيه مهما كانت قوتهم :'''  
 
'''214 ـ سابعاً : ينزل العقاب على مستحقيه مهما كانت قوتهم :'''  
  
أ ـ قال تعالى : (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)4 . فالعقاب ينزل على المتساوين في استحقاقه وإن اختلفت مراكزهم في القوة والسلطان لأن القوي أمام الله ضعيف مهما كانت قوته فينزل عليه العذاب الذي يستحقه . فإذا رأى الظالم المتمرد على الله أن الله أهلك من هو أقوى منه وأكثر أتباعاً وأوسع سلطاناً كان ذلك أدعى له إلى العبرة والاتعاظ . فقوم (تُبّع) كانوا كافرين ولهم قوة ومنعة ومع هذا أهلكهم الله تعالى لكونهم عتاة مجرمين متمردين على شرع الله ، فليحذر كفار قريش وغيرهم من الكفرة الإهلاك بسبب كفرهم كما أهلك من قبلهم  أي قوم تبع ـ مع أنهم كانوا أكثر من قريش قوة ومنعة وسلطاناً5 .  
+
أ ـ قال تعالى : (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)4 . فالعقاب ينزل على المتساوين في استحقاقه وإن اختلفت مراكزهم في القوة والسلطان لأن القوي أمام الله ضعيف مهما كانت قوته فينزل عليه العذاب الذي يستحقه .
 +
 
 +
فإذا رأى الظالم المتمرد على الله أن الله أهلك من هو أقوى منه وأكثر أتباعاً وأوسع سلطاناً كان ذلك أدعى له إلى العبرة والاتعاظ .  
 +
 
 +
فقوم (تُبّع) كانوا كافرين ولهم قوة ومنعة ومع هذا أهلكهم الله تعالى لكونهم عتاة مجرمين متمردين على شرع الله ، فليحذر كفار قريش وغيرهم من الكفرة الإهلاك بسبب كفرهم كما أهلك من قبلهم  أي قوم تبع ـ مع أنهم كانوا أكثر من قريش قوة ومنعة وسلطاناً5 .  
  
 
ب ـ وقال تعالى : (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ)6 ، أي فأهلكنا المكذبين بالرسل وقد كانوا أشد بطشاً من هؤلاء المكذبين لك يا محمد فجعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم أي ما أصاب من سبقهم من المكذبين7 .  
 
ب ـ وقال تعالى : (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ)6 ، أي فأهلكنا المكذبين بالرسل وقد كانوا أشد بطشاً من هؤلاء المكذبين لك يا محمد فجعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم أي ما أصاب من سبقهم من المكذبين7 .  
سطر ١٬٣٨٠: سطر ١٬٨٤١:
 
'''215 ـ عاقبة الكفار واحدة :'''  
 
'''215 ـ عاقبة الكفار واحدة :'''  
  
قال تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)11 . دمّر الله عليهم أي أهلكهم ، ثم تواعد وهدد وحذر مشركي مكة فقال تعالى : (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) أي لهم أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا12 .  
+
قال تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)11 .  
 +
 
 +
دمّر الله عليهم أي أهلكهم ، ثم تواعد وهدد وحذر مشركي مكة فقال تعالى : (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) أي لهم أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا12 .  
  
 
'''216 ـ جزاء المجرمين والجاحدين كجزاء أمثالهم السابقين :'''  
 
'''216 ـ جزاء المجرمين والجاحدين كجزاء أمثالهم السابقين :'''  
سطر ١٬٣٩٧: سطر ١٬٨٦٠:
 
ب ـ وقال تعالى : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)8 . والمعنى أن الله تعالى قد نفى المساواة بين المؤمنين والكفار وبين المتقين والفجار فلا تساوي بينهم في الىخرة ولا مساواة أيضاً بينهم في الدنيا9 .  
 
ب ـ وقال تعالى : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)8 . والمعنى أن الله تعالى قد نفى المساواة بين المؤمنين والكفار وبين المتقين والفجار فلا تساوي بينهم في الىخرة ولا مساواة أيضاً بينهم في الدنيا9 .  
  
ج ـ وقال تعالى : (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ)10 . قال ابن كثير : (أي لا يستوي المؤمنون والكافرون ، وساء ما ظنّوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة ، وفي هذه الدار ، ساء ما يحكمون)11 . أي ساء حكمهم هذا وهو حكمهم بالتساوي فيما بين المؤمنين والكافرين12 . ومن مظاهر عدم التساوي بينهم في الدنيا ، أن الله تعالى هو ولي المؤمن في الدنيا ، وأنصاره هم المؤمنين ، وعند الموت تبشره الملائكة بحسن العاقبة وبرحمة الله ورضوانه . أما الكافر فبالضد من ذلك يعيش كافراً ويكون الشيطان وليه ، وعند الموت يموت على اليأس من رحمة الله ، وعلى الكفر به13 .     
+
ج ـ وقال تعالى : (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ)10 .  
 +
 
 +
قال ابن كثير : (أي لا يستوي المؤمنون والكافرون ، وساء ما ظنّوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة ، وفي هذه الدار ، ساء ما يحكمون)11 . أي ساء حكمهم هذا وهو حكمهم بالتساوي فيما بين المؤمنين والكافرين12 .  
 +
 
 +
ومن مظاهر عدم التساوي بينهم في الدنيا ، أن الله تعالى هو ولي المؤمن في الدنيا ، وأنصاره هم المؤمنين ، وعند الموت تبشره الملائكة بحسن العاقبة وبرحمة الله ورضوانه .  
 +
 
 +
أما الكافر فبالضد من ذلك يعيش كافراً ويكون الشيطان وليه ، وعند الموت يموت على اليأس من رحمة الله ، وعلى الكفر به13 .     
  
 
'''218 ـ لا مساواة بين المؤمن والكافر وإن عمل خيراً :'''  
 
'''218 ـ لا مساواة بين المؤمن والكافر وإن عمل خيراً :'''  
  
الكافر لا يساوي المؤمن وإن عمل الكافر خيراً أي أعمالاً حسنة بذاتها أو نافعة للناس ، لأن هذه الأعمال لا تقوى على محو جريمة كفره وتمرده على الله فلا يمكن أن يساوي المؤمن الذي عنده الإيمان بالله وإن لم يتيسر أن يعمل خيراً كثيراً . فيبقى المؤمن ومعه حسنة الإيمان أرجح دائماً من الكافر وإن عمل شيئاً حسناً ما دام بقي كافراً ، فلا مساواة أبداً وفي جميع الأحوال بين المؤمن والكافر قال تعالى : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)14 . قال ابن كثير: إن المشركين قالوا : عمارة بيت الله والقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد ، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعمّاره ، فميز الله الإيمان و[[الجهاد]]  مع النبي صلى الله عليه وسلم على قيام المشركين بعمارة البيت وقيامهم بالسقاية ولم يكن ينفعهم ذلك عند الله تعالى مع شركهم به وإن كانوا يعمرون بيته قال تعالى : (لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة ، فسمّاهم الله ظالمين بشركهم فلم تغنِ عنهم عمارة البيت شيئاً1 .   
+
الكافر لا يساوي المؤمن وإن عمل الكافر خيراً أي أعمالاً حسنة بذاتها أو نافعة للناس ، لأن هذه الأعمال لا تقوى على محو جريمة كفره وتمرده على الله فلا يمكن أن يساوي المؤمن الذي عنده الإيمان بالله وإن لم يتيسر أن يعمل خيراً كثيراً .  
 +
 
 +
فيبقى المؤمن ومعه حسنة الإيمان أرجح دائماً من الكافر وإن عمل شيئاً حسناً ما دام بقي كافراً ، فلا مساواة أبداً وفي جميع الأحوال بين المؤمن والكافر قال تعالى : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)14 .  
 +
 
 +
قال ابن كثير: إن المشركين قالوا : عمارة بيت الله والقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد ، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعمّاره ، فميز الله الإيمان و[[الجهاد]]  مع النبي صلى الله عليه وسلم على قيام المشركين بعمارة البيت وقيامهم بالسقاية ولم يكن ينفعهم ذلك عند الله تعالى مع شركهم به وإن كانوا يعمرون بيته قال تعالى : (لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة ، فسمّاهم الله ظالمين بشركهم فلم تغنِ عنهم عمارة البيت شيئاً1 .   
  
 
'''219 ـ التفاضل بين أعمال البرّ :'''  
 
'''219 ـ التفاضل بين أعمال البرّ :'''  
  
أعمال البرّ في [[الإسلام]]  غير متساوية في المنزلة ولا في الثواب عند الله تعالى فبعضها أفضل من بعض ، وينبغي لذلك أن يكون الاهتمام بالأهم والأرجح والأفضل والأحب لله تعالى والاعلى منزلة عنده . وعلى هذا فعند التزاحم وتعذر عمل الاثنين أن يقدم الأفضل على المفضول والراجح على المرجوح والأهم على المهم والأحب على المحبوب . وهذا في أعمال البر غير الواجبة ، أما في عمل الواجب في حق المسلم والقادر على فعله فهذا يلزم فعله ولا يزاحمه عمل برّ مندوب ، لأن ما هو واجب مقدم على ما ليس بواجب دائماً .  
+
أعمال البرّ في [[الإسلام]]  غير متساوية في المنزلة ولا في الثواب عند الله تعالى فبعضها أفضل من بعض ، وينبغي لذلك أن يكون الاهتمام بالأهم والأرجح والأفضل والأحب لله تعالى والاعلى منزلة عنده . وعلى هذا فعند التزاحم وتعذر عمل الاثنين أن يقدم الأفضل على المفضول والراجح على المرجوح والأهم على المهم والأحب على المحبوب .  
وقد دلّ على ما قلته أي على التفاضل في أعمال البرّ الآية التي ذكرناها وهي (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ..) الخ فقد جاء في تفسيرها وجه آخر غير الذي ذكرناه ، فقد قال الرازي في تفسيرها : يحتمل أن يقال : هذه الآية مفاضلة جرت بين المسلمين كما يحتمل أنها جرت بين المسلمين والكافرين . أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين كما يحتمل انها جرت بين المسلمين والكافرين . قالوا إنها جرت بين المسلمين والكافرين أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين فقد احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين المهاجرين : (أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ) ، وهذا يقتضي أن يكون للمرجوح أيضاً درجة عند الله تعالى وذلك لا يليق إلا بالمؤمنين2 .  
+
 
 +
وهذا في أعمال البر غير الواجبة ، أما في عمل الواجب في حق المسلم والقادر على فعله فهذا يلزم فعله ولا يزاحمه عمل برّ مندوب ، لأن ما هو واجب مقدم على ما ليس بواجب دائماً .  
 +
 
 +
وقد دلّ على ما قلته أي على التفاضل في أعمال البرّ الآية التي ذكرناها وهي (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ..) الخ فقد جاء في تفسيرها وجه آخر غير الذي ذكرناه ، فقد قال الرازي في تفسيرها : يحتمل أن يقال : هذه الآية مفاضلة جرت بين المسلمين كما يحتمل أنها جرت بين المسلمين والكافرين . أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين كما يحتمل انها جرت بين المسلمين والكافرين .  
 +
 
 +
قالوا إنها جرت بين المسلمين والكافرين أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين فقد احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين المهاجرين : (أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ) ، وهذا يقتضي أن يكون للمرجوح أيضاً درجة عند الله تعالى وذلك لا يليق إلا بالمؤمنين2 .  
  
 
'''220 ـ من أدلة التفاضل بين الأعمال :'''  
 
'''220 ـ من أدلة التفاضل بين الأعمال :'''  
  
ومما يدل أيضاً على التفاضل بين الأعمال حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ فقال : إيمان بالله ورسوله . قيل : ثم ماذا؟ قال : [[الجهاد]]  في سبيل الله ، قيل ثم ماذا؟ قال الحج المبرور3 .  وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الإيمان بضع وسبعون شعبة : أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان4 .  
+
ومما يدل أيضاً على التفاضل بين الأعمال حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ فقال : إيمان بالله ورسوله . قيل : ثم ماذا؟ قال : [[الجهاد]]  في سبيل الله ، قيل ثم ماذا؟ قال الحج المبرور3 .   
 +
 
 +
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الإيمان بضع وسبعون شعبة : أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان4 .  
  
 
'''221 ـ التفاضل بين المؤمنين بتفاضل أعمالهم :'''  
 
'''221 ـ التفاضل بين المؤمنين بتفاضل أعمالهم :'''  
  
المؤمنين غير متساوين في الدرجة عند الله تعالى لتفاضلهم في أعمال البر التي يعملونها قال تعالى : (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)5 . والمعنى لا يستوي من أنفق قبل فتح مكة وقاتل ومن أنفق بعد هذا الفتح وقاتل ، فأولئك الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد الفتح . وكل واحد من الفريقين وعده الله المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات6 .   
+
المؤمنين غير متساوين في الدرجة عند الله تعالى لتفاضلهم في أعمال البر التي يعملونها قال تعالى : (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)5 .  
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله . قالوا ثم من؟ قال : مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره7 .  
+
 
 +
والمعنى لا يستوي من أنفق قبل فتح مكة وقاتل ومن أنفق بعد هذا الفتح وقاتل ، فأولئك الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد الفتح . وكل واحد من الفريقين وعده الله المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات6 .  
 +
   
 +
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله .  
 +
 
 +
قالوا ثم من؟ قال : مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره7 .  
  
 
'''222 ـ أصناف المؤمنين بسبب تفاضلهم :'''  
 
'''222 ـ أصناف المؤمنين بسبب تفاضلهم :'''  
  
ولتفاضل المؤمنين بسبب تفاضلهم في أعمال البرّ صاروا صنفين : أصحاب اليمين والمقربين . والمقربون أعلى درجة من أصحاب اليمين . قال تعالى : (وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)8 . ففي يوم القيامة ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف : صنفان من المؤمنين وهم أصحاب الميمنة ـ أصحاب اليمين ـ وصنف المقربين وهم أخص وأحظى وأقرب وأعلى درجة من أصحاب اليمين، لأن المقربين فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء فهم سادة أصحاب اليمين وأقل عدداً منهم1 .  
+
ولتفاضل المؤمنين بسبب تفاضلهم في أعمال البرّ صاروا صنفين : أصحاب اليمين والمقربين . والمقربون أعلى درجة من أصحاب اليمين .  
  
'''223 ـ الاستخلاف في الأرض لمستحقيه :'''
+
قال تعالى : (وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)8 .
  
قال تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)2 . والمعنى أن الله تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم بهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد وقد فعله الله تعالى3 .  
+
ففي يوم القيامة ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف : صنفان من المؤمنين وهم أصحاب الميمنة ـ أصحاب اليمين ـ وصنف المقربين وهم أخص وأحظى وأقرب وأعلى درجة من أصحاب اليمين، لأن المقربين فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء فهم سادة أصحاب اليمين وأقل عدداً منهم1 .
 +
 
 +
'''223 ـ الاستخلاف في الأرض لمستحقيه :'''
 +
 
 +
قال تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)2 .  
 +
 
 +
والمعنى أن الله تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم بهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد وقد فعله الله تعالى3 .  
 
   
 
   
والمقصود بتمكين الدين لهم ، أي دين [[الإسلام]]  ، هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويجعل دينهم [[الإسلام]]  ثابتاً بأن يعلي الله شأنه ويقوم المؤمنين بتطبيق أحكامه وجعلها هي المهيمنة على جميع شؤون الناس4 . وقوله تعالى : (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) أي يبدلهم من بعد خوفهم بمقتضى الطبيعة البشرية من أعدائهم أمناً وطمأنينة ، وقد وقع ذلك كلّه في عهد الصحابة الكرام في زمن الخلفاء الراشدين ، ولا ينافيه ما وقع في عهد عثمان وعلي من الاضطراب لأن المراد من الأمن من أعداء الدين وهم الكفار5 .   
+
والمقصود بتمكين الدين لهم ، أي دين [[الإسلام]]  ، هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويجعل دينهم [[الإسلام]]  ثابتاً بأن يعلي الله شأنه ويقوم المؤمنين بتطبيق أحكامه وجعلها هي المهيمنة على جميع شؤون الناس4 .  
 +
 
 +
وقوله تعالى : (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) أي يبدلهم من بعد خوفهم بمقتضى الطبيعة البشرية من أعدائهم أمناً وطمأنينة ، وقد وقع ذلك كلّه في عهد الصحابة الكرام في زمن الخلفاء الراشدين ، ولا ينافيه ما وقع في عهد عثمان وعلي من الاضطراب لأن المراد من الأمن من أعداء الدين وهم الكفار5 .   
  
 
'''224 ـ طبيعة استخلاف المؤمنين في الأرض :'''  
 
'''224 ـ طبيعة استخلاف المؤمنين في الأرض :'''  
  
والاستخلاف الذي وعد الله به الذين آمنوا وعملوا الصالحات هو الذي يكون فيه إصلاح البلاد والعباد وحفظ الحقوق وهداية الناس . أما الغلبة والاستيلاء والحكم وأخذ السلطة من الكفرة الفجرة ، فكل ذلك وسيلة لما ذكرنا من إصلاح وهداية وحفظ الحقوق . ويدل على ذلك قوله تعالى : (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب كما يتم بتمكينه في تصريف شؤون الحياة وأمور الناس وتدبيرها وفقاً لأحكام [[الإسلام]]  بجعله هو المهيمن على شؤون الحياة وأمور الناس . ومن المعلوم أن [[الإسلام]]  يأمر بالإصلاح وبالعدل وبحفظ الحقوق لاصحابها وبالحرص على هداية الناس ويأمر بعمارة الأرض والانتفاع بكل ما أودعه الله فيها من ثروة مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله تعالى6 .   
+
والاستخلاف الذي وعد الله به الذين آمنوا وعملوا الصالحات هو الذي يكون فيه إصلاح البلاد والعباد وحفظ الحقوق وهداية الناس .  
 +
 
 +
أما الغلبة والاستيلاء والحكم وأخذ السلطة من الكفرة الفجرة ، فكل ذلك وسيلة لما ذكرنا من إصلاح وهداية وحفظ الحقوق .  
 +
 
 +
ويدل على ذلك قوله تعالى : (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب كما يتم بتمكينه في تصريف شؤون الحياة وأمور الناس وتدبيرها وفقاً لأحكام [[الإسلام]]  بجعله هو المهيمن على شؤون الحياة وأمور الناس .  
 +
 
 +
ومن المعلوم أن [[الإسلام]]  يأمر بالإصلاح وبالعدل وبحفظ الحقوق لاصحابها وبالحرص على هداية الناس ويأمر بعمارة الأرض والانتفاع بكل ما أودعه الله فيها من ثروة مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله تعالى6 .   
  
 
'''225 ـ شروط الاستخلاف :'''  
 
'''225 ـ شروط الاستخلاف :'''  
سطر ١٬٤٣٨: سطر ١٬٩٣٧:
  
 
والاستخلاف في الأرض غير مقصور على عهد الصحابة أو الخلفاء الراشدين ، وإنما هو وعد ثابت من الله تعالى وسنّة الله مطردة في التماثل والأضداد ، وأن المتساوين في المعاني التي نبطت بها الأحكام يتساوون في هذه الأحكام ، وعليه فإن سنة الله في الاستخلاف أنه يكون لمن تحقق فيهم شرط الاستخلاف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، فهو حكم عام وسنة عامة مطردة ، قال الإمام القرطبي منتصراً للقول بعموم آية الاستخلاف وعدم قصرها على عهد الخلفاء الراشدين ، قال رحمه الله : (... فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة بالخلفاء الراشدين إذ التخصيص لا يكون إلا بخير ممن يجب له التسليم ، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم)8 .  
 
والاستخلاف في الأرض غير مقصور على عهد الصحابة أو الخلفاء الراشدين ، وإنما هو وعد ثابت من الله تعالى وسنّة الله مطردة في التماثل والأضداد ، وأن المتساوين في المعاني التي نبطت بها الأحكام يتساوون في هذه الأحكام ، وعليه فإن سنة الله في الاستخلاف أنه يكون لمن تحقق فيهم شرط الاستخلاف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، فهو حكم عام وسنة عامة مطردة ، قال الإمام القرطبي منتصراً للقول بعموم آية الاستخلاف وعدم قصرها على عهد الخلفاء الراشدين ، قال رحمه الله : (... فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة بالخلفاء الراشدين إذ التخصيص لا يكون إلا بخير ممن يجب له التسليم ، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم)8 .  
 
  
 
'''227 ـ ينقص من الاستخلاف بقدر ما ينقص من شرطه :'''
 
'''227 ـ ينقص من الاستخلاف بقدر ما ينقص من شرطه :'''
سطر ١٬٤٤٤: سطر ١٬٩٤٢:
 
قلنا إن من شرط الاستخلاف تحقق الإيمان والعمل الصالح فيمن يريدونه ، والإيمان له معانٍ وآثار بينها الشرع في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من ذلك أن يكون المسم محكوماً بأحكام [[الإسلام]]  في جميع شؤونه وتصرفاته وفيما يأخذه ويتركه وفي أقواله وأحواله وأعماله القلبية ، وأن يعمل الصالحات التي أمر بها الشرع .
 
قلنا إن من شرط الاستخلاف تحقق الإيمان والعمل الصالح فيمن يريدونه ، والإيمان له معانٍ وآثار بينها الشرع في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من ذلك أن يكون المسم محكوماً بأحكام [[الإسلام]]  في جميع شؤونه وتصرفاته وفيما يأخذه ويتركه وفي أقواله وأحواله وأعماله القلبية ، وأن يعمل الصالحات التي أمر بها الشرع .
 
   
 
   
وقد تنقص بعض هذه المعاني في المسلمين فينقص استحقاقهم في الاستخلاف الذي وعدهم الله به ، فيكون لهم بعض معاني الاستخلاف لا كلها . وعلى هذا لا تتحقق لهم كل معاني الاستخلاف من الغلبة والانتصار على الاعداء ونزع السلطة من أيديهم وإقامة شؤون الدولة والمجتمع حسب أحكام [[الإسلام]]  والتمتع بكامل الأمن والاطمئنان .
+
وقد تنقص بعض هذه المعاني في المسلمين فينقص استحقاقهم في الاستخلاف الذي وعدهم الله به ، فيكون لهم بعض معاني الاستخلاف لا كلها .  
 +
 
 +
وعلى هذا لا تتحقق لهم كل معاني الاستخلاف من الغلبة والانتصار على الاعداء ونزع السلطة من أيديهم وإقامة شؤون الدولة والمجتمع حسب أحكام [[الإسلام]]  والتمتع بكامل الأمن والاطمئنان .
 
   
 
   
 
وقد أشار إلى هذا الإمام ابن كثير وهو يتكلم عن آية الاستخلاف فقال رحمه الله تعالى : (فالصحابة لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم باموامر الله عز وجل وأطوعهم لله تعالى كان نصرهم بحسبهم ، فأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب وأيدهم الله تأييداً عظيماً وحكموا في سائر البلاد . ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأمور نقص ظهورهم بحسبهم1 ، أي بحسب ما عندهم من الإيمان والعمل الصالح وقيامهم بأوامر الله تعالى .  
 
وقد أشار إلى هذا الإمام ابن كثير وهو يتكلم عن آية الاستخلاف فقال رحمه الله تعالى : (فالصحابة لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم باموامر الله عز وجل وأطوعهم لله تعالى كان نصرهم بحسبهم ، فأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب وأيدهم الله تأييداً عظيماً وحكموا في سائر البلاد . ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأمور نقص ظهورهم بحسبهم1 ، أي بحسب ما عندهم من الإيمان والعمل الصالح وقيامهم بأوامر الله تعالى .  
سطر ١٬٤٥٠: سطر ١٬٩٥٠:
 
'''228 ـ التساوي في استحقاق النصر للتساوي في موجباته :'''  
 
'''228 ـ التساوي في استحقاق النصر للتساوي في موجباته :'''  
  
نصر الله يستحقه المؤمنون الذين يتبعون رسوله ويطيعونشرعه وينصرون دينه . وهؤلاء المستحقون لنصر الله تعالى نظراً لقيام موجبات النصر فيهم متساوون في استحقاق هذا النصر ولهذا يظفرون به في كل مكان وزمان حسب وعد الله تعالى وسنته في النصر . وإذا تخلّف النصر عنهم فكذلك لتخلف بعض معاني موجباته أو لأنّ النصر الذي يريده الله غير النصر الذي يريده المؤمنون ، لأن المنظور إليه في (مفهوم النصر) هو ما يعده الله نصراً وإن لم يعده الناس نصراً . كما إن النصر ينظر إليه في عاقبة الأمر وليس قبل ذلك ، فكما أن النصر يتحقق ويتبين ويعرف عند انتهاء الحرب والقتال تماماً وليس عند انتهاء معركة واحدة من معارك الحرب ، فكذلك المؤمنون الذين قامت فيهم موجبات النصر لا بد أن ينتصروا ما دامت موجبات النصر واستحقاقه قائمة فيهم . ولكن لا يجوز لهم أن يعينوا ميعاداً محدداً لنصرهم ولا صورة معينة أو شكلاً معيناً لنصرهم ، وحسبهم أن يثقوا كل الثقة بأن سنّة الله في المتساوين في موجبات نصره أنّهم يتساوون في تحقق هذا النصر لهم ، وعلى ما قلناه دلّ القرآن في آياته الكثيرة ومنها قوله تعالى : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)2 . قال الرازي رحمه الله : (وعدنا بالنصر لمن هذه حاله)3 وقال تعالى : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)4 .
+
نصر الله يستحقه المؤمنون الذين يتبعون رسوله ويطيعونشرعه وينصرون دينه . وهؤلاء المستحقون لنصر الله تعالى نظراً لقيام موجبات النصر فيهم متساوون في استحقاق هذا النصر ولهذا يظفرون به في كل مكان وزمان حسب وعد الله تعالى وسنته في النصر .  
 
 
قال الآلوسي : المراد بالجند أتباع الرسل ، وإضافتهم إليه تشريفاً لهم وتنويهاً بهم ، واستمرار الغلبة للجند مشروط بما تشعر به الإضافة في قوله تعالى : (جُندَنَا) فلا يُغلب اتباع الرسل في حرب إلا لإخلالهم بما تشعر به هذه الإضافة كميلٍ ما إلى الدنيا أو ضعف التوكل على الله تعالى ونحو ذلك5 .
 
 
 
'''229 ـ المشاركة في الثواب للمشاركة في موجباته :'''
 
  
قال تعالى : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، قال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية رحمه الله في هذه الآية : فجعل الله تعالى التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة6. لأن المهاجرين والانصار إنما ظفروا برضوان الله وجناته لإيمانهم بربهم وطاعتهم له وجهادهم في سبيله ، فالذين يتبعونهم بإحسان هم الذين يفعلون مثل فعلهم ، ويؤمنون مثل إيمانهم فيشاركونهم فيما ذكر من رضوان الله وجناته لمشاركتهم لهم في موجبات رضوانه وجناته .
+
وإذا تخلّف النصر عنهم فكذلك لتخلف بعض معاني موجباته أو لأنّ النصر الذي يريده الله غير النصر الذي يريده المؤمنون ، لأن المنظور إليه في (مفهوم النصر) هو ما يعده الله نصراً وإن لم يعده الناس نصراً . كما إن النصر ينظر إليه في عاقبة الأمر وليس قبل ذلك ، فكما أن النصر يتحقق ويتبين ويعرف عند انتهاء الحرب والقتال تماماً وليس عند انتهاء معركة واحدة من معارك الحرب ، فكذلك المؤمنون الذين قامت فيهم موجبات النصر لا بد أن ينتصروا ما دامت موجبات النصر واستحقاقه قائمة فيهم .  
  
 +
ولكن لا يجوز لهم أن يعينوا ميعاداً محدداً لنصرهم ولا صورة معينة أو شكلاً معيناً لنصرهم ، وحسبهم أن يثقوا كل الثقة بأن سنّة الله في المتساوين في موجبات نصره أنّهم يتساوون في تحقق هذا النصر لهم ، وعلى ما قلناه دلّ القرآن في آياته الكثيرة ومنها قوله تعالى : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)2 .
  
 +
قال الرازي رحمه الله : (وعدنا بالنصر لمن هذه حاله)3 وقال تعالى : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)4 .
  
 +
قال الآلوسي : المراد بالجند أتباع الرسل ، وإضافتهم إليه تشريفاً لهم وتنويهاً بهم ، واستمرار الغلبة للجند مشروط بما تشعر به الإضافة في قوله تعالى : (جُندَنَا) فلا يُغلب اتباع الرسل في حرب إلا لإخلالهم بما تشعر به هذه الإضافة كميلٍ ما إلى الدنيا أو ضعف التوكل على الله تعالى ونحو ذلك5 .
  
 +
'''229 ـ المشاركة في الثواب للمشاركة في موجباته :'''
  
 +
قال تعالى : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، قال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية رحمه الله في هذه الآية : فجعل الله تعالى التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة6.
  
 +
لأن المهاجرين والانصار إنما ظفروا برضوان الله وجناته لإيمانهم بربهم وطاعتهم له وجهادهم في سبيله ، فالذين يتبعونهم بإحسان هم الذين يفعلون مثل فعلهم ، ويؤمنون مثل إيمانهم فيشاركونهم فيما ذكر من رضوان الله وجناته لمشاركتهم لهم في موجبات رضوانه وجناته . 
  
 
== الفصل الثامن : سنّة الله في الترف والمترفين [قانون الترف] ==
 
== الفصل الثامن : سنّة الله في الترف والمترفين [قانون الترف] ==
سطر ١٬٤٨٨: سطر ١٬٩٩٠:
 
'''232 ـ من عادة المترفين مسارعتهم في تكذيب الحق ورده :'''  
 
'''232 ـ من عادة المترفين مسارعتهم في تكذيب الحق ورده :'''  
  
ومن عادة المترفين لما يفعله فيهم الترف من بطر النعمة وانغماس في الملذات والشهوات انهم يسارعون قبل غيرهم في تكذيب رسل الله ورد الحق الذي جاؤوا به استدلالاً باطلاً بما هم عليه من كثرة المال والاولاد وسعة الجاه والسلطان وكثرة الأتباع وعلو منزلتهم عند الناس قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)3 . فهذه الآيات الكريمة تبين عادة مطردة للمترفين في موقفهم من رسل الله وهي تكذيبهم لهم ورد ما جاؤوا به من ربهم تعالى ، فلم يبعث الله رسولاً في قرية إلا كذبه مترفوها وهم أولو الحشمة والنعمة والثروة والرياسة4 .  
+
ومن عادة المترفين لما يفعله فيهم الترف من بطر النعمة وانغماس في الملذات والشهوات انهم يسارعون قبل غيرهم في تكذيب رسل الله ورد الحق الذي جاؤوا به استدلالاً باطلاً بما هم عليه من كثرة المال والاولاد وسعة الجاه والسلطان وكثرة الأتباع وعلو منزلتهم عند الناس قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)3 .  
 +
 
 +
فهذه الآيات الكريمة تبين عادة مطردة للمترفين في موقفهم من رسل الله وهي تكذيبهم لهم ورد ما جاؤوا به من ربهم تعالى ، فلم يبعث الله رسولاً في قرية إلا كذبه مترفوها وهم أولو الحشمة والنعمة والثروة والرياسة4 .  
 
   
 
   
 
وتخصيص المترفين بالتكذيب لأنهم في الأغلب أول المكذبين للرسل عليهم السلام لما شغلوا به أنفسهم من زخرفة الدنيا وما غلب على قلوبهم منها فهم منهمكون في الشهوات ومستهينون بمن لم يظفر منها ما ظفروا هم به5 . أو إنما نسب القول بتكذيب الرسل إلى المترفين مع أن غيرهم أيضاً قالوا : (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) ، لأن الأغنياء المترفين هم الأصل في ذلك القول ، ألا ترى أن الله تعالى قال عن الذين استضعفوا إنهم قالوا للمستكبرين : (لولا انتم لكنا مؤمنين)6 .  
 
وتخصيص المترفين بالتكذيب لأنهم في الأغلب أول المكذبين للرسل عليهم السلام لما شغلوا به أنفسهم من زخرفة الدنيا وما غلب على قلوبهم منها فهم منهمكون في الشهوات ومستهينون بمن لم يظفر منها ما ظفروا هم به5 . أو إنما نسب القول بتكذيب الرسل إلى المترفين مع أن غيرهم أيضاً قالوا : (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) ، لأن الأغنياء المترفين هم الأصل في ذلك القول ، ألا ترى أن الله تعالى قال عن الذين استضعفوا إنهم قالوا للمستكبرين : (لولا انتم لكنا مؤمنين)6 .  
سطر ١٬٤٩٤: سطر ١٬٩٩٨:
 
'''233 ـ حجتهم في التكذيب :'''  
 
'''233 ـ حجتهم في التكذيب :'''  
  
أما حجتهم في التكذيب ـ تكذيب رسل الله ـ فهو ما حكاه الله عنهم بقوله تعالى : (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) أي نحن أكثر منكم أموالاً وأولاداً أو إن أموالنا وأولادنا كثيرة جداً وما نحن بمعذبين بشيء من أنواع العذاب الذي يكدر علينا لذة كثرة الأموال والأولاد من خوف الملوك والأمراء والحكام وقهر الأعداء وعدم نفوذ كلمتنا في الناس ونحو ذلك من المكدرات . وحاصل قول أولئك المترفين وحجتهم : ادّعاؤهم بأنهم في نعمة لا يشوبها نقمة ، وهذا ـ في زعمهم ـ دليل كرامتهم على الله عز وجل ورضاه عنهم ، وانه لو كان ساخطاً عليهم لشركهم لما أنعم عليهم بهذه النعم . وقد ردّ الله عليهم هذه الحجة بقوله تعالى : (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) أي يبسط الرزق لمن يشاء الله بسط الرزق له ، ويضيقه على من يشاء ، فربما يوسع الله سبحانه على العاصي ويضيق على المطيع وربما يعكس الأمر وربما يوسع عليهما معاً وقد يضيق عليهما معاً ، وقد يوسع على شخص مطيع أو عاصٍ تارة ويضيق عليه أخرى يفعل كلاً من ذلك حسبما تقتضيه مشيئته تعالى وحكمته ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكمة ما يفعله الله من البسط والتضييق في الرزق على عباده1 .   
+
أما حجتهم في التكذيب ـ تكذيب رسل الله ـ فهو ما حكاه الله عنهم بقوله تعالى : (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) أي نحن أكثر منكم أموالاً وأولاداً أو إن أموالنا وأولادنا كثيرة جداً وما نحن بمعذبين بشيء من أنواع العذاب الذي يكدر علينا لذة كثرة الأموال والأولاد من خوف الملوك والأمراء والحكام وقهر الأعداء وعدم نفوذ كلمتنا في الناس ونحو ذلك من المكدرات .  
 +
 
 +
وحاصل قول أولئك المترفين وحجتهم : ادّعاؤهم بأنهم في نعمة لا يشوبها نقمة ، وهذا ـ في زعمهم ـ دليل كرامتهم على الله عز وجل ورضاه عنهم ، وانه لو كان ساخطاً عليهم لشركهم لما أنعم عليهم بهذه النعم .  
 +
 
 +
وقد ردّ الله عليهم هذه الحجة بقوله تعالى : (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) أي يبسط الرزق لمن يشاء الله بسط الرزق له ، ويضيقه على من يشاء ، فربما يوسع الله سبحانه على العاصي ويضيق على المطيع وربما يعكس الأمر وربما يوسع عليهما معاً وقد يضيق عليهما معاً ، وقد يوسع على شخص مطيع أو عاصٍ تارة ويضيق عليه أخرى يفعل كلاً من ذلك حسبما تقتضيه مشيئته تعالى وحكمته ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكمة ما يفعله الله من البسط والتضييق في الرزق على عباده1 .   
  
 
'''234 ـ منهج المترفين في الحياة :'''  
 
'''234 ـ منهج المترفين في الحياة :'''  
  
المترفون لا يهتمون إلا بملاذ الدنيا وشهواتها وجمع المال لذلك ، ولا يهمهم ما يكون في الناس من منكرات فهي لا تقلقهم ولا ينهون عنها لأن انشغالهم واهتمامهم بما يجلب لهم الملذات فقط ولو كان ذلك على حساب الآخرة ونعيمها قال تعالى : (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ)2 . وقوله تعالى : (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُوا) أراد بالذين ظلموا : تاركي النهي عن المنكرات ، أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين وهو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما اهتموا بالتنعم والترف والانغماس في الشهوات والتطلع إلى الرياسة والسعي لها وجمع الثروة وطلب العيش الهنيء ، ورفضوا ما وراء ذلك مما ينفعهم في الىخرة ونبذوه وراء ظهورهم3 .  
+
المترفون لا يهتمون إلا بملاذ الدنيا وشهواتها وجمع المال لذلك ، ولا يهمهم ما يكون في الناس من منكرات فهي لا تقلقهم ولا ينهون عنها لأن انشغالهم واهتمامهم بما يجلب لهم الملذات فقط ولو كان ذلك على حساب الآخرة ونعيمها قال تعالى : (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ)2 .  
 +
 
 +
وقوله تعالى : (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُوا) أراد بالذين ظلموا : تاركي النهي عن المنكرات ، أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين وهو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما اهتموا بالتنعم والترف والانغماس في الشهوات والتطلع إلى الرياسة والسعي لها وجمع الثروة وطلب العيش الهنيء ، ورفضوا ما وراء ذلك مما ينفعهم في الىخرة ونبذوه وراء ظهورهم3 .  
  
 
'''235 ـ موقف المترفين من الجماعة المسلمة وموقفها منهم :'''
 
'''235 ـ موقف المترفين من الجماعة المسلمة وموقفها منهم :'''
 
   
 
   
  
وإذا كان من عادة المترفين رد الحق وتكذيب الرسل ومنهجهم في الحياة الانغماس في الشهوات والاهتمام بالترف والعيش الرغيد ولا تقلقهم منكرات المجتمع ، فمن البديهي أن يكون موقفهم من الجماعة المسلمة الصدود عنها ورد ما تدعو إليه وتنفير الناس عنها ، لأن دعوتها ، وهي الدعوة إلى [[الإسلام]]  تظهر زيفهم وضلالهم . فعلى الجماعة المسلمة ان تصبر على تكذيبهم ومعاداتهم وما يكيدونه لها ، وأن تدخل موقفهم هذا في حسابها ، ولا تعجب منه لأن الترف كما يقول سيد قطب رحمه الله تعالى : (يغلظ القلوب ويفقدها الحساسية ويفسد الفطرة ويغشيها فلا ترى دلائل الهداية فتستكبر على الهدى وتصر على الباطل ولا تتفتح للنور ..)4 .  
+
وإذا كان من عادة المترفين رد الحق وتكذيب الرسل ومنهجهم في الحياة الانغماس في الشهوات والاهتمام بالترف والعيش الرغيد ولا تقلقهم منكرات المجتمع ، فمن البديهي أن يكون موقفهم من الجماعة المسلمة الصدود عنها ورد ما تدعو إليه وتنفير الناس عنها ، لأن دعوتها ، وهي الدعوة إلى [[الإسلام]]  تظهر زيفهم وضلالهم .  
 +
 
 +
فعلى الجماعة المسلمة ان تصبر على تكذيبهم ومعاداتهم وما يكيدونه لها ، وأن تدخل موقفهم هذا في حسابها ، ولا تعجب منه لأن الترف كما يقول سيد قطب رحمه الله تعالى : (يغلظ القلوب ويفقدها الحساسية ويفسد الفطرة ويغشيها فلا ترى دلائل الهداية فتستكبر على الهدى وتصر على الباطل ولا تتفتح للنور ..)4 .  
  
 
وربما احتج المترفون في صدودهم عن الجماعة وصدهم للناس عنها وردهم لدعوتها بما احتج به أسلافهم من كثرة المال وما يولده من كثرة الأتباع وسعة الجاه والمكانة في المجتمع ، فعلى الجماعة المسلمة أن ترد عليهم بما ذكرناه من رد القرىن عليهم وان تصبر عليهم فإن ما تلقاه منهم هو بعض ما جرت به سنة الله في ابتلاء الدعاة غلى الله تعالى .  
 
وربما احتج المترفون في صدودهم عن الجماعة وصدهم للناس عنها وردهم لدعوتها بما احتج به أسلافهم من كثرة المال وما يولده من كثرة الأتباع وسعة الجاه والمكانة في المجتمع ، فعلى الجماعة المسلمة أن ترد عليهم بما ذكرناه من رد القرىن عليهم وان تصبر عليهم فإن ما تلقاه منهم هو بعض ما جرت به سنة الله في ابتلاء الدعاة غلى الله تعالى .  
سطر ١٬٥١١: سطر ٢٬٠٢٣:
 
وقد مضت سنة الله في المترفين الذين أبطرتهم النعمة فكذبوا رسل الله وردوا دعوة الله أن يهلكهم ويذيقهم العذاب في الدنيا كما يذيقهم العذاب في الآخرة ، قال تعالى : (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ)5 .
 
وقد مضت سنة الله في المترفين الذين أبطرتهم النعمة فكذبوا رسل الله وردوا دعوة الله أن يهلكهم ويذيقهم العذاب في الدنيا كما يذيقهم العذاب في الآخرة ، قال تعالى : (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ)5 .
 
   
 
   
وجاء في تفسير هذه الآيات : إن أولئك القوم الظلمة المترفين الذين أبطرتهم النعمة وأطغتهم فردوا الحق الذي جاءهم من ربهم فظلموا أنفسهم بذلك وظلموا غيرهم فاستحقوا العذاب ، قيل لهم على وجه التهكم بهم لما رأوا مقدمات العذاب : (لا تركضوا هاربين من نزول العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة)6 . وقال الإمام القرطبي : (وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ) أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم7 . وفي تفسير الرازي : ارجعوا إلى ما أترفتم فيه من العيش والرفاهية والحال الناعمة8 .  
+
وجاء في تفسير هذه الآيات : إن أولئك القوم الظلمة المترفين الذين أبطرتهم النعمة وأطغتهم فردوا الحق الذي جاءهم من ربهم فظلموا أنفسهم بذلك وظلموا غيرهم فاستحقوا العذاب ، قيل لهم على وجه التهكم بهم لما رأوا مقدمات العذاب : (لا تركضوا هاربين من نزول العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة)6 .  
 +
 
 +
وقال الإمام القرطبي : (وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ) أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم7 . وفي تفسير الرازي : ارجعوا إلى ما أترفتم فيه من العيش والرفاهية والحال الناعمة8 .  
  
 
'''237 ـ هلاك الأمة بفسق مترفيها :'''  
 
'''237 ـ هلاك الأمة بفسق مترفيها :'''  
  
قال تعالى : (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)9 . وجاء في تفسيرها : وإذا دنا وقت هلاكها أمرنا بالطاعة مترفيها أي متنعميها وجبّاريها وملوكها ففسقوا فيها فحق عليها القول فأهلكناها . وإنما خص الله تعالى المترفين بالذكر مع توجه الأمر بالطاعة إلى الجميع لأنهم أئمة الفسق ورؤساء الضلال ، وما وقع من سواهم إنما وقع باتباعهم وإغوائهم ، فكان توجه الأمر إليهم آكد1 .
+
قال تعالى : (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)9 . وجاء في تفسيرها : وإذا دنا وقت هلاكها أمرنا بالطاعة مترفيها أي متنعميها وجبّاريها وملوكها ففسقوا فيها فحق عليها القول فأهلكناها .  
 
 
 
 
  
 +
وإنما خص الله تعالى المترفين بالذكر مع توجه الأمر بالطاعة إلى الجميع لأنهم أئمة الفسق ورؤساء الضلال ، وما وقع من سواهم إنما وقع باتباعهم وإغوائهم ، فكان توجه الأمر إليهم آكد1 .
  
 
== الفصل التاسع : سنة الله في الطغيان والطغاة [قانون الطغيان] ==
 
== الفصل التاسع : سنة الله في الطغيان والطغاة [قانون الطغيان] ==
 
   
 
   
 
 
'''238 ـ معنى الطغيان في اللغة :'''
 
'''238 ـ معنى الطغيان في اللغة :'''
 
   
 
   
جاء في لسان العرب2 : طغى يطغى طغياناً ويطغو طغياناً : جاوز القدر ، وارتفع وغلا في الكفر . وأطغاه المال : جعله طاغياً . وكل شيء جاوز القدر فقد طغى . وطغى الماء والبحر : ارتفع وعلا كل شيء . وجاء في مفردات الراغب3 : أطغاه كذا : حمله على الطغيان ، وذلك تجاوز الحددّ في العصيان . وقوله تعالى : (إنا لما طغى الماء) استعير الطغيان فيه لتجاوز الماء الحدَّ .  
+
جاء في لسان العرب2 : طغى يطغى طغياناً ويطغو طغياناً : جاوز القدر ، وارتفع وغلا في الكفر . وأطغاه المال : جعله طاغياً .  
 +
 
 +
وكل شيء جاوز القدر فقد طغى . وطغى الماء والبحر : ارتفع وعلا كل شيء . وجاء في مفردات الراغب3 : أطغاه كذا : حمله على الطغيان ، وذلك تجاوز الحددّ في العصيان .  
 +
 
 +
وقوله تعالى : (إنا لما طغى الماء) استعير الطغيان فيه لتجاوز الماء الحدَّ .  
 +
 
 
وجاء في المعجم الوسيط4 : طغى طغياً وطغياناً : جاوز الحدّ المقبول . وطغى الماء : فاض وتجاوز الحدّ في الزيادة . وطغى فلان : غلا في العصيان . وطغى فلان : تجبر وأسرف في الظلم .  
 
وجاء في المعجم الوسيط4 : طغى طغياً وطغياناً : جاوز الحدّ المقبول . وطغى الماء : فاض وتجاوز الحدّ في الزيادة . وطغى فلان : غلا في العصيان . وطغى فلان : تجبر وأسرف في الظلم .  
  
 
'''239 ـ معنى الطغيان في الشرع :'''  
 
'''239 ـ معنى الطغيان في الشرع :'''  
  
ومعنى الطغيان في الشرع يقوم على أساس معناه في اللغة ، فيراد به تجاوز الإنسان حده وقدره . وحدّ الإنسان هو ما حده الله له من حدود لا يجوز أن يتجاوزها .  
+
ومعنى الطغيان في الشرع يقوم على أساس معناه في اللغة ، فيراد به تجاوز الإنسان حده وقدره . وحدّ الإنسان هو ما حده الله له من حدود لا يجوز أن يتجاوزها .
 +
 
وقدْر الإنسان هو قدْرهُ باعتباره عبداً لله تعالى فتلزمه طاعة سيده ومولاه ، وبقاؤه في نطاق العبودية له ، فإن تجاوز ما حدّ الله تعالى للإنسان من حدود لا يتجاوزها او تجاوز قدره وقع في المعصية والتمرد على الله . وعلى ما قلناه من معنى الطغيان في الرع دلت آيات القرآن الكريم ، فمن هذه الآيات ما يأتي .  
 
وقدْر الإنسان هو قدْرهُ باعتباره عبداً لله تعالى فتلزمه طاعة سيده ومولاه ، وبقاؤه في نطاق العبودية له ، فإن تجاوز ما حدّ الله تعالى للإنسان من حدود لا يتجاوزها او تجاوز قدره وقع في المعصية والتمرد على الله . وعلى ما قلناه من معنى الطغيان في الرع دلت آيات القرآن الكريم ، فمن هذه الآيات ما يأتي .  
  
سطر ١٬٥٤١: سطر ٢٬٠٥٩:
 
'''241 ـ ما يحمل الإنسان على الطغيان :'''  
 
'''241 ـ ما يحمل الإنسان على الطغيان :'''  
  
وأعظم ما يحمل الإنسان على الطغيان ما يصير عنده من مال كثير أو ما يكون له من سلطان نافذ . فالأول هو طغيان المال ، أي الطغيان الذي سببه المال . والثاني هو طغيان السلطان أي الطغيان الذي سببه السلطة التي تكون للإنسان . وكلا النوعين من الطغيان مدمر ومهلك وفقاً لسنة الله تعالى التي لا تتخلف . ونذكر فيما يلي شيئاً عن هذين النوعين من الطغيان .  
+
وأعظم ما يحمل الإنسان على الطغيان ما يصير عنده من مال كثير أو ما يكون له من سلطان نافذ . فالأول هو طغيان المال ، أي الطغيان الذي سببه المال .  
 +
 
 +
والثاني هو طغيان السلطان أي الطغيان الذي سببه السلطة التي تكون للإنسان .  
 +
 
 +
وكلا النوعين من الطغيان مدمر ومهلك وفقاً لسنة الله تعالى التي لا تتخلف . ونذكر فيما يلي شيئاً عن هذين النوعين من الطغيان .  
  
 
'''242 ـ النوع الأول : طغيان المال :'''  
 
'''242 ـ النوع الأول : طغيان المال :'''  
  
 
المال هو كل ما تميل إليه النفس ويهنأ به العيش ويُتوصَل به إلى ما تهواه النفس من متاع أو ملذات .  
 
المال هو كل ما تميل إليه النفس ويهنأ به العيش ويُتوصَل به إلى ما تهواه النفس من متاع أو ملذات .  
ومن مظاهر طغيان المال أو من نتائجه وثمراته جعل الإنسان من المترفين . وقد ذكرنا بعض أوصافهم وأفعالهم ومنهجهم في الحياة وسنّة الله تعالى فيهم . ومن ثمرات طغيان المال بطر نعمة المال ، وسنتكلم إن شاء الله تعالى على هذا البطر عند كلامنا عن بطر النعمة بصورة عامة . ونتكلم هنا عن طغيان السلطة وهو النوع الثاني من الطغيان .  
+
ومن مظاهر طغيان المال أو من نتائجه وثمراته جعل الإنسان من المترفين . وقد ذكرنا بعض أوصافهم وأفعالهم ومنهجهم في الحياة وسنّة الله تعالى فيهم .  
 +
 
 +
ومن ثمرات طغيان المال بطر نعمة المال ، وسنتكلم إن شاء الله تعالى على هذا البطر عند كلامنا عن بطر النعمة بصورة عامة . ونتكلم هنا عن طغيان السلطة وهو النوع الثاني من الطغيان .  
  
 
'''243 ـ النوع الثاني : طغيان السلطة :'''  
 
'''243 ـ النوع الثاني : طغيان السلطة :'''  
سطر ١٬٥٥٤: سطر ٢٬٠٧٨:
 
'''244 ـ النموذج لطغيان السلطة :'''  
 
'''244 ـ النموذج لطغيان السلطة :'''  
  
والنموذج لطغيان السلطة ، طغيان فرعون ، الذي كان من مظاهر تجاوزه حدّه وقدره تكبره على الخالق حتى ادعى لنفسه الربوبية ، وتكبره على خلق الله حتى استعبدهم وظلمهم وغمطهم حقوقهم . وقد كرر الله تعالى قصة فرعون في آيات كثيرة للاعتبار والاتعاظ لحاجة الناس إلى الاعتبار بقصة هذا الطاغية وما حلّ به عقاباً لطغيانه ، لكثرة ما يبتلى البشر بطغيان السلطة . ومن جملة ما ورد في القرآن الكريم فرعون وطغيانه قوله تعالى : (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)1 . قال الإمام الرازي في قوله تعالى : (إِنَّهُ طَغَى) قال بعض المفسرين معناه أنه تكبر على الله وكفر به . وقال آخرون إنه طغى على بني إسرائيل . والأولى عندي الجمع بين الأمرين ، فالمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم واستعبدهم2 .  
+
والنموذج لطغيان السلطة ، طغيان فرعون ، الذي كان من مظاهر تجاوزه حدّه وقدره تكبره على الخالق حتى ادعى لنفسه الربوبية ، وتكبره على خلق الله حتى استعبدهم وظلمهم وغمطهم حقوقهم . وقد كرر الله تعالى قصة فرعون في آيات كثيرة للاعتبار والاتعاظ لحاجة الناس إلى الاعتبار بقصة هذا الطاغية وما حلّ به عقاباً لطغيانه ، لكثرة ما يبتلى البشر بطغيان السلطة .  
 +
 
 +
ومن جملة ما ورد في القرآن الكريم فرعون وطغيانه قوله تعالى : (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)1 .  
 +
 
 +
قال الإمام الرازي في قوله تعالى : (إِنَّهُ طَغَى) قال بعض المفسرين معناه أنه تكبر على الله وكفر به . وقال آخرون إنه طغى على بني إسرائيل .  
 +
 
 +
والأولى عندي الجمع بين الأمرين ، فالمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم واستعبدهم2 .  
  
 
'''245 ـ طغيان السلطة ودعوى الربوبية :'''  
 
'''245 ـ طغيان السلطة ودعوى الربوبية :'''  
سطر ١٬٥٦١: سطر ٢٬٠٩١:
  
 
'''246 ـ ما تعنيه دعوى الربوبية :'''  
 
'''246 ـ ما تعنيه دعوى الربوبية :'''  
 +
 
فرعون ادّعى الربوبية لنفسه فبلغ ذروة الطغيان والكفر ، وهذه الدعوى الباطلة لنفسه (أنه يجب على من تحت يده طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره)4 ، وقال الرازي فيما تعنيه هذه الدعوى التي أطلقها لنفسه (أي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي ، فليس لأحد عليكم أمر ولا نهي إلا لي)5 .  
 
فرعون ادّعى الربوبية لنفسه فبلغ ذروة الطغيان والكفر ، وهذه الدعوى الباطلة لنفسه (أنه يجب على من تحت يده طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره)4 ، وقال الرازي فيما تعنيه هذه الدعوى التي أطلقها لنفسه (أي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي ، فليس لأحد عليكم أمر ولا نهي إلا لي)5 .  
  
 
247 ـ من طغيان السلطة ظلم الناس :  
 
247 ـ من طغيان السلطة ظلم الناس :  
 +
 
قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ  الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)6 .  
 
قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ  الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)6 .  
قال ابن كثير في قوله تعالى : (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) أي تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذى للناس7 . وقال الآلوسي في قوله تعالى : (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) وصف بذلك لكثرة جنوده أو لانه كان يدق للممُعذَّب أربعة أوتاد ويشده بها مطروحاً على الأرض فيعذبه بما يريد من ضرب أو إحراق أو غيره8 .   
+
 
 +
قال ابن كثير في قوله تعالى : (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) أي تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذى للناس7 .  
 +
 
 +
وقال الآلوسي في قوله تعالى : (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) وصف بذلك لكثرة جنوده أو لانه كان يدق للممُعذَّب أربعة أوتاد ويشده بها مطروحاً على الأرض فيعذبه بما يريد من ضرب أو إحراق أو غيره8 .   
 
وفي تفسير القرطبي : (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) أي الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه، قاله ابن عباس.   
 
وفي تفسير القرطبي : (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) أي الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه، قاله ابن عباس.   
 +
 
(الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ) يعني عاداً وثمود وفرعون (طَغَوْا) أي تمردوا وعتوا وتجاوزوا القدر في الظلم والعدوان(فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) أي الجور والأذى1 .  
 
(الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ) يعني عاداً وثمود وفرعون (طَغَوْا) أي تمردوا وعتوا وتجاوزوا القدر في الظلم والعدوان(فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) أي الجور والأذى1 .  
  
 
'''248 ـ جزاء طغيان السلطة :'''  
 
'''248 ـ جزاء طغيان السلطة :'''  
  
في الآيات التي ذكرناها من سورة الفجر ، جاء فيها بعد ذكر طغيان فرعون ومن قبله : (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ، وقد جاء في تفسيرها : (أي أنزل عليهم رجزاً من السماء وأحلّ بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين)2 . وفي تفسير الآلوسي في قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) تعليل لما قبله وإيذانٌ بان كفار قومه صلى الله عليه وسلم سيصيبهم مثل ما أصاب أضرابهم المذكورين من العذاب .  
+
في الآيات التي ذكرناها من سورة الفجر ، جاء فيها بعد ذكر طغيان فرعون ومن قبله : (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ، وقد جاء في تفسيرها : (أي أنزل عليهم رجزاً من السماء وأحلّ بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين)2 .  
 +
 
 +
وفي تفسير الآلوسي في قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) تعليل لما قبله وإيذانٌ بان كفار قومه صلى الله عليه وسلم سيصيبهم مثل ما أصاب أضرابهم المذكورين من العذاب .  
 +
 
 
والآية وعيد للعصاة مطلقاً ، وقيل وعيد للعصاة ووعيد لغيرهم وهو ظاهر قول الحسن3 . وفي تفسير القرطبي في قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) أي يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه به4 .   
 
والآية وعيد للعصاة مطلقاً ، وقيل وعيد للعصاة ووعيد لغيرهم وهو ظاهر قول الحسن3 . وفي تفسير القرطبي في قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) أي يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه به4 .   
  
سطر ١٬٥٨٢: سطر ٢٬١٢١:
 
وسنة الله في الطغاة وما ينزله من عقاب في الدنيا إنما يعتبر بهذه السنة العامة من يخشى الله جلّ جلاله ويخاف عقابه ويعلم أن سنة الله قانون ثابت لا يحابي أحداً قال تعالى في بيان المعتبرين بسنته في الطغاة ، بعد أن ذكر ما حلّ بفرعون من سوء العقاب ، (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى)5 .
 
وسنة الله في الطغاة وما ينزله من عقاب في الدنيا إنما يعتبر بهذه السنة العامة من يخشى الله جلّ جلاله ويخاف عقابه ويعلم أن سنة الله قانون ثابت لا يحابي أحداً قال تعالى في بيان المعتبرين بسنته في الطغاة ، بعد أن ذكر ما حلّ بفرعون من سوء العقاب ، (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى)5 .
 
   
 
   
قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات : (أي انتقم الله منه ـ أي من فرعون ـ انتقاماً جعله به عبرة ونكالاً لأمثاله من المتمردين في الدنيا . والمراد بقوله تعالى : (نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) أي الدنيا والآخرة : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) أي لمن يتعظ وينزجر6 . وفي تفسير الرازي في قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) والمعنى إن فيما اقتصصناه من أمر موسى وفرعون وما أحلّه الله بفرعون من الخزي والعقاب ، وما أعطى موسى من العلو والنصر ، عبرة لمن يخشى وذلك أن يدع التمرد على الله تعالى والتكذيب لأنبيائه خوفاً من أن ينزل به ما نزل بفرعون ، فاعتبروا معاشر المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم بما ذكرناه ، أي اعلموا أنكم إن شاركتموهم في المعنى الجالب للعقاب شاركتموهم في حلول العقاب بكم7 .  
+
قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات : (أي انتقم الله منه ـ أي من فرعون ـ انتقاماً جعله به عبرة ونكالاً لأمثاله من المتمردين في الدنيا .  
 +
 
 +
والمراد بقوله تعالى : (نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) أي الدنيا والآخرة : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) أي لمن يتعظ وينزجر6 .  
 +
 
 +
وفي تفسير الرازي في قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) والمعنى إن فيما اقتصصناه من أمر موسى وفرعون وما أحلّه الله بفرعون من الخزي والعقاب ، وما أعطى موسى من العلو والنصر ، عبرة لمن يخشى وذلك أن يدع التمرد على الله تعالى والتكذيب لأنبيائه خوفاً من أن ينزل به ما نزل بفرعون ، فاعتبروا معاشر المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم بما ذكرناه ، أي اعلموا أنكم إن شاركتموهم في المعنى الجالب للعقاب شاركتموهم في حلول العقاب بكم7 .  
  
 
'''251 ـ الجماعة المسلمة وطغيان السلطة :'''  
 
'''251 ـ الجماعة المسلمة وطغيان السلطة :'''  
  
قد توجد الجماعة المسلمة ، التي تريد الإصلاح ، في مجتمع ابتُلي بحاكم طاغية موغل في الطغيان إلى درجة أنه يرى قتل الصالحين المصلحين صواباً وصلاحاً ولمصلحة الناس كما كان فرعون يفعل ويقول ، فقد حكى الله لنا عنه أنه لما أراد قتل موسى قال للملأ حوله : (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)8 . أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتل موسى ، وما أهديكم بهذا الرأي إلا سبيل الرشاد أي سبيل الصواب والصلاح9 . فكان فرعون يبطش بالناس ويظلمهم ويرى فعله حسناً لتزيين الشيطان له سوء عمله كما قال تعالى عنه : (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ)10 . بل قد يكون للحاكم الطاغية حاشية سوء تزين له عمل الشر وتحرضه على مطاردة المصلحين الدعاة إلى الله تعالى بحجة القضاء على شرورهم وفسادهم كما كانت تفعل حاشية فرعون ، قال تعالى عنهم : (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ..)1 . فماذا يجب على الجماعة المسلمة فعله في مثل هذا المجتمع المبتلى بمثل هذا الحاكم الطاغية؟  
+
قد توجد الجماعة المسلمة ، التي تريد الإصلاح ، في مجتمع ابتُلي بحاكم طاغية موغل في الطغيان إلى درجة أنه يرى قتل الصالحين المصلحين صواباً وصلاحاً ولمصلحة الناس كما كان فرعون يفعل ويقول ، فقد حكى الله لنا عنه أنه لما أراد قتل موسى قال للملأ حوله : (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)8 .  
 +
 
 +
أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتل موسى ، وما أهديكم بهذا الرأي إلا سبيل الرشاد أي سبيل الصواب والصلاح9 .  
 +
 
 +
فكان فرعون يبطش بالناس ويظلمهم ويرى فعله حسناً لتزيين الشيطان له سوء عمله كما قال تعالى عنه : (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ)10 .  
 +
 
 +
بل قد يكون للحاكم الطاغية حاشية سوء تزين له عمل الشر وتحرضه على مطاردة المصلحين الدعاة إلى الله تعالى بحجة القضاء على شرورهم وفسادهم كما كانت تفعل حاشية فرعون ، قال تعالى عنهم : (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ..)1 . فماذا يجب على الجماعة المسلمة فعله في مثل هذا المجتمع المبتلى بمثل هذا الحاكم الطاغية؟  
  
 
'''252 ـ واجب الجماعة المسلمة عند طغيان السلطة :'''  
 
'''252 ـ واجب الجماعة المسلمة عند طغيان السلطة :'''  
سطر ١٬٥٩٦: سطر ٢٬١٤٥:
 
تتقدم الجماعة المسلمة إلى الحاكم الطاغية بالنصيحة والموعظة الحسنة فتذكره بحقيقة ذاته وأنه كان نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة ، ومن كانت هذه بدايته وتلك هي نهايته فلا يليق به الطغيان والاستكبار في الأرض والاعتداء على الناس ، ثم إنه يُذكَّر بأنه عبد الله تعالى ولا يحق للعبد أن يتجبر ويطغى على عبيد سيده ، فهو وهم عبيد له جلّ جلاله ، ولا أن يطغى ويظلمهم فإن الله تعالى أقوى منه وأكبر2 .  وتذكره الجماعة بأن الله تعالى يمهل الظالم لحلمه الواسع وعسى أن يثوب ويرجع ولا يهمله فلا يعاقبه على ظلمه .  
 
تتقدم الجماعة المسلمة إلى الحاكم الطاغية بالنصيحة والموعظة الحسنة فتذكره بحقيقة ذاته وأنه كان نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة ، ومن كانت هذه بدايته وتلك هي نهايته فلا يليق به الطغيان والاستكبار في الأرض والاعتداء على الناس ، ثم إنه يُذكَّر بأنه عبد الله تعالى ولا يحق للعبد أن يتجبر ويطغى على عبيد سيده ، فهو وهم عبيد له جلّ جلاله ، ولا أن يطغى ويظلمهم فإن الله تعالى أقوى منه وأكبر2 .  وتذكره الجماعة بأن الله تعالى يمهل الظالم لحلمه الواسع وعسى أن يثوب ويرجع ولا يهمله فلا يعاقبه على ظلمه .  
  
فهذا الكلام ونحوه يصلح أن يكون من النصح الذي تتقدم به الجماعة إليه ، وقد يكون سبباً لإيقاظ ما بقي في قلبه من إيمان أو خوف من الله تعالى .. ويكون هذا النصح بكل أسلوب نافع وقول لين فقد قال تعالى لنبيه موسى وأخيه هارون عليهم السلام ، وقد أرسلهما إلى فرعون : (فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)3 . ويكون النصح له بمواجهته بالتعريض وبالتصريح حسبما يقتضيه المقام وقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو يكون تقديم النصيحة له بالكتابة ، أو بإرسال رسول إليه ، أو بتكليف أحد المقربين له لإيصال النصيحة إليه أو بأي أسلوب آخر نافع وجائز شرعاً .  
+
فهذا الكلام ونحوه يصلح أن يكون من النصح الذي تتقدم به الجماعة إليه ، وقد يكون سبباً لإيقاظ ما بقي في قلبه من إيمان أو خوف من الله تعالى .. ويكون هذا النصح بكل أسلوب نافع وقول لين فقد قال تعالى لنبيه موسى وأخيه هارون عليهم السلام ، وقد أرسلهما إلى فرعون : (فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)3 .  
 +
 
 +
ويكون النصح له بمواجهته بالتعريض وبالتصريح حسبما يقتضيه المقام وقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو يكون تقديم النصيحة له بالكتابة ، أو بإرسال رسول إليه ، أو بتكليف أحد المقربين له لإيصال النصيحة إليه أو بأي أسلوب آخر نافع وجائز شرعاً .  
  
 
'''254 ـ ثانياً : تبصير الأمة بواجبها :'''  
 
'''254 ـ ثانياً : تبصير الأمة بواجبها :'''  
سطر ١٬٦١٢: سطر ٢٬١٦٣:
 
'''257 ـ للمسلم شخصيته [[الإسلام]]ية :'''  
 
'''257 ـ للمسلم شخصيته [[الإسلام]]ية :'''  
  
ومن تبصير الجماعة المسلمة للأمة أن يقال لها : إن للمسلم شخصية واحدة هي الشخصية [[الإسلام]] ية المحكومة ب[[الإسلام]]  حكماً شاملاً لكل مقومات ومعاني الشخصية ، فلا يصدر من المسلم من قول أو فعل إلا وفق معاني [[الإسلام]]  وأحكامه ولغرض مرضاة الله وحده قال تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)2 . أي إن صلاتي وعبادتي وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح ، فكل ذلك لله رب العالمين وحده لا شريك له لا يشركه غيره فيها وبذلك من الإخلاص أمرت وأنا أول المسلمين ، لان إسلام كل نبي متقدم لإسلام أمته3 .
+
ومن تبصير الجماعة المسلمة للأمة أن يقال لها : إن للمسلم شخصية واحدة هي الشخصية [[الإسلام]] ية المحكومة ب[[الإسلام]]  حكماً شاملاً لكل مقومات ومعاني الشخصية ، فلا يصدر من المسلم من قول أو فعل إلا وفق معاني [[الإسلام]]  وأحكامه ولغرض مرضاة الله وحده قال تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)2 .  
وعلى هذا لا يجوز للمسلم أن تكون له شخصيتان : شخصية إسلامية وهو في المسجد . وشخصية المعين أو الخادم للحاكم الطاغية المنفذ لبغيه وظلمه وطغيانه ، وهذه شخصية مناقضة لمقتضيات الشخصية [[الإسلام]] ية . فعلى المسلم أن يحافظ على شخصيته [[الإسلام]]ية واضحة وأن تكون أعماله منسجمة مع هذه الشخصية .  
+
 
 +
أي إن صلاتي وعبادتي وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح ، فكل ذلك لله رب العالمين وحده لا شريك له لا يشركه غيره فيها وبذلك من الإخلاص أمرت وأنا أول المسلمين ، لان إسلام كل نبي متقدم لإسلام أمته3 .  
  
 +
وعلى هذا لا يجوز للمسلم أن تكون له شخصيتان : شخصية إسلامية وهو في المسجد . وشخصية المعين أو الخادم للحاكم الطاغية المنفذ لبغيه وظلمه وطغيانه ، وهذه شخصية مناقضة لمقتضيات الشخصية [[الإسلام]] ية .
  
 +
فعلى المسلم أن يحافظ على شخصيته [[الإسلام]]ية واضحة وأن تكون أعماله منسجمة مع هذه الشخصية .
  
 
== الفصل العاشر : سنّة الله في بطر النعمة وتغييرها [قانون النعم وتغيرها] ==
 
== الفصل العاشر : سنّة الله في بطر النعمة وتغييرها [قانون النعم وتغيرها] ==
 
   
 
   
 
 
'''258 ـ معنى النعمة :'''  
 
'''258 ـ معنى النعمة :'''  
  
سطر ١٬٦٣٤: سطر ٢٬١٨٧:
 
'''260 ـ بطر النعمة أو كفرانها :'''  
 
'''260 ـ بطر النعمة أو كفرانها :'''  
  
ويعني بطر النعمة الطغيان عند النعمة وعدم القيام بشكرها6 . ويطلق أيضاً على بطر النعمة : كفران النعمة ، فقد جاء في مفردات الراغب : وكفر النعمة أو كفرانها يعني سترها بترك أداء شكرها . والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالاً ، والكفر في الدين أكثر استعمالاً ، والكفور يستعمل فيهما جميعاً7 .   
+
ويعني بطر النعمة الطغيان عند النعمة وعدم القيام بشكرها6 . ويطلق أيضاً على بطر النعمة : كفران النعمة ، فقد جاء في مفردات الراغب : وكفر النعمة أو كفرانها يعني سترها بترك أداء شكرها .
 +
 
 +
والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالاً ، والكفر في الدين أكثر استعمالاً ، والكفور يستعمل فيهما جميعاً7 .   
  
 
'''261 ـ سنة الله في بطر النعمة :'''  
 
'''261 ـ سنة الله في بطر النعمة :'''  
سطر ١٬٦٤٦: سطر ٢٬٢٠١:
 
'''262 ـ ثانياً : إهلاك البطرين وتخريب ديارهم:'''
 
'''262 ـ ثانياً : إهلاك البطرين وتخريب ديارهم:'''
  
ومن سنته تعالى في البطرين تخريب ديارهم وإهلاكهم ، ومعنى ذلك أن بطر النعمة قد يستوجب مثل هذا الجزاء كما أنه قد يستوجب العقاب الجوع والخوف الذي ذكرته في الفقرة السابقة ، فهذا الجزاء أو ذاك يمكن أن يصيب البطرين أو يصيبهم كلاهما . قال تعالى في جزاء البطرين بالتخريب والتدمير : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ)3 ، أي وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها أي كانت حالهم كحال أهل مكة في الأمن وخفض العيش والدعة حتى بطروا واغتروا ولم يقوموا بحق النعمة ولم يشكروا الله عليها فدمرهم الله تعالى وخرّب ديارهم ، فليعتبر كل قوم أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك إذا فعلوا فعلهم في بطر النعمة4 .   
+
ومن سنته تعالى في البطرين تخريب ديارهم وإهلاكهم ، ومعنى ذلك أن بطر النعمة قد يستوجب مثل هذا الجزاء كما أنه قد يستوجب العقاب الجوع والخوف الذي ذكرته في الفقرة السابقة ، فهذا الجزاء أو ذاك يمكن أن يصيب البطرين أو يصيبهم كلاهما .  
 +
 
 +
قال تعالى في جزاء البطرين بالتخريب والتدمير : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ)3 ، أي وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها أي كانت حالهم كحال أهل مكة في الأمن وخفض العيش والدعة حتى بطروا واغتروا ولم يقوموا بحق النعمة ولم يشكروا الله عليها فدمرهم الله تعالى وخرّب ديارهم ، فليعتبر كل قوم أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك إذا فعلوا فعلهم في بطر النعمة4 .   
  
 
'''263 ـ ثالثاً : إهلاك زروع البطرين وثمارهم :'''
 
'''263 ـ ثالثاً : إهلاك زروع البطرين وثمارهم :'''
 
   
 
   
ومن سنة الله في البطرين إهلاك زروعهم وثمارهم ، فليس عقاب البطرين واحداً فقد يكون بالخوف والجوع كما ذكرنا ، وقد يكون بتخريب بيوتهم وإهلاكهم ، وكما ذكرنا أيضاً ، وقد يكون بإهلاك زروعهم وثمارهم ، وقد تجتمع هذه الجزاءات عليهم فيعاقبوا بالخوف والجوع ثم بإهلاك الزروع والثمار ثم بتخريب بيوتهم وتدميرهم . وقد يحل بهم جزاء واحد فيتوبوا ، ولله الحكمة البالغة يفعل ما يشاء . فمن اللجزاء بإهلاك زروع وثمار البطرين ما ذكره الله تعالى بأهل سبأ ، قال تعالى : (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) . 5
+
ومن سنة الله في البطرين إهلاك زروعهم وثمارهم ، فليس عقاب البطرين واحداً فقد يكون بالخوف والجوع كما ذكرنا ، وقد يكون بتخريب بيوتهم وإهلاكهم ، وكما ذكرنا أيضاً ، وقد يكون بإهلاك زروعهم وثمارهم ، وقد تجتمع هذه الجزاءات عليهم فيعاقبوا بالخوف والجوع ثم بإهلاك الزروع والثمار ثم بتخريب بيوتهم وتدميرهم .  
 +
 
 +
وقد يحل بهم جزاء واحد فيتوبوا ، ولله الحكمة البالغة يفعل ما يشاء . فمن اللجزاء بإهلاك زروع وثمار البطرين ما ذكره الله تعالى بأهل سبأ ، قال تعالى : (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) . 5
 +
 
 +
وهذه الآيات الكريمة نزلت في أهل سبأ وقد كان من أخبارهم التي تشير إليها هذه الآيات أنهم كانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وفي عيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم وقد بعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه تعالى ويشكروه على نعمه بتوحيده وعبادته ، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى ، ثم أعرضوا عما أُمروا به أي أعرضوا عن توحيد الله وعبادته وحده وشكره على ما أنعم به عليهم وعدلوا إلى عبادة غير الله تعالى فأرسل عليهم السيل العرم وهو المطر الشديد وعن ابن عباس وغيره هو اسم الوادي الذي كان يأتي السيل فيه ، وبني السدّ فيه فأغرق أرضهم وزروعهم زبساتينهم المثمرة وعوضهم الله عنها ببساتين ثمرها مرٌّ وبأثل وهو شجر يشبه الطرفاء وشيء من سدر قليل .
  
وهذه الآيات الكريمة نزلت في أهل سبأ وقد كان من أخبارهم التي تشير إليها هذه الآيات أنهم كانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وفي عيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم وقد بعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه تعالى ويشكروه على نعمه بتوحيده وعبادته ، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى ، ثم أعرضوا عما أُمروا به أي أعرضوا عن توحيد الله وعبادته وحده وشكره على ما أنعم به عليهم وعدلوا إلى عبادة غير الله تعالى فأرسل عليهم السيل العرم وهو المطر الشديد وعن ابن عباس وغيره هو اسم الوادي الذي كان يأتي السيل فيه ، وبني السدّ فيه فأغرق أرضهم وزروعهم زبساتينهم المثمرة وعوضهم الله عنها ببساتين ثمرها مرٌّ وبأثل وهو شجر يشبه الطرفاء وشيء من سدر قليل . ثم بيّن تعالى أن ما حلّ بهم من العقاب إنما هو جزاء كفرانهم النعمة التي أنعم الله بها عليهم ، وهل يعاقب إلا الكفور بنعم الله تعالى6 . فمن سنة الله تعالى في البطرين الذين لا يؤدون شكر الله على نعمه إنزال العقاب الذي يستحقونه ومنه العقاب المذكور في هذه الآيات التي عاقب بها أهل سبأ .  
+
ثم بيّن تعالى أن ما حلّ بهم من العقاب إنما هو جزاء كفرانهم النعمة التي أنعم الله بها عليهم ، وهل يعاقب إلا الكفور بنعم الله تعالى6 . فمن سنة الله تعالى في البطرين الذين لا يؤدون شكر الله على نعمه إنزال العقاب الذي يستحقونه ومنه العقاب المذكور في هذه الآيات التي عاقب بها أهل سبأ .  
  
 
'''264 ـ سنة الله في تغيير النعم :'''  
 
'''264 ـ سنة الله في تغيير النعم :'''  
سطر ١٬٦٥٨: سطر ٢٬٢١٩:
 
أ ـ آية من القرآن في هذه السنة :  
 
أ ـ آية من القرآن في هذه السنة :  
  
قال تعالى : (.. إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)7 ، أي إن الله تعالى لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية بأن يسلبها منهم حتى يغيروا ما بأنفسهم أي ما اتصفت به أنفسهم من الأحوال الحميدة ، فإذا حصل هذا التغيير منهم فقدوا ما عندهم من نعمة8 .  
+
قال تعالى : (.. إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)7 ، أي إن الله تعالى لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية بأن يسلبها منهم حتى يغيروا ما بأنفسهم أي ما اتصفت به أنفسهم من الأحوال الحميدة ، فإذا حصل هذا التغيير منهم فقدوا ما عندهم من نعمة8 .
 +
 
وقال الإمام الرازي في هذه الآية : إن كلام جمع المفسرين يدل على أن المراد : أن الله تعالى لا يغير ما هم فيه من  
 
وقال الإمام الرازي في هذه الآية : إن كلام جمع المفسرين يدل على أن المراد : أن الله تعالى لا يغير ما هم فيه من  
  
سطر ١٬٦٦٥: سطر ٢٬٢٢٧:
 
'''265 ـ آية أخرى من القرآن في هذه السنة :'''  
 
'''265 ـ آية أخرى من القرآن في هذه السنة :'''  
  
وقال تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)2 أي لم يكن شأنه تعالى ولا مقتضى سننه العامة في خلقه أن يغير نعمة ما أنعمها على قوم حتى يغيروا هم ما بأنفسهم من الاحوال التي استحقوا بها تلك النعمة3 . فنعم الله تعالى على الأقوام والامم منوطة ابتداء ودواماً باخلاق وصفات وعقائد وعوائد واعمال تقتضيها ، فما دامت هذه الأشياء لاصقة بأنفسهم متمكنة فيها كانت تلك النعم ثابتة بثباتها حسب سنة الله تعالى العامة في خلقه ، فإذا هم غيروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق وما يترتب عليها من محاسن الأعمال غيّر الله عندئذٍ ما بأنفسهم وسلب نعمته منهم فصار الغني فقيراً والعزيز ذليلاً والقوي ضعيفاً . هذا هو الأصل المطرد في الأقوام والأمم وهو كذلك في الأفراد4 .   
+
وقال تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)2 أي لم يكن شأنه تعالى ولا مقتضى سننه العامة في خلقه أن يغير نعمة ما أنعمها على قوم حتى يغيروا هم ما بأنفسهم من الاحوال التي استحقوا بها تلك النعمة3 .  
 +
 
 +
فنعم الله تعالى على الأقوام والامم منوطة ابتداء ودواماً باخلاق وصفات وعقائد وعوائد واعمال تقتضيها ، فما دامت هذه الأشياء لاصقة بأنفسهم متمكنة فيها كانت تلك النعم ثابتة بثباتها حسب سنة الله تعالى العامة في خلقه ، فإذا هم غيروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق وما يترتب عليها من محاسن الأعمال غيّر الله عندئذٍ ما بأنفسهم وسلب نعمته منهم فصار الغني فقيراً والعزيز ذليلاً والقوي ضعيفاً .  
 +
 
 +
هذا هو الأصل المطرد في الأقوام والأمم وهو كذلك في الأفراد4 .   
  
 
'''266 ـ الجماعة المسلمة وسنة الله في تغييرالنعم :'''  
 
'''266 ـ الجماعة المسلمة وسنة الله في تغييرالنعم :'''  
  
 
وسنة الله في تغيير النعم تجري على الجماعة المسلمة ، فما دامت مستمسكة بشرع الله في عملها وبالاعتصام بحبل الله في وحدتها فإن نعم الله عليها بالتأييد والنصر ودفع الأذى عنها باقية فإذا غيرت ذلك فلم تتقيد بشرع الله في عملها وفرطت في وحدتها فإنها تسلب من نعم الله بالتأييد لها بقدر ما ضيعته من موجبات هذه النعم .  
 
وسنة الله في تغيير النعم تجري على الجماعة المسلمة ، فما دامت مستمسكة بشرع الله في عملها وبالاعتصام بحبل الله في وحدتها فإن نعم الله عليها بالتأييد والنصر ودفع الأذى عنها باقية فإذا غيرت ذلك فلم تتقيد بشرع الله في عملها وفرطت في وحدتها فإنها تسلب من نعم الله بالتأييد لها بقدر ما ضيعته من موجبات هذه النعم .  
 
 
  
 
== الفصل الحادي عشر سنّة الله في الذنوب والسيئات [قانون الذنوب والسيئات] ==
 
== الفصل الحادي عشر سنّة الله في الذنوب والسيئات [قانون الذنوب والسيئات] ==
سطر ١٬٦٧٧: سطر ٢٬٢٤١:
 
'''267 ـ تعريف الذنب والسيئة :'''  
 
'''267 ـ تعريف الذنب والسيئة :'''  
  
الذنب يستعمل في كل فعل يستوخم عقباه ، اعتباراً بذنب الشيء . وجمع الذنب ذنوب ، قال تعالى : (فأخذهم الله بذنوبهم)5 ، والسيئة : الفعلة القبيحة ، وهي ضد الحسنة ، قال تعالى : (بلى من كسب سيئة) . والسوء كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن الأحوال النفسية والبدنية . والسوء الفعل القبيح قال تعالى :  (من يعمل سوءاً يجز به) . والحسنة والسيئة ضربان (أحدهما) بحسب اعتبار العقل والشرع من نحو المذكور في قوله تعالى : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) . (والثاني) حسنة وسيئة بحسب اعتبار الطبع وذلك ما يستخفه الطبع وما يستثقله ، ومنه قوله تعالى : ((ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة)6 .  
+
الذنب يستعمل في كل فعل يستوخم عقباه ، اعتباراً بذنب الشيء .  
 +
 
 +
وجمع الذنب ذنوب ، قال تعالى : (فأخذهم الله بذنوبهم)5 ، والسيئة : الفعلة القبيحة ، وهي ضد الحسنة ، قال تعالى : (بلى من كسب سيئة) .  
 +
 
 +
والسوء كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن الأحوال النفسية والبدنية .  
 +
 
 +
والسوء الفعل القبيح قال تعالى :  (من يعمل سوءاً يجز به) . والحسنة والسيئة ضربان (أحدهما) بحسب اعتبار العقل والشرع من نحو المذكور في قوله تعالى : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) .  
 +
 
 +
(والثاني) حسنة وسيئة بحسب اعتبار الطبع وذلك ما يستخفه الطبع وما يستثقله ، ومنه قوله تعالى : ((ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة)6 .  
  
 
'''268 ـ المعصية وعلاقتها بالذنب والسيئة :'''  
 
'''268 ـ المعصية وعلاقتها بالذنب والسيئة :'''  
سطر ١٬٦٨٧: سطر ٢٬٢٥٩:
 
'''269 ـ من يعمل سوءأً يُجزَ به :'''  
 
'''269 ـ من يعمل سوءأً يُجزَ به :'''  
  
عمل السيئات يستوجب ترتب الجزاء عليها بغض النظر عن فاعلها ، فسنة الله تعالى في عمل السيئات وما يترتب عليها سنّة عامة قاطعة تسري على جميع الخلق ولا تتخلف عن فرد أو أمة أو جماعة فلا محاباة لأحد من الخلق في جريان هذه السنة العامة ، فالله تعالى هو رب العالمين ، والكل أمام هذه السنة العامة سواء ، فكل من يعمل سوءاً يلق جزاءه بحسب سنة الله تعالى ، فلا تتوقف هذه السنة الربانية عن بعض وتسري على البعض الآخر ، ومن يعتقد ذلك فهو واهم ومخطىء ، قال تعالى في بيان هذه السنة العامة : (من يعمل سوءاً يُجزَ به)1 . قال الإمام القرطبي في تفسيرها : (وقال الجمهور لفظ الآية عام ، والكافر والمؤمن مجزي بعمله السوء .. ) 2  .  
+
عمل السيئات يستوجب ترتب الجزاء عليها بغض النظر عن فاعلها ، فسنة الله تعالى في عمل السيئات وما يترتب عليها سنّة عامة قاطعة تسري على جميع الخلق ولا تتخلف عن فرد أو أمة أو جماعة فلا محاباة لأحد من الخلق في جريان هذه السنة العامة ، فالله تعالى هو رب العالمين ، والكل أمام هذه السنة العامة سواء ، فكل من يعمل سوءاً يلق جزاءه بحسب سنة الله تعالى ، فلا تتوقف هذه السنة الربانية عن بعض وتسري على البعض الآخر ، ومن يعتقد ذلك فهو واهم ومخطىء ، قال تعالى في بيان هذه السنة العامة : (من يعمل سوءاً يُجزَ به)1 .  
 +
 
 +
قال الإمام القرطبي في تفسيرها : (وقال الجمهور لفظ الآية عام ، والكافر والمؤمن مجزي بعمله السوء .. ) 2  .  
  
 
'''270 ـ وجزاء سيئة سيئة مثلها :'''  
 
'''270 ـ وجزاء سيئة سيئة مثلها :'''  
  
إن الجزاء بقدر السيئة قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)3 لأن الزيادة على مقدار السيئة أي على مقدار ما تستحقه من الجزاء ، هذه الزيادة قبيحة لأنها ظلم والظلم لا يجوز حتى مع الظالمين . وأما الزيادة على ما تستحقه الحسنة فهذه الزيادة محمودة لأنها فضل4 .  
+
إن الجزاء بقدر السيئة قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)3 لأن الزيادة على مقدار السيئة أي على مقدار ما تستحقه من الجزاء ، هذه الزيادة قبيحة لأنها ظلم والظلم لا يجوز حتى مع الظالمين .  
 +
 
 +
وأما الزيادة على ما تستحقه الحسنة فهذه الزيادة محمودة لأنها فضل4 .  
  
 
'''271 ـ إقرار المنكر ذنب يستوجب عقاباً عاماً :'''  
 
'''271 ـ إقرار المنكر ذنب يستوجب عقاباً عاماً :'''  
  
قال تعالى : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)5 . وقوله تعالى : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً) أي ذنباً . وفسّر هذا الذنب بإقرار المنكر في المجتمع ، والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظهور البدع والتكاسل في [[الجهاد]] 6 . والراجح في المقصود ب(الفتنة) في هذه الآية إقرار المنكر في المجتمع وعدم إنكاره ، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية : أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب7 .  
+
قال تعالى : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)5 . وقوله تعالى : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً) أي ذنباً .  
 +
 
 +
وفسّر هذا الذنب بإقرار المنكر في المجتمع ، والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظهور البدع والتكاسل في [[الجهاد]] 6 .  
 +
 
 +
والراجح في المقصود ب(الفتنة) في هذه الآية إقرار المنكر في المجتمع وعدم إنكاره ، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية : أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب7 .  
  
 
'''272 ـ تعليل هذا العقاب العام :'''  
 
'''272 ـ تعليل هذا العقاب العام :'''  
سطر ١٬٧٠٦: سطر ٢٬٢٨٦:
  
 
ولكن قد يقال إن الباقين قد ينكرون المنكر بألسنتهم ويبقى المنكر ولا يستطيعون تغييره بأيديهم ، وقد لا يستطيعون إنكاره حتى بألسنتهم فينكرونه بقلوبهم لأن هذا ما يقدرون عليه ، وفي الحديث النبوي الشريف : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ، فما وجه شمول الجميع بالعقاب في هذه الحالة؟ والجواب أن على العاجزين عن تغيير المنكر الخروج من هذا البلد الذي تعمل فيه المنكرات ولا يستطاع تغييرها ، جاء في تفسير القرطبي : (وإذا لم تغير ـ اي المنكراتـ وجب على المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها ، وبهذا قال السلف رضي الله عنهم . وروى ابن وهب عن مالك أنه قال : تُهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً ولا يستقر فيها) 9  .  
 
ولكن قد يقال إن الباقين قد ينكرون المنكر بألسنتهم ويبقى المنكر ولا يستطيعون تغييره بأيديهم ، وقد لا يستطيعون إنكاره حتى بألسنتهم فينكرونه بقلوبهم لأن هذا ما يقدرون عليه ، وفي الحديث النبوي الشريف : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ، فما وجه شمول الجميع بالعقاب في هذه الحالة؟ والجواب أن على العاجزين عن تغيير المنكر الخروج من هذا البلد الذي تعمل فيه المنكرات ولا يستطاع تغييرها ، جاء في تفسير القرطبي : (وإذا لم تغير ـ اي المنكراتـ وجب على المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها ، وبهذا قال السلف رضي الله عنهم . وروى ابن وهب عن مالك أنه قال : تُهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً ولا يستقر فيها) 9  .  
 
  
 
'''274 ـ سؤال وجوابه :'''  
 
'''274 ـ سؤال وجوابه :'''  
سطر ١٬٧١٣: سطر ٢٬٢٩٢:
  
  
والجواب : نعم يشمله العقاب العام ويكون طهرة له ثم يحشر على نيته ، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن زينب بنت جحش قالت : قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : (نعم . إذا كثر الخبث) . قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : الخبث ، فسرّه الجمهور بالفسوق والفجور . وقيل المراد الزنا خاصة . والظاهر أنه المعاصي مطلقاً ، ومعنى الحديث : إن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام ، وإن كان هناك صالحون1 .  
+
والجواب : نعم يشمله العقاب العام ويكون طهرة له ثم يحشر على نيته ، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن زينب بنت جحش قالت : قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : (نعم . إذا كثر الخبث) .  
 +
 
 +
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : الخبث ، فسرّه الجمهور بالفسوق والفجور . وقيل المراد الزنا خاصة .  
 +
 
 +
والظاهر أنه المعاصي مطلقاً ، ومعنى الحديث : إن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام ، وإن كان هناك صالحون1 .  
 +
 
 
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم) ، قال ابن حجر العسقلاني في شرحه لهذا الحديث : إذا أنزل الله بقوم عذاباً أي عقوبة لهم على سيء أعمالهم (أصاب العذاب من كان فيهم) والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم (ثم بعثوا على أعمالهم) أي بعث كل واحد منهم على حسب عمله إن كان صالحاً فعقباه صالحة وإلا فسيئة فيكون ذلك طهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين2 .  
 
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم) ، قال ابن حجر العسقلاني في شرحه لهذا الحديث : إذا أنزل الله بقوم عذاباً أي عقوبة لهم على سيء أعمالهم (أصاب العذاب من كان فيهم) والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم (ثم بعثوا على أعمالهم) أي بعث كل واحد منهم على حسب عمله إن كان صالحاً فعقباه صالحة وإلا فسيئة فيكون ذلك طهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين2 .  
  
سطر ١٬٧٢١: سطر ٢٬٣٠٥:
  
 
اختلف المفسرون في هذا الوعد هل هو مختص بمعركة أحد أو هو عام في جميع الأوقات؟ قال كثير من المفسرين : إنه مختص بمعركة أحد وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة . (والقول الثاني) أن هذا الوعد غير مختص بمعركة أحد ، بل هو عام فإن وعد الله هذا يتحقق كلما لقي المؤمنين الكفار فسيلقي الله الرعب في قلوبهم حتى يغلبهم المؤمنين ويظهر [[الإسلام]]  على سائر الأديان4 .  
 
اختلف المفسرون في هذا الوعد هل هو مختص بمعركة أحد أو هو عام في جميع الأوقات؟ قال كثير من المفسرين : إنه مختص بمعركة أحد وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة . (والقول الثاني) أن هذا الوعد غير مختص بمعركة أحد ، بل هو عام فإن وعد الله هذا يتحقق كلما لقي المؤمنين الكفار فسيلقي الله الرعب في قلوبهم حتى يغلبهم المؤمنين ويظهر [[الإسلام]]  على سائر الأديان4 .  
والقول الثاني يبين سنة عامة لله تعالى ، فوعده تعالى قائم بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة كلما التقوا مع أهل الإيمان . ولكن يجب أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين حتى يتحقق لهم هذا الوعد من الله تعالى بإلقاء الرعب في قلوب الكفار عند اللقاء بهم5 . فالذين خوطبوا بهذه الآية ووعدهم الله بهذا الوعد هم المؤمنون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ذكر الله لنا أوصافهم في القرآن الكريم من صدق الإيمان ومحبة الله ورسوله وإيثار هذه المحبة على ما سواه ، وبذلهم المال والنفس في سبيل الله وهجر الوطن والأهل والمال نصرة لدين الله وانقيادهم الكامل الشامل لشرع الله إلى غير ذلك من الصفات6 ، فسنة الله في إلقاء الرعب في قلوب الكفار من المؤمنين في القتال وفي كل لقاء إنما هو للمؤمنين حقيقة الذين قامت فيهم معاني الإيمان وأوصافه وظهرت آثاره في أقوالهم وأعمالهم .  
+
والقول الثاني يبين سنة عامة لله تعالى ، فوعده تعالى قائم بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة كلما التقوا مع أهل الإيمان .  
 +
 
 +
ولكن يجب أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين حتى يتحقق لهم هذا الوعد من الله تعالى بإلقاء الرعب في قلوب الكفار عند اللقاء بهم5 .  
 +
 
 +
فالذين خوطبوا بهذه الآية ووعدهم الله بهذا الوعد هم المؤمنون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ذكر الله لنا أوصافهم في القرآن الكريم من صدق الإيمان ومحبة الله ورسوله وإيثار هذه المحبة على ما سواه ، وبذلهم المال والنفس في سبيل الله وهجر الوطن والأهل والمال نصرة لدين الله وانقيادهم الكامل الشامل لشرع الله إلى غير ذلك من الصفات6 ، فسنة الله في إلقاء الرعب في قلوب الكفار من المؤمنين في القتال وفي كل لقاء إنما هو للمؤمنين حقيقة الذين قامت فيهم معاني الإيمان وأوصافه وظهرت آثاره في أقوالهم وأعمالهم .  
  
 
'''276 ـ الذنوب تهلك أصحابها :'''  
 
'''276 ـ الذنوب تهلك أصحابها :'''  
سطر ١٬٧٢٧: سطر ٢٬٣١٥:
 
قال تعالى : (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)7 .
 
قال تعالى : (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)7 .
 
   
 
   
وواضح من هذه الآيات أن الهالكين إنما أهلكهم الله بذنوبهم التي اقترفوها . وفي هذا الإخبار تقرير حقيقة ثابتة وسنة مطردة : أن الذنوب تهلك أصحابها وأن الله تعالى هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم ، وأن هذه سنة ماضية ولو لم يرها أحد في عمره القصير ، ولكنها سنة ثابتة تخضع لها الأمم حين تفشو فيها الذنوب ، فإنها تهلك إما بقارعة من الله تعالى كما كان يحدث في هلاك الأمم السابقة ، وإما بالانحلال البطيء الطبيعي الذي يسري في كيان الأمة وهي توغل في متاهات الذنوب وتحسب أنها في أمان من الهلاك8 .
+
وواضح من هذه الآيات أن الهالكين إنما أهلكهم الله بذنوبهم التي اقترفوها .  
 
 
 
 
  
 +
وفي هذا الإخبار تقرير حقيقة ثابتة وسنة مطردة : أن الذنوب تهلك أصحابها وأن الله تعالى هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم ، وأن هذه سنة ماضية ولو لم يرها أحد في عمره القصير ، ولكنها سنة ثابتة تخضع لها الأمم حين تفشو فيها الذنوب ، فإنها تهلك إما بقارعة من الله تعالى كما كان يحدث في هلاك الأمم السابقة ، وإما بالانحلال البطيء الطبيعي الذي يسري في كيان الأمة وهي توغل في متاهات الذنوب وتحسب أنها في أمان من الهلاك8 .
  
 
'''277 ـ الأمة تهلك بذنوبها وإن كانت قوية :'''  
 
'''277 ـ الأمة تهلك بذنوبها وإن كانت قوية :'''  
سطر ١٬٧٤٣: سطر ٢٬٣٣٠:
  
 
قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)5 ، أي وما أصابكم أيها الناس أي مصيبة من مصائب الدنيا كالمرض وسائر النكبات والأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام والقحط والغرق وأشباهها (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) أي بسبب معاصيكم التي اكتسبتموها (وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) أي ويعفو عن كثير من الذنوب فلا يعاقبكم عليها عاجلاً ، قيل وآجلاً 6.  
 
قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)5 ، أي وما أصابكم أيها الناس أي مصيبة من مصائب الدنيا كالمرض وسائر النكبات والأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام والقحط والغرق وأشباهها (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) أي بسبب معاصيكم التي اكتسبتموها (وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) أي ويعفو عن كثير من الذنوب فلا يعاقبكم عليها عاجلاً ، قيل وآجلاً 6.  
 +
 
وقال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية : ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به في كتابه أن المعاصي سبب المصائب ، قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) وقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ) وقال تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ)7 .  
 
وقال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية : ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به في كتابه أن المعاصي سبب المصائب ، قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) وقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ) وقال تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ)7 .  
  
 
'''280 ـ مصائب لا يكون سببها المعاصي :'''  
 
'''280 ـ مصائب لا يكون سببها المعاصي :'''  
  
والمصائب التي تصيب الإنسان وإن كان الغالب فيها أنها نتيجة المعاصي والذنوب وهذه هي سببها ، إلا أن هناك من تصيبهم المصائب دون معصية منهم ، قال الزمخشري (فأما من لا جرم له كالأنبياء والأطفال والمجانين فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره فللعوض الموفي والمصلحة) 8 .   
+
والمصائب التي تصيب الإنسان وإن كان الغالب فيها أنها نتيجة المعاصي والذنوب وهذه هي سببها ، إلا أن هناك من تصيبهم المصائب دون معصية منهم ، قال الزمخشري (فأما من لا جرم له كالأنبياء والأطفال والمجانين فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره فللعوض الموفي والمصلحة) 8 .  
 +
   
 
وفي تفسير القرطبي : (وقال عكرمة : ما من نكبة أصابت عبداً فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجة لم يكن يوصله إلا بها) 9 . ومن هذا النوع من المصائب أي التي يراد منها رفع درجته لا عقوبته ، ما يصاب به الأنبياء10 .  
 
وفي تفسير القرطبي : (وقال عكرمة : ما من نكبة أصابت عبداً فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجة لم يكن يوصله إلا بها) 9 . ومن هذا النوع من المصائب أي التي يراد منها رفع درجته لا عقوبته ، ما يصاب به الأنبياء10 .  
  
 +
'''281 ـ الموقف الصحيح من المصائب في حق الفرد والجماعة :'''
 +
 +
الموقف الصحيح من المصائب في حق الفرد والجماعة المسلمة يقوم على أربعة أو يستلزمها وهي : (أولاً) العلم بأسبابها .
 +
 +
(ثانياً) لوم النفس لا الغير . (ثالثاً) تحصين النفس ضد المصائب (رابعاً) الصبر مع مدافعة المصائب .
  
 +
ونتكلم فيما يلي بإيجاز عن هذه العناصر .
  
 +
'''282 ـ أولاً : العلم بأسباب المصائب :'''
  
'''281 ـ الموقف الصحيح من المصائب في حق الفرد والجماعة :'''
+
على الفرد المسلم والجماعة المسلمة العلم على وجه اليقين بمضمون الآية الكريمة : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ . .) .
  
الموقف الصحيح من المصائب في حق الفرد والجماعة المسلمة يقوم على أربعة أو يستلزمها وهي : (أولاً) العلم بأسبابها . (ثانياً) لوم النفس لا الغير . (ثالثاً) تحصين النفس ضد المصائب (رابعاً) الصبر مع مدافعة المصائب . ونتكلم فيما يلي بإيجاز عن هذه العناصر .  
+
ويجب عليهما استحضار هذا العلم وهذه الآية الكريمة ، بل والنطق بها من قبل الفرد والجماعة لئلا يقع في نفوسهم شيء من الاعتراض الخفي على ما وقع عليهم من مصيبة بحجة عدم صدور شيء منهم يستوجب هذه المصيبة .  
  
'''282 ـ أولاً : العلم بأسباب المصائب :'''
+
لأن هذا الاعتراض الخفي بلسان المقال أو بلسان الحال ، مع ما فيه من تزكية النفس ، فيه ما فيه من معاني الكفر والردة لتضمنه اتهام الله تعالى بالظلم لإصابتهم ـ بزعمهم ـ بالمصيبة بلا صدور شيء منهم يستوجبها .
  
على الفرد المسلم والجماعة المسلمة العلم على وجه اليقين بمضمون الآية الكريمة : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ . .) . ويجب عليهما استحضار هذا العلم وهذه الآية الكريمة ، بل والنطق بها من قبل الفرد والجماعة لئلا يقع في نفوسهم شيء من الاعتراض الخفي على ما وقع عليهم من مصيبة بحجة عدم صدور شيء منهم يستوجب هذه المصيبة . لأن هذا الاعتراض الخفي بلسان المقال أو بلسان الحال ، مع ما فيه من تزكية النفس ، فيه ما فيه من معاني الكفر والردة لتضمنه اتهام الله تعالى بالظلم لإصابتهم ـ بزعمهم ـ بالمصيبة بلا صدور شيء منهم يستوجبها . إن الفرد المسلم والجماعة المسلمة بحاجة شديدة ومستمرة للثبات على معاني الإيمان وعدم الوقوع فيما يخالفها من معاني الكفر والردة ، وإلا فقدوا تأييد الله واستحقوا عقابه .  
+
إن الفرد المسلم والجماعة المسلمة بحاجة شديدة ومستمرة للثبات على معاني الإيمان وعدم الوقوع فيما يخالفها من معاني الكفر والردة ، وإلا فقدوا تأييد الله واستحقوا عقابه .  
  
 
'''283 ـ ثانياً : لوم النفس لا الغير :'''  
 
'''283 ـ ثانياً : لوم النفس لا الغير :'''  
  
إن مما ابتُلي به المسلمون أفراداً وجماعات  أنهم يلومون غيرهم لا أنفسهم إذا وقعت عليهم نكبة أو مصيبة ، فتراهم يفتشون على من يحملونه مسؤولية ما وقع عليهم من نكبات ومصائب وينسون أنفسهم ، فلا يحملونها شيئاً من مسؤولية ما وقع . فإذا فقدوا بلداً من بلادهم كفلسطين مثلاً قالوا : المستعمر هو المسؤول ، وراحوا يلومونه ويشتمونه ويحققون في أنفسهم ما جاء في المثل العربي القديم : أوسعتهم شتماً وراحوا بالإبل ... وإذا تسلط عليهم حكام طغاة ظلمة قالوا هذا من تدبير الكفار فهم الذين جاؤوا بهم إلى الحكم والسلطة .. وإذا وقع نزاع بين فئتين أو جماعتين أو بلدين مسلمين قالوا : هذا من فعل اليهود وعملائهم .. وهكذا فقد تأصلت هذه العادة عند المسلمين : وهي لوم الغير لا النفس عند وقوع النكبات والمصائب . وهذا موقف مرفوض عقلاً وشرعاً .  
+
إن مما ابتُلي به المسلمون أفراداً وجماعات  أنهم يلومون غيرهم لا أنفسهم إذا وقعت عليهم نكبة أو مصيبة ، فتراهم يفتشون على من يحملونه مسؤولية ما وقع عليهم من نكبات ومصائب وينسون أنفسهم ، فلا يحملونها شيئاً من مسؤولية ما وقع .  
 +
 
 +
فإذا فقدوا بلداً من بلادهم كفلسطين مثلاً قالوا : المستعمر هو المسؤول ، وراحوا يلومونه ويشتمونه ويحققون في أنفسهم ما جاء في المثل العربي القديم : أوسعتهم شتماً وراحوا بالإبل ... وإذا تسلط عليهم حكام طغاة ظلمة قالوا هذا من تدبير الكفار فهم الذين جاؤوا بهم إلى الحكم والسلطة .. وإذا وقع نزاع بين فئتين أو جماعتين أو بلدين مسلمين قالوا : هذا من فعل اليهود وعملائهم .. وهكذا فقد تأصلت هذه العادة عند المسلمين : وهي لوم الغير لا النفس عند وقوع النكبات والمصائب .  
 +
 
 +
وهذا موقف مرفوض عقلاً وشرعاً .  
  
 
أما عقلاً فلأن من يلقون عليهم اللوم من المستعمرين والكفار واليهود ، يعرف المسلمون عداوتهم لهم ، والعدو لا يريد خيراً بعدوه ، وهل في قولهم (هذا من فعل المستعمر) شيء جديد أو اكتشاف جديد؟ إن عمل الشيطان وأعوانه ينصب على الإخلال والإفساد وإيذاء المؤمنين ولهذا كان شيطاناً وكانوا له أعواناً فما وجه لومهم؟  
 
أما عقلاً فلأن من يلقون عليهم اللوم من المستعمرين والكفار واليهود ، يعرف المسلمون عداوتهم لهم ، والعدو لا يريد خيراً بعدوه ، وهل في قولهم (هذا من فعل المستعمر) شيء جديد أو اكتشاف جديد؟ إن عمل الشيطان وأعوانه ينصب على الإخلال والإفساد وإيذاء المؤمنين ولهذا كان شيطاناً وكانوا له أعواناً فما وجه لومهم؟  
  
إن المستعمر ما كان يستطيع أن يصل إلى بغيته لولا غفلة المسلمين وإيجادهم الثغرات التي تسلل منها المستعمر وفعل فيهم ما فعل . وإن طغيان الحكام الذين جاء بهم الاستعمار ـ حسب زعمهم ـ ما كان ليحصل لولا عون الناس لهم وركونهم إلى ظلمهم ، فلماذا يلومون الاستعمار الذي جاء بهم ـ كما يقولون ـ ولا يلومون أنفسهم في خدمتهم وإعانتهم وتمكينهم بذلك على البقاء والطغيان؟
+
إن المستعمر ما كان يستطيع أن يصل إلى بغيته لولا غفلة المسلمين وإيجادهم الثغرات التي تسلل منها المستعمر وفعل فيهم ما فعل .  
 +
 
 +
وإن طغيان الحكام الذين جاء بهم الاستعمار ـ حسب زعمهم ـ ما كان ليحصل لولا عون الناس لهم وركونهم إلى ظلمهم ، فلماذا يلومون الاستعمار الذي جاء بهم ـ كما يقولون ـ ولا يلومون أنفسهم في خدمتهم وإعانتهم وتمكينهم بذلك على البقاء والطغيان؟
 
   
 
   
وأما أن موقفهم هذا ـ وهو لوم الغير لا أنفسهم ـ مرفوض شرعاً ، فلأن الله تعالى بيّن لنا بأن ما أصابنا كان بسبب منا قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ، وهذا يقتضي أن نلوم أنفسنا لا غيرنا ، فنحن إذن الملومون . وأيضاً فقد بيّن الله تعالى الجهة التي تلام عند وقوع النكبة أو المصيبة فقال تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) فالله تعالى حدّد الجهة التي تلام عند حلول النكبة أو المصيبة وهي أنفسنا فلا يجوز شرعاً أن نبرىء أنفسنا مما يقع علينا من النكبات والمصائب ونلقي اللوم والمسؤولية على الغير .  
+
وأما أن موقفهم هذا ـ وهو لوم الغير لا أنفسهم ـ مرفوض شرعاً ، فلأن الله تعالى بيّن لنا بأن ما أصابنا كان بسبب منا قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ، وهذا يقتضي أن نلوم أنفسنا لا غيرنا ، فنحن إذن الملومون .  
 +
 
 +
وأيضاً فقد بيّن الله تعالى الجهة التي تلام عند وقوع النكبة أو المصيبة فقال تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) فالله تعالى حدّد الجهة التي تلام عند حلول النكبة أو المصيبة وهي أنفسنا فلا يجوز شرعاً أن نبرىء أنفسنا مما يقع علينا من النكبات والمصائب ونلقي اللوم والمسؤولية على الغير .  
  
 
'''284 ـ فائدة لوم النفس لا الغير :'''  
 
'''284 ـ فائدة لوم النفس لا الغير :'''  
  
ولوم النفس لا الغير عن حلول المصيبة يفيد جداً لأنه يحفز المصاب على السعي الجاد لإزالة ما قام في النفس أو ما صدر عنها من أسباب أدت إلى وقوع هذه النكبات والمصائب ، وإعداد ما يلزم لرفعها ولمنع وقوعها في المستقبل . وهذا شيء مهم جداً وهو ما يخشاه الأعداء لأنهم لا يخشون شتم المسلمين لهم أو صراخهم بأن ما حلّ فيهم هو من تدبير وفعل المستعمرين ، إنما الذي يخشاه المستعمرون الكفرة أعداء الدين أن يفقه المسلمون السبب الحقيقي لما حلّ بهم ، وهو أنفسهم وتقصيرهم فيحملهم هذا الفقه على معالجة السبب الحقيقي معالجة حقيقية حاسمة ترد الكافر المستعمر كيده إلى نحره وتسترجع منه جميع الحقوق التي سلبها من المسلمين سواء كان المسلوب أرضاً أو بلداً أو مالاً أو ثروة أو سيارة أو حكماً .
+
ولوم النفس لا الغير عن حلول المصيبة يفيد جداً لأنه يحفز المصاب على السعي الجاد لإزالة ما قام في النفس أو ما صدر عنها من أسباب أدت إلى وقوع هذه النكبات والمصائب ، وإعداد ما يلزم لرفعها ولمنع وقوعها في المستقبل .  
 +
 
 +
وهذا شيء مهم جداً وهو ما يخشاه الأعداء لأنهم لا يخشون شتم المسلمين لهم أو صراخهم بأن ما حلّ فيهم هو من تدبير وفعل المستعمرين ، إنما الذي يخشاه المستعمرون الكفرة أعداء الدين أن يفقه المسلمون السبب الحقيقي لما حلّ بهم ، وهو أنفسهم وتقصيرهم فيحملهم هذا الفقه على معالجة السبب الحقيقي معالجة حقيقية حاسمة ترد الكافر المستعمر كيده إلى نحره وتسترجع منه جميع الحقوق التي سلبها من المسلمين سواء كان المسلوب أرضاً أو بلداً أو مالاً أو ثروة أو سيارة أو حكماً .
 
   
 
   
 
هذا هو المنهج السليم لرفع ما حلّ بالمسلمين من نكبات بسبب منهم ، وهو ما يخيف الكفرة المستعمرين .. وعلى الجماعة المسلمة أن تفقه الناس بما ذكرناه ، وأن تعمل هي نفسها به ، فإذا رأت فشلاً في عملها أو وقوفاً في نشاطها أو انفضاض الناس من حولها ، فعليها أن تبدأ بنفسها لتعلم هل أن ما تراه من فشل في عملها أو وقوف في نشاطها أو انفضاض الناس من حولها ، كان ذلك بسبب منها وتقصير في واجبها لتعالجه حالاً أو كان بسبب ظروف لا قبل لها بها ، ولتراكم الفساد والجهالة في الناس مما يدعوها إلى مضاعفة الجهد والعمل فتسعى إلى زيادة عملها وجهدها؟  
 
هذا هو المنهج السليم لرفع ما حلّ بالمسلمين من نكبات بسبب منهم ، وهو ما يخيف الكفرة المستعمرين .. وعلى الجماعة المسلمة أن تفقه الناس بما ذكرناه ، وأن تعمل هي نفسها به ، فإذا رأت فشلاً في عملها أو وقوفاً في نشاطها أو انفضاض الناس من حولها ، فعليها أن تبدأ بنفسها لتعلم هل أن ما تراه من فشل في عملها أو وقوف في نشاطها أو انفضاض الناس من حولها ، كان ذلك بسبب منها وتقصير في واجبها لتعالجه حالاً أو كان بسبب ظروف لا قبل لها بها ، ولتراكم الفساد والجهالة في الناس مما يدعوها إلى مضاعفة الجهد والعمل فتسعى إلى زيادة عملها وجهدها؟  
سطر ١٬٧٧٩: سطر ٢٬٣٨٥:
 
'''285 ـ ثالثاً : تحصين النفس ضد المصائب :'''  
 
'''285 ـ ثالثاً : تحصين النفس ضد المصائب :'''  
  
والعنصر الثالث من عناصر الموقف الصحيح من المصائب في حق الفرد المسلم والجماعة المسلمة ، هو تحصين النفس ضد المصائب كما يحصن الإنسان نفسه ضد الأمراض ، وذلك بأن يأخذ بسبل الوقاية الصحيحة التي تمنع وقوع هذه المصائب فيلتزم كل منهما بما أوجبه الشرع وعدم عصيانه ، وبهذا الالتزام الصارم الدقيق الدائم تندفع عنهما الكوارث والنكبات والمصائب حسب سنته تعالى . وقد دلّ على ما قلناه قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ) ، وقد ذكرنا تفسير هذه الآية من قبل وبينا أن الذنوب تضعف مقاومة المسلم للشيطان فيتسلل إليه ويجره إلى المعصية1 .  
+
والعنصر الثالث من عناصر الموقف الصحيح من المصائب في حق الفرد المسلم والجماعة المسلمة ، هو تحصين النفس ضد المصائب كما يحصن الإنسان نفسه ضد الأمراض ، وذلك بأن يأخذ بسبل الوقاية الصحيحة التي تمنع وقوع هذه المصائب فيلتزم كل منهما بما أوجبه الشرع وعدم عصيانه ، وبهذا الالتزام الصارم الدقيق الدائم تندفع عنهما الكوارث والنكبات والمصائب حسب سنته تعالى .  
 +
 
 +
وقد دلّ على ما قلناه قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ) ، وقد ذكرنا تفسير هذه الآية من قبل وبينا أن الذنوب تضعف مقاومة المسلم للشيطان فيتسلل إليه ويجره إلى المعصية1 .  
  
 
'''286 ـ رابعاً : التزام بالصبر ومدافعة للمصائب :'''  
 
'''286 ـ رابعاً : التزام بالصبر ومدافعة للمصائب :'''  
  
الصبر ضروري للمسلم وللجماعة المسلمة ، ومن الأسباب المهمة التي لا غنى عنها لبلوغ الغاية وتحقيق الغلبة والنصر على العقبات والأعداء .  وكذلك هو ـ أي الصبر ـ من الأمور الضرورية للفرد والجماعة عند حلول المصائب بهما حتى يمكن تجاوزها وآثارها . ومما يعين على الصبر تذكر ما ورد في الشرع من أمر بالصبر وثواب عليه وحسن عاقبته في الدنيا والآخرة والبشارة للصابرين الذين يعلمون أنهم عبيد لله فهو سيدهم ومالكهم ، والمالك يتصرف بملكه كما يشاء وأنهم راجعون إليه فيجازيهم على صبرهم أحسن الجزاء قال تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)2  .  
+
الصبر ضروري للمسلم وللجماعة المسلمة ، ومن الأسباب المهمة التي لا غنى عنها لبلوغ الغاية وتحقيق الغلبة والنصر على العقبات والأعداء .   
 +
 
 +
وكذلك هو ـ أي الصبر ـ من الأمور الضرورية للفرد والجماعة عند حلول المصائب بهما حتى يمكن تجاوزها وآثارها .  
 +
 
 +
ومما يعين على الصبر تذكر ما ورد في الشرع من أمر بالصبر وثواب عليه وحسن عاقبته في الدنيا والآخرة والبشارة للصابرين الذين يعلمون أنهم عبيد لله فهو سيدهم ومالكهم ، والمالك يتصرف بملكه كما يشاء وأنهم راجعون إليه فيجازيهم على صبرهم أحسن الجزاء قال تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)2  .  
  
 
'''287 ـ مدافعة المصائب لا تناقض الصبر :'''  
 
'''287 ـ مدافعة المصائب لا تناقض الصبر :'''  
  
ومن الوهم الذي قد يقع فيه الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة أن مدافعة المصائب تناقض الصبر ، وهذا وهم وغير صحيح لأن حقيقة الصبر هي : أن تثبت حيث أمرك الشرع بالثبات وأنت تقوم بما أمرك الله بفعله أو أباحه لك . والشرع أمرك بدفع ما يؤذيك ، وبدفع ما يستحق الدفع والإزالة شرعاً وإن كان الجميع بقدر الله تعالى فالمصيبة التي يمكن رفعها ودفعها بإزالة أسبابها أو بعمل ما يدفعها ، من الأمور المشروعة غير الممنوعة . وعلى الفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة كلها ، أن يباشروا جميعاً باتخاذ الأسباب المشروعة لإزالة ما حلَّ فيهم من نكبات ومصائب ، وأن يصروا على ذلك بثبات وصبر والله تعالى دائماً مع الصابرين .
+
ومن الوهم الذي قد يقع فيه الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة أن مدافعة المصائب تناقض الصبر ، وهذا وهم وغير صحيح لأن حقيقة الصبر هي : أن تثبت حيث أمرك الشرع بالثبات وأنت تقوم بما أمرك الله بفعله أو أباحه لك .  
 
 
  
 +
والشرع أمرك بدفع ما يؤذيك ، وبدفع ما يستحق الدفع والإزالة شرعاً وإن كان الجميع بقدر الله تعالى فالمصيبة التي يمكن رفعها ودفعها بإزالة أسبابها أو بعمل ما يدفعها ، من الأمور المشروعة غير الممنوعة .
  
 +
وعلى الفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة كلها ، أن يباشروا جميعاً باتخاذ الأسباب المشروعة لإزالة ما حلَّ فيهم من نكبات ومصائب ، وأن يصروا على ذلك بثبات وصبر والله تعالى دائماً مع الصابرين .
  
 
الفصل الثاني : سنة الله فى [قانون التقوى والإيمان والعمل الصالح]
 
الفصل الثاني : سنة الله فى [قانون التقوى والإيمان والعمل الصالح]
سطر ١٬٧٩٦: سطر ٢٬٤٠٩:
 
'''288 ـ تعريف التقوى :'''  
 
'''288 ـ تعريف التقوى :'''  
  
قال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية : (التقوى تجمع فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه) 3. وقال صاحب المفردات : (التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحظور) 4 . ويمكن تعريف التقوى بأنها حفظ النفس عما يؤثم ومع الإثم العقاب . وذلك بفعل الواجب وترك المحرّم شرعاً .  
+
قال شيخ [[الإسلام]]  ابن تيمية : (التقوى تجمع فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه) 3. وقال صاحب المفردات : (التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحظور) 4 .  
  
 +
ويمكن تعريف التقوى بأنها حفظ النفس عما يؤثم ومع الإثم العقاب . وذلك بفعل الواجب وترك المحرّم شرعاً .
  
 +
'''289 ـ تعريف الإيمان :'''
  
'''289 ـ تعريف الإيمان :'''
+
الإيمان إذعان النفس للحق على سبيل التصديق وذلك باجتماع ثلاثة أشياء تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بحسب ذلك بالجوارح .
  
الإيمان إذعان النفس للحق على سبيل التصديق وذلك باجتماع ثلاثة أشياء تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بحسب ذلك بالجوارح . ويقال لكل واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح إيمان ، قال تعالى : (وما كان الله ليضيع إيمانكم) . وقال تعالى : (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) قيل معناه بمصدق لنا1 .  
+
ويقال لكل واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح إيمان ، قال تعالى : (وما كان الله ليضيع إيمانكم) . وقال تعالى : (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) قيل معناه بمصدق لنا1 .  
  
 
'''290 ـ تعريف العمل الصالح :'''  
 
'''290 ـ تعريف العمل الصالح :'''  
سطر ١٬٨١٢: سطر ٢٬٤٢٧:
 
قال تعالى : (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)3 . كلمة (الفرقان) في الآية كلمة جامعة مطلقة مثل كلمة (التقوى) . فالتقوى إذا شبهناه بالشجرة المثمرة ، فالفرقان هو الثمرة .  
 
قال تعالى : (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)3 . كلمة (الفرقان) في الآية كلمة جامعة مطلقة مثل كلمة (التقوى) . فالتقوى إذا شبهناه بالشجرة المثمرة ، فالفرقان هو الثمرة .  
  
(والفرقان) في أصل اللغة يعني الفصل بين الشيئين أو الأشياء . ومعنى الآية : إن تتقوا الله في كل ما يجب أن يتقى بمقتضى دينه وشرعه وبمقتضى سنته في نظام خلقه يجعل لكم بمقتضى هذه التقوى وبسببها ملكة من العلم وهداية ونوراً في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل ، ونصراً يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين ومخرجاً من الشبهات ونجاة من الشدائد في الدنيا ومن العذاب في الآخرة4 .  
+
(والفرقان) في أصل اللغة يعني الفصل بين الشيئين أو الأشياء .  
 +
 
 +
ومعنى الآية : إن تتقوا الله في كل ما يجب أن يتقى بمقتضى دينه وشرعه وبمقتضى سنته في نظام خلقه يجعل لكم بمقتضى هذه التقوى وبسببها ملكة من العلم وهداية ونوراً في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل ، ونصراً يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين ومخرجاً من الشبهات ونجاة من الشدائد في الدنيا ومن العذاب في الآخرة4 .  
  
 
'''292 ، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً :'''  
 
'''292 ، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً :'''  
سطر ١٬٨٢٨: سطر ٢٬٤٤٥:
 
'''295 ـ بالإيمان والتقوى يحصل الرخاء :'''  
 
'''295 ـ بالإيمان والتقوى يحصل الرخاء :'''  
  
قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)1 . أي لو أن أهل القرى آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر واتقوا ما نهى الله عنه وحرمه لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض أي بالمطر والنبات ولكن كذبوا الرسل فأخذهم الله بالجدوبة والقحط بما كانوا يكسبون من الكفر والمعصية2 .   
+
قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)1 .  
 +
 
 +
أي لو أن أهل القرى آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر واتقوا ما نهى الله عنه وحرمه لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض أي بالمطر والنبات ولكن كذبوا الرسل فأخذهم الله بالجدوبة والقحط بما كانوا يكسبون من الكفر والمعصية2 .   
  
 
'''296 ـ للمؤمن المتقي أجره في الدنيا والآخرة :'''  
 
'''296 ـ للمؤمن المتقي أجره في الدنيا والآخرة :'''  
  
قال تعالى : (.. وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ)3 أي إن الله تعالى يؤجر المحسنين الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى ، يؤجرهم في الدنيا ويؤجرهم في الآخرة ، ولأجر الآخرة خير لهم لأنه دائم وأجر الدنيا متقطع . قال سفيان بن عيينة : المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة والكافر يعجل له الخير في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق4 .  
+
قال تعالى : (.. وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ)3 أي إن الله تعالى يؤجر المحسنين الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى ، يؤجرهم في الدنيا ويؤجرهم في الآخرة ، ولأجر الآخرة خير لهم لأنه دائم وأجر الدنيا متقطع .  
 +
 
 +
قال سفيان بن عيينة : المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة والكافر يعجل له الخير في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق4 .  
  
 
'''297 ـ نصر الله للمؤمنين :'''  
 
'''297 ـ نصر الله للمؤمنين :'''  
سطر ١٬٨٤٠: سطر ٢٬٤٦١:
 
'''298 ـ إنجاء الله المؤمنين :'''  
 
'''298 ـ إنجاء الله المؤمنين :'''  
  
قال تعالى : (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ)7 . والمعنى : فهل ينظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلهم حيث أهلكهم الله وأنجى رسله وأتباعهم المؤمنين وكذلك ننجي المؤمنين مثل ذلك الإنجاء ونهلك المشركين وحدهم كما اهلكنا أمثالهم من المشركين ، فقد مضت سنة الله أنه إذا أنزل الله العذاب بقوم أخرج من بينهم الرسل والمؤمنين وأنجاهم8 .  
+
قال تعالى : (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ)7 .  
 +
 
 +
والمعنى : فهل ينظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلهم حيث أهلكهم الله وأنجى رسله وأتباعهم المؤمنين وكذلك ننجي المؤمنين مثل ذلك الإنجاء ونهلك المشركين وحدهم كما اهلكنا أمثالهم من المشركين ، فقد مضت سنة الله أنه إذا أنزل الله العذاب بقوم أخرج من بينهم الرسل والمؤمنين وأنجاهم8 .  
  
 
'''299 ـ المؤمنون هم الأعلون :'''  
 
'''299 ـ المؤمنون هم الأعلون :'''  
سطر ١٬٨٤٨: سطر ٢٬٤٧١:
 
'''300 ـ لا سبيل للكافرين على المؤمنين :'''  
 
'''300 ـ لا سبيل للكافرين على المؤمنين :'''  
  
قال تعالى : (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)11 ، أي إن الكافرين لا يكون لهم من حيث هم كافرون سبيل على المؤمنين من حيث هم مؤمنون يقومون بحقوق الإيمان ويتبعوا هديه . وكلمة ((سبيل)) هنا نكرة في سياق النفي فتفيد العموم . وانتفاء السبيل للكافرين على المؤمنين عام في الدنيا والآخرة فلا سبيل للكافرين على المؤمنين مطلقاً ، وما غلب الكافرون المسلمين في الحروب السياسية وأسبابها العلمية والعملية من حيث هم كافرون بل من حيث إنهم صاروا أعلم بسنن الله في خلقه وأحكم عملاً بها والمسلمون تركوا ذلك1 . ويحتمل أن يكون المعنى : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ، أي في الدنيا بأن يسلطوا عليهم ويستولوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان فإن العاقبة للمؤمنين في الدنيا والآخرة كما قال تعالى : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)2 . والظاهر أن النص عام في الدنيا والآخرة ، إنه وعد صريح من الله تعالى بأن لا يكون للكافرين سبيل على المؤمنين . والمؤمنون هم الذين قامت في نفوسهم حقيقة الإيمان ثم ظهرت هذه الحقيقة الإيمانية في الخارج بشكل أعمال مرضية وجهاد في سبيل الله وإخلاص كامل له واستسلام تام لشرعه حتى لم يعد في كيانهم شيء خارج عن الانقياد والخضوع المطلق لله رب العالمين وشرعه القويم . إن السبيل للكافرين في انتصارهم في بعض الأحيان على المؤمنين إنما كان أويكون لحدوث ثغرة في حقيقته الإيمانية ومن الإيمان ومستلزماته ومقتضياته أخذ العدّة وإعداد القوة في كل حين بنية [[الجهاد]]  في سبيل الله وتحت هذه الراية وحدها مجردة من كل إضافة . وبقدر هذه الثغرة في حقيقة الإيمان تكون الهزيمة الوقتية على المسلمين ثم يعود النصر للمؤمنين حقاً حين يوجدون3 .  
+
قال تعالى : (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)11 ، أي إن الكافرين لا يكون لهم من حيث هم كافرون سبيل على المؤمنين من حيث هم مؤمنون يقومون بحقوق الإيمان ويتبعوا هديه . وكلمة ((سبيل)) هنا نكرة في سياق النفي فتفيد العموم .  
 +
 
 +
وانتفاء السبيل للكافرين على المؤمنين عام في الدنيا والآخرة فلا سبيل للكافرين على المؤمنين مطلقاً ، وما غلب الكافرون المسلمين في الحروب السياسية وأسبابها العلمية والعملية من حيث هم كافرون بل من حيث إنهم صاروا أعلم بسنن الله في خلقه وأحكم عملاً بها والمسلمون تركوا ذلك1 .  
 +
 
 +
ويحتمل أن يكون المعنى : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ، أي في الدنيا بأن يسلطوا عليهم ويستولوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان فإن العاقبة للمؤمنين في الدنيا والآخرة كما قال تعالى : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)2 . والظاهر أن النص عام في الدنيا والآخرة ، إنه وعد صريح من الله تعالى بأن لا يكون للكافرين سبيل على المؤمنين .  
 +
 
 +
والمؤمنون هم الذين قامت في نفوسهم حقيقة الإيمان ثم ظهرت هذه الحقيقة الإيمانية في الخارج بشكل أعمال مرضية وجهاد في سبيل الله وإخلاص كامل له واستسلام تام لشرعه حتى لم يعد في كيانهم شيء خارج عن الانقياد والخضوع المطلق لله رب العالمين وشرعه القويم .  
 +
 
 +
إن السبيل للكافرين في انتصارهم في بعض الأحيان على المؤمنين إنما كان أويكون لحدوث ثغرة في حقيقته الإيمانية ومن الإيمان ومستلزماته ومقتضياته أخذ العدّة وإعداد القوة في كل حين بنية [[الجهاد]]  في سبيل الله وتحت هذه الراية وحدها مجردة من كل إضافة .  
 +
 
 +
وبقدر هذه الثغرة في حقيقة الإيمان تكون الهزيمة الوقتية على المسلمين ثم يعود النصر للمؤمنين حقاً حين يوجدون3 .  
  
 
'''301 ـ المتاع الحسن للمؤمنين المتقين :'''  
 
'''301 ـ المتاع الحسن للمؤمنين المتقين :'''  
  
ومن سنته تعالى العامة في خلقه تيسير سبل العيش الرغيد والحياة المريحة إلى أهل الإيمان والتقوى وإفاضة نعمه عليهم ، قال تعالى : (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ..)4 . طلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من قومه أن يعبدوا الله وحده وأن يستغفروه ويتوبوا إليه . وهذا كلّه الإيمان بالله وبرسوله وعبادته وحده وتقواه واستغفاره عن الذنوب السالفة والتوبة إليه فيما يستقبلونه من كل إعراض عن هدايته وتنكب عن سنته وأن يستمروا على ذلك ، وأنهم إن فعلوا ذلك كان جزاؤهم أن يمتعهم الله متاعاً حسناً الذي هو ثمرة عبادتهم لله وطاعتهم له واستغفارهم وتوبتهم إليه . والمتاع كل ما ينتفع به في المعيشة وحاجة البيوت ، والمتاع الحسن يعني تمتعهم بمنافع حسنة مرضية من سعة الرزق ورغد العيش وبالأمن والراحة وبالنعم المتتالية عليهم .
+
ومن سنته تعالى العامة في خلقه تيسير سبل العيش الرغيد والحياة المريحة إلى أهل الإيمان والتقوى وإفاضة نعمه عليهم ، قال تعالى : (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ..)4 .  
 +
 
 +
طلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من قومه أن يعبدوا الله وحده وأن يستغفروه ويتوبوا إليه .  
 +
 
 +
وهذا كلّه الإيمان بالله وبرسوله وعبادته وحده وتقواه واستغفاره عن الذنوب السالفة والتوبة إليه فيما يستقبلونه من كل إعراض عن هدايته وتنكب عن سنته وأن يستمروا على ذلك ، وأنهم إن فعلوا ذلك كان جزاؤهم أن يمتعهم الله متاعاً حسناً الذي هو ثمرة عبادتهم لله وطاعتهم له واستغفارهم وتوبتهم إليه . والمتاع كل ما ينتفع به في المعيشة وحاجة البيوت ، والمتاع الحسن يعني تمتعهم بمنافع حسنة مرضية من سعة الرزق ورغد العيش وبالأمن والراحة وبالنعم المتتالية عليهم .
 
   
 
   
 
وتمتعهم هذا يستمر مدة أعمارهم . وقوله تعالى : (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) أي يؤتي كل ذي عمل من الأعمال الصالحة جزاء عمله في الدنيا والآخرة5 .  
 
وتمتعهم هذا يستمر مدة أعمارهم . وقوله تعالى : (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) أي يؤتي كل ذي عمل من الأعمال الصالحة جزاء عمله في الدنيا والآخرة5 .  
سطر ١٬٨٥٩: سطر ٢٬٤٩٦:
  
 
ومن سنته تعالى في خلقه حصول الخصب بكثرة الأمطار وسعة العيش وزيادة القوّة لأهل التقوى والإيمان . قال تعالى فيما يحكيه عن قول هود عليه السلام لقومه : (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ)6 .  
 
ومن سنته تعالى في خلقه حصول الخصب بكثرة الأمطار وسعة العيش وزيادة القوّة لأهل التقوى والإيمان . قال تعالى فيما يحكيه عن قول هود عليه السلام لقومه : (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ)6 .  
 +
 
والمعنى أن هوداً عليه السلام أمرهم بعبادة الله وحده المتضمنة الإيمان به وطاعته وتقواه وأن يستغفروه ويتوبوا إليه ، فإن فعلوا ذلك يسّر الله لهم سبل العيش الرغيد وأنزل عليهم المطر متتالياً يتلو بعضه بعضاً ، والمطر سبب كل خير من زرع وضرع زادهم قوة إلى قوتهم أي زادهم شدة إلى شدتهم وخصباً إلى خصبهم وعزاً إلى عزتهم وكثرة في المال والأولاد والنعم وقوة على الانتفاع بهذه النعم7 .  
 
والمعنى أن هوداً عليه السلام أمرهم بعبادة الله وحده المتضمنة الإيمان به وطاعته وتقواه وأن يستغفروه ويتوبوا إليه ، فإن فعلوا ذلك يسّر الله لهم سبل العيش الرغيد وأنزل عليهم المطر متتالياً يتلو بعضه بعضاً ، والمطر سبب كل خير من زرع وضرع زادهم قوة إلى قوتهم أي زادهم شدة إلى شدتهم وخصباً إلى خصبهم وعزاً إلى عزتهم وكثرة في المال والأولاد والنعم وقوة على الانتفاع بهذه النعم7 .  
  
 
303 ـ المؤمنون يرثون الأرض :  
 
303 ـ المؤمنون يرثون الأرض :  
 +
 
قال تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)8 . أي ولقد كتبنا في الزبور ـ زبور داود ـ من بعد الذكر وهو التوراة ، أن الأرض أي أرض الأمم الكافرة يرثها المؤمنون ويستولون عليها بالفتوح وهذا هو المروي عن ابن عباس1 .  
 
قال تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)8 . أي ولقد كتبنا في الزبور ـ زبور داود ـ من بعد الذكر وهو التوراة ، أن الأرض أي أرض الأمم الكافرة يرثها المؤمنون ويستولون عليها بالفتوح وهذا هو المروي عن ابن عباس1 .  
  
سطر ١٬٨٦٨: سطر ٢٬٥٠٧:
 
قال تعالى : (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ)2 . ومعنى لا كفران لسعيه أي لا حرمان لثواب عمله ذلك (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) أي مثبتون عمله في صحيفة عمله فلا يضيع بوجه ما3 .
 
قال تعالى : (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ)2 . ومعنى لا كفران لسعيه أي لا حرمان لثواب عمله ذلك (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) أي مثبتون عمله في صحيفة عمله فلا يضيع بوجه ما3 .
 
   
 
   
وقال تعالى : (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)4 . والمعنى أن من يعمل سيئة لا يجزى إلا مثلها أي بقدرها لأن الزيادة على مقدار جزاء الحسنة فشيء حسن لأنه فضل وإحسان والله ذو الفضل العظيم ، ولذلك قال (بِغَيْرِ حِسَابٍ) وهو واقع في مقابلة (إِلَّا مِثْلَهَا) يعني أن جزاء السيئة لها حساب وتقدير لئلا يزيد على ما تستحقه من جزاء ، أما جزاء العمل الصالح فبغير تقديروحساب بل ما شاء الله من الزيادة على مقدار الحسنة5 ، والإيمان شرط في اعتبار العمل الصالح والاعتداد به والثواب عليه ودخول الجنة بسببه6 .  
+
وقال تعالى : (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)4 .  
 +
 
 +
والمعنى أن من يعمل سيئة لا يجزى إلا مثلها أي بقدرها لأن الزيادة على مقدار جزاء الحسنة فشيء حسن لأنه فضل وإحسان والله ذو الفضل العظيم ، ولذلك قال (بِغَيْرِ حِسَابٍ) وهو واقع في مقابلة (إِلَّا مِثْلَهَا) يعني أن جزاء السيئة لها حساب وتقدير لئلا يزيد على ما تستحقه من جزاء ، أما جزاء العمل الصالح فبغير تقديروحساب بل ما شاء الله من الزيادة على مقدار الحسنة5 ، والإيمان شرط في اعتبار العمل الصالح والاعتداد به والثواب عليه ودخول الجنة بسببه6 .  
  
 
'''305 ـ بالإيمان والعمل الصالح تحصل الحياة الطيبة :'''  
 
'''305 ـ بالإيمان والعمل الصالح تحصل الحياة الطيبة :'''  
  
قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)7 . هذه الآية الكريمة تبين سنّة من سنن الله تعالى ووعداً صادقاً منه تعالى بأن من يعمل صالحاً ذكراً كان أو أنثى فإنه سيحيا في هذه الدنيا حياة طيبة ييسرها الله تعالى له جزاء عمله الصالح ، وهذا إضافة إلى ما يناله من أجر حسن في الآخرة هو أحسن مما عملوه في الدنيا .  
+
قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)7 .  
 +
 
 +
هذه الآية الكريمة تبين سنّة من سنن الله تعالى ووعداً صادقاً منه تعالى بأن من يعمل صالحاً ذكراً كان أو أنثى فإنه سيحيا في هذه الدنيا حياة طيبة ييسرها الله تعالى له جزاء عمله الصالح ، وهذا إضافة إلى ما يناله من أجر حسن في الآخرة هو أحسن مما عملوه في الدنيا .  
  
 
'''306 ـ المقصود بالعمل الصالح :'''  
 
'''306 ـ المقصود بالعمل الصالح :'''  
  
والمقصود بالعمل الصالح الذي هو من شروط الظفر بالحياة الطيبة وبالأجر الحسن في الآخرة هو العمل المشروع أي الموافق لما شرعه الله في في كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم8 . أما العمل المخالف للشرع فلا يعتبر صالحاً ولا يستحق الجزاء المذكور في الآية الكريمة . ولا يشترط في العامل الذكورة فالذكر والأنثى سواء في استحقاق الحياة الطيبة بالعمل الصالح .  
+
والمقصود بالعمل الصالح الذي هو من شروط الظفر بالحياة الطيبة وبالأجر الحسن في الآخرة هو العمل المشروع أي الموافق لما شرعه الله في في كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم8 .  
 +
 
 +
أما العمل المخالف للشرع فلا يعتبر صالحاً ولا يستحق الجزاء المذكور في الآية الكريمة .  
 +
 
 +
ولا يشترط في العامل الذكورة فالذكر والأنثى سواء في استحقاق الحياة الطيبة بالعمل الصالح .  
  
 
'''307 ـ شرط الإيمان مع العمل الصالح:'''  
 
'''307 ـ شرط الإيمان مع العمل الصالح:'''  
  
ويشترط مع العمل الصالح لإفادته الحياة الطيبة إيمان العامل بما يجب الإيمان به وهو صريح قوله تعالى (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وبهذا قال المفسرون من ذلك قول الرازي : (إن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان)9 . وكذلك صرح ابن كثير فقال في هذه الآية : (هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله)10 .  
+
ويشترط مع العمل الصالح لإفادته الحياة الطيبة إيمان العامل بما يجب الإيمان به وهو صريح قوله تعالى (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وبهذا قال المفسرون من ذلك قول الرازي : (إن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان)9 .  
 +
 
 +
وكذلك صرح ابن كثير فقال في هذه الآية : (هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله)10 .  
  
 
'''308 ـ هل الحياة الطيبة في الدنيا أم في الآخرة؟ :'''  
 
'''308 ـ هل الحياة الطيبة في الدنيا أم في الآخرة؟ :'''  
  
والحياة الطيبة الموعود بها من يعمل العمل الصالح هي الحياة في الدنيا وبهذا صرح المفسرون ، قال الزمخشري : (حَيَاةً طَيِّبَةً) يعني في الدنيا وهو الظاهر لقوله تعالى : (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ) وعدهم الله ثواب الدنيا والآخرة كقوله تعالى : (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحن ثواب الآخرة)11 .  
+
والحياة الطيبة الموعود بها من يعمل العمل الصالح هي الحياة في الدنيا وبهذا صرح المفسرون ، قال الزمخشري : (حَيَاةً طَيِّبَةً) يعني في الدنيا وهو الظاهر لقوله تعالى : (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ) وعدهم الله ثواب الدنيا والآخرة كقوله تعالى : (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحن ثواب الآخرة)11 .
وفي تفسير الرازي : وهذه الحياة الطيبة هل تحصل في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة؟ أقوال (القول الأول) قال القاضي : الأقرب أنها تحصل في الدنيا بدليل أنه تعالى أعقبه بقوله : (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة1 . وقال الآلوسي في قوله تعالى : (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) قال غير واحد هي في الدنيا2 .  
+
 +
وفي تفسير الرازي : وهذه الحياة الطيبة هل تحصل في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة؟ أقوال (القول الأول) قال القاضي : الأقرب أنها تحصل في الدنيا بدليل أنه تعالى أعقبه بقوله : (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة1 .  
 +
 
 +
وقال الآلوسي في قوله تعالى : (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) قال غير واحد هي في الدنيا2 .  
  
 
'''309 ـ المقصود بالحياة الطيبة :'''  
 
'''309 ـ المقصود بالحياة الطيبة :'''  
  
والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت . وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب . وعن علي رضي الله عنه أنه فسرها بالقناعة وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه .  وقال الضحاك هي الرزق  الحلال والعبادة في الدنيا ، وقال أيضاً : هي العمل بالطاعة والانشراح بها3 .  
+
والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت .  
 +
 
 +
وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب . وعن علي رضي الله عنه أنه فسرها بالقناعة وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه .   
 +
 
 +
وقال الضحاك هي الرزق  الحلال والعبادة في الدنيا ، وقال أيضاً : هي العمل بالطاعة والانشراح بها3 .  
  
 
وقال الإمام ابن كثير : والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه)4 .
 
وقال الإمام ابن كثير : والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه)4 .
 
   
 
   
وأوضح الزمخشري كيف تكون الحياة الطيبة لمن يعمل العمل الصالح وهو مؤمن فقال : (وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً يعيش عيشاً طيباً : إن كان موسراً فلا مقال فيه وإن كان معسراً فمعه ما تطيب عيشه وهو القناعةوالرضا بقسمة الله . وأما الفاجر فأمره على العكس : إن كان معسراً فلا إشكال في أمره ، وإن كان موسراً فالحرص لا يدعه يتهنأ بعيشه)5 .  
+
وأوضح الزمخشري كيف تكون الحياة الطيبة لمن يعمل العمل الصالح وهو مؤمن فقال : (وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً يعيش عيشاً طيباً : إن كان موسراً فلا مقال فيه وإن كان معسراً فمعه ما تطيب عيشه وهو القناعةوالرضا بقسمة الله .  
 +
 
 +
وأما الفاجر فأمره على العكس : إن كان معسراً فلا إشكال في أمره ، وإن كان موسراً فالحرص لا يدعه يتهنأ بعيشه)5 .  
  
 
'''310 ـ الحياة الطيبة تتحقق بأشياء كثيرة :'''  
 
'''310 ـ الحياة الطيبة تتحقق بأشياء كثيرة :'''  
  
والواقع أن الحياة الطيبة تتحقق بأشياء كثيرة ، بالرصا والاطمئنان وانشراح الصدر والشعور بالسعادة وطيب العيش ، وهذه كلها معانٍ تنبعث من النفس وتكون في داخل المؤمن وهي غير متوقفة على الأمور الخارجية كالمال الوفير والمكان المريح والطعام اللذيذ واللباس الفاخر الثمين وغير ذلك من الأمور المادية التي لا تنكر أنها تهيىء ما يرتاح به الإنسان ويلتذ بها لذة بدنية غير منكورة . ولكن السعادة الحقيقية وانشراح الصدر والشعور بالغبطة والهناء هي التي تجعل الحياة طيبة ، وهذه المعاني غير متوقفة على الأشياء المادية الخارجية وبالتالي لا تتوقف عليها الحياة الطيبة . وما أحسن قول الشهيد سيد قطب إذ يقول : (وإن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض ، ولا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال ، فقد تكون به وقد لا يكون معها .
+
والواقع أن الحياة الطيبة تتحقق بأشياء كثيرة ، بالرصا والاطمئنان وانشراح الصدر والشعور بالسعادة وطيب العيش ، وهذه كلها معانٍ تنبعث من النفس وتكون في داخل المؤمن وهي غير متوقفة على الأمور الخارجية كالمال الوفير والمكان المريح والطعام اللذيذ واللباس الفاخر الثمين وغير ذلك من الأمور المادية التي لا تنكر أنها تهيىء ما يرتاح به الإنسان ويلتذ بها لذة بدنية غير منكورة .  
 +
 
 +
ولكن السعادة الحقيقية وانشراح الصدر والشعور بالغبطة والهناء هي التي تجعل الحياة طيبة ، وهذه المعاني غير متوقفة على الأشياء المادية الخارجية وبالتالي لا تتوقف عليها الحياة الطيبة .  
 +
 
 +
وما أحسن قول الشهيد سيد قطب إذ يقول : (وإن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض ، ولا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال ، فقد تكون به وقد لا يكون معها .
 
   
 
   
 
وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية : فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره  ورضاه ، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة وسكن البيوت ومودة القلوب ، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة وليس المال إلا عنصراً واحداً يكفي منه القليل حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله)6 .  
 
وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية : فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره  ورضاه ، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة وسكن البيوت ومودة القلوب ، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة وليس المال إلا عنصراً واحداً يكفي منه القليل حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله)6 .  
سطر ١٬٩٠٤: سطر ٢٬٥٦٦:
  
 
والحياة الطيبة في الدنيا التي يظفر بها عامل الصالحات وهو مؤمن ،  هذه الحياة لا تنقص من أجره في الآخرة ، بل إن الله تعالى وعد بأن يكون أجره في الآخرة على أحسن عمله في الدنيا ، فما أعظمه من جزاء من رب كريم جواد7 .  
 
والحياة الطيبة في الدنيا التي يظفر بها عامل الصالحات وهو مؤمن ،  هذه الحياة لا تنقص من أجره في الآخرة ، بل إن الله تعالى وعد بأن يكون أجره في الآخرة على أحسن عمله في الدنيا ، فما أعظمه من جزاء من رب كريم جواد7 .  
 
 
 
 
  
 
== الفصل الثالث عشر : سنّة الله في الاستدراج [قانون الاستدراج]  ==
 
== الفصل الثالث عشر : سنّة الله في الاستدراج [قانون الاستدراج]  ==
سطر ١٬٩٣١: سطر ٢٬٥٨٩:
 
'''314 ـ استدراج الكفرة والعصاة :'''  
 
'''314 ـ استدراج الكفرة والعصاة :'''  
  
قال تعالى : (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)6 فمن سنة الله تعالى في عباده الاستدراج . ومعنى الآية أن الله يستدرج الكفرة والعصاة بأن يرزقهم الصحة والنعمة فيجعلون رزق الله ذريعة إلى ازدياد الكفر والمعاصي . وهم لا يعلمون أي وهم لا يشعرون أن هذا استدراج لهم ، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة لهم مع أنه في نفس الأمر إهانة لهم واستدراج .  
+
قال تعالى : (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)6 فمن سنة الله تعالى في عباده الاستدراج .  
 +
 
 +
ومعنى الآية أن الله يستدرج الكفرة والعصاة بأن يرزقهم الصحة والنعمة فيجعلون رزق الله ذريعة إلى ازدياد الكفر والمعاصي .  
 +
 
 +
وهم لا يعلمون أي وهم لا يشعرون أن هذا استدراج لهم