الشيخ راشد الغنوشى:الإسلاميون بمأزق المشاركة أو الإنفراد بالحكم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٣:١٢، ١ يونيو ٢٠١١ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات) (حمى "الشيخ راشد الغنوشى:الإسلاميون بمأزق المشاركة أو الإنفراد بالحكم" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الشيخ راشد الغنوشى :الإسلاميون بمأزق المشاركة أو الإنفراد بالحكم
الكتب.jpg

حاوره هادي يحمد

في هذا الحوار الخاص مع شبكة "أون إسلام"، لا يتردد المفكر الإسلامي راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة التونسية، في الإعلان عن فشل تكتيك "المشاركة في السلطة" من قبل الحركات الإسلامية في العديد من الدول العربية، كما لا يتردد في الإعلان عن رفضه للأسلوب الثاني وهو "استئثار" الإسلاميين بالحكم على غرار التجربة السودانية.

ومقابل هذا "المأزق"، يرى الغنوشي أن التجربة الإسلامية التركية مرتبطة بالسياق التركي الخاص، ولا يوجد "مبرر لخلطها بنموذج النظام العربي الشمولي". ومن نفس منطلقات الاستثناء التركي بالذات أمام الأنظمة العربية، يجد زعيم حركة النهضة التونسية تفسيرا لعدم إيجاد حركته موطئ قدم سياسي في الواقع التونسي حتى الآن.

ورغم "تحالف جماعات اليمين الفاشستي والجماعات الصهيونية" ضد الإسلام المتنامي في الغرب، فإن الغنوشي يرى أن الإسلام قادم بقوة "للتجذر" في العالم الغربي يساعده في ذلك أنه يقدم النموذج الأمثل للتماسك الاجتماعي فضلا عن صوت "عقلاء الغرب" الذين لا يزالون يشكلون الغالبية في الحكومات الغربية.

وأخيرا، يرفض الغنوشي مقولة إن "القاعدة" في طريقها للانحسار، مبررا ذلك بعدم زوال أسباب نشأتها وفي مقدمتها الدعم الغربي اللامحدود للأنظمة "المستبدة" في العالم الإسلامي وللسياسات الإسرائيلية، فضلا عن تردد الحركات الإسلامية المعتدلة في السعي لإنجاز التغيير.

وفي ما يلي الحوار كاملا: - بعد عشر سنوات من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ما هو تقييمكم لوضع مسلمي الغرب بشكل خاص والمسلمين بشكل عام؟ وهل تجاوزوا موجة الإسلاموفوبيا التي أعقبت هذه الأحداث باعتقادكم؟

  • الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أهنئ الإسلام وأمته بولادة "أون إسلام.نت" مبتهلا إلى العزيز الرحيم أن يجعل له لسان صدق في الآخرين.

من الواضح أن الإسلام في الغرب بالرغم من وجوده الحديث، يشهد نموا كميا وكيفيا هاما جدا، فهو ينمو عددا بالزيادة الطبيعية، وهذا جزء من عنفوان قوة الحياة في الإسلام، فقد جعل الله لهذه الأمة قوة في أصلابها، وينمو الإسلام عددا كذلك بالهجرة وبالاهتداء إليه.

كما ينمو بالتحول المتواصل لكمّه إلى كيف، بانخراط أجياله الجديدة التي تربت في المدرسة الغربية في مختلف حقول النشاط الاجتماعي، وبأقلّ من ذلك في حقول النشاط السياسي والثقافي، يساعده في ذلك عقلاء الغرب، وهم لا يزالون حتى الآن الأغلبية الحاكمة عموما يسارا ويمينا.

وواضح لدى هؤلاء -كما عبر عن ذلك أخيرا الرئيس الألماني أنه رئيس لكل الألمان المسيحيين واليهود والمسلمين وأن هؤلاء جزء من الأمة الألمانية- الحرص على عزل المتطرفين ومنع الخلط المتعمد بينهم وبين الإسلام، فهم فئة هامشية لا يخلو منهم دين وأمة.

وفي هذا السياق، تتنزل خطط عقلاء الغرب في مساعدة المسلمين على الاندماج الإيجابي في المجتمعات الغربية، ومن ذلك حرص الأحزاب يمينها ويسارها، عدا الفاشيست، على استقطاب الأقلية المسلمة إلى صفوفها، وترشيح أعداد متزايدة منها على قوائمها في الانتخابات البلدية والنيابية.

ففي بريطانيا، دخل أول نائب مسلم في تاريخها مجلس العموم نائبا سنة 1997 وفي سنة 2001 أصبحوا اثنين وفي 2005 كانوا أربعة وفي الانتخابات الأخيرة وصلوا إلى ثمانية وهكذا لا يكاد يخلو برلمان مركزي في أوروبا ولا محلي ولا مجلس بلدي من وجود مسلمين..كما لهم إسهامات – ولا تزال -محدودة في الإعلام فضلا عن الحياة الاقتصادية.

الإسلام باختصار بصدد التجذر في عالمه الجديد، لا يشوش عليه ولا يعيق تقدمه غير اكفهرار الأجواء من حوله، التي تغذيها من جهة جماعات اليمين الفاشستي المتحالفة مع الجماعات الصهيونية النافذة، ومن الجهة الأخرى أعمال وتصريحات هوجاء تقوم بها جماعات التطرف المنتسبة للإسلام داخل الغرب وخارجه.

وجانب مما يلاقيه الإسلام من رفض هذه المجتمعات مفهوم، إذ يعبر عن سنة طبيعية أشار إليها علماء الاجتماع، تتمثل في دفاع المجتمعات عن هويتها ومقاومتها لكل ما يتهدد هويتها بالتغيير، ويبدو ذلك أجلى ما يكون في المجتمع الفرنسي حيث نسبة المسلمين أعلى والقرب من عالم الإسلام أشد، ودور الدولة -حسب الإرث الثقافي والسياسي الفرنسي- أكبر في تخليق ورعاية وحراسة الهوية العامة.

ولكن تقديرنا بل يقيننا أن الإسلام هنا ليبقى، وأن هذه المجتمعات في طريقها إلى الإسلام، لأنها تجد فيه ما يجدد فيها المعنى وقوة الحياة والتماسك الاجتماعي الذي يتآكل بقيادة الفكرة العلمانية بسرعة مذهلة دافعة بقوة هذه المجتمعات إلى الانتحار الجماعي، والمهاجرون الملونون المتعددون هم قوة التجديد للحياة وللمعنى، في اتجاه غرب ملون متعدد يمثل الإسلام قوة أساسية فيه، وتلك مصلحة مشتركة للطرفين للغرب وللإسلام الذي تتاح له هنا بيئة حضارية للنمو والتجدد والتهيؤ للقيادة العالمية في مناخات حرة نظيفة خلاقة.

- بخصوص آثار 11 سبتمبر بالذات وبزوغ تنظيم القاعدة وكل العمليات التي شنها فيما بعد في الغرب والعالم الإسلامي، يعتقد العديد من الخبراء أننا إزاء مرحلة أفول القاعدة ونهايتها فهل تشاطرهم نفس التوجه؟

  • غالبا ما تكون الأسباب المسئولة عن ولادة ظاهرة هي الكفيلة باستمرارها وحتى تفاقمها، بما لا سبيل معه لإضعافها أو إنهائها إلا بقدر المواجهة السليمة لتلك الأسباب، فالحديث عن مصير هذه الظاهرة تفاقما أو فناء ينبغي ألا يكون بعيدا عن أسباب ولادتها وانتشارها واستمرارها.

واضح أن هذه الظاهرة كل المؤشرات دالة على أنها لا تزال في حالة تمدد، رغم أنها تبحث عن المناطق الرخوة مثل القرن الإفريقي ومنطقة الصحراء ذات الامتداد الواسع والمحاطة بأنظمة رخوة ضعيفة.

كما أن تقديرنا أن ظاهرة القاعدة جزء من ظاهرة العولمة، ولك أن تقول هي جزء من صحوة الإسلام، نقلت العنف باسم الإسلام، من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي، شأن الكثير من ظواهر العصر الإيجابي والسلبي، تبعا لعولمة الإعلام والاقتصاد والثقافة، هي جزء من صحوة الإسلام التي تستهدف -بوسائل خاطئة- استعادة عزة الأمة ومكانة الإسلام التي مرّغتها الهيمنة الغربية في الرغام، من خلال بذل الدعم غير المجذوذ لأسوأ أنظمة القمع والفساد في عالم الإسلام، وللمشروع الصهيوني الذي استباح قلب الآمة ومقدساتها، واجدًا أعظم الحماية والدعم من دول الغرب.

ولما تمكنت الدول العربية المدعومة غربيا من فرض حصار كامل على العنف، وجد هذا متنفسا في أفغانستان، حيث دعم الغرب وحلفاؤه في المنطقة حركة المجاهدين واجدا مصلحة إستراتيجية في فتح أفغانستان قاعدة ،حيث تتشكلت قاعدة للجهاد العالمي، إلا أنه ما إن قضى منها وطره حتى عمل على تدميرها، وكانت الأجواء مناسبة في بلاد إسلامية أخرى لتوفير بيئة أخرى لمواصلة تطوير الخبرات الجهادية في البوسنة وفي الجزائر بعد انقلاب العسكر على تجربة إسلامية مدنية فازت في انتخابات حرة.

وكان الاستهداف الفربي للاسلام ضمن حاجته لعدو بعد سقوط السوفيات فكان ترشيح الإسلام عدوا بعد استخدامه في الحرب الباردة، فاشتد الحصار على الإسلاميين في كل رقعة في عالم الإسلام وبخاصة في مناطق القلب، ما صعّد مشاعر الغضب والانتقام ضد حليف الأمس المنقلب عليهم، فكانت إستراتيجية "الجبهة العالمية للجهاد ضد اليهود والنصارى "القاعدة" التي أخذت تستهدف مصالح غربية على المستوى العالمي وتوجت بضربة 11/9.

وبدل أن يراجع الغرب سياساته العدوانية على الإسلام وعالمه فيكفّ عن دعم الأنظمة الفاسدة والعدوان الصهيوني على مقدسات المسلمين، ويقبل التعامل مع خيارات الشعوب الإسلامية، أسلم قيادته لعصابة المحافظين الجدد المسيحيين والصهاينة المحافظين.

وبدل أن يكتفي بالأساليب الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية في مواجهة جماعات القاعدة أعلن بتأثير تلك العصابة "الصهيو-محافظة" حربا عالمية على عالم الإسلام، مدشنا حملته الصليبية كما دعاها بوش بغزو أفغانستان، زاجين بالبلد في أتون حرب أهلية وفي تصادم مباشر مع أوسع قطاعات الشعب الأفغاني، وما تلبّثوا بها طويلا حتى اختلقوا وزوروا مسوغات لشن حرب على قطر آخر في قلب المنطقة هو العراق الذي كان محكوما بنظام علماني لا صلة له بالإسلاميين، أطاحوا به في أيام فاتحين الطريق فسيحا أمام تمدد قاعدة الجهاد في قلب المنطقة.

فعلوا شبيها بذلك في القرن الإفريقي إذ فرضوا الحصار على السودان وحاصروا نظام المحاكم في الصومال الذي توصل بعد عشرات السنين من التحارب الأهلي إلى تحقيق الاستقرار، فعمدوا ضمن الحرب بالوكالة إلى دفع إثيوبيا إلى الإطاحة بنظام المحاكم فاتحين المجال أمام تمدد القاعدة في هذه المنطقة الرخوة.

الخلاصة إن القاعدة هي ثمرة لسياسات غربية ممعنة في توجيه الإهانات للإسلام وللمسلمين، وتبنّي الدفاع والحماية للسياسات الإسرائيلية والارتهان لها مهما بلغت من الحماقة والعدوان.

تقديرنا أنه ما استمرت هذه السياسات الغربية تجاه إسرائيل وتجاه الحكومات الفاسدة فستظل المناخات ملائمة لاستمرار بل لتفاقم خطر القاعدة، وقد تسقط حكومات أخرى في المناطق الرخوة مثل الصومال واليمن وإفغانستان والسودان.. وفي آسيا الوسطى..

القاعدة تيار غاضب يشبه تيارات أقصى اليسار الراديكالية زمن صعود التيارات الشيوعية؛

بفارق أن الديمقراطيات الغربية واجهتها بالانفتاح عليها وتجفيف ينابيعها الاجتماعية الغضبية فاستوعبت أجنحتها المعتدلة وهمشت البقية، بينما لا يفعل شيء من ذلك في معالجة أقصى اليسار الإسلامي "القاعدة".

إن مثل هذه التيارات تملك قدرات عقائدية عالية جدا للبذل والفداء، هي عنصر قوة جذب واستقطاب للانضمام إليها في أمة مهانة وتعمرها صحوة غاضبة؛ لذا لم يكن من الصدفة أن ينتمي زعيما القاعدة إلى أهم بلدين في المنطقة مصر ، و السعودية كان مفترضا فيهما التصدي لمهانات الاحتلال التي تتعرض لهما الأمة.

إن القاعدة ستستمر ما استمرت أوضاع المهانة التي تعيشها الأمة، وتردد حركات الاعتدال السياسي في الإقدام على إنجاز مهام التغيير ودفع أثمانه؛ أما قدرتها على البناء فهي في حدود الصفر، بما يذكّر بالخوارج في تاريخ الإسلام إثر صدمة سقوط نموذج الخلافة الراشدة وقيام الملك العضوض نقيضا له، أرهقوا الدولة الأموية وأرهقتهم، ما مهد السبيل للبديل العباسي الوفاقي.

وهكذا أسهمت -وستستمر- القاعدة في استنزاف الولايات المتحدة وتستمر هذه في إرهاقها والقضاء على نزوعها الإمبراطوري، بما يفسح المجال أمام ظهور عالم جديد ببدائل حضارية أخرى سيكون للإسلام ولعقلاء الغرب ، للقوى الجديدة المناهضة للعولمة المتوحشة، دور فيها ولا شك.

مشكلة الغربيين مع الإسلام أنه بقدر ما يتراجع عندهم عالم المعاني الدافعة إلى بذل الروح ، بقدر ما تعمل صحوة الإسلام المتصاعدة على توسيع نطاق المنضوين في صفوف الباذلين أرواحهم سخية، ومهما تطورت الآلة يبقى الإنسان سيدها لاسيما أن العولمة قد أتاحت فيضا واسعا من المعارف أمام طالبيها. - بعد أحداث سبتمبر بالذات اتبعت العديد من الحركات الإسلامية المعتدلة تكتيك المشاركة في الحكم ( اليمن و الجزائر ..) وكنتم حذرتم أكثر من مرة من خطر تحمل الحركات الإسلامية لمسئوليات الحكم لوحدها، هل مازلتم توصون بنفس هذا المنهج أم تغيرت نظرتكم إلى الأمر؟

  • على كل حال، ليس من بين الحركات الإسلامية في المنطقة من ترشح نفسها في الأفق المنظور لاستلام السلطة منفردة، لاسيما أن التجارب الحاصلة ليست مشجعة، التجربة السودانية مثلا انتهت إلى أن تمزقت داخليا وتمزق البلد من حولها.

أما خيار المشاركة سبيلا للتغيير فقد انتهى هو الآخر إلى مأزق لا يقل عن الأول، إذ بدا واضحا أن هذه "المشاركة" لم تكن حقيقية، إذ لم تمكّن "المشاركين" من إسلاميين وغيرهم من حصة من السلطة والقرار، فلقد ظل القرار في النظام العربي -عدا حالات قليلة واستثنائية في حالة لبنان مثلا- حكرا على الحزب الحاكم، بل على الرئيس أو الملك ومن حوله.المقصود القرارات الصغيرة.أما الكبيرة فترد جاهزة من الخارج.

وقد أفضى احتكار القرار بهذه المشاركة إلى مأزق، باعتبارها ليست جزءًا من مشروع التغيير بل جزء من إضفاء الشرعية الانتخابية الديمقراطية على أنظمة فردية سلطوية فاسدة، تنفرد بوضع قانون اللعبة وتشرف على إدارتها، فتحدد المشاركين فيها، وحصة كل واحد منهم، بما يضمن غالبية مريحة جدا لصاحب السلطة في كل المجالس ليقرر ما شاء.

بما انتهى بهذه المشاركة غالبا إلى إضفاء الشرعية على الفساد وعلى التفريط في ما تبقى من "استقلال" البلاد، وهذا ما دفع ببعض الإسلاميين وهم إخوان الأردن إلى تبني قرار مقاطعة الانتخابات القادمة بعد أن رفضت السلطة الاستجابة لطلبات المعارضة منعا لتكرار فضيحة التزوير المكشوف الذي عرفته الانتخابات الماضية.

وإخوان مصر حصل بينهم جدل واسع حول مشاركتهم سواء داخلهم أم مع حلفائهم في الجمعية الوطنية للتغيير التي دعت للمقاطعة، وذلك بعد أن رفضت السلطة الاستجابة لمطالبهم، التي نزل الإخوان بثقلهم في الساحة لتجميع مئات الآلاف من التواقيع عليها.

وكان متوقعا أن تجتمع قوى المعارضة وبخاصة المنضوية تحت الجمعية الوطنية للتغيير على موقف المقاطعة كجزء من خطة حشد القوى الوطنية حول مطلب التغيير، إلا أن الإخوان مع ذلك قرروا المشاركة، دون أن يحصلوا على أي ضمانات بنزاهتها، تقديرا منهم أن الحضور أولى من الغياب.

الخلاصة أن هناك مأزقا تعيشه قوى المعارضة التي عوّلت على المشاركة سبيلا للتغيير بعد أن أقفلت الأنظمة الحاكمة الأبواب، بما جعل سبيل صناديق الاقتراع ليس سبيلا لتداول السلطة بقدر ما هو سبيل لتأبيدها بل حتى لتوريثها.

الأمر الذي يرشح معظم دول المنطقة للانفجارات الاجتماعية بفعل تراكم الغضب والمقت، وهو ما حمل مفكرين كبارا من وزن المستشار طارق البشري على دعوة الشعوب إلى العصيان المدني سبيلا للتغيير، وهو السبيل الذي أطاح بعشرات الأنظمة في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وإفريقيا بقيادة جبهات معارضة، تحمل مشروعا مشتركا للتغيير يتقوّم بإرساء نظام ديمقراطي يوفر حقوقا وحريات للجميع.

إن ما يؤخر حركة التغيير في المنطقة ليس تكلّس الأنظمة القائمة بل ذلك عامل مساعد، وإنما تردد قوى المعارضة في الإقدام على تجميع صفوفها والرهان على حركة الشارع وقيادتها؛ بدل انتظار عطايا ومكرمات سلطة منتهية الصلاحية. - بخصوص علاقة الإسلاميين بالسلطة مدحتم أكثر من مرة التجربة التركية مع حزب "العدالة والتنمية" الحاكم؛ مع أن بعض المراقبين يعتقدون أن هذا الحزب ما كان له أن يستمر في الحكم لولا التنازلات التي قام بها من أجل التوافق مع النظام العلماني التركي, برأيك هل التجربة التركية جديرة بالاتباع بالنسبة للتيار الإسلامي العريض؟

  • التجربة التركية هي من وجه ثمرة لمجتمع تركي توفرت إدارته السياسية على قدر من الديمقراطية مكنها من أن تستوعب كل التكوينات السياسية والثقافية للمجتمع التركي، صحيح أن الديمقراطية هنا نسبية (شراكة بين المدنيين والعسكريين)، ولكن لا يلغي ذلك ديمقراطيتها، ولا يجعله مبررا لخلطها بنموذج النظام العربي الشمولي السلطوي، ولذلك أمكن للإسلاميين وغيرهم أن يظفروا بمكان في هذا النظام.

صحيح أن العسكر انقلبوا أكثر من مرة على الديمقراطية وأوصدوا باب أكثر من حزب للإسلاميين ولكن هؤلاء يعودون رافعين على نفس المبنى لافتة أخرى، ويكفي دليلا على ذلك أن الإسلاميين وهم الفئة المنظور إليها بعين الحذر والريبة والعداء من قبل العسكر حماة العلمانية أنهم ولدوا في رحم هذه الدولة ونموا في ظلها، وتمكنوا من مشاركات في السلطة انتهت بتمكنهم شبه الكامل من إدارتها منفردين.

النظام العربي بوجه عام لا ينتمي إلى عالم النظم الديمقراطية الحديثة بل إلى عالم النظم الشمولية الفاشستية، ولك أن تقول إلى عالم ما قبل الحداثة، بما يجعل التعامل وفق آليات النظام الديمقراطي مثل المعارضة والانتخابات وضعا للشيء في غير موضعه ومضيعة للوقت وخداعا للنفس وللناس.

فما ينبغي إذن إخراج التجربة التركية عن سياقها وتصور إمكان تعميمها..

هي تجربة ناجحة جدا في سياقها أولا بسبب ما يتوفر عليه النظام من آليات ديمقراطية تسمح بتطويره من داخله لا يتوفر عليها النظام العربي من مثل الانتخابات التعددية النزيهة فما تحدث أحد في الانتخابات التركية على مدى نصف قرن عن تزوير.

وثانيا بسبب ما توفرت عليه النخبة الإسلامية التركية من تراكم لتجاربها على مدى نصف قرن من الممارسة السياسية الحديثة، ما مكّنها من حسن توظيف صحوة الإسلام ضمن إستراتيجية نهوض شاملة تتصالح بها تركيا مع هويتها وتستعيد أرصدة علائقها مع امتداداتها الإثنية والثقافية، وتوسع بها مجالات الحريات الفردية والجماعية وتنمي بها اقتصاد البلاد والخدمات العامة، بما جعل المشروع الإسلامي قرينا لكل هذه الأبعاد، مقابل ما اقترن به المشروع العلماني من حرص على فرض وصايته على الأحزاب وعلى القضاء وعلى الثقافة أو تدخله في حريات الناس وخصوصياتهم (منع الحجاب).

المفارقة أن المشروع العلماني التركي في منزعه الوصائي القمعي على الناس يذكّر ببعض المشاريع الإسلامية في معظم البلاد الإسلامية التي تتزاحم في خطاباتها الممنوعات، حتى أنه نقل عن أحد قادة المشرع الإسلامي صبيحة نجاح حزبه في الانتخابات التشريعية وحتى قبل أن تعلن النتائج النهائية مبشرا ومنذرا: "إن كل شيء في حياة الناس سيتغير الملابس والمآكل والمشارب والفنون والتشريعات".. بما أرعب النخب وزادها اندفاعا للاستغاثة بالعسكر والارتماء في أحضانهم.

المشروع الإسلامي في أكثر هذه التجارب يتلخص في سلسلة من الممنوعات والتضييقات على الحريات، في ذهول عن أن المشروع الإسلامي في جوهره ثورة تحررية شاملة وبسط لعدل الله في الأرض، وأن الأولوية للباطن للنيات قبل الظاهر والأشكال والأولوية لتلبية حاجيات الناس الأساسية قبل مطالبتهم بالجزئيات، الأولوية للترغيب لا للترهيب.

المشروع التركي هو ذكي، إذ يدعو الناس إلى الإسلام بالموقف لا بالشعار قبل الزجر والتخويف. وليس يعني ذلك أنه للتصدير؛ فللمكان عبقريته وخصوصياته، ولا يعني كذلك أنه مبرأ من العيوب ومحصّن من الأخطار والانحرافات؛ فالسلطة بطبيعتها مفسدة، والدنيا ليست لطلب الكمال، {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ونرجو من الله لإخواننا السداد. - طيب.. في خصوص تجارب الحركات الإسلامية ومع تجربة حركتكم بالذات نجد أن جماهير الحركات الإسلامية تعتبرك "أحد أبرز المنظرين لفكر إسلامي معتدل ومتعايش مع الآخر"؛

في حين أن المفارقة التاريخية تقول إن حركة "النهضة" الإسلامية التونسية التي تترأسها ظلت على امتداد حوالي ثلاثين سنة مطاردة وغير مقبولة في تونس، فما هي خفايا هذه المفارقة التاريخية؟

  • هذا سؤال آخر مهم لأنه يضع اليد على هذه المفارقة العجيبة التي لفتت نظر كثير من المتابعين للحياة التونسية، وهي لم تفت رجلا كبيرا من رجال الحركة الوطنية التونسية الذي كان المفاوض الرئيسي على استقلال البلاد وهو السيد محمد المصمودي.

حيث نقل لي ما معناه أنه ذكر في حديث له مع رئيس الدولة الحالي يحاول إقناعه بمصالحة "النهضة" أنه في بلد يؤمه ملايين السواح والسياحة عمدة اقتصاده لا يمكن عزو ما تتمتع به البلاد من استقرار إلى عبقرية رجال الأمن، بقدر ما هو راجع إلى تعقّل جماعة النهضة، وضبطهم لشبابهم؛ فلم يتورطوا ولا ورطوا البلاد في العنف كما حصل في بلاد أخرى، تمّ فيها حرمان الإسلاميين من نصابهم الانتخابي فامتشقوا السلاح.

بينما هنا تم إقصاء الإسلاميين عن حقهم بالقوة الغاشمة إثر انتخابات 1989 التي حققوا فيها فوزا باهرا فما كان جزاؤهم غير شن حملات استئصال ضدهم شملت حوالي ثلاثين ألفا منهم، وتطبيق خطة تجفيف لينابيع دينهم.

وكان يمكن أن تندفع الحركة انتصارا لمظلوميتها وما سلط عليها من حملات تسجين وتعذيب وتنكيل إلى التحريض على الانتقام والعنف، لولا أن الله سلّم، وتم التواصي بالصبر والمصابرة والاحتساب.

فما الذي كان يبرر للسلطة أن تنتهج هذه السياسة سياسة الاستئصال وتجفيف الينابيع؟

هذا سؤال من الناحية الشكلية هي الأولى بالإجابة عنه، إلا أنها لم تفتأ تكرر آسطوانة مشروخة لم تعد تقنع أحدا من أنها فعلت ما فعلت دفاعا عن مكاسب الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان في مواجهة حركة ظلامية رجعية إرهابية.

بينما تكفي مطالعة سريعة لما نشرته المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية ولا تزال تنشره من تقارير بما فيها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من تحمل إدانات صريحة لملف السلطة الحقوقي وهو ملطخ بالدماء والتعذيب حتى الموت وتزييف الانتخابات وقمع الصحافة وملاحقة جمعيات حقوق الانسان، فضلا عن تواتر فضائح النهب للمال العام الذي تتورط فيه أوساط قريبة من الحكم، يكفي ذلك للوقوف على جلية الحداثة المزيفة التي يتستر بها نظام قمعي بوليسي، لا يمت إلى بصلة إلى النظم الديمقراطية والحقوقية الحديثة.

ومقابل ذلك فشل النظام فشلا ذريعا في إقناع أهم أحزاب المعارضة في البلاد بدعاواه هذه فما مضى غير عقد من المواجهة حتى أخذت قوى المعارضة تتحدى الحظر الذي فرضته السلطة على النهضة فتواصلت أسباب اللقاء وأفضت إلى تأسيس تكتل واسع لأهم أحزاب المعارضة مع النهضة على أساس الدفاع المشتركة عن الحريات الديمقراطية في مواجهة السلطة.

الخلاصة:

إن الإقصاء الذي فرضته السلطة على النهضة ليس عائدا إلى انغلاق النهضة وتحجرها كما يزعمون بقدر ما هو عائد إلى الضد من ذلك، إلى اعتدالها وانفتاحها واتساع متلقيّ خطابها..ذلك ما منه تحذر

هذه السلطة التي تحكمت في الدولة التونسية منذ "الاستقلال" لم تقبل فعلا مبدأ الاحتكام إلى الشعب واحترام حقوقه وحرياته وإنما نصبت نفسها، ممثلة في زعيمها وحزبها، وصيا فوقيا أبدياعليه، في ضرب من ضروب التأله والفرعنة "ما أريكم إلا ما أرى"، "أنا ربكم الأعلى".

وحتى لمّا اضطرت هذه السلطة المتسلطة إلى الاعتراف الشكلي بتعدد الأحزاب تمسكت بحقها المطلق في التحكم المطلق في قانون اللعبة، تعترف بمن تشاء ممن تقدّر أنهم لا يمثلون منافسا حقيقيا وتقصي المنافسين المحتملين، ولا يزال الأمر كذلك بل تفاقم التعويل على أجهزة الأمن بقدر تهلهل شرعية الحكم.

وهكذا لا تزال السلطة وحتى بعد أن أفضى إقصاء النهضة إلى ولادة تيارات متشددة وبعضها عنيف في غياب النهضة، ظلت حتى الآن ترفض مراجعة سياساتها ورفع قبضتها عن المجتمع ليصلح من أحواله عبر الإفادة من المكونات التي أنتجها ومنها النهضة، وهكذا في الوقت الذي أفادت كثير من البلاد والحركات وتفيد من فكر "النهضة" ، فكر إسلامي معاصر يستوعب في إطار الاسلام كسب الحداثة ويتجاوز مطباتها ، ظلت السلطة تكرر مشروخات خطابها الخشبي رافضة المراجعة؛ بينما النهضة لم تتردد في مراجعة سياساتها أكثر من مرة وحمّلت نفسها نصيبها من المسئولية.

على كل حال سنن الله لا تحابي أحدا وحبل الكذب قصير والنهضة عائدة والمستقبل للإسلام "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله".

المصدر

للمزيد عن الإخوان في تونس

روابط داخلية

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

.

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

أهم أعلام الإخوان في تونس

وصلات فيديو

.

تابع وصلات فيديو