السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٣:٢٥، ١٤ يناير ٢٠١٠ للمستخدم Admin (نقاش | مساهمات) (m)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث

السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية


تأليف : الدكتور عبد الكريم زيدان

أستاذ الشريعة الإسلامية ورئيس قسمها في كلية الحقوق بجامعة بغداد سابقاً

أستاذ الشريعة ورئيس قسم الدين بكلية الآداب بجامعة بغداد سابقاً

أستاذ الشريعة بكلية الدراسات الإسلامية وعميدها سابقاً

أستاذ متمرس بجامعة بغداد


بسم الله الرحمن الرحيم


محتويات

مقدمة الناشر

ـ إن ما يقع في هذا العالم من حوادث ومجريات لا يقع صدفة ، ولا خبط عشواء .

وإنما يقع ويحدث وفق قانون عام دقيق ثابت صارم لا يخرج عن أحكامه شيء .

ـ والكائنات الحية ـ بما فيها الإنسان ـ تخضع لهذا القانون ، فخلق الإنسان والأطوار التي يمر بها في بطن أمه يخضع في ذلك كلّه إلى هذا القانون العام الثابت .

ـ والظاهرات الكونية هي من الآيات الدالة على خالق هذا الكون ، وهي خاضعة لهذا القانون الثابت .

ـ والإنسان لا يستطيع أن يغير شيئاً من هذا القانون ، وإنما يستطيع أن يوسع معرفته بتفاصيله وجزئياته الكثيرة جداً . وذلك بالنظر والمشاهدة والتأمل والإستقراء والتجارب .

ـ والبشر يخضعون لقوانين ثابتة ـ يسميها القرآن بالسنن ـ في تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يكونون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش ، والسعادة والشقاء ، والعز والذل ، والرقي والتأخر ، والقوة والضعف ، وما يصيبهم في الدنيا والآخرة من عذاب أو نعيم ..

ـ وقد بيّن الكاتب في كتابه خضوع البشر لهذا القانون والذي جاءت الآيات القرآنية مشيرة تارة وموضحة أخرى إلى تأكيد بعض معاني الشريعة الإسلامية للمسلمين ونشرها فيما بينهم لتبصيرهم بها ودعوتهم إلى مراجعة نفوسهم وصفاتهم وأحوالهم . ليعلموا يقيناً أن ما هم عليه ، وما أصابهم وما حل في ديارهم ، لم يحدث شيء من ذلك قط (صدفة) أو خبط عشواء ، بل كان نتيجة حتمية لما فعلوه أو قصروا في فعله ، وليعلموا أيضاً على وجه اليقين أن الخلاص من الحالة السيئة التي هم عليها لا يكون أبداً إلا بإتباع ما تقضي به سنن الله تعالى . عسى أن يكون فيما كتبه المؤلف محركاً ودافعاً لهم للعمل الجدّي الدؤوب الصامت وفقاً لمقتضيات سنن الله في التبديل والتحويل من السيىء إلى الحسن ، إلى حيث أراد الله تعالى للمؤمنين من العزة والكرامة والقيادة للبشر جميعاً ، والله الموفق .

رضوان دعبول


المقدمة

1 ـ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد : فإن هذا العالم بكل ما فيه ومن فيه من نبات وجماد وحيوان وإنسان وأجرام سماوية ، وما يصدر عن هذه الموجودات وما يتعلق بها ويحل فيها ، وما يقع من حوادث كونية كنزول المطر وهبوب الريح وثوران بركان وتعاقب الليل والنهار ، وما يحصل للإنسان من أطوار خلقه وتكوينه في بطن أمه وما يحدث له وللأمة من شقاء وسعادة ورفعة وسقوط وعلو وانحطاط وقوة وضعف وبقاء وفناء ونحو ذلك كل ذلك الذي ذكرنا وجوده وحدوثه في العالم لا يقع صدفة ولا خبط عشواء وإنما يقع ويحدث وفق قانون عام دقيق ثابت صارم لا يخرج عن أحكامه شيء .

2 ـ الوجه الأول لهذا القانون العام ولهذا القانون العام الذي أشرت إليه وجهان : ( الوجه الأول ) هو الذي تخضع له جميع الكائنات الحية في وجودها المادي وجميع الحوادث المادية ، ويخضع له كيان الإنسان المادي وما يطرأ عليه مثل نموه وحركة أعضائه ومرضه وهرمه ولوازم بقائه حياً ونحو ذلك . وهذا الوجه من القانون العام وما يخضع له مما ذكرناه من الأمور المادية للكائنات ، أقول هذا الوجه من هذا القانون لا يختلف في وجوده أهل العلم بهذه الأمور المادية ، ولا يختلفون في خضوع ما ذكرناه له .

3 ـ دلالة وجود هذا الوجه من القانون : ووجود هذا الوجه من القانون العام من أكبر الأدلة على وجود الله تعالى الخالق العظيم لأنه لا يمكن للمادة وهي جامدة صمّاء لا تعقل أن تضع هذا القانون الهائل الدقيق لهذه الموجودات ، وإنما المعقول والمقبول أن يكون واضع هذا القانون هو خالق هذه الموجودات . وهو الله جلّ جلاله .

4 ـ دلالة القرآن على هذا الوجه من القانون : قد دلّ القرآن الكريم على هذا الوجه من هذا القانون العام في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {38} وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ {39} لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)1 ، وفي خلق الإنسان وخضوعه لهذا الوجه من القانون قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ {12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)2 ، من الواضح البيّن أن خلق الإنسان والأطوار التي يمر بها وهو في بطن أمه يخضع في ذلك كلّه إلى قانون عام ثابت .

5 ـ من سمات هذا القانون الثبات والاستمرار : ومن سمات هذا القانون العام في وجهه الأول ، ثباته واستمراره بدليل اطّراد أحكامه وسريانها على الحوادث والظواهر التي يحكمها هذا القانون ، فالأرض تحيا بالمطر ويخرج به منها النبات ، قال تعالى : (وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ)3 . وكذلك جريان الشمس والقمر ، وجريان الفلك في البحر وفقاً لهذا القانون العام ، قال تعالى : (وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)4 ، ومما يدل على ثبات هذا القانون بوجهه الأول الذي نتكلم عليه أن الله تعالى يلفت الأنظار إلى هذه الظراهر الكونية ويجعلها من الآيات الدالة على خالقيته وربوبيته لقوم يعقلون ويتفكرون ، ولولا اطراد حدوثها مما يدل على خضوعها لقانون ثابت لما صح لفت الأنظار إليها واعتبارها من آيات الله تعالى . فمن هذه الآيات قوله تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)5 .

وقال تعالى : (اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)6 . وقوله تعالى : (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)7 . ووجه الدلالة بهاتين الآيتين أن حصول تسخير الله تعالى البحر وما خلقه في السموات والأرض لمنافع الناس إنما يكون بأن يعرف الناس كيف يستمدون منافعهم من هذه المُسخَّرات وذلك بأن يعرفوا ما تخضع له هذه الموجودات من قواعد ثابتة أي من قانون عام في وجودها وطرق الانتفاع بها بموجب هذا القانون العام .

وقال تعالى : (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)1 .

وقال تعالى : (وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)2 .

6 ـ علم الإنسان يعني علمه بهذا القانون : وعلم الإنسان المتعلق بالموجودات من حيث كيانها المادي وما يتعلق بها من حوادث مادية ، هذا العلم يعني العلم بهذا القانون العام الذي يحكمها . وبقدر ما يعرف الإنسان من تفاصيل وجزئيات هذا القانون العام يكون مقدار علمه ومقدار ما يمكنه الاستفادة منه . إن الإنسان لا يستطيع أن يغير شيئاً من هذا القانون ، وإنما يستطيع أن يوسع معرفته بتفاصيله وجزئياته الكثيرة جداً بما أعطاه الله تعالى من آلات المعرفة بهذا القانون ، فما هي هذه الآلات ؟

7 ـ آلات المعرفة بهذا القانون : وآلات المعرفة بهذا القانون العام هي ما أشارت إليه الآية الكريمة : (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)3 . قال الزمخشري في تفسير هذه الآية : (وَجَعَلَ لَكُمُ) أي ما ركّب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به4 . وفي تفسير القرطبي : (وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ) أي التي تعلمون بها وتدركون5.

8 ـ سبيل المعرفة بالقانون العام ( بوجهه الأول ) : وسبيل المعرفة بالقانون بالآلات التي ركبها الله في الإنسان ( السمع والبصر والأفئدة ) يكون بالمشاهدة والنظر والتأمل واستخلاص النتائج في ضوء ذلك للتعرف على القواعد التي تحكم موجودات هذا العالم وحوادثه المادية .

جاء في تفسير الآلوسي بصدد الآية الكريمة : (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، قال الآلوسي رحمه الله تعالى : (( والمعنى : جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم ـ أي بعقولكم ـ وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس فيحصل لكم علوم بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية ))6 . والقرآن الكريم أمر بالنظر والتفكير فيما خلق الله في السموات والأرض ليزداد الناس يقيناً بأن الله هو الخالق العظيم ، وليعلموا أن ما خلقه الله كان بدقة ونظام ، وأن كل ما فيه يجري بأمر الله ، أي وفق ما وضعه له من نظام . فمن هذه الآيات الداعية إلى النظر في الكون والتأمل بما فيه للوقوف على أسراره وكيفية جريانه ، قوله تعالى : (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)7 ، فالأصل في معرفة هذا القانون العام في وجهه الأول هو النظر والمشاهدة والتأمل والاستقراء والتجارب . ومع هذا يوجد في القرآن الكريم إشارات لحقائق علمية يشملها هذا القانون العام ـ في وجهه الأول ـ أو إنها بعض تطبيقاته ذكرها الله تعالى في معرض بيان عظيم قدرته وعموم مشيئته وإرادته وتنظيمه لأمور مخلوقاته من ذلك كيفية تكوين المطر وإنزاله وكيفية تلقيح النبات بالرياح كقوله تعالى : (وأرسلنا الرياح لواقح) ومثل الإشارة إلى قلة الضغط الجوي كلما ارتفع الإنسان في أعالي الجو ، وهذا يفهم من تشبيه حال الضال وتضيُّق صدره بحال من يصعّد في السماء في قوله تعالى : (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنَّما يصَّعَّد في السماء) .

ومعرفة هذا القانون في وجهه الأول مباحة للجميع ويمكن الحصول عليها من قبل المسلم والكافر ، وأكثرهما جدية ونشاطاً ونظراً وبحثاً وسعياً أكثرهما وقوفاً عليه وإحاطة بجوانبه وجزئياته . فهذا العلم مشاع للجميع ولا يختص المسلمون بشيء منه باعتبارهم مسلمين ، اللهم إلا في القصد من تعلمه وفي أوجه الانتفاع منه ، لأن قصد المسلم وأوجه انتفاعه بالأشياء وبما يعلم ، كل ذلك محكوم بحكم الشريعة الإسلامية فما تبيحه أو توجبه فهو المباح أو الواجب وما تنهى عنه فهو المكروه أو الحرام . 9 ـ الوجه الثاني من القانون العام : أما الوجه الثاني من القانون العام فهو الذي يتعلق بخضوع البشر له باعتبارهم أفراداً وأمماً وجماعات . وأعني بخضوعهم له خضوع تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يكونون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش ، والسعادة والشقاء والعز والذل والرقي والتأخر والقوة والضعف ونحو ذلك من الأمور الاجتماعية في الدنيا وما يصيبهم في الآخرة من عذاب أو نعيم وفقاً لأحكام هذا القانون بوجهه الثاني ، وهذا هو موضوع بحثنا في هذا الكتاب .


10 ـ هل يوجد هذا القانون في الشريعة الإسلامية : ونتساءل هنا هل يوجد هذا القانون بوجهه الثاني في الشريعة الإسلامية ويخضع له البشر في أفعالهم وسلوكهم وما يترتب عليها من نتائج في ضوء قواعد هذا القانون وأحكامه؟ والجواب : إن الشريعة الإسلامية ـ بكتابها العزيز القرآن ، وبالسنة النبوية الكريمة ـ تبين بوضوح وجلاء وجود (سنة عامة) لله تخضع لحكمها تصرفات البشر وأفعالهم وسلوكهم ومواقفهم من شرع الله وما قد يترتب على ذلك من نتائج معينة في الدنيا والآخرة ، فهل تعني (سنة الله) ما نعنيه بالقانون العام الذي نتكلم عليه؟ والجواب يعرف بعد أن أبين تعريف سنة الله في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء وعلماء التفسير .

11 ـ تعريف سنة الله : السنة في اللغة تعني السيرة ، حسنة كانت أو قبيحة ، كما جاء في لسان العرب لابن منظور1 . وفي النهاية لابن الأثير : والأصل في هذا اللفظ ـ السنّة ـ الطريقة والسيرة . وفي حديث المجوس (سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) أي خذوهم على طريقتهم وأجروهم في قبول الجزية منهم مجراهم2 .

وقال الفيروز آبادي في معنى السنة : والأصل فيها الطريقة والسيرة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من سنّ سنة حسنة ) أي طرق طريقة حسنة ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم طريقته التي كان يتحرّاها3 . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( والسنّة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول ، ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار )4 . وقال الإمام الرازي في تفسيره : ( والسنة : الطريقة المستقيمة والمثال المتبع )5 ، وقال رشيد رضا صاحب تفسير المنار : ( السنن جمع سنة ، وهي الطريقة المعبدة أو السيرة المتبعة أو المثال المتبع )6 .

12 ـ التعريف المختار لسنة الله : يلاحظ أن هذه الكلمة يدور معناها على معنى ((الطريقة المتبعة)) فيكون معنى (سنة الله) هي الطريقة المتبعة في معاملة الله تعالى للبشر بناء على سلوكهم وأفعالهم وموقفهم من شرع الله وأنبيائه وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة .

13 ـ سنة الله هي القانون العام : وحيث أن سنة الله تعالى المتعلقة بأفعال البشر وسلوكهم هي طريقته المتبعة في معاملته للبشر ، كما قلنا ، وما يترتب على ذلك من نتائج معينة في الدنيا والآخرة ، فهذا يعني أن معنى ((السنة)) هو معنى (القانون العام) من حيث خضوع أفعال البشر وسلوكهم إلى أحكام هذه (السنة) التي يمكن تسميتها بالقانون العام .

14 ـ سنة الله تتسم بالثبات والاطراد والعموم : وما دامت (سنة الله) هي القانون العام الذي يحكم أفعال البشر وسلوكهم فإنها تتسم بالثبات والاطراد والعموم ، وهذا هو شأن القاعدة القانونية. فهي ثابتة لا تتغير، قال تعالى : (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)7.

وقال تعالى : (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)1 . وهي مطردة لا تتخلف ، ويدل على اطرادها أن الله تعالى قصّ علينا قصص الأمم السابقة وما حلّ بها لنتعظ ونعتبر ولا نفعل فعلهم لئلا يصيبنا ما أصابهم ، ولولا اطرادها لما أمكن الاتعاظ والاعتبار بها . فمن هذه الآيات قوله تعالى : ( فاعبروا يا أولي الأبصار) بعد أن قصّ الله تعالى علينا ما حلّ ببني النضير لسوء أعمالهم ، قال الآلوسي في هذه الآية : أي فاتعظوا بما جرى عليهم ـ أي على اليهود من بني النضير ـ من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار ، واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي ، واعتبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على غير الله تعالى ـ الصائرة سبباً لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ومفارقة أوطانهم كارهين ـ إلى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب وتعتمدوا على غيره عزّ وجلّ بل توكلوا عليه2 . وكذلك قوله تعالى : (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ {137} هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)3 . وهي ، أي سنة الله ، تتصف بالعموم أي أنها عامة يسري حكمها على الجميع دون محاباة ولا تمييز ، قال تعالى : (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ) ، (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)4 . أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم5 . وقال تعالى : (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)6 ، والمعنى أن كل من يعمل سوءاً يلق جزاءه ؛ لأن الجزاء بحسب سنّة الله تعالى أثر طبيعي للعمل لا يتخلف عنه7 . فسنّة الله تعالى ثابتة ومطردة وعامة غير مقتصرة على فرد دون فرد ولا على قوم دون قوم . ولولا ثباتها واطرادها وعمومها لما كان معنى في ذكر قصص وأخبار الأمم السابقة وطلب الاعتبار بما حل هم ، ولكن لما كان ما جرى لهم وعليهم يجري على غيرهم إذا فعلوا فعلهم ، حسن ذكر قصصهم وطلب الاعتبار والاتعاظ بها .

15 ـ السبيل لمعرفة سنّة الله : والسبيل لمعرفة (سنة الله) أي الوجه الثاني للقانون العام هو الرجوع إلى كتاب الله العظيم وسنّة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فما فيهما هو القول الفصل ، وما بيّناه ـ أي القرآن والسنّة النبوية ـ من أنه هو (سنة الله) أي قانونه العام الذي تجري بموجبه أحداث ووقائع البشر ، فهذا البيان هو الحق المبين والقول الصدق : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً)8 ، وهو الإخبار الحق الصادق عن هذا القانون العام (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً)9 .

16 ـ الإخبار عن (سنّة الله) بصيغ متنوعة : وقد يخبرنا الله تعالى عن (سنته) أي عن القانون العام الذي وضعه الله لحكم سلوك البشر وأفعالهم وما يصيبهم ، قد يخبرنا عن ذلك بغير لفظ (السنّة) كأن يعبر عن (سنّته) بتقرير نتيجة معينة بناء على وصف معين أو حالة معينة أو بناء على سبب أو شرط معينين ، فيكون هذا الإخبار بهذه الصيغ إخباراً عن سنة ثابتة لله تعالى كما في قوله تعالى : (تلك القرى أهلكناهم لما ظلموا) ، وقوله تعالى : (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم) .

17 ـ أهمية دراسة سنن الله : وسنن الله تعالى التي بيّنها الله في القرآن الكريم أو بيّنها الرسول صلى الله عليه وسلم جديرة بالدراسة والفهم ، بل إن دراستها وفهمها من الأمور المهمة جداً والواجبة ديانة ، لأن معرفتها معرفة لبعض الدين قال تعالى : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)10. قال الآلوسي رحمه الله تعالى في تفسيرهذه الآية:((والمراد من (كُلِّ شَيْءٍ) ما يتعلق بأمور الدين أي بياناً بليغاً لكل شيء يتعلق بذلك، ومن جملته أحوال الأمم مع أنبيائهم ))11 . ومن الواضح أن أحوال الأمم مع أنبيائهم التي اعتبرها الآلوسي رحمه الله بحق أنها من جملة الدين ، هذه الأحوال تعني ما جرى لهم مع انبيائهم وما حلّ فيهم بسبب سلوكهم معهم وموقفهم منهم وفقاً لسنّة الله ، وما طلبه الله منا من الاتعاظ والاعتبار بهم . فيتحصل من ذلك أن معرفة سنن الله جزء من معرفة الدين أو معرفة لجزء من الدين ، وأن هذه المعرفة ضرورية . ومن الواجبات الدينية لأنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة حتى لا نقع في الخطأ والعثار والغرور والأماني الكاذبة ، وبذلك ننجو ممّا حذّرنا الله منه ، ونظفر بما وعد الله به عباده المؤمنين المتقين .

18 ـ الغرض من تأليف هذا الكتاب : والغرض من تأليف هذا الكتاب توضيح بعض معاني الشريعة الإسلامية للمسلمين ونرها فيما بينهم لتبصيرهم بها ودعوتهم إلى فحص نفوسهم وصفاتهم وأحوالهم وما هم عليه كأفراد أو أمم أو دول أو جماعات في ضوء سنن الله التي بيّنها لنا ، وليعلموا يقيناً أن ما هم عليه مما يحزن المحب ويسرّ له العدو ، وما أصابهم وما حلّ في ديارهم ، لم يحدث شيء من ذلك قط (صدفة) أو خبط عشواء ، بل كان نتيجة حتمية لما فعلوه أو قصّروا في فعله أو تسببوا في فعله أو التقصير فيه .. وليعلموا أيضاً على وجه اليقين أن الخلاص من الحالة السيئة التي هم عليها لا يكون أبداً إلا باتباع ما تقضي به سنن الله تعالى وليس باتباع غيرها أو اتباع ما يناقضها . وليعلموا أيضاً أن من يريد تبديل حاله السيىء بغير تهيئة مقتضيات التبديل مثله كمثل من يريد تبريد الماء بوضعه على النار أو يريد تسخينه بوضعه على الثلج ..

إن تأليف هذا الكتاب ليس من قبيل الترف العقلي أو لغرض التأليف العلمي النظري البحت ، وإنما هو لأجل تعريف أحبائي وإخواني المسلمين في كل مكان ببعض حقائق الإسلام العظيم ومعانيه وقوانينه الثابتة ، لا ليخزنوا هذه المعرفة في رؤوسهم وإنما ليجعلوها محركاً ودافعاً لنفوسهم للعمل الجدّي الصحيح الدؤوب الصامت وفقاً لمقتضيات سنن الله في التبديل والتحويل من السيىء إلى الحسن ، ومن حياة الذل إلى حياة العز ، ومن التبعية الذليلة المهينة للطواغيت والكفرة والفجرة ، إلى حيث أراد الله تعالى للمؤمنين من العزّة والكرامة والقيادة للبشر جميعاً ، قال تعالى : (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)1 ، وقال تعالى : (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)2 .

19 ـ منهج البحث وفصوله : قلنا إن موضوع بحثنا في هذا الكتاب هو الوجه الثاني من القانون العام الذي يحكم المخلوقات في هذا العالم . والوجه الثاني من هذا القانون العام هو (سنة الله) المتعلقة بسلوك البشر وأفعالهم في الدنيا وما يترتب عليها من نتائج في الدنيا والآخرة .

أما الوجه الاول من القانون العام ، فيقابله أيضاً في اصطلاحنا الشرعي (سنة الله) . ولكن هذه السنة تتعلق بالأشياء والظواهر والأحداث المادية ، وهذه السنّة لا أتكلم عليها إلا على سبيل التمثيل والاستطراد وهي على كل حال شيء قليل جداً .

وعلى هذا فقد جعلت هذا الكتاب فصولاً ، وجعلت لكل فصل عنواناً ، وهذا العنوان اقتبسته من مضمون الفصل ، وهذا المضمون هو بعض ما اشتملت عليه (سنة الله) .. كل ذلك ليسهل على القارىء الإحاطة بمواضيع الكتاب بيسر ودون اضطراب أو تشويش .

الفصل الأول :سنة الله في الأسباب والمسببات [ قانون السببية ]

20 ـ تعريف السبب :

السبب في اللغة كل شيء يتوصل به إلى غيره1 . وبهذا المعنى اللغوي للسبب ورد في قوله تعالى : (وآتيناه من كل شيء سبباً فأتبع سبباً) فالمعنى : آتاه الله من كل شيء معرفة وذريعة يتوصل بها فاتبع واحداً من تلك الأسباب2 . وقال الزمخشري : السبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة3 . فالمنظور إليه في كون الشيء سبباً هو كونه موصلاً إلى غيره سواء كان هذا الشيء مادياً كآلة من الآلات المادية أو كان معنوياً كالعلم والقدرة .

21 ـ كل شيء بسبب :

وقد دلّ القرآن الكريم على أن كل شيء يحدث بسبب سواء كان هذا الحدث يتعلق بالجماد أو بالنبات أو بالحيوان أو بالإنسان أو بالأجرام السماوية أو الظواهر الكونية المادية المختلفة . فقانون السببية أي ربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها ، هذا القانون عام شامل لكل ما في العالم ولكل ما يحصل للإنسان في الدنيا والآخرة . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب ، والله خالق الأسباب والمسببات )1. فمن الأسباب المادية قوله تعالى : (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ)2 . ومن الأسباب المعنوية : (إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً)3 . كما سنبينه فيما بعد .

والقرآن الكريم ـ كما يقول ابن القيم ـ مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة ، فيأتي بباء السببية تارة كقوله تعالى : (كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية) ، ويأتي باللام تارة كقوله تعالى : (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم) ويأتي بذكر الوصف المقتضي للحكم تارة كقوله تعالى : (ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً)4 ، فالله تعالى اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها5 .

22 ـ من مقالة قديمة لي في قانون السببية :

وقد يكون من المفيد أن أذكر هنا شيئاً مما جاء في مقالة لي نشرتها في مجلة التربية الإسلامية ببغداد قبل ما يقرب من ثلاثين سنة بعنوان ((القانون الرهيب)) جاء فيها6 : (( كثيراً ما يقول الناس إن الشيء الفلاني حدث صدفة ، ويمر هذا اللفظ على الأسماع كأنه قول صحيح .. والواقع أن هذا اللفظ غير صحيح ، وليس له المدلول الذي يتبادر إلى الأذهان .. فليس في الكون مكان (للصدفة) وإنما هناك أسباب ومسببات ونتائج تسبقها مقدمات .. وما يسمى (صدفة) ما هو في الحقيقة إلا حدث يجهل الناس أسبابه .. ولكن الجهل بالشيء لا يعني عدم وجود ذلك الشيء .. وتوضيح هذه الحقيقة أنَّ هذا الكون الواسع العجيب المدهش الذي خلقه الله تعالى : (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ)7 .

هذا الكون يجري بموجب أسباب ومسببات تكوّن قانوناً عاماً هو في غاية الدّقة والإحكام والشمول بحيث لا يخرج عنه شيء ولا يفلت منه مخلوق .. يحكم كل شيء من المخلوقات بلا استثناء : من أصغر ذرّة إلى أكبر جرم ، ومن الجماد والنبات بأنواعه إلا ذي الروح بأنواعه ، ومن حركة الذّرة في مادتها التي لا نشعر بها إلى حركة الريح العاصف التي تقلع الأشجار وتخرب البيوت .. فالكل خاضع ومنقاد لهذا القانون الرهيب لا يستطيع منه تفلتاً ولا خلاصاً .. وهذا الخضوع التام من الجميع ما هو في الحقيقة إلى خضوع للملك القوي الجبار واضع هذا القانون وخالق هذا الكون ، وعلى هذا دلّ القرآن الكريم ، قال تعالى : (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)8 ، وقال تعالى : (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)9 . وهذا القانون الإلهي العام المسمى في القرآن الكريم (سنة الله) لا يقبل التبديل ولا التحويل .

وقد ذكرت كلمة (سنة الله) وأنها لا تتبدل ، في القرآن الكريم في مواضع كثيرة حتى يرسخ مفهومها في النفوس وتنحسر الأوهام عن العقول . (وسنة الله) أو هذا القانون الإلهي العام يقوم على الأسباب والمسببات وربط النتائج بالمقدمات على نحو هو في غاية الدّقة والصرامة والاطراد .. والإنسان ـ وهو جزء من هذا الكون ، ولكنه جزء ممتاز ـ يخضع لهذا القانون في جميع حركاته وسكناته وتقلبات أحواله ... كما تخضع له أيضاً الأمم في علوها وانخفاضها وسعادتها وشقائها وعزها وذلها وبقائها وهلاكها .. وهذا الخضوع من الأفراد والأمم في جميع أحوالهم لهذا القانون الرهيب يساوي بالضبط خضوع الأحداث الكونية المادية لهذا القانون ، فكما أنّ سقوط تفاحة من شجرة هو نتيجة حتمية لأسباب معينة أدّت إلى هذا السقوط ، فكذلك يعتبر سقوط دولة أو هلاك أمة نتيجة حتمية لأسباب معينة أدّت إلى هذا السقوط ..

وهذا ما تقضي به سنّة الله العامة التي لا تقبل التخلف ولا التبديل : (سنّة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلاً) ، وكل الفرق بين الأحداث الكونية المادية وبين الأحداث الاجتماعية هو أن أسباب الأولى واضحة بيّنة مضبوطة إذا عرفناها أمكننا الحكم بدقة على نتائجها وميقات هذه النتائج ، فالماء مثلاً ينجمد إذا بلغت درجة برودته كذا درجة ، ويصل إلى الغليان إذا وصلت درجة حرارته إلى كذا درجة وبعد كذا من الوقت ، وهكذا .. أما أسباب الأحداث الاجتماعية فهي بمختلف أنواعها من سياسية واقتصادية وحضارية وعمرانية وغلبة ونصر وهزيمة وخذلان .. الخ ، أسباب دقيقة وكثيرة ومتشعبة ومتشابكة وقد يعسر على الكثيرين الإحاطة بها تفصيلاً .. ولكن مع هذا العسر يمكن للمتأمل الفاحص الدقيق أن يعرفها ويحيط بها علماً ، كما يمكنه الجزم بحصول نتائج معينة بناء على أسباب معينة وإن لم يمكنه الجزم بميعاد حصول هذه النتائج ، فنستطيع مثلاً أن نحكم على وجه الجزم واليقين بزوال حكم أو سلطان إذا وجدناه قائماً على الظلم والإرهاب وإن كنا لا نستطيع تحديد وقت زواله على وجه الدقة والضبط كما نحدد ميعاد غروب الشمس أو شروقها ..

ومن أجل هذا الفرق بين الأحداث الكونية المادية وبين الأحداث البشرية يغفل الناس كثيراً عن سنة الله في الاجتماع البشري وفي تصرفات وسلوك الأفراد والأمم ، ويظنون أن أمورهم لا تخضع كما تخضع الظواهر الكونية لقانون الأسباب والمسببات ، ويقوي هذا الظن الخاطىء في نفوسهم أنهم يرون ـ في الظاهر ـ أسباباً متشابهة في دولتين أو أمتين ، ولكن أحوالهما مختلفة ، فيقولون : أين هو القانون العام الذي تزعمون؟ وهذه الأسباب فيهما واحدة ولكن لم تؤد إلى نتائج واحدة؟ وفاتهم أن الأسباب تؤدي حتماً إلى مسبباتها إلا لمانع ، وأن المقدمات تؤدي حتماً إلى نتائجها إلا لعارض ، وهم لم يبصروا الموانع والعوارض ، كما لم يبصروا كل الأسباب والنتائج فتراكم الخطأ عليهم فلم يعودوا يبصرون .. وسنّة الله بيّنتها آيات كثيرة في القرآن الكريم ، فنحن نجدها في آيات قصص القرآن وسيرة الأنبياء ، وما جرى لهم مع أقوامهم ، وفي أخبار الأمم السابقة وفي صراع أهل الحق مع أهل الباطل . ولو ذهبنا نعدّ هذه الآيات لألفيناها أكثر من آيات الأحكام ، فعلى ماذا يدل هذا؟ نعتقد أن هذه الكثرة من آيات القرآن التي جاء فيها ذكر (سنة الله ) ومعناها وتطبيقها ، تدل دلالة قاطعة على أهمية المعرفة بسنّة الله في الكون ووجوب فهوها من قبل المسلمين ، كما يجب عليهم فهم أمور العبادات التي تخصهم ، لأن الله عزّ وجلّ لا يخص بالذكر في القرآن الكريم إلا ما يلزم ذكره ويحتاج الناس إلى معرفته ، فإذا تكرر ذكر شيء دلّ ذلك على أهميته ، ولهذا جاء في هذه الآيات التي أشرنا إليها ما يدعو إلى التأمل والاتعاظ والافتكار في سنن الله ، كما جاء فيها دعوة صريحة إلى وجوب فهم سنن الله في الاجتماع البشري . فمن النوع الأول قوله تعالى : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)1 . ومن النوع الثاني قوله تعالى : (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ)2 . ولهذا نرى أن من الضروري جداً للمسلمين عموماً ـ الحكام والمحكومين ـ أن يتفهموا سنن الله في الاجتماع البشري لينجوا من الهلكة أو ليتخلصوا منها إذا وقعوا فيها وقد وقعوا فيها فعلاً ، وأن يعلموا أن هذا الفهم من لوازم الإيمان ومن فهم أحكام الإسلام3 )) .

23 ـ الأسباب والمسببات من فعل الله :

وليكن معلوماً أن كون الشيء سبباً لغيره أو كونه مسبباً عن غيره ، هو من فعل الله تعالى وحكمه ، فهو تعالى خالق الأسباب والمسببات4 . ولولاه لما صار هذا الشيء سبباً لغيره ولا صار هذا الغير مُسبَّباً عنه . ومعنى ذلك أن السبب إنما يعمل ويستدعي مسبّبه بموجب سنّة الله ونفاذها .

24 ـ المسببات تكون بأسبابها لا عندها :

قال بعض الناس إن المسببات تكون عند وجود أسبايها ولا تكون بهذه الأسباب ، فالإحراق مثلاً يحصل عند وجود النار وليس بالنار . وهذا القول غير صحيح ، فالمسببات تحدث أو تكون بالأسباب الموجبة لها ، لا أنها تحدث أو تكون عند وجود هذه الأسباب . والأسباب إنما صارت أسباباً بما أودعه الله تعالى فيها من معاني السببية التي تستوجب نتائج معينة تناسب هذه المعاني ، وكل هذا بتقدير الله ومشيئته وسنته في خلقه . فالإحراق يكون بالنار ، فالنار هي سبب الإحراق ، والإحراق يكون بالنار لما أودع الله فيها من معاني الحرارة المستوجبة للاحراق ، لا أن الإحراق يحدث عند وجود النار .

والشبع أو الغداء يكون أو يحصل بأكل الخبز ونحوه لا عند الأكل ، والولد يخلقه الله في بطن أمه بإلقاء ماء الرجل في رحم امرأته لا أنه يخلقه عند هذا الإلقاء ، والنبات يكون بالبذر لا عند البذر . وإنما صارت المسببات ناتجة عن أسبابها لما أودعه الله في هذه الأسباب من معانٍ وقوى تستوجب هذه المسببات ، وسواء في هذه الأسباب المادية والمعنوية والمسببات عنهما ، كالإحراق الناتج عن النار ، فالنار سبب والإحراق مسبب عنها . وهذا في الأسباب المادية ومسبباتها ، وكذلك جعل الله تعالى الأشياء المعنوية أسباباً لنتائج معينة هي مسببات عنها ، فجعل الإيمان والأعمال الصالحة سبباً لرضوان الله وسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة . وجعل الاستغفار سبباً لمغفرة الله ورحمته ، وجعل الاختلاف المذموم والظلم من أسباب هلاك الأمم وهكذا ..

25 ـ الرد على من لا يعتبر الأسباب :

وقد ردّ ابن تيمية على من لم يعتبر الأسباب وينكر أن تكون مسبباتها ناتجة عنها ، فقال رحمه الله تعالى : (( ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل وهو طعن في الشرع أيضاً ، فالله تعالى يقول : (وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها) ، وقال تعالى : (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبيل السلام) ، وأمثال ذلك ، فمن قال يفعل الله تعالى عندها ، أي عند هذه الأسباب ، لا بها ، فقد خالف لفظ القرآن ، مع أن الحسّ والعقل يشهدان أنها أسباب ، ويعلم الفرق بين الجبهة والعين في اختصاص أحدهما بقوة ليس في الآخر ، ويعلم الفرق بين الخبز والحصى في أن أحدهما يحصل به الغذاء دون الآخر ))1 .

25 ـ مكرر ـ اعتراض ودفعه : وقد يقال : إن السبب وإن كان صحيحاً وتاماً فليس من المحتم أن يستوجب مسبّبه مما يدل على أن المُسبّب لا يحدث بالسبب ، وإنما قد يحدث عنده ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله . قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل )) مع قوله تعالى : (ادخلوا الجنة بما كنتم تعلمون) ، فدلّ على أنّ المسبَّب لا يحصل بالسبب بل عنده .

والجواب : إن (الباء) في قوله تعالى : (ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون) هي (باء) السببية ، فالأعمال الصالحة هي سبب دخول الجنّة ، واستوجبتها بوعد الله وسنته . فالمعنى ادخلوا الجنّة بسبب أعمالكم . والذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم هو : (باء) المقابلة أو المعاوضة ، فليس العمل عوضاً ولا ثمناً كافياً لدخول الجنّة ، بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته2 .

26 ـ لا بدّ للأسباب من شروط وانتفاء الموانع :

وليكن معلوماً أن السبب إنما يستوجب مسببه إذا توفرت شروطه أي إذا تحققت شروط عمل هذا السبب وفعاليته واستدعاءه لمسببه . كما لا بد من انتقاء موانعه أي انتفاء الموانع التي تعيق عمل هذا السبب أو تسلبه فعاليته بحيث يصبح غير قادر على استدعاء مسببه . فالأكل مثلاً سبب للغداء والشبع واستدامة الحياة ، ولكن بشرط سلامة أعضاء الإنسان الضرورية لتلقي الطعام والاستفادة منه ، وانتفاء الموانع أي انتفاء العوائق التي تعيق عمل هذه الأعضاء في انتفاعها من الأكل .

والزرع سببه حرث الأرض وإلقاء البذر ، وشرطه صلاحية الأرض للإنبات وصلاحية هذا البذر للنبات وتوفر الماء الكافي وانتفاء الموانع من خروج النبات والثمر كانتفاء الآفات التي تهلك الزرع والثمر أو تمنع نموه وهكذا .. وقد ، صرّح غير واحد من العلماء بضرورة تحقق شروط السبب وانتفاء موانعه حتى ينتج هذا السبب مسببه ، فمن أقوالهم قول الفقيه الشاطبي : ( وأما إذا لم تفعل الأسباب على ما ينبغي ولا استكملت شرائطها ولم تنتف موانعها فلا تقع مسبباتها شاء المكلف أو أبى ، لأن المسببات ليس وقوعها أو عدم وقوعها لاختياره . وأيضاً فإن الشارع لم يجعلها أسباباً مقتضية لمسبباتها إلا مع وجود شرائطها وانتفاء موانعها ، فإذا لم تتوفر لم يستكمل السبب أن يكون سبباً شرعياً سواء علينا أقلنا إن الشروط وانتفاء الموانع أجزاء أسباب أم لا ، فالثمرة واحدة3 .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع )4 . ثم قال ابن تيمية رحمه الله : ( فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع ، وكل ذلك بقضاء الله وقدره ، وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوبه بل لا بد من انضمام أسباب أخرى إليه ، ولا بد أيضاً من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود ، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك . ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له . والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل الله في البدن من الأعضاء والقوى5 .

وقوا ابن تيمية : ( وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوبه ، بل لا بد من انضمام أسباب أخرى إليه ) هذه الأسباب الأخرى هي التي يسميها البعض بالشروط ، وقد سماها ابن تيمية نفسه شروطاً في موضع آخر من كلامه1 . وكذلك أشار الفقيه الشاطبي إلى هذه التسمية بقوله : ( وسواء علينا أقلنا إن الشروط وانتفاء الموانع أجزاء أسباب أم لا )2 .

27 ـ الأسباب والقضاء والقدر :

ولا يجوز إسقاط الأسباب وعدم مباشرتها بحجة الإيمان بالقضاء والقدر كأن يترك الإنسان العمل وغيره من أسباب الرزق بحجة أنه إذا كان الله قدّر له رزقاً فلا بد أن يأتيه ويحصل عليه عمل أو لم يعمل . فهذا الاحتجاج من قبيل الوهم والتوهم وقد ردّه النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه ، قال : كنّا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكّس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال : ما منكم من أحد ، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنّة والنار وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة . فقال رجل يا رسول الله : أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال : من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة . فقال اعملوا فكل ميسّر أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ، ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأمّا من بخل واستغنى وكذّب بالحسنى فسنيسره للعسرى)3 .


قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : وفي هذا الحديث النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر ، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها وكل مُيسر لما خلق له لا يقدر على غيره4 .

وأيضاً فإن الله تعالى أمر الناس بالدعاء والاستغفار وبغيرهما من الأسباب المؤدية إلى مسبباتها من تفريج الكروب وغفران الذنوب وتحصيل المقاصد ، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل الله تعالى ولا أستغفره اعتماداً على الخطأ كان مخطئاً ؛ لأن الله تعالى جعل الدعاء ونحوه من العبادات أسباباً تنال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره . وإذا قدّر الله للعبد خيراً يناله بالدعاء أو بغيره من الأسباب لم يحصل ما قدره له بغير هذا السبب من الدعاء وغيره . وما قدره الله وقضاه وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره بأسباب تقع فيقع ما ارتبط بها من مسببات ، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب والله خالق الأسباب والمسببات5 .

28 ـ الأسباب والتوكل :

زعم البعض أن من تمام التوكل ترك الأسباب حتى التي جرت عادة الناس بها كحمل الزاد في السفر مثلاً عن طريق سلوك الصحراء كما كان الحال في الزمن الماضي حتى قال هذا البعض من الناس ، إن من تمام التوكل أن لا يحمل المتوكل الزاد في سفره للحج وفي غيره من الأسفار فيدخل إلى الصحراء بلا زاد ولا ماء اتكالاً على الله تعالى .

قال ابن تيمية رحمه الله في ردّه على هذا القول : ( وهذا القول وأمثاله من قلة العلم بسنّة الله في خلقه وأمره ، فإن الله تعالى خلق المخلوقات بأسباب ، وشرع للعباد أسباباً ينالون بها مغفرته ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة . فمن ظنَّ أنه بمجرد توكله مع تركه ما أمره الله به من الأسباب يحصل مطلوبه وأن المطالب لا تتوقف على الأسباب التي جعلها الله أسباباً لها فهو غالط )6 . والحقيقة أن إسقاط الأسباب والإعراض عنها وعدم مباشرتها بحجة التوكل على الله تعالى يفضي بفاعل ذلك إلى مخالفة الشرع فإن الله تعالى قد أمر بالأخذ بالأسباب فمن أعرض عنها فإنه يعرض عما أمره الله تعالى به ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ( والله أمر بالقيام بالأسباب فمن رفض ما أمره الله أن يقوم به فقد ضاد الله في أمره ، وكيف يحل لمسلم أن يرفض الأسباب كلّها؟ )7 .


29 ـ تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل :

وليكن معلوماً أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل ، بل إن التوكل نفسه من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه ، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل . ثم إن حقيقة التوكل الثقة بالله والطمأنينة به والسكون إليه فالتوكل ـ كما قال الإمام أحمد ـ هو عمل القلب ، ومعنى ذلك أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح1 .

وعلى هذا فالتوكل الشرعي الصحيح هو الاعتماد الكامل على الله والثقة بكفايته لعبده مع مباشرة العبد للأسباب المشروعة أو العادية التي جعلها الله مفضية إلى مسبباتها ، ويدل على ذلك الحديث النبوي الشريف : ( لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ) رواه الترمذي2 .

ففي هذا الحديث الشريف دلالة على مشروعية العمل للكسب والأخذ بالأسباب ، فالطير لا يأتيها رزقها وهي في عشوشها بل بسعيها ، فقد ألهمها تعالى بالسعي لتحصيل رزقها فتخرج جياعاً وترجع بطاناً ممتلئة البطون شبعاً . وهكذا ينبغي أن يكون الصادق في توكله يباشر الأسباب للحصول على مقصوده ومطلوبه . وعن أنس أن رجلاً قال يا رسول الله : ( أعقلها ـ أي ناقته أو بعيره ـ وأتوكل؟ أو أطلقها وأتوكل؟ قال : اعقلها وتوكل ) رواه الترمذي3 .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير . احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز .. ) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث : قوله صلى الله عليه وسلم : ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ) أمرٌ بالتسبب المأمور به وهو الحرص على المنافع وأمرٌ بالتسبب المأمور به وهو الحرص على المنافع وأمرٌ مع ذلك بالتوكل وهو الاستعانة بالله ، فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين4 .

30 ـ الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب :

ومع الأمر بتعاطي الأسباب ومباشرتها فإن الاعتماد القلبي على الله تعالى لا عليها فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها ، وحال بدنه قيامه بها ، وهداه هي حقيقة التوكل : يباشر المسلم الأسباب وثقته بالله واعتماده عليه ، كالفلاح في أرض (الديم) التي تسقى بماء المطر ، يحرث الأرض ويلقي البذور واعتماده على الله في إنزال المطر وإخراج الزرع . وعلى هذا فإذا كانت الأسباب مقدورة له وهو مأمور بها فعليه أن يقوم بها مع توكله على الله ، كما يؤدي الفرائض وكما يجاهد العدو وهو يلبس جُنّة الحرب ويحمل السلاح ولا يكتفي في دفع العدو على مجرد توكله بدون توكله بدون أن بفعل ما أمره به الشرع من أمور الجهاد ، فمن ترك الأسباب المأمور بها فهو عاجز مفرط5 .

31 ـ سنّة الله في الأسباب وعلاقتها بالسنن الأخرى : سنّة الله في الأسباب تشغل مساحة كبيرة جداً من سنته الأخرى ، وقد لا أكون مغالياً إذا قلت إن السنن الأخرى تقوم على سنته تعالى في الأسباب بصورة مباشرة أو غير مباشرة حتى لتبدو للمتأمل فيها كأنها من مفردات سنّة الله في الأسباب وليست سنناً مستقلة ، وإن إفرادها بالذكر وبأسماء خاصة بها إنما هو لإبرازها ولفت النظر إليها لمعنى خاص بها ، وتبقى مع ذلك قائمة على سنّة في الأسباب ومعتمدة عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة .




الفصل الثاني : سنّة الله في اتباع هداه والإعراض عنه[ قانون الهدى والضلال ]

32 ـ هدى الله هو الهدى :

قال تعالى : (ولن ترضى عنكَ اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملَّتهم قل إن هدى الله هو الهدى)1 ، أي قل يا محمد إن هدى الله الذي بعثني به هو الدين المستقيم الصحيح الشامل2 ، وهو الهدى الحقيقي3 الذي يصلح أن يسمى هدى وهو الهدى كلّه ليس وراءه هدى4 .

33 ـ هدى الله هو الإسلام :

وهدى الله الذي هو الهدى ، أرسل به محمداً صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق)5 ، هذا الهدى هو الإسلام الذي فيه الهدى كلّه ليس وراءه هدى ، قال الزمخشري في قوله تعالى : (قل إن هدى الله هو الهدى) يعني أن هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى الحق والذي يسمى هدى وهو الهدى كلّه ليس وراءه هدى ، وما تدعون اتباعه أيها اليهود والنصارى ما هو يهدي إنما هو هوى6 .

34 ـ من يترك هدى الله يتركه الله وما اختاره :

قال تعالى : (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيراً)7 ، هدى الله هو الإسلام وهو سبيل المؤمنين ، فمن يشاقق الرسول صلى الله عليه وسلم ـ أي يعاديه ـ فلا يتبع الإسلام ويتبع غير سبيل المؤمنين بعد أن تبين له هدى الله فإن الله تعالى يتركه وشأنه وما اختاره لنفسه من ضلال . قال الإمام الرازي في قوله تعالى : (نولِّه ما تولّى) أي نتركه وما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه8 . ومن المعلوم أن ما اختاره لنفسه هو سبيل الضلال لأنه ليس بعد الحق ـ الإسلام الذي تركه ـ إلا الضلال ، قال تعالى : (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنّى تصرفون)9 .

35 ـ تهديد من يتبع غير هدى الله :

هدى الله هو الإسلام وهو الحق الواجب الاتباع وما عداه هو الضلال الواجب تركه والإقلاع عنه ، فمن تمسك به خسر تولي الله له ونصرته إيّاه وكان من الظالمين ، قال تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم والأمر لأمته : (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير)10 . قال ابن كثير في تفسيرها : في هذه الآية تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طوائف اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة عياذاً بالله من ذلك . فإن الخطاب مع الرسول والأمر لأمته11 . وفي آية أخرى قال تعالى : (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذن من الظالمين)12 . والذي جاءه من العلم هو هدى الله وما شرعه له من أمور الإسلام ، فإذا فرض مجرد فرض أن تتبع ما يهواه اليهود والنصارى إنك إذن لمن الظالمين ، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد أمته . وفي الآية تهديد ووعيد لمن يتبع أهل الباطل في باطلهم وأهوائهم استمالة لهم ، فقد جاء في تفسير المنار بشأن هذه الآية : هذا الخطاب بهذا الوعيد لأعلى الناس مقاماً عند الله تعالى وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو أشد وعيد لغيره ممن يتبع الهوى ويحاول استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من الباطل ، فإنه أورده بالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم مع أن المراد أمته ليعلم المؤمنين أن اتباع أهواء الناس ولو لغرض صحيح هو من الظلم العظيم الذي يقطع طريق الحق ويردي الناس في مهاوي الباطل13 .


36 ـ لا حزن ولا خوف على متبع هدى الله :

قال تعالى : (قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينّكم منّي هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)1 . قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : أي من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا2 . وفي تفسير المنار : المهتدون بهدى الله تعالى لا يخافون مما هو آت ولا يحزنون على ما فات لأن اتباع الهدى يسهل عليهم سبيل اكتساب الخيرات ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة ، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يستقبله ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده لأنه موقن بأن الله يخلقه3 .

37 ـ طيب العيش لمتبع الهدى ، والعيش الضنك للمعرض عنه :

قال تعالى : (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)4. فهذه الآيات بيّنت سنة الله في متبع هداه وسنته في المعرض عنها . والمقصود بهدى الله في هذه الآية كتبه التي أنزلها على رسله لتبليغها للناس5 .

وفسّر بعضهم (هدى الله) بأنه القرآن الكريم لما روي عن ابن عباس أنه قال : ( أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة . ثم قرأ هذه الآية )6 .

والواقع أن (هدى الله) يشمل جميع كتبه التي أنزلها الله على رسله و أمرهم بتبليغ محتوياتها من الهدى للناس، ولا شك أن القرآن من جملتها ، بل وأفضلها وحيث أنه آخرها ، وأن اتباعه هو الواجب دونها ، فبهذا الاعتبار جاز وصح تفسير (هدى الله) في هذه الآية بأنه القرآن الكريم كما هو المروي عن ابن عباس .

38 ـ سنّة الله في متبع هداه ، ودليلها :

قلنا : إنّ سنّة الله في متبع هداه ـ أي القرآن ـ هو تمتعه بطيب العيش في الدنيا ، ودليل هذه السنّة قوله تعالى : (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) . قال ابن عباس : (لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة )7 ، والضلال في الدنيا الانحراف عن الإسلام ، والشقاء في الآخرة العقاب فيها . قال الزمخشري في قوله تعالى : (فلا يضل ولا يشقى) ، والمعنى أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه 8. ولكن نظم الآية وسياقها يتسعان للقول بأن الشقاء المنتفي عن متبع القرآن يشمل انتفاءه عنه في الدنيا والآخرة ، وهذا التفسير هو أحد الوجوه في تفسير قوله تعالى : ( فلا يضل ولا يشقى) والذي ذكره الإمام الرازي في تفسيره لهذه الآية ، وأورد على هذا الوجه من التفسير سؤالاً فقال : ( الوجه الثالث ـ أي في تفسيرها ـ لا يضل ولا يشقى في الدنيا . فإن قيل : المتبع لهدى الله قد يلحقه الشقاء في الدنيا . قلنا : المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين ، فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس )9 .

والواقع أن متبع هدى الله ـ أي القرآن الكريم ـ يحيا حياة طيبة كما وعد الله تعالى وكما هو مقتضى سنته ، قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)10 ، والشأن بمتبع هدى الله ـ القرآن الكريم ـ أنه مؤمن ويعمل الصالحات وإلا لما كان متبعاً للقرآن ، والحياة الطيبة التي يحياها لا يشقى فيها قطعاً ، لأنها تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت كما قال ابن كثير في تفسيره11 . ولأن الشقاء ينافي الحياة الطيبة التي يتمتع بها متبع القرآن ، فالشقاء إذن منفي عنه في الدنيا ، كما أن الضلال منفي عنه في الدنيا . ولأن متبع هدى الله همّه مرضاة الله فهو قانع بما قسمه الله له في الدنيا غير متسخط على ذلك ؛ لأنه سعيد بما أنعم الله عليه من نعمة الدين ، فهو في عيش طيب رغيد ، لأن تطلعه ـ بعد أن أنعم الله عليه بالإسلام ـ إلى ما عند الله لا إلى الدنيا ومتاعها الزائل ، فهو لا يحرص على تحصيله وإن كان لا يرفضه إذا جاءه ولا يأسف إذا فاته فهو في طيب عيش وحياة طيبة قطعاً .

39 ـ سنّة الله في المُعْرِض عن هداه ودليلها :

وأما سنة الله في المعرض عن هداه ، وهي عيشه الضنك ، كما قلنا ، فهذه السنة ودليلها في قوله تعالى : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً .. ) الخ ، وذكر الله هو قرآنه أو دينه الإسلام ، والإعراض عنه يعني تركه وعدم اتباعه ، وابتغاء الهدى من غيره . قال ابن كثير رحمه الله تعالى : (ومن أعرض عن ذكري) أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي وأعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه1 .

وهذا المعرض عن هدى الله له المعيشة الضنك أي الضيقة في الدنيا ، لأن الضنك أصله الضيق والشدّة . ووجه ضيق معيشته أنه شديد الحرص على الدنيا متهالك عليها وعلى الزيادة منها خائف من انتقاصها ، لا طمأنينة له ولا انشراح لصدره ، بل صدره ضيق حرج لضلاله ، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه مالم يعمره هدى الله لا يحس بسعادة ولا بطيب العيش2 . وهذا في الدنيا .

أما في الآخرة فقد مضت سنّة الله في الجزاء أنه سيصيبه عقاب المعرضين عن هداه ، ومن هذا العقاب حشره يوم القيامة أعمى لعماه عن آيات الله وهداه ، قال تعالى مخبراً عن هذا الجزاء وسببه : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى . قال ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً . قال كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) ، والمعنى أن هذا المعرض عن هدى الله يحشر يوم القيامة أعمى فيقول : (ربِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً) أي في الدنيا فيقول الله تعالى له : (كذلك أتتك آياتُنا فنسيتها) أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك فأنت قد عميت عنها لأن من عمي عن شيء نسيه وتركه (وكذلك اليوم تنسى) أي تترك في العمى كما كنت أعمى عن آيات الله ، جزاءً وفاقاً لأن الجزاء من جنس العمل3 . وهذا العقاب الذي ينتظر المعرض عن هدى الله هو أشد وأبقى من عذاب الدنيا . وسيصيب أيضاً المسرفين المكذبين بآيات الله ما أصاب المعرضين عن هدى الله من العيش الضنك في الدنيا والعذاب في الآخرة لقوله تعالى : (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) .

40 ـ من يعرض عن هدى الله يقيّض له شيطاناً :

والمعرض عن هدى الله ، أي القرآن ، يقيض الله له شيطاناً يصاحبه ولا يفارقه ، يزين له عمل الشر ويصده عن سبيل الحق ، ويحسب أنه على هدى وصواب ، وبهذا جرت ستة الله في المعرضين عن هداه قال تعالى : (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ {36} وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ)4 .

وجاء في تفسير هاتين الآيتين : أن من يتعامى ويتغافل ويعرض عن ذكر الله أي عن القرآن الكريم وما أنزل الله فيه ، ويأخذ بأقوال المضلين وأباطيلهم ، نقيّض له شيطاناً أي نتح له شيطاناً فهو له قرين دائماً لا يفارقه ، يمنعه من الحلال ويبعثه على الحرام وينهاه عن الطاعة ويأمره بالمعصية ويزين له سيىء الأعمال .. وهذا عقاب له عن إعراضه عن هدى القرآن كما يقال : إن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد اكتساب السيئات . وإن الشياطين ليصدون أولئك المعرضين عن هدى الله عن سبيل الحق ويحسب أولئك المعرضون عن هدى الله أنهم مهتدون إلى الحق5 . وهؤلاء الضالون المعرضون عن هدى الله يصدق عليهم قول الله تعالى : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)6 .




الفصل الثالث : سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل [ قانون التدافع ]

41 ـ تعريف الحق في اللغة :

جاء في لسان العرب لابن منظور1 : الحق نقيض الباطل . وحقَّ الأمر صار حقاً وثبت . وقال الأزهري : معناه وجب . وفي التنزيل العزيز قوله تعالى : (قال الذين حق عليهم القول) أي ثبت .

وقوله تعالى : (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) أي وجبت وثبتت واستحق الشيء : استوجبه . وفي التنزيل العزيز : (فإن عثر على أنهما استحقّا إثماً) أي استوجباه بالخيانة .

وفي المعجم الوسيط2 : حق الأمر يحق حقاً : صح وثبت وصدق . وتحقق الأمر : صح ووقع . وحقق الأمر : أثبته وصدقه .

ومما تقدم يعلم أن (الحق) في اللغة يقوم على معنى الثبوت والوجوب والصحة . فالحق هو الثابت الواجب والصحيح .

42 ـ تعريف الباطل في اللغة :

جاء في لسان العرب3 بطل الشيء ذهب ضياعاً وخسراً فهو باطل . والباطل نقيض الحق ، والجمع أباطيل .

وفي المعجم الوسيط4 : بطل الشيء : فسد وسقط حكمه . وأبطل الشيء جعله باطلاً .

وفي مفردات غريب القرآن5 : الباطل نقيض الحق وهو ما لا ثبات له عند الفحص عنه ، قال تعالى : (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل) .

43 ـ الحق والباطل في الاصطلاح :

لم يُعن الفقهاء في تعريف الحق في الاصطلاح فكأنهم اكتفوا بمعناه اللغوي فاستعملوه على هذا الأساس فأطلقوه في أبحاثهم الفقهية على كل ما هو ثابت وواجب بحكم الشرع وبالتالي لا يكون صحيحاً ولا يترتب عليه ما يترتب على ما هو ثابت وصحيح شرعاً .

44 ـ معنى التدافع :

جاء في لسان العرب6 : الدفع الإزالة بقوة . يقال دفعه يدفعه دفعاً ودفاعاً ، ودافع عنه بمعنى دفع . ونقول : دفع الله عنك المكروه دفعاً ودفاعاً ، ودافع الله عنك السوء دفاعاً . وتدافع القوم : دفع بعضهم بعضاً . والمدافعة : المزاحمة . والاندفاع المضي في الأمر . وجاء في المعجم الوسيط7 : دفع الشيء إذا نحاه وأزاله بقوة . وفي القرآن الكريم : (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) . ودفع القول : رده بالحجة . ودفع فلاناً إلى كذا : اضطره . دافع عنه مدافعة ودفاعاً : حامى عنه وانتصر له ودافعه : زاحمه . ويقال هو سيد قومه غير مُدافَع : أي غير مُزاحَم وتدافع القوم : دفع بعضهم بعضاً .

45 ـ المقصود بالحق والباطل والتدافع بينهما :

نريد بالحق في بحثنا ما هو ثابت وصحيح وواجب فعله أو بقاؤه من اعتقاد أو قول أو فعل بحكم الشرع . ونريد بالباطل نقيض الحق أي ما لا ثبات له ولا اعتبار ولا يوصف بالصحة ويستوجب الترك ولا يستحق البقاء ، بل يستوجب القلع والإزالة وكل ذلك بحكم الشرع . وعلى هذا فالحق يشمل كل ما أمر الله به ، والباطل يشمل كل ما نهى عنه . ونريد (بالتدافع بين الحق والباطل) تنحية أحدهما للآخر أو إزالته ومحوه بالقوة عند الاقتضاء .

46 ـ التدافع بين الحق والباطل تدافع بين أصحابهما :

والتدافع بين الحق والباطل في حقيقته تدافع بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل أي بين المؤمنين وبين غيرهم ، لأنهم هم الذين يحملون معاني الحق أو معاني الباطل ويسعون إلى إظهار هذه المعاني في الخارج وإقامة شؤون الحياة على أساسها فيحصل التعارض والتزاحم والتدافع بين الفريقين بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل أي بين المؤمنين وبين غيرهم .

47 ـ حتمية التدافع بين الحق والباطل :

والتدافع بين الحق والباطل أي بين أصحابهما أمرٌ لا بدَّ منه وحتمي لأنهما ضدان ، والضدان لا يجتمعان ، ولأن تطبيق أحدهما يستلزم مزاحمة الأخر وطرده ودفعه وإزالته ، أو في الأقل إضعافه ومنعه من أن يكون له تأثير في واقع الحياة . فلا يُتصوَّر إذن أن يعيش الحق والباطل في سلم من دون غلبة أحدهما على الآخر إلا لعلة كضعف أصحابهما أو جهلهم بمعاني الحق والباطل ومقتضيات ولوازم هذه المعاني أو ضعف تأثير هذه المعاني فيهم .

48 ـ للباطل قوة تطغيه :

قلنا إن كلمة (تدافع) تعني في اللغة الإزالة بقوة ، فتدافع الحق والباطل أي تدافع أصحابهما يكون بقوة حيث يسعى كل من أهل الحق والباطل إلى تنحية الآخر عن مكانه ومركزه والغلبة عليه . فأهل الباطل لا يكفيهم بقاؤهم على باطلهم وإنما يسعون إلى محق الحق وأهله وإزالة هذا الحق بالقوة وصد الناس عنه ببذل المال وبالقتال وبكل ما يرون فيه قوة وقدرة لتحقيق ما يريدون .

وهذا هو شأن الباطل وقوته ، تطغيه هذه القوة فتدفعه إلى إزالة الحق وأهله ولو بالقوة . قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ(1 . وقال تعالى : (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ)2 . وقتال الكفرة للمؤمنين قتال لنصرة باطلهم فهو في سبيل الطاغوت ، قال تعالى : (الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ)3 .

49 ـ لا بدّ للحق من قوة تحميه :

وإذا كان الأمر كما ذكرنا من شأن الباطل وقوته التي تطغيه وأهله فلا بدّ للحق من قوة تحميه من طغيان الباطل وأهله ، وتمكِّن أهل الحق من محق الباطل والغلبة على أهله . ولهذا أمر الله تعالى أهل الحق بإعداد القوة لإرهاب أهل الباطل ومنعهم من التحرش بأهل الحق ، قال تعالى : (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)4 .

وأمر الله تعالى أهل الحق بالجهاد في سبيل الله بالمال وبالنفس وبكل ما يمكن الجهاد به لمحق الباطل وأهله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى . والآيات في الجهاد بأنواعه ومنه القتال ، آيات كثيرة منها : (انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون َ)5 ، وقوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)6 . وقال تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه)7 .

50 ـ سنّة الله في تدافع الحق والباطل :

قضت سنّة الله تعالى في تدافع الحق والباطل أن الغلبة للحق وأهله ، وأن الاندحار والمحق للباطل وأهله ، قال تعالى : (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)8 .

قال الزمخشري في تفسير هذه الآية : ومن عادة الله أن يمحو الباطل ويثبت الحق بكلماته أي بوحيه أو بقضائه كقوله تعالى : (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)9 .

وجاء في تفسير الرازي بشأن قوله تعالى : (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) أي ومن عادة الله إبطال الباطل وتقرير الحق1 .

وقال تعالى : (إنّ الله لا يصلح عمل المفسدين)2 ، وجاء في تفسيرها : وهذه قاعدة عامة مبينة لسنة الله في تنازع الحق والباطل والصلاح والفساد ويدخل فيه سحر سحرة فرعون فإنه باطل وفساد ، أي لا يجعل عمل المفسدين صالحاً3 .

وقال الزمخشري في تفسيرها : لا يثبته ولا يديمه ولكن يسلط عليه الدمار4 ، وقال الآلوسي في تفسيرها : والمراد بعدم إصلاح ذلك عدم إثباته أو عدم تقويته بالتأييد الإلهي أي أنه سبحانه لا يثبت عمل المفسدين ولا يديمه بل يزيله ويمحقه أو لا يقويه ولا يؤيده ، بل يظهر بطلانه ويجعله معدوماً5 .

51 ـ سنّة الله في نصر المؤمنين لا تتخلف :

إن سنّة الله تعالى في نصر المؤمنين لا تتخلف أبداً لأنها إخبار من الله تعالى والله أصدق القائلين . وأذكر فيما يلي بعض النصوص من القرآن الكريم الدّلة على ذلك .

52 ـ النصوص في سنّة الله تعالى في نصر المؤمنين :

أ ـ قال تعالى : (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً {22} سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً)6 .

قال القرطبي في قوله تعالى : (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ) يعني طريقة الله وعادته السالفة نصر أوليائه على أعدائه7 . وقال ابن كثير في تفسيرها : أي هذه سنّة الله تعالى وعادته في خلقه : ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإيمان على الكفر فرفع الحق ووضع الباطل كما فعل الله تعالى يوم بدر8 .

ب ـ قال تعالى : (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ)9 .

وجاء في تفسيرها : (وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ) أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين كما قال تعالى : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)10 .

ج ـ قال تعالى : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)11 . وجاء في تفسير الزمخشري في هذه الآيات : الكلمة : قوله تعالى : (إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) والمراد الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة12 .

د ـ قال تعالى : (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز)13 وجاء في تفسيرها : أي قد حكم الله وكتب في كتابه الأول وقدره الذي لا يخالف ولا يُمانع ولا يُبدل بأن النصر له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة14 .

ه ـ وقال تعالى : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)15 . قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : ( وهذه سنّة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقرّ أعينهم ممن آذاهم . وقال السدّي لم يبعث الله عز وجل رسولاً قط إلى قوم فيقتلونه ، أو قوماً من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلونهم فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله تبارك وتعالى لهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا ، قال السدي : فكانت الأنبياء والمؤمنين يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها )16 .

ومعنى ذلك أن المؤمنين وهم أهل الحق هم المنصورون وإن قتلهم أهل الباطل وانتصروا عليهم في الظاهر إلا أن العاقبة والغلبة للمؤمنين ولو بعد حين ، حيث يأتي من يعاقب المبطلين ويقتلهم جزاء ما فعلوه بأهل الحق ، وهذا علامة على اندحار أهل الباطل وغلبة أهل الحق عليهم .

و ـ وقال تعالى : (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)1 . وجاء في تفسيرها : فيها مزيد تشريف وتكرمة للمؤمنين حيث جعلوا مستحقين على الله تعالى أن ينصرهم ، وإشعار بأن الانتقام لأجلهم . وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا وأنه عام لجميع المؤمنين فيشمل من بعد الرسل من الأمة2 .

53 ـ قد يتأخر نصر المؤمنين لنصر أكبر :

ومما يجب أن يُعرف أنَّ نصر المؤمنين حسب سنة الله في نصرهم قد يتأخر لأن الله تعالى يريد لهم النصر الأكبر والأكمل والأعظم والأدوم والأكثر تأثيراً في واقع الحياة وفي عموم الناس بعد أن يتهيأ في المؤمنين القاعدة اللازمة لاستحقاقهم هذا النصر الأكبر واستقبالهم له ، ويدل على ذلك أن نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المؤمنين ، لم يحصل هذا النصر في يوم وليلة ولا سنة واحدة ، وإنما تأخر فلم يحصل إلا بعد مضي أكثر مدة نبوته صلى الله عليه وسلم ، فقد حصل هذا النصر بالغلبة والانتصار على قريش وبفتح مكة وذلك في سنة ثمان للهجرة ، أي قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بسنتين ، وقد دخل بسبب هذا النصر الناس في دين الله أفواجاً ، وأنزل فيه تعالى سورة : (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ {1} وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً {2} فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) .

وجاء في تفسيرها : والمعنى : نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة . وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان للهجرة ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب . وكانت تدخل في الإسلام بعد فتح مكة جماعات كثيفة من الناس فكانت القبيلة تدخل في الإسلام بأسرها بعدما كانوا يدخلون في الإسلام واحداً واحداً أو اثنين اثنين3 .

54 ـ قد يسبق نصر المؤمنين أذى من العدو وغلبة له :

إن نصر الله تعالى للمؤمنين حسب سنّته تعالى في نصرهم لا يأتي عادة دون جهد عظيم يبذلونه وتضحية يقدمونها في مدافعتهم لأهل الباطل مما قد يترتب عليه عادة أذى شديد يلحقهم من أهل الباطل وغلبة لهؤلاء المبطلين على المؤمنين . وهذا لا يتعارض مع سنة الله في نصر المؤمنين ؛ لأن الأمور بخواتيمها وعاقبتها . والعاقبة دائماً للمؤمنين في نصرهم على أهل الباطل . ولله الحكمة فيما يصيب المؤمنين من أذى قبل بلوغهم النصر الحاسم على أهل الباطل وعلى هذا دلّ القرآن الكريم وأشار إليه المفسرون ، قال تعالى : (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {140}‏ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ)4 . بيّن الله تعالى أن المؤمنين الذين يصيبهم قرح أي جراحات بسبب القتال يجب أن لا يضعف ذلك همتهم واجتهادهم في جهاد العدو؛ لأنه كما أصابهم قرح فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، وعدوهم لم يفتروا لما أصابهم من القرح من محاربتكم مع كونهم مبطلين وسوء عاقبتهم ، فأنتم أيها المؤمنين أهل الحق أولى أن لا تضعفوا ولا تفتروا عن مجاهدة ومحاربة هؤلاء الأعداء المبطلين5 .

وقوله تعالى : (وتلك الأيام نداولها بين الناس) أي ونديل عليكم الأعداء تارة وإن كانت لكم العاقبة لما لنا من الحكمة ، ومن هذه الحكمة : ليعلم الله الذين آمنوا (ومنها) ليتخذ منكم شهداء بأن يُقتلوا في جهادهم لأهل الباطل . (ومنها) ليمحص الله الذين آمنوا (ومنها) ليمحق الكافرين . فعل ذلك من وجوه الحكمة كالسبب والعلّة في تلك المداولة أي في غلبة العدو6 .

فالأيام في الآية الكريمة أوقات الظفر والفوز ، ومدوالتها بين المؤمنين وأعدائهم أي تحويل الظفر والغلبة بينهم مرّة للمؤمنين ومرّة لأعدائهم ، فهذه المداولة سنّة من سنن الله في تدافع أهل الحق مع أهل الباطل ، فلا عجب أن تكون الدولة مرّة للمبطل ومرّة للمحق ؛ لأن المضمون والمؤكد لصاحب الحق أن تكون العاقبة له ، والأعمال بالخواتيم7 .

ولكن يجب أن يُعرف بأن المداولة في الواقع مبنية على أعمال الفريقين فلا تكون الغلبة لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها ، فإذا كانت المداولة في النصر والغلبة بين الفريقين منوطة بالأعمال التي تفضي إليها كالاجتماع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطيع من القوة ، فعلى المؤمنين أن يقوموا بهذه الأعمال ونحوها من مستلزمات الغلبة والنصر حتى تكون المداولة لهم لا لعدوهم1 .

وقال تعالى : (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون)2 . وجاء في تفسيرها : الكلمة هي قوله تعالى : (إنّهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) والمراد : الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة . ولا يلزم من انهزامهم في بعض المشاهد أن يكون نقضاً للغلبة وللنصر ، فإن الغلبة كانت لهم ولمن بعدهم في العاقبة .

وقال تعالى : (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)3 . قال الزمخشري في تفسيرها : إن الله تعالى يغلّبهم في الدارين جميعاً بالحجة والظفر على مخالفيهم وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحاناً من الله تعالى فالعاقبة لهم4 . وقال الآلوسي رحمه الله في تفسيرها : إننا ننصر رسلنا وأتباعهم في الحياة الدنيا بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة ، ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق للكفرة من صورة الغلبة امتحاناً إذ العبرة إنما هي بالعواقب وغالب الأمر5 .

55 ـ عوامل نصر المؤمنين ومعوقاته :

إنّ سنّة الله في نصر المؤمنين أهل الحق على مخالفيهم أهل الباطل ، هذه السنّة الإلهية إنما تتحقق في واقع الناس إذا هيأ المؤمنون في أنفسهم وفي جمعهم عوامل النصر التي أرشد إليها الإسلام وأمر بها الله تعالى ، وأبعدوا عن أنفسهم وعن جمعهم عوامل الفشل ومعوقات النصر ، فما هي عوامل النصر الواجب على المؤمنين تحصيلها وما هي معوقات النصر الواجب عليهم إبعادها عن أنفسهم وجمعهم؟ هذا ما نبيّنه في الفقرات التالية مبتدئين أولاً بعوامل النصر .

56 ـ أولاً : الإيمان :

من عوامل النصر التي مضت بها سنة الله في النصر وأخبرنا بها الله جلّ جلاله الإيمان . قال تعالى وهو أصدق القائلين : (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)6 ، قال صاحب تفسير المنار في هذه الآية : وهي نصٌّ في تعليل النصر بالإيمان7 ، وقال الآلوسي : وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا وأنه عام لجميع المؤمنين فيشمل من بعد الرسل من الأمة8 .

وقال تعالى : (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)9 ، أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت10. ومن الواضح أن هذه (المعية الإلهية) للمؤمنين هي معية خاصة بهم ولهم بسبب إيمانهم ، فهي تتناسب مع مقدار إيمانهم وعمقه ومدى انصباغهم وتأثرهم به . ولا شك أن الصحابة الكرام المخاطبين بهذه الآية بوصف (المؤمنين) وأن (الله معهم) كان لهم النصيب الأكبر من هذه المعية الخاصة لأهل الإيمان لما عرفوا به من عمق الإيمان وسعته وانصباغهم وتأثرهم به ، ولذلك تحقق لهم النصر على قلة عددهم وكثرة عدد أعدائهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته . (فمعية الله) للمؤمنين بالعون والتأييد ثم بالنصر تتناسب طردياً مع كمية الإيمان وعمقه في نفوس المؤمين .


57 ـ واقع المسلمين لا ينقض سنّة الله في نصر المؤمنين :

إنّ سنّة الله في نصر المؤمنين المقررة بإخبار الله وإعلامنا بها في القرآن الكريم هي سنة مؤكدة يقيناً لا يخامرنا فيها ذرة من الشك ، ولا تنتقض أو تتزعزع بما يُرى من واقع المسلمين في كونهم مغلوبين لا غالبين ومقهورين من قبل أعدائهم غير منصورين عليهم، لأن هذه السنّة هي في (نصر المؤمنين) والمؤمنون هم من يكونون مؤمنين بأوصاف ومقاييس ومعاني الإيمان التي بيّنها الله تعالى في كتابه العزيز وبيّنها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته النبوية الكريمة المطهرة ، لا أن يكونوا مؤمنين بمقاييسهم وتخيلاتهم وأمانيهم ، فعدم انتصارهم على أهل الباطل يعني أن الإيمان المطلوب منهم وما يستلزمه هذا الإيمان ويقتضيه من صفات وأفعال غير متحقق فيهم ، وبالتالي لا يستحقون نصر الله الموعود به للمؤمنين . فعليهم أن يراجعوا أنفسهم ويعرضوها ويعرضوا أحوالهم وأفعالهم وما هم عليه على معاني الإيمان ومقتضياته ويزنوها بميزانه ليعرفوا الخلل الذي هم فيه ، والنقص الموجود فيهم فيقوموا بالتصحيح والتقويم وتدارك ما فاتهم وتحقيق معاني الإيمان في نفوسهم وثمرات هذا الإيمان في خارج نفوسهم حتى يدخلوا في مضمون سنّة الله تعالى في نصر المؤمنين وفي متعلق إخباره تعالى: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) .

58 ـ الإيمان وعوامل النصر المادية :

وليكن معلوماً أن الإيمان وحده لا يغني عن عوامل النصر المادية مثل عدد القتال وعدد المقاتلين وغيرهما من وسائل القتال ومستلزماته وكذلك وسائل النصر المادية في غير ساحة القتال أي في سوح الجهاد الأخرى ومدافعة الباطل في هذه السوح .

ولهذا أمرنا الله تعالى بإعداد القوة المادية ، قال تعالى : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ...) ؛ لأن الإسلام دين واقعي لا يغفل عما في العوامل المادية من قوة وهو يقرر ما للإيمان من قوة ومن سببية في النصر . ولكن هذه القوة للإيمان أو هذه السببية فيه للنصر لها حد محدود بيّنه الله تعالى حتى لا نغالي في الأمور ، وحتى نعطي لكل شيء حقّه من التقييم والتقدير من دون مغالاة فلا نقع في الوهم والخطأ في الحساب والتقدير فنخسر ولا ننتصر على عدونا .

ويدل على ما قلته قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مّاِئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ {65} الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)1 .

وجه الاستدلال بالآية الأولى أن الله تعالى أخبر المؤمنين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عشرين صابرين منهم يغلبون مائتين من الكافرين ، وهذا قبل التخفيف ولم يقل عزّ وجلّ أن العشرين من المؤمنين الصابرين يغلبون ألفين ؛ لأن المؤمنين الصابرين وإن كان لإيمانهم قوة وهي أقوى من قوة الكفر في نفوس الكافرين ، إلاّ أن هذه القوة الإيمانية لها حد محدود في غلبة قوة الكفر والكافرين ، فقد جعل الله قوة الإيمان تصيّر المؤمن الواحد أقوى من عشرة من الكفار فيغلب العشرون من المؤمنين المائتين من الكافرين .

أما إذا كان الكفار ألفاً فليس في وعد الله وإخباره أن العشرين من المؤمنين يغلبون الكفار وهم ألف ؛ بل إنها تشير بأن عدد المؤمنين في هذه الحالة لا يكفي ـ عادة ـ إلى نصرهم . ومعنى ذلك أن للقوة المادية ـ ومنها عدد المقاتلين ـ وزنها وتأثيرها غير المنكور وأن على المؤمنين والأمة عموماً والجماعة المسلمة ملاحظة ذلك وفتح عيونهم عليه وأخذ العبرة منه وأن يحسبوا حساباً دقيقاً لقوتهم وقوة أعدائهم بحيث تكون قوتهم مساوية أو مقاربة لقوة عدوهم فيرجع عندئذٍ المؤمنون بقوة إيمانهم على الكفار فتكون الغلبة للمؤمنين بإذن الله .

59 ـ للقوة المادية تأثيرها في النفوس :

وليكن معلوماً أن للقوة المادية ـ ومنها كثرة أهل الحق أو أهل الباطل ـ تأثيراً في النفوس ، نفوس المؤمنين والكافرين على حد سواء ، ومن هذا التأثير الإحساس بزيادة القوة لدى الفريق الذي يرى أنه أكثر قوة مادية من الفريق الآخر فيتصرف ضد خصمه في ضوء هذا الإحساس والشعور ، كأن يرى المؤمنون الكافرين أقل عدداً منهم مما يجرِّئهم على قتال الكفار والهجوم عليهم ، بعزم وثبات وصبر وثقة بالنصر ، ومثل كثرة المقاتلين وقتلهم فيما يورثانه من إحساس بزيادة أو قلة بالقوة ، سائر القوى المادية الأخرى كنوع السلاح وكثرته . وهذه الحقيقة التي ذكرتها تدعو المؤمنين أفراداً وأمماً وجماعات لا سيما الجماعة المسلمة ، أن يكونوا أقوى من أعدائهم في القوى المادية في هذا العصر الذي تنوعت فيه القوى المادية ولم تعد محصورة في نوع واحد منها .

وقد دلّ على تأثير القوة المادية في نفوس المقاتلين المؤمنين والكافرين قوله تعالى : (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَـكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {43} وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ)1 .

وجاء في تفسير هاتين الآيتين أن الله تعالى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه عدد الكفار قليلاً قبيل بدء القتال في معركة بدر ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه فكان ذلك الإخبار تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم . وبيّن الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم أنه (َلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً) أي لو أراك عدد الكفار كثيراً (لَّفَشِلْتُمْ) أي لأصاب المؤمنين جبن ووهن وهيبة من الإقدام والهجوم على الكفار (وَلَتَنَازَعْتُمْ) أي ولحصل نزاع واختلاف بين المؤمنين وتفرق كلمتهم فيما يصنعونه من مقاتلتهم أو الانصراف عنهم وعدم مقاتلتهم . ثم بيّن الله تعالى أنه أرى المؤمنين عند لقائهم بالعدو أراهم إياهم قليلاً تصديقاً لرؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم وليعاينوا ما أخبرهم به فبزداد يقينهم ويجدّوا ويثبتوا في قتالهم (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) أي يقلل المؤمنين في أعين الكفار مما يجرئهم على الاندفاع في مقاتلة المؤمنين مع قلّة مبالاة بهم فتفجؤهم كثرة المؤمنين التي لم يتوقعوها ولم يروها بأعينهم فيقع القتل فيهم وينتصر المؤمنون عليهم2 .

ووجه الدلالة بهاتين الآيتين وما جاء في تفسيرهما أن القوة المادية ـ وهي هنا كثرة عدة المقاتلين أو قلتهم ـ لها تأثيرها في النفوس من جهة الاندفاع في القتال والشجاعة فيه وفي نتيجته من نصر أو خذلان . لأنه إذا رأى هذا الفريق قلّة عدد خصمه فهذا يجرئه على الاندفاع إلى قتاله ويزيد في ثباته ويزداد أمله في التغلب عليه . بخلالف ما إذا رأى كثرة عدد خصمه فهذا قد يحمله على التردد في قتاله والصمود فيه إذا باشره . ومثل القوة بعدد المقاتلين من حيث كثرتهم وقلتهم وتأثير ذلك على النحو الذي بيّناه ، القوة بالسلاح ونوعيته وكثرته وقلته ، والقوة بسائر مستلزمات القتال والتدافع بين أهل الحق وأهل الباطل في ساحة القتال وفي غيرها من سوح الجهاد .

60 ـ ثانياً : من عوامل النصر تقوى الله :

قال تعالى : (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ {124} بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ)3 . وجاء في تفسيرهما : والظاهر في المدد أن الملائكة يشركون الجيش في القتال إن وقعت الحاجة إليهم ، ويجوز أن لا تقع الحاجة إليهم في نفس القتال ، وأن يكون مجرد حضورهم كافياً في تقوّي القلب . وجعل مجيء خمسة آلاف من الملائكة مشروطاً بثلاثة أشياء : الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور4 . فمدد الملائكة للمؤمنين كان بسبب تقواهم ؛ لان صبرهم من جملة تقواهم ؛ لأن التقوى كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : ((التقوى تجمع فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه))5 ، والصبر من جملة ما أمر الله به . ثم إن مدد الملائكة للمؤمنين لتحقيق نصرهم على الكفار ، فكانت التقوى ـ تقوى الله ـ من العوامل المؤكدة لنصر المؤمنين حسب سنّة الله تعالى .

61 ـ وصية عمر لجنده بتقوى الله :

وفي وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص وجنده في حرب العراق ، جاء في هذه الوصية : فإني آمرك ومن معك من أجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب . وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم . وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدّتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، والاّ نُنصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا . واعلموا أنه عليكم في مسيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شرٌّ منا فلن يُسلَّط علينا وإن أسأنا ، فرب قوم قد سُلِّط عليهم شرٌّ منهم كما سُلِّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله ، كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعد الله مفعولاً . واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم . أسأل الله ذلك لنا ولكم6 .

62 ـ ثالثاً : من عوامل النصر نصرة الدين :

ومن عوامل النصر التي جعلها الله تعالى في سنته في نصر المؤمنين وهم يدافعون الباطل وأهله ، قيامهم بنصرة الدين ، الإسلام ، بكل ما أوتوا من قوة قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)1 .

وجاء في تفسيرها : إن تنصروا الله ، أي إن تنصروا دين الله ورسوله ينصركم على عدوكم ويفتح لكم ويثبت أقدامكم في مواطن الحرب أو على محجة الإسلام2 .

وقال الإمام الرازي في تفسيره : وفي نصر الله تعالى وجوه (الأول) إن تنصروا دين الله وطريقه . (والثاني) إن تنصروا حزب الله وفريقه3 .

ونصرة دين الله تتحقق بأن يسلّم المسلم نفسه بالكلية لله رب العالمين ، فلا يبقى فيه شيء خارج عن الاستسلام المطلق والانقياد التام لله رب العالمين . ويظهر هذا الخضوع والاستسلام بالاستسلام الكامل لشرع الله تعالى ، وهذا في نفسه وما ينطوي عليه قلبه وتقوم به جوارحه ثم تظهر النصرة لدين الله بجهاد المسلم الدائم لإقامة شرع الله في الأرض بحيث يكون هذا الشرع هو المهيمن والحاكم لجميع العلاقات بين الناس فلا يتحاكمون إلا إليه ولا يقبلون إلا إيّاه .

ومسألة أخرى مهمة جداً فيما تتحقق به النصرة لله تعالى وهي التي أشار إليها الرازي في أحد وجوه نصرة الله حيث قال رحمه الله : ( إن تنصروا حزب الله وطريقه ) ، ومن المعلوم أن حزب الله هو الذي يقوم بنصرة الله أي بنصرة دينه أي بإقامة شرع الله في الأرض . ولا شك أن بانضمام جهود المؤمنين بعضهم إلى بعض لإقامة شرع الله وبالتناصر فيما بينهم على هذا المقصد الشريف تتحقق منهم النصرة لدين الله بشكل أسرع وأكمل مما لو قاموا بالنصرة لدين الله وهم فرادى متفرقون ، وبهذا يتحقق منهم ما شرطه الله عليهم لينالوا ما وعدهم الله به من نصرة . وعلى هذا فبمقدار ما يقوم به المؤمنون من نصرة لدين الله وجهاد في سبيله وإعداد لوسائل الجهاد ونصرة الدين يتحقق لهم النصر حسب سنة الله التي وضعها لنصر المؤمنين .

وآية أخرى في نصرة الدين كعامل من عوامل سنة الله في نصر المؤمنين هي قوله تعالى : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)4 . قال الإمام الرازي في هذه الآية : وعد الله بالنصر لمن هذه حاله5 . وقال الزمخشري فيها : لينصرنَّ الله من ينصر دينه وأولياءه6 . وقد بيّنا كيفية قيام المسلم بنصرة الله وذلك بأن يبذل جهده في إقامة دين الله في الأرض فيكون هو الحاكم على جميع تصرفات وأفعال وعلاقات البشر .

63 ـ التنظيم الجماعي لنصرة دين الله :

ذكرنا في الفقرة السابقة قول الزمخشري في تفسير قوله تعالى : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ) أي ينصر دينه وأولياءه . وذكرنا قول الرازي في أحد وجوه تفسير قوله تعالى : (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ) أي إن تنصروا حزبه وفريقه .

فهل يعني هذا أن نصرة دين الله يجب أن تكون بطريق جماعي أي بقيام تنظيم جماعي للقيام بمتطلبات النصرة لدين الله حتى يتحقق شرط نصر الله للمؤمنين؟

والجواب : إن المطلوب من كل مسلم أن يعمل لنصرة دين الله بأن يسعى لإقامة شرع الله فينصره الله بقدر سعيه وجهده . ولكن مما لا شك فيه أن العمل الجماعي لنصرة الإسلام هو الذي أرشد إليه الإسلام وأشار إليه القرآن الكريم ، قال تعالى :(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)7 والأمة في أحد الوجهين بعض الأمة وليس كلها8 .

ومعنى ذلك أن المراد ب(الأمة) في الآية جماعة من المسلمين تقوم بالدعوة إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أي تقوم بنصرة الدين . والجماعة تنظيم جماعي ، فهي إذن تقوم بنصرة الدين بشكل جماعي منظم ، وعملها هذا بهذا الشكل أجدى وأنفع من عمل المسلمين فرادى ومتفرقين . وهذا يعني أن ضم جهود الأفراد بعضهم إلى بعض والعمل سوية بتنظيم جماعي يحقق من النتائج ما لا يحققه العمل الفردي ، ومعنى ذلك أن العمل الجماعي المنظم مما يحبه الله ويطلبه الإسلام قطعاً للأمر بتكوّن (أمّة) تقوم بنصرة الدين . وأيضاً فإن الله تعالى يأمر بالتعاون ، قال تعالى : (وتعاونوا على البرّ والتقوى .. )9 .

والتعاون يقتضي ضم جهود المتعاونين بعضها إلى بعض ، وهذا يعني قيام (تنظيم جماعي) أي جماعة إسلامية لتحقيق البرّ المطلوب ومن أعظم البرّ نصرة الدين . وعلى هذا يمكن القول : إن قيام (تنظيم جماعي) أي جماعة إسلامية أمر مرغوب فيه شرعاً وتشتد درجة ندبه واستحبابه كلما كان قيام هذا التنظيم ممكناً وكانت الحاجة إليه شديدة والغرض منه نصرة الدين ، وقد يكون هذا التنظيم لنصرة الدين واجباً إذا كان الباطل قوياً وأهله أشداء في خصومتهم وعدواتهم للحق وأهله .

فمدافعة هذا الباطل وأهله وهم بهذه الدرجة من القوة ، كما هو الحال في الوقت الحاضر ، لا تتأتى مدافعتهم بجهود فردية بل بجهود من أهل الحق مجتمعة بحيث تكون قوة أكثر من قوة أهل الباطل أو في الأقل مساوية لأهله ، ولا يتأتى هذا إلا إذا تجمعت جهود الغيارى على الإسلام في تنظيم واحد أي في جماعة إسلامية واحدة تعمل بنظام لنصرة الدين ومدافعة الباطل ، وعلى المسلمين أن ينضموا إلى هذه الجماعة المسلمة إذا ما قامت لأنها هي حزب الله وأفرادها أولياء الله ولأنها تحقق أمر الله : (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ..) إلخ .

(والأمّة) كما قلنا تعني (جماعة) تعني (تنظيماً جماعياً) والغرض من وجود هذه الجماعة نصرة دين الله ، ففي الانضمام إليها مساهمة في نصرة دين الله ، ونصر هذا الدين واجب على كل مسلم ومسلمة .

64 ـ رابعاً : من عوامل النصر : الجهاد وإعداد القوة :

الجهاد بالمال والنفس من فرائض الإسلام ، ولكنه فريضة منسية من قبل أكثر المسلمين إن لم نقل عامتهم ، مع أن الجهاد هو طريق النصر ووسيلة العز وإظهار دين الله ومحق الباطل وأهله ونوال رضوان الله .. وإن تركه يفضي إلى غلبة الباطل وأهله وإذلال المؤمنين وذهاب قوتهم وزوال دولتهم . قال تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)1 . أي هو كرهٌ لكم في الطباع (وعسى) من الله تعالى إيجاب . والمعنى : وعسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خيرٌ لكم في أنكم تغلبون عدوكم وتظفرون به وتغنمون أمواله وتؤجرون وتثابون على جهادكم (وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ) أي عسى أن تحبوا الدّعة والراحة وترك القتال وهو شرٌ لكم في أنكم تُغلبون وتُذلون وتذهب قوتكم . قال الإمام القرطبي : وهذا صحيح لا غبار عليه كما اتفق في بلاد الأندلس تركوا الجهاد وجبنوا عند القتال وأكثروا من الفرار فاستولى العدو على البلاد وأسر وقتل وسبى واسترق فإن لله وإنا إليه راجعون ، ذلك بما قدمت أيديهم وكسبته2 .

65 ـ ترك الجهاد مدعاة إلى العذاب :

ذكرنا في الفقرة السابقة ما في ترك الجهاد من ذل للمؤمنين ، ونزيد على ذلك ما جاء في الآية الكريمة : (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)3 .

قال الإمام ابن العربي المالكي في هذه الآية : وجب بمقتضى هذه الآية النفير للجهاد والخروج إلى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا . والعذاب الأليم هو الذي في الدنيا باستيلاء العدو على من لم يستولِ عليه وبالنار في الآخرة . وزيادة على ذلك باستبدال غيركم4 . وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى : والعذاب الذي يهددهم ليس عذاب الآخرة وحده فهو كذلك عذاب الدنيا : عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد ، والغلبة عليهم للأعداء والحرمان من الخيرات واستغلالها للعادين ، وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء5 .

66 ـ ما يقال للقاعد أو للمتكاسل عن الجهاد :

أ ـ يقال لمن قعد أو تكاسل عن الجهاد ويُذكَّر به قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)6 . فمن لم يستجب لدعوة الجهاد في سبيل الله ، أو استجاب متثاقلاً متباطئاً ، فيقال له على وجه التذكير : (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ) ، أي أرضيتم براحة الدنيا ولذتها الناقصة الفانية بدلاً من سعادة الآخرة الكاملة الباقية التي تنالونها بالجهاد (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم نعيم الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة في قلته في نفسه وزمنه بمن وضع إصبعه في اليم ثم أخرجها منه ، وقال صلى الله عليه وسلم : فانظروا بم ترجع1 .

ب ـ ويقال أيضاً للمتكاسل أو القاعد عن الجهاد ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الجهاد والمجاهدين وما قاله أهل العلم في الجهاد مما فهموه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلاّ الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة ) . وفي رواية لما يرى من فضل الشهادة . رواه البخاري .

وقال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث : هذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة وليس في أعمال البرّ ما تبذل فيه النفس غير الجهاد فلذلك عظم فيه الثواب2 . وقال الإمام أحمد بن حنبل : لا أعلم شيئاً من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد . فالذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وعن حريمهم ، فأي عمل أفضل منه؟ الناس آمنون وهم خائفون ، قد بذلوا مهج أنفسهم في سبيل الله3 . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المرابطة في ثغور دار الإسلام وحدودها وهي مداخل الأعداء ومواضع مهاجمتهم لدار الإسلام ، قال رحمه الله تعالى : ( المرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس )4 .

67 ـ إعداد القوة للجهاد :

وإذا صحت العزيمة للجهاد بقتال العدو والدفاع عن دار الإسلام ، فهذا وحده لا يكفي بل لا بد من إعداد القوة اللازمة للجهاد كما أمر الله تعالى بقوله جلّ شأنه : (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)5 .

وقوله تعالى (مِّن قُوَّةٍ) أي من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها ، (وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله ، تخصيصاً للخيل من بين ما يتقوى به ، (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) أي ترهبون بهذا الذي تعدونه عدو الله وعدوكم من اليهود وكفار العرب (وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ) أي من غيرهم من الكفرة الذين لا تُعرف عداوتهم، (وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ) قليلاً أو كثيراً نقداً كان أو غيره في إعداد المستطاع من القوة والمرابطة في ثغور المسلمين يعطكم الله جزاءه وافياً6 .

68 ـ معنى القوة وما تتحقق به :

جاء في الآية الكريمة : (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) فجاءت كلمة (قُوَّة) نكرة غير محددة بنوع من أنواع القوة ، وإنما ذكر نوعاً منها وهو (رِّبَاطِ الْخَيْلِ) تخصيصاً لها مما يتقوى به . ولا شك أن مما يشمله معنى القوة التي يمكن للمسلمين مدافعة العدو بها أنواع وسائل القتال وعدده في كل زمان ومكان ولكن هل القوة المراد والمطلوب من المسلمين إعدادها لمدافعة العدو والتغلب عليه وردّ شره ، هل هذه القوة المطلوبة مقصورة على عدد القتال والسلاح الذي يقاتل به العدو فعلاً ، وأن معنى القوة يكمن في سلاح القتال فقط؟ الذي يتبين لي من معاني القوة واستعمالها أنها تعني القدرة على تنفيذ إدارة صاحبها شاء الغير أم أبى هذا التنفيذ .

ومتعلَّق الإرادة المراد تنفيذها قد يكون دفع الغير أو إبعاده أو إزالته أو التسلط عليه وحكمه أو إلزامه بدفع شيء ، وهذه القوة تتحقق بما تتحقق به معناها وهو القدرة على تنفيذ إرادة صاحبها ، فقد يكون تحقيقها بإعداد السلاح للجند ، وتدريبهم على فنون القتال وتربيتهم على معاني الإيمان التي تهيئهم للقتال في سبيل الله والرغبة في الشهادة في سبيله كما تحقق القوة بالقيادة الكفؤة ، ويتوفر ما يحتاجه الجند من طعام ولباس وحصون ونحو ذلك ، وبكون الدولة مكتفية ذاتياً من الناحية الإقتصادية والإنتاجية . وتتحقق القوة بالعلم والمعرفة الضرورية لتحقيقها وبإيجاد العلماء في جميع المجالات مثل مجالات الزراعة والصناعة بأنواعها . وكل الذي ذكرته يختلف باختلاف المكان والزمان إلا تربية النفوس على معاني الإيمان فهي الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان .


69 ـ إعداد القوة من فروض الإسلام :

وإعداد القوة للأمة الإسلامية بالمعنى الذي بينته (للقوة) من فروض الإسلام للأمر بها ، والأصل في الأمر أنه للوجوب إلا لقرينة صارفة له عن الوجوب ولا قرينة هنا فيبقى دالاً على الوجوب وهو قوله تعالى : (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ . . ) . والأمة هي المخاطبة بهذا الأمر ـ إعداد القوة ـ والذي يمثلها ويقوم مقامها في تنفيذ هذا الأمر نيابة عنها هو وكيلها : الخليفة . فالأمة ما انتخبته إلا ليقوم مقامها مستعملاً سلطتها لتنفيذ ما هي مخاطبة به من أحكام الشرع التي تخص الأمة بمجموعها ومنها : الأمر بإعداد القوة . فلا يجوز للخليفة أي لولي الأمر التقصير في هذا الواجب ، وإذا قصَّر فعلى الأمة بجميع أفرادها لاسيما أهل الحلّ والعقد فيها أن يطلبوا من الخليفة القيام بإعداد القوة اللازمة لدولة الإسلام . وقد يكون من ضرورات إعداد القوة تعلم العلوم الدنيوية في المجالات المختلفة ، فيكون تعلم هذه العلوم من الواجبات الكفائية لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

70 ـ إعداد الجند المدرب من إعداد القوة :

ومن إعداد القوة إعداد الجند المدرب فيلزم تدريبهم وإعدادهم إعداداً إيمانياً على أساس معاني العقيدة الإسلامية ، وإعدادهم إعداداً مادياً على استعمال مختلف الأسلحة وفنون القتال وإجراء التدريبات العسكرية والتمارين أو ما يسمى بالمناورات العسكرية بين حين وآخر حتى لا ينسوا ما تعلموه ، وقد يكون في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مستنداً ودليلاً ما أقول ، فقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من علم الرمي ثم تركه فليس منا . أو فقد عصى )1 .

71 ـ يجب أن تكون قوة المسلمين مرهبة للعدو :

ويلاحظ في الآية الكريمة : (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ . .) إن الله تعالى أمرنا بإعداد القوة لنرهب بها عدو الله وعدونا ، ومعنى ذلك أن القوة التي تعدها يجب أن تكون مرهبة للعدو ، وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت أكبر وأقوى من قوته بحيث تجعله يخاف أن يتحرش بالمسلمين وبدولتهم ويرهب قوتهم وبالتالي ييأس من إمكان أن يحصل على شيء من المسلمين ودولتهم إذا هجم عليهم أو تعرض ببلادهم ، فينكف شره عن المسلمين . إن إعداد هذه القوة المرهبة للعدو ضروري ولا يجوز التكاسل عنه أو التفريط فيه ، إذ لا يكفي أن نقول إننا على الحق وإنهم على الباطل لننتصر عليهم فلا بد للحق من قوة تحميه وتخيف الباطل وأهله وتمنعهم من التحرش بدولة الإسلام .

72 ـ خامساً : من عوامل النصر : الصبر والمصابرة والمرابطة :

قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(2 . أي اصبروا على ما يلحقكم من الأذى في قتال العدو ومدافعته ، وصابروا الأعداء الذين يقاومونكم ليغلبوكم على أمركم ويخذلون الحق الذي في أيديكم ولا تكونوا أقل صبراً منهم . فالمصابرة تعني مقاومة العدو أو الخصم في ميدان الصبر (ورابطوا) أي أقيموا في الثغور رابطين خيولكم فيها استعداداً للقتال ومترصدين للعدو لئلا يتسلل إلى داخل بلادكم .

وفي زماننا ينبغي أن يكون مع المرابطين ورباط الخيل كل أنواع الأسلحة الحديثة اللازمة لحماية البلاد وثغورها من الأعداء . وقوله تعالى : (وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) والمعنى فإنكم لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى ، فالصبر ومصابرة الأعداء والمرابطة في ثغور بلاد الإسلام وتقوى الله باجتناب معاصيه وفعل ما يرضيه كلها من عوامل النصر على الأعداء في الدنيا كما أنها مع حسن النيّة وقصد إقامة الحق والعدل ودين الله ـ الإسلام ـ الذي هو شأن المسلم في قتاله وجهاده من أسباب الفوز والفلاح في الآخرة3 .

هذا وإن الأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة وإن فسرها المفسرون على أنها في مواجهة الأعداء وقتالهم ، إلا أن ظاهرها يتسع للقول بأنها تشمل كل حالة مع العدو سواء كانت في ساحة القتال أو في غيرها إذا كانت هذه الحالة مع العدو تستلزم الصبر والمصابرة معه ، كما في حال المجادلة معهم أو في حال أذى أهل الباطل لأهل الحق او مقاطعتهم ونحو ذلك مما قد يحصل من خصومهم في دار الإسلام .


73 ـ ما يعين على الصبر ومصابرة الأعداء :

وما يعين على الصبر ومصابرة الأعداء تذكر قوله تعالى : (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ)1 بيّن الله تعالى في هذه الآية بأن الذي يصيبهم من القرح أي من الجراحة أو ألمها لا يجب أن يزيل جدّهم واجتهادهم في جهاد العدو ومصابرته وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء عاقبتهم لم يفتروا ولم يضعفوا لأجل ما أصابهم من قرح في القتال فإن لا يلحقكم ـ وأنتم مؤمنون ـ مع حسن عاقبتكم وتمسككم بالحق أولى أن لا تفتروا ولا تضعفوا في مدافعتهم ومصابرتهم لما أصابكم من قرح2 .

ومما يعين أيضاً على الصبر ومصابرة الأعداء تذكر قوله تعالى : (وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً)3 ، ومعنى (وَلاَ تَهِنُواْ) أي ولا تضعفوا ولا تتوانوا (فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ) أي في طلب الكفار بالقتال فإنه (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ) أي إن حصول الألم في القتال والمصابرة فيه قدر مشترك بينكم وبينهم ، فلما لم يصر خوف الألم في القتال مانعاً لهم عن قتالكم فيجب أن لا يكون خوف الألم في القتال مانعاً لكم عن قتالهم ، لأنكم أيها المؤمنون (تَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) أي ترجون من الثواب من الله على جهادكم ما لا يرجونه لعدم إيمانهم بما تؤمنون به ، فأنتم أيها المؤمنون أولى منهم في الجد والصبر والمصابرة في قتالهم4 .

74 ـ سادساً : ومن عوامل النصر : ذكر الله :

ومن عوامل النصر للمؤمنين ذكر الله كثيراً قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ)5 . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة من أعدائكم الكفار وكذا من البغاة في القتال فاثبتوا لهم ولا تفروا من أمامهم فإن الثبات قوة معنوية طالما كانت هي السبب الأخير للنصر والغلبة بين الأفراد والجيوش (وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً) أي وأكثروا من ذكر الله في أثناء القتال وقبله .

اذكروه في قلوبكم بذكر قدرته ووعده بنصر رسله والمؤمنين وبمعيته الخاصة للمؤمنين الصابرين وبذكر نهيه تعالى لكم عن البأس مهما اشتد البأس وبأن النصر بيده تعالى ينصر من يشاء وهو القوي العزيز . فمن ذكر هذا وتذكره وتأمله لا تهوله قوة عدوه واستعداده لإيمانه بأن الله تعالى أقوى من عدوه . وفي الأمر بذكر الله تعالى كثيراً إشعار بأن على المسلم أن لا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلباً وأكثر ما يكون هماً (لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ) هذا الرجاء بالفلاح منوط بالأمرين كليهما أي بالثبات وذكر الله تعالى فهما السببان للفلاح والفوز بالنصر في الدنيا ثم نيل الثواب في الآخرة6 . هذا وإن الأمر بذكر الله في مدافعة أهل الحق لأهل الباطل في القتال يعني أن على المسلم والجماعة المسلمة في مدافعتها لأهل الباطل أن تذكر الله كثيراً كما يذكره أهل الحق في مدافعتهم لأهل الباطل في القتال .

75 ـ سابعاً : ومن عوامل النصر : الأخذ بالحذر :

الحذر مطلوب لبلوغ النصر قال تعالى : (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً)7 .

الخطاب في هذه الآية للرسول صلى الله عليه وسلم وفيها بيان لكيفية الصلاة والمسلمون في مواجهة العدو للقتال ، والمعنى : فاجعلهم طائفتين ، فلتقم منهم طائفة معك ـ أي مع الرسول صلى الله عليه وسلم ـ فصلِّ بها ، فإذا سجدوا فليكونوا أي غير المصلين من ورائكم يحرسونكم (وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) . فقد جعل الله تعالى (الحذر) وهو التحذر والتيقظ أداة من أدوات الحرب يستعملها المسلم في القتال فلذلك جمع (الحذر) بينه وبين الأسلحة في الأخذ . ثم قال تعالى : (وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ) والمعنى أنه لما رخَّص الله لهم وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم الله تعالى مرّة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر لئلا يجترىء العدو عليهم احتيالاً في الميل عليهم . والآية دلّت على وجوب الحذر من العدو في الحرب ، فيدل ذلك على وجوب الحذر من جميع المضار المحتملة8 .

وقوله تعالى في هذه الآية : (إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً). والظاهر أن هذا العذاب المهين الذي يصيب الكافرين هو عذاب الغلب وانتصار المسلمين عليهم إذا قاموا بما أمرهم اللله به من تهيئة أسباب النصر على أعدائهم1 .

76 ـ القادة المسلمون يأمرون بالحذر وبغيره من عوامل النصر :

وقد فقه المسلمون أموامر الله تعالى بالأخذ بأسباب النصر وعوامل الغلبة على أعدائهم ، فكان القادة المسلمون يأمرون جنودهم بالأخذ بها .

من ذلك ما ذكره ابن كثير في أخبار معركة اليرموك مع الروم في فتوح الشام ، فقد قال رحمه الله تعالى :(ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان ، وعظ أبو عبيدة ـ قائد جيش المسلمين ـ جنده فكان مما قاله : يا عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم . يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار .. ثم قال لهم : وشرعوا الرماح واستتروا بالدرق وألزموا الصمت إلا من ذكر الله في انفسكم حتى آمركم إن شاء الله تعالى)2.

فقول أبي عبيدة رضي الله عنه : (واستتروا بالدرق والزموا الصمت) أمر بالأخذ بالحذر المشروع فيقاس عليه كل حذر مشروع تتطلبه ظروف المعركة ، كما أن في موعظة أبي عبيدة تذكيراً لجنوده بعوامل النصر ولزوم أخذهم بها كالصبر وذكر الله والعزم على نصرة الله .

77 ـ عوائق النصر :

وسنّة الله في نصر المؤمنين تستلزم تجنبهم عوائق النصر وإبعادها عن أنفسهم وعن أفعالهم . فمن هذه العوائق التنازع والاختلاف ومخالفة أمر القائد ، والغرور والرياء .

78 ـ أولاً : التنازع والاختلاف :

قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)3 . فالاختلاف والتنازع مدعاة للفشل ، وهو الخيبة والنكول عن إمضاء الأمر ومن أكبر أسباب الضعف والجبن ، ولذلك فسروا قوله تعالى : (فَتَفْشَلُوا) أي فتجبنوا عن عدوكم وتضعفوا عن قتالهم (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي تذهب قوتكم ودولتكم ، فقد شبهت الدولة في نفاذ أمرها بالريح وهبوبها4 .

79 ـ ثانياً : الغرور والرياء :

ومن معوقات النصر الغرور والخروج للقتال على وجه البطر والفخر والرياء . والله تعالى لا يعطي نصره إلا لمن خرج ابتغاء مرضاته ونصرة دينه ولهذا نهى الله تعالى عن مثل هذا الخروج ، فقال تعالى : (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ)5 ، ومعنى (بَطَراً) أي فخراً وأشراً (وَرِئَاء النَّاسِ)أي خرجوا ليثني عليهم الناس أي يمدحونهم بالشجاعة والسماحة . والمقصود نهي المؤمنين أن يكونوا أمثال أولئك في البطر والرياء ، وأمرهم أن يكونوا أهل تقوى وإخلاص6 .

80 ـ وما النصر إلا من عند الله :

قلنا : إن سنة الله في نصر المؤمنين سنّة ماضية لا تتخلّف أبداً ، وإنها تتحقق بتحقق عواملها وانتفاء عوائقها ، وإن على المسلمين أن يأخذوا بهذه العوامل ويتجنبوا هذه العوائق كما أمر الله تعالى . ولكن مع هذا عليهم أن تكون ثقتهم بالله وتوكلهم عليه لا على أسباب النصر التي باشروها وأعدوها كما أمر الله ، فاعتمادهم يكون على الله لا على ما أعدّوه من عوامل النصر وتجنب عوائقه ، فتبقى قلوبهم معلقة بالله متطلعة إلى تأييده ومعونته معتمدة عليه وحده وليس على ما باشروه من أسباب النصر . ويدل على ما قلناه قوله تعالى : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ {9} وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لكم وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)1.

وقوله تعالى : (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لكم) أي وما جعل الله تعالى هذا الغمداد لكم بالملائكة إلا بشرى لكم بأنه سينصركم كما وعدكم . (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) أي تسكن بعد ذلك الزلزال الذي أصابها . (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) دون غيره من الملائكة أو غيرهم من الأسباب فهو عز وجل الفاعل للنصر مهما تكن أسبابه المادية والمعنوية إذ هو المسخر لها2 .

81 ـ نصر الجماعة المسلمة :

الجماعة المسلمة في قيامها بالدعوة إلى الله وتحكيم شرع الله ، تخضع إلى (سنة التدافع بين الحق والباطل ) ، إلى سنته تعالى في نصر المؤمنين ، فعلى الجماعة أن تهيىء عوامل النصر وتتجنب معوقاته حتى يتحقق لها دفع الباطل وانتصار الحق الذي تدعو إليه وهو دين الله ، الإسلام ، وإقامة دولة الإسلام .

والجماعة المسلمة في عملها النبيل وجهادها المبرور ستتعرض إلى التكذيب والصدود من الناس واتهامها بالباطل من قبل خصومها ، فعليها أن تعرف ذلك وتضع في حسابها بأن تكذيبها ومقاومتها واتهامها بالباطل ، فهذا كلّه بعض ما جرت به سنّة الله في دعوة رسله الكرام ، فليست الجماعة المسلمة بأكرم على الله من رسله الكرام ، وليست هي بأقوم حجة ولا أعظم إخلاصاً من رسل الله ، وهم قد أوذوا وكذبوا واتهموا بالباطل ولكنهم صبروا كما أمرهم الله تعالى ، وبعد هذا الصبر والثبات جاءهم نصر الله ، قال تعالى : (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ)3 .

والمقصود بكلمات الله التي لا مبدل لها هو قوله تعالى : (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لَهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) ، ومن البشارة للمؤمنين بهذه الآية أن الله تعالى وعد المؤمنين بما وعد المرسلين من النصر . وكذلك أخبرنا تعالى بأن سنة الله ماضية وقاطعة في نصر المرسلين وأتباعهم المؤمنين ، قال تعالى : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)4 .

فسنّة الله في نصر المؤمنين تشمل الجماعة المسلمة ما دامت ملتزمة بأسباب النصر وشروطه .

82 ـ ما يلزم الجماعة المسلمة من القوة :

وعلى الجماعة المسلمة أن تسعى إلى جعل قوتها أقوى من قوة مخالفيها ، وقوتها تقوم على نشر الوعي الإسلامي بين الناس وتعميقه في نفوسهم ، وجذب الطيبين المؤمنين الصادقين إلى صفوفها ، فكلما انتشر الوعي الإسلامي وتعمق في المجتمع واتسعت مساحته حتى عمت جميع فئات المجتمع ، كلما ازداد عدد أعضاء الجماعة وأنصارها وازدادت قوتها واقتربت من نصر الله .

83 ـ على الجماعة المسلمة تجنب النزاع والاختلاف :

وعلى الجماعة المسلمة أن تتجنب معوقات النصر ومنها النزاع والاختلاف بين أعضائها أو بينهم وبين رئيس الجماعة . والخلاص من ذلك يكون بتطهير النفس من أدران الهوى مع دوام استحضار مراقبة الله وإخلاص النيّة والمقصد لله تعالى . وهذا وحده لا يكفي ، بل لا بد من وضع نظام واضح ودقيق وصارم لعمل الجماعة وعلاقة أعضائها بها ، وحقوق وواجبات أميرها أي رئيسها . فإذا كان من نظام الجماعة تفويض العمل لأميرها حسب اجتهاده بعد مشاورة مجلس شورى الجماعة ، فعلى الأعضاء السمع والطاعة فيما يأمر به ما دام في أمره في حدود الشرع نصاً أو اجتهاداً .

وإذا كان نظام الجماعة يقضي تقييد أميرها بما يقرره مجلس شورى الجماعة بأكثريته ، فعلى أمير الجماعة أن يتقيد برأي أكثرية مجلس شورى الجماعة ما دام في حدود الشرع نصاً أو اجتهاداً وعلى أعضاء الجماعة السمع والطاعة لرأي مجلس الشورى الذي يأمر به أمير الجماعة تنفيذاً له . وبهذا الالتزام تسير الجماعة وتعمل بنظام وانتظام وبصورة جماعية حقيقية دون خلل أو اختلال أو نزاع أو اختلاف . ومثل هذا السير للجماعة بهذه الكيفية ضروري لها حتى ولو وقعت في خطأ في بعض مراحل سيرها أو في بعض جزئيات عملها ، لأن العمل المنظم للجماعة وهي موحدة وإن كان في خطأ هو بالتأكيد أقل ضرراً على الجماعة من عملها الذي فيه الصواب وهي متفرقة مختلفة متنازعة ، والضرر الأقل يتحمل لدفع الضرر الأكبر بناء على قاعدة دفع أعظم المفسدتين بتحمل أقلهما .

84 ـ على الجماعة المسلمة تجنب الرياء والشبهات :

وعلى الجماعة المسلمة أن تتجنب الرياء في عملها ، وأن لا تحرص على ثناء الناس ورضاهم عليها مطلقاً .. لأن الرياء يفقد الجماعة رضا الله وتأييده ، وإنما عليها أن تحرص على رضا الله بعمل ما يحبه الله وإن سخطه الناس ، وتبتعد عما يحبه الناس إذا كان فيه سخط الله .

ولكن هذا لايعني أنها لا تتوقى سخط الناس ولا ترغب في رضاهم ، لا . فرضا الناس يؤدي إلى ثقتهم بالجماعة ، والثقة بها شيء مطلوب وضروري لها ، ولكن لا يجوز للجماعة طلب رضا الناس بسخط الله ، وإنما لها أن تترك ما هو مباح في ذاته أو مباح بالنسبة إلى آحاد الناس حتى تبعد عن نفسها الشكوك والشبهات التي يشيرها المبطلون وينفثونها في الناس ، وفي الناس دائماً من يسمع الاتهام ويصدقه ولا يطالب بالدليل .. فتوقي الشبهات وترك المباح حتى لا تهتز ثقة الناس بالجماعة من الأمور المطلوبة الواجب ملاحظتها من قبل الجماعة ، ودليلنا على ما قلناه أن الله تعالى أبعد رسوله صلى الله عليه وسلم عن تعلم الكتابة والقراءة مع أن هذا التعلم مباح حتى لا يتقول المبطلون الكافرون أن هذا القرآن تعلمه من اطلاعه على كتب الأقدمين ، قال تعالى : (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)1 .

وجاء في تفسيرها لو كنتَ تحسن القراءة والكتابة لارتاب المبطلون وقالوا لعله تعلمه وكتبه بيده من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء ، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب . فرسول الله صلى الله عليه وسلم عاش بينهم فترة طويلة من حياته لا يقرأ ولا يكتب ثم جاءهم بهذا الكتاب العجيب المعجز ـ القرآن ـ الذي يعجز القارئين والكاتبين ، ولربّما كانت شبهتهم لو أنه كان من قبل قارئاً كاتباً فما شبهتهم وهذا ماضيه بينهم2 .

الفصل الرابع : سنة الله في الفتنة والابتلاء [ قانون الابتلاء]

85 ـ معنى الفتنة :

جاء في لسان العرب3 : جماع معنى الفتنة : الابتلاء والامتحان والاختبار وأصلها مأخوذ من قولك : فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد أو إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته .

والفتنة : الإحراق ، الإثم ، اختلاف الناس بالآراء ، الجنون ، الإزالة ومنه قوله تعالى : (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك) أي يميلونك ويزيلونك عن الذي أوحينا إليك . والفتنة : الكفر ، كما في قوله تعالى : (والفتنة أشد من القتل) ، والفتنة : ما يقع بين الناس من القتال . والفتنة : القتل كما في قوله تعالى : (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أرى الفتن خلال بيوتكم ) بأن يكون القتل والحروب والاختلاف الذي يكون بين فرق المسلمين . ويكون بما يبلون به من زينة الدنيا وشهواتها فيفتنون بذلك عن الآخرة والعمل لها . وفي النهاية لابن الأثير4 : الفتنة : الامتحان والاختبار ، وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه . ثم كثر حتى استعمل لفظ الفتنة بمعنى الإثم والكفر والقتل والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء .

وفي المعجم الوسيط5 : الفتنة : الاختبار بالنار ، والابتلاء والاختبار . قال تعالى : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) . والفتنة : الإعجاب بالشيء ، والاضطراب وبلبلة الأفكار ، والعذاب والضلال . وفتنه : رماه في شدّة ليختبره . وفتن فلاناً : عذّبه ليحوله عن رأيه أو دينه . وفي المفردات في غريب القرآن6 : أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته عن رداءته . وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعملون هذا اللفظ فيه نحو قوله تعالى : (ألا في الفتنة سقطوا) وتارة يستعملوا (الفتنة) في الاختبار نحو قوله تعالى : (وفتناك فتوناً) . وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يُدْفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء وهما في الشدّة أظهر معنى وأكثر استعمالاً قال تعالى : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) . وقال تعالى في الشدّة : (فتنتم أنفسكم) أي أوقعتموها في بلية وعذاب وقوله تعالى : (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) فقد سماهم هاهنا فتنة اعتباراً بما ينال الإنسان من الاختبار بهم . وقوله تعالى : (الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) أي لا يختبرون فيميز خبيثهم من طيبهم .

86 ـ معنى الابتلاء :

جاء في لسان العرب1 : بلوت الرجل وابتليته : اختبرته . وابتلاه الله : امتحنه . والاسم : البلوى والبلاء . والبلاء : الاختبار يكون في الخير والشر .

وفي المعجم الوسيط2 ابتلاه : جربه وعرفه . والبلاء : الحادث ينزل بالمرء ليختبره . وفي النهاية لابن الأثير3 : الابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان ، يقال : بلوته وأبليته وابتليته . والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معاً من غير فرق بين فعلهما ومنه قوله تعالى : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) وفي المفردات في غريب القرآن4 : بلوته : اختبرته . وأبليت فلاناً إذا اختبرته . وسمي التكليف بلاء من أوجه (أحدها) أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان فصارت من هذا الوجه بلاء . (والثاني) أنها اختبارات ولهذا قال عزّ وجل : (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين) . (والثالث) أن اختبارالله تعالى للعبد تارة بالمسار ليشكر وتارة بالمضار ليصبر فصارت المحنة والمحنة جميعاً بلاء .

87 ـ الخلاصة في معنى الفتنة والابتلاء :

وخلاصة المعنى الذي نريده في الفتنة والابتلاء في بحثنا هو الاختبار والامتحان للإنسان في الشدّة والرخاء . وكذلك لفظ البلاء مع زيادة في المعنى الذي نريده بلفظ ((البلاء)) وهو الحادث الذي فيه شدّة ومشقة وينزل بالمرء لغرض اختباره وامتحانه به .

88 ـ من سنة الله الابتلاء بالشر والخير :

وقد مضت سنة الله في الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر والخير أي يخبرهم بما يصيبهم مما يثقل عليهم كالمرض والفقر والمصائب المختلفة كما يخبرهم بما ينعم عليهم من النعمة المختلفة التي تجعل حياتهم في رفاهية ورخاء وسعة العيش كالصحة والغنى ونحو ذلك . ليتبين بهذا الامتحان من يصبر في حال الشدّة ومن يشكر في حال الرخاء والنعمة ، قال تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)5 ، أي نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا والمصائب والشدائد كالسقم والفقر وغير ذلك مما يجب فيه الصبر . كما نختبركم بما يجب فيه الشكر من النعم كالصحة والغنى والرخاء ونحو ذلك فيقوم المنعم عليه بأداء ما افترضه الله عليه فيما أنعم به عليه . وكلمة (فتنة) في قوله تعالى : (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) أي ابتلاه فهي مصدر مؤكد لقوله تعالى : (وَنَبْلُوكُم) من غير لفظه . (وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)أي فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر6 . فاختبار الله تعالى لعباده تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا ، فالمحنة والمحنة جميعاً بلاء ، فالمحنة مقتضية للصبر والمحنة مقتضية للشكر ، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر ، فالمحنة أعظم البلاءين . وبهذا النظر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر7 .

89 ـ من أنواع الابتلاء بالشر :

قلنا : إن من سنة الله في الابتلاء أنه يمتحن عباده بالشر كما يمتحنهم بالخير ، ومن امتحانه لهم بالشر إصابتهم بأنواع البلايا والمصائب والشدائد وما يشق على نفوسهم ، ومن هذا النوع من الاختبار ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)1 .

أخبرنا الله تعالى أنه يبتلي عباده أي يختبرهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء كالمذكور في هذه الآيات وهو الخوف والجوع ونقص من الأموال ، أي ذهاب بعضها ، ونقص في الأنفس كموت الأصحاب والأقارب والأحباب ونقص في الثمرات فلا تثمر الحدائق والمزارع والأشجار كعادتها . فالذين يصبرون في هذه البلايا ويقولون : (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) ، أي يقولون ذلك عن علم ومعرفة بأنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء وعلموا أنه لا يضيع عنده مثقال ذرّة من خير ، ومن الخير صبرهم ، وعلموا أنهم راجعون إليه تعالى فيجازيهم على صبرهم يوم القيامة ، هؤلاء الصابرون يبشرهم الله تعالى بما أخبرنا به وهو : (أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) أي ثناء من الله ورحمة : (وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) أي مهتدون إلى الطريق الصواب حيث استرجعوا وسلّموا الأمر لله تعالى2 .

90 ـ امتحان الناس بزينة الدنيا :

قال تعالى : (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً)3 . أي جعلنا ما يصلح أن يكون زينة للأض ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها لنمتحن الناس بذلك4 ، وذهب الإمام القرطبي إلى أن (الزينة) تشمل كل ما على وجه الأرض ، فلفظ الزينة في الآية عموم لانه كل شيء على وجه الأرض دال على خالقه جلّ جلاله ، فكل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه5 .

وعلى هذا العموم الذي ذهب إليه الإمام القرطبي يكون معنى الآية : إن الله تعالى جعل ما على الأرض من غير ذوي العقول زينة للأرض تتزين به وتتحلى وهو شامل لزينة أهلها أيضاً . وزينة كل شيء بحسبه وهو زينة لاهلها ، ولا شيء مما على الأرض إلا وفيه جهة انتفاع ولا أقل من الاستدلال به على خالقه الله جلّ جلاله6 .

ومعنى (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) أي لنختبرهم في زينة الأرض ليتبين من هم أحسن عملاً . وحسن العمل الزهد في زينة الدنيا وعدم الاغترار بها ، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها والتمتع بها حسبما أذن به الشرع واداء حقوقها والشكر على ما أوتي منها لا اتخاذها وسيلة إلى الشهوات والأغراض الفاسدة كما تفعله الكفرة وأصحاب الأهواء . ومراتب حسن العمل ـ أي الزهد في زينة الدنيا بالمعنى الذي نبيّنه ـ متفاوتة ، وكلما قوي الزهد كان العمل أحسن ، ولهذا قال الإمام سفيان الثوري في قوله تعالى : (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) أي لنختبرهم أيهم أزهد في زينة الدنيا7 .

91 ـ ابتلاء الناس بالتفاوت فيما بينهم :

ومما يمتحن الله به عباده وجرت به سنّته تفاوتهم واختلافهم في المواهب والأرزاق ليظهر مدى قيامهم بما يلزمهم شرعاً من فعل أو ترك نحو أنفسهم وغيرهم بناء على الحالة التي هم عليها وامتازوا بها عن غيرهم واختصوا بها من دونهم كالعلم والجاه والمال والمكانة الاجتماعية والسلطان وكذلك بناء على فقرهم وضعفهم ، قال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)8 . والمعنى أن الله تعالى هو الذي جعلكم ـ أيها المسلمون ـ خلفاً للأمم الماضية والقرون السابقة (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) أي فاوت وخالف بينكم في الخلق والرزق والقوة والفضل والعلم والأخلاق والمحاسن والمساوىء والمناظر والأشكال والألوان وله الحكمة في ذلك . وقد جرت سنّته تعالى في هذا التفاوت ورفع بعضكم فوق بعض في هذا التفاوت (لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) أي ليختبركم في الذي انعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغنيّ في غناه ويسأله عن شكره ، والفقير في فقره ويسأله عن صبره ، وليختبر ذا الجاه والسلطان في أي شيء استعمل جاهه وسلطانه (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) لمن قام بشكر نعمته وأطاعه فيها9 .

92 ـ من سنّة الله في الابتلاء امتحان المؤمنين بالشدائد :

قال تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)1 . قال أكثر المفسرين نزلت هذه الآية في معركة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة والبرد وسوء العيش وأنواع الشدائد .

وقال بعض المفسرين نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله ورسوله ، فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييباً ، واستدعاهم الله تعالى إلى الصبر ووعدهم على ذلك بالنصر2 .

(الْبَأْسَاء) الشدّة تصيب الإنسان في غير نفسه وبدنه كأخذ المال والإخراج من الديار وتهديد الأمن ومقاومة الدعوة .

(وَالضَّرَّاء) ما يصيب الإنسان في نفسه كالجراح والقتل . (وَزُلْزِلُوا) أي أزعجوا إزعاجاً شديداً بأنواع البلاء ، وخوفوا من الأعداء3 .

ومعنى الآية : أم ظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تختبروا وتُمتحنوا كما امتحن الذين من قبلكم من الأمم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا أي خوفوا من الأعداء تخويفاً شديداً وامتحنوا امتحاناً عظيماً ، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه أخذوا يستفتحون على أعدائهم ويدعون الله بقرب الفرج والمخرج من الضيق الذي هو فيه . وكان الجواب لدعاء المؤمنين أن قال لهم الله : (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ)4 .

وفي تفسير القرطبي : وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية هو من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . أي إن الجهد قد بلغ بهم مبلغاً عظيماً حتى استبطؤوا النصر فقال تعالى : (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) . ويكون ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على معنى طلب استعجال النصر لا على الشك والارتياب في حصول النصر .

وقالت طائفة من المفسرين : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب . وإنما قُدِمَ ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في الآية لمكانته وعلو منزلته ثم قدم قول المؤمنين لأنه هو المتقدم في الوقوع من حيث الزمان ، أي قالوا ذلك ثم أجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم بان نصر الله قريب5 .

وفي تفسير الرازي : ولقول هذه الطائفة نظائر في القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله تعالى : (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) أي لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار6 .

وفي تفسير المنار : يقول الأستاذ الإمام (محمد عبده) إن هذه الآية عتاب لهم ـ أي للصحابة الكرام ـ فكيف لا ينكر المسلم على نفسه مثل هذا وهو يعلم أنه دون الصحابة الكرام إيماناً وإسلاماً ودعوة إلى الحق وصبراً على المكاره في سبيل الله تعالى . لماذا لا ينكر على نفسه وعلى من يراه من امثاله الذين يقولون آمنا بالله ، فإذا أوذِي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله وآثر ما عند الناس على ما عند الله7 .

93 ـ امتحان المؤمنين بالجهاد :

ومن سنته تعالى امتحان عباده المؤمنين بالجهاد بأن تتهيأ ظروفه وأسبابه فيجب على المؤمنين فيظهر عند ذلك من يقوم بهذه الفريضة ويصبر على مقتضياتها فيستحق بفضل الله وبحسب وعده وسنته الجنة ، قال تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)8 . قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية : أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تمتحنوا بالقتال والشدائد؟ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تمتحنوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرن على مقاومة الأعداء9 .

94 ـ امتحان المؤمنين بأنواع الأذى : قال تعالى : (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)1 . إن من سنة الله في عباده المؤمنين الداعين إليه المجاهدين في سبيله أن يبتلوا بأنواع البلاء ، يبتلوا في أموالهم بما يطلب منهم من الإنفاق منها في سبيل الله ، وبما يقع فيها من الآفات . ومن البلاء الذي يمتحنون به البلاء في أنفسهم بالقتل والجرح والأسر في قتال العدو ويلحق به الحبس في زماننا حيث يسجن الطغاة الظلمة المؤمنين الدعاة إلى الله تعالى . ومن البلاء الذي يبتلون به على وجه الامتحان وحسب مقتضيات سنة الله تعالى في الداعين إليه المجاهدين في سبيله ما يسمعون من اهل الكتاب والمشركين وغيرهم من الكفرة من أنواع الأذى القولي كالطعن في الإسلام وفي الدعاة إليه وبإلصاق التهم الباطلة بهم لصدّ الناس عنهم وعن دعوتهم . وغن من عزائم الأمور الصبر على هذا الأذى والالتزام بالتقوى ، فهذا مما يجب أن يعزم عليه المؤمنون من الأمور التي تزهق الباطل وتنصر الحق وأهله2 .

95 ـ أشد الناس بلاء الانبياء ثم الأمثل فالأمثل :

أ ـ أخرج الترمذي في جامعه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال ، قلت : يا رسول الله ، أي الناس أشد بلاءً؟ قال : (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل . يُبلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صُلباً اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقّة ابتلي على قدر دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)3 .

ب ـ وفي حديث آخر أخرجه الطبراني في معجمه الكبير عن أخت حذيفة بن اليمان فاطمة أو خولة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل)4 .

96 ـ شرح الحديثين في أشد الناس بلاءً :

والمقصود بالأمثل فالأمثل : الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة في الدين والفضل . وقال الراغب : الأمثل يعبر به عن الأشبه بالأفاضل والأقرب إلى الخير . وأماثل القوم كناية عن خيارهم5 . وإنما كان أكثر الناس بلاءً ـ أي محنة ـ لتتضاعف أجورهم وتتكامل فضائلهم ويظهر للناس صبرهم ورضاهم فيقتدى بهم ، ثم من بعدهم الامثل فالأمثل من جهة شدّة البلاء الذي يتعرضون له ، لأن البلاء في مقابلة النعمة : فمن كانت نعمة الله عليه أكثر فبلاؤه أشد ، فهم ـ أي الأمثل فالأمثل ـ معرضون للمحن والمصائب وطروق المنغصات والمتاعب ويشمل ذلك كل ما يتأذى به الإنسان من أذى مادي أو معنوي فيبتلى الرجل على حسب دينه ، أي على مقدار دينه أي بقدر قوة إيمانه وشدّة يقينه ، فإن كان في دينه صُلباً أي قوياً شديداً اشتد بلاؤه كمية وكيفية ونوعاً .

وإن كان في دينه رقّة أي ضعف ولين ابتلي على قدر دينه . فما يبرح البلاء بالعبد أي ما يفارقه حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة ، كناية عن خلاصه من الذنوب فكأنه كان محبوساً ثم أطلق وخلي سبيله يمشي وما عليه بأس6 .

97 ـ ما يستفاد من الحديثين من سنة عامة لله تعالى :

ويستفاد من الحديثين الذين ذكرتهما أن سنة الله العامة في البلاء والمبتلين أن أشدهم بلاءً أي محناً هم الأنبياء ، ثم الأفضل فالأفضل في الصلاح والدين وتقوى الله تعالى . وهذه سنّة ماضية وباقية في المؤمنين دون تخلف .

98 ـ تعليل هذه السنة العامة :

وتعليل هذه بالسنة العامة وهي : (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) أن الأنبياء يقومون بتبليغ رسالات ربِّهم ويدعون الناس إلى الله وعبادته فيكذبهم أهل الباطل ويؤذونهم بشتى أنواع الأذى كما قضت سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل .

وأما تعليل كثرة البلاء على الصالحين ثم الأمثل فالأمثل ، فإن الصالحين هم القائمون بما عليهم من حقوق الحق والخلق7 . ومن هذه الحقوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله ودعوة الخلق إلى الحق جلّ جلاله ، وما يترتب على ذلك ـ حسب سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل ـ من أذى بشتى أنواعه يلحق بهم . وكلّما كان المؤمن صلباً في دينه أي قوياً في إيمانه كان أكثر جهاداً في سبيل الله فيكون أكثر بلاء من غيره لما يلقاه من الكفرة وأهل الباطل في جهاده ومدافعته لهم .

وأيضاً من تعليل هذه السنة العامة قول أهل العلم في تعليل هذه السنّة في حق الأنبياء : (لتتضاعف أجورهم وتتكامل فضائلهم ويظهر للناس صبرهم ورضاهم فيقتدى بهم)1 . وقولهم بالنسبة لكثرة بلاء الأمثل فالأمثل : (إن البلاء بمقابلة النعمة فمن كانت نعمة الله عليه أكثر فبلاؤه أشد)2 . ولا شك أن نعمة الله على عباده المؤمنين الصالحين نعمة عظيمة إذ هداهم للإيمان وهذه النعمة تستحق الشكر وشكرها القيام بحقوق الله ، ومنها الجهاد في سبيله وما يترتب عليه من أذى يلحق بالمجاهدين ومن تعليل هذه السنة التي نحن بصددها أن في البلاء كالمرض ونحوه زيادة أجر للمصاب به وتكفير سيئات المؤمن كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن الحارث بن سويد عن عبد الله قال : (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك رجلان منكم . قلت : ذلك بأن لك أجرين . قال : أجل ، ذلك كذلك ، ما من مسلم يصيبه أذى ـ حتى شوكةً فما فوقها ـ إلا كفّر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها)3 . ومعنى الوعك الحمى وقيل ألم الحمى ، وقوله (ذلك كذلك) إشارة إلى مضاعفة الأجر بشدة الحمى . وقوله (أجل) أي نعم . فالحديث أثبت أن المرض ـ وهو نوع من البلاء ـ إذا اشتد ضاعف الأجر ، أو أن شدة المرض ترفع الدرجات وتحط الخطيئات أيضاً حتى لا يبقى منها شيء4 .

99 ـ ابتلاء الأمم الكافرة :

وقد مضت سنّة الله في الأمم الكافرة أن يبتليها بالبأساء والضراء عسى أن يردعها هذا الابتلاء عن كفرها وعنادها وترجع إلى ربها ، فإن لم تفعل ابتلاها بعد ذلك بالسراء عسى أن يحملها ذلك على التوبة بعد أن لم تحملها الشدّة على ذلك ، قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)5 .

والمعنى أن سنّة الله تعالى في الأمم التي كذبت رسلها أن الله تعالى أخذها بالبأساء وبالضرّاء أي بالشدة في أنفسهم وأبدانهم وأرزاقهم وأموالهم ، وقد فعل الله تعالى ذلك بهم لكي يتضرعوا . والتضرع يعني الخضوع والانقياد إلى الله تعالى ؛ لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى وأن يحمل أولئك المعاندين على التوجه إلى خالقهم فيتضرعوا إليه ويطلبوا رحمته وعفوه ، فلم يفعلوا ذلك فأخذهم بالرخاء ليختبرهم فيه ، ولهذا قال : (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَة) أي حوّلنا حالهم من الشدّة إلى الرخاء ومن المرض والسقم إلى الصحة والعافية ، ومن الفقر إلى الغنى ، ليشكروا على ذلك ويرجعوا إلى ربهم بالتوبة والانقياد فلم يفعلوا ذلك (حَتَّى عَفَواْ) أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم (وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء) يقول تعالى ابتليناهم بهذا وبهذا ، أي بالضرّاء والسرّاء ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فلم ينفع فيهم لا هذا ولا هذا ، ولا انتهوا عن غيِّهم بهذا ولا بهذا ، وإنما قالوا قد مسّنا من البأساء والضرّاء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر وهذه عادة الزمان في أهله فمرة يحصل لهم فيه الشدّة والنكد ومرّة يحصل لهم الرّخاء والرّاحة فلم يكن ما مسّنا من البأساء والضرّاء عقوبة من الله بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل ، فلم يتفطنوا لأمر الله فيهم ولا اتعظوا ولا اعتبروا ولا استشعروا امتحان الله لهم في الحالين فاستحقوا العقاب قال تعالى : (فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) أي أخذناهم بالعقوبة بغتة أي على بغتة وعدم شعور منهم أي أخذناهم فجأة6 .

100 ـ من ابتلاء الأمم الكافرة :

قال تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)7 . والمعنى : لقد أرسلنا إليهم الرسل فكذبوهم فأخذناهم بالبأساء أي بالبؤس كالفقر وضيق العيش وبالضرّاء أي بالضر كالمرض والأسقام ونقصان الأموال والأنفس (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) أي يتذللون ويخشعون لربهم وينقادون إليه ويتوبون عن ذنوبهم : (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ) أي لم يفعلوا ما كان حرياً أن يفعلوا فلم يتضرعوا ولم يلجأوا إلى الله تعالى ولم يرجعوا عن عنادهم ، وجاء ب(لَوْلا) في قوله تعالى : (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ) ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زيَّنها الشيطان لهم ، ولهذا قال تعالى عنهم : (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) من الكفر والمعاصي بما يوسوس إليهم من تحسين ما هم عليه من كفر وعصيان لربهم1 .

101 ـ فتنة مدعي الإيمان :

قال تعالى : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)2 . والفتنة : الامتحان بشدائد التكاليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وما يترتب عليه من أذى في الأموال والأبدان ، والقيام بسائر الطاعات الشاقة وهجر الشهوات والملذات ، وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم . والمعنى : أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة وأظهروا القول بالإيمان أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين؟ بل إن الله تعالى يمتحنهم بضروب المحن حتى يختبر صبرهم وثبات أقدامهم وصحة عقائدهم وصدق إيمانهم ليتميز المخلص من غير المخلص ، والصادق في إيمانه من الكاذب فيه ، والراسخ في الدين من المضطرب فيه ، فسنّة الله لا تتبدل وهي امتحان مدعي الإيمان ، ولهذا فقد امتحن الله أتباع الأنبياء عليهم السلام بأنواع المحن فلا وجه لتخصيص المسلمين بعدم الامتحان ، فسنة الله في هذا الامتحان ماضية فيهم كما مضت فيمن سبقهم من المؤمنين أتباع الانبياء السابقين . وبهذا الامتحان يظهر الصادق في إيمانه ويتميز من الكاذب3 .

102 ـ فتنة النعمة :

قال تعالى : (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)4 . يقول الله تبارك وتعالى مخبراً عن الإنسان أنه في حال الضرّاء يتضرع إلى الله عزّ وجلّ وينيب إليه ويدعوه ، وإذا خوَّله نعمة منه بغى وطغى وقال إنما أوتيته على علم ، قال تعالى إنكاراً لقول هذا الإنسان : (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ) أي ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنمتحنه فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي ، أيشكر أم يكفر ، مع علمنا المتقدم بذلك . فما أعطيناه من نعمة فهي فتنة أي اختبار له ، وقد قال مثل مقالته ـ وهي ((إنما أوتيته على علم ـ وزعم هذا الزعم وادّعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم ومنهم قارون (فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي ما صح قولهم ولا نفعهم ما كانوا يكسبون من متاع الدنيا وما كانوا يجمعون منه))5 .

103 ـ فتنة الأموال والأولاد :

قال تعالى : (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)6 . والمعنى أن الله تعالى جعل الأموال والأولاد أي اختباراً وامتحاناً منه لكم إذ أعطاكموه ليعلم أتشكرونه عليها وتحافظون فيهم على حدوده أو تشتغلون بها عنه كما قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) . وقوله تعالى : (وأن الله عنده أجرٌ عظيم) أي ثوابه وعطاؤه وجنّاته خير لكم من الأموال والاولاد فإنه قد يوجد منهم عدو7 .

104 ـ الله وحده هو المنفرد بامتحان عباده :

وليكن معلوماً أن الله تعالى هو وحده المنفرد بامتحان عبده ولا يشركه أحد في هذا الامتحان وما يتعلق بهمن حيث مكانه وزمانه ومفرداته فهو تعالى يعين مفردات هذا الامتحان أي أنواع الفتن والمحن التي يمتحن الله بها عبده ، وهو تعالى يُعيِّن وقت هذا الامتحان ومكانه ومدته . ولا يجوز مطلقاً للعبد كائناً من كان أن يعترض على هذا الامتحان ولا على مفرداته ومواضيعه ولا على زمانه ومكانه ومدّته ولا أن يختار مفردات معينة لامتحانه ولا أن يختار مكاناً أو زماناً لهذا الامتحان ولا مدّة له ، فكل ذلك لا يجوز مطلقاً ، وإذا صدر من المسلم كان ذلك مناقضاً لإيمانه بل ردّة عن الإسلام والعياذ بالله فليحذر المسلم ذلك . إن التلميذ لا يحق له ان يفرض مفردات امتحانه على أستاذه ولا ان يعترض على الامتحان ولا على مدّته ، فكيف يجوز للعبد أن يفعل ذلك مع الله جلّ جلاله بشأن امتحانه؟ نعم ، يجوز للمسلم ان يدعو الله تعالى ان يخفف عليه الامتحان ويسأله اللطف فيه ويستعيذ به من الفتن ، وهذا ما نبيّنه في الفقرة التالية .

105 ـ الاستعاذة بالله من الفتن :

قلت إن الله تعالى وحده هو المنفرد بامتحان عباده وبجميع ما يتعلق بهذا الامتحان من جهة مفرداته وزمانه ومكانه ومدذته ، وإنه لا يجوز الاعتراض عليه في شيء من ذلك أو يفرض على الله تعالى نمطاً معيناً من هذا الامتحان أو مفرداته ، أو يعترض على نفس الامتحان . ولكن يجوز للمسلم أن يسأل الله تعالى ويدعوه ويتوسل إليه أن لا يمتحنه بما يشق عليه وبما لا ينجح فيه ، وأن يقيه شر الفتن التي قد يتعرض إليها ، ولذلك جاءت الأدعية المأثورة في الاستعاذة بالله من الفتن ، من ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : (( اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم ومن فتنة القبر وعذاب القبر ومن فتنة النار وعذاب النار ، ومن شر فتنة الغنى ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجّال ))1 .

وكان الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه يقول في دعائه ((.. وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات))2 . وفي كتاب الله العزيز (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم)3 .

وجاء في تفسيرها : قال قتادة : لا تظهرهم علينا فيفتنونا ، يرون أنما ظهروا علينا لحقٍ هم عليه . وعن ابن عباس : لا تسلطهم علينا فيفتنونا4 .

وفي تفسير الآلوسي ((أي لا تسلطهم ـ أي الكفار ـ علينا فيَسْبونا ويعذبونا ، قاله ابن عباس . وقال مجاهد : أي لا تعذبنا بأيديهم أو بعذاب من عندك فيظنوا أنهم محقون وأنا مبطلون فيفتنوالذلك . والأول أرجح5 .


106 ـ امتحان الجماعة المسلمة :

إن الابتلاء كما يصيب الفرد والأمة يصيب الجماعة المسلمة التي تدعو إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فما ذكرناه من أنواع البلاء والابتلاء مما يصيب المؤمنين في جهادهم في سبيل الله يصيب الجماعة المسلمة أيضاً فيصيب أعضاءها أنواع الأذى في أموالهم بالمصادرة والاستيلاء عليها ، وفي أشخاصهم بالحبس والتعذيب وبسمعتهم بالاتهامات الباطلة ، لاسيما في زماننا الذي تنوعت فيه وسائل الدعاية لاسيما إذا كان خصم الجماعة المسلمة ذا سلطان بماله أو نفوذه أو سلطته بل وربما يكون خصمها الحكام وولاة الأمر أنفسهم . فلا بد للجماعة المسلمة أن تعتصم بالصبر والتقوى لتفوّت على خصومها ما يريدون ، قال تعالى : (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)6 .

107 ـ الابتلاء للجماعة المسلمة تمييز وتمحيص :

وليكن معلوماً للجماعة المسلمة أن ما يصيبها من مفردات الامتحان الصعب هو ما جرت به سنّة الله تعالى في إعداد الجماعات المسلمة التي تحمل الدعوة إلى الله تعالى ، وإن في هذا الامتحان الشاق خيراً كثيراً للجماعة نفسها لأنه يتميز بهذا الامتحان القوي من الضعيف من أعضائها والصادق في إيمانه من الكاذب أو المنافق قال تعالى : (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)7 .

والمعنى : ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق وأشباهه حتى يميز الخبيث من الطيب أي المنافق من المؤمن بإلقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة ، فمن كان مؤمناً ثبت على إيمانه وعلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن كان منافقاً ظهر نفاقه وكفره ، (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز بان يطلعكم الله على غيبه فيقول : إن فلاناً منافق وفلاناً مؤمن فإن سنّة الله جارية بأن لا يطلع عوام الناس على غيبه ، فلا سبيل لكم إلى معرفة ذلك التمييز إلا بامتحانكم بما يصيبكم من المحن والآفات حتى يتميز بذلك المنافق من المؤمن1 .

فتمحيص صفوف الجماعة المسلمة وتمييز أعضائها بحيث يعرف الصادق في إيمانه الراسخ فيه كما يعرف الكاذب في إيمانه أو المنافق أو الضعيف في إيمانه ، فإن هذا التمحيص والتمييز والعرفان لا يحصل إلا بابتلاء الجماعة المسلمة بالمحن والشدائد ، فالشدائد هي التي تميز القوي من الضعيف وتزيل الالتباس والخطأ بين الصادقين وغيرهم . ولا شك أن هذا التمايز ضروري جداً للجماعة المسلمة لانه قد ينضم إليها ويعتبر من اعضائها ويحسب عليها المؤمن الصادق والمنافق الكاذب ، والقوي في إيمانه والضعيف فيه والمخلص في انتمائه للجماعة والذي جاءها للغنيمة أو للفتنة أو للتجسس أو لغير ذلك من الأغراض التي ليست هي أغراض الجماعة المسلمة ، فالتمايز بين الخبيث والطيب من أعضائها ضروري جداً لها والشدائد والمحن تقوم بهذا التمييز كما تقوم النار بتمييز المعدن الأصيل من غيره .

108 ـ من حكمة ابتلاء الجماعة المسلمة :

ثم إن بابتلاء الجماعة المسلمة بالشدائد تعرف الجماعة وزن قوتها الحقيقية ؛ لأن الشدائد كما قلنا تمييز وتمحيص ، فبانكشاف حال المنافقين المندسين في صفوفها وانكشاف حال القادمين إليها للغنيمة والجاه أو التجسس أو غير ذلك من الأغراض الدنيوية أو الخسيسة سيكون وزن قوة الجماعة قدر وزن الذين ظهر صدقهم وإخلاصهم وثباتهم .

كما أن بالشدائد ينكشف حال أعضائها المؤمنين الضعفاء فتعرف الجماعة أن هؤلاء كانوا يزيدون في عدد أعضائها فقط ولا يزيدون في وقتها ، والمنظور إليه في قوة الجماعة هو قوتها الحقيقية وليس بمجرد عدد أعضائها . وفي امتحان الجماعة وابتلائها بالمحن سيعرف كل عضو مؤمن مخلص صادق في إيمانه مقدار إيمانه الحقيقي ومدى عمقه في نفسه ومقدار ثباته عليه ، ومثل هذه المعرفة مهمة جداً للعضو نفسه وللجماعة نفسها ، فقد يغالي المؤمن المخلص في تقدير إيمانه وثباته عليه وتأثيره في نفسه ويعتقد بأنه حاضر للفداء ومتطلبات الجهاد بكل شيء في سبيل الله ولا يعرف ما في نفسه من قصور وضعف وأنَّ ما كان يجول في خاطره وما كان يحس به قبل نزول البلاء بشأن الجهاد وعزمه عليه ، إنَّ ذلك كلّه كان من قبيل الأماني ، وإنّ الأماني غير ما يُعزم عليه ، وما يعزم عليه غير تنفيذه وفعله فقد تنفسخ العزائم إذا جدّ الجدّ وحقت الحقائق . والفعل نفسه قد ينقطع ولا يستمر ، أو يستمر ولكن في الجو الهادىء المريح فقط وليس في الرياح العاتية والأعاصير الشديدة . فهذه المعرفة تنفع العضو المؤمن المخلص فينكشف له حاله تماماً مما يحمله على الالتفات إلى نفسه يتأملها ويفحصها ليتعرف على أوجه الضعف فيها فيتداركها بالتقوية ، ويتعرف على ما في نفسه من كدورة ووسخ فيعمل على تنقيتها وغسلها ويزيل عنها العوائق والشوائب التي تمنع من تغلغل الإيمان في كيانه وتجعله حاضراً للفداء والجهاد على وجه الحقيقة لا على وجه الأماني والرغبات .

109 ـ من الابتلاء للجماعة المسلمة فقدُ أميرها :

وقد تبتلى الجماعة المسلمة بفقد أميرها بالموت أو القتل وهو ابتلاء شديد ، فعلى الجماعة المسلمة أن تقف الموقف الصحيح أمام هذا الامتحان الصعب وتقابله بالصبر الجميل والثبات على المعاني التي جاهد من أجلها فقيدها الغالي العزيز ، وقامت الجماعة نفسها لهذه المعاني والجهاد لأجلها ، وهي الدعوة إلى الله تعالى وإعلاء كلمة الله بإقامة شرعه في الأرض . وهذه المعاني باقية لا تزول ولا تموت بموت أميرها ولا بموت غيره فلا يجوز لها أن تضعف عن الجهاد لمصيبتها بفقد أميرها كما لا يجوز أن توقف العمل وتقعد .

ألا ترى أن جماعة المصلين في مسجد تستمر على صلاتها الجماعية ولو مات إمام مسجدها؟ فكذلك الجماعة المسلمة تستمر على عملها ولو مات أميرها . فقد حذر الشرع الصحابة الكرام من وقف العمل والجهاد في سبيل الله لموت الرسول صلى الله عليه وسلم أو قتله فقال تعالى : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)2 .

وجاء في تفسيرها : أعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست باقية في قومها أبداً وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل ، وإن فقد الرسول بموت أو قتل فالأديان لا تزول بموت الأنبياء . ثم قال تعالى منكراً على من حصل له ضعف لموت النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله فقال تعالى : (أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) أي رجعتم القهقرى وقعدتم عن الجهاد ، ومن فعل ذلك فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين أي الذين قاموا بطاعة الله وقاتلوا عن دينه واتبعوا رسوله حياً وميتاً1.

110 ـ حذار من جلب المحن أو الحرص عليها :

والمحن وإن كانت مما جرت به سنّة الله في ابتلاء عباده المؤمنين وفيه تمحيص لهم وتمييز بين الصادق والكاذب والخبيث والطيب كما قلنا ، وإن هذه السنّة تسري على الجماعة المسلمة ولكن حذار أن تجلب الجماعة المسلمة المحن لنفسها أي تسعى لجلبها لنفسها أو تستعجل وقوعها لها مدفوعة بالحماس لنصرة الإسلام أو مستحضرة في نفسها أن المحن والشدائد لا بدّ منها ، وانها بدون المحن تنصب عليها تُتَّهم بالضعف والقصورفي خدمة الإسلام والعوة إليه مما يفقدها رضا الناس وثقتهم بها وتأييدهم لها وإقبالهم عليها ... وهذا منها خطأ جسيم مرده الجهل بمعنى سنّة الله في الفتن والابتلاء أو طلبها السمعة والرياء أو تصورها الخاطىء لما به ثقة الناس ، وهذا ما نوضحه في الفقرات التالية .

111 ـ أولاً : استعجال المحن لجهل الجماعة المسلمة :

وأعني بهذا الجهل جهل الجماعة المسلمة بمعنى سنّة الله في الفتنة والامتحان وما يجب أن يكون عليه موقفها تجاه هذه السنّة الربانية . وبيان ذلك أن هذه السنّة تعني فيما تعنيه أن المحن والشدائد مما يلاقيه المؤمنون الداعون إلى الله ، ولكن لا تعني وجوب أو استحباب أو إباحة تقصد جلب هذه المحن وتعمد إيقاعها بالجماعة .

كما لا تعني هذه السنّة عدم جواز الحذر أو الوقاية من الفتن والمحن والشدائد لئلا تقع ولا تمنع من رفع المحنة إذا وقعت . وعلى هذا الصحيح للجماعة المسلمة من هذه السنّة الإلهية في ضوء المعنى الصحيح لها هو : لا تستغرب الجماعة المسلمة ولا تندهش إذا أصابتها المحن والشدائد ، وإنها ـ أي الجماعة ـ غير ممنوعة من الوقاية من هذه المحن لئلا تقع وإذا وقعت فعليها أن تقابلها بالصبر الجميل مع سعيها الحثيث لرفعها لأن الشرع قد أذن أو ندب لذلك أو أوجبه عليها .

ومما يقرب إلى الأذهان فهم ما قلته أنَّ من سنن الله في خلقه إصابتهم بالأمراض بناء على سنة الله في الأسباب والمسببات أو بناء على سنته في الابتلاء ، ولكن هذا لا يعني تحريم الوقاية من الامراض ولا رفعها بالدواء إذا وقعت وأصيب بها المسلم ، فكل هذا ـ أي الوقاية من الامراض وعلاجها بالدواء ـ مأذون به شرعاً ، وإنما تعني سنّة الله في ابتلاء الناس بالأمراض وجوب مقابلتها بالصبر الجميل والتأمل في أسبابها وهل وقعت على المصابين بها على وجه العقوبة لهم على معاصيهم فيقلعوا عنها أو أنها جاءت بسبب تقصيرهم في وسائل الحمية المشروعة فيأخذوا بالعلاج ولا يعودوا إلى تقصيرهم في الحمية من الأمراض .. ومثال آخر يقرب إلى الأذهان فهم ما قلته أن الاستشهاد في سبيل الله مما جرت به سنّة الله في ابتلاء المؤمنين بقتال الكفار ، ولكن لا تعني هذه السنة تسليم المسلم نفسه إلى الكفار ليقتلوه حتى يصير شهيداً ، وإنما تعني هذه السنة فقط النهوض إلى قتالهم وعدم القعود عن قتالهم ، وأن عليه أن يقاتلهم بأساليب القتال المشروعة مع الحذر المطلوب لئلا يقع بأيدي الكفار أسيراً أو قتيلاً ، وإن تعمد أن يأسره الكفار أو تعمد أن يقتلوه مع قدرته على أن يقاتلهم دون أن يسلم نفسه إليهم ليقتلوه فإنه يأثم في الحالتين لإعانتهم على أسره أو قتله . ولكن إذا قاتل كما ينبغي أن يكون عليه القتال ثم جرح فإنه يصبر وإذا قتل مات شهيداً .

112 ـ لا تمنوا لقاء العدو :

وقد دلّ على ما قلته الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الناس فقال : (لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا)2 .

وجاء في شرحه : قال ابن بطال : حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إيه الأمر وهو نظير سؤال العافية من الفتن ، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : (لأن أُعافى فأشكر أحبّ إليّ من أن أبتلى فأصبر) . وقال غيره : إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب بالنفس والاتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو ، وكل ذلك يخالف اغلاحتياط والأخذ بالحزم .

وأخرج سعيد بن منصور حديثاً مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون عسى أن تبتلوا بهم) ، وقال ابن دقيق العيد : لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفوس وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة لم يوثق أن يكون عند الوقوع كما ينبغي فيكره التمني لذلك ، ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه من الثبات عند لقاء العدو3 . وفي وصيته صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد وقد جعله أميراً على جيش المسلمين لغزو الروم قبيل وفاته عليه الصلاة والسلام بأيام ، قال له : (ولا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ، ولكن قولوا : اللهم اكفناهم واكفف بأسهم)1 .

113 ـ الحرب خدعة :

ودليل آخر على صحة ما قلته أن الجماعة المسلمة وهي تدعو إلى الله ويقاومها أهل الباطل تصير معهم في حالة تشبه حالة الحرب . وغالباً لا تكون قوة الجماعة مكافئة لقوة خصومها الذين يملكون قوة المال والأعوان والسلطان . ويكون هذا التباين واضحاً وجلياً إذا كان خصوم الجماعة الدولة نفسها أي حكامها ، ففي هذه الحالة يجب على الجماعة المسلمة أن تعرف وزنها وقوتها فلا تتصرف إلا بحذر وبقدر ما يأذن به الشرع وكأنها في حالة حرب فعلية مع خصومها .

وفي الحرب جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذ رواه البخاري عن أبي هريرة قال : (سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة)2 . وجاء في شرحه : وأصل الخداع إظهار أمر وإضمار خلافه . وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب والندب إلى خداع الكفار ، وإن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه . قال النووي واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن إلا ان يكون فيه نفض عهد أو أمان فلا يجوز . قال ابن العربي المالكي : الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك . وفي الحديث إشارة إلى استعمال الرأي في الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة . وقال ابن التين : معنى (الحرب خدعة) أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر3 .

114 ـ خلاصة ما يستفاد من الحديثين :

وخلاصة ما يستفاد من الحديثين الشريفين : (لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا) . وحديث (الحرب خدعة) أن على الجماعة المسلمة أن لا تستعجل وقوع المحن وتتعمد وقوعها ، وأن تتصرف مع خصومها بأسلوب الحرب ، والحرب خدعة ، كما جاء في الحديث النبوي الشريف . ومن خداع الحرب وأساليب الحرب : الكرّ والفرّ والاختفاء والظهور وتبديل أساليب الدفاع والهجوم والانسحاب ، وعدم الجمود على أسلوب واحد ، وهكذا يجب أن تكون أساليب الدعوة ووسائلها ، فإذا علمت الجماعة المسلمة ان عدوها الكافر يتربص بها ويراقبها ويرصد تحركاتها ليبطش بها فعليها ان لا تريه قوتها ولا اعضاءها ولا تتحرك بعملها بشكل جماعي والطبول أمامها تقرع كما تفعل الجيوش في سيرها ، ولا أن ترفع صوتها بالتهديد والوعيد لمن يخالفها أو يقف في طريقها ، لا تفعل ذلك ، فهذا الصراخ لا يفيدها ، بل يجلب عليها الضرر ويفتح عيون أعدائها عليها ، فيعرف مكانها ومكان أعضائها فيسهل عليه البطش بها وبهم .

إن أساليب الدعوة كثيرة جداً وقد يكون من أسلمها وأنفعها دائماً الدعوة الفردية الصامتة بالقول والفعل والسلوك ، وإشاعة الوعي الإسلامي في الناس وتعميقه في نفوسهم وتبصيرهم بحقائق الإسلام وبواجبهم نحوه ، ولا تبدأ بمهاجمة الحكام فإن آخر ما تفعله هي مهاجمتهم ، وأمامها سوح العمل للإسلام الميسرة المفتوحة كثيرة فلتبدأ بها ، حتى إذا ما شاع الوعي الإسلامي وانتشر في المجتمع وصار مسلماً حقاً فإن الحكومة المسلمة ستنبثق منه ، لأن انبثاقها من الشعب المسلم شيء طبيعي كخروج الثمرة من الشجرة ، والشعب المسلم هو الذي يشيع فيه الوعي الإسلامي الصحيح وتكون طليعته الجماعة المسلمة المستنيرة المخلصة التي ينجذب إليها الطيبون المؤمنون الصادقون دون طلب منها إلى هذا الانجذاب كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس .

115 ـ ثانياً : رياء الجماعة المسلمة يجلب المحن :

وقد يكون الدافع للجماعة المسلمة في سعيها لجلب المحن لنفسها هو رياؤها وطلبها السمعة لنفسها عند الناس . وهذا الدافع للعمل ـ الرياء وطلب السمعة ـ داء قديم في الجماعات والأفراد ولكن ضرره بالجماعة المسلمة أشد من ضرره بالأفراد وبالجماعات الدنيوية . إنّ الجماعة الإسلامية قامت على أساس المعاني الإسلامية وللدعوة إليها ، فمن التناقض أن يكون الدافع لعملها هو ما حرّمه الله : الرياء وطلب السمعة عند الناس . إنها تسعى لإعلاء كلمة الله بتطبيق شرعه ونصرة دينه ابتغاء مرضاة الله وطاعته فيجب أن تنأى عن الرياء بأي شكل كان . وعليها أن تعلم أن خطر الرياء عظيم وتأثيره في النفس كبير ، فقد يحمل الرياء المرائي على أن يعرض نفسه للقتل حتى يقول الناس ولو بعد قتله : ما أشجعه وما أجرأه .

فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إنّ أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأُتِيَ به فعرّفه نعمة فعرفها . قال : فما عملت فيها؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت . قال : كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار ..)1 .

والمعنى أن أول الناس يجري عليه القضاء رجل مات في الجهاد أي في قتال الكفار ، فيؤتى به ويوقف بين يدي الله تعالى ، فيعرفه الله بنعمه التي أنعم بها عليه في الدنيا فيعترف بها فيقول الله تعالى له فما عملت في هذه النعم التي أنعمت بها عليك ، هل قمت بشكرها؟ فيقول هذا الرجل : قاتلت في سبيلك وبطلب مرضاتك حتى استشهدت ، فيقول الله تعالى : كذبت ، ولكنك قاتلت حتى يقال إنك جريء ، أي شجاع ، وقد قيل ما قاتلت من أجله . فانظروا ـ رحمكم الله ـ يا جماعة المسلمين ، كيف يعمل الرياء بصاحبه؟ إنه يحمله على ان يموت بيد الكفار حتى يقول الناس ولو بعد موته إنه شجاع ، وفي الآخرة ينتظره عذاب أهل الرياء ، فهل يليق بالمسلم العاقل المؤمن بالله واليوم الآخر أن يبتغي بعمله مدح الناس وثناءهم عليه مع خسرانه الدنيا بفقد حياته وخسران الآخرة بمقت الله له وإدخاله النار؟

116 ـ افتضاح رياء الجماعة المسلمة :

وأيضاً فإن الجماعة المسلمة إذا عملت للرياء وطلب السمعة بان تجلب على نفسها المحن والبلايا ليقول الناس عنها ما أجرأها وما أشجع أعضاءها فسيصيبها زيادة على المحن التي التي جلبتها لنفسها ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري في صحيحه عن جندب رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من سمَّع سمَّع الله به ، ومن يرائي يرائي الله به)2 .

وجاء في شرح العسقلاني لهذا الحديث : المراد بالرياء إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها . والمراد بالسمعة نحو في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر . وقال الخطابي في هذا الحديث : معناه من عمل عملاً على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه ـ أي يسمعوه مدحهم وثناءهم عليه ـ جوزي على ذلك بان يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يخفيه .

وقيل في معنى الحديث أيضاً : من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله تعالى يجعله حديثاً عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الآخرة . ومعنى (يرائي الله به) أي يطلعهم الله تعالى على انه فعل ذلك العمل لهم لا لوجهه تعالى3 .

ويبدو لي أن المرائي الذي يقصد بعمله ثناء الناس عليه قد يحصل له ذلك كما في الحديث الذي يقاتل ليقال عنه جريء وقد ذكرناه في الفقرة السابقة ، ثم يصيب المرائي انكشاف ريائه للناس وما يترتب على ذلك من ذمهم له وازدرائهم له.

117 ـ قد تفعل الجماعة المسلمة ما يفعله من يقاتل للرياء والسمعة :

وقد تفعل الجماعة المسلمة فعل المرائي وطالب السمعة الذي يقاتل ليعرف مكانه ويمدحه الناس بأن تتعمد الجمماعة المسلمة المواجهة والمقابلة مع عدوها وهي تعلم عجزها عن مواجهته ومنازلته وتعلم أنها يسعها شرعاً أن لا تفعل ذلك ولكنها تفعله وتصر على فعله طالباً للسمعة والمنزلة عند الناس وحتى يقولوا ما أشجع هذه الجماعة وما أجرأها ، ويكون الثمن الذي تقدمه ثمناً باهظاً جداً : إنه سخط الله عليها لأنها لم تقصد بعملها وجه الله وطاعته ومرضاته وإنما أرادت بعملها هذا مرضاة الناس ، ومن طلب مرضاة الناس بسخط الله أسخط الله عليه الناس . ومع سخط الله فإنها تعرّض أعضاءها ـ وهم أمانة عندها ـ إلى الأذى وتنكيل الأعداء بهم وزجهم بالسجون ومصادرة أموالهم والاعتداء على أعراضهم وتعريضهم للفتنة وزعزعة إيمانهم إلى غير ذلك من البلايا العظام التي سببتها لهم جماعتهم أو قيادتهم.

ثم مع هذا الذي ذكرته ستضيق سبل العمل على الجماعة ويَنْفَضُّ ضعاف الإيمان من حولها خوفاً من أن يمسهم الأذى ـ وقد كان من المأمول تقوية إيمانهم لو بقيت الجماعة في منأى عن البلاء الذي نزل بها ـ كما ان الناس لا يقبلون على الجماعة خوفاً من تنكيل خصومها بهم .

118 ـ العمل الخالص لله هو المقبول عند الله :

ولتعلم الجماعة المسلمة أنَّ العمل الخالص لله المقبول عنده هو الخالي من الرياء وطلب السمعة ، فلتحرص أن يكون عملها دائماً خالصاً لله بأن يكون الدافع له مرضاة الله وإعلاء كلمة الله لا طلب السمعة وثناء الناس فقد جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي موسى رضي الله عنه قال : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليُرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)1 . وجاء في شرحه : قوله (والرجل يقاتل للذكر) أي ليذكر بين الناس ويشتهر بالشجاعة . وقوله : (والرجل يقاتل ليرى مكانه) وفي رواية أخرى (والرجل يقاتل رياء) فمرجع الذي قبله إلى السمعة ومرجع هذا إلى الرياء وكلاهما مذموم . وقوله : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) المراد بكلمة الله كلمة التوحيد ودينه الإسلام المبني عليها والدعوة إليه . واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه وطلب ثوابه وطلب دحض أعدائه2 .

119 ـ لا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه :

وأيضاً ، إن في تعريض الجماعة أعضاءها إلى المحن التي تعمدت وقوعها طلباً للسمعة والرياء إذلالاً لهم على أيدي أعدائها من الكفرة الفجرة ، وهي ممنوعة من ذلك شرعاً ، قال صلى الله عليه وسلم : (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه . قالوا : كيف يذل نفسه؟ قال يتعرض من البلاء لما لا يطيق)3 ، والظاهر أنه في حق من يتعرض إلى البلاء لظنّه بقدرته على ذلك ، ومع هذا جاء النهي عنه ، فكيف بالذي يتعرض إلى بلاءٍ للسمعة والرياء وهو يعلم أنه لا يطيق هذا البلاء؟

120 ـ ثانياً : التصور الخاطىء للجماعة يحملها على جلب المحن لنفسها :

وقد تقع الجماعة في الوهم والتصور الخاطىء وسوء التقدير بما تحصل به الجماعة على ثقة الناس ورضاهم فتعتقد أن ذلك لا يحصل لها إلا إذا أُوذِيتْ وقدمت أعضاءها إلى أعدائها ليجلدوهم ويعذبوهم بأنواع العذاب ويذلوهم ويحبسوهم أو يقتلوهم ، وبهذا ـ في تصورها ـ تقدم الجماعة (شهادة حسن السلوك) لنفسها لجماهير الناس حتى يثقوا بها ويرضوا عليها . وهذا خطأ جسيم فإن ثقة الناس ورضاهم وإقبالهم عليها لا يحصل شيء منه إلا برضا الله فقط ، ورضاه يحصل بجعل عملها صحيحاً وبإخلاص نيتها . ويكون عملها صحيحاً إذا وافق الشرع واخذت بسنته العامة واعتبرت بها . وإخلاص النيّة بان يكون العمل لله وحده فقط لا غير أي لطلب مرضاته فقط مائة بالمائة . فهذا النهج من العمل إذا التزمت به الجماعة وعضت عليه بالنواجذ ولم تحد عنه قط هو الذي يجلب ثقة الناس بها ورضاهم عليها ، ويكسبها قبل هذا وذاك تأييد الله لها .

121 ـ اعتراض ودفعه :

وقد يعترض علينا معترض بأن معنى كلامي ومآله أن على الجماعة المسلمة أن تقعد ولا تعمل حتى تنجو وينجو أعضاؤها من المحن والبلاء والشدائد ، فهل هذا يجوز؟ والجواب أنا لم أقصد بكلامي هذا المعنى الذي يقوله المعترض ، وإن كلامه نفسه لا يدل على هذا المعنى ، وإنما قصدت بكلامي شيئين : الأول : تعمد وقوع المحن من قبل الجماعة وسعيها إلى استجلابها وإيقاعها على نفسها وعلى أعضائها وقد بيَّنت خطأ ذلك ودليله .

الثاني : بيان ما يدفع الجماعة المسلمة إلى سعيها إلى استجلاب المحن لنفسها ولأعضائها فقلت بأن هذا الدافع قد يكون الرياء وطلب السمعة وقد يكون التصور الخاطىء لما يجلب لها ثقة الناس ورضاهم عليها وبيَّنت أن هذا لا يجوز شرعاً .

أما أن مآل كلامي هو ما ذكره المعترض فهذا فهم غير صحيح ؛ لأن كلامي واضح ومع وضوحه أزيده وضوحاً فأقول على وجه الإجمال إن على الجماعة المسلمة أن تزن أعمالها كلّها بلا استثناء بميزان الشرع فإذا أذن لها بالتقدم وبالعمل بأسلوب معين تقدمت وعملت ، وإذا منعها من ذلك امتنعت ؛ لأنها محكومة بالشرع في كل تصرفاتها وفي أفعالها وتروكها ، ولا يجوز أن تخالف الشرع وهي تدعو الناس إلى حكم الشرع وتحكيمه في جميع شؤونهم . وميزان الشرع يقوم على كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى الاجتهاد الصحيح القائم على الكتاب والسنّة النبوية.

ومن معاني الشرع ومبادئه الثابتة : (فاتقوا الله ما استطعتم) ودفع أعظم المفسدتين بتحمل أقلهما ، وإن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، (ولا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا) وإن من سنّة الله في تدافع الحق والباطل وجوب إعداد القوة اللازمة لدفع الباطل ، وإنه قبل هذا الإعداد لا يجوز المقابلة مع العدو بالقتال .

122 ـ تذكير أخير للجماعة المسلمة :

وتذكير أخير للجماعة المسلمة نختم به كلامنا بخصوص سنّة الله في الفتن والابتلاء ، فأقول إن من السهل لكل إنسان أن يتعمد تقديم نفسه إلى عدوه ليأسره أو يحبسه أو يؤذيه أو يقتله ولكن ليس من السهل لكل إنسان أن يجاهد عدوه ويخادعه في جهاده معه ولا يعينه على أن يأسره أو يؤذيه .. والمطلوب من الجماعة المسلمة أن تعمل ولا تتعمد تقديم نفسها أو تقديم أعضائها إلى عدوها ليؤذيها ويؤذيهم ويذلها ويذلهم ، ومن هذا التعمد المحظور ، أو بأخذ حكمه ، إصرارها على أسلوب معين للعمل يؤذيها مع أن الشرع يأذن لها بغيره .



الفصل الخامس : سنّة الله في الظلم والظالمين [ قانون الظلم ]

122 ـ تعريف الظلم في اللغة :

جاء في لسان العرب1 : الظلم وضع الشيء في غير موضعه . وأصل الظلم الجوز ومجاوزة الحدّ . ويقال : ظلمه يظلمه ظلماً ومظلمة ، فالظلم مصدر حقيقي . وهو ظالم وظلوم . والظَلَمَه هم المانعون أهل الحقوق حقوقهم . والظُلامة ما تُظلمهُ وهي المَظْلِمة . وتظالم القوم : ظلم بعضهم بعضاً . وفي المفردات للراغب الأصفهاني2 : والظلم عند أهل اللغة وكثير من أهل العلم : وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة ، وإما بعدول عن وقته أو مكانه . وقال الفيروزآبادي3 : والظلم يقال في مجاوزة الحق ويقال في الكثير والقليل .

124 ـ المعنى الشرعي للظلم :

قال الإمام العسقلاني في شرحه لصحيح البخاري : والظلم وضع الشيء في غير موضعه الشرعي4 . وقال الإمام العيني : الظلم أصله الجور ومجاورة الحد . ومعناه الشرعي وضع الشيء في غير موضعه الشرعي5 .

125 ـ الظلم ضد العدل :

والظلم ضد العدل ونقيضه ، فما معنى العدل؟

جاء في لسان العرب : العدل ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور . وعدل الحاكم في الحكم يعدل عدلاً وهو عادل . والعدل الحكم بالحق . والعدل من الناس المرضي قوله وحكمه6 . وجاء في المفردات للراغب الأصفهاني : العدل هو المساواة في المكافأة7 . وجاء في النهاية لابن الأثير : العدل هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم8 . وقال الفيروزآبادي : العدل خلاف الجور. وعدل عليه في القضية فهو عادل9 .


126 ـ التعريف المختار للعدل :

وفي ضوء ما قيل في تعريف العدل وأنه ضد الجور والظلم ، ومن تعريف الظلم ، يمكن تعريف العدل بأنه وضع الشيء في موضعه الشرعي ، وإعطاء كل شيء حقه من المكانة أو المنزلة أو الحكم أو العطاء .

127 ـ تحريم الظلم في كل شيء ولكل إنسان :

في القرآن الكريم آيات كثيرة صريحة في تحريم الظلم بذكر اسمه ، وآيات كثيرة في تحريم الظلم بصورة غير مباشرة وذلك بالأمر بالعدل لأن الأمر بالعدل نهي عن الظلم فمن ذلك قوله تعالى : (إنّ الله يأمر بالعدل) ، هكذا أمراً مطلقاً بالعدل بكل ما هو عدل ولكل إنسان فلا يجوز ظلمه ولو كان كافراً أو ظالماً ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((ولهذا كان العدل أمراً واجباً في كل شيء وعلى كل أحد والظلم محرماً في كل شيء ولكل أحد فلا يحل ظلم أحد أصلاً سواء كان مسلماً أو كافراً أو كان ظالماً ، قال تعالى : (يا أيُّها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) ، ومعنى شنآن قوم أي بغض قوم وهم الكفار))1 .

وقال ابن تيمية أيضاً : (لأنه ـ أي العدل ـ وهو الذي أنزلت به الكتب وأرسل به الرسل ـ وضده الظلم وهو محرّم كما جاء في الحديث القدسي كما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه : يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)2 .

128 ـ توبة الظالم وهل تدفع عنه عقوبة الآخرة :

من المعلوم أن الظلم معصية ، وأن الظالم إذا لم يتب من ظلمه عوقب عليه في الآخرة ، وأنه إذا تاب توبة نصوحاً مقبولة فتوبته تسقط عنه عقوبة ظلمه . ولكن إذا كان ظلمه يتعلق بحقوق الناس كما لو قتل غيره ظلماً أو آذاه في بدنه بغير القتل أو غصبه حقاً له ثم تاب فهل تسقط توبته عقوبة ظلمه هذا في الآخرة؟ تعرض شيخ الإسلام ابن تيمية لهذه المسألة فقال : (إن التوبة المجرّدة تسقط حق الله من العقاب وأما حق المظلوم فلا يسقط بمجرد التوبة ، فمن تاب من ظلم لم يسقط بتوبته حق المظلوم ، لكن من تمام توبته أن يعوضه بمثل مظلمته ، وإن لم يعوضه في الدنيا فلا بد له من العوض في الآخرة فينبغي للظالم التائب أن يستكثر من الحسنات حتى إذا استوفى المظلومون حقوقهم لم يبق مفلساً. ومع هذا فإذا شاء الله تعالى أن يعوض المظلوم من عنده فلا راد لفضله كما إذا شاء أن يغفر ما دون الشرك لمن يشاء)3 .

129 ـ عقوبة الظالم في الدنيا :

والغالب أن الظالم ـ حسب سنّة الله في الظلم والظالمين ـ يعاقب في الدنيا على ظلمه للغير ، يدل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أبو داود : (ما من ذنب أجدر أن يُعجّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم) . وجاء في شرحه : ما من ذنب أحق وأولى لصاحبه أي لمرتكب الذنب أن يعجل الله له العقوبة مع ما يؤجل من العقوبة له في الآخرة مثل (البغي) أي بغي الباغي وهو الظلم والخروج عن السلطان أو الكبر وقطيعة الرحم أي ومن قطع صلة ذوي الأرحام4 .

وأيضاً فإن المظلوم مستجاب الدعوة جاء في الصحيح الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن (.. واتق ودعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) . وجاء في شرحه للعسقلاني : أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم . وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم .

وقوله : (ليس بينها وبين الله حجاب) أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع ، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصياً كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعاً : ( دعوة الظالم مستجابة وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه)5 .

ومما يكمل الاستدلال بهذا الحديث النبوي الشريف أن نقول : إن المظلوم يدعو عادة على ظالمه لينتقم الله منه في الدنيا ليشفي ما في صدره من غيظ على ظالمه ، وحيث إن دعوة المظلوم مستجابة ، فإجابته ـ إذا شاء الله ـ تكون بمعاقبة الظالم بالدنيا .

130 ـ استدراك وتوضيح :

ولكن ما قلناه من أن الغالب في الظالم معاقبته في الدنيا على ظلمه ، لا يعني ـ كما هو واضح من قولنا : إن الغالب في الظالم .. الخ ـ إن كل ظالم يناله العقاب على ظلمه في الدنيا حتماً وفوراً أو عاجلاً لأن من سنّة الله أيضاً إمهال الظالم ولكن دون إهماله . وقد يكون في عدم تعجيل عقوبته في الدنيا لحكمة يعلمها الله ولا نعلمها مثل استدراجه ، أو لكون المظلوم قد ظلم غيره وما حلّ فيه من ظلم هو جزاء ظلمه لغيره ، أو لعلم الله بصلاح هذا الظالم مستقبلاً وتوبته توبة نصوحاً وتحلله ممن ظلمه ، أو لغير ذلك من موانع تعجيل العقوبة على الظالم فنحن لا نحيط بكل جوانب حكمة الله ومفردات سننه في عباده ، وإنما نستطيع القول بان الظلم جدير بأن يعجل العقاب على مرتكبه كما جاء في الحديث الذي ذكرناه ، وإن المظلوم مستجاب الدعوة وهو في الغالب يدعو على ظالمه بالانتقام العاجل ، فيكون ذلك كلّه من أسباب تعجيل العقوبة على الظالم ولكن يبقى وراء الأسباب حكمة الله ومشيئته النافذة في العباد .

131 ـ من عقاب الظالم تسليط ظالم عليه :

من سنة الله تعالى في الظلم والظالمين أنّ الرعية الظالمة أي التي يتظالم أفرادها فيما بينهم يولّى عليها حاكم ظالم فيكون تسلطه عليهم من العقاب لهم على ظلمهم قال تعالى : (وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون)1 .

وجاء في تفسيرها : نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله . وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالماً آخر . ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية أو التاجر يظلم الناس في تجارته2 . وقال الإمام الرازي في تفسير هذه الآية : (الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم ، فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم)3 . وقال الآلوسي في تفسير هذه الآية : (وقد استدل بالآية على أن الرعية إذا كانوا ظالمين فإن الله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم ، وفي الحديث : كما تكونوا يولى عليكم)4 .

132 ـ لا يفلح الظالمون :

ومن سنته تعالى في الظلم والظالمين أنهم لا يفلحون ولا يفوزون في الدنيا كما لا يفلحون ولا يفوزون في الآخرة . قال تعالى : (قُل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون)5 ، وهذا خطاب من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لقومه المصرين على كفرهم ما هو مذكور في الآية ، وهو تهديد شديد ووعيد أكيد ، أي استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي فسوف تعلمون بعد حين من تكون له العاقبة الحسنى في هذه الدار ، وهي لا تكون إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين كما وعد الله تعالى ووقع ما وعد الله ، فنصر رسوله صلى الله عليه وسلم على الكافرين ، وأشار إلى السبب في هذه العاقبة الحسنى لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، وهذا السبب هو أن مخالفيهم ظالمون ، وأن سنته تعالى : (إنه لا يفلح الظالمون) وإنما وضع الظلم موضع الكفر لأنه أعم منه وهو أكثر فائدة لأنه إذا لم يفلح الظالم فكيف الكافر المتصف بأعظم أفراد الظلم؟ والظالمون الذين لا يفلحون يشمل الظالمين لأنفسهم بالكفر بنعم الله أو باتخاذ الشركاء له في ألوهيته كما يشمل الظالمين للناس في حقوقهم . فالسنة لا تتخلف وهي أن الظالمين للناس في حقوقهم . فالسنّة لا تتخلف وهي أن الظالمين لا يفلحون فلا ينتصرون ولا يظفرون بمطلوبهم . وإذا كان الفلاح منتفياً عن الظالمين بموجب شرع الله وسنته العادلة انحصر الفلاح والفوز في أهل الحق والعدل وهؤلاء هم رسل الله وأتباعهم المؤمنون كما قال تعالى : (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) ، وقوله تعالى : (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون)6 .

133 ـ هلاك الأمة بظلمها :

من سنّة الله في الظلم والظالمين هلاك الأمة بظلمها ، وفي بيان هذه السنة العامة آيات كثيرة في كتاب الله العزيز منها : (فقطع دابر القوم الذين ظلموا) ، وقوله تعالى : (هل يُهلك إلا القوم الظالمون) ، وقوله تعالى : (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ) ، وكلمة (لما) ظرف يدل على وقوع فعل لوقوع غيره مما هو سبب له . وهذا يدل على وقوع هلاك الأمة لوقوع سببه وهو الظلم . وهذا الظلم نوعان (الأول) ظلم الأفراد لأنفسهم بالفسق والفجور والخروج عن طاعة الله والتظالم فيما بينهم . (والثاني) ظلم الحكام لهم على نحو يهدر حقوقهم ويذهب بعزتهم ويعودهم على حياة الذل والمهانة مما يجعل الأمة ضعيفة غير صالحة للبقاء فيسهل على الأعداء الاستيلاء عليها واستعبادها فيكون هذا محقاً لها وفناءً لشخصيتها . فيصدق عليها قول الله تعالى : (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ)1 ، وهذه السنة دائمة في الأمم ولها مواقيت لهلاكها بسبب الظلم ، تختلف ـ هذه المواقيت ـ باختلاف أحوالها وأحوال أعدائها وهي آجالها المشار إليها في قوله تعالى : (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)2 .

134 ـ هلاك الأمم الظالمة له أجل محدود :

وهلاك الأمم الظالمة له أجل محدود ، بمعنى أن بقاء الأمة الظالمة بقاء محدود المدة إذا انقضت هذه المدة جاء أجلها فتهلك كما يهلك الإنسان ويموت إذا حان أجله بمضي مدة عمره . وتوضيح ذلك أن الظالم في الامة كالمرض في الإنسان يعجل في موته بعد أن يقضي المدة المقدرة له وهو مريض . وبانتهاء هذه المدّة يحين أجل موته ، فكذلك الظلم في الأمة يعجل في هلاكها بما يحدثه فيها من آثار مدمرة تؤدي إلى هلاكها واضمحلالها خلال مدة معينة يعلمها الله هي الأجل المقدر لها ، أي الذي قدره الله تعالى له بموجب سنته العامة التي وضعها لآجال الأمم بناء على ما يكون فيها من عوامل البقاء كالعدل ، أو من عوامل الهلاك كالظلم التي يظهر أثرها وهو هلالكها بعد مضي مدّة محددة يعلمها الله . قال تعالى : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) قال الآلوسي في هذه الآية (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) ، أي ولكل أمة من الأمم الهالكة أجل أي وقت معين مضروب لاستئصالهم3 . ولكن هلاك الأمم وإن كان شيئاً مؤكداً ولكن وقت حلوله مجهول لنا ، أي إننا نعلم يقيناً أن الأمة الظالمة تهلك حتماً بسبب ظلمها حسب سنة الله تعالى في الظلم والظالمين ، ولكننا لا نعرف وقت هلاكها بالضبط ، فلا يمكن لأحد أن يحدده بالأيام ولا بالسنين ، وهو محدد عند الله تعالى بالساعات ولذلك قال تعالى : (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)4 .

135 ـ سنة الله مطردة في هلاك الأمم الظالمة :

وسنة الله مطردة في هلاك الأمم الظالمة قال تعالى : (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)5 . وقوله تعالى : (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ) أي ما ظلمناهم بإهلاكنا إياهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما به أُهلِكوا . وقوله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) ، أي إن عذاب الله ليس بمقتصر على من تقدم من الأمم الظالمة ، بل إن سنته تعالى في أخذ كل الظالمين سنّة واحدة فلا ينبغي أن يظن أحد أن هذا الهلاك قاصر بأولئك الظلمة السابقين ، لأن الله تعالى لما حكى أحوالهم قال : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) ، فبيَّن الله تعالى أن كل من شارك أولئك المتقدمين في أفعالهم التي أدت إلى هلاكهم فلا بد أن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد . فالآية تحذير من وخامة الظلم ، فلا يغتر الظالم بالإمهال6 .

136 ـ تبقى الدولة مع الكفر ولا تبقى مع الظلم : قال تعالى : (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)7 . إن الدولة الكافرة قد تكون عادلة بمعنى أن حكامها لا يظلمون الناس والناس أنفسهم لا يتظالمون فيما بينهم ، فهذه الدولة مع كفرها تبقى ، إذ ليس من سنّته تعالى إهلاك الدولة بكفرها فقط ، ولكن إذا انضم إلى كفرها ظلم حكامها للرعية وتظالم الناس فيما بينهم ، وبهذا قال المفسرون وأهل العلم ، قال الإمام الرازي في تفسيره (إن المراد من الظلم في هذه الآية الشرك . والمعنى أن الله تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين ، إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم يعامل بعضهم بعضاًً على الصلاح ، وعدم الفساد)1 .

وفي تفسير القرطبي قوله تعالى : (بظلم) أي بشرك وكفر (وأهلها مصلحون) أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق . ومعنى الآية : إن الله تعالى لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان وقوم لوط باللواط2 .

137 ـ قول ابن تيمية في هلاك الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة :

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : (وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم ، ولهذا قيل : إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة . ويقال : الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام . وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها من خلاق ـ أي في الآخرة ـ وإن لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة)3 .

138 ـ من الظلم المهلك المحاباة في تطبيق القانون :


تطبيق القانون على الجميع وبالسوية وبدون محاباة يبعث الطمأنينة في النفوس ، ويجعل الضعيف المحق يوقن بأنه في مأمن من ظلم القوي ، لأن الدولة معه ممثلة بقانونها الذي تطبقه محاكمها بعدل وبجدية وعلى الجميع وبدون محاباة لأحد ، ومن كانت معه الدولة وقانونها فهو أقوى من غيره مهما كان هذا الغير ذا نفوذ وجاه وسلطان .

فإذا اختل هذا الوضع فلم يطبق القانون على الجميع وأخذت المحاباة تفعل فعلها وهي التي يأخذ بها الحاكم ، كان ذلك من الظلم الذي تباشره الدولة أو تعين على وقوعه أو تسكت عنه فلا تمنعه ، فتتلبس الدولة بالظلم وتغشاها ظلمته فيقوم فيها سبب الهلاك فتهلك ، وهذا ما حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمها شأن المرأة المخزومية التي سرقت ، فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا من يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكلمه فيها فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أتشفع في حدّ من حدود الله؟ فقال له أسامة : استغفر لي يا رسول الله . فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : أما بعد : فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ ، وإني والذي نفسي بيده لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها . ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها4 .

وجاء في شرحه : وفيه ترك المحاباة في إقامة الحدّ على من وجب عليه ولو كان ولداً أو قريباً أو كبير القدر والتشديد في ذلك على من رخّص فيه5 .

139 ـ تعليل هلاك الدولة بالظلم :

في الحديث الذي ذكرناه في المرأة التي سرقت جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ ) ، فالمحاباة في تطبيق القانون ظلم تقوم به الدولة أو تعين عليه ، وكان المأمول أن تمنع الدولة الظلم وتحمي المظلومين وتعاقب الظالمين ..

وأشد الظلم وأوجعه ما جاءك ممن واجبه أن يحميك .. وهذا الظلم وغيره من أنواعه المشينة ، إذا قامت به الدولة أو تسترت عليه أو أعانت عليه ، فسيترك أثراً بليغاً في نفوس المواطنين يتمثل بخيبة أملهم في الدولة وزعزعة ثقتهم بها .. وتُسلِمهمْ هذه الحالة إلى حالة عدم الاهتمام بالدولة وضعف الولاء لها وعدم الحرص على بقائها ولا الدفاع عنها .. وتسلمهم هذه الحالة إلى حالة أسوأ منها وهي رغبتهم في هلاكها واضمحلالها ولو باستيلاء الغير عليها ولو كان من أعداءها .. ولسان حالهم يقول في تبرير رغبتهم هذه : إن الدولة لم تعد لنا البيت الكبير الذي نجد فيه الأمن والأمان والحماية والطمأنينة على حقوقنا وعدم اعتداء الظالمين عليها ..

وإذا استمر الظلم وانتشر وشاع بفعل الدولة أو بتسترها عليه وعدم منعها له وتغافلها عنه فإن الأمر يؤول بالناس المظلومين والمنتصرن لهم من أقارب وأصدقاء إلى معاونة الأعداء على تهديم الدولة التي صارت في نظرهم عدواً لهم .. إن ما أقوله ليس تبريراً لفعل المظلومين وإنما هو وصف لواقعهم الذي صاروا إليه بسبب الظلم الذي توقعه الدولة أو تعين الظالمين على وقوعه أو لا تمنع وقوعه مع قدرتها على المنع .

140 ـ من آثار الظلم خراب البلاد :

ومن آثار الظلم الذي يعجل في هلاك الدولة الظالمة خراب البلاد اقتصادياً وعمرانياً لزهد الناس في العمل والغنتاج ، وسعيهم الدائم إلى الفرار والخروج منها . وكان هذا يؤثر في قوة الدولة اقتصادياً وعسكرياً ويقلل مواردها المالية التي كان يمكن أن تنفقها على إعداد قوتها في مختلف المجالات ، مما يجعل الدولة ضعيفة أمام أعدائها الخارجين وإن بقيت قوية طاغية على مواطنيها الضعفاء المساكين المظلومين .. وكل هذا يؤدي إلى إغراء أعدائها من الدول القوية لتهجم عليها وتستولي عليها أو على بعض أقاليمها أو إلحاق الأذى والضرر بها مما يعجل في هلاكها . وقد أشار علماؤنا رحمهم الله تعالى إلى أثر الظلم في خراب البلاد ، ففي تفسير القرطبي قوله رحمه الله : (فإن الجور والظلم يخرّب البلاد بقتل أهلها وانجلائهم منها ، وترفع من الأرض البركة)1 . وفي تفسير الآلوسي : (وروي عن ابن عباس أنه قال : أجد في كتاب الله تعالى أن الظلم يخرب البيوت ، وقرأ قوله تعالى : (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)2 .

141 ـ تأخير عقاب الظالمين :

إن من أسماء الله الحسنى ((الحليم)) فحلمه تعالى واسع يسع الناس جميعاً ، فلا يعجل عقوبتهم لظلمهم قال تعالى : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)3 ، أي لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة أي لأهلك جميع دواب الأرض تبعاً لإهلاك بني آدم ، ولكن الله جلّ جلاله يحلم ويستر وينظر إلى أجل مسمى أي لا يعاجلهم بالعقوبة إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحداً4 .

142 ـ سبل وقاية الأمة من عقوبة الظلم :

وإذا كان الظلم سبباً في هلاك الأمة فمن الواجب شرعاً الإنكار على الظالم ومنعه من الظلم وعدم الاستكانة له ولا الركون إليه وبهذا تنجو الأمة مما قد يحل بها من عقاب أو هلاك بسبب الظلم الواقع فيها . ونتكلم فيما يلي عن سبل الوقاية من الظلم وعقابه والتي اشرت إليها .

143 ـ أولاً : الإنكار على الظالم :

أخرجه الترمذي في جامعه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : (يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية : (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا ظالماً فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم بعقاب منه) . وجاء في شرحه : أي إذا لم يمنعوه عن ظلمه مع القدرة على منعه أن يعمهم الله بعقاب منه أي بنوع من العذاب5 .

ومن الواضح أن الظالم الواجب منعه من الظلم والإنكار عليه يشمل الحاكم الظالم وغيره من الظلمة ، كما أن العذاب أو العقاب الذي يعمهم قد يكون به هلاك الأمة ، وقد يكون بما دون الهلاك .

144 ـ ثانياً : عدم الاستكانة للظالم :

رفض الظلم وعدم الاستكانة للظالم والانتصار منه ، كل ذلك مما يجب أن يتربى عليه الفرد المسلم لأنه شيء ضروري لتكوين شخصيته الإسلامية ومن مقوماتها الأساسية ومن الصفات الأصلية للمسلم قال تعالى:(والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)6 . وانتصارهم هو أن يقتصروا على ما جعله الله لهم ولا يعتدوا ، وهو محمودون على الانتصار لأن من أخذ حقه غير متعدٍّ حدّ الله وما أمر به فلم يسرف في القتل إذا كان ولي دم او ردَّ على سفيه محاماة على عرضه وردعاً له فهو مطيع ، وكل مطيع فهو محمود1 . وفي تفسير القرطبي في هذه الآية : (أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه)2 . وفي صحيح البخاري ؛ قال إبراهيم النخعي كانوا ـ أي الصحابة ـ يكرهون أن يُستذلّوا ، فإذا قدروا عفوا3 .

وقال الآلوسي في تفسير الآية التي ذكرناها (أي ينتقمون ممن بغى عليهم على ما جعله الله تعالى لهم ولا يعتدون.. والعفو عن العاجز المعترف بجرمه محمود ، والانتصار من المخاصم المصرّ محمود)4 .

145 ـ ثالثاً : عدم الركون إلى الذين ظلموا :

ومن سبل الوقاية من وقوع الظلم أو شيوعه وانتشاره وما يترتب على ذلك من العقاب أو الهلاك بالأمة ، عدم الركون إلى الذين ظلموا بأي نوع من أنواع الركون إليهم حتى يعجزوا أو يضعفوا عن ارتكاب الظلم لاسيما الحكام الظلمة ، لأنهم لا يرتكبون المظالم إلا بأعوانهم وبسكوت أهل الحق عنهم أو بركونهم إليهم . قال تعالى محذراً من الركون إلى الذين ظلموا : (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)5 .

قال الزمخشري في تفسيرها : (ولا تركنوا ، من أركنه إذا أماله . والنهي متناول للانحطاط في هواهم ، والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم ، والتشبه بهم والتزيي بزيهم ومدّ العين إلى زهرتهم ، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم . وتأمل قوله تعالى : (وَلاَ تَرْكَنُواْ) فإن الركون هو الميل اليسير . وقوله تعالى : (إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ) أي إلى الذين وجد منهم الظلم ، ولم يقل إلى الظالمين)6 .

146 ـ رابعاً : لا يعان الظالم على ظلمه :


أعوان الظالم ظلمة مثله ، فلا تجوز إعانة الظالم . لأنه إذا كان الركون بجميع أشكاله وأنواعه لا يجوز ، فما يكون فيه إعانة فعلية للظالم ، أولى أن لا يجوز . والواقع أن الحاكم الظالم إنما يتمكن من ظلمه بمعاونة أعوانه وأتباعه وليس بنفسه فقط .

فالمعاونة له بأي شكل من أشكالها لا تجوز لأنها تقوية له ومساعدة له لتنفيذ ظلمه . ولهذا إذا نزل العذاب بالحاكم الظالم نزل باعوانه أيضاً لأنهم مثله ظالمون كما حصل لفرعون وأعوانه قال تعالى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)7 ، فالله تعالى جمعهم بوصف الخطيئة ، ومن خطيئتهم : الظلم الذي كان يقترفه فرعون ويعاونه عليه هامان وجنودهما . فلما نزل العذاب بفرعون نزل بأعوانه قال تعالى : (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ)8 . وقال تعالى في آية أخرى : (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)9 . فجعلهم الله تعالى جميعاً ظالمين : فرعون وجنوده لمعاونة جنوده له ، فأهلكهم جميعاً .

147 ـ خامساً : لا يعان الظالم على بقائه :

ولا يعان الظالم على بقائه في مركزه الذي يمكّنه على الظلم ، ولا يُدعى له بالبقاء لأن في بقائه استمراراً لظلمه ، جاء في الحديث النبوي الشريف :(من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبَّ أن يُعصى الله في أرضه)10 ، وسئل الإمام سفيان الثوري عن ظالم أشرف على الهلاك في برّية ، هل يسقى شربة ماء؟ فقال : لا . فقيل له : يموت؟ فقال : دعه يموت11 .

148 ـ الجماعة المسلمة وسنة الله في الظلم والظالمين :

الجماعة المسلمة قامت في المجتمع استجابة لأمر الله تعالى : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)1 ، فعليها أن تقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن المنكر وقوع الظلم أو توقع وقوعه في المجتمع ، وأقبح الظلم ظلم الحاكم ، فعليها أن تحدد موقفها وتميزه وتظهره في ضوء قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنها ما جاء في الحديث النبوي الشريف : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) .

149 ـ ما تستحضره الجماعة في نفسها ولا تنساه :

وعلى الجماعة المسلمة أن تستحضر في نفسها وتذكره ولا تنساه أنها أقوى من الفرد وأضعف من الدولة وأن الحاكم الظالم يتربص بها ما دامت على المنهج الجهادي الإسلامي الصحيح ، فعليها أن تتصرف في ضوء هذه الحقائق وفي الأسلوب الممكن الذي يأذن به الشرع .

150 ـ على الجماعة المسلمة أن تحذر الركون إلى الظلمة :

وعلى الجماعة المسلمة أن تحذر كل الحذر من الوقوع في معاني الركون إلى الذين ظلموا ، ولو بحسن النيّة ، لأن حسن النية لا يقلب الخطأ صواباً ولا الحرام حلالاً وإن كان قد يرفع الإثم عن صاحب النية الحسنة بشروط معينة . وعلى هذا لا يجوز للجماعة المسلمة ممثلة بأميرها وأعضائها مخالطة الحكام الظلمة والظهور معهم أمام الناس دون إعلان الإنكار عليهم مما يوحي إلى الناس أن الجماعة تداهن الحكام الظلمة أو تؤيدهم ، مما يجعل الناس يشكون في إخلاص الجماعة ، بل ويشركونها في مسؤولية الحكام الظلمة ، وبالتالي ينفض الناس عنها ولا يسمعون منها ولو أن ما تقوله لهم هو حق وصواب ، لأن الناس جُبِلوا على عدم قبول القول ولو كان حقاً ممن يخالفه عملاً لاسيما في مداهنة الحكام الظلمة والركون إليهم ولا سيما إذا كان المداهن والراكن جماعة مسلمة تدعو الناس إلى معاني الإسلام.


151 ـ استثناء من حظر الدخول إلى الظلمة :

ويستثنى من مباشرة معاني الركون إلى الظلمة حسب الظاهر ـ مثل الدخول عليهم أو مجالستهم أو الطلب منهم ـ وجود حالة ضرورية تدعو لذلك أو وجود المبرر الشرعي الذي يبيح ذلك أي يبيح مباشرة بعض ما يندرج في معاني الركون إلى الذين ظلموا كالتي مثلنا لها . قال الإمام الرازي وهو يفسر قوله تعالى : (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، قال : فأما مداخاتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون إليهم2 ، وقال الآلوسي في معاني الركون إلى الذين ظلموا : (ومجالستهم من غير داع شرعي) ، ومعنى ذلك جواز مجالستهم لداعٍ شرعي3 .

152 ـ لا يجوز التوسع ولا التسرع في الاستثناء :

وعلى الجماعة المسلمة أن لا تتوسع في الأخذ بالاستثناء عن طريق القياس لأن الاستثناء لا يتوسع فيه . وأن لا تتسرع في الأخذ به بل عليها أولاً أن تتأكد أن لا سيل لها إلا الأخذ بهذا الاستثناء ، وأن مصلحته أكبر من مفسدته لأنه يدفع عنها ضرراً أكبر من مصلحة تركه ، وهذه مسألة تقديرية متروكة للجماعة ، ومع تقوى الله وإخلاص النية توفَّق الجماعة إن شاء الله تعالى إلى الصواب ، وقد قال تعالى : (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) وإذا انبهم عليها الأمر ولم تعد تعرف أيهما الأصلح لها الأخذ بالستثناء أو تركه فعليها أن تأخذ بدعاء الاستخارة وصلاتها وتسأل الله أن يعرفها بالصواب في الأخذ بالاستثناء أو في تركه .

153 ـ جزاء الركون إلى الذين ظلموا :

ويلحق الجماعة المسلمة بركونها إلى الذين ظلموا الجزاء المذكور في قوله تعالى : (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ)4 ، أي إذا ركنتم إلى الذين ظلموا فهذه هي عاقبة الركون إليهم : وهي (فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) أي فتصيبكم النار التي هي جالظالمين ، وجزاء من يركن إليهم لأن الركون إلى الظلم وأهله ظلم ، (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء) أي ليس لكم من أولياء يخلصونكم من عذاب الله (ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ) بسبب من الأسباب ، ولا تنصرون بنصر الله وتأييده لأن الذين يركنون إلى الظالمين يكونون منهم ، والله تعالى لا ينصر الظالمين كما قال تعالى : (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)5 .

154 ـ على الجماعة المسلمة أن تبصر الأمة بتقصيرها وواجبها :

على الجماعة المسلمة أن تبصّر الأمة بتقصيرها وبواجبها . أما تقصيرها فبسكوتها عن الحاكم الظالم ورضوخها إليه واستكانتها له وركونها إليه ، بل ومعاونتها له . ولولا هذا التقصير منها لما بقي هذا الظالم في الحكم ولا استمر في ظلمه . فإذا أرادت الأمة أن تتخلص منه فعليها القيام بواجبها نحوه والعمل الجاد لاستئصال كل الأسباب التي أدت إلى تسلط هذا الحاكم الظالم عليها سواء كانت هذه الأسباب تظالم الأمة فيما بينها أو انتشار المعاصي فيها أو تفرق كلمتها أو إعانة الحاكم الظالم بأي شكل ونوع من أشكال وأنواع الإعانة ثم إن عليها أن تقوم بواجب الإنكار عليه وتهيئة القوة اللازمة لتحقيق الإنكار الفعلي عليه وإزالة منكر الظلم فعلاً . وهذا يقتضيها أن تلتف حول الجماعة المسلمة التي ترفع راية الإسلام والجهاد في سبيل الله .

وعلى كل الخيرين المؤمنين الانضمام إلى هذه الجماعة المسلمة ليكون لها صوت مسموع وقوة مرهبة تجبر الحاكم الظالم : إما على ترك ظلمه والرجوع إلى مقتضيات العدل والالتزام بشرع الله وهديه ، وإما أن يترك السلطة ويتخلى عن الحكم فليست البلاد أو الدولة ضيعة أو بستاناً أو مزرعة له أو لآبائه ولا الرعية عبيداً له .

155 ـ تحذير الناس من الكفر بسبب الظلم :

وعلى الجماعة المسلمة أن تحذر الناس من الوقوع في الكفر والردّة عن الإسلام باعتراضهم على الله واتهامهم إياه

ـ نعوذ بالله ـ بتأييد الحاكم الظالم بدليل بقائه في الحكم والسلطة . ومما يزين لهم الشيطان كفرهم قولهم أو احتجاجهم بأنهم مسلمون ومع هذا يسلط الله عليهم حاكماً ظالماً بل وقد يكون مع ظلمه كافراً أو مرتداً ، ويبقيه في السلطة ولا ينزل عليه عذابه ليخلص من شره البلاد والعباد وينتقم منه للناس المظلومين . فعلى الجماعة المسلمة أن تبين لهم جهلهم وأن ما يقولونه كفر وردّة عن الإسلام وأنهم إذا أرادوا حاكماً عادلاً بمقاييس الشرع الإسلامي وبالالتزام بهذا الشرع فعليهم أن يقيموا العدل فيما بينهم ، لأن الرعية التي تريد حاكماً عادلاً كعمر بن الخطاب عليها أن تكون رعية عادلة كرعية عمر بن الخطاب لأن القاعدة : (كيفما تكونوا يولى عليكم) .

فعلى الجماعة المسلمة أن تبين للناس أن أمور الحياة تجري وفق سنن الله العامة ومنها سنته في الأسباب والمسببات ، وسنته تعالى في تدافع الحق والباطل ، وأن الله تعالى لن يخرق من أجل عيونهم قوانين الحياة وسننها العامة في الاجتماع ، فهم ليسوا بأحسن حالاً ولا أكرم على الله تعالى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وقد قص الله علينا ما لقوم من شدائد وأذى وما تحملوه في سبيل الله وما قدموه من تضحية وفداء حتى اتاهم نصر الله بإزالة الطواغيت من الأرض . فعلى المسلمين أن يعلموا أن إزاحة الطواغيت والحكام الظلمة لا يكون بمجرد تأففهم أو تضجرهم أو تحسرهم أو بالاحتجاج بأنهم مسلمون فلا بد أن يهلك الله الحكام الظلمة وهم في بيوتهم قاعدون يمنون على الله أن أسلموا فيريدون أن يرسل الله ملائكة تقاتل عنهم وتزيح الحاكم الظالم فتخلصهم من شرّه ، لا ، لا يكون هذا فالمسلم الحقيقي هو الذي يطيع الشرع وينفذ أوامره ويهتدي بسننه العامة ، فإذا أرادوا الخلاص من الحاكم الظالم أو الكافر فعليهم سلوك الجهاد الشرعي بأنواعه وإعداد القوة اللازمة لذلك ، ومن أولى خطواته ومستلزماته وحدة الكلمة وضم الجهود بعضها إلى بعض ، بالتجمع حول الجماعة المسلمة والانضمام إلى عضويتها ، لأنها جماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، ومن المنكر إزالة الظلم وتنحية أهله عن الحكم والسلطان إذا لم يقلعوا عنه .


الفصل السادس : سنة الله في الاختلاف والمختلفين [ قانون الاختلاف]

156 ـ الاختلاف في اللغة :

الاختلاف في اللغة يعني عدم الاتفاق على الشيء بأن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخرين في أمر من الأمور .

ويعني أيضاً عدم التساوي ، فكل مالم يتساوى فقد تخالف واختلف . والخلاف هو المضادة ، وقد خالفه مخالفة وخلافاً فهو يدل على ما يدل عليه لفظ الاختلاف ، وإن كان معناه أعم إذ هو من الضد ولا يلزم من كل مختلفين أن يكونا ضدين وإن كان كل ضدين مختلفين1 .

157 ـ الاختلاف في الاصطلاح الشرعي :

الاختلاف في المعنى الاصطلاحي عند الاختلاف في الآراء والنحل والأديان والمعتقدات فيما يسعد الإنسان به أو يشقى في الدنيا والآخرة1 .

ولفظ الاختلاف يعني ما يعنيه لفظ الخلاف في استعمالات الفقهاء2 .

158 ـ الإسلام ينهى عن الاختلاف :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : (وأمرنا الله تعالى بالاجتماع والائتلاف ونهانا عن التفرق والاختلاف)3 ، وما قاله ابن تيمية رحمه الله تعالى حق نطق به القرآن وجاءت به السنة النبوية المطهّرة قال تعالى : (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)4 . وقال رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : (.. ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)5 ، وفي حديث أخرجه الترمذي قال صلى الله عليه وسلم : (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد)6 .

159 ـ ما يستفاد من النهي عن الاختلاف :

وإذا كان الإسلام قد أمر بالاجتماع والائتلاف ونهى عن التفرق والاختلاف ، فهذا النهي يدل على جملة امور (منها) أن الاختلاف يمكن وقوعه بين البشر وبين المسلمين أنفسهم ، لانه لو كان مستحيلاً لما نهى الإسلام عنه لأن النهي عن إيقاع المستحيل عبث ينزه عنه الشارع الحكيم . (ومنها) إذا كان الاختلاف يمكن وقوعه بين المسلمين فإنه يمكن توقيعه تحصيل ضده وهو الاتفاق لما عرف من أصول الشريعة لا تكليف إلا بمقدور ولا تكليف بمستحيل (ومنها) إذا كان الاختلاف منهياً شرعاً فهو إذن مذموم لان الأصل أن الذم يتبع النهي أو يقترن به إلا ما استثني ، (ومنها) إذا كان الاختلاف منهياً عنه ومذموماً فمن وقع فيه أو تلبس به حقت عليه المسؤولية الدينية ولحقه الجزاء على النحو المقرر في الشريعة . (ومنها) وإذا كان الاختلاف منهياً عنه ومذموماً ومعاقباً عليه فينبغي توقيه واتخاذ الأسباب والوسائل المانعة من وقوعه والدافعة له بعد وقوعه .

160 ـ وقوع الاختلاف بين المسلمين :

والاختلاف وقع ويقع بين المسلمين بالرغم من تحذير الإسلام والنهي عنه تصديقاً لإخبارات النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه فقد قال صلى الله عليه وسلم : (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في حجر لاتبعتموهم . قلنا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى؟ قال : فمن)7 . وكان من سنن الذين من قبلنا وقوعهم في الاختلاف والافتراق كما جاء في الحديث النبوي الشريف : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة . وتفرقت أمتى على ثلاث وسبعين)8 .

161 ـ الحكمة من التحذير من الاختلاف مع حتمية وقوعه :

قلنا إن الاختلاف بين المسلمين يقع وقد وقع فعلاً ، ولا بد يقع لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه وهو الصادق المصدوق ، فما الحكمة من النهي عنه والتحذير منه مع حتمية وقوعه؟ والجواب من وجوه : الأول : أن الخلاف الذي يقع لا يعم الأمة كلها ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق ولا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة) ولا شك أن التحذير من الاختلاف تنتفع به هذه الطائفة فتبقى مستمسكة بالحق متفقة عليه غير مختلفة فيه .

ثانياً : إن نفس العلم بما يكرهه الشرع الإسلامي ـ ومنه الاختلاف ـ وما يحبه ـ ومنه الاجتماع والتصديق بوقوع ما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بوقوعه ، كل ذلك خير للمسلم لما فيه من زيادة إيمان لتصديقه باخبارات الشرع .

ثالثاً : التحذير من وقوع الاختلاف والنهي عنه من جملة أحكام الإسلام الواجب تبليغها للناس ، ومن المعلوم أن تبليغ أحكام الإسلام واجب وإن كان في علم الله تعالى عدم الاستجابة لهذه الأحكام أو لبعضها من قبل بعض الناس أو من قبل جميعهم .

رابعاً : إن المسؤولية الينية وما يترتب عليها من الجزاء لا تكون إلا بعد الإبلاغ والإنذار ، قال تعالى : (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) فلا بد من التحذير من الاختلاف والنهي عنه حتى تقوم الحجة على الناس عند اختلافهم .

162 ـ هلاك الأمة بالاختلاف :

مضت سنة الله تعالى في الأمم أن الاختلاف من أسباب هلاكها كما أخبرنا بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه إمام المحدثين البخاري رحمه الله تعالى وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : (فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) وفي رواية (فأهلكوا)1 .

وعند ابن حبان والحاكم عن ابن مسعود : (فإنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف)2 ، قال ابن حجر العسقلاني : وفي الحديث والذي قبله الحض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف3 . وقد أخرج هذا الحديث الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : (سمعت رجلاً قرأ آية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهية وقال : كلاكما محسن ولا تختلفوا فغن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) ذكر هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية وقال : أخرجه الإمام مسلم ثم قال ابن تيمية : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع الآخر من الحق لان كلا القارئين كان محسناً فيما قرأه . وعلل صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا4 ، فالخلاف إذن علّة هلاك الأمة .

163 ـ الخلاف المهلك للأمة هو الخلاف المذموم :

والاختلاف المهلك للامة هو الاختلاف المذموم وهو الذي يؤدي إلى تفرقها وتشتتها وانعدام التناصر فيما بين المختلفين لما يورثه الخلاف من كراهية وربما عداوة فيما بينهم ، واعتقاد كل طرف ببطلان ما عند الطرف الآخر ، وقد يؤؤل الأمر إلى استباحة قتال بعضهم بعضاً .

164 ـ اختلاف الفقهاء ليس من الاختلاف المذموم :

أما اختلاف الفقهاء فيما يجتهدون فيه فهذا لا يدخل في مفهوم الاختلاف المذموم المهلك للأمة وإنما هو من الاختلاف السائغ غير المذموم ، وإن المذموم ما يرتبه عليه مقلدة المذاهب من تعصب لمن يقلدونه ومعاداة من يخالفهم من مقلدة المذاهب الأخرى .

165 ـ تعليل هلاك الأمة بالاختلاف :

وإنما كان الاختلاف علّة لهلاك الأمة كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الاختلاف المذموم الذي ذكرنا بعض أوصافه يجعل الأمة فرقاً شتى مما يضعف الامة لأن قوتها وهي مجتمعة أكبر من قوتها وهي متفرقة لتفرق قوتها على الفرق كلها ، وقوة كل فرقة هي أضعف من قوة الأمة مجتمعة ، وهذا الضعف العام الذي يصيب الأمة بمجموعها يجرىء العدو عليها فيطمع فيها فيهاجمها ويحتل أرضها ويستولي عليها ويستعيدها ويمسخ شخصيتها وفي ذلك انقراضها وهلاكها .

166 ـ ضعف الأمة بالاختلاف مع صواب البعض وحسن قصد الآخرين :

وضعف الامة بسبب اختلافها يحصل ولو كان بعض المختلفين على صواب ونية المخالفين لهم نية حسنة لظنهم أنهم هم المصيبون ، لأن ضعف الأمة بسبب اختلافها وتفرقها فرقاً شتى نتيجة حتمية للتفرق ولا علاقة لها بالخطأ والصواب ولا يحسن النية أو سوئها ، لأن التفرق واقعة مادية تستوجب نتيجتها وهي ضعف المختلفين جميعاً ولا تمنع ولا تدفع هذه النتيجة حسن نوايا المختلفين .

وما أحسن نصيحة ذلك الأب الحكيم لاولاده وتعليمهم ضرر الفرقة والاختلاف بالمثال المحسوس فقد أمرهم أن يجلب كل واحد منهم عصا وكانوا عشرة أولاد فلما جاؤوه بما أراد جعل العصي حزمة وشدها وطلب منهم واحداً واحداً كسر تلك الحزمة فلم يستطيعوا ثم فرق الحزمة وأعطى كل واحد منهم عصا وامره بكسرها فكسر كل واحد منهم عصاه بسهولة ويسر . وعند ذلك التفت إليهم أبوهم وقال لهم إن في الاجتماع قوة تستعصي على الكسر من قبل العدو كما استعصت حزمة العصي على الكسر ، وإن في التفرق والفرقة ضعفاً للجميع مما يسهل على العدو كسرهم والتغلب عليهم واحداً واحداً كما يسهل على العصي كسرها بعد تفرقها .

167 ـ الاختلاف يضعف الجماعة المسلمة ويهلكها :

والاختلاف كما يضعف الأمة ويهلكها يضعف الجماعة المسلمة التي تنهض بواجب الدعوة إلى الله ثم يهلكها . ولهذا كان شر ما تبتلى به الجماعة المسلمة وقوع الاختلاف المذموم فيما بينها بحيث يجعلها فرقاً شتى ، بحيث ترى كل فرقة أنها على حق وصواب وأن غيرها على خطأ وضلال ، وتعتقد كل فرقة أنها هي التي تعمل لمصلحة الدعوة . وهيهات أن تكون الفرقة والتشتت والاختلاف المذموم في مصلحة الدعوة أو أنَّ مصلحة الدعوة تأتي عن طريق التفرق ، ولكن الشيطان هو الذي يزين الفرقة والتفرق في اعين المتفرقين المختلفين فيجعلهم يعتقدون ان اختلافهم وتفرقهم في مصلحة الدعوة .

والاختلاف في الجماعة لا يقف تأثيره عند حد إضعاف الجماعة وإنما يضعف تأثيرها في الناس وتجعل المغرضين ينفثون باطلهم في الناس ويقولون : جماعة سوء تأمر الناس بأحكام الإسلام ، والإسلام يدعو إلى الألفة والاجتماع وينهى عن الاختلاف ، وهي تخالفه إذ هي متفرقة مختلفة فيما بينها ، كل فرقة تعيب الأخرى وتدعي أنها وحدها على الحق . ثم يؤول الأمر إلى انحسار تأثير الجماعة في المجتمع ثم اضمحلالها واندثارها وقيام جماعات جديدة مكانها هي فرق المنفصلين عنها ، ووقائع التاريخ البعيد والقريب تؤيد ما نقول .

168 ـ توقي الهلاك بتوقي الاختلاف :

ولما كان الاختلاف المذموم منهياً عنه ومفضياً إلى ضعف الأمة وضعف الجماعة المسلمة ثم هلاكها فإن الإقلاع عن هذا الاختلاف واجب شرعي كما ان توقيه بتوقي أسبابه حتى لا يقع هو الآخر واجب شرعي فما هي سبل الوقاية من الاختلاف؟

169 ـ سبل الوقاية من الاختلاف :

إن سبل الوقاية من الاختلاف تختلف باختلاف أطراف الخلاف ، فقد يقع الخلاف بين الأمة وحكامها ، أو بين أفرادها أو بين أعضاء الجماعة المسلمة أو بين الجماعة الإسلامية . ونذكر فيما يلي سبل الوقاية من الخلاف في هذه الحالات حتى لا يقع الخلاف أو لرفعه إذا وقع ، علماً بأن الوقاية قد تنجح فلا يقع الخلاف أو يقل كثيراً أو يضعف أثره ، وإذا وقع قد يرفع كله أو بعضه أو يضعف تأثيره . فسبل الوقاية كالدواء يؤخذ للحمية لئلا يقع المرض ، ويؤخذ للعلاج بعد وقوع المرض وقد ينفع في الحالتين أو في أحدهما وقد لا ينفع تماماً وقد ينفع جزئياً ، وكل ذلك لأسباب وعوامل متعددة .

170 ـ أولاً : الوقاية من الخلاف بين الأمة وحكامها :

الخليفة ومن دونه من ولاة الأمور يباشرون السلطة والأمر والنهي في إدارة شؤون الدولة وفق اجتهادهم وما يرونه من وجوه المصلحة للأمة وهذا فيما عدا ما هو منصوص عليه في الشريعة ، لأن ما هو منصوص عليه واجب على الخليفة ومن دونه من ولاة الأمر التقيد به إذ لا اجتهاد في مورد النص ، وإنما الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ومثل هذا الاجتهاد جائز لولاة الأمور . وقد يخالفهم غيرهم فيما يأمرون به أو ينهون عنه ، وقد يكون المخالف فرداً أو أفراداً أو جماعة تقوم بالدعوة إلى الإسلام ، وقد يكون الصواب مع ولي الأمر والخطأ مع مخالفيه وقد يكون العكس ، وفي جميع الأحوال يكون من حق أفراد الأمة والجماعة المسلمة أن يبدوا آراءهم في تصرفات ولي الأمر مؤيدين لها أو مخالفين ، وفق قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ومن هذه القواعد : عدم الإنكار في الأمور الاجتهادية وإن كان من الجائز لأفراد الأمة أو للجماعة المسلمة إبداء آرائهم فيما ذهب إليه ولي الأمر في الأمور الاجتهادية كما قلت ، ولكن لا يجوز لهم اعتبار رأيهم هو الحق والصواب والواجب التنفيذ وأن رأي ولي الأمر (الخليفة فمن دونه) المخالف لرأيهم باطل وخطأ قطعاً ولا يجوز تنفيذه ، لأن من القواعد الفقهية أن الاجتهاد لا ينقض بمثله وأن حكم الحاكم يرفع الخلاف في الأمور الاجتهادية ، فإذا أخذ ولي الأمر برأيه واجتهاده المخالف لرأي غيره فهو قد استعمل حقه ومن يستعمل حقه فهو مصيب غير مخطىء ومحسن غير مسيء فلا يجوز الإنكار عليه وتجميع الناس ضده وإباحة الخروج عليه ، فهذا الصنيع من مخالفيه يقع في دائرة الخلاف والجماعة المسلمة أن يفقهوا هذا لئلا يقعوا في الخلاف المذموم وتحق عليهم المسؤولية الدينية وما يترتب عليها من جزاء .

171 ـ الخلاف مع الحاكم الظالم :

المركز القانوني للخليفة في علاقته مع الأمة مركز النائب والوكيل ، فالأمة هي التي اختارته وأنابته مناب نفسها ليقوم بتنفيذ شرع الله ويدير شؤونها بما يحقق المصلحة لها ويحفظ حقوقها ، وحقوق أفرادها وفق الضوابط الشرعية . ولكن قد لا يفعل الخليفة ذلك فتقع تصرفاته أو تصرفات نوابه في دائرة الظلم مثل غمط الناس حقوقهم أو سلبها منهم أو تقديم من حقه التأخير ، وتأخير من حقه التقديم ، ففي هذه الحالة على الأمة بأفرادها المتضررين منهم بهذه التصرفات وغيرهم وبالجماعات المسلمة فيها الإنكار عليه تكرار الإنكار حتى يقلع عن الظلم . ولكن لا يجوز للأمة ولا للمتضررين من تصرف ولي الأمر ولا للجماعة المسلمة دفع الناس إلى التمرد والعصيان والخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح وتأجيج الفتنة لأن هذا السلوك في مواجهة ولي الأمر يضعف الأمة ويعرضها إلى استيلاء العدو عليها . وعلى المتضررين من بغي السلطان ((ولي الأمر)) أو نوابه مراجعة القاضي لينصفهم عن ظلمهم ، فغن لم يجدوا عند القاضي النصفة لهم لأي سبب كان ، فلا يجوز لهم ولا لغيرهم الخروج على السلطان أي على الدولة إيثاراً منهم للمصلحة العامة على مصلحتهم الخاصة ، وعليهم أن يستمروا على موقفهم في الإنكار على ولي الأمر الظالم ومراجعة القضاء مع الصبر وعدم الخروج على الدولة . وليس في هذا الموقف النبيل من الأمة أو المتضررين من ظلم السلطان مذلة ولا استكانة للظلم وإنما فيه تضحية وإيثار للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، وعلى هذا دلّت السنة النبوية الشريفة ، فمن ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات مات ميتة الجاهلية)1 .

وجاء في شرحه : الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار2 .

وفي حديث آخر للبخاري عن عبادة بن الصامت : دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال : فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان3 . وأخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك)4 .

وقال النووي في شرحه لهذا الحديث : قال العلماء ، معناه : تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية ، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة . ((والأثرة )) هي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم . وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الاحوال وسببها اجتماع كلمة المسلمين فإن الخلاف سبب لفساد احوالهم في دينهم ودنياهم5 .

فهذه الأحاديث النبوية الشريفة وأقوال العلماء فيها صريحة في وجوب طاعة الإمام والصبر على شططه وجوره تجنباً للفرقة والنزاع المفضي غالباً إلى القطيعة والقتال . وهذا الصبر من المظلومين والمتضررين بظلم السلطان لا يدخل في معنى قبول الذل والهوان والرضا بظلم الظالمين ، وإنما يدخل في معنى الإيثار : إيثار المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، والمصلحة العامة هنا هي الإبقاء على وحدة الجماعة وعدم تفرقها بالخروج على السلطان والتمرد عليه وما يترتب عليه من اقتتال بين أفراد الأمة مما يؤدي إلى ضعفها ، ثم إن الصبر على جور السلطان لا يعني الرضا بجوره أو السكوت عن الإنكار عليه ، وإنما يعني فقط عدم الخروج عليه بالسلاح لأنه يدخل في دائرة البغي ، ومعصية السلطان بجوره لا تقابل بمعصية الخروج عليه بالسلاح .

172 ـ الخلاف مع الحاكم الكافر :

ولكن إذا كان انحراف الحاكم ـ السلطان ونحوه ـ يقع في دائرة الكفر البواح فعلى الأمة بأفرادها وجماعاتها المسلمة أن تعمل على قلع هذا الحاكم إذا لم ينفع معه النصح ولم يرجع إلى الإسلام ، جاء في الحديث النبوي الشريف عن عبادة بن الصامت : (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الامر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) أي لا ننازع من بيده الملك والإمارة إلا أن يرى المسلمون من هذا السلطان كفراً صريحاً واضحاً بيناً عندهم به نصّ من آية أو خبر صحيح لا يقبل التأويل ففي هذه الحالة لا تجوز طاعته بل تجب مجاهدته وخلعه إذا توافرت القدرة على ذلك1 .

173 ـ ثانياً : الخلاف بين أفراد الأمة والوقاية منه :

وقد يقع الخلاف بين أفراد الأمة ويكون اختلافهم من النوع المذموم فليزمهم الإقلاع عنه والوقاية فيه بعد تبصيرهم بحكم الشرع فيما اختلفوا فيه . ومن هذا الاختلاف المذموم الواجب الوقاية منه الخلاف بين مقلدة المذاهب والخلاف بين المقلدين ومنكري التقليد والخلاف بين المتفقهة والمتصوفة . ونتكلم فيما يلي عن طبيعة هذه الخلافات وسبل الوقاية منها .

174 ـ أ : الخلاف بين مقلدة المذاهب :

تقليد المذاهب الإسلامية المعتبرة جائز للعاجز عن الاجتهاد باعتبار أن هذا التقليد يشمله المعنى العام لقوله تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، إن المراد من سؤالهم معرفة ما يجهلونه ويسألون عنه أهل الذكر . والمسلم يسأل أهل العلم عن حكم الشرع في المسألة التي تهمه يسأل اهل العلم عن حكمها الشرعي . وسؤال أهل العلم كما يكون بالمجيء إليهم وهم أحياء وسؤالهم مشافهة ومواجهة ، يكون بحكم سؤالهم بالرجوع إلى أقوالهم التي حرروها في المسائل الشرعية وبينوا أحكامها .

كما أن تبرير تقليدهم أنهم يعرفون من يقلدهم بحكم الشرع . فعلى هذا الأساس جاز للجاهل أن يقلد المذاهب الإسلامية المعتبرة ، ولكن لا يجوز للمقلد أن يعتقد أن أقوال من يقلده هي الحق والصواب قطعاً وأن ما يخالفها هو الخطأ قطعاً ثم يرتب على ذلك نتائج غير مقبولة شرعاً ومفرقة للأمة ومضعفة لها مثل إباحة المقلد لنفسه مقاطعة من يخالفه في تقليده وعدم الصلاة خلفه ، وربما تجاوز ذلك إلى الخصومات والمشاجرات والعداوات بين مقلدة المذاهب واتهام بعضهم بعضاً بأسوأ التهم ونعتهم بأسوأ الأوصاف ، كما حدث شيء من ذلك في الماضي . ولا شك أن هذا الخلاف من النوع المذموم وقطعاً الذي يرده ولم يقصده أئمة المذاهب وإنما يفعله مقلدتهم منهم .

175 ـ الوقاية من هذا الخلاف :

والوقاية من هذا الخلاف بين مقلدة المذاهب تعريفهم بحكم الشرع فيما اختلفوا فيه وتبصيرهم بحقيقة المذاهب الإسلامية وطبيعتها ومعناها وموقف المسلم منها . فالمذاهب الإسلامية ما هي إلا وجوه لتفسير النصوص الشرعية في القرآن والسنة النبوية واستنباط الأحكام الشرعية منها ومن المصادر التي أرشدت إليها هذه النصوص في ضوء ضوابط معينة وقواعد في فهم النصوص وتفسيرها .

وإن أئمة المذاهب الإسلامية من أهل العلم المشهود لهم بالعلم والإيمان ، وإنهم أئمة في الفقه الإسلامي وأهل لأن يسألهم الناس عن أحكام الشرع الإسلامي بالمجيء إليهم في حياتهم وسؤالهم عما يريدون معرفته من أحكام الشرع . وبحكم سؤالهم في حياتهم الرجوع إلى أقوالهم وفتاواهم بعد وفاتهم باعتبار أن أقوالهم هذه مظنّة الصواب وتوصل إلى معرفة الأحكام التي شرعها الله . ولكن هذه المظنة للصواب ليست مقصورة على مذهب معين أي على أقوال مجتهد بعينه وإنما هي شائعة بين أئمة المذاهب المختلفة المعتبرة وإن كان بعضهم أقوى مظنة للصواب من غيره إما مطلقاً وإما في مسألة معينة أو في جملة مسائل من الفقه .

وإذا كانت أقوال المذاهب الإسلامية المعتبرة سائغة على أساس أنها مظنة الصواب وموصل إلى حكم الله ، وأن هذه المظنة شائعة بين المذاهب الإسلامية المعتبرة وليست حكراً على مذهب معين فلا يجوز لمقلد أحد هذه المذاهب أن يحتكر لمذهبه كل الصواب في جميع أقواله ويقرر الخطأ في كل قول يخالف مذهبه . فهذا لم يقله أي مذهب من المذاهب ولم ينسبه لنفسه ولم يحتكره لاجتهاده فكيف يدعيه مقلده له؟ وإذا كان اتباع المذاهب الفقهية سائغاً للأسباب التي ذكرناها وللاعتبارات التي بينّاها فلا يجوز التقاطع والمخاصمة بين مقلدة المذاهب ولا الاعتقاد بأن أقوال مذهبه كلها هي الصواب وأن ما يخالفها هي الباطل قطعاً وأن متبعها يستحق الهجر والقطيعة ، فكل ذلك من الخلاف المذموم ، والوقاية منه يكون بتبصير المقلدين بما قلناه والله هو الهادي إلى سواء السبيل .


176 ـ ب : الخلاف بين المقلدين ومنكري التقليد :

وقد يقع الخلاف بين مقلدة المذاهب جميعاً من جهة وبين منكري التقليد من جهة أخرى . وقد يصل الخلاف فيما بينهم إلى درجة العداوة الصريحة ورمي بعضهم بعضاً بالابتداع في الدين أو المروق منه ونحو ذلك من التنابز بالألقاب والاتهام بأسوأ الأوصاف .

177 ـ الوقاية من هذا الخلاف :

والوقاية من هذا الخلاف يكون بتبصير الفريقين بما قلناه بالنسبة للخلاف بين مقلدة المذاهب أنفسهم ، ونزيد عليه بان نقول لمنكري التقليد مطلقاً ، إن المسألة بسيطة وواضحة جداً ولا ينبغي أن يكون بينكم وبين المقلدين خلاف ، وبيان ذلك أن المطلوب من المسلم معرفة حكم الشرع أي ما أنزله الله في القرآن والسنة ، أو ما أرشدت إليه نصوصهما من مصادر يعرف بها حكم الشرع كالإجماع . فإذا كان المسلم قادراً على تحصيل هذه المعرفة بنفسه بأن كان من أهل الاجتهاد فليفعل ذلك وليصل إلى معرفة حكم الشرع بنفسه ويحرم عليه التقليد في هذه الحالة .

ومن كان عاجزاً عن ذلك فعليه أن يفعل ما أمره الله عندما يجهل مسألة ويريد أن يعرفها قال تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وأهل الذكر بالنسبة للأحكام الشرعية هم العارفون بها وهم فقهاء الشريعة وعلى رأسهم أئمة الفقه المشهود لهم بالإمامة بالفقه كأصحاب المذاهب المعروفة بأسماء مؤسيسها ، وسؤالهم يكون بالمجيء إليهم وهذا في حياتهم وإما بالرجوع إلى أقوالهم وفتاواهم بعد مماتهم ، فهم أهلٌ لأن يُسألوا وأهلٌ لأن يُؤخذ قولهم ، كما أن سيبويه أهلٌ لأن يؤخذ قوله فيما اختص وعرف به من علوم اللغة العربية . وأيضاً فإن المقلد إنما يأخذ أقوال من يقلده باعتبارها مظنة الصواب وموصلة إلى معرفة حكم الشرع ، ولا ضير عليه ولا لوم في سلوك هذا المسلك في معرفة حكم الشرع ، ومثله في مسلكه هذا كمسلك الذي يريد الوصول إلى مكة بسلوك طريق البرّ فيتخذ له دليلاً هو مظنة المعرفة بطرق الصحراء الآمنة ليوصله إلى مكة فيسير وراءه ويتبعه فيما يشير به ويدله عليه من معالم الطريق .

178 ـ ادعاء الجاهل الاجتهاد :

ولا يجوز للجاهل الذي ليست له أهلية الاجتهاد ولا القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها ، لا يجوز له أن يدعي القدرة على الاجتهاد والوصول إلى معرفة الحكم الشرعي بنفسه فيتهجم على نصوص الشريعة في القرآن الكريم والسنة النبوية فيفسرها كما يشاء ، ويستنبط الأحكام منها كما يريد ، ويقول بالحل والحرمة لفعل أو ترك لما يتراءى له من مصلحة أو مفسدة من هذا الترك أو ذلك الفعل ، أو يقيس شيئاً على شيء بلا معرفة بأصوله وضوابطه . وقد لا يدعي الجاهل لنفسه رتبة الاجتهاد والقدرة على الاستنباط صراحة ، ولكنه يدعيها لنفسه عملاً بأن يتصرف تصرف المجتهدين فيفسر كتاب الله وآياته كما يهوى دون أن يرجع إلى ما قاله أهل العلم فيما يفسره هو من آيات وما يستنبطه منها من أحكام ، أو أنه يجد حديثاً نبوياً في كتاب فيفسره كما يهوى دون أن يرجع إلى أهل العلم بالسنة النبوية المطهرة وما قالوه في هذا الحديث الذي يفسره ، ومدى علاقته بالأحاديث الأخرى التي تخص موضوعه ، وما الحكم الذي يدل عليه من إيجاب أو ندب أو إباحة إن كان بصيغة الطلب ، وما يدل عليه من تحريم أو كراهة إن كان بصيغة النهي إلى غير ذلك من الأمور المتعلقة بهذا الحديث والواجب معرفتها قبل أن يفسر الحديث ويقول بمقتضاه .

179 ـ لا يجوز الطعن بأئمة المذاهب :

وقد تبلغ الجهالة بمدعي الاجتهاد ومنكري التقليد إلى حدّ مدّ ألسنتهم بالسوء في أئمة الهدى والفقه ، مثل أئمة المذاهب المعروفة بأسمائهم كالإمام أبي حنيفة ، والإمام الشافعي وغيرهما ، وادّعاء هؤلاء الجهال بأن هؤلاء ـ أئمة المذاهب ـ قد فرقوا الدين ولا يجوز الأخذ بأقوالهم مطلقاً ، ويبيحون لأنفسهم الطعن بهم وتوهين منزلهم وسمعتهم عند المسلمين .. وهذا منهم من أعظم الدلائل على جهلهم وبغيهم واتباعهم الهوى ومخالفتهم للكتاب والسنة ، فالله تعالى رفع أهل العلم قال تعالى : (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)1 .

ومما لا خلاف فيه أن أبا حنيفة والشافعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المذاهب الإسلامية المعتبرة هم من أهل العلم ، فيدخلون في مضمون هذه الآية وهي رفعة درجاتهم عند الله تعالى ، لأن العلم المقصود بالآية العلم الشرعي .

وقد يكون من المفيد أن أذكر هنا ما جاء في تفسير هذه الآية في تفسير الآلوسي قال رحمه الله : (والذين أوتوا العلم) أي العلم الشرعي (درجات) أي كثيرة جليلة كما يشعر به المقام ، وعطف ـ الذين أوتوا العلم ـ على (الذين آمنوا) من عطف الخاص على العام تعظيماً لهم بعدهم كأنهم جنس آخر وعنه عليه الصلاة والسلام : (يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فأعظم بمرتبة بين النبوة والشهادة بشهادة الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم . والدال على فضل العلم والعلماء أكثر من أن يحصى ، وأرجى حديث عندي في فضلهم ما رواه الإمام أبو حنيفة في مسنده عن ابن مسعود قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يجمع الله العلماء يوم القيامة فيقول : إني لم أجعل حكمتي في قلوبكم إلا وانا أريد بكم الخير ، اذهبوا إلى الجنة فقد غفرت لكم على ما كان منكم) . ودلالة الآية على فضل العلماء ظاهرة بل أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال : ما خصَّ الله تعالى العلماء في شيء ما خصهم في هذه الآية .. فضَّل الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم بدرجات1 . فالله تعالى أخبر أنه رفع درجات العلماء ، ويأتي هؤلاء الجهال يريدون تنقيص درجاتهم بالكلام السيء عليهم ، ولا شك أن من رفعه الله لن يستطيع خفضه أهل الجهالة والأهواء . وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) شهادة صريحة بأن الله تعالى أراد يأئمة الفقه خيراً كأبي حنيفة وامثاله لأنهم من اهل الفقه قطعاً فهم ممن أراد الله بهم خيراً بدلالة هذا الحديث النبوي الشريف . وعلى هذا فلن يذهب عنهم هذا الخير الذي أراده الله لهم ما يقوله الجاهلون عنهم وما ينفثونه من قبيح الكلام فيهم .

ويقال أيضاً لمنكري التقليد الذين يبيحون لأنفسهم الطعن بأئمة المذاهب ويمنعون الناس من الأخذ بأقوالهم والاجتماع بها والتعويل عليها ، يقال لهؤلاء : إن الاحتجاج بأقوال أئمة كل علم في موضوع علمه شيء مألوف ومقبول ولا ينبغي أن يكون فيه أي جدال ، ألا يرى أننا نحتج بقول سيبويه والكسائي ونحوهما في مسائل اللغة العربية وصرفها ونحوها؟ واحتجاجنا بأقوالهم مقبول من قبل الموافق والمخالف لأنهما من أهل العلم بالغة العربية ، فلماذا نخرج على هذا المقبول المألوف فنرفض الاحتجاج بأقوال أئمة الفقه والأخذ بها؟ إن الأخذ بأقوالهم لا يعني أنها تؤخذ مطلقاً ولا يجوز تركها وإنما تعني أنها تصلح للاحتجاج بها والعمل بها ولا تترك إلا بدليل أقوى من دليلها .

180 ـ نحترم أهل العلم ولا نعتقد فيهم العصمة :

والواجب على المسلم أن يجلّ أهل العلم ويحترمهم ويعرف قدرهم ويدعو لهم ويستغفر لهم ، وننتفع بعلمهم ونأخذ بأقوالهم ، ولكن لا نعتقد فيهم العصمة من الخطأ ، فكل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه فإذا ظهر أن قول أحدهم خطأ وقام الدليل على خطئه وجب التحول عنه إلى غيره ، وكذلك إذا قام الدليل على رجحان قول آخر وجب الاخذ بالراجح وترك المرجوح .

181 ـ لا يترك الواجب لأجل المندوب :

قد يكون قول منكري التقليد في مسألة من المسائل هو الذي تشهد له السنة النبوية بالصحة أو بالرجحان ، وإن قول المخالف له من المقلدين هو الخطأ أو المرجوح ، ومن أمثلة ذلك رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه ، ومثل وضع اليدين فوق الصدر أو تحته ، ونحو ذلك ولا يأخذ المقلد بقول منكر التقليد فيشتد الخلاف بينهما إلى درجة الخصومة مع أن المسألة لا تحتاج إلى تصعيد الخلاف إلى هذا الحدّ فهذه الأمور من مستحباتالصلاة أو سننها وليست من أركانها ولا واجباتها ، والصلاة بدونها صحيحة وإن كان الإتيان بها أفضل ، فلا يجوز جعلها أساساً للموالاة والائتلاف وعدمها سبباً للنفرة والاختلاف والعداء ، لان الائتلاف والاجتماع واجب ، والاختلاف المذموم ـ كهذا الاختلاف المؤددي إلى العداوة ـ حرام فلا يجوز ترك الواجب مع ارتكاب الحرام من أجل مندوب أو مستحب في الدين ، وإنما يقتضي التلطف بالبيان والنصح في الدلالة على ان السنة النبوية وردت بهذه المستحبات كرفع اليدين في الصلاة ، عند الركوع وعند الرفع منه ، كما قرر ذلك أهل الحديث وفقهاء الشريعة ، وإن الأئمة الذين لم يأخذوا بهذا المستحب في الصلاة مع وروده في السنة ، لأنهم لم تبلغهم هذه السنة النبوية أو بلغتهم ولم تثبت عندهم فهم معذورون في عدم الأخذ بها ، وغيرهم الذين بلغتهم هذه السنة وثبتت عندهم صحتها لا يُعذرون بتركها . فبهذا الكلام ونحوه ينسد باب الجدل والخلاف والخصام . وإذا لم يقتنع المقلد بهذا الكلام فلا يجوز هجره ومقاطعته وعداوته ونصب الخلاف المذموم معه لما قلته : إن الواجب هو الائتلاف وإن المحظور هو الخلاف والافتراق فلا يجوز ترك الواجب وارتكاب المحرم من أجل الخلاف في المندوب .

182 ـ ج : الخلاف بين المتفقهة والمتصوفة :

ومن الخلاف المذموم ما يقع بين المتفقهة والمتصوفة ، فالأولى قد تنكر على الثانية كل ما تدعيه وتؤكد عليه من احوال القلوب وتزكيتها ، والمتصوفة قد تنكر على المتفقهة تمسكها بالظاهر وتأكيدها عليه وعدم اهتمامها بالباطن واحواله واحكامه ، وقد لا تقيموزناً لمسلك المتفقهة وما تؤكد عليه . وهذا الخلاف بين الطرفين على هذا النحو يؤدي غالباً إلى التفرق والتقاطع والتباغض ، وكل هذا محظور في دين الله ، فينبغي عدم التسبب في وقوعه ، ورفعه إذا وقع .

183 ـ الوقاية من هذا الخلاف :

يُفهَّم الطرفان بان هذا الغنكار المطلق من قبل كلٍ منهما لكل ما عند الآخر هو من صفات أهل الكتاب المذمومة الواجب عدم التخلق بها ، قال تعالى ذاماً لهم بهذه الصفة : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)1 .

ويقال لهم أيضاً إن كونهم من (المتفقهة) أو من (المتصوفة) لا يمنحهم حصانة تمنع عنهم أي نقد أو تعقيب أو إنكار أو تجعلهم معصومين من أي خطأ ، بل عليهم أن يخضعوا لحكم الشرع ، وتخضع كل أقوالهم وتصرفاتهم لحكم الشرع فما أجازه منها جاز وكان صحيحاً ، وما لم يجزه كان خطأ محظوراً . أي إن أقوالهم وأفعالهم تأخذ وصف الوجوب أو الندب أو الإباحة أو التحريم حسب حكم الشرع عليها رضوا أو كرهوا .

ويقال لهم أيضاً إن أحكام الشرع الخاصة بالظاهر تسري على الجميع ولا يستثنى منها المتصوفة فهم مطالبون بالالتزام بها . وإن أحكام الشرع الخاصة بالباطن مثل أعمال القلوب وتزكيتها تسري على الجميع ولا يستثنى منها المتفقهة فهم مطالبون بالالتزام بها كغيرهم . فبهذا الكلام ونحوه يمكن أن يزال الخلاف بين المتفقهة والمتصوفة أو تقل شروره بإذن الله وتوفيقه .

184 ـ ثالثاً : الخلاف بين الجماعات الإسلامية والوقاية منه :

تقوم في البلاد الإسلامية جماعات تدعو إلى الإسلام وتقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي مشكورة على أعمالها وتدخل في المفهوم العام للجهاد في سبيل الله إن شاء الله تعالى . وقد يقع فيما بينها خلاف فما هي سبل الوقاية منه؟

185 ـ توحيد هذه الجماعات :

السبيل الأقوم لرفع الخلافات بين هذه الجماعات الإسلامية توحيدها في جماعة واحدة ، إذ لا حاجة لهذا التعدد ما دام الهدف واحداً وهو خدمة الإسلام عن طريق نشر تعاليمه وإزالة ما يناقضها . ولكن هذا الذي نراه وسيلة لرفع الخلاف ، وهو ما يحبه الإسلام ويرغّب فيه ويدعو إليه ، غير موجود في الواقع وقد لا يتيسر في المستقبل المنظور .

186 ـ ساحة العمل واسعة لمن يريده بإخلاص :

وإذا لم يتحقق توحيد الجماعات الإسلامية ، فيجب تفهيمها بأن ساحة العمل للإسلام واسعة جداً لمن يريده بإخلاص ولن تضيق هذه الساحة بهم ، فالجميع يريدون خدمة الإسلام . ومن دلائل صدق العمل للإسلام فرح العاملين له إذا رأوا غيرهم يعمل له . فإذا ساءهم عمل غيرهم وساءهم ظهور العاملين للإسلام من غيرهم فلذلك دليل على كدورة إخلاصه وعدم نقائه . فيجب أن تبقى الجماعات الإسلامية في دائرة الائتلاف الواسعة وتبتعد عن كل معاني الخلاف ومظاهره ، وليعتبروا تعددهم كتعدد جماعات المصلين في المساجد وكتعدد حلقات الدراسة وذكر الله ، ولا بأس من التنافس فيما بينهم بكثرة العمل الصالح الذي يقدمونه .

187 ـ رابعاً : الخلاف بين أعضاء الجماعة المسلمة :

العمل الجماعي ليس سهلاً فهو أصعب من العمل الفردي ولكنه أعمق أثراً منه وأعظم بركة وأوسع نفعاً . ووجه هذه الصعوبة أن العمل الجماعي يحتاج إلى تحرك موزون ومنظم ودقيق وصحيح فهو أشبه ما يكون بحركة الجيش وسيره . ثم إن العمل الجماعي يحتاج إلى ضبط نشاط المشاركين فيه وهم أعضاء الجماعة وتوجيه هذا النشاط إلى الوجهة التي تراها الجماعة ، ومنع انفلات هذا النشاط وخروجه عن مقتضيات الضبط والتوجيه ، لأن الجماعة تتحمل مسؤولية أي تصرف أو نشاط من أعضاء الجماعة وتتحمل نتائجه .

188 ـ ضرر الخلاف في الجماعة المسلمة :

ولما قلناه من صعوبة العمل الجماعي ودقته واحتياجه إلى الضبط وحسن التوجيه فإن الخلاف في الجماعة يؤثر تأثيراً سيئاً فيها ويضرها ضرراً بليغاً لأنه سيوقف عملها أو يؤخره وسيضطرها إلى توجيه كثير من طاقاتها وجهدها لمواجهة هذا الخلاف والقضاء عليه واتقاء شره ، وهذه سيشغلها عن عملها الأصلي وهو العمل للإسلام ومواجهة خصومه وخصومها . ثم إن الخلاف إذا لم يقض عليه بحزم وبسرعة وبصورة جذرية فسيؤدي إلى نتائج خطيرة ومفجعة ومنها خروج بعض أعضائها أو إخراجهم من الجماعة ، وهذا قد يؤدي بالخارجين أو المخرجين إلى تكوين جماعة أخرى ويكون من أهدافها الكيد للجماعة الأم الاولى ، ولهذا غالباً ما يحدث بينهما خصام واتهامات يستغلها خصوم الإسلام لصرف الناس عن الاستجابة للدعوة إليه .

189 ـ وسائل الوقاية من هذا الخلاف :

والوقاية من وقوع الخلاف الذميم في الجماعة المسلمة تستلزم أموراً كثيرة (منها) أن يكون لها أمير مطاع تطيعه في غيرمعصية الله ، وأن ياورها فيما يهم الجماعة وأمور الدعوة عن طريق مشاورة مجلس الشورى فيها . وبوجود الامير المطاع والتزامه بمبدأ الشورى ، يؤمل عدم وقوع الخلاف أو يقل وقوعه ويضعف أثره وضرره إذا وقع . ونتكلم عن ضرورة وجود هذا الأمير المطاع المشاور الذي يمنع الخلاف أو يقلل وقوعه وضرره إذا وقع .

190 ـ الأمير ضروري للجماعة المسلمة ويمنع الخلاف :

الإسلام يدعو إلى أن يكون أمير لأقل الجماعات وفي أقل الأغراض المباحة ، فلأن يكون للجماعة المسلمة أمير أولى . فقد أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) قال الإمام الخطابي : إنما أمر صلى الله عليه وسلم بذلك ليكون أمرهم جميعاً ولا يتفرق بهم الرأي ولا يقع بينهم الاختلاف1 .

وفي حديث آخر لأبي داود عن نافع أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) قال نافع فقلنا لأبي سلمة : فأنت أميرنا . وجاء في شرحه : أنه إذا كان جماعة وأقلها ثلاثة فليؤمروا أحدهم أي فليجعلوا أحدهم أميراً عليهم2 .

191 ـ الجماعة تختار أميرها :

والحديث يدل على مشروعية اختيار أمير للجماعة بل ووجوب هذا الاختيار لأن الحديث الشريف يقول : (فليؤمروا أحدهم) والأصل في الأمر أنه للوجوب . وهذا في أقل الجماعات وفي أقل الاغراض فكيف بالجماعة التي تقوم لخدمة الإسلام والدعوة إليه ويحتاج عملها إلى ضبط ونظام وتنظيم؟. والحديث يدل على أن الجماعة نفسها هي التي تختار أميرها أي أن الذين يريدون الاشتراك في عمل ما ، هم الذين يختارون أميرهم ، فكذلك الراغبون في الاشتراك في العمل لخدمة الإسلام وتكوين جمعية لهذا الغرض هم الذين يختارون أميراً لها . وسواء اشتراك جميع أعضاء الجمعية في اختيار الامير أو قام بالاختيار نخبة من الأعضاء يسمون ب((مجلس شورى الجماعة)) وهؤلاء يعتبرون نواباً عن الجماعة في اختيار أميرها ويشاورهم في أمور الدعوة .

192 ـ من تختاره الجماعة تجب طاعته :

وإذا ما تم اختيار أمير للجماعة المسلمة وجب على أفراد الجماعة طاعته ولا يسوغ لهم التمرد عليه وعدم طاعته بأية حجة ما دام انتخابه كان بطريق مشروع ونزيه وعادل ولا تزوير فيه ، وما دام قد تحققت في الأمير المنتخب شروط الأمير في حدها الأدنى ، لأن انتخابه في هذه الحالة دون غيره من الأمور الاجتهادية المقبولة ، فالخروج على هذا الأمير المنتخب يعتبر (بغياً) عليه وعلى الجماعة التي يمثلها ويعتبر دليلاً على أن الخارجين عليه فيهم صفة من صفات أهل الكتاب ، وهي أنهم كانوا يرفضون رسالة من لا تهواه أنفسهم ، ولا شك أن التشبه بأهل الكتاب في صفاتهم الذميمة شيء ذميم قال تعالى في ذمهم لهذه الصفة : (أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)3 .

وليكن معلوماً أن شر ما تبتلى به جماعة مسلمة تدعو إلى الله وقوع الخلاف فيها وتفرقها مما يسهل لأعدائها استغلال ذلك وإيذائها والأمثلة على ذلك كثيرة والعاقل من اعتبر بغيره ، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين .


193 ـ نصب الامير لطاعته ولمنع الخلاف :

ومن أغراض نصب الأمير للجماعة منع الاختلاف فيما بينها كما أشار إلى ذلك الإمام الخطابي في شرحه لحديث أبي داود : (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) حيث قال رحمه الله : إنما أمر صلى الله عليه وسلم بذلك ليكون أمرهم جميعاً ولا يتفرق بهم الرأي ولا يقع بينهم الاختلاف .

194 ـ طاعة الأمير طاعة لله ولرسوله :

إن الأمير إنما يختار لتطيعه الجماعة لأنها تعلم أن الأمير يختار ليطاع ، ولا معنى لاختياره إذا لم تطعه الجماعة ، ولأن طاعة الجماعة المسلمة لأميرها هي طاعة لله ولرسوله ، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من أطاعني فقط أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع أمير فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني)1 .

وجاء في شرحه لابن حجر العسقلاني : وفي رواية همام عند مسلم : (ومن أطاع الأمير فقد أطاعني) ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد فإن كل من يأمر بحق وكان عادلاً فهو أمير الشارع لأنه تولى بأمره وبشريعته ، ويؤيده توحيد الجواب في الأمرين وهو قوله : (فقد أطاعني) أي عمل بما شرعته . ووقع في رواية همام أيضاً : (ومن يطع الأمير فقد أطاعني) بصيغة المضارع وكذا : (من يعص الأمير فقد عصاني) وهو أدخل في إرادة تعميم من خوطب ومن جاء بعد ذلك2 .

وخلاصة هذا الشرح أن من يتولى إمرة شيء بموجب الشرع ويقضي بموجب الشرع فهو يعتبر أميراً من قبل الشرع وطاعته واجبة ، فمن أطاعه فقد أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمر بطاعة مثل هذا الأمير ، ومن أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله تعالى . ومن يعص الأمير المذكور فإنه يعصِ الله ورسوله . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أطاعني فقط أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصى الأمير فقد عصاني) قال النووي في شرحه لهذا الحديث : (لأن الله تعالى أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر هو صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير فتلازمت الطاعة) 3.

195 ـ لا يطاع الأمير في معصية الله :

والطاعة الواجبة لأمير الجماعة والتي تعصمها من الاختلاف إنما تكون في غير معصية الله تعالى ، فإذا أمر بمعصية الله فلا تجوز طاعته ، يدل على ذلك الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية ، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)4 .

قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : (تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية ، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة)5 .

وأخرج الإمام البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه واللفظ للبخاري : (بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأمَّر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه ، فغضب عليهم وقال : أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا : بلى . قال قد عزمت عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها . فجمعوا حطباً فأوقدوا ناراً فلما هموا بالدخول فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض ، فقال بعضهم : إنما تبعنا النبي فراراً من النار ، أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه . فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً ، إنما الطاعة في المعروف)6 .

196 ـ مفهوم المعصية التي لا يطاع فيها الأمير :

والمعصية التي لا يطاع فيها الأمير إذا أمر بها هي التي عليها دليل شرعي واضح صريح لا يتحمل التفسير بأكثر من وجه ولا الاجتهاد في مدلوله كدخول النار التي أمر أمير السرية أتباعه بدخولها ، لأن الدخول في النار قتل للنفس ، وقتل النفس لا يجوز قطعاً . أما في الأمور الاجتهادية فطاعته فيها واجبة إذ لا معصية في اختيار الأمير رأياً دون رأي فيما يجوز الاجتهاد فيه .

197 ـ أخذ الأمير بالشورى من موانع الخلاف :

ومن موانع الخلاف في الجماعة أخذ الأمير بالشورى ، وهذا واجب عليه لأن الشورى من مبادىء الإسلام وصفات المؤمنين وخاطب به الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى : (وأمرهم شورى بينهم) وقال تعالى : (وشاورهم في الأمر) والمخاطب بهذا الأمر هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي ليعلم المسلمون أنهم ملزمون بالشورى وأن على حكام المسلمين وولاة الأمور أن يفعلوا ذلك وإن تركوا الشورى استحقوا العزل ، قال الإمام القرطبي : (قال ابن عطية : والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب)1 فيجب على أمير الجماعة المسلمة أن يشاور الجماعة عن طريق مشاورة مجلس الشورى فيها ، فيشاوره في أمور الدعوة والجماعة قبل أن يتخذ الرأي الذي يأمر به الجماعة .

198 ـ هل الشورى ملزمة للأمير أو معلمة؟

وإذا كان الواجب على أمير الجماعة المسلمة أن يشاور الجماعة عن طريق مشاورته لمجلس الشورى فيها ، فهل يجب عليه الأخذ برأي المجلس المتفق عليه من قبل أعضائه أو برأي أكثرية أعضائه ، فيقال للشورى في هذه الحالة أنها ((ملزمة)) أو لا يجب عليه ذلك فله أن يأخذ برأي المجلس وله أن يرفض ولو كان باتفاقهم ويأخذ برأي نفسه فيقال للشورى في هذه الحالة إنها ((معلمة)) فقط وليست ((ملزمة))؟

والجواب يتوقف على نظام الجماعة ، فما يقرره نظامها من كون الشورى في الجماعة ملزمة لأميرها أو معلمة فقط يكون هو الواجب التنفيذ في حق الأمير وفي حق الجماعة كلها . وليس من بحثنا هنا بيان أي الاعتبارين أرجح : اعتبار الشورى ملزمة أو اعتبارها معلمة فقط . وكل كا نقوله هنا أن المسألة اجتهادية ويتوقف الترجيح على طبيعة ظروف الجماعة وأحوالها من حيث ومن حيث المكان والزمان وما يحيط بها من أوضاع وظروف معينة ومن حيث طبيعة أعضائها من جهة قلتهم وكثرتهم ودينهم وورعهم وعلمهم ومن حيث طبيعة المختارين للإمارة من حيث مدى تقواهم وعلمهم ودرايتهم إلى غير ذلك من الأمور التي ليس هنا محل بسطها والكلام فيها .

199 ـ نتيجةالأخذ بوسائل الوقاية من الخلاف :

والأخذ بوسائل الوقاية من الخلاف والتي ذكرنا منها اختيار الأمير من قبل الجماعة وأخذه بالشورى في إدارته أعمال الجماعة على النحو الذي بيناه ، فالأخذ بهذه الوقاية سيجعل الجماعة ـ إن شاء الله تعالى ـ بعيدة عن الاختلاف المذموم الذي يفرقها ويوقع الخصام فيها ، وإن وقع الخلاف أمكن معالجته وحسمه وسدّ المنافذ في وجوه المخالفين سيِّئي النية الذين يتوكؤون عادة لتبرير خلافهم وتمردهم على الاحتجاج بمصلحة الدعوة ، ومصلحة الدعوة لا تكون بالخروج على نظام الجماعة ، وإنما تكون بالتقيد والالتزام بهذا النظام وإعطاء الأمير ما أوجبه الشرع له من حق الطاعة بالعروف بعد قيامه بالمشاورة المطلوبة منه .



الفصل السابع : سنّة الله في المتساوين والمختلفين [قانون التماثل والأضداد]

200 ـ المقصود بالمتساوين والمختلفين :

نريد بالمتساوين في بحثنا هذا : المتشابهين أو المتماثلين في المعاني والأوصاف التي هي مناط الأحكام أو التي تستوجب نتائج معينة حسب سنن الله العامة .

ونريد بالمختلفين : الأضداد أي المختلفين في المعاني والأوصاف التي هي مناط الأحكام أو التي تستوجب نتائج معينة حسب سنن الله العامة .

وهذا المعنى الذي نقصده في المتساوين والمختلفين ينسحب على الأفراد والأمم والجماعات ، وعلى الأفعال والتصرفات وعلى كل ما يترتب عليه حكم أو نتيجة أو جزاء معين في الدنيا والآخرة .

201 ـ التساوي والاختلاف في النتائج والأحكام :

والسنة العامة في التساوي والاختلاف في النتائج والأحكام أن المتساوين والمختلفين بالمعنى الذي بيناه يتساوون أو يختلفون في النتائج والاحكام في الدنيا والآخرة لتساويهم أو اختلافهم في المعاني والأوصاف التي نبطت بها هذه النتائج والأحكام أو استوجبتها .

202 ـ قول ابن تيمية في المتماثلين والمختلفين :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : وهو سبحانه وتعالى كما يفرق بين الأمور المختلفة ، فإنه يجمع ويسوي بين الأمور المتماثلة فيحكم في الشيء خلقاً وأمراً بحكم مثله ، فلا يفرق بين المتماثلين ولا يسوي بين شيئين غير متماثلين ، بل إن كانا مختلفين متضادين لم يسوِّ بينهما . وقد بيّن سبحانه وتعالى أن (السنّة) لا تتبدل ولا تتحول في غير موضع . والسنّة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره ، ولهذا أمر سبحانه وتعالى بالاعتبار فقال : (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) .

والاعتبار أن يقرن الشيء بمثله فيعلم أن حكمه مثل حكمه ، فإذا قال تعالى : (فاعتبروا يا أولي الأبصار) ، وقال : (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) أفاد أن من عمل مثل أعمالهم جوزي مثل جزائهم ليحذر السامع أن يعمل مثل أعمال الكفار وليرغّب في أن يعمل مثل أعمال المؤمنين أتباع الأنبياء ، قال تعالى : (لقد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) فالله تعالى أخبر أن سنته لن تتبدل ولن تتحول . وسنته تعالى عادته التي يسوي فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي أي الذي وقع قبله ، وهذا يقتضي أنه سبحانه يحكم في الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة ، ولهذا قال تعالى : (أكفاركم خير من أولئكم) وقال تعالى : (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) ، أي أشباههم ونظراءهم . وقال تعالى : (وإذا النفوس زوجت) ، أي قرن النظير بنظيره . وقال تعالى : (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) فجعل تعالى التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة1 .

203 ـ الأدلةعلى قانون التماثل والأضاد :

الدليل الأول ـ التأمل في أحوال المكذبين :

قال تعالى : (لقد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) . أي انظروا إلى من تقدمكم من الصالحين والمكذبين ، فإذا سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم ، وإن سلكتم سبيل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم ، أي هلاككم كما هلكوا . وهذا بيان من الله تعالى لجميع الناس ليهتدوا به وليعرفوا سنته . ومن سنته تعالى أن لسير الناس في الحياة سنناً يؤدي بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها يؤدي إلى الهلاك والشقاوة وأن من يتبع تلك السنن فلا بد أن ينتهي إلى ما توصل إليه تلك السنن . والذي ينتفع بهذا البيان هم المتقون الذين يهتدون به ويتعظون بما يقصه الله عليهم من أحوال السابقين وما يبينه لهم ما حلّ فيهم بسبب تكذيبهم رسلهم ورفضهم هدى الله تعالى2 .

204 ـ الدليل الثاني : الاعتبار بإهلاك الكافر الأقوى :

قال تعالى : (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)3 ، والقرن الأمة من الناس . وقيل أهل قرن ، والقرن على هذا المعنى مدة من الزمان قيل مئة سنة وعليه أكثر أهل الحديث والمعنى : ألم يروا إلى مصارع الأجيال السابقة وقد مكنهم الله تعالى في الأرض وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان والنعم الفيرة ما لم يعط مثله للمخاطبين من كفار قريش ثم لم تكن تلك المواهب والنعم والقوة والسلطان بمانعة لهم من عذابنا لما استحقوه بتكذيبهم رسل الله تعالى ، وأنشأنا من بعدهم جيلاً آخر لنختبرهم فعملوا مثل أعمال من سبقهم فأهلكوا كإهلاكهم فاحذروا أيها المخاطبون ـ أي كفار قريش ـ أن يصيبكم مثل ما أصابهم فما أنتم بأعز على الله تعالى منهم4 .

205 ـ الدليل الثالث : لا يستوي الخبيث والطيب :

قال تعالى : (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)1 ، في هذه الآية الكريمة حكم عام على نفي المساواة عند الله تعالى بين النوعين : الخبيث والطيب من الأشياء والأعمال والأموال والفاسد والصالح والحلال والحرام ولا يستوي الخبيث والطيب من الناس كالظالم والعادل والمفسد والمصلح والبرّ والفاجر والمؤمن والكافر ، فلكل من الخبيث والطيب مما ذكرناه حكم يليق به ويناسبه ، فالمساواة منتفية بين النوعين : الخبيث والطيب (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) أي ولو أعجبك أيها السامع كثرة الخبيث من الناس لقوتهم أو من الأموال المحرمة لسهولة تناولها والتوسع في التمتع بها كأكل الربا والرشوة فلا يستويان في أنفسهما ولا عند الله ولو فرض أن كثرة الخبيث أعجبتك وغرتك ، فالعبرة بصفة الشيء وما هو عليه من خبث أو طيب . فاتقوا الله يا أصحاب العقول الراجحة ولا تغتروا بكثرة المال الخبيث ولا بكثرة أهل الباطل والفساد الخبيثين ، فإن تقوى الله هي التي تجعلكم في زمرة الطيبين الفائزين في الدنيا والآخرة2 .

206 ـ المتساوون في موجبات العقاب يعاقبون :

موجبات العقاب من تكذيب الرسل أو عصيان شرع الله أو ظلم عباد الله أو الكفر بنعم الله وغير ذلك إذا تلبس بها قوم أو فئة أو شخص استوجبوا عقاب الله في الدنيا والآخرة . ومن عقابهم في الدنيا هلاكهم أو إصابتهم بالذل والهوان وضيق العيش وزوال الأمن منهم والاطمئنان وغير ذلك . وبهذا مضت سنة الله في الأولين وتجري في الحاضرين واللاحقين ، والأمثلة على ذلك نذكر بعضها مما قصه الله علينا للعبرة والاتعاظ .

207 ـ أولاً : من يبدل نعمة الله فإن الله شديد العقاب :

قال تعالى : (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)3 .

قال الإمام القرطبي : قوله تعالى : (وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ) لفظ عام لجميع الناس ، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله4 ، أي فيصيب كل مبدل نعمة الله العقاب الذي يستحقه . ولم يقل فإن الله يعاقبهم وإنما قال : (فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ليشعرنا بأن هذا من سنته العامة التي تجري على المبدلين لنعمة الله في الحاضر والمستقبل كما جرت على المبدلين السابقين في الزمن الماضي5.

208 ـ المقصود بنعمة الله وتبديلها :

والمقصود بنعمة الله التي يستوجب تبديلها عقاب الله هي نعمة الإسلام والإيمان وما أنزله الله تعالى من الآيات البيِّنات الدالة على دينه الحق الإسلام .

وتبديل هذه النعمة يعني عدم التصديق بها أو عدم الاهتداء بها وعدم القيام بما تستوجبه من طاعة الله باتباع شرعه المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم . وما بدلت البشرية هذه النعمة إلا أصابها العقاب الشديد في حياتها على الأرض قبل عقاب الآخرة ، وما حلَّ بالمسلمين من شقاء وضيق وعيش تعيس فسببه تبديلهم نعمة الله عليهم بنقيض ما تقتضيه من الشكر لله تعالى والعمل بشريعته6 .

209 ـ ثانياً : من يخالف بعض شرع الله يعاقبه الله :

قال تعالى مخاطباً اليهود : (ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)7 .

والمعنى أن الله تعالى أخذ العهود على اليهود أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرجوهم من ديارهم ولا يظاهرون عليهم في ذلك ، وأن يفادوا أسراهم فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء ، فوبخهم الله تعالى على ذلك توبيخاً يُتلى فقال تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) أي تأخذون الفداء وتتركون البعض الآخر من التوراة وهو النهي عن القتل والإخراج من ديارهم (فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أوعدهم الله تعالى كما أوعد من قبلهم ومن بعدهم بأنهم يعاقبون على نقض ميثاق الدين وعصيانه وعدم الإيمان به كله ، والعقاب هو الخزي العاجل الذي يصيبهم في الدنيا والعذاب الآجل في الآخرة . وقد شهدت الوقائع التاريخية بأنه ما من أمة فسقت عن أمر ربها واعتدت حدود شريعتها إلا تفرق شملها ونزل بها الذل والهوان وهو بعض الخزي في الدنيا وهذه هي سنّة الله التي يجب أن يحصل بها الاعتبار ولا يغفل عنها المسلمون1 .

وقال الإمام القرطبي بعد أن ذكر نقض العهود وميثاق الله عليهم قال رحمه الله تعالى : (ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع فتضافر بعضنا على بعض ليت بالمسلمين بل بالكافرين حتى إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)2 ، وما ذكره الإمام القرطبي هو بعض ما فعله المسلمون بعد عصره وفي عصرنا الحاضر فحلَّ بهم ما حذر الله منه اليهود لأن من سنة الله تساوي المتساوين في موجبات العقاب بالعقاب الذي حذر منه .

210 ـ ثالثاً : عقاب الاحتيال على شرع الله :

وعقاب الاحتيال على شرع الله لتعطيله وعدم العمل به ، هذا العقاب يصيب كل محتال على شرع الله تعالى ، قال تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ)3 .

الآية الكريمة تشير إلى اعتداء اليهود بما فعلوه من احتيال على اصطياد الحيتان يوم السبت وكانوا ممنوعين منه فظنوا أنهم باحتيالهم ينجون من العقاب فعاقبهم الله تعالى بعقوبة جعلها الله (نكالاً) أي عبرة لغيرهم لأن النكال هو ما يُفعل بشخص من إيذاء وإهانة ليعتبر به غيره . (وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) ، أي جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من الناس من العقاب فيمقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم4 .

وفي تفسير القرطبي : (وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) الوعظ يعني التخويف .

قال ابن عطية : اللفظ عام ، يعم كل متقٍ من كل أمة . وقال الزجاج : (وموعظة للمتقين) لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن ينتهكوا ما نهاهم الله عنه فيصيبهم ما أصاب أصحاب السبت لما انتهكوا ما نهاهم الله عنه5 .

211 ـ رابعاً : معاداة المؤمنين مجلبة للخذلان والدمار :


قال تعالى : (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ)6 . والمعنى أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن الكفر وعداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ودخلوا في الإسلام والتزموا شرائعه غفر الله لهم ما قد سلف من كفرهم ، وإن عادوا إلى معاداة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاداة المؤمنين على معنى إن داوموا عليها فقد مضت سنة الله أي عادة الله سبحانه وتعالى الجارية ف الذين تحزبوا على الأنبياء وأتباعهم المؤمنين أن تجري هذه السنة على هؤلاء المعادين للرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين بأن ينصر الله المؤمنين عليهم ويخذلهم ويدمرهم7 .

212 ـ خامساً : عاقبة الظلم تصيب كل ظالم :

قال تعالى : (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌوَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)8 .

والمعنى أن تلك القرى ، بقي من بعضها شيء ، وبعضها هلك وما بقي منه أثر البتة ثم قال تعالى : وما ظلمناهم بالعذاب والإهلاك ، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية . (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) أي إن عذاب الله ليس بمقتصر على من تقدم بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك . وقوله تعالى : (وَهِيَ ظَالِمَةٌ) أي أهل تلك القرى .

وهذه الأحكام التي تضمنتها هذه الآية غير مختصة بأولئك المتقدمين لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) فينبغي أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي مما يصدق عليه وصف ((الظلم)) فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد1 .

213 ـ سادساً : من يُسخط الله يصبه عقابه : قال تعالى : (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ)2 ، قوله تعالى : (فَلَمَّا آسَفُونَا) أي أسخطونا . وقوله تعالى : (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ) أي قدوة للكفار الذين بعدهم يقتدون فيهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم لإتيانهم بمثل أفعالهم3 .

214 ـ سابعاً : ينزل العقاب على مستحقيه مهما كانت قوتهم :

أ ـ قال تعالى : (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)4 . فالعقاب ينزل على المتساوين في استحقاقه وإن اختلفت مراكزهم في القوة والسلطان لأن القوي أمام الله ضعيف مهما كانت قوته فينزل عليه العذاب الذي يستحقه . فإذا رأى الظالم المتمرد على الله أن الله أهلك من هو أقوى منه وأكثر أتباعاً وأوسع سلطاناً كان ذلك أدعى له إلى العبرة والاتعاظ . فقوم (تُبّع) كانوا كافرين ولهم قوة ومنعة ومع هذا أهلكهم الله تعالى لكونهم عتاة مجرمين متمردين على شرع الله ، فليحذر كفار قريش وغيرهم من الكفرة الإهلاك بسبب كفرهم كما أهلك من قبلهم أي قوم تبع ـ مع أنهم كانوا أكثر من قريش قوة ومنعة وسلطاناً5 .

ب ـ وقال تعالى : (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ)6 ، أي فأهلكنا المكذبين بالرسل وقد كانوا أشد بطشاً من هؤلاء المكذبين لك يا محمد فجعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم أي ما أصاب من سبقهم من المكذبين7 .

ج ـ وقال تعالى : (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ)8 ، وقال تعالى (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)9 ، أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم ، لماذا أهلكوا وكانوا أكثر منكم قوة فكيف تضمنون أنتم أن لا يصيبكم مثل ما أصابهم . ولقد أهلكنا أمثالكم في الكفر من الأمم السابقة فهل من معتبر بذلك؟10 .

215 ـ عاقبة الكفار واحدة :

قال تعالى : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)11 . دمّر الله عليهم أي أهلكهم ، ثم تواعد وهدد وحذر مشركي مكة فقال تعالى : (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) أي لهم أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا12 .

216 ـ جزاء المجرمين والجاحدين كجزاء أمثالهم السابقين :

أ ـ قال تعالى : (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ)13 أي ألم نهلك الأولين من المكذبين للرسل المخالفين لما جاؤوا به من ربهم ثم نتبعهم الآخرين ، أي ثم نفعل بأمثالهم من المجرمين اللاحقين مثل ما فعلناه بالمجرمين الأولين ونسلك بهم سبيلهم لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم (كذلك) أي مثل ذلك الفعل الشنيع وهو الإهلاك نفعل بكل من أجرم14 .

ب ـ وقال تعالى : (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُون)1 .

والمعنى : لقد أعطينا الأمم السابقة من الأموال والأولاد والقوة ما لم نعطكم مثله ولا قريباً منه ، وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فلم تغنِ عنهم من شيء لأنهم جحدوا بآيات الله فأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه ، فاحذروا أيها المخاطبون ـ يا كفار قريش ـ أن تكونوا مثلهم فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة2 . وهذا تحذير لكل جاحد لآيات الله تعالى . ج ـ وقال تعالى : (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ)3 . والمعنى : لقد أوقعنا (المثلات) أي العقوبات بأمثالهم من المكذبين من الأمم الخالية أي السالفة ، وجعلناهم وما نزل بهم من العقوبات عبرة وعظة لمن اتعظ بهم ، فما لهم لم يعتبروا بذلك؟4 .

217 ـ لا مساواة بين المؤمن والكافر :

أ ـ قال تعالى : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)5 أي أنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا ، فكيف تظنون ذلك6 . وفي تفسير القرطبي : قال ابن عباس ، قال كفار مكة : إنا نُعطى في الآخرة خيراً مما يُعطى المسلمون ، فنزلت الآية ثم وبَّخهم فقال تعالى : (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم7 .

ب ـ وقال تعالى : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)8 . والمعنى أن الله تعالى قد نفى المساواة بين المؤمنين والكفار وبين المتقين والفجار فلا تساوي بينهم في الىخرة ولا مساواة أيضاً بينهم في الدنيا9 .

ج ـ وقال تعالى : (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ)10 . قال ابن كثير : (أي لا يستوي المؤمنون والكافرون ، وساء ما ظنّوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة ، وفي هذه الدار ، ساء ما يحكمون)11 . أي ساء حكمهم هذا وهو حكمهم بالتساوي فيما بين المؤمنين والكافرين12 . ومن مظاهر عدم التساوي بينهم في الدنيا ، أن الله تعالى هو ولي المؤمن في الدنيا ، وأنصاره هم المؤمنين ، وعند الموت تبشره الملائكة بحسن العاقبة وبرحمة الله ورضوانه . أما الكافر فبالضد من ذلك يعيش كافراً ويكون الشيطان وليه ، وعند الموت يموت على اليأس من رحمة الله ، وعلى الكفر به13 .

218 ـ لا مساواة بين المؤمن والكافر وإن عمل خيراً :

الكافر لا يساوي المؤمن وإن عمل الكافر خيراً أي أعمالاً حسنة بذاتها أو نافعة للناس ، لأن هذه الأعمال لا تقوى على محو جريمة كفره وتمرده على الله فلا يمكن أن يساوي المؤمن الذي عنده الإيمان بالله وإن لم يتيسر أن يعمل خيراً كثيراً . فيبقى المؤمن ومعه حسنة الإيمان أرجح دائماً من الكافر وإن عمل شيئاً حسناً ما دام بقي كافراً ، فلا مساواة أبداً وفي جميع الأحوال بين المؤمن والكافر قال تعالى : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)14 . قال ابن كثير: إن المشركين قالوا : عمارة بيت الله والقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد ، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعمّاره ، فميز الله الإيمان والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم على قيام المشركين بعمارة البيت وقيامهم بالسقاية ولم يكن ينفعهم ذلك عند الله تعالى مع شركهم به وإن كانوا يعمرون بيته قال تعالى : (لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) يعني الذين زعموا أنهم أهل العمارة ، فسمّاهم الله ظالمين بشركهم فلم تغنِ عنهم عمارة البيت شيئاً1 .

219 ـ التفاضل بين أعمال البرّ :

أعمال البرّ في الإسلام غير متساوية في المنزلة ولا في الثواب عند الله تعالى فبعضها أفضل من بعض ، وينبغي لذلك أن يكون الاهتمام بالأهم والأرجح والأفضل والأحب لله تعالى والاعلى منزلة عنده . وعلى هذا فعند التزاحم وتعذر عمل الاثنين أن يقدم الأفضل على المفضول والراجح على المرجوح والأهم على المهم والأحب على المحبوب . وهذا في أعمال البر غير الواجبة ، أما في عمل الواجب في حق المسلم والقادر على فعله فهذا يلزم فعله ولا يزاحمه عمل برّ مندوب ، لأن ما هو واجب مقدم على ما ليس بواجب دائماً . وقد دلّ على ما قلته أي على التفاضل في أعمال البرّ الآية التي ذكرناها وهي (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ..) الخ فقد جاء في تفسيرها وجه آخر غير الذي ذكرناه ، فقد قال الرازي في تفسيرها : يحتمل أن يقال : هذه الآية مفاضلة جرت بين المسلمين كما يحتمل أنها جرت بين المسلمين والكافرين . أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين كما يحتمل انها جرت بين المسلمين والكافرين . قالوا إنها جرت بين المسلمين والكافرين أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين فقد احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين المهاجرين : (أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ) ، وهذا يقتضي أن يكون للمرجوح أيضاً درجة عند الله تعالى وذلك لا يليق إلا بالمؤمنين2 .

220 ـ من أدلة التفاضل بين الأعمال :

ومما يدل أيضاً على التفاضل بين الأعمال حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ فقال : إيمان بالله ورسوله . قيل : ثم ماذا؟ قال : الجهاد في سبيل الله ، قيل ثم ماذا؟ قال الحج المبرور3 . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الإيمان بضع وسبعون شعبة : أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان4 .

221 ـ التفاضل بين المؤمنين بتفاضل أعمالهم :

المؤمنين غير متساوين في الدرجة عند الله تعالى لتفاضلهم في أعمال البر التي يعملونها قال تعالى : (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)5 . والمعنى لا يستوي من أنفق قبل فتح مكة وقاتل ومن أنفق بعد هذا الفتح وقاتل ، فأولئك الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد الفتح . وكل واحد من الفريقين وعده الله المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات6 . وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله . قالوا ثم من؟ قال : مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره7 .

222 ـ أصناف المؤمنين بسبب تفاضلهم :

ولتفاضل المؤمنين بسبب تفاضلهم في أعمال البرّ صاروا صنفين : أصحاب اليمين والمقربين . والمقربون أعلى درجة من أصحاب اليمين . قال تعالى : (وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)8 . ففي يوم القيامة ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف : صنفان من المؤمنين وهم أصحاب الميمنة ـ أصحاب اليمين ـ وصنف المقربين وهم أخص وأحظى وأقرب وأعلى درجة من أصحاب اليمين، لأن المقربين فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء فهم سادة أصحاب اليمين وأقل عدداً منهم1 .

223 ـ الاستخلاف في الأرض لمستحقيه :

قال تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)2 . والمعنى أن الله تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم بهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد وقد فعله الله تعالى3 .

والمقصود بتمكين الدين لهم ، أي دين الإسلام ، هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويجعل دينهم الإسلام ثابتاً بأن يعلي الله شأنه ويقوم المؤمنين بتطبيق أحكامه وجعلها هي المهيمنة على جميع شؤون الناس4 . وقوله تعالى : (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) أي يبدلهم من بعد خوفهم بمقتضى الطبيعة البشرية من أعدائهم أمناً وطمأنينة ، وقد وقع ذلك كلّه في عهد الصحابة الكرام في زمن الخلفاء الراشدين ، ولا ينافيه ما وقع في عهد عثمان وعلي من الاضطراب لأن المراد من الأمن من أعداء الدين وهم الكفار5 .

224 ـ طبيعة استخلاف المؤمنين في الأرض :

والاستخلاف الذي وعد الله به الذين آمنوا وعملوا الصالحات هو الذي يكون فيه إصلاح البلاد والعباد وحفظ الحقوق وهداية الناس . أما الغلبة والاستيلاء والحكم وأخذ السلطة من الكفرة الفجرة ، فكل ذلك وسيلة لما ذكرنا من إصلاح وهداية وحفظ الحقوق . ويدل على ذلك قوله تعالى : (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب كما يتم بتمكينه في تصريف شؤون الحياة وأمور الناس وتدبيرها وفقاً لأحكام الإسلام بجعله هو المهيمن على شؤون الحياة وأمور الناس . ومن المعلوم أن الإسلام يأمر بالإصلاح وبالعدل وبحفظ الحقوق لاصحابها وبالحرص على هداية الناس ويأمر بعمارة الأرض والانتفاع بكل ما أودعه الله فيها من ثروة مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله تعالى6 .

225 ـ شروط الاستخلاف :

والاستخلاف الذي وعدنا الله به مشروط بالإيمان والعمل الصالح ، قال الإمام الرازي : (فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض)7 .

226 ـ الاستخلاف لكل من تحقق فيهم شرطه :

والاستخلاف في الأرض غير مقصور على عهد الصحابة أو الخلفاء الراشدين ، وإنما هو وعد ثابت من الله تعالى وسنّة الله مطردة في التماثل والأضداد ، وأن المتساوين في المعاني التي نبطت بها الأحكام يتساوون في هذه الأحكام ، وعليه فإن سنة الله في الاستخلاف أنه يكون لمن تحقق فيهم شرط الاستخلاف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، فهو حكم عام وسنة عامة مطردة ، قال الإمام القرطبي منتصراً للقول بعموم آية الاستخلاف وعدم قصرها على عهد الخلفاء الراشدين ، قال رحمه الله : (... فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة بالخلفاء الراشدين إذ التخصيص لا يكون إلا بخير ممن يجب له التسليم ، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم)8 .


227 ـ ينقص من الاستخلاف بقدر ما ينقص من شرطه :

قلنا إن من شرط الاستخلاف تحقق الإيمان والعمل الصالح فيمن يريدونه ، والإيمان له معانٍ وآثار بينها الشرع في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من ذلك أن يكون المسم محكوماً بأحكام الإسلام في جميع شؤونه وتصرفاته وفيما يأخذه ويتركه وفي أقواله وأحواله وأعماله القلبية ، وأن يعمل الصالحات التي أمر بها الشرع .

وقد تنقص بعض هذه المعاني في المسلمين فينقص استحقاقهم في الاستخلاف الذي وعدهم الله به ، فيكون لهم بعض معاني الاستخلاف لا كلها . وعلى هذا لا تتحقق لهم كل معاني الاستخلاف من الغلبة والانتصار على الاعداء ونزع السلطة من أيديهم وإقامة شؤون الدولة والمجتمع حسب أحكام الإسلام والتمتع بكامل الأمن والاطمئنان .

وقد أشار إلى هذا الإمام ابن كثير وهو يتكلم عن آية الاستخلاف فقال رحمه الله تعالى : (فالصحابة لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم باموامر الله عز وجل وأطوعهم لله تعالى كان نصرهم بحسبهم ، فأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب وأيدهم الله تأييداً عظيماً وحكموا في سائر البلاد . ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأمور نقص ظهورهم بحسبهم1 ، أي بحسب ما عندهم من الإيمان والعمل الصالح وقيامهم بأوامر الله تعالى .

228 ـ التساوي في استحقاق النصر للتساوي في موجباته :

نصر الله يستحقه المؤمنون الذين يتبعون رسوله ويطيعونشرعه وينصرون دينه . وهؤلاء المستحقون لنصر الله تعالى نظراً لقيام موجبات النصر فيهم متساوون في استحقاق هذا النصر ولهذا يظفرون به في كل مكان وزمان حسب وعد الله تعالى وسنته في النصر . وإذا تخلّف النصر عنهم فكذلك لتخلف بعض معاني موجباته أو لأنّ النصر الذي يريده الله غير النصر الذي يريده المؤمنون ، لأن المنظور إليه في (مفهوم النصر) هو ما يعده الله نصراً وإن لم يعده الناس نصراً . كما إن النصر ينظر إليه في عاقبة الأمر وليس قبل ذلك ، فكما أن النصر يتحقق ويتبين ويعرف عند انتهاء الحرب والقتال تماماً وليس عند انتهاء معركة واحدة من معارك الحرب ، فكذلك المؤمنون الذين قامت فيهم موجبات النصر لا بد أن ينتصروا ما دامت موجبات النصر واستحقاقه قائمة فيهم . ولكن لا يجوز لهم أن يعينوا ميعاداً محدداً لنصرهم ولا صورة معينة أو شكلاً معيناً لنصرهم ، وحسبهم أن يثقوا كل الثقة بأن سنّة الله في المتساوين في موجبات نصره أنّهم يتساوون في تحقق هذا النصر لهم ، وعلى ما قلناه دلّ القرآن في آياته الكثيرة ومنها قوله تعالى : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)2 . قال الرازي رحمه الله : (وعدنا بالنصر لمن هذه حاله)3 وقال تعالى : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)4 .

قال الآلوسي : المراد بالجند أتباع الرسل ، وإضافتهم إليه تشريفاً لهم وتنويهاً بهم ، واستمرار الغلبة للجند مشروط بما تشعر به الإضافة في قوله تعالى : (جُندَنَا) فلا يُغلب اتباع الرسل في حرب إلا لإخلالهم بما تشعر به هذه الإضافة كميلٍ ما إلى الدنيا أو ضعف التوكل على الله تعالى ونحو ذلك5 .

229 ـ المشاركة في الثواب للمشاركة في موجباته :

قال تعالى : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه الآية : فجعل الله تعالى التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة6. لأن المهاجرين والانصار إنما ظفروا برضوان الله وجناته لإيمانهم بربهم وطاعتهم له وجهادهم في سبيله ، فالذين يتبعونهم بإحسان هم الذين يفعلون مثل فعلهم ، ويؤمنون مثل إيمانهم فيشاركونهم فيما ذكر من رضوان الله وجناته لمشاركتهم لهم في موجبات رضوانه وجناته .




الفصل الثامن : سنّة الله في الترف والمترفين [قانون الترف]

230 ـ معنى الترف والمُتْرف :

جاء في لسان العرب1 : الترف : التنعم . والترفه النعمة . وأترفته النعمة أي أطغته . والمُترَف :

هو الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش . والمترف : المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها .

ورجل مُترف : مُوسَّع عليه . وفي مفردات الراغب2 الترف : التوسع في النعمة .


231 ـ ثلاث صفات للترف والمترف :

ومن صفات الترف والمُترف في اللغة يتبين أن لهما ثلاث صفات هي :

أولاً : الترف : بطر النعمة والمترف هو الذي أبطرته النعمة وسعة العيش .

ثانياً : الترف الطغيان بسبب النعمة . والمترف هو الذي أطغته النعمة .

ثالثاً : الترف : التنعم والتوسع في ملاذ الدنيا . والمترف هو المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها .


232 ـ من عادة المترفين مسارعتهم في تكذيب الحق ورده :

ومن عادة المترفين لما يفعله فيهم الترف من بطر النعمة وانغماس في الملذات والشهوات انهم يسارعون قبل غيرهم في تكذيب رسل الله ورد الحق الذي جاؤوا به استدلالاً باطلاً بما هم عليه من كثرة المال والاولاد وسعة الجاه والسلطان وكثرة الأتباع وعلو منزلتهم عند الناس قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)3 . فهذه الآيات الكريمة تبين عادة مطردة للمترفين في موقفهم من رسل الله وهي تكذيبهم لهم ورد ما جاؤوا به من ربهم تعالى ، فلم يبعث الله رسولاً في قرية إلا كذبه مترفوها وهم أولو الحشمة والنعمة والثروة والرياسة4 .

وتخصيص المترفين بالتكذيب لأنهم في الأغلب أول المكذبين للرسل عليهم السلام لما شغلوا به أنفسهم من زخرفة الدنيا وما غلب على قلوبهم منها فهم منهمكون في الشهوات ومستهينون بمن لم يظفر منها ما ظفروا هم به5 . أو إنما نسب القول بتكذيب الرسل إلى المترفين مع أن غيرهم أيضاً قالوا : (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) ، لأن الأغنياء المترفين هم الأصل في ذلك القول ، ألا ترى أن الله تعالى قال عن الذين استضعفوا إنهم قالوا للمستكبرين : (لولا انتم لكنا مؤمنين)6 .

233 ـ حجتهم في التكذيب :

أما حجتهم في التكذيب ـ تكذيب رسل الله ـ فهو ما حكاه الله عنهم بقوله تعالى : (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) أي نحن أكثر منكم أموالاً وأولاداً أو إن أموالنا وأولادنا كثيرة جداً وما نحن بمعذبين بشيء من أنواع العذاب الذي يكدر علينا لذة كثرة الأموال والأولاد من خوف الملوك والأمراء والحكام وقهر الأعداء وعدم نفوذ كلمتنا في الناس ونحو ذلك من المكدرات . وحاصل قول أولئك المترفين وحجتهم : ادّعاؤهم بأنهم في نعمة لا يشوبها نقمة ، وهذا ـ في زعمهم ـ دليل كرامتهم على الله عز وجل ورضاه عنهم ، وانه لو كان ساخطاً عليهم لشركهم لما أنعم عليهم بهذه النعم . وقد ردّ الله عليهم هذه الحجة بقوله تعالى : (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) أي يبسط الرزق لمن يشاء الله بسط الرزق له ، ويضيقه على من يشاء ، فربما يوسع الله سبحانه على العاصي ويضيق على المطيع وربما يعكس الأمر وربما يوسع عليهما معاً وقد يضيق عليهما معاً ، وقد يوسع على شخص مطيع أو عاصٍ تارة ويضيق عليه أخرى يفعل كلاً من ذلك حسبما تقتضيه مشيئته تعالى وحكمته ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكمة ما يفعله الله من البسط والتضييق في الرزق على عباده1 .

234 ـ منهج المترفين في الحياة :

المترفون لا يهتمون إلا بملاذ الدنيا وشهواتها وجمع المال لذلك ، ولا يهمهم ما يكون في الناس من منكرات فهي لا تقلقهم ولا ينهون عنها لأن انشغالهم واهتمامهم بما يجلب لهم الملذات فقط ولو كان ذلك على حساب الآخرة ونعيمها قال تعالى : (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ)2 . وقوله تعالى : (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُوا) أراد بالذين ظلموا : تاركي النهي عن المنكرات ، أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين وهو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما اهتموا بالتنعم والترف والانغماس في الشهوات والتطلع إلى الرياسة والسعي لها وجمع الثروة وطلب العيش الهنيء ، ورفضوا ما وراء ذلك مما ينفعهم في الىخرة ونبذوه وراء ظهورهم3 .

235 ـ موقف المترفين من الجماعة المسلمة وموقفها منهم :


وإذا كان من عادة المترفين رد الحق وتكذيب الرسل ومنهجهم في الحياة الانغماس في الشهوات والاهتمام بالترف والعيش الرغيد ولا تقلقهم منكرات المجتمع ، فمن البديهي أن يكون موقفهم من الجماعة المسلمة الصدود عنها ورد ما تدعو إليه وتنفير الناس عنها ، لأن دعوتها ، وهي الدعوة إلى الإسلام تظهر زيفهم وضلالهم . فعلى الجماعة المسلمة ان تصبر على تكذيبهم ومعاداتهم وما يكيدونه لها ، وأن تدخل موقفهم هذا في حسابها ، ولا تعجب منه لأن الترف كما يقول سيد قطب رحمه الله تعالى : (يغلظ القلوب ويفقدها الحساسية ويفسد الفطرة ويغشيها فلا ترى دلائل الهداية فتستكبر على الهدى وتصر على الباطل ولا تتفتح للنور ..)4 .

وربما احتج المترفون في صدودهم عن الجماعة وصدهم للناس عنها وردهم لدعوتها بما احتج به أسلافهم من كثرة المال وما يولده من كثرة الأتباع وسعة الجاه والمكانة في المجتمع ، فعلى الجماعة المسلمة أن ترد عليهم بما ذكرناه من رد القرىن عليهم وان تصبر عليهم فإن ما تلقاه منهم هو بعض ما جرت به سنة الله في ابتلاء الدعاة غلى الله تعالى .

236 ـ جزاء المترفين :

وقد مضت سنة الله في المترفين الذين أبطرتهم النعمة فكذبوا رسل الله وردوا دعوة الله أن يهلكهم ويذيقهم العذاب في الدنيا كما يذيقهم العذاب في الآخرة ، قال تعالى : (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ)5 .

وجاء في تفسير هذه الآيات : إن أولئك القوم الظلمة المترفين الذين أبطرتهم النعمة وأطغتهم فردوا الحق الذي جاءهم من ربهم فظلموا أنفسهم بذلك وظلموا غيرهم فاستحقوا العذاب ، قيل لهم على وجه التهكم بهم لما رأوا مقدمات العذاب : (لا تركضوا هاربين من نزول العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة)6 . وقال الإمام القرطبي : (وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ) أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم7 . وفي تفسير الرازي : ارجعوا إلى ما أترفتم فيه من العيش والرفاهية والحال الناعمة8 .

237 ـ هلاك الأمة بفسق مترفيها :

قال تعالى : (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)9 . وجاء في تفسيرها : وإذا دنا وقت هلاكها أمرنا بالطاعة مترفيها أي متنعميها وجبّاريها وملوكها ففسقوا فيها فحق عليها القول فأهلكناها . وإنما خص الله تعالى المترفين بالذكر مع توجه الأمر بالطاعة إلى الجميع لأنهم أئمة الفسق ورؤساء الضلال ، وما وقع من سواهم إنما وقع باتباعهم وإغوائهم ، فكان توجه الأمر إليهم آكد1 .



الفصل التاسع : سنة الله في الطغيان والطغاة [قانون الطغيان]

238 ـ معنى الطغيان في اللغة :

جاء في لسان العرب2 : طغى يطغى طغياناً ويطغو طغياناً : جاوز القدر ، وارتفع وغلا في الكفر . وأطغاه المال : جعله طاغياً . وكل شيء جاوز القدر فقد طغى . وطغى الماء والبحر : ارتفع وعلا كل شيء . وجاء في مفردات الراغب3 : أطغاه كذا : حمله على الطغيان ، وذلك تجاوز الحددّ في العصيان . وقوله تعالى : (إنا لما طغى الماء) استعير الطغيان فيه لتجاوز الماء الحدَّ . وجاء في المعجم الوسيط4 : طغى طغياً وطغياناً : جاوز الحدّ المقبول . وطغى الماء : فاض وتجاوز الحدّ في الزيادة . وطغى فلان : غلا في العصيان . وطغى فلان : تجبر وأسرف في الظلم .

239 ـ معنى الطغيان في الشرع :

ومعنى الطغيان في الشرع يقوم على أساس معناه في اللغة ، فيراد به تجاوز الإنسان حده وقدره . وحدّ الإنسان هو ما حده الله له من حدود لا يجوز أن يتجاوزها . وقدْر الإنسان هو قدْرهُ باعتباره عبداً لله تعالى فتلزمه طاعة سيده ومولاه ، وبقاؤه في نطاق العبودية له ، فإن تجاوز ما حدّ الله تعالى للإنسان من حدود لا يتجاوزها او تجاوز قدره وقع في المعصية والتمرد على الله . وعلى ما قلناه من معنى الطغيان في الرع دلت آيات القرآن الكريم ، فمن هذه الآيات ما يأتي .

240 ـ أمثلة على معنى الطغيان في الشرع :

أ ـ قال تعالى : (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)5 قال الزمخشري : (وَلاَ تَطْغَوْاْ) ولا تخرجوا عن حدود الله6 ، وقال الآلوسي : (وَلاَ تَطْغَوْاْ) أي لا تنحرفوا عما حُدَّ لكم بإفراط أو تفريط7 .

ب ـ وقال تعالى مخاطباً موسى عليه السلام : (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)8 ، وقال القرطبي في معنى : (إِنَّهُ طَغَى) أي إنه عصى وتكبر وكفر وتجبر وجاوز الحدّ 9. وقال الآلوسي : (إِنَّهُ طَغَى) أي جاوز الحدّ في التكبر والعتو والتجبر حتى تجاسر على العظيمة التي هي دعوى الربوبية10 .

241 ـ ما يحمل الإنسان على الطغيان :

وأعظم ما يحمل الإنسان على الطغيان ما يصير عنده من مال كثير أو ما يكون له من سلطان نافذ . فالأول هو طغيان المال ، أي الطغيان الذي سببه المال . والثاني هو طغيان السلطان أي الطغيان الذي سببه السلطة التي تكون للإنسان . وكلا النوعين من الطغيان مدمر ومهلك وفقاً لسنة الله تعالى التي لا تتخلف . ونذكر فيما يلي شيئاً عن هذين النوعين من الطغيان .

242 ـ النوع الأول : طغيان المال :

المال هو كل ما تميل إليه النفس ويهنأ به العيش ويُتوصَل به إلى ما تهواه النفس من متاع أو ملذات . ومن مظاهر طغيان المال أو من نتائجه وثمراته جعل الإنسان من المترفين . وقد ذكرنا بعض أوصافهم وأفعالهم ومنهجهم في الحياة وسنّة الله تعالى فيهم . ومن ثمرات طغيان المال بطر نعمة المال ، وسنتكلم إن شاء الله تعالى على هذا البطر عند كلامنا عن بطر النعمة بصورة عامة . ونتكلم هنا عن طغيان السلطة وهو النوع الثاني من الطغيان .

243 ـ النوع الثاني : طغيان السلطة :

المقصود بطغيان السلطة تجاوز الإنسان حدّه وقدره بسبب ما أوتيه من سلطة الأمر والنهي ونفاذهما على الغير ولو جبراً وقهراً عند الاقتضاء وأكثر ما يكون هذا الطغيان عند الحكام وولاة الأمور لأن سلطتهم وطغيانهم تتعلقان بعموم الناس وهم الذين يبتلون بشرور طغيانهم .

244 ـ النموذج لطغيان السلطة :

والنموذج لطغيان السلطة ، طغيان فرعون ، الذي كان من مظاهر تجاوزه حدّه وقدره تكبره على الخالق حتى ادعى لنفسه الربوبية ، وتكبره على خلق الله حتى استعبدهم وظلمهم وغمطهم حقوقهم . وقد كرر الله تعالى قصة فرعون في آيات كثيرة للاعتبار والاتعاظ لحاجة الناس إلى الاعتبار بقصة هذا الطاغية وما حلّ به عقاباً لطغيانه ، لكثرة ما يبتلى البشر بطغيان السلطة . ومن جملة ما ورد في القرآن الكريم فرعون وطغيانه قوله تعالى : (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)1 . قال الإمام الرازي في قوله تعالى : (إِنَّهُ طَغَى) قال بعض المفسرين معناه أنه تكبر على الله وكفر به . وقال آخرون إنه طغى على بني إسرائيل . والأولى عندي الجمع بين الأمرين ، فالمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم واستعبدهم2 .

245 ـ طغيان السلطة ودعوى الربوبية :

وقد يصل طغيان السلطة بالإنسان إلى حد ادّعاء الربوبية لنفسه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال كما فعل فرعون ، قال تعالى حكاية عما ادّعاه فرعون لنفسه : (فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)3 .

246 ـ ما تعنيه دعوى الربوبية : فرعون ادّعى الربوبية لنفسه فبلغ ذروة الطغيان والكفر ، وهذه الدعوى الباطلة لنفسه (أنه يجب على من تحت يده طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره)4 ، وقال الرازي فيما تعنيه هذه الدعوى التي أطلقها لنفسه (أي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي ، فليس لأحد عليكم أمر ولا نهي إلا لي)5 .

247 ـ من طغيان السلطة ظلم الناس : قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)6 . قال ابن كثير في قوله تعالى : (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) أي تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذى للناس7 . وقال الآلوسي في قوله تعالى : (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) وصف بذلك لكثرة جنوده أو لانه كان يدق للممُعذَّب أربعة أوتاد ويشده بها مطروحاً على الأرض فيعذبه بما يريد من ضرب أو إحراق أو غيره8 . وفي تفسير القرطبي : (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) أي الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه، قاله ابن عباس. (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ) يعني عاداً وثمود وفرعون (طَغَوْا) أي تمردوا وعتوا وتجاوزوا القدر في الظلم والعدوان(فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) أي الجور والأذى1 .

248 ـ جزاء طغيان السلطة :

في الآيات التي ذكرناها من سورة الفجر ، جاء فيها بعد ذكر طغيان فرعون ومن قبله : (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ، وقد جاء في تفسيرها : (أي أنزل عليهم رجزاً من السماء وأحلّ بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين)2 . وفي تفسير الآلوسي في قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) تعليل لما قبله وإيذانٌ بان كفار قومه صلى الله عليه وسلم سيصيبهم مثل ما أصاب أضرابهم المذكورين من العذاب . والآية وعيد للعصاة مطلقاً ، وقيل وعيد للعصاة ووعيد لغيرهم وهو ظاهر قول الحسن3 . وفي تفسير القرطبي في قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) أي يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه به4 .

249 ـ سنّة الله في الطغاة:

وواضح من أقوال المفسرين في الآيات التي ذكرناها في الفقرة السابقة أن سنة الله في الطغاة إنزال العقاب فيهم في الدنيا ، فهي سنّة ماضية لا تتخلف جرت على الطغاة السابقين وستجري على الحاضرين والقادمين فلن يفلت أحد منهم من عقاب الله في الدنيا كما لا يفلت أحد منهم من عقاب الآخرة .

250 ـ من يعتبر بسنة الله في الطغاة؟ :

وسنة الله في الطغاة وما ينزله من عقاب في الدنيا إنما يعتبر بهذه السنة العامة من يخشى الله جلّ جلاله ويخاف عقابه ويعلم أن سنة الله قانون ثابت لا يحابي أحداً قال تعالى في بيان المعتبرين بسنته في الطغاة ، بعد أن ذكر ما حلّ بفرعون من سوء العقاب ، (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى)5 .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات : (أي انتقم الله منه ـ أي من فرعون ـ انتقاماً جعله به عبرة ونكالاً لأمثاله من المتمردين في الدنيا . والمراد بقوله تعالى : (نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) أي الدنيا والآخرة : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) أي لمن يتعظ وينزجر6 . وفي تفسير الرازي في قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى) والمعنى إن فيما اقتصصناه من أمر موسى وفرعون وما أحلّه الله بفرعون من الخزي والعقاب ، وما أعطى موسى من العلو والنصر ، عبرة لمن يخشى وذلك أن يدع التمرد على الله تعالى والتكذيب لأنبيائه خوفاً من أن ينزل به ما نزل بفرعون ، فاعتبروا معاشر المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم بما ذكرناه ، أي اعلموا أنكم إن شاركتموهم في المعنى الجالب للعقاب شاركتموهم في حلول العقاب بكم7 .

251 ـ الجماعة المسلمة وطغيان السلطة :

قد توجد الجماعة المسلمة ، التي تريد الإصلاح ، في مجتمع ابتُلي بحاكم طاغية موغل في الطغيان إلى درجة أنه يرى قتل الصالحين المصلحين صواباً وصلاحاً ولمصلحة الناس كما كان فرعون يفعل ويقول ، فقد حكى الله لنا عنه أنه لما أراد قتل موسى قال للملأ حوله : (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)8 . أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتل موسى ، وما أهديكم بهذا الرأي إلا سبيل الرشاد أي سبيل الصواب والصلاح9 . فكان فرعون يبطش بالناس ويظلمهم ويرى فعله حسناً لتزيين الشيطان له سوء عمله كما قال تعالى عنه : (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ)10 . بل قد يكون للحاكم الطاغية حاشية سوء تزين له عمل الشر وتحرضه على مطاردة المصلحين الدعاة إلى الله تعالى بحجة القضاء على شرورهم وفسادهم كما كانت تفعل حاشية فرعون ، قال تعالى عنهم : (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ..)1 . فماذا يجب على الجماعة المسلمة فعله في مثل هذا المجتمع المبتلى بمثل هذا الحاكم الطاغية؟

252 ـ واجب الجماعة المسلمة عند طغيان السلطة :

إذا واجهت الجماعة المسلمة حاكماً طاغية وقد يكون بأوصاف فرعون في البطش والظلم والغرور وحاشية السوء التي تحيط به ، فإن واجب الجماعة المسلمة نصح هذا الحاكم الطاغية لأن الدين النصيحة وتبصير الأمة بواجبها نحوه ، فكيف يكون هذا التبصير وتلك النصيحة .

253 ـ اولاً : نصح الحاكم :

تتقدم الجماعة المسلمة إلى الحاكم الطاغية بالنصيحة والموعظة الحسنة فتذكره بحقيقة ذاته وأنه كان نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة ، ومن كانت هذه بدايته وتلك هي نهايته فلا يليق به الطغيان والاستكبار في الأرض والاعتداء على الناس ، ثم إنه يُذكَّر بأنه عبد الله تعالى ولا يحق للعبد أن يتجبر ويطغى على عبيد سيده ، فهو وهم عبيد له جلّ جلاله ، ولا أن يطغى ويظلمهم فإن الله تعالى أقوى منه وأكبر2 . وتذكره الجماعة بأن الله تعالى يمهل الظالم لحلمه الواسع وعسى أن يثوب ويرجع ولا يهمله فلا يعاقبه على ظلمه .

فهذا الكلام ونحوه يصلح أن يكون من النصح الذي تتقدم به الجماعة إليه ، وقد يكون سبباً لإيقاظ ما بقي في قلبه من إيمان أو خوف من الله تعالى .. ويكون هذا النصح بكل أسلوب نافع وقول لين فقد قال تعالى لنبيه موسى وأخيه هارون عليهم السلام ، وقد أرسلهما إلى فرعون : (فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)3 . ويكون النصح له بمواجهته بالتعريض وبالتصريح حسبما يقتضيه المقام وقواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو يكون تقديم النصيحة له بالكتابة ، أو بإرسال رسول إليه ، أو بتكليف أحد المقربين له لإيصال النصيحة إليه أو بأي أسلوب آخر نافع وجائز شرعاً .

254 ـ ثانياً : تبصير الأمة بواجبها :

تبصر الجماعة المسلمة الأمة بواجبها نحو الحاكم الطاغية بأن تعلمها بأن اللهحرّم معاونة الظالم ، بل ونهى عن الركون إليه الذي يشمل أي ميل ومعونة له بالقول أو بالفعل أو بالمدح أو باستحسان ما يفعله من تعد على الناس ، أو بحضور مجلسه أو إعلان البشر والسرور عند ملاقاته لان هذا كلّه يدخل في مفهوم معاونة الظالم أو الركون إليه والله تعالى يقول : (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)4 . 255 ـ من تبصير الجماعة للأمة :

ومن تبصير الجماعة المسلمة للأمة بواجبها نحو الحاكم الطاغية أن تبين الجماعة للأمة بأن الحاكم ما كان يستطيع أن يطغى لولا أعوانه ، وأعوانه أفراد من الأمة ، فهم أدواته في الظلم والطغيان ولهذا يعتبرون مجرمين مثله ومشاركين له في جريمة طغيانه ، ولهذا وصف الله فرعون وأعوانه بوصف واحد قال تعالى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)5 ، ولما أهلك الله تعالى فرعون أهلكهم معه قال تعالى : (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)6 . وفي آية أخرى : (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ)7 .

256 ـ ومن تبصير الأمة وجوب معاملة أعوان الظالم معاملته :

ومن تبصير الجماعة المسلمة بأن أعوانه سيطغون كما يطغى سيدهم الحاكم الطاغية لأنهم يعينونه على حكمه الظالم فيعينهم على بغيهم وظلمهم للناس وقد أشار القرآن الكريم إلى طغيان أعوان فرعون فقال تعالى عنهم : (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)1 ، وعلى هذا يعامل أعوان الحاكم الظالم معاملته من جهة تحريم الركون إليهم ولزوم وعظهم ونصحهم .

257 ـ للمسلم شخصيته الإسلامية :

ومن تبصير الجماعة المسلمة للأمة أن يقال لها : إن للمسلم شخصية واحدة هي الشخصية الإسلامية المحكومة بالإسلام حكماً شاملاً لكل مقومات ومعاني الشخصية ، فلا يصدر من المسلم من قول أو فعل إلا وفق معاني الإسلام وأحكامه ولغرض مرضاة الله وحده قال تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)2 . أي إن صلاتي وعبادتي وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح ، فكل ذلك لله رب العالمين وحده لا شريك له لا يشركه غيره فيها وبذلك من الإخلاص أمرت وأنا أول المسلمين ، لان إسلام كل نبي متقدم لإسلام أمته3 . وعلى هذا لا يجوز للمسلم أن تكون له شخصيتان : شخصية إسلامية وهو في المسجد . وشخصية المعين أو الخادم للحاكم الطاغية المنفذ لبغيه وظلمه وطغيانه ، وهذه شخصية مناقضة لمقتضيات الشخصية الإسلامية . فعلى المسلم أن يحافظ على شخصيته الإسلامية واضحة وأن تكون أعماله منسجمة مع هذه الشخصية .


الفصل العاشر : سنّة الله في بطر النعمة وتغييرها [قانون النعم وتغيرها]

258 ـ معنى النعمة :

جاء في لسان العرب4 : النعمة : الخفض ـ خفض العيش ـ والدعة والمال .

وجمع النعمة : نعم وأنعم . والتنعم : الترفه . والنعمة ما أنعم به عليك . وفلان واسع النعمة أي واسع المال . ونعمة العيش حسنه ونضارته .

وفي مفردات الراغب5 : النعمة : الحالة الحسنة ولين العيش .

259 ـ والخلاصة في معنى النعمة :

أنها تعني ما يترفه به الإنسان ويتمتع به ويطيب به عيشه ويهنأ وما يصلح به حاله وما به يسعد . ويدخل في مفهوم النعمة الأشياء المادية كالمال ولين العيش والسكن الحسن ، كما تشمل النعمة الأشياء المعنوية كالهداية إلى الإسلام وكالعتق بالنسبة للعتيق .

260 ـ بطر النعمة أو كفرانها :

ويعني بطر النعمة الطغيان عند النعمة وعدم القيام بشكرها6 . ويطلق أيضاً على بطر النعمة : كفران النعمة ، فقد جاء في مفردات الراغب : وكفر النعمة أو كفرانها يعني سترها بترك أداء شكرها . والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالاً ، والكفر في الدين أكثر استعمالاً ، والكفور يستعمل فيهما جميعاً7 .

261 ـ سنة الله في بطر النعمة :

أولاً : عقوبة البطرين بالجوع والخوف :

قال تعالى : (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ

لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)1 . أي جعل الله تعالى القرية التي هذه حالها ـ وهي أنها كانت تعيش بأمن واطمئنان ولا يزعجها قلق ولا خوف ويأتيها رزقها رغداً أي واسعاً من كل مكان ـ جعل الله تعالى هذه القرية مثلاً لأهل مكة ولكل قوم أنعم الله تعالى عليهم بنعمة الأمن والرزق الوفير الواسع فأبطرتهم هذه النعمة فلم يقدروها حق قدرها ولم يشكروا الله عليها ولم يقوموا بحقها فأنزل الله فيهم نعمته ، فليحذر غيرهم أن يفعلوا فعل اهل هذه القرية التي ضربها الله مثلاً لئلا يصيبهم ما أصابهم2 .

262 ـ ثانياً : إهلاك البطرين وتخريب ديارهم:

ومن سنته تعالى في البطرين تخريب ديارهم وإهلاكهم ، ومعنى ذلك أن بطر النعمة قد يستوجب مثل هذا الجزاء كما أنه قد يستوجب العقاب الجوع والخوف الذي ذكرته في الفقرة السابقة ، فهذا الجزاء أو ذاك يمكن أن يصيب البطرين أو يصيبهم كلاهما . قال تعالى في جزاء البطرين بالتخريب والتدمير : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ)3 ، أي وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها أي كانت حالهم كحال أهل مكة في الأمن وخفض العيش والدعة حتى بطروا واغتروا ولم يقوموا بحق النعمة ولم يشكروا الله عليها فدمرهم الله تعالى وخرّب ديارهم ، فليعتبر كل قوم أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك إذا فعلوا فعلهم في بطر النعمة4 .

263 ـ ثالثاً : إهلاك زروع البطرين وثمارهم :

ومن سنة الله في البطرين إهلاك زروعهم وثمارهم ، فليس عقاب البطرين واحداً فقد يكون بالخوف والجوع كما ذكرنا ، وقد يكون بتخريب بيوتهم وإهلاكهم ، وكما ذكرنا أيضاً ، وقد يكون بإهلاك زروعهم وثمارهم ، وقد تجتمع هذه الجزاءات عليهم فيعاقبوا بالخوف والجوع ثم بإهلاك الزروع والثمار ثم بتخريب بيوتهم وتدميرهم . وقد يحل بهم جزاء واحد فيتوبوا ، ولله الحكمة البالغة يفعل ما يشاء . فمن اللجزاء بإهلاك زروع وثمار البطرين ما ذكره الله تعالى بأهل سبأ ، قال تعالى : (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) . 5

وهذه الآيات الكريمة نزلت في أهل سبأ وقد كان من أخبارهم التي تشير إليها هذه الآيات أنهم كانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وفي عيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم وقد بعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه تعالى ويشكروه على نعمه بتوحيده وعبادته ، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى ، ثم أعرضوا عما أُمروا به أي أعرضوا عن توحيد الله وعبادته وحده وشكره على ما أنعم به عليهم وعدلوا إلى عبادة غير الله تعالى فأرسل عليهم السيل العرم وهو المطر الشديد وعن ابن عباس وغيره هو اسم الوادي الذي كان يأتي السيل فيه ، وبني السدّ فيه فأغرق أرضهم وزروعهم زبساتينهم المثمرة وعوضهم الله عنها ببساتين ثمرها مرٌّ وبأثل وهو شجر يشبه الطرفاء وشيء من سدر قليل . ثم بيّن تعالى أن ما حلّ بهم من العقاب إنما هو جزاء كفرانهم النعمة التي أنعم الله بها عليهم ، وهل يعاقب إلا الكفور بنعم الله تعالى6 . فمن سنة الله تعالى في البطرين الذين لا يؤدون شكر الله على نعمه إنزال العقاب الذي يستحقونه ومنه العقاب المذكور في هذه الآيات التي عاقب بها أهل سبأ .

264 ـ سنة الله في تغيير النعم :

أ ـ آية من القرآن في هذه السنة :

قال تعالى : (.. إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)7 ، أي إن الله تعالى لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية بأن يسلبها منهم حتى يغيروا ما بأنفسهم أي ما اتصفت به أنفسهم من الأحوال الحميدة ، فإذا حصل هذا التغيير منهم فقدوا ما عندهم من نعمة8 . وقال الإمام الرازي في هذه الآية : إن كلام جمع المفسرين يدل على أن المراد : أن الله تعالى لا يغير ما هم فيه من

النعم بإنزال الانتقام منهم إلا بأن يكون منهم المعاصي والفساد1 .

265 ـ آية أخرى من القرآن في هذه السنة :

وقال تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)2 أي لم يكن شأنه تعالى ولا مقتضى سننه العامة في خلقه أن يغير نعمة ما أنعمها على قوم حتى يغيروا هم ما بأنفسهم من الاحوال التي استحقوا بها تلك النعمة3 . فنعم الله تعالى على الأقوام والامم منوطة ابتداء ودواماً باخلاق وصفات وعقائد وعوائد واعمال تقتضيها ، فما دامت هذه الأشياء لاصقة بأنفسهم متمكنة فيها كانت تلك النعم ثابتة بثباتها حسب سنة الله تعالى العامة في خلقه ، فإذا هم غيروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق وما يترتب عليها من محاسن الأعمال غيّر الله عندئذٍ ما بأنفسهم وسلب نعمته منهم فصار الغني فقيراً والعزيز ذليلاً والقوي ضعيفاً . هذا هو الأصل المطرد في الأقوام والأمم وهو كذلك في الأفراد4 .

266 ـ الجماعة المسلمة وسنة الله في تغييرالنعم :

وسنة الله في تغيير النعم تجري على الجماعة المسلمة ، فما دامت مستمسكة بشرع الله في عملها وبالاعتصام بحبل الله في وحدتها فإن نعم الله عليها بالتأييد والنصر ودفع الأذى عنها باقية فإذا غيرت ذلك فلم تتقيد بشرع الله في عملها وفرطت في وحدتها فإنها تسلب من نعم الله بالتأييد لها بقدر ما ضيعته من موجبات هذه النعم .


الفصل الحادي عشر سنّة الله في الذنوب والسيئات [قانون الذنوب والسيئات]

267 ـ تعريف الذنب والسيئة :

الذنب يستعمل في كل فعل يستوخم عقباه ، اعتباراً بذنب الشيء . وجمع الذنب ذنوب ، قال تعالى : (فأخذهم الله بذنوبهم)5 ، والسيئة : الفعلة القبيحة ، وهي ضد الحسنة ، قال تعالى : (بلى من كسب سيئة) . والسوء كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن الأحوال النفسية والبدنية . والسوء الفعل القبيح قال تعالى : (من يعمل سوءاً يجز به) . والحسنة والسيئة ضربان (أحدهما) بحسب اعتبار العقل والشرع من نحو المذكور في قوله تعالى : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) . (والثاني) حسنة وسيئة بحسب اعتبار الطبع وذلك ما يستخفه الطبع وما يستثقله ، ومنه قوله تعالى : ((ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة)6 .

268 ـ المعصية وعلاقتها بالذنب والسيئة :

والمعصية تستعمل فيما يستعمل فيه الذنب أو السيئة لأنها تعني الخروج عن الطاعة والأمر7 ، أي الخروج عن طاعة من تجب طاعته والذي تجب طاعته هو الله تعالى بطاعة شرعه الذي نزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لتبليغه للناس .

فالمعصية والذنب والسيئة يجمعها جامع الخروج عن طاعة الله فيوصف هذا الخروج بالقبح وسوء العاقبة وبالذنب والسيئة والمعصية .

269 ـ من يعمل سوءأً يُجزَ به :

عمل السيئات يستوجب ترتب الجزاء عليها بغض النظر عن فاعلها ، فسنة الله تعالى في عمل السيئات وما يترتب عليها سنّة عامة قاطعة تسري على جميع الخلق ولا تتخلف عن فرد أو أمة أو جماعة فلا محاباة لأحد من الخلق في جريان هذه السنة العامة ، فالله تعالى هو رب العالمين ، والكل أمام هذه السنة العامة سواء ، فكل من يعمل سوءاً يلق جزاءه بحسب سنة الله تعالى ، فلا تتوقف هذه السنة الربانية عن بعض وتسري على البعض الآخر ، ومن يعتقد ذلك فهو واهم ومخطىء ، قال تعالى في بيان هذه السنة العامة : (من يعمل سوءاً يُجزَ به)1 . قال الإمام القرطبي في تفسيرها : (وقال الجمهور لفظ الآية عام ، والكافر والمؤمن مجزي بعمله السوء .. ) 2 .

270 ـ وجزاء سيئة سيئة مثلها :

إن الجزاء بقدر السيئة قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)3 لأن الزيادة على مقدار السيئة أي على مقدار ما تستحقه من الجزاء ، هذه الزيادة قبيحة لأنها ظلم والظلم لا يجوز حتى مع الظالمين . وأما الزيادة على ما تستحقه الحسنة فهذه الزيادة محمودة لأنها فضل4 .

271 ـ إقرار المنكر ذنب يستوجب عقاباً عاماً :

قال تعالى : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)5 . وقوله تعالى : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً) أي ذنباً . وفسّر هذا الذنب بإقرار المنكر في المجتمع ، والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظهور البدع والتكاسل في الجهاد6 . والراجح في المقصود ب(الفتنة) في هذه الآية إقرار المنكر في المجتمع وعدم إنكاره ، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية : أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب7 .

272 ـ تعليل هذا العقاب العام :

وقد يقال إن الأصل المقطوع به في الشريعة الإسلامية هو قصر العقوبة على من قام فيه سببها قال تعالى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فكل نفس بما كسبت رهينة ، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب أحد ، وإنما تتعلق كل عقوبة بمن ارتكب موجب هذه العقوبة فما وجه شمول الجميع بالعقاب وعدم قصره على فاعل المنكر؟

والجواب : أنه كما يجب على مرتكب المنكر الإقلاع عنه ، يجب على الباقين إنكاره ورفعه ، فإذا لم يفعلوا كانوا آثمين جميعاً : هو بفعله المنكر ، وهم بسكوتهم عنه ورضاهم به ، وقد جعل الله بحكمه وحكمته الراضي بالمنكر كفاعله ، فيصيبهم العذاب جميعاً لإثمهم جميعاً8 .

273 ـ اعتراض ودفعه :

ولكن قد يقال إن الباقين قد ينكرون المنكر بألسنتهم ويبقى المنكر ولا يستطيعون تغييره بأيديهم ، وقد لا يستطيعون إنكاره حتى بألسنتهم فينكرونه بقلوبهم لأن هذا ما يقدرون عليه ، وفي الحديث النبوي الشريف : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ، فما وجه شمول الجميع بالعقاب في هذه الحالة؟ والجواب أن على العاجزين عن تغيير المنكر الخروج من هذا البلد الذي تعمل فيه المنكرات ولا يستطاع تغييرها ، جاء في تفسير القرطبي : (وإذا لم تغير ـ اي المنكراتـ وجب على المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها ، وبهذا قال السلف رضي الله عنهم . وروى ابن وهب عن مالك أنه قال : تُهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً ولا يستقر فيها) 9 .


274 ـ سؤال وجوابه :

ولكن إذا لم يستطع الهجرة من بلد المنكر من لا يستطيع تغييره باليد ولا باللسان وإنما بقلبه فقط ، فهل يصيبه العذاب العام أيضاً وينزل منزلة فاعل المنكر أو الراضي به؟


والجواب : نعم يشمله العقاب العام ويكون طهرة له ثم يحشر على نيته ، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن زينب بنت جحش قالت : قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : (نعم . إذا كثر الخبث) . قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث : الخبث ، فسرّه الجمهور بالفسوق والفجور . وقيل المراد الزنا خاصة . والظاهر أنه المعاصي مطلقاً ، ومعنى الحديث : إن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام ، وإن كان هناك صالحون1 . وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم) ، قال ابن حجر العسقلاني في شرحه لهذا الحديث : إذا أنزل الله بقوم عذاباً أي عقوبة لهم على سيء أعمالهم (أصاب العذاب من كان فيهم) والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم (ثم بعثوا على أعمالهم) أي بعث كل واحد منهم على حسب عمله إن كان صالحاً فعقباه صالحة وإلا فسيئة فيكون ذلك طهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين2 .

275 ـ الكفرة لكفرهم يخافون المؤمنين :

الكفر أو الشرك أعظم المعاصي ومن سنة الله فيه وفي أصحابه إلقاء الرعب في قلوبهم كلما لقوا المؤمنين وقاتلوهم ، قال تعالى : (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ)3 .

اختلف المفسرون في هذا الوعد هل هو مختص بمعركة أحد أو هو عام في جميع الأوقات؟ قال كثير من المفسرين : إنه مختص بمعركة أحد وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة . (والقول الثاني) أن هذا الوعد غير مختص بمعركة أحد ، بل هو عام فإن وعد الله هذا يتحقق كلما لقي المؤمنين الكفار فسيلقي الله الرعب في قلوبهم حتى يغلبهم المؤمنين ويظهر الإسلام على سائر الأديان4 . والقول الثاني يبين سنة عامة لله تعالى ، فوعده تعالى قائم بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة كلما التقوا مع أهل الإيمان . ولكن يجب أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين حتى يتحقق لهم هذا الوعد من الله تعالى بإلقاء الرعب في قلوب الكفار عند اللقاء بهم5 . فالذين خوطبوا بهذه الآية ووعدهم الله بهذا الوعد هم المؤمنون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ذكر الله لنا أوصافهم في القرآن الكريم من صدق الإيمان ومحبة الله ورسوله وإيثار هذه المحبة على ما سواه ، وبذلهم المال والنفس في سبيل الله وهجر الوطن والأهل والمال نصرة لدين الله وانقيادهم الكامل الشامل لشرع الله إلى غير ذلك من الصفات6 ، فسنة الله في إلقاء الرعب في قلوب الكفار من المؤمنين في القتال وفي كل لقاء إنما هو للمؤمنين حقيقة الذين قامت فيهم معاني الإيمان وأوصافه وظهرت آثاره في أقوالهم وأعمالهم .

276 ـ الذنوب تهلك أصحابها :

قال تعالى : (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)7 .

وواضح من هذه الآيات أن الهالكين إنما أهلكهم الله بذنوبهم التي اقترفوها . وفي هذا الإخبار تقرير حقيقة ثابتة وسنة مطردة : أن الذنوب تهلك أصحابها وأن الله تعالى هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم ، وأن هذه سنة ماضية ولو لم يرها أحد في عمره القصير ، ولكنها سنة ثابتة تخضع لها الأمم حين تفشو فيها الذنوب ، فإنها تهلك إما بقارعة من الله تعالى كما كان يحدث في هلاك الأمم السابقة ، وإما بالانحلال البطيء الطبيعي الذي يسري في كيان الأمة وهي توغل في متاهات الذنوب وتحسب أنها في أمان من الهلاك8 .



277 ـ الأمة تهلك بذنوبها وإن كانت قوية :

قال تعالى : (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ)1 أي أولم يسر في الأرض هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد فينظروا كيف كان عاقبة من قبلهم من الأمم المكذبة بالأنبياء ما حلَّ بهم من العذاب مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة وآثاراً في الأرض فقد شيدوا من البنايات والمعالم والديارات مالا يقدر هؤلاء عليه ومع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أخذهم الله بذنوبهم وهي كفرهم برسلهم وما كان لهم من الله من واق أي وما دفع عنهم عذاب الله أحد2 .

278 ـ الذنوب تضعف مقاومة المؤمن للشيطان :

قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)3 أي إن الذين تولوا عن القتال في معركة أحد لم يكن ذلك منهم إلا ناشئاً عن بعض ما كسبوا من السيئات من قبل ، فهذه السيئات هي التي أحدثت الضعف في نفوسهم وفتحت ثغرة فيها تسلل منها الشيطان فقدر على استزلالهم بالتولي عن القتال ، كما قال بعض السلف إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها4 . فالذنوب بالنسبة لمرتكبها كالأمراض بالنسبة للمصاب ، تضعف مقاومته وتفتح ثغرة في بدنه تتسلل منها الجراثيم والأمراض أو تقوي فيه الموجودة منها في البدن أصلاً .

279 ـ الذنوب سبب المصائب :

قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ)5 ، أي وما أصابكم أيها الناس أي مصيبة من مصائب الدنيا كالمرض وسائر النكبات والأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام والقحط والغرق وأشباهها (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) أي بسبب معاصيكم التي اكتسبتموها (وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) أي ويعفو عن كثير من الذنوب فلا يعاقبكم عليها عاجلاً ، قيل وآجلاً 6. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ومن المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به في كتابه أن المعاصي سبب المصائب ، قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) وقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ) وقال تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ)7 .

280 ـ مصائب لا يكون سببها المعاصي :

والمصائب التي تصيب الإنسان وإن كان الغالب فيها أنها نتيجة المعاصي والذنوب وهذه هي سببها ، إلا أن هناك من تصيبهم المصائب دون معصية منهم ، قال الزمخشري (فأما من لا جرم له كالأنبياء والأطفال والمجانين فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره فللعوض الموفي والمصلحة) 8 . وفي تفسير القرطبي : (وقال عكرمة : ما من نكبة أصابت عبداً فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجة لم يكن يوصله إلا بها) 9 . ومن هذا النوع من المصائب أي التي يراد منها رفع درجته لا عقوبته ، ما يصاب به الأنبياء10 .



281 ـ الموقف الصحيح من المصائب في حق الفرد والجماعة :

الموقف الصحيح من المصائب في حق الفرد والجماعة المسلمة يقوم على أربعة أو يستلزمها وهي : (أولاً) العلم بأسبابها . (ثانياً) لوم النفس لا الغير . (ثالثاً) تحصين النفس ضد المصائب (رابعاً) الصبر مع مدافعة المصائب . ونتكلم فيما يلي بإيجاز عن هذه العناصر .

282 ـ أولاً : العلم بأسباب المصائب :

على الفرد المسلم والجماعة المسلمة العلم على وجه اليقين بمضمون الآية الكريمة : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ . .) . ويجب عليهما استحضار هذا العلم وهذه الآية الكريمة ، بل والنطق بها من قبل الفرد والجماعة لئلا يقع في نفوسهم شيء من الاعتراض الخفي على ما وقع عليهم من مصيبة بحجة عدم صدور شيء منهم يستوجب هذه المصيبة . لأن هذا الاعتراض الخفي بلسان المقال أو بلسان الحال ، مع ما فيه من تزكية النفس ، فيه ما فيه من معاني الكفر والردة لتضمنه اتهام الله تعالى بالظلم لإصابتهم ـ بزعمهم ـ بالمصيبة بلا صدور شيء منهم يستوجبها . إن الفرد المسلم والجماعة المسلمة بحاجة شديدة ومستمرة للثبات على معاني الإيمان وعدم الوقوع فيما يخالفها من معاني الكفر والردة ، وإلا فقدوا تأييد الله واستحقوا عقابه .

283 ـ ثانياً : لوم النفس لا الغير :

إن مما ابتُلي به المسلمون أفراداً وجماعات أنهم يلومون غيرهم لا أنفسهم إذا وقعت عليهم نكبة أو مصيبة ، فتراهم يفتشون على من يحملونه مسؤولية ما وقع عليهم من نكبات ومصائب وينسون أنفسهم ، فلا يحملونها شيئاً من مسؤولية ما وقع . فإذا فقدوا بلداً من بلادهم كفلسطين مثلاً قالوا : المستعمر هو المسؤول ، وراحوا يلومونه ويشتمونه ويحققون في أنفسهم ما جاء في المثل العربي القديم : أوسعتهم شتماً وراحوا بالإبل ... وإذا تسلط عليهم حكام طغاة ظلمة قالوا هذا من تدبير الكفار فهم الذين جاؤوا بهم إلى الحكم والسلطة .. وإذا وقع نزاع بين فئتين أو جماعتين أو بلدين مسلمين قالوا : هذا من فعل اليهود وعملائهم .. وهكذا فقد تأصلت هذه العادة عند المسلمين : وهي لوم الغير لا النفس عند وقوع النكبات والمصائب . وهذا موقف مرفوض عقلاً وشرعاً .

أما عقلاً فلأن من يلقون عليهم اللوم من المستعمرين والكفار واليهود ، يعرف المسلمون عداوتهم لهم ، والعدو لا يريد خيراً بعدوه ، وهل في قولهم (هذا من فعل المستعمر) شيء جديد أو اكتشاف جديد؟ إن عمل الشيطان وأعوانه ينصب على الإخلال والإفساد وإيذاء المؤمنين ولهذا كان شيطاناً وكانوا له أعواناً فما وجه لومهم؟

إن المستعمر ما كان يستطيع أن يصل إلى بغيته لولا غفلة المسلمين وإيجادهم الثغرات التي تسلل منها المستعمر وفعل فيهم ما فعل . وإن طغيان الحكام الذين جاء بهم الاستعمار ـ حسب زعمهم ـ ما كان ليحصل لولا عون الناس لهم وركونهم إلى ظلمهم ، فلماذا يلومون الاستعمار الذي جاء بهم ـ كما يقولون ـ ولا يلومون أنفسهم في خدمتهم وإعانتهم وتمكينهم بذلك على البقاء والطغيان؟

وأما أن موقفهم هذا ـ وهو لوم الغير لا أنفسهم ـ مرفوض شرعاً ، فلأن الله تعالى بيّن لنا بأن ما أصابنا كان بسبب منا قال تعالى : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ، وهذا يقتضي أن نلوم أنفسنا لا غيرنا ، فنحن إذن الملومون . وأيضاً فقد بيّن الله تعالى الجهة التي تلام عند وقوع النكبة أو المصيبة فقال تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) فالله تعالى حدّد الجهة التي تلام عند حلول النكبة أو المصيبة وهي أنفسنا فلا يجوز شرعاً أن نبرىء أنفسنا مما يقع علينا من النكبات والمصائب ونلقي اللوم والمسؤولية على الغير .

284 ـ فائدة لوم النفس لا الغير :

ولوم النفس لا الغير عن حلول المصيبة يفيد جداً لأنه يحفز المصاب على السعي الجاد لإزالة ما قام في النفس أو ما صدر عنها من أسباب أدت إلى وقوع هذه النكبات والمصائب ، وإعداد ما يلزم لرفعها ولمنع وقوعها في المستقبل . وهذا شيء مهم جداً وهو ما يخشاه الأعداء لأنهم لا يخشون شتم المسلمين لهم أو صراخهم بأن ما حلّ فيهم هو من تدبير وفعل المستعمرين ، إنما الذي يخشاه المستعمرون الكفرة أعداء الدين أن يفقه المسلمون السبب الحقيقي لما حلّ بهم ، وهو أنفسهم وتقصيرهم فيحملهم هذا الفقه على معالجة السبب الحقيقي معالجة حقيقية حاسمة ترد الكافر المستعمر كيده إلى نحره وتسترجع منه جميع الحقوق التي سلبها من المسلمين سواء كان المسلوب أرضاً أو بلداً أو مالاً أو ثروة أو سيارة أو حكماً .

هذا هو المنهج السليم لرفع ما حلّ بالمسلمين من نكبات بسبب منهم ، وهو ما يخيف الكفرة المستعمرين .. وعلى الجماعة المسلمة أن تفقه الناس بما ذكرناه ، وأن تعمل هي نفسها به ، فإذا رأت فشلاً في عملها أو وقوفاً في نشاطها أو انفضاض الناس من حولها ، فعليها أن تبدأ بنفسها لتعلم هل أن ما تراه من فشل في عملها أو وقوف في نشاطها أو انفضاض الناس من حولها ، كان ذلك بسبب منها وتقصير في واجبها لتعالجه حالاً أو كان بسبب ظروف لا قبل لها بها ، ولتراكم الفساد والجهالة في الناس مما يدعوها إلى مضاعفة الجهد والعمل فتسعى إلى زيادة عملها وجهدها؟

285 ـ ثالثاً : تحصين النفس ضد المصائب :

والعنصر الثالث من عناصر الموقف الصحيح من المصائب في حق الفرد المسلم والجماعة المسلمة ، هو تحصين النفس ضد المصائب كما يحصن الإنسان نفسه ضد الأمراض ، وذلك بأن يأخذ بسبل الوقاية الصحيحة التي تمنع وقوع هذه المصائب فيلتزم كل منهما بما أوجبه الشرع وعدم عصيانه ، وبهذا الالتزام الصارم الدقيق الدائم تندفع عنهما الكوارث والنكبات والمصائب حسب سنته تعالى . وقد دلّ على ما قلناه قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ) ، وقد ذكرنا تفسير هذه الآية من قبل وبينا أن الذنوب تضعف مقاومة المسلم للشيطان فيتسلل إليه ويجره إلى المعصية1 .

286 ـ رابعاً : التزام بالصبر ومدافعة للمصائب :

الصبر ضروري للمسلم وللجماعة المسلمة ، ومن الأسباب المهمة التي لا غنى عنها لبلوغ الغاية وتحقيق الغلبة والنصر على العقبات والأعداء . وكذلك هو ـ أي الصبر ـ من الأمور الضرورية للفرد والجماعة عند حلول المصائب بهما حتى يمكن تجاوزها وآثارها . ومما يعين على الصبر تذكر ما ورد في الشرع من أمر بالصبر وثواب عليه وحسن عاقبته في الدنيا والآخرة والبشارة للصابرين الذين يعلمون أنهم عبيد لله فهو سيدهم ومالكهم ، والمالك يتصرف بملكه كما يشاء وأنهم راجعون إليه فيجازيهم على صبرهم أحسن الجزاء قال تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)2 .

287 ـ مدافعة المصائب لا تناقض الصبر :

ومن الوهم الذي قد يقع فيه الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة أن مدافعة المصائب تناقض الصبر ، وهذا وهم وغير صحيح لأن حقيقة الصبر هي : أن تثبت حيث أمرك الشرع بالثبات وأنت تقوم بما أمرك الله بفعله أو أباحه لك . والشرع أمرك بدفع ما يؤذيك ، وبدفع ما يستحق الدفع والإزالة شرعاً وإن كان الجميع بقدر الله تعالى فالمصيبة التي يمكن رفعها ودفعها بإزالة أسبابها أو بعمل ما يدفعها ، من الأمور المشروعة غير الممنوعة . وعلى الفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة كلها ، أن يباشروا جميعاً باتخاذ الأسباب المشروعة لإزالة ما حلَّ فيهم من نكبات ومصائب ، وأن يصروا على ذلك بثبات وصبر والله تعالى دائماً مع الصابرين .



الفصل الثاني : سنة الله فى [قانون التقوى والإيمان والعمل الصالح]

288 ـ تعريف التقوى :

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (التقوى تجمع فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه) 3. وقال صاحب المفردات : (التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحظور) 4 . ويمكن تعريف التقوى بأنها حفظ النفس عما يؤثم ومع الإثم العقاب . وذلك بفعل الواجب وترك المحرّم شرعاً .


289 ـ تعريف الإيمان :

الإيمان إذعان النفس للحق على سبيل التصديق وذلك باجتماع ثلاثة أشياء تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بحسب ذلك بالجوارح . ويقال لكل واحد من الاعتقاد والقول الصدق والعمل الصالح إيمان ، قال تعالى : (وما كان الله ليضيع إيمانكم) . وقال تعالى : (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) قيل معناه بمصدق لنا1 .

290 ـ تعريف العمل الصالح :

العمل : كل فعل يكون من الحيوان بقصد فهو أخص من الفعل لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد . وقد ينسب إلى الجمادات ، والعمل قلما ينسب إلى ذلك . ولم يستعمل (العمل) في الحيوانات إلا في قولهم : البقر العوامل . والعمل يستعمل في الأعمال الصالحة والسيئة ، قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، وقال تعالى : (وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا..)2 .

291 ـ من ثمرة التقوى الفرقان للمتقين :

قال تعالى : (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)3 . كلمة (الفرقان) في الآية كلمة جامعة مطلقة مثل كلمة (التقوى) . فالتقوى إذا شبهناه بالشجرة المثمرة ، فالفرقان هو الثمرة .

(والفرقان) في أصل اللغة يعني الفصل بين الشيئين أو الأشياء . ومعنى الآية : إن تتقوا الله في كل ما يجب أن يتقى بمقتضى دينه وشرعه وبمقتضى سنته في نظام خلقه يجعل لكم بمقتضى هذه التقوى وبسببها ملكة من العلم وهداية ونوراً في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل ، ونصراً يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين ومخرجاً من الشبهات ونجاة من الشدائد في الدنيا ومن العذاب في الآخرة4 .

292 ، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً :

قال تعالى : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)5 أي من يتق الله بعمل ما أمره به وترك ما نهاه عنه يجعل له مخرجاً من كل شدة ويرزقه من حيث لا يرجو ولا يأمل ويبارك له فيما أتاه ومن يتوكل على الله أي من فوض إليه أمره كفاه ما أهمه6 .

293 ـ معية الله للمتقين :

قال تعالى : (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)7 . فالله تعالى مع المتقين بتأييده ونصره ومعونته وهديه . وهذه معية خاصة للمتقين كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق وهما في الغار كما حكاه الله عنه : (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) ومعنى (الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) أي تركوا المحرمات وعملوا الواجبات فهؤلاء يحفظهم الله ويؤيدهم وينصرهم على أعدائهم8 .

294 ـ عون الله للمتقين في الحرب :

قال تعالى : (بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ)9 . أي إن تصبروا على لقاء العدو وتتقوا معصيته يمددكم ربكم بما ذكر في الآية الكريمة10 .

295 ـ بالإيمان والتقوى يحصل الرخاء :

قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)1 . أي لو أن أهل القرى آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر واتقوا ما نهى الله عنه وحرمه لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض أي بالمطر والنبات ولكن كذبوا الرسل فأخذهم الله بالجدوبة والقحط بما كانوا يكسبون من الكفر والمعصية2 .

296 ـ للمؤمن المتقي أجره في الدنيا والآخرة :

قال تعالى : (.. وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ)3 أي إن الله تعالى يؤجر المحسنين الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى ، يؤجرهم في الدنيا ويؤجرهم في الآخرة ، ولأجر الآخرة خير لهم لأنه دائم وأجر الدنيا متقطع . قال سفيان بن عيينة : المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة والكافر يعجل له الخير في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق4 .

297 ـ نصر الله للمؤمنين :

قال تعالى : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)5 ، أي ننصرهم في الدنيا والآخرة بأن يغلبوا أعداءهم في الدنيا بالقتال وبالحجة وإن غلبوا في بعض الأحيان امتحاناً لهم من الله تعالى ، ولكن العاقبة دائماً لهم6 .

298 ـ إنجاء الله المؤمنين :

قال تعالى : (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ)7 . والمعنى : فهل ينظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلهم حيث أهلكهم الله وأنجى رسله وأتباعهم المؤمنين وكذلك ننجي المؤمنين مثل ذلك الإنجاء ونهلك المشركين وحدهم كما اهلكنا أمثالهم من المشركين ، فقد مضت سنة الله أنه إذا أنزل الله العذاب بقوم أخرج من بينهم الرسل والمؤمنين وأنجاهم8 .

299 ـ المؤمنون هم الأعلون :

قال تعالى : (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)9 أي لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن جهاد أعدائكم لما أصابكم ولا تحزنوا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة في معركة أحد (وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ) أي فلكم النصر في العاقبة (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) فإن الإيمان يوجب قوة القلب ومزيد الثقة بالله تعالى وعدم المبالاة بأعدائه10 .

300 ـ لا سبيل للكافرين على المؤمنين :

قال تعالى : (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)11 ، أي إن الكافرين لا يكون لهم من حيث هم كافرون سبيل على المؤمنين من حيث هم مؤمنون يقومون بحقوق الإيمان ويتبعوا هديه . وكلمة ((سبيل)) هنا نكرة في سياق النفي فتفيد العموم . وانتفاء السبيل للكافرين على المؤمنين عام في الدنيا والآخرة فلا سبيل للكافرين على المؤمنين مطلقاً ، وما غلب الكافرون المسلمين في الحروب السياسية وأسبابها العلمية والعملية من حيث هم كافرون بل من حيث إنهم صاروا أعلم بسنن الله في خلقه وأحكم عملاً بها والمسلمون تركوا ذلك1 . ويحتمل أن يكون المعنى : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ، أي في الدنيا بأن يسلطوا عليهم ويستولوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان فإن العاقبة للمؤمنين في الدنيا والآخرة كما قال تعالى : (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)2 . والظاهر أن النص عام في الدنيا والآخرة ، إنه وعد صريح من الله تعالى بأن لا يكون للكافرين سبيل على المؤمنين . والمؤمنون هم الذين قامت في نفوسهم حقيقة الإيمان ثم ظهرت هذه الحقيقة الإيمانية في الخارج بشكل أعمال مرضية وجهاد في سبيل الله وإخلاص كامل له واستسلام تام لشرعه حتى لم يعد في كيانهم شيء خارج عن الانقياد والخضوع المطلق لله رب العالمين وشرعه القويم . إن السبيل للكافرين في انتصارهم في بعض الأحيان على المؤمنين إنما كان أويكون لحدوث ثغرة في حقيقته الإيمانية ومن الإيمان ومستلزماته ومقتضياته أخذ العدّة وإعداد القوة في كل حين بنية الجهاد في سبيل الله وتحت هذه الراية وحدها مجردة من كل إضافة . وبقدر هذه الثغرة في حقيقة الإيمان تكون الهزيمة الوقتية على المسلمين ثم يعود النصر للمؤمنين حقاً حين يوجدون3 .

301 ـ المتاع الحسن للمؤمنين المتقين :

ومن سنته تعالى العامة في خلقه تيسير سبل العيش الرغيد والحياة المريحة إلى أهل الإيمان والتقوى وإفاضة نعمه عليهم ، قال تعالى : (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ..)4 . طلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من قومه أن يعبدوا الله وحده وأن يستغفروه ويتوبوا إليه . وهذا كلّه الإيمان بالله وبرسوله وعبادته وحده وتقواه واستغفاره عن الذنوب السالفة والتوبة إليه فيما يستقبلونه من كل إعراض عن هدايته وتنكب عن سنته وأن يستمروا على ذلك ، وأنهم إن فعلوا ذلك كان جزاؤهم أن يمتعهم الله متاعاً حسناً الذي هو ثمرة عبادتهم لله وطاعتهم له واستغفارهم وتوبتهم إليه . والمتاع كل ما ينتفع به في المعيشة وحاجة البيوت ، والمتاع الحسن يعني تمتعهم بمنافع حسنة مرضية من سعة الرزق ورغد العيش وبالأمن والراحة وبالنعم المتتالية عليهم .

وتمتعهم هذا يستمر مدة أعمارهم . وقوله تعالى : (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) أي يؤتي كل ذي عمل من الأعمال الصالحة جزاء عمله في الدنيا والآخرة5 .

302 ـ الخصب وزيادة القوة بالإيمان والتقوى :

ومن سنته تعالى في خلقه حصول الخصب بكثرة الأمطار وسعة العيش وزيادة القوّة لأهل التقوى والإيمان . قال تعالى فيما يحكيه عن قول هود عليه السلام لقومه : (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ)6 . والمعنى أن هوداً عليه السلام أمرهم بعبادة الله وحده المتضمنة الإيمان به وطاعته وتقواه وأن يستغفروه ويتوبوا إليه ، فإن فعلوا ذلك يسّر الله لهم سبل العيش الرغيد وأنزل عليهم المطر متتالياً يتلو بعضه بعضاً ، والمطر سبب كل خير من زرع وضرع زادهم قوة إلى قوتهم أي زادهم شدة إلى شدتهم وخصباً إلى خصبهم وعزاً إلى عزتهم وكثرة في المال والأولاد والنعم وقوة على الانتفاع بهذه النعم7 .

303 ـ المؤمنون يرثون الأرض : قال تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)8 . أي ولقد كتبنا في الزبور ـ زبور داود ـ من بعد الذكر وهو التوراة ، أن الأرض أي أرض الأمم الكافرة يرثها المؤمنون ويستولون عليها بالفتوح وهذا هو المروي عن ابن عباس1 .

304 ـ لا يحرم العامل المؤمن من ثمرة عمله :

قال تعالى : (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ)2 . ومعنى لا كفران لسعيه أي لا حرمان لثواب عمله ذلك (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) أي مثبتون عمله في صحيفة عمله فلا يضيع بوجه ما3 .

وقال تعالى : (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)4 . والمعنى أن من يعمل سيئة لا يجزى إلا مثلها أي بقدرها لأن الزيادة على مقدار جزاء الحسنة فشيء حسن لأنه فضل وإحسان والله ذو الفضل العظيم ، ولذلك قال (بِغَيْرِ حِسَابٍ) وهو واقع في مقابلة (إِلَّا مِثْلَهَا) يعني أن جزاء السيئة لها حساب وتقدير لئلا يزيد على ما تستحقه من جزاء ، أما جزاء العمل الصالح فبغير تقديروحساب بل ما شاء الله من الزيادة على مقدار الحسنة5 ، والإيمان شرط في اعتبار العمل الصالح والاعتداد به والثواب عليه ودخول الجنة بسببه6 .

305 ـ بالإيمان والعمل الصالح تحصل الحياة الطيبة :

قال تعالى : (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)7 . هذه الآية الكريمة تبين سنّة من سنن الله تعالى ووعداً صادقاً منه تعالى بأن من يعمل صالحاً ذكراً كان أو أنثى فإنه سيحيا في هذه الدنيا حياة طيبة ييسرها الله تعالى له جزاء عمله الصالح ، وهذا إضافة إلى ما يناله من أجر حسن في الآخرة هو أحسن مما عملوه في الدنيا .

306 ـ المقصود بالعمل الصالح :

والمقصود بالعمل الصالح الذي هو من شروط الظفر بالحياة الطيبة وبالأجر الحسن في الآخرة هو العمل المشروع أي الموافق لما شرعه الله في في كتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم8 . أما العمل المخالف للشرع فلا يعتبر صالحاً ولا يستحق الجزاء المذكور في الآية الكريمة . ولا يشترط في العامل الذكورة فالذكر والأنثى سواء في استحقاق الحياة الطيبة بالعمل الصالح .

307 ـ شرط الإيمان مع العمل الصالح:

ويشترط مع العمل الصالح لإفادته الحياة الطيبة إيمان العامل بما يجب الإيمان به وهو صريح قوله تعالى (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وبهذا قال المفسرون من ذلك قول الرازي : (إن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان)9 . وكذلك صرح ابن كثير فقال في هذه الآية : (هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله)10 .

308 ـ هل الحياة الطيبة في الدنيا أم في الآخرة؟ :

والحياة الطيبة الموعود بها من يعمل العمل الصالح هي الحياة في الدنيا وبهذا صرح المفسرون ، قال الزمخشري : (حَيَاةً طَيِّبَةً) يعني في الدنيا وهو الظاهر لقوله تعالى : (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ) وعدهم الله ثواب الدنيا والآخرة كقوله تعالى : (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحن ثواب الآخرة)11 . وفي تفسير الرازي : وهذه الحياة الطيبة هل تحصل في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة؟ أقوال (القول الأول) قال القاضي : الأقرب أنها تحصل في الدنيا بدليل أنه تعالى أعقبه بقوله : (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة1 . وقال الآلوسي في قوله تعالى : (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) قال غير واحد هي في الدنيا2 .

309 ـ المقصود بالحياة الطيبة :

والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت . وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب . وعن علي رضي الله عنه أنه فسرها بالقناعة وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه . وقال الضحاك هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا ، وقال أيضاً : هي العمل بالطاعة والانشراح بها3 .

وقال الإمام ابن كثير : والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه)4 .

وأوضح الزمخشري كيف تكون الحياة الطيبة لمن يعمل العمل الصالح وهو مؤمن فقال : (وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسراً كان أو معسراً يعيش عيشاً طيباً : إن كان موسراً فلا مقال فيه وإن كان معسراً فمعه ما تطيب عيشه وهو القناعةوالرضا بقسمة الله . وأما الفاجر فأمره على العكس : إن كان معسراً فلا إشكال في أمره ، وإن كان موسراً فالحرص لا يدعه يتهنأ بعيشه)5 .

310 ـ الحياة الطيبة تتحقق بأشياء كثيرة :

والواقع أن الحياة الطيبة تتحقق بأشياء كثيرة ، بالرصا والاطمئنان وانشراح الصدر والشعور بالسعادة وطيب العيش ، وهذه كلها معانٍ تنبعث من النفس وتكون في داخل المؤمن وهي غير متوقفة على الأمور الخارجية كالمال الوفير والمكان المريح والطعام اللذيذ واللباس الفاخر الثمين وغير ذلك من الأمور المادية التي لا تنكر أنها تهيىء ما يرتاح به الإنسان ويلتذ بها لذة بدنية غير منكورة . ولكن السعادة الحقيقية وانشراح الصدر والشعور بالغبطة والهناء هي التي تجعل الحياة طيبة ، وهذه المعاني غير متوقفة على الأشياء المادية الخارجية وبالتالي لا تتوقف عليها الحياة الطيبة . وما أحسن قول الشهيد سيد قطب إذ يقول : (وإن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض ، ولا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال ، فقد تكون به وقد لا يكون معها .

وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية : فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه ، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة وسكن البيوت ومودة القلوب ، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة وليس المال إلا عنصراً واحداً يكفي منه القليل حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله)6 .

311 ـ الحياة الطيبة للمؤمن لا تنقص من أجره في الآخرة :

والحياة الطيبة في الدنيا التي يظفر بها عامل الصالحات وهو مؤمن ، هذه الحياة لا تنقص من أجره في الآخرة ، بل إن الله تعالى وعد بأن يكون أجره في الآخرة على أحسن عمله في الدنيا ، فما أعظمه من جزاء من رب كريم جواد7 .



الفصل الثالث عشر : سنّة الله في الاستدراج [قانون الاستدراج]

312 ـ معنى الاستدراج في اللغة :

جاء في لسان العرب8 : استدرجه أي أدناه منه على التدريج فتدرج هو .

وفي مفردات الراغب1 : سنستدرجهم معناه نأخذهم درجة فدرجة وذلك إدناؤهم من الشيء شيئاً فشيئاً كالمراقي والمنازِل في ارتفاعها ونزولها .

وفي المعجم الوسيط2 : استدرج الله العبد : أمهله ولم يباغته .

وفي بصائر ذوي التمييز3 : استدرج الله المرء : جرّه قليلاً قليلاً إلى العذاب .

312 ـ معنى الاستدراج عند المفسرين :

أ ـ جاء في تفسير الزمخشري : استدرجه إلى كذا إذا استنزله إليه درجة فدرجة حتى يورطه فيه .

ب ـ وفي تفسير القرطبي : (الاستدراج هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة)4 .

ج ـ وفي تفسير الآلوسي : الاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى النقل درجة بعد درجة من سفل إلى علو فيكون استصعاداً أو بالعكس فيكون استنزالاً5.

314 ـ استدراج الكفرة والعصاة :

قال تعالى : (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)6 فمن سنة الله تعالى في عباده الاستدراج . ومعنى الآية أن الله يستدرج الكفرة والعصاة بأن يرزقهم الصحة والنعمة فيجعلون رزق الله ذريعة إلى ازدياد الكفر والمعاصي . وهم لا يعلمون أي وهم لا يشعرون أن هذا استدراج لهم ، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة لهم مع أنه في نفس الأمر إهانة لهم واستدراج . (وَأُمْلِي لَهُمْ) أي وأمهلهم فلا أعاجلهم بالعقوبة ليزدادوا إثماً وهم يزعمون أن ذلك لإرادة الخير والإكرام لهم (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) سمى الله تعالى إحسانه وتمكينه للكفرة والعصاة كيداً لما سماه استدراجاً لكونه في صورة الكيد حيث كان سبباً للسقوط ف الهلكة ووصف كيده بانه متين لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك وأن هذا الهلاك لا يدفعه شيء . وقد قيل كم مستدرج بالإحسان إليه وكم مفتون بالثناء عليه وكم مغرور بالستر عليه7 .

315 ـ استدراج المكذبين :

ومن سنته تعالى في الاستدراج استدراج المكذبين بآياته تعالى ، قال عزّ وجلّ : (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)8 . والمعنى أن الذين كذبوا بآيات الله ولم تنفعهم هداية الهادين كأهل مكة وغيرهم (سَنَسْتَدْرِجُهُم) أي سنقربهم إلى الهلاك شيئاً فشيئاً (مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) ما يراد بهم وذلك بإدرار النعم عليهم مع انغماسهم في الغي والتكذيب ، فكلما جدد الله لهم نعمة ازدادوا بطراً وأشراً وجددوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم عليهم ظانين أن ذلك من الله إكرام لهم وتقريب لهم منه ، وإنما هذه النعم خذلان منه وتبعيد واستدراج . (وَأُمْلِي لَهُمْ) أي أمهلهم ليزدادوا إثماً (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) سمّاه الله تعالى كيداً لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وإنعام وفي الحقيقة خذلان ، ثم يأخذهم الله تعالى دفعة واحدة على حين غرّة وهم أغفل ما يكونون9 . وفي تفسير المنار : الكيد كالمكر ، وهو التديبر الذي يقصد به غير ظاهره بحيث ينخدع المكيد له بمظهره فلا يفطن له حتى ينتهي إلى ما يسؤوه من مخبره وغايته . ومعنى الآية : أمهل هؤلاء المكذبين المستدرجين وأمدّ لهم في أسباب المعيشة والقدرة على الحرب كيداً أو مكراً بهم لا حباً بهم ونصراً لهم ، وفي حديث البخاري : (إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)10 .

316 : استدراج الأمم :

قال تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)1 . وقوله تعالى : (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ) أي فلما أعرضوا عما ذكّروا به وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) ، أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون . قال ابن كثير : وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم ولهذا قال تعالى : (حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ) من الأموال والأولاد والأرزاق (أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً) أي على غفلة (فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) أي آيسون من كل خير . وروى الإمام أحمد عن هقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب ، فإنما هو استدراج ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فَلَمَّا نَسُواْ ذُكِّرُواْ بِهِ..) الخ2 .

وفي تفسير الآلوسي في قوله تعالى : (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ) المراد أنهم انهمكوا في معاصيهم ولم يتعظوا بما نالهم من البأساء والضراء فلما لم يتعظوا (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) من النعم الكثيرة كالرخاء وسعة الرزق مكراً بهم واستدراجاً لهم (حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ) فرح بطرٍ (بِمَا أُوتُواْ) من النعم ولم يقوموا بحق المنعم (أَخَذْنَاهُم) عاقبناهم وأنزلنا بهم العذاب (بَغْتَةً) أي فجأة (فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) أي آيسون من النجاة والرحمة (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ) أي استؤصلوا ولم يبق منهم أحد (وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) على ما جرى عليهم من النكال والغهلاك فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها3 .

317 ـ سنّة الله العامة في المستدرجين :

ومن آيات الاستدراج التي ذكرناها في الفقرات السابقة يتبين لنا أن سنة الله في المستدرجين إمهالهم بعد أن لم يتعظوا بما امتحنهم الله به من صفوف البأساء والضرّاء أو بما امتحنهم به من النعم أو بعد أن كذبوا بآيات الله التي من شأنها أن تحمل المتأمل فيها على الإيمان ، وإن سنة الله تعالى في هؤلاء مدة إمهالهم أن يوسع عليهم الرزق والخيرات ويزيد عليهم الرخاء الذي هم فيه ويعطيهم ما يتمنون من النعم على وجه الاستدراج لهم وزيادة إثمهم لما يقابلون هذه النعم بالمعاصي .

318 ـ ما يجب الاتعاظ به من سنّة الله في المستدرجين :

إن نعم الله تقابل بالشكر ، وهذا هو منهج المؤمنين ومسلكهم في الحياة ، فكل نعمة يعطاها المؤمن يقابلها بطاعة جديدة وشكر جديد ، فإذا غفل عن هذا ونسي شكر النعمة بشكر المنعم فهو مقصر وغافل ، فإذا قابل النعمة بالمعصية فهو مستدرج . والفاصل بين المقصر والمستدرج خيط دقيق جداً ، فإن المقصر في شكر النعمة غفلة منه وجهلاً قد ينزلق إلى منحدر الاستدراج ، ولذلك كان العارفون يخشون على أنفسهم ((الاستدراج)) وأن يكونوا مستدرجين إذا توالت عليهم النعم مع احتمال تقصيرهم في شكرها فيكون ذلك علامة استدراجهم ، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حملت إليه كنوز كسرى : اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً ، فإني أسمعك تقول : (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ)4 . وقال الحسن البصري رحمه الله : كم مستدرج بالإحسان إليه ، وكم مفتون بالثناء عليه وكم مغرور بالستر عليه5 .

319 ـ الخوف من الاستدراج :

وعلى هذا فينبغي للفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة بمجموعها أن لا يغتروا بنعم الله عليهم وأن يخافوا على أنفسهم من أن يكون تواتر النعم عليهم استدراجاً لهم وليس إكراماً وإنعاماً لهم . والذي يرجح أن هذه النعم إكرام لهم من الله تعالى مسارعتهم إلى شكرها بشكر المنعم عليها بالقيام بحق نعم الله ووضعها في مواضعها والزيادة في طاعة الله والإتيان بما يحبه من الجهاد في سبيله .


الفصل الرابع عشر: سنّة الله في المكر والماكرين [قانون المكر]

320 ـ تعريف المكر :

أ ـ المكر : احتيال في خفية ، والمكر : الاحتيال والخديعة1 .

ب ـ المكر : صرف الغير عما يقصده بنوع من الحيلة2 .

ج ـ المكر : إيصال المكروه إلى الغير على وجه يخفى عليه3 .

د ـ المكر : وهو في الأصل التدبير الخفي المفضي بالممكور به إلى مالا يحتسب4 .

321 ـ التعريف المختار :

والتعريف الأخير هو ما نختاره مع شيء من التعديل لأن المكر لا يشترط في تعريف حقيقته إفضاؤه إلى ما جاء في التعريف ، ولهذا أرجح في تعريف المكر أن يقال فيه ، المكر : تدبير خفي محكم لإيقاع ما يريده الماكر بالممكور به من حيث لا يحتسب .

322 ـ أنواع المكر :

قال العلماء : المكر نوعان محمود ومذموم ، والمحمود ما يتحرى به فعل جميل . والمذموم ما يتحرى به فعل قبيح . ومن الأول قوله تعالى (والله خير الماكرين) . ومن الثاني ـ أي المذموم ـ قوله تعالى : (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)5 . ولهذا كان المكر : الحسن والسيء جميعاً . وفي الماكرين يوجد الأخيار والأشرار6 .

323 ـ وجه إضافة المكر إلى الله تعالى :

وإضافة المكر إلى الله تعالى على وجوه : (الأول) تسمية جزاء المكر بالمكر . أي تسمية الجزاء الذي يوقعه الله بالماكر ب(المكر) كقوله تعالى : (وجزاء سيئة سيئة مثلها) . (والثاني) تسمية معاملة الله تعالى للماكرين مكراً لكونها شبيهة بالمكر7 ، (الثالث) تسمية تدبير الله تعالى الذي يخفى على عباده مكراً لخفائه . وهو إنما يكون لإقامة سننه واتمام حكمه وحكمته وإيقاع عذابه في أعدائه ، ودفعه عن أوليائه ، وكلها خير في نفسها وإن قصَّر العباد في معرفتها أو فهمها8 .

324 ـ الغالب في المكر استعماله في السوء :

قلنا إن المكر يعني التدبير الخفي والاحتيال لبلوغ المقصود بالممكور به على وجه يخفى عليه . وهذا المعنى لا يكون غالباً إلا في الشر والفساد لأن من يريد بغيره الخير والصلاح لا يكاد يحتاج إلى إخفائه ، ولهذا غلب استعمال المكر في السوء والشر والفساد وإيقاع الغير فيها ، وصرفه إلى الباطل9 .

325 ـ الكبراء هم أهل المكر غالباً :

قال تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)10 . والمعنى : جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر أي العظماء والرؤساء فيها . وإنما خصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد وأقوى من غيرهم على حمل الناس على اتباعهم في باطلهم11 ، وقال الزجاج إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل

رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم1 .

326 ـ لماذا كان المجرمون أكابر المجتمع؟ :

ولكن لماذا كان المجرمون أكابر المجتمع والرؤساء فيه؟ والجواب : صاروا أكابر المجتمع مع كونهم مجرمين بسبب غفلة أهل الحق وضعفهم وتفرقهم وجهلهم مما سهّل على أهل الباطل أن يسيطروا عليهم ويتجرأوا عليهم وينصبوا أنفسهم قادة ورؤساء وعظماء وكبراء عليهم وعلى المجتمع كله . وقد مضت سنة الله أن المجتمع الذي يتفرق فيه أهل الحق ويجبنون عن مواجهة المجرمين ، ويجتمع فيه المجرمون ويتحدون ويتقوون ويتقدمون لتنفيذ إرادتهم ، أن هؤلاء المجرمين هم الذين يسيطرون على المجتمع ويؤئرون فيه ويصيرون حكامه وقادته ، يجعلون أهل الحق المتفرقين الجبناء معزولين عن المجتمع معن التأثير فيه . إن الحق لا بد له من قوة تحميه وتثبت وجوده في المجتمع فإذا فقد هذه القوة برزت قوة الباطل بقوة أهله وبرز المبطلون المجرمون وصاروا هم أكابر المجتمع وقادته والرؤساء فيه .

327 ـ لماذا يمكر المجرمون بالناس؟ :

ولكن لماذا يمكر المجرمون بالناس ويصرفونهم عن الحق ويدفعونهم إلى الباطل ويوقعونهم في الضلال والفساد؟ لماذا لا يكتفي المجرمون برياسة المجتمع وصيرورتهم أكابر فيه ويتركون الناس وشأنهم؟ والجواب : إن المجرمين يخافون ظهور الحق في المجتمع وتجمع الناس حوله فينكشف بهذا الظهور إجرامهم وباطلهم مما يفقدهم رياستهم ومراكزهم ولهذا كان المجرمون في الماضي يعادون رسل الله ويصرفون الناس عن دعوتهم كما فعلوه بسيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين . وسيظل هؤلاء الجرمون هذا دينهم ومنهجهم : يعادون المؤمنين الدعاة إلى الحق في كل مكان وزمان . فهي سنة ماضية وثابتة بأن ينتدب في كل قرية نفر من أكابر المجرمين فيها يقفون موقف العداء من دين الله ومن الدعاة إليه لأن دين الله يأمر بتجريد هؤلاء الاكابر المجرمين من السلطان الذي يستطيلون به على الناس ويستذلون به الرقاب .

328 ـ أنواع المكر السيىء :

أصحاب المكر السيء لا يقف مكرهم عند حدّ من حيث نوع المكر ومن حيث من يوجهون مكرهم إليه . ونبين فيما يلي ما أشار إليه القرآن الكريم من أنواع المكر السيء الذي باشره أهله من حيث طبيعة هذا المكر وأنواعه ، ومن حيث من وُجِّه إليهم هذا المكر السيء .

329 ـ أنواع المكر السيء من حيث طبيعته :

أولاً : القتل والحبس والإبعاد :

من مكر المجرمين ـ أكابر المجتمع ـ تدبيرهم واحتيالهم لإيقاع الأذى برسل الله وأتباعهم بالقتل أو الحبس أو الإبعاد من ديارهم . ونذكر فيما يلي بعض ما جاء في القرآن الكريم بشأن هذا النوع من المكر .

أ ـ قال تعالى في مكر اليهود بعيسى بن مريم عليه السلام : (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)2 . وجاء في تفسيرها : ومكر الكفار من بني إسرائيل الذين أحسَّ عيسى منهم الكفر ، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة3 .

ب ـ ومن مكر الكفرة برسولهم بقتله وقتل أهله ما قصه الله علينا من أخبار ثمود مع نبيهم صالح عليه السلام وكيف أن رهطاً منهم اتفقوا على قتله ، قال تعالى : (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ)4 ، وجاء في تفسير هذه الآيات : أن المدينة هي (الحجر) التي فيها ثمود قوم صالح عليه السلام وكان فيها (تِسْعَةُ رَهْطٍ) أي تسعة أنفس وهم الذين سعوا في عقر الناقة وكانوا عتاة قوم صالح عليه السلام ، وكانوا من أبناء أشرافهم وكانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون . يعني أن شأنهم الإفساد البحت الذي لا يخلط بشيء من الصلاح . فهؤلاء قالوا متقاسمين أي حالفين بالله لنباغت صالحاً وأهله ليلاً فنقتلهم . ومكروا ، وكان مكرهم ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله . ومكر الله : تدبيره بإهلاكهم وإهلاك قومهم من حيث لا يشعرون1 .

ج ـ وعن مكر كفار قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم وتدبيرهم الخبيث لقتله أو حبسه أو إخراجه من مكة ، قال تعالى : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)2 . تشير هذه الآية الكريمة إلى مكر كفار قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم ونوع المكر الذي دبروه . وكان من أخبار مكرهم هذا أنهم اجتمعوا في دار الندوة بمكة وتشاوروا فيما يفعلونه برسول الله صلى الله عليه وسلم واقترحوا أحد ثلاثة أشياء هي : ((ليثبتوك)) أي ليسجنوك أو ليقيدوك ، أو ((فيقتلوك)) بسيوفهم ، أو ((يخرجوك)) من مكة3 .

330 ـ ثانياً : تحريش الناس على أذى الرسل وأتباعهم :

قال تعالى عن قوم نوح ومكرهم : (وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً)4 والماكرون هم الرؤساء ، ومكرهم احتيالهم في الدين وكيدهم لنوح عليه السلام وتحريش الناس على أذاه وصدهم عن الميل إليه والاستماع منه وقولهم لهم : (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً)5 . وفي تفسير القرطبي : قيل مكرهم : تحريشهم سفهاءهم على قتل نوح عليه السلام6 .

331 ـ ثالثاً : صد الناس عن دعوة الحق :

ومن المكر السيء الذي قاموا به في الماضي ويقومون به في كل حين سعيهم الحثيث في صدهم الناس عن دعوة الحق بزخرف القول ، وبإشاعة الأباطيل والافتراءات على هذه الدعوة المباركة وبتزيينهم الضلال الذي هم عليه في أعين النسشاس ، قال تعالى : (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيل.ِ..)7 ، قال مجاهد : مكرهم أي ماهم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار8 .

وفي تفسير الآلوسي : مكرهم أي كيدهم للإسلام بشركهم أو تمويههم الأباطيل9 . وقال تعالى : (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها) قال ابن كثير في قوله تعالى (ليمكروا فيها) المراد بالمكر هاهنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال10 . وهذا نوع من الصد عن دعوة الحق .

وقال مجاهد : كان كفار مكة يجلسون على كل عقبة أربعة من أعوانهم الكفرة ينفرون الناس من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل من قبلهم من الأمم السابقة بأنبيائهم11 . وقال تعالى : (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) قال الإمام الرازي: مكرهم السيء هو جميع ما كان يصدر منهم من القصد إلى الإيذاء ومنع الناس من الدخول في الإيمان12 .

332 ـ أنواع المكر السيء بالنسبة إلى من يوجه إليهم :

أولاً : المكر برسل الله وأتباعهم :

يوجه أصحاب المكر السيء مكرهم إلى أنبياء الله واتباعهم المؤمنين ، فيحاولون إيذاءهم جسدياً ويشيعون فيهم الأباطيل والأكاذيب لصد الناس عنهم وتنفيرهم عن دعوتهم وقد ذكرنا بعض الآيات في ذلك ، والذي يتولى كبر هذا المكر السيء الموجه إلى رسل الله وأتباعهم المؤمنين هم القادة والرؤساء المجرمين في كل مجتمع . قال تعالى : (ولقد جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها) وقد بيّنا أقوال المفسرين فيها وسبب تخصيصهم بالذكر وهو أنهم أقدر من غيرهم على الإضرار والإفساد .


333 ـ ثانياً : المكر بالضعفاء :

وأهل المكر السيء من أهل الرياسة والقيادة في المجتمع يمكرون بالضعفاء من أتباعهم لصدهم عن دعوة الحق وصرفهم عن قبولها بزخرف من المقال والفعال . لأن هؤلاء الضعفاء يتأخرون بمكر هؤلاء الماكرين لما لهم من نفوذ وسلطان عليهم وعلى المجتمع وقد أخبرنا الله تعالى عن هؤلاء الأتباع الضعفاء والمتبوعين كيف يتبادلون اللوم والعتاب والاتهامات يوم القيامة قال تعالى : (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)1 . والمستضعفون هم الأتباع . والمستكبرون هم الرؤساء ، ولكن هذا العتاب واللوم وتبادل الاتهامات لا يفيدهم شيئاً ولا ينفعهم فكلهم نادمون وينال العقاب : المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم ، والمستضعفون على ضلالهم . ولهذا قال تعالى : (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، أي في أعناق هؤلاء الأتباع والمتبوعين2 .

334 ـ عقاب أهل المكر السيىء :

أهل المكر السيء لا يفلتون من العقاب ، وإذا ظنوا ذلك فهم واهمون ومخطئون وخاسرون قال تعالى : (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)3 قال الإمام القرطبي في قوله تعالى : (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللّهِ) أي عذابه وجزاءه على مكرهم4 .

335 ـ لا يحيق المكر السيىء إلا بأهله :

قال تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)5 أي استكبروا في الأرض عن اتباع آيات الله ومكروا بالناس في صدهم عن سبيل الله ، ولا يحيق المكر السيء إلاّ بأهله أي وما يعود وبال ذلك المكر إلا عليهم أي على أصحاب المكر أنفسهم دون غيرهم6 . وقال الآلوسي في قوله تعالى : (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) أي لا يحيط ولا يصيب ولا ينزل المكر السيء إلا بأهله . والآية عامة على الصحيح والأمور بعواقبها ، والله يمهل ولا يهمل . وبالجملة من مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلاً في الظاهر ففي الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك7 .

336 ـ سؤال وجوابه :

فإن قيل كثيراً ما نرى أن الماكر يمكر ويغلب بمكره السيء ، والآية (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) تدل على عدم ذلك . قال الإمام الرازي بعد أن أورد هذا السؤال : والجواب من وجوه : (الأول) أن المكر المذكور في الآية هو المكر الذي مكره كفار مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم من العزم على قتله أو إخراجه ولم يحق مكرهم السيء إلا بهم حيث قتلوا في معركة بدر وغيرها. (الوجه الثاني) هو أن نقول : المكر السيء عام وهو الأصح فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المكر وفي الخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول : (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) إلا أن الأمور بعواقبها ومن مكر به غيره ونفذ فيه المكر عاجلاً في الظاهر ففي الحقيقة هو الفائز ، والماكر هو الهالك وذلك مثل راحة الكافر ومشقة المسلم في الدنيا ، ويبين هذا المعنى قوله تعالى : (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ) يعني إذا كان لمكرهم في الحال رواج فالعاقبة للتقوى والأمور بخواتيمها فيهلكون كما هلك الأولون8 .

337 ـ تكملة جواب السؤال :

والحقيقة أن قوله تعالى : (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) قانون عام أي سنة عامة من سنن الله في حياة البشر وعلاقاتهم فيما بينهم مثل السنن العامة التي تكلمنا عليها ، فهي لا تتخلف أبداً ولكن نفاذها وسريان حكمها يستلزم تحقق أسبابها وشروطها وانتفاء موانعها . كما أن لنفاذ بعض السنن العامة أوجهاً متعددة ، وقد يركز الناس على وجه واحد من النصر أو على وجه واحد من إحاطة المكر السيء بأهله ، بينما يريد الله تعالى نفاذ سنته في وجه آخر وصورة أخرى من صور نفاذ هذه السنة . كما أن نفاذ السنة لا يستلزم النفاذ الفوري لها إذا تحققت أسبابها وشروطها وانتفت موانعها ، فقد يكون من طبيعة هذا النفاذ بالنسبة لهذه السنة العامة أو بالنسبة لهذا الشخص أو بالنسبة لهذه الجماعة تأخر هذا النفاذ إلى وقت يعلمه الله تعالى ولا نعلمه نحن على وجه الدقة في سنّة الله في الظلم والظالمين ، فهذه سنّة عامة تقضي بهلاك الظالمين وهي سنة لا تتخلف وإن كنا نجهل ميعاد وتاريخ هلاك الظاليمن على وجه الدقو والضبط . وكذلك سنّة الله في المكر السيء أنه لا ينزل إلا بأهله متى تحقق شروطه وانتفت موانعه وحلّ وقت نفاذه وإن كنا نجهل هذا الوقت بالدقة والضبط .

338 ـ عقاب المكر السيء في الدنيا والآخرة :

وسنّة الله تعالى في المكر السيء وأهله إصابتهم بالعذاب في الدنيا والآخرة قال تعالى : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ)1 . قال الزمخشري في هذه الآية : (مَكْرُهُمْ) أي كيدهم للإسلام بشركهم ، وقوله تعالى : (لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وهو ما ينالهم من القتل والأسر وسائر المحن ولا يلحقهم إلا عقوبة لهم على الكفر ولذلك سمّاه الله عذابا2ً .

وفي تفسير الآلوسي في قوله تعالى : (لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصائب فإنها إنما تصيبهم عقوبة من الله تعالى على كفرهم (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ) لشدته ودوامه3 .

339 ـ عقاب الماكرين من حيث لا يحتسبون :

وعقاب الله تعالى بأهل المكر السيء يأتيهم ويحل فيهم من حيث لا يتوقعون مجيئه منه ، وهذا من مكر الله تعالى بهم ، قال تعالى : (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ) قال الإمام القرطبي في قوله تعالى : (فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ) هذا تمثيل ، والمعنى : أهلكوا فكانوا بمنزلة من سقط عليه بنيانه. وقيل : أبطل تدبيرهم ومكرهم فهلكوا كما هلك من نزل عليه السقف من فوقه : (وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ) أي من حيث ظنوا أنهم في أمان4 . وهذا العذاب النازل بأهل المكر السيء والمُخبر عنه في هذه الآية مباشرة : (ثم يوم القيامة يخزيهم) أي يذلهم . فالظاهر أن ضمائر الجمع للذين مكروا من قبل كأنه قيل : قد مكر الذين من قبلهم فعذبهم الله تعالى في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة5 .

340 ـ انكشاف أمر الماكرين :

قال تعالى : (..وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ)6 قال مجاهد وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب : هم المراؤون بأعمالهم : يعني يمكرون بالناس ، يوهمونهم أنهم في طاعة الله تعالى وهم بغضاء إلى الله عز وجل يراؤون بأعمالهم . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هم المشركون . قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر القولين : والصحيح أن الآية عامة ، والمشركون داخلون فيها بطريق الأولى ، ولهذا قال تعالى : (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ) أي يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى ، فإنه ما أسرّ أحدٌ سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، وما أسرّ أحدٌ سريرة إلا كساه الله رداءها إن خيراً فخير وإن شراً فشر . فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي ، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم بل ينكشف لهم عن قريب ، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية7 .


341 ـ الله أسرع مكراً :

قال تعالى : (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ)1 والمعنى ، إذا كشف الله تعالى عن الكفار ضراً قد أصابهم وأذاقهم رحمة منه ، ما كان منهم إلا أن بادروا إلى المكر وأسرعوا بالمفاجأة به بدلاً من الشكر والإقلاع عن الكفر والتكذيب . ومن مكرهم لصرف االناس عن الاتعاظ بما نالهم من رحمة الله بعد كشف الضر عنهم قولهم إنّ ما وصلهم من نعمة هو من المصادفات ولم يحملهم ذلك على الإيمان بالله وشكره .

(قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً) أي قل أيها الرسول لهؤلاء الذين يسرعون في المكر بآيات الله تعالى إن الله تعالى أسرع منهم مكراً فقد دبَّر عقابهم وهو موقعه بهم قبل أن يدبروا كيف يعملون لإطفاء نور الإسلام ، إذ سبق في تدبير الله تعالى لأمور العالم وتقديره للجزاء على الأعمال أن يعاقبهم على مكرهم عقاباً في الدنيا قبل الآخرة، فهو عالم بمكرهم لا يخفى عليه منه شيء2 .

342 ـ لله المكر جميعاً :

قال تعالى : (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)3 . وصفهم الله بالمكر ثم جعل مكرهم كالمعدوم بالإضافة إلى مكره تعالى فقال : (فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً) ثم فسَّر ذلك بقوله تعالى : (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعدّ لها جزاءها فهو المكر كله لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم غفلة مما يراد بهم4 . وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ، أي لمن عاقبة دار الدنيا ثواباً وعقاباً ، أو لمن الثواب والعقاب في الدار الآخرة5 .

342 م ـ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون :

وينبغي للمسلم أن لا يأمن مكر الله فيسترسل بالمعاصي ظاناً أنه مرضي عند الله بالرغم من معاصيه استدلالاً بالنعمة التي هو فيها ، ولكونه مسلماً ، وعفو الله للمسلمين العصاة مأمول . فهذا التفكير من المسلم يعتبر من المكر به ، وعليه أن يقلع عنه ويقبل على طاعة الله والقيام بشكر الله على نعمه واعظمها نعمة الإسلام وبذلك يأمن مكر الله به قال تعالى : (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)6 .

قال الآلوسي في تفسيره : والأمان من مكر الله استرسال في المعاصي اتكالاً على عفو الله7 .

وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى :المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن8.

343 ـ العبرة بسنّة الله في المكر والماكرين :

والعبرة فيما ذكرناه من سنة الله تعالى في المكر السيء وأهله أن يعلم المسلمون أفراداً كانوا أو جماعات أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله وأن عاقبته تظهر في الدنيا بفضح الماكرين وانكشاف أمرهم وحلول العذاب فيهم كما بينا من قبل . وجاء في تفسير ابن كثير ، قال محمد بن كعب القرظي : ثلاث من فعلهن لم ينج من العذاب حتى ينزل به : من مكر أو بغى أو نكث ، وتصديقها في كتاب الله تعالى : (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) وقوله تعالى : (إنما بغيكم على أنفسكم) ، وقوله تعالى : (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه)9 .

344 ـ ما تعتبر به الجماعة المسلمة :

ومما ينبغي أن تعتبر به الجماعة المسلمة ، وهي تدعو إلى الإسلام ، أن سنة الله في المكر والماكرين سنة ماضية فيها ، فأهل المكر السيء لا ينفكون عن مكرهم بالمؤمنين وبالدعاة منهم ، وبالجماعة المسلمة التي تنظم عمل الدعوة إلى الغسلام . ومكر أهل المكر السيء لا يقف عند حدّ ، فكل ما يرونه محققاً لغرضهم الخبيث وهو محق الدعوة إلى الله وصرف الناس عنها وعن الجماعة المسلمة فعلوه ، فالكذب ولصق التهم بالدعاة وبالجماعة المسلمة وبالتآمر عليها وعلى قادتها وأعضائها والسعي الحثيث لتعطيل نشاطها ولو بحبسهم أو إخراجهم من ديارهم أو قتلهم ، كل ذلك بعض مكرهم فهم لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمة . فهذا الصنيع من أهل المكر السيء سنة ماضية ، ولكن الغلبة دائماً لاهل الحق لأنهم لا يخوضون المعركة وحدهم ضد الماكرين وإنما معهم الله جلّ جلاله ما داموا معه بالتوكل عليه والثقة به والالتزام بشرعه والاهتداء بسنته العامة في تدلفع الحق والباطل وأخذهم بالأسباب ومنها الحذر لإبطال مكر الماكرين . فعلى الجماعة المسلمة ان تلاحظ ذلك لأنها في مواجهة مستمرة مع أهل المكر لاسيما أكابرهم وسادتهم .



الفصل الخامس عشر : سنّة الله في طلب الدنيا والآخرة [قانون طلب الدنيا والآخرة]

345 ـ المقصود بطلب الدنيا والآخرة :


نقصد بطلب الدنيا في موضوعنا إرادة الشخص لها والحرص عليها وإيثارها على الآخرة مطلقاً وعند تزاحمها مع متطلبات الآخرة . فرغبة مريدها فيها وتعلق قلبه بها وسعيه لها .

ونقصد بطلب الآخرة إرادة الشخص لها والحرص عليها وإيثارها على الدنيا مطلقاً وعند تزاحمها مع متطلبات الدنيا . فرغبة مريدها فيها وتعلق قلبه بها وسعيه لها .

346 ـ سنة الله في طلاب الدنيا :

أولاً : من حيث نصيبهم منها :

سنّة الله في طلاب الدنيا من حيث نصيبهم منها ، أنهم يُعطون ما قسم لهم وليس ما يريدونه ويحرصون عليه ، قال تعالى : (وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ)1 أي من كان عمله للدنيا أعطي شيئاً منها لا يريده ويبتغيه ، وهو رزقه الذي قسم له ، وما له نصيب قط في الآخرة2 . وهذا الذي يعطاه طالب الدنيا إنما هو لمن يشاء الله إعطاءه هذا النصيب لأن هذه الآية مقيدة بالآية الأخرى وهي : (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً)3 .

وقال تعالى : (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها)4 . أي من كان عمله للدنيا فقط ناله منها ما قدره الله له ولم يكن له في الآخرة من نصيب5 ، وهذه الآية مقيدة أيضاً بآية : (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ) فلا يُعطى طالب الدنيا من ثوابها إلا إذا شاء الله إعطاءه وبالقدر الذي يشاؤه تعالى6 .

347 ـ ثانياً : توفيه أجور أعمالهم في الدنيا :

ومن سنة الله في طلاب الدنيا أنه يوفيهم أجور أعمالهم في الدنيا فيخرجون من الدنيا ولا حسنة لهم من تلك الأعمال يكافؤون عليها في الآخرة لأنهم لم يعملوها للآخرة ، وإنما للدنيا فأثرها ونتيجتها في الدنيا فقط ، ولا بقاء ولا وزن لها في الآخرة قال تعالى : (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)7 .

والمعنى : إن من أتى منهم من أعمال صالحة بحسب الظاهر مثل صلة الرحم والصدقة على الفقراء وأراد بهذه الأعمال الصالحة (الدنيا وزينتها) أي ما يزين الدنيا ويحسنها من الصحة والأمن وكثرة الأموال والأولاد والرياسة وغير ذلك : (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) أي نوصل إليهم أجور أعمالهم في الدنيا وافية فلا ينقصون منها . أي إن كل ما يستحقون بها من ثواب فإنه يصل إليهم حال كونهم في الدنيا ، فغذا خرجوا من دار الدنيا لم يبق معهم من تلك الأعمال حسنة يجازون عليها في الآخرة . ولكن ينبغي أن يعلم أن هذا ليس على إطلاقه بل هو مقيد بسنة أخرى وهي قوله تعالى : (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ..)8 .

348 ـ من نزلت فيهم آيات توفية أجورهم :

وقد اختلف المفسرون فيمن نزلت فيهم آيات توفية أجورهم التي ذكرناها في الفقرة السابقة وهي : (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ..) الخ على قولين :

القول الأول : إنها مختصة بالكفار لأن قوله تعالى : (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) يندرج فيه المؤمن والكافر إذ من الممكن أن يريد المؤمن التمتع بلذات الدنيا والانتفاع بخيراتها وشهواتها ، إلا أن آخر الآية يدل على أن المراد منها هو الكافر فقط لأن قوله تعالى : (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) لا يليق إلا بالكفار . القول الثاني : إجراء الآية على ظاهرها في العموم فيندرج فيها المؤمن الذي يأتي بأعمال الخير وبالأعمال الصالحة في ظاهرها وهو يعملها على سبيل السمعة والرياء . ويندرج في عموم الآية أيضاً الكافر الذي يعمل هذه الأعمال لأغراض الدنيا من السمعة والرياء ونحوهما . وعلى هذا القول يكون المراد في قوله تعالى : (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ) أي بسبب هذه الأعمال الفاسدة المقرونة بالرياء1 .

349 ـ ما يناله طلاب الدنيا منها :

إن طلاب الدنيا الذين لا يريدون باعمالهم غيرها لا ينالون منها إلا ما يشاؤه الله تعالى منها . ثم إن هذا الذي يشاؤه الله تعالى منها لا يعطيه جميع طلابها بل لمن يريد الله تعالى إعطاءه قال تعالى : (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً)2 يخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له ما طلبه وأراده منها وإنما يحصل لمن أراد الله وبالقدر الذي يشاؤه الله له . فهذه الآية مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات الواردة بشأن طلب الدنيا وطلابها وقد أشرنا إلى هذا في الفقرات السابقة . وبناء على هذه الآية صار طلاب الدنيا (منهم) من يتمنى ويطلب الدنيا ولا يعطى إلا بعضاً مما طلب وتمنى. (ومنهم) من يتمنى ويطلب الدنيا ولا يعطى منها شيئاً فيجتمع عليه فقر الدنيا وضياع نعيم الآخرة3 .

350 ـ سنّة الله في طلاب الآخرة :

قال تعالى : (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً)4 . فهذه الآية الكريمة تبين سنته تعالى في طلب الآخرة وطلابها ، فمن أراد الآخرة أي من كانت همه وقصده ومبتغاه وسعى لها سعيها أي عمل لها عملها من الطاعات وهو مؤمن ـ لأن الطاعات لا تقبل إلا من مؤمن ـ فهو وأمثاله من المؤمنين العاملين ، كان سعيهم مشكوراً أي مقبولاً عند الله تعالى غير مردود . فالشرط للسعي المشكور أن يقصد به الدار الآخرة وأن يكون صاحبه مؤمناً5 .

351 ـ زيادة أجر العامل للآخرة :

قال تعالى : (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه..)6 ، قال الزمخشري في هذه الآية : (من عمل للآخرة وُفِّق في عمله وضوعفت حسناته) . وقال ابن كثير : (أي من أراد عمل الآخرة نزد له في حرثه) أي نقويه ونعينه على ما هو بصدده ونكثر نماءه ونجزيه الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله تعالى7 .

352 ـ هل يمكن الجمع بين إرادة الدنيا والآخرة :

والجواب : نعم . يمكن ذلك بدليل أن الله تعالى مدح الذين يطلبون خير الدنيا وخير الآخرة ، فلو لم يكن تحصيل الخيرين ممكناً لما أرشدنا الله إلى طلبهما منه تعالى ومدح فاعله وذم من قصر همته على طلب الدنيا فقط ، قال تعالى : (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)1 .

والمعنى : أن من الناس من يدعو الله تعالى أن يجعل إيتاءه وما يمنحه إياه في الدنيا خاصة للإشارة إلى أن همته مقصورة على مطالب الدنيا فهو يطلب حظوظ الدنيا فقط وماله في الآخرة من نصيب ، ولم يقل إنه يطلب حسنة في الدنيا لأن من كانت الدنيا كل همه فإنه لا يبالي أكانت شهواته وحظوظه فيها حسنة أو سيئة فهو يطلب الدنيا من كل باب ويسلك إليها كل طريق ، وهو باستيلاء الدنيا عليه لم يكن للآخرة موضع في نفسه يطلب من الله تعالى نعيمها ويقيه شرها . وقد اختلف المفسرون في تعيين هذا الفريق من الناس ، فقيل الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة وقيل هم المسلمون الذين لم تمس حقائق الدين وبشاشة الإيمان قلوبهم فكان همهم مقصوراً على الدنيا لا على الآخرة2 .

353 ـ تفسير آية الجمع بين إرادة الدنيا والآخرة :

الآية هي : (وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) . وقوله تعالى : (وِمِنْهُم) أي من الناس وهم المسلمون يطلبون خير الدنيا والآخرة . واختلفوا في المقصود بالحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة ، قال قتادة : حسنة الدنيا تعني العاقبة في الصحة وكفاف المال . وقال غيره الصحة والكفاف في العيش والتوفيق للخير في الدنيا والثواب في الآخرة . وقال الحسن : حسنة الدنيا العلم والعبادة . والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين : نعيم الدنيا والآخرة ، قال القرطبي : وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كلّه فإن كلمة (حَسَنَةً) نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات . وحسنة الآخرة الجنة بالإجماع3 . وقوله تعالى : (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أي نجنا منها . وهذه الآية من جوامع الدعاء التي عمت خيري الدنيا والآخرة . وفي الصحيحين عن أنس قال : كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الىخرة حسنة وقنا عذاب النار)4 .

354 ـ ما يشترط للجمع بين إرادة الدنيا والآخرة :

ويشترط للجمع بين إرادة الدنيا والآخرة حصول النية أي أن يقصد طالب الدنيا جعلها بعد الحصول عليها وسيلة للظفر بالآخرة . وهذه النية لا تكلفه شيئاً لأنها عمل القلب واتجاهه ، ولكنها مهمة جداً ولا يصلح العمل بدونها لأن الأصل في الإسلام : (إنما الأعمال بالنيّات) فالنيّة هي التي تلون العمل وتعطيه صفة من الحلّ أو الحرمة والقبول أو الرفض والثواب أو عدمه . فهو بهذه النية يجعل عمله المباح لنيل المال أو غيره من نعم الدنيا عملاً مأجوراً عليه وقربة من القربات . فإذا ظفر بمراده من الدنيا وهو بهذه النية لزمه استحضار نية الآخرة أي إرادته لها في استعمال ما حصل عليه من الدنيا .

355 ـ التطبيق العملي للجمع بين إرادة الدنيا والآخرة :

قلنا إن الجمع بين إرادة الدنيا والآخرة ممكن ، أما كيفية التطبيق العملي لهذا الجمع فقد أرشدتنا إليه الآيات الكريمة الواردة في قصة قارون وما جرى بينه وبين قومه من حوار وجدال ، ومن ذلك ما حكاه الله تعالى من قول الناصحين له من قومه ، قال تعالى : (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)5 . فالمسلم يستطيع أن يسعى لتحصيل نعم الدنيا بالوسائل المشروعة فهذا مباح له غير محظور عليه ، وله أن يدعو الله لتمكينه من الحصول على مطلوبه من نعم الدنيا كما أشرنا من قبل . فإذا حصل على مراده من الدنيا فعليه أن يستعمل ما يؤتيه الله تعالى من مال وغيره فيما ينفعه في الآخرة كالتصدق في سبيل الله وأداء ما أوجبه الله عليه فيما أنعم به عليه . أي أن يؤدي شكر الله تعالى على نعمه عليه ، وأن يحسن إلى خلق الله كما أحسن الله عليه . وله أن يتمتع بما أباحه الله له من الطيبات من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب وغيرها وبهذا يتحقق منه التطبيق العملي للجمع بين إرادة الدنيا والآخرة . وبما قلناه صرح المفسرون أو أشاروا إليه أو دلّ كلامهم عليه في تفسيرهم للآيات التي ذكرناها في قصة قارون ، فمن أقوالهم ما يأتي :

356 ـ أولاً : أقوال المفسرين في قوله تعالى : (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة)

أ ـ قال القرطبي : أي اطلب فيما آتاك الله من الغنى والثروة الدار الآخرة بأن تعمل فيه أفعال الخير من التصديق الواجب والمندوب إليه وتجعله زادك في الآخرة1 .

ب ـ قال الزمخشري : أي وابتغ فيما آتاك الله من الغنى والثروة الدار الآخرة بأن تعمل فيه أفعال الخير من التصدق الواجب والمندوب إليه وتجعله زادك في الآخرة2 .

ج ـ وقال الرازي : المراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة3 .

د ـ وقال ابن كثير : أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الكاملة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة4 .

357 ـ ثانياً : أقوال المفسرين في قوله تعالى : (ولا تنسَ نصيبك من الدنيا)

أ ـ قال الرازي : أي لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة5 .

ب ـ قال القرطبي : وقال الحسن وقتادة : معناه لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ونظرك لعلقبة دنياك6 .

ج ـ قال الزمخشري : أي أن تأخذ منها ما يكفيك ويصلحك7 .

د ـ قال الآلوسي : أي لا تنس حظك من الدنيا . وعن ابن عباس أن تعمل فيها لآخرتك . وعن قتادة هو أن تأخذ من الدنيا ما أحله الله تعالى لك8 .

ه ـ قال ابن كثير : أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والمساكن والمناكح ، فيجوز لك أن تتمتع به ، فإن لربك عليك حقاً وانفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً ، فآت كل ذي حق حقه9 .

358 ـ ثالثاً : أقوال المفسرين في قوله تعالى : (وأحسن كما أحسن الله إليك)

أ ـ قال الرازي : ويدخل في معنى الآية الإعانة للفقير بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر10 .

ب ـ قال الزمخشري : وأحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك11 .

ج ـ وقال الآلوسي : وأحسن إلى عباد الله عزّ وجل كما أحسن الله إليك فيما أنعم به عليك12 .

د ـ وقال ابن كثير : أي أحسن إلى خلقه كما هو أحسن إليك13 .




الفصل السادس : عشر سنّة الله في رزق العباد [قانون الرزق]

359 ـ معنى الرزق :

أ ـ جاء في لسان العرب1 الرَّزق بفتح الراء هو المصدر الحقيقي للفعل رَزَقَ . وبكسر الراء الرِّزق ما ينتفع به والجمع أرزاق .

والرِزق : العطاء . وقد يسمى المطر رزقاً وذلك قوله تعالى : (وما أنزل من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها) . والأرزاق نوعان : ظاهرة للأبدان كالأقوات ، وباطنة كالمعارف والعلوم .

ب ـ وجاء في المعجم الوسيط2 : (الرزق) بفتح الراء المصدر . وبكسر الراء اسم الشيء المرزوق وهو كل ما يُنتفع به. والرِزق ما ينتفع به مما يؤكل ويلبس . والرزق ما يصل إلى الجوف ويُتغذى به . وفي التنزيل العزيز : (فليأتكم برزق منه) والرزق : المطر ، لأنه سبب الرزق . والرزق : العطاء ، والعطاء الجاري يقال : كم رزقك في الشهر؟ أي كم راتبك، والجمع أرزاق .

ج ـ وفي النهاية لابن الأثير3 : من أسماء الله تعالى ((الرزّاق)) وهو الذي خلق الأرزاق وأعطى الخلائق أرزاقها وأوصلها إليهم . والأرزاق نوعان : ظاهرة للأبدان كالأقوات وباطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم .

د ـ وفي المفردات للراغب4 : الرزق ، يقال للعطاء الجاري تارة دنيوياً كان أم أخروياً ، وللنصيب تارة ، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة . يقال أعطى السلطان رزق الجند ، ورزقت علماً . وقوله تعالى : (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت) أي من المال والجاه والعلم . وقوله تعالى : (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) أي وتجعلون نصيبكم من النعمة تحري الكذب . وفي العطاء الأخروي قوله تعالى : (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) . والرازق يقال لخالق الرزق ومعطيه والمسبب له وهو الله تعالى . ويقال ذلك للإنسان الذي يصير سبباً في وصول الرزق . والرزاق لا يقال إلا لله تعالى . وقوله تعالى : (وجعلنا فيها معايش ومن لستم له برازقين) أي بسبب في رزقه ولا مدخل لكم فيه . ويقال ارتزق الجند : أخذوا أرزاقهم . والرزقة ما يُعطونه دفعة واحدة .

360 ـ المعنى المراد من الرزق في بحثنا :

والمعنى الذي نريده من كلمة ((الرزق)) في بحثنا كل مال ينتفع به سواء كان مادياً كالأموال من ذهب وفضة وحيوان وزروع وثمار وعقار ، ومأكول وملبوس ومشروب ومسكون ونحو ذلك . أو كان معنوياً كالمعارف والعلوم والمنزلة والجاه والسلطان والعقل والذكاء وحسن الخلق ونحو ذلك . وسواء كان ما ينتفع به في الدنيا وهو ما ذكرناه أو ينتفع به في الآخرة وهو رضوان الله تعالى وثوابه ونعيم الجنة ونحو ذلك مما أخبرنا الله تعالى به .

361 ـ الله هو الرزاق ذو القوة المتين :

الله تعالى هو خالق الرزق ومعطيه والمسبب له ، ومن أسمائه تعالى ((الرزاق)) فهو الذي خلق الأرزاق وأعطى الخلائق أرزاقها وأوصلها إليهم5 . وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تبين أن الله تعالى هو الرزاق بالمعنى الذي ذكرناه ، فمن ذلك :

362 ـ آيات في كونه هو الرزاق :

أ ـ قال تعالى : (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)6 . والدابّة اسم لكل حيوان ، لأن الدابة اسم مأخوذ من الدبيب ، وأطلق على كل حيوان ذي روح ذكراً كان أو أنثى . والمراد بهذا اللفظ ((دابّة)) في هذه الآية الموضوع الأصلي اللغوي فيدخل فيه جميع الحيوانات ، وهذا متفق عليه بين المفسرين . ومعنى الآية : ما من حيوان يدب على الأرض إلا على الله تعالى غذاؤه ومعاشه ، وإن ذلك كالواجب عليه تعالى بحسب وعده تعالى بإيصال الرزق إلى كل ذي روح تفضلاً منه وإحسان . والله يعلم مستقرها ، أي مكانها في الأرض ومسكنها ويعلم مستودعها حيث كانت مودعة قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة7 .

ب ـ وقال تعالى (وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)8 . والمعنى : وكم من دابة لا تطيق حمل رزقها لضعفها أو لا تدخره ، وإنما تصبح ولا شيء عندها ، فالله تعالى يرزقها وإياكم ، فلا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله تعالى ولا يرزقكم أيضاً أيها الناس إلا الله تعالى وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها لأنه لو لم يقدركم ولم يقدّر لكم أسباب الكسب لكنتم أعجز من الدواب التي لا تحمل رزقها . فالله تعالى رزق الكل بأسباب هو تعالى المسبب لها وحده1 .

ج ـ وقال تعالى : (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)2 . فالله تعالى هو الذي يرزق كل مفتقر إلى الرزق لا غيره وهو القوي القادر البليغ الاقتدار على كل شيء3 .

363 ـ فابتغوا عند الله الرزق :

وإذا كان الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين ، فعلى المسلم أن يطلب الرزق منه لا من غيره ، قال تعالى : (ند الله الرزق)4 . وعلى هذا فينبغي للمسلم أن يتوكل على ربه عز وجل في تحصيل رزقه ويدعوه أن ييسر له أسبابها ويباشرها فعلاً ويعينه عليها .

364 ـ سنّة الله في رزق عباده :

جبل سبحانه وتعالى الحيوانات على مباشرة أسباب اكتساب رزقها بالتحرك والانتقال من مكان إلى آخر وزودها بغرائز معينة وأعضاء في بدنها تعينها على تحصيل رزقها . وسنَّته تعالى في رزق عباده أنه تعالى جعل هذا الرزق يصلهم بأسباب يباشرونها باختيارهم وجعلها الله تعالى موصلة إلى اكتساب الرزق ، ويسَّر لهم هذه الأسباب ودعاهم بل وأمرهم بالسعي إلى كسب الرزق .

365 ـ السعي لكسب الرزق :

قلنا إن سنة الله في رزق عباده إيصال هذا الرزق لهم بمباشرة أسباب اكتسابه ودعاهم إلى مباشرة هذه الأسباب ومنها التنقل في أنحاء الأرض قال تعالى : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)5 . والمعنى : سافروا وتنقلوا حيث شئتم في أنحاء الأرض وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات ، فقد جعل الله الأرض ذلولاً غير صعبة يسهل جداً عليكم السلوك فيها (وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) . أي انتفعوا بما أنعم الله عليكم . وقد استدل بهذه الآية على استحباب التسبب في اكتساب الرزق ، وفي الحديث النبوي الشريف : إن الله يحب العبد المؤمن المحترف6 .

366 ـ الاحتطاب ولا سؤال الناس :

وإذا كان السعي لاكتساب الرزق هو السبيل المعتاد لوصول الرزق إلى الإنسان وإن العمل وإن كان شاقاً كالاحتطاب فهو خير من أن يسأل المسلم الناس الصدقة ما دام قادراً على الكسب ، جاء في حديث البخاري عن الزبير بن العوام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)7 . قال ابن حجر العسقلاني في شرحه لهذا الحديث : في الحديث الحث على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولوامتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك8 .

367 ـ السعي لاكتساب الرزق لا ينافي التوكل :

والسعي لاكتساب الرزق ومباشرة أسبابه لا ينافي التوكل فقد أخرج الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لو انكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً) قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر هذا الحديث في تفسيره : قال الحكيم الترمذي : مرَّ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بقوم فقال لهم : من انتم؟ فقالوا : المتوكلون . قال أنتم المتأكلون . إنما المتوكل رجل ألقى حبه ـ أي بذره ـ في بطن الأرض وتوكل على ربه عز وجل9 . وسئل الإمام أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال : لا أعمل شيئاً ويأتيني رزقي . فقال هذا رجل جهل العلم فقد قال صلى الله عليه وسلم : (إن الله جعل رزقي تحت رمحي)1 .

368 ـ كسب المال الحلال بمنزلة الجهاد :

قال تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)2 . كان قيام الليل واجباً ثم نسخ في حق الأمة وبين تعالى علة تخفيف قيام الليل بنسخ وجوبه وإن بقي مستحباً فقال تعالى : (عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى..) الآية ، قال الإمام القرطبي : (بيّن سبحانه علّة تخفيف قيام الليل ، فإن الخلق منهم المريض وشق عليهم قيام الليل ويشق عليهم أن نفوتهم الصلاة ، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل ، والمجاهد كذلك ، فخفف الله عن الكل لأجل هؤلاء . وقد سوّى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله والإحسان والأفضال ، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال الحلال بمنزلة الجهاد لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله)3 . وقال الرازي : (ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سوّى بين المجاهدين والمسافرين للكسب الحلال)4 . وقال الزمخشري : وقد بيّن الحكمة في النسخ ـ نسخ قيام الليل ـ وهي تعذر القيام على المرضى والضاربين في الأرض للتجارة والمجاهدين في سبيل الله . وقيل سوّى الله بين المجاهدين والمسافرين لكسب الحلال)5 .

369 ـ الرزق المبارك :

ومن رزقه الله مالاً من غير طمع ولا استشراف نفس ولا سؤال من الناس ، فقد جرت سنة الله في هذا المال حصول البركة فيه ، وقد دلّ على هذه السنّة حديث البخاري عن حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع . واليد العليا خير من اليد السفلى6 ، وفي الحديث تشبيه للمال والرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده بالنسبة إلى اليابس ، والحلو مرغوب فيه على انفراد بالنسبة للحامض فالإعجاب بهما إذا اجتمعا أشد . فمن أخذ المال وحصل عليه بغير شره ولا الحاح أي من أخذه بغير سؤال بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس أي يتعرض له وحرص عليه وطمع فيه لم يبارك له فيه7 . ومعنى بورك له فيه حصول البركة له في ماله ، والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء . ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يُحس وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة هو مبارك وفيه بركة وإلى هذه الزيادة أشير بما روي في الحديث الشريف أنه لا ينقص مال من صدقة لا إلى النقصان المحسوس8 .

370 ـ الله يرزق المؤمن والكافر : إن الله تعالى رب العالمين وقد وعد وأخبر بأنه ما من دابة إلا على الله رزقها . فكل ذي روح يدب على الأرض فإن الله تعالى يرزقه ويهيىء له أسباب تلقي هذا الرزق سواء كان كافراً أو مؤمناً ولهذا قال تعالى : (كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً)9 ، أي نرزق الكافرين والمؤمنين وبهذا صرَّح المفسرون ، فمن أقوالهم في هذه الآية :

أ ـ قال الإمام القرطبي : قوله تعالى:(كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ)، أخبر أنه يرزق المؤمنين والكافرين10.

ب ـ وقال الزمخشري : كل واحد من الفريقين نمدهم : نزيدهم من عطائنا ، فنرزق المطيع والعاصي على وجه التفضل ، وما كان عطاء ربك وفضله محظوراً أي ممنوعاً ، لا يمنعه من عاصٍ لعصيانه1 .

ج ـ وقال الرازي : أي أنه تعالى يمد الفريقين بالأموال ويوسع عليهما في الرزق مثل الأموال والأولاد وغيرهما من أسباب العز والزينة في الدنيا لأن عطاءنا ليس بضيق عن أحد مؤمناً كان أو كافراً لأن الكل مخلوقون في دار العمل الدنيا ـ فوجب ايصال متاع الدنيا إلى الكل2 .


371 ـ التمتع بالطيبات من الرزق :

التحليل والتحريم من حق الله فلا يجوز لأحد أن يحرم شيئاً أباحه الله بحجة الزهد أو هضم النفس أو كونه من المستلذات .. فإن المنظور إليه هو كون الشيء حلالاً أو حراماً ، فإن كان حلالاً جاز التمتع به وإن كان مستلذاً مستطاباً لأن الشرع لا يمنع تمتع النفس بالمستلذات ما دامت مباحة . وإن كان الشيء حراماً وجب الابتعاد عنه وعدم مباشرته وتناوله مهما كانت صفته . قال تعالى راداً على من حرَّم ما لم يحرمه الله تعالى من زينة أو طيبات الرزق ،فقال عز وجل : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)3 . يقول تعالى رداً على من حرَّم شيئاً من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير شرع من الله تعالى : (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) أي هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا وإن شكرهم فيها الكفار فهي للمؤمنين خالصة يوم القيامة لا يشركهم فيها أحد من الكفار فإن الجنة محرَّمة على الكافرين4 .

372 ـ القانون في التمتع بالطيبات من الرزق :

قال الإمام ابن العربي ، والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه : على المرء أن يأكل ما وجد طيباً كان أو قفاراً ـ الخبز بلا أدم ـ ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادة ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشبع إذا وجد ويصبر إذا عدم ، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها ويشرب العسل إذا اتفق له ويأكل اللحم إذا تيسر ولا يعتمد أصلاً ولا يجعله ديدناً5 .

373 ـ الأموال بذاتها لا تقرب صاحبها من الله :

قد يرزق الانسان مالاً كثيراً حسب سنّة الله في كسب المال ، لأن سنة الله مضت في إعطاء المال للكافر وللمؤمن وللمطيع وللعاصي فمجرد كون الإنسان غنياً بأمواله لا تجعله هذه الأموال قريباً من الله تعالى ، وإنما الذي يقربه من الله تعالى هو الإيمان والعمل الصالح ، قال تعالى : (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)6 .

والمعنى : إن الأموال لا تقرّب من الله تعالى ولكن الذي يقرّب العبد من ربه الإيمان والعمل الصالح . وكذلك إذا رزق الله عبده أولاداً فأولاده لا يقربونه من الله بمجرد كونهم أولاده إلا إذا أطاع الله فيهم بأن علمهم الخير ووفقهم في الدين وجعلهم أعضاء صالحين في المجتمع7 .

374 ـ بسط الرزق وتضييقه وما يدلان عليه :

قد يوسع الله على عبده بالرزق وقد يضيق عليه فيه ، فيكون الأول غنياً واسع الثراء ، ويكون الثاني معدوماً فقيراً شديد الفقر والحاجة ، فهل يدل ذلك على صلاح الموسع عليه رزقه ، وعدم صلاح المضيق عليه رزقه؟ والجواب لا يدل بسط الرزق وتضييقه على صلاح الغنسان أو عدم صلاحه ، فإن حصول الغنى في الدنيا لا يدل على الاستحقاق ولا على أن صاحبه مرضي عند الله ، فإنه تعالى كثيراً ما يوسع على العصاة والكفرة ، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأما يحكم بذلك لمصلحة أو لحكمة ، وإما على سبيل الاستدراج والمكر . وقد يضيق الله تعالى على الصديقين لحكمة يعلمها أو بناء على سنة من سننه العامة . فينبغي للعبد أن لا يظن أن ذلك وقع وجرى للمجازاة أو بناء على منزلة العبد بالقرب أو بالبعد عن ربه تعالى8 .

وقد دلّ على ما قلناه قوله تعالى : (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً)1 . وجاء في تفسير هذه الآيات إن الله تعالى ينكر على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره في ذلك فيعتقد أن ذلك من الله تعالى إكرام له ، وليس الأمر كذلك بل هو ابتلاء وامتحان . وكذلك إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له ، فقال تعالى (كَلَّا) أي ليس الامر كما زعم لا في هذا ولا في هذا فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب ، ويضيق في الرزق على من يحب ومن لا يحب وإنما المراد في ذلك على طاعة الله في الحالتين : إذا كان غنياً بان يشكر الله على ذلك ، وإذا كان فقيراً بأن يصبر ، فبهذا الصبر وذاك الشكر تكون منزلة العبد وقربه من ربه2 .

375 ـ حكمة التفاوت في الرزق :

أولاً : ليخدم بعضهم بعضاً :

قال تعالى : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)3 . والمعنى : (نحن قسمنا بينهم معيشتهم) أي أسباب معيشتهم في الحياة الدنيا قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) في الرزق وسائر مبادى المعاش وأسبابه (درجات) متفاوتة . فقد فاوتنا بينهم فيما أعطيناهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة ، فكان منهم القوي والضعيف والعالم والجاهل ، والحاذق والأبله ، والرئيس والمرؤوس والغني والفقير . وإنما فعلنا ذلك (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً) أي ليسخر بعضهم بعضاً في الأعمال لاحتياج بعضهم إلى بعض ، وبهذا يمكن أن يتعايشوا ويحصل كل منهم على ما يحتاجه بمساعدة الآخرين ، ولولا هذا التفاوت فيما ذكرنا لما أمكن أن يقضي بعضهم حاجة بعض ولا أن يخدم بعضهم بعضاً4 .


376 ـ ثانياً : لمنع البغي :

ومن حكمة التفاوت في الرزق منع بغي الناس في الأرض ، قال تعالى : (ولَوْبَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)5 . والمعنى لو وسع الله على عباده في الرزق لبغوا في الأرض أي لطغوا وعصوا أو لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من الفساد والعلو فيها (وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ) أي ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) يعرف ما يؤول إليه أحوالهم فيقدر لهم ما هو أقرب إلى جمع شملهم فيرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم وهو أعلم بذلك ، فيغني من يستحق الغنى ، ويفقر من يستحق الفقر كما توجبه حكمته تعالى . ولو أغناهم جميعاً لبغوا ، ولو أفقرهم جميعاً لهلكوا ، ولا شبهة في أن البغي مع الفقر أقل ، ومع الغنى أكثر وأغلب6 .

377 ـ المؤمن لا يحزن لهذا التفاوت :

والمؤمن لا يحزن لهذا التفاوت الذي اقتضته حكمة الله حتى ولو كان شديد الفقر ، لأن كل ما يؤتاه الإنسان من الدنيا فهو متاع قليل وزائل ولا يستحق أن تستشرف له نفس المؤمن ولا أن يكون مقصدها وهمها ولا أن يحزن على فوته أو فقده ، لأن مقصده الآخرة وغايته طلب مرضاة الله ، ولأنه يعلم مدى حقارة الدنيا عند الله تعالى . ومما يدل على حقارة الدنيا عند الله تعالى وإنها وكل ما فيها مما تستشرف إليه النفس ، شيء تافه وزائل ومتاع قليل ، مما يدل على ذلك أن الله تعالى بعد أن ذكر التفاوت بين خلقه في الرزق قال : (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ)7 . والمعنى : لولا أن يعتقد كثير من الجهلة أن اعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطناه فيجتمعوا على الكفر لأجل المال (لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ) أي سلالم ودرجاً من فضة (عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ) أي يصعدون (وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً) أي أغلاقاً على أبوابهم (وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ) أي جميع ذلك يكون فضة (وَزُخْرُفاً) أي وذهباً . ثم قال تبارك وتعالى : (وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي إنما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى . فهذا الذي يعطيه لهم إنما يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا ليقدموا على الآخرة وليس لهم عند الله تعالى حسنة يجزيهم بها . ثم قال تعالى : (وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) أي هي لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد غيرهم1 . فالمؤمن لا يأسف على شيء من الدنيا إذا كان مضيقاً عليه في الرزق أو لا يتيسر له من متاعها ما تيسر لغيره منها ، فليكن حرص المؤمن على نعيم الآخرة ورضوان الله لا على متاع الدنيا فإن الدنيا لو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء أبداً كما جاء في حديث الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكره ابن كثير في تفسيره2 .

378 ـ تحذير من سوء الفهم :

ولا يفهم مما قلته أني أطلب من المسلم أن يستسلم للفقر ويقعد عن الكسب ، لا ، أنا لم أقصد ذلك ، وإنما الذي قصدته أن المسلم إذا قام بما أوجبه عليه الشرع من الأخذ بالأسباب ، وسعى لتحصيل رزقه بالوسائل المشروعة ، ومع هذا بقي رزقه شحيحاً قليلاً فعليه أن يتذكر ما قلته ولا يحزن لضيق يده وقلة رزقه ، فليست الحياة الطيبة الموعود بها المؤمن تكون دائماً بنعومة العيش بل بشيء آخر أكبر من هذا العيش وقد أشرت إليه عند كلامي عن سنة الله في التقوى والإيمان والعمل الصالح .

379 ـ موقف المسلم من سنّة الله في الرزق :

قلنا إن من سنة الله في رزق عباده تفاوتهم فيه ورفع بعضهم على بعض درجات فيه ، فما هو الموقف الصحيح للمسلم من ذلك؟ والجواب يختلف باختلاف حال المسلم من جهة سعة رزقه أو ضيقه وقلته ، وهذا ما نبينه فيما يأتي بإيجاز .

380 ـ أولاً : موقف المسلم عند سعة رزقه وبسطه :

في حال بسط الرزق وتوسعته ، على المسلم أن يستحضر في نفسه جملة معاني ، ويقوم بما أوجبه الله عليه وأرشده إليه في هذه الحالة ، ومن ذلك ما يأتي :

أ ـ أن يعلم يقيناً ويستحضر هذا العلم في ذهنه أن المال الذي صار في يده هو مال الله قال تعالى : (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)3 . وهو من رزق الله ، قال تعالى : (وأنفقوا مما رزقكم الله)4 .

ب ـ أن يحذر طغيان المال لأن المال قد يطغي صاحبه ، قال تعالى مخاطباً بني إسرائيل : (كلو من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى)5 . وطغيانهم فيما أنعم الله عليهم من رزق أن يتعدوا حدود الله في نعمة الرزق بأن يكفروها ويغلهم اللهو والتنعم عن القيام بشكرها ، وانفاقهم المال في المعاصي وعدم إخراج حقوق الفقراء من هذا المال6 .

ج ـ أن يستحضر في نفسه قصة قارون الذي رزقه الله المال الكثير فطغى وبغى به وأعجبته نفسه وادعى أنه بنفسه وبعلمه كسب المال ولا فضل لله به عليه . وكان نتيجة طغيانه كما أخبرنا الله عنه بقوله تعالى : (فخسفنا به وبداره الأرض)7 .

381 ـ ثانياً : موقف المسلم في حال تضييق الرزق عليه :

والموقف الصحيح للمسلم في هذه الحالة أي إذا كان مضيقاً عليه في الرزق يتحقق بما يأتي :

أ ـ أن يعلم المسلم يقيناً ويستحضر في نفسه ما ذكرناه من أن بسط الرزق وتضييقه لا يدلان على اكرام الله لعبده أو إهانته له وإنما هو امتحان وابتلاء للعبد ، فإذا كان مضيقاً عليه في الرزق دلّ ذلك على أن الله تعالى يريد أن يمتحنه بذلك ، والله تعالى يمتحن عباده بما يشاء ومتى يشاء ، وقد شاء الله تعالى أن يمتحنه بالفقر وقلة الرزق .

ب ـ أن يعلم أنَّ ما يلزمه من العبادة في هذه الحالة ، هو الصبر الجميل فإذا قام به كان من المتقين الصابرين الذين يؤتون أجورهم بغير حساب .

ج ـ أن لا يبتئس ويضيق صدره لضيق يده وقلة رزقه وخشونة عيشه وليتذكر دائماً معيشة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام .

د ـ أن يعلم ان متاع الدنيا قليل ولذائذها فانية لا تستحق الأسى والحزن على فواتها .

ه ـ لينظر إلى من هو أسفل منه ، أي أقل منه مالاً ونحوه ـ ولا ينظر إلى من هو فوقه أي أكثر منه مالاً ونحوه ، فقد أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرةرضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(إذا نظرأحدكم إلى من فُضِّلَ عليه في المال والخَلْق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فًضِل عليه)1 .

وجاء في شرحه قوله (في المال والخلق) ، ويحتمل أن يدخل في ذلك الأولاد والمتاع وكل ما يتعلق بزينة الدنيا . وقوله (فلينظرإلى من هو أسفل منه) ، والمراد بذلك ما يتعلق بالدنيا أي إلى من أسفل منه مالاً ومتاعاً . وزاد الإمام مسلم في روايته لهذا الحديث عبارة (فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) . وفي هذا الحديث دواء للحسد لأن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن أن يحسده ودواء ما وقع في قلبه من حسد أن ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون ذلك داعياً إلى الشكر وإلى عدم ازدراء نعمة الله عليه التي أعطيها دون كثير ممن فضل عليهم في الرزق من غير أمرٍ أوجب تفضيله عليهم2 .

و ـ ليستحضر في قلبه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري عن ابن عمر قال : (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)3 فهذا الحديث أصل في الحث على الزهد في الدنيا والاحتقار لها والقناعة فيها بالبلغة . وقال النووي : معنى الحديث لا تركنوا إلى الدنيا ولا تتخذوها وطناً ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها ولا تتعلق منها بمالا يتعلق به الغريب في غير وطنه . وقال غيره : عابر السبيل هو المار على الطريق طالباً وطنه ، فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده ، فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسل فيه ثم يعود إلى وطنه ولا يتعلق بشيء غير ما هو فيه4 .



الفصل السابع عشر: سنّة الله في [قانون الفظاظة والغلظة والرفق]

382 ـ معنى الفظاظة والغلظة :

جاء في لسان العرب5 ، الفظ : الخشن الكلام ، ورجل فظ : ذو فظاظة جاف غليظ في منطقه غلظة وخشونة . ورجل فظ : سيء الخلق . وفيه غلظة أي شدّة واستطالة ، قال تعالى : (وليجدوا فيكم غلظة) . ورجل غليظ فظ : فيه غلظة وفظاظة وقساوة . ويقال غلظت عليه ، واغلظت له .

ومن مفردات الراغب6 . الفظ : الكريه الخلق . والغلظة ضد الرقة . والغلظة الخشونة ، قال تعالى : (وليجدوا فيكم غلظة) .

وفي المعجم الوسيط7 الفظ : الجافي السيء . وغلظ عليه وله اشتد وعنف . وغلظ الخلق والطبع والقول والفعل والعيش: اشتد وصعب فهو غليظ .

383 ـ معنى الرفق :

جاء في لسان العرب8 . الرفق ضد العنف . رفق بالأمر وله وعليه يرفق رفقاً : لطف . وهو به رفيق أي لطيف . والرفق : لين الجانب . ولطافة الفعل خلاف العنف . وقال ابن حجر العسقلاني : الرفق لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل9 .

384 ـ سنّة الله في الفظاظة والغلظة :

مضت سنّة الله في أحوال الناس واجتماعهم وفي اقبالهم على الشخص واجتماعهم عليه وقبولهم منه وسماعهم قوله وأُنسهم به ، مضت سنّة الله فيما ذكرناه أنّ الناس ينفضون عن الفظ الغليظ القلب حتى ولو كان ناصحاً لهم مريداً للخير لهم حريصاً على ما ينفعهم ، وقد دلَّ على ما قلناه قول الله جلّ جلاله : (فيما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر..)1 .

ومعنى الآية : إنه صلى الله عليه وسلم لما رفق بمن تولى عن القتال في معركة أحد ولم يعنفهم وإنما خاطبهم بالكلام اللين بيَّن الله تعالى أنه إنما فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه ، وإن لينه لهم ما كان إلا برحمة منه سبحانه وتعالى . وقوله تعالى : (ولو كنت فظاً غليظ القلب) أي لو كنت سيء الكلام خشن الجانب شرس الأخلاق جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً غليظ القلب أي قاسيه أي لا يتأثر قلبه بشيء فلا يرق لأحد ولا يرحمه (لانفضوا من حولك) أي لتفرقوا عنك ونفروا منك حتى لا يبقى حولك أحد منهم لأن الفظاظة وغلظة القلب من الأخلاق المنفرة للناس لا يصبرونعلى معاشرة صاحبهما وإن كثرت فضائله ورجيت فواضله بل يتفرقون ويذهبون من حوله ويتركونه وشأنه ، ولا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليهم ، واذن لفاتهم هدايتك ولم تبلغ قلوبهم دعوتك (فاعف عنهم) فيما يخص حقوقك (ر لهم الله) فيما يتعلق بحقوقه تعالى اتماماً للشفقة وإكمالاً للتربية2 .

385 ـ سنة الله في الرفق :

سنّة الله في الرفق وأهله أنه يعطيهم مالا يعطي على العنف وأهله فمن يرزق الرفق يرزق أسباب الخير ، ومن يحرمه يُحرم أسباب الخير فقد جاء في الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم : (من يحرم الرفق يحرم الخير) فالرفق سبب كل خير . وفي حديث آخر اخرجه مسلم في صحيحه (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف وما لا يعطى على ما سواه) قال القاضي معناه : يتأتى به من الأغراض ويسهل من المطالب مالا يتأتى بغيره3 .

386 ـ الله يحب الرفق :

أخرج البخاري في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم : (إن الله يحب الرفق في الأمر كله)4 . وما دام الرفق محبوباً لله تعالى فينبغي للمسلم أن يحبه ويأخذ به في جميع أموره . لأن ما يحبه الله ينبغي أن يحبه المسلم ويعمل به .

387 ـ نطاق الرفق المحبوب :

والرفق المحبوب لله تعالى هو الذي لا يفضي إلى إهمال حق من حقوق الله تعالى ، فإذا أفضى إلى ذلك لم يجز ولم يكن محبوباً ، بل مبغوضاً ومسخوطاً عليه قال تعالى مخاطباً المؤمنين في إقامة حدّ الزنا (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله)5 .

388 ـ من أخلاقه صلى الله عليه وسلم في الرفق :

كان النبي صلى الله عليه وسلم متواضعاً مع أصحابه رفيقاً بهم قال تعالى : (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)6 . والمقصود بخفض الجناح : التواضع ولين الجانب7 . وقال تعالى : (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)8 ، والشأن بالمسلم أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله .

389 ـ الجماعة المسلمة وسنّة الله في الفظاظة والرفق :

على الجماعة المسلمة أن تعي وتفهم هذه السنّة جيداً ، فإذا كانت طبيعة الفظاظة وغلظ القلب تنفر الناس حتى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك عصمه الله منهما ، فنفرة الناس من الجماعة المسلمة إذا كانت موصوفة بالفظاظة والغلظة أولى . ولا يشفع لها إذا اتصفت بهاتين الخصلتين أنها تدعو إلى الإسلام وإن على الناس أن يتحموا فظاظتها وغلظتها معهم لأنها تعمل لمصلحتهم وتدعو إلى الحق ، فالناس لا يأخذون بهذا المنطق ، فما تدعو إليه الجماعة لا يدخل إلى قلوبهم إلا إذا مالت إليه قلوبهم ، ولا تميل إليه قلوبهم إلا إذا مالت إلى دعاته ، وهي لا تميل إلى دعاته إلا إذا كانوا رحماء بالناس متواضعون معهم ، يخضعونهم بوجوه البرّ والشفقة والمعونة بدون تكبر أو استعلاء أو خشونة أو سوء خلق ، فالناس كما يقول سيد قطب رحمه الله تعالى في حاجة إلى كنف رحيم وإلى رعاية فائقة وإلى بشاشة سمحة وإلى ودّ يعمهم وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم . إنهم في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ، يحمل همومهم ويجدون عنده دائماً الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة1 .

390 ـ حاجة أمير الجماعة المسلمة إلى الرفق بأعضائها :

يلزم أمير الجماعة الرفق بأعضائها ، وترك أي معنى أو مظهر من معاني أو مظاهر الفظاظة وغلظة القلب لأن أعضاء الجماعة بحاجة دائمة لأمير رفيق بهم شفيق عليهم رؤوف بهم متواضع معهم يسعهم جميعاً قلبه الكبير وحلمه الواسع ، يعفو عن زلتهم ويتغافل عن أخطائهم كلّما كان ذلك ممكناً وجائزاً شرعاً . ويدلهم على أخطائهم بالتلميح لا بالتصريح ، ينظر إليهم كأولاده وإخوانه ويشعرهم بذلك بالقول والفعل ، يحرص على مصلحتهم ويقيهم المكاره والأسواء ، ولا يلقيهم في المهالك وإن رأى منهم اندفاعاً إلى البذل والتضحية لأنه يعمل بموجب إذن الشرع وأمره وليس بناء على اندفاعهم إلى ما يريدون . وبهذه الأخلاق من امير الجماعة تسير الجماعة دون تخلخل أو اضطراب ولكن بوحدة واتفاق وانسجام .

الخاتمة

هذا ما يسّره الله تعالى لي من فصول في بيان سنّته تعالى في الأفراد والأمم والجماعات ، استقيتها من كتاب الله العزيز ومن سنّة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن أقوال المفسرين وأهل العلم . وآمل أن ينتفع بهذه الفصول من يقرؤها وأن يذكرني في دعائه فإن دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب مستجابة ، وقد قال تعالى : (إنما المؤمنون إخوة) وفي الحديث النبوي الشريف (المسلم أخو المسلم..) . والله تعالى أسأل أن يوفقني دائماً إلى خدمة دينه وبيان معاني شريعته وأن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم وأن يثيبني عليه يوم (لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بفلب سليم) وأن يوفق المسلمين لما يحبه ويرضاه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين .

المؤلف

بغداد في 5 جمادى الأولى 1413 ه

الموافق 31 / 10 / 992 م