الشيخ الخطيب يكتب عن: منزلة الصحابة (رضي الله عنهم)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الشيخ الخطيب يكتب عن: منزلة الصحابة (رضي الله عنهم)

20-05-2009

بقلم: فضيلة الشيخ/ محمد عبد الله الخطيب

يقول الحق تبارك وتعالى: [[﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾]] (الأحزاب).

إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعًا هم الصفوة من خلق الله قاطبة وهم الرواد للإنسانية الذين حملوا مِشْعَل الخير والهداية إلى العالم كله، وجاهدوا في الله حق جهاده، وبلَّغوا رسالة الله وصدّقوا في تبليغها، وقدموا النفس والنفيس في سبيل سيادة هذا الحق، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)﴾ (الأحزاب)، ﴿وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: من الآية 79).

ولذلك حذّر صلى الله عليه وسلم من التعرض لهم فقال: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك الله أن يأخذه".

وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه".

وقد حذَّرنا الأسلاف من الغفلة، والبعد عن الحق، وعن الطريق المستقيم، والوقوع في مزالق الشيطان الرجيم، بالنيل من هؤلاء الرجال الأعلام الذين اصطفاهم الله عز وجل لحمل دعوته وتبليغ رسالته.

ويقول الحافظ أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه "زنديق"؛ وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما بلغنا ذلك كله الصحابة) وهؤلاء يريدون أن يهدموهم؛ ليبطلوا الكتاب والسنة.

لم يعد أمرًا خفيًّا ما تتعرض له السنة من هجوم ماكر منظم، كما أن الهدف من ذلك لم يعد يخفى على أحد؛ ألا وهو القضاء على الإسلام شريعةً ونظامًا، وهذا يستدعي منا ضرورة البيان، وحتمية الذود عن هذا الدين الخالد.

وهنا نلقي الضوء على عدالة الصحابة، وحكم ما أجمعوا عليه، وبيان مكانتهم وشرفهم؛ لأن الحرب كما أعلنها أعداء الإسلام على المنهج، فقد ركزوا أيضًا على حملة هذا المنهج من أسلافنا رضوان الله عليهم.

عدالة الصحابة

إن تاريخ البشرية لم يحظ برجال عقدوا عزمهم، وخرجوا من حظ نفوسهم، وانطلقوا إلى غاية من أسمى الغايات، كما حظي بجيل الصحابة.. وليس من السهل على أي عاقل أن يتصور هذا الجيل الذي فدى هذا الدين بكل ما يملك، وهجر الأوطان والأولاد، لا يمكن أن نتصور هذا الجيل يكذب أو يجتمع على ضلالة، كما زعم من غلبت عليهم شقوتهم من الحاقدين والضالين، ولم يقدموا لنا دليلاً واحدًا على صدق زعمهم.

والقرآن الكريم، وهو أصدق سجل، يقرر هذا الذي نقول، ولا عبرة بعد قول الخالق بأي زعم آخر.. يحدثنا ربنا- جل جلاله- عن الذين رضي الله عنهم، وبلغهم رضاه فردًا فردًا، فيقول: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح: من الآية 29).

روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي: "اطرد عنك هؤلاء؛ لا يجترئون علينا؟"، قال: "وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لم أسمهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِين(52)﴾ (الأنعام).

وبلغ من تكريم الله عز وجل أن قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة﴾ (الأنعام: من الآية 54)، فكان صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام"؛ بل وصلوا في التكريم إلى درجة أن جعلهم الرسول صلى الله عليه وسلم في منزلة لم يصعد إليها بشر بعد الأنبياء.. أن أبا سفيان أتى على سلمان وبلال ونفر، فقالوا: "والله ما بلغت سيوف الله من عدو الله مأخذها"، فقال أبو بكر: "أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟"، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: "يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك"، فأتاهم أبو بكر فقال: "يا إخوتاه، أغضبتكم؟"، قالوا: "لا. يغفر الله لك يا أخي".

ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: "إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خص محمدًا صلى الله عليه وسلم بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية 29)، كانوا في الحياة أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم فيها".

الصحابة قدوة

إن مدرسة الصحابة التي تلقت هذا الدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عملت به، وشكلت حياتها على أساسه، ولفظت الجاهلية إلى الأبد على أعتابه، يجب أن تكون في واقع المسلمين حياة يُقتدى بها، يقول صلى الله عليه وسلم: "خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، ويقول: "النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهبوا أتى أمتي ما يوعدون"، قال الحافظ ابن كثير: "والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة".

ويقول عبد الله بن مسعود: "من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقواها هديًا، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم".

حجية الإجماع

إجماع الصحابة حجة شرعية عند جمهور المسلمين، يجب العمل به، قال الشافعي رحمه الله: "ليس لأحد أن يقول في شيء حلال ولا حرام إلا من جهة العلم، وجهة العلم: ما نص في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع أو القياس على هذه الأصول...".

والمجمع عليه لدى الأئمة المجتهدين: أن المجتهد ينظر أولاً في كتاب الله، ثم في سنة رسوله، وفي أقوال الصحابة، ثم ينقلب إلى الاستنباط إن لم يكن هناك إجماع.

قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين (119)﴾ (التوبة)، قال العلماء: المراد بهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أنهم أئمة الصادقين، وكل صادق بعدهم إنما تأسى بهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَاب﴾ (لقمان: من الآية 15)، وكل فرد من الصحابة منيب إلى الله، فيجب اتباع سبيله، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: من الآية 69)، وكل واحد من الصحابة جاهد بلسانه ويده وماله، فيكون الله قد هداه، وكل من هداه فهو مهتدٍ يجب اتباعه.. والصحابة هم أحق الناس بصفة الإمامة والقيادة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون (24)﴾ (السجدة)، وهذا الحق ممتد موصول بجملته إلى يوم القيامة.. يقول صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق، لا يضرهم من خذلهم؛ حتى يأتي أمر الله". (أخرجه مسلم، باب الإمارة).

وقد ثبت في السنة أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة: "لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ"، و"لا تجتمع أمتي على خطأ"، ومحال أن يلتقي كل المجتهدين في عصر من العصور على حكم، ويجزموا به، ولا يكون لهم من الكتاب والسنة مستند قاطع بنوا عليه إجماعهم، كما يستحيل أيضًا أن يكونوا مخطئين، ولا يتنبه إلى الخطأ واحد منهم.. ومن باب أولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فما اتفقوا عليه إذن صواب يستند إلى دليل من الكتاب والسنة، فيكون العمل بما أجمعوا عليه واجبًا، وهذا هو طريق المؤمنين: الاتباع والاقتداء، والتزام الجماعة والسنة، والحفاظ على هذا الميراث وتبليغه للأجيال سليمًا كما جاءنا من أسلافنا رضوان الله عليهم. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(115)﴾ (النساء).

إن هذا الميراث قوة هائلة في أيدينا، ومدد عظيم لكياننا، ورصيد ضخم لأمتنا، تستمد منه حياتها، وتعتز به بين الأجيال، ولا يتخلى عن هذا الرصيد إلا سفيه أو طائش، ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون (83)﴾ (آل عمران).


المصدر

اخوان اون لاين