الشيخ فيصل مولوي : هذا هو الحكم الشرعي في تطليق القاضي غير المسلم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
مراجعة ١٥:٠٩، ٨ يونيو ٢٠١١ بواسطة Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الشيخ فيصل مولوي : هذا هو الحكم الشرعي في تطليق القاضي غير المسلم


الشيخ فيصل المواوى.jpg

يقول الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قبل الجواب على هذا السؤال أجد من المفيد أن أشرح مسألتين اثنتين:

الأولى: أنّ كلّ دولة في العالم اليوم تطبّق قوانينها على مواطنيها، وعلى المقيمين على أرضها، في جميع المسائل المدنية وفي العقوبات. وهكذا كان الأمر في ظلّ الدولة الإسلامية على اختلاف عهودها حتّى الدولة العثمانية. هذا هو العرف العام في التعامل القانوني بين الدول.

الثانية: أنّ قوانين الأحوال الشخصية تعتبر في أكثر دول العالم المعاصر كسائر القوانين من حيث إلزاميّتها لجميع المواطنين. وبالتالي فإنّ كلّ دولة تطبّق قوانين أحوالها الشخصية على أرضها الوطنية، بغضّ النظر عن ديانة هؤلاء المواطنين.

أمّا المقيمون، وفي مجال الأحوال الشخصية فقط فإنّهم يخضعون أحياناً لقوانين الأحوال الشخصية في البلاد التي يقيمون فيها.

وأحياناً لقوانين الأحوال الشخصية العائدة لبلادهم.

وهذا الموضوع يعتبر اليوم ساحة هامّة لتنازع القوانين بين الدول.

وفي هذا المجال فإنّ المسلم المقيم مثلاً في أوروبة يمكن أن يخضع لقانون البلد الذي يقيم فيه، ويمكن أن يخضع لقانونه الشخصي في بلده الأصلي، إذا كان قانون البلد الذي يقيم فيه يسمح بذلك، وقد يكون قانون بلده الأصلي منسجماً مع الأحكام الشرعية أو معارضاً لها.

فالقوانين الأوروبية عندما يسمح بعضها بتطبيق القانون الشخصي للمقيم على أرضها، إنّما تعني القانون المعمول به اليوم في الدولة التي يحمل جنسيّتها، سواء كان موافقاً أو مخالفاً لأحكام الشريعة الإسلامية. وبالتالي فإنّ السؤال المطروح على المسلمين في أوروبة عن حكم تطليق القاضي غير المسلم، يمكن أن يطرح في بعض بلاد المسلمين ولو بنسبة أقلّ بكثير، وبشكل آخر فيقال: ما حكم تطليق القاضي المسلم وفقاً لقانون يخالف الشريعة الإسلامية؟ علماً بأنّه يمكن أن يوجد في بعض بلادنا الإسلامية قاض غير مسلم وهو يطلّق وفق القانون السائد المخالف للأحكام الشرعية فهذا يشبه تماماً القاضي غير المسلم الذي يطلّق في أوروبة وفق القوانين الأوروبية. كما أنّه يمكن أن يوجد في البلاد الأوروبية قاض مسلم يطبّق القوانين الأوروبية ويطلّق وفق أحكامها.

لقد ذكرنا هذه الاحتمالات للتنبيه إلى أهمّية السؤال المطروح، وامتداد هذه المشكلة إلى بعض بلاد المسلمين. لكنّنا سنحصر هذا البحث في حكم تطليق القاضي وفق القوانين الأوروبية، باعتبار أنّ كونه مسلماً أو غير مسلم ليس له تأثير في هذا الحكم.

الحالات المتنوّعة في هذا السؤال:

الحالة الأولى: أن يكون الزوجان من رعايا دولة إسلامية، وقد تمّ عقد زواجهما في دولة إسلامية، ولا يؤثّر في ذلك أن تكون الزوجة كتابية، وهما يقيمان في إحدى الدول الأوروبية، ووقع بينهما خلاف يمكن أن يؤدّي إلى الطلاق.

في هذه الحالة:

1. يجب على الزوجين أن يرفعا خلافهما إلى محكمة البلد الذي جرى عقد زواجهما فيه. لأنّه من الناحية الشرعية فإنّ قوانين بلادنا الإسلامية في نطاق الأحوال الشخصية تبقى في عمومها مستوحاة من الأحكام الشرعية وإن وقعت في بعضها مخالفات، لكنّها تظلّ أقرب إلى الشريعة بما لا يقاس من قوانين البلاد الأوروبية. ومن حيث منطق القانون الدولي الخاص فإنّ القانون الذي تأسّس عليه الزواج ينبغي أن يكون هو القانون الذي ينظر في مفاعيل الزواج وانحلاله. و

من حيث العدالة التشريعية فإنّ كلّ قانون من قوانين الزواج يعتبر وحدة متكاملة، وعندما يؤسس الزوجان حياتهما الزوجية وفق قانون معيّن فهما يعلمان – أو هكذا يفترض – كلّ الحقوق والواجبات التي تنتج لهما عن هذا القانون، وقد وقع تراضيهما على الزواج بناءً على ذلك، فليس من العدالة أن يطبّق عليهما قانون آخر لم يرتضياه عند إجراء عقد الزواج.

2. إذا رفع الزوجان أو أحدهما خلافهما إلى محكمة البلد الذي يقيمان فيه لأنّ ذلك أيسر عليهما، أو لأنّ قانون هذا البلد يعطي أحدهما امتيازاً لا يجده في قانون بلده، فقد وقع الخطأ الأول.

ويتحمّل إثمه الشرعي من بادر إليه. وهنا نقول: -

قد يكون قانون البلد يفرض على محاكمها أو يجيز لها الرجوع في مثل هذا الخلاف إلى القانون الذي أنشأ الزواج، ففي هذه الحالة يجب على الزوجين أن يطالبا المحكمة بتطبيق أحكام القانون الذي تزوّجا بموجبه، وإن لم يفعلا ذلك وقع الخطأ الثاني، ويتحمّل مسؤوليته الشرعية من لم يطلب ذلك من المحكمة.

- أمّا إذا كان قانون البلد يفرض على محاكمها تطبيق أحكامه، ويمنعها من تطبيق أيّ قانون آخر، فسنكون أمام حكم قضائي صادر عن قضاء دولة غير إسلامية يخصّ أشخاصاً مسلمين. هذا الحكم القضائي ملزم من الناحية الواقعية والقانونية شئنا أم أبينا، لكنّ الطرف الذي طالب به يكون آثماً من الناحية الشرعية إذا كان الحكم القضائي يخالف الأحكام الشرعية للقضية.

أمّا الطرف الثاني فهو مضطرّ للقبول به بسبب إقامته في أوروبة، وهذه الضرورة تعتبر عذراً شرعياً له إذا كانت إقامته الأصلية مشروعة.

ويجب على الطرفين حتّى بعد صدور الحكم القضائي – إذا أرادا التوبة – أن يتفقا على التحكيم بمقتضى الأحكام الشرعية.

الحالة الثانية: أن يكون أحد الزوجين من رعايا دولة إسلامية وهو مقيم في دولة أوروبية ولم يحصل على جنسيّتها بعد، ويكون الزوج الآخر من رعايا دولة أوروبية.

- فإذا كان عقد الزواج قد تمّ وفق قانون الدولة المسلمة، وجب أن يرفع الخلاف إلى محاكم هذه الدولة، وإذا رفع إلى محاكم الدولة الأوروبية يجب مطالبتها بتطبيق أحكام القانون الذي بني الزواج عليه، ولو كان الغالب في هذه الحالة أن تطبّق المحاكم الأوروبية قوانينها الخاصّة باعتبار أحد الزوجين من جنسيّتها، وهي تفترض أنّ قوانينها تحمي حقوقه، فنكون أمام حكم قضائي صادر عن دولة غير إسلامية ويلزم مسلماً، وهو الموضوع الذي أشرنا إليه في البند الثاني من الحالة الأولى وهو موضوع هذا السؤال.

- أمّا إذا كان عقد الزواج قد تمّ وفق قانون الدولة الأوروبية، والخلاف بين الزوجين حصل في أرضها، فلا بدّ أن تحكم فيه محاكمها وفق قوانينها، فنكون أيضاً أمام حكم قضائي أوروبي يتناول إنساناً مسلماً.

الحالة الثالثة: أن يكون الزوجان مسلمين من جنسية دولة أوروبية، فلا بدّ أن يعقدا زواجهما وفق قانون هذه الدولة حتّى يصبح رسمياً معترفاً به، وإذا وقع الخلاف بينهما فلا بدّ أن يرجعا إلى محاكم هذه الدولة لتطبّق عليهما قانونها.

ومن الطبيعي أن تصدر أحكامها بما يخالف الأحكام الشرعية في كثير من الأحوال.

فما هو الحكم الشرعي في مثل هذه الأحكام القضائية الأوروبية في الحالات الثلاثة المذكورة آنفاً؟ نصائح للمسلمين والمسلمات في أوروبة: بناءً على هذا الواقع نقدّم لإخواننا المسلمين وأخواتنا المسلمات النصائح التالية: أولاً: يجب على المسلم والمسلمة أن يعقدا زواجهما وفق الأحكام الشرعية ما أمكن ذلك.

لأنّه وإن كان عقد الزواج وفق القوانين الأوروبية يعتبر جائزاً من حيث أنّه عقد، إذا جرى ضمن الضوابط الشرعية، إلاّ أنّ الزوجين بعد ذلك يخضعان إلى هذه القوانين في كلّ ما يتعلّق بمفاعيل الزواج ومنها الطلاق والإرث، ولا يجوز للمسلم أن يتحاكم إلى غير شرع الله برضاه.

وبناءً على ذلك نقول: إنّه من واجب المسلم غير الأوروبي أن يعقد زواجه في دولته طالما كان ذلك ممكناً، وإذا كان قانون دولته مستمدّاً من الأحكام الشرعية ولو كانت فيه بعض المخالفات.

قال تعالى:(ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً) [سورة النساء الآية 60].

ذكر الحافظ بن كثير وغيره أنّ الآية نزلت في خصومة وقعت بين يهودي ورجل من الأنصار منافق يزعم الإيمان، فقال له اليهودي: تعال نتحاكم إلى محمد. فقال له المنافق: لا بل تعال نتحاكم إلى كعب بن الأشرف الذي سمّاه الله بالطاغوت. [أنظر صفوة التفاسير 1/285].

ورغم ذلك فإنّه إذا عقد المسلم غير الأوروبي زواجه أمام السلطات الأوروبية المدنية، وأصبح هذا الزواج خاضعاً لتلك القوانين غير الشرعية، فإنّنا نفترض أنّه لم يفعل ذلك بدافع النفاق، وإنّما فعله لضرورة أو لعذر.

ولذلك نجد من الواجب أن نبيّن له الحكم الشرعي فيما يجري بعد الزواج من خلافات ربّما تؤدّي إلى طلاق وفق هذه القوانين الأوروبية. ثانياً: أمّا المسلم والمسلمة من أصحاب الجنسية الأوروبية سواء كانوا من أهل البلاد الأصليين فأسلموا، أو من المسلمين الذين تجنّسوا بجنسية أوروبية، فليس أمامهم أن يعقدوا زواجهم إلاّ مدنياً حسب قوانين بلادهم.

(قد يجري عقد زواج شرعي بعد العقد المدني أو قبله، لكنّ هذا العقد الشرعي ليس له أيّ مفعول أمام القضاء الأوروبي بالنسبة لمفاعيل الزواج، وإن كان يعطي الزوجين اطمئناناً أكثر إلى مشروعية المعاشرة الزوجية).

وبالتالي فهم ملزمون بالخضوع لهذه القوانين في كلّ ما يتعلّق بأحوالهم الشخصية ومنها الطلاق.

وأحبّ أن أشير هنا إلى أنّه عندما يتزوّج مسلم ومسلمة وفق القوانين الأوروبية، وهما ملزمان بذلك لأنّهما من جنسية أوروبية فلا إثم عليهما إن شاء الله، لأنّه لا يمكن أن يطلب منهما عدم الزواج.

يقول الإمام الجويني: (فأمّا القول في المناكحات، فإنّا نعلم أنّه لا بدّ منها كما أنّه لا بدّ من الأقوات. فإنّ بها بقاء النوع كما بالأقوات بقاء النفوس .. وإذا أشكل في الزمان الشرائط المرعية في النكاح، ولم يأمن كلّ من يحاول نكاحاً أنه مخلّ بشرط معتبر في تفاصيل الشريعة، فلا تحرم المناكح، فإنّا لو حرّمناها لحسمناها، ولو قلنا ذلك لسبّبنا إلى قطع النسل وإفناء النوع، ثمّ لا تعفّ النفوس عموماً فتسترسل في السفاح إذا صُدّت عن النكاح) وإن كانا غير ملزمين بذلك لأنّهما لا يحملان الجنسية بل هما مقيمان هناك ويتمتّعان بجنسية دولة إسلامية، فقد يلحقهما إثم من الإقدام على عقد الزواج وفق قانون أوروبي، وقد يرفع عنهما الإثم إذا وجدت ضرورة أو حاجة دفعتهما لذلك. وفي الحالتين نكون أمام واقعة جديدة وهي:

ثالثاً: عندما يعقد زوجان مسلمان زواجهما وفق قانون أوروبي، يجب عليهما أن يتفقا على إخضاع مفاعيل هذا الزواج للأحكام الشرعية ما أمكنهما ذلك.

ومن الواجب أن يكون مثل هذا الاتفاق رسمياً إذا سمح القانون بذلك، وإلاّ يكفي أن يكون خطياً. في هذه الحالة، وحين يقع خلاف بينهما يختاران حكَماً من العلماء أو من المسلمين القادرين على القيام بهذه المهمّة، وهذا الحكَم يحاول الإصلاح ما أمكن، فإن تعذّر عليه ذلك حكم بالتفريق بينهما شرعاً، ويصبح تنفيذ هذا الحكم الشرعي وفق الإجراءات القضائية للقوانين الأوروبية أمراً مشروعاً، وهو السبيل الوحيد لتنفيذ الحكم الشرعي إذا أراده الطرفان.

وأعتقد أنّه لا توجد أيّة إشكالية من الناحية الشرعية ولا من ناحية القوانين الأوروبية في هذه الحالة.

رابعاً: إذا لم يتفق الزوجان على إخضاع مفاعيل زواجهما الأوروبي للأحكام الشرعية. أو إذا اتفقا ثمّ نقض أحدهما الاتفاق وادّعى أمام المحاكم الأوروبية طالباً الطلاق. فالزوج الآخر ملزم بالمثول أمام هذه المحاكم للمطالبة بحقوقه التي يكفلها له القانون، فإذا أثم الزوج الأول بطلبه التحاكم إلى القضاء الأوروبي، فإن الزوج الثاني لا يأثم لأنّه مضطرّ إلى ذلك بحكم العقد أو الجنسية أو الإقامة. الموقف الشرعي من حكم قضائي بالطلاق صادر عن مرجع أوروبي غير إسلامي: الكلام فيما إذا كان الحكم القضائي متعلّقاً بالطلاق.

والذي أراه والله أعلم، أنّ هذا الحكم ملزم للطرفين شرعاً كما هو ملزم لهما قانوناً وذلك للأدلّة التالية: أ‌. أنّ عقد الزواج الذي تمّ بين الطرفين، إذا كان مستكملاً شروطه الشرعية الأساسية، فهو ملزم للزوجين، والله تعالى يقول: ( يا أيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) [سورة المائدة، الآية 1].

ومقتضى العقد أن يخضع الطرفان لحكم القاضي في التطليق، فإذا رفض أحدهما فقد غدر بصاحبه، وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يرفع لكلّ غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان) [رواه الشيخان].

ب‌. أنّ أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية تجعل الطلاق أساساً بيد الرجل، لكنّها تجيز له أن يتنازل عن هذا الحق، ويفوّض زوجته أو غيرها بالطلاق.

هذا رأي جمهور الفقهاء ولم يخالف في ذلك إلاّ الظاهرية. يقول الدكتور محمد مصطفى شلبي: (والطلاق ممّا يقبل الإنابة، فكما جاز له أن يوقعه، جاز أن ينيب عنه غيره في إيقاعه، سواء أكان ذلك الغير هو الزوجة أو شخصاً آخر) .

والقوانين الأوروبية إجمالاً تجعل الطلاق بيد القاضي. وعندما يجري الرجل المسلم عقد زواجه وفق هذه القوانين، فهو يعلن صراحة التزامه بها، ومن ذلك جعل الطلاق بيد القاضي، وهذا يمكن اعتباره تفويضاً من الزوج وهو أمر جائز له. ولو قال قائل بأنّ هذا التفويض ليس صريحاً، فلا يُعمل به، قلنا إنّه على الأقلّ يعتبر عرفاً في المجتمعات الأوروبية.

والقاعدة الفقهية أنّ (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) [المادة 43 من مجلّة الأحكام العدلية].

يقول الشيخ أحمد الزرقاء في شرح القواعد الفقهية – طبعة دار الغرب الإسلامي - : (في كلّ محلّ يعتبر ويراعى فيه شرعاً صريح الشرط المتعارف، وذلك بأن لا يكون مصادماً للنصّ بخصوصه، إذا تعارف الناس واعتادوا التعامل عليه بدون اشتراط صريح فهو مرعي، ويعتبر بمنـزلة الاشتراط الصريح).

ت‌. ومعروف أنّ الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله) يرى أنّ كلّ شرط لم يقم الدليل من النصّ على بطلانه يعتبر صحيحاً ويجب الوفاء به، وخاصّة ما كان منها مقروناً بعقد الزواج لقوله: (إنّ أحقّ الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج) [رواه الشيخان]. ولقوله (: (المسلمون عند شروطهم، إلاّ شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً) [رواه الترمذي وحسّنه].

ولقول عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) لمن شرط لزوجه أن يسكنها دارها، ثمّ أراد نقلها إلى داره، فتخاصما لدى عمر فقال: (لها شرطها. فقال الرجل: إذاً يطلّقننا. فأجابه عمر بتلك الكلمة الدستورية الخالدة: مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت) [رواه البخاري].

فإذا كان الشرع يبيح اشتراط كلّ من الزوجين ما يراه لنفسه إلاّ ما نصّ على إبطاله الكتاب أو السنّة، ويكون الشرط ملزماً شرعاً. فإنّ رضاهما بإجراء العقد وفق القوانين الأوروبية يعتبر التزاماً بهذه القوانين، وتعتبر مواد هذه القوانين كأنّها شروط ملحقة بالزواج، وتخضع بالتالي لأحكام الشروط في العقود، والتي نرى فيها الرجوع إلى مذهب الإمام أحمد (رحمه الله)، باعتباره من المذاهب المعتمدة، وهو في هذا الباب أكثرها تيسيراً على المسلمين في أوروبة.

ث‌. إنّ الزواج عقد لا يتمّ إلاّ باتفاق ورضا الطرفين. وقد انعقد الاتفاق على التحاكم إلى القانون الذي نشأ الزواج على أساسه. فالتزام أحكام القانون أصبح واجباً شرعاً بمقتضى العقد الذي التزما به، إذا لم يخالف نصاً شرعياً.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأصل العقود أنّ العبد لا يلزمه شيء إلاّ بالتزامه، أو بإلزام الشارع له. فما التزمه فهو ما عاهد عليه، فلا ينقض العهد ولا يغدر.

وما أمره الشارع به فهو ممّا أوجب الله عليه أن يلتزمه وإن لم يلتزمه. ولهذا يذكر الله تعالى في كتابه هذا وهذا كقوله: (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) [الآية 20 من سورة الرعد]. فما أمر الله به أن يوصل فهو إلزام من الله. وما عاهد عليه الإنسان فقد التزمه، فعليه أن يوفي بعهد الله، ولا ينقض الميثاق إذا لم يكن مخالفاً لكتاب الله) [الفتاوى، جـ 29 ص 341].

وحكم هذا القانون بجعل أمر الطلاق بيد القاضي لا يصادم نصاً شرعياً طالما أنّه يجوز شرعاً باتفاق الفقهاء أن يفوّض الرجل الطلاق إلى من يريد. فهو بالتالي جائز شرعاً، وحين يتمّ الزواج وفق القوانين الأوروبية يصبح الطلاق تلقائياً بيد القاضي، وهو جائز شرعاً بتفويض الزوج، وجائز من باب أولى إذا اتفق عليه الزوجان، أو فرضه القانون الذي تراضى عليه الزوجان.

وحين يوافق الرجل على إعطاء حقّ الطلاق للقاضي بمقتضى عقد زواجه الأوروبي، فلا يجوز له بعد ذلك أن يرفض حكم القاضي لأنّ القاعدة الفقهية (إنّ من سعى في نقض ما تمّ من جهته، فسعيه مردود عليه) [المادة 100 من مجلّة الأحكام العدلية].

ج‌. إنّ عقد الزواج يوجب على طرفيه التزامات ذكرت فيه، أو في قانون الأحوال الشخصية. وإنّ الحكم القضائي لا يصدر عادة إلاّ بناءً لطلب أحد الزوجين. وهو يعطي هذا الطرف حقاً، ويوجب على الآخر التزاماً. فإذا رفض هذا الطرف القيام بالتزاماته المحدّدة بالعقد أو بالقانون اختلّ التوازن بين طرفي العقد، وأصبح التزام الطرف الآخر أمراً غير مقبول في كلّ القوانين والأعراف لأنّه يناقض العدالة. ولذلك أعطت الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية الطرف الثاني حقّ طلب إلغاء العقد إذا تخلّف الطرف الأول عن تنفيذ التزاماته بل وشرعت له المطالبة بالتعويض.

فإمّا أن يلتزم الطرفان بموجبات العقد، وإمّا أن يلغى العقد. أمّا أن يفرض أحد الطرفين على الآخر ما يريد بإرادته المنفردة ودون أن يقبل الطرف الآخر بذلك، فهذا ينافي مقتضى العقد، ويؤدّي إلى إلغائه، والعقد كما هو معروف شريعة المتعاقدين، وهو توافق إرادتين.

وقد تمّ هذا التوافق على عقد زواج خاضع لقانون معيّن، فلا يجوز لأحد الطرفين أن يرفض الخضوع لهذا القانون لأنّه عند ذلك يفرض على الطرف الآخر إرادته المنفردة، وهذا يناقض العقد. طلبت الزوجة الطلاق وحكم به القاضي، فلا يجوز للزوج أن يتحجّج بأنّ طلاق القاضي غير شرعي، لأنّه بذلك يناقض العقد الذي تمّ على أساسه الزواج.

ح‌. أنّ رفض هذا الحكم من جهة الزوج بحجّة الشرع يؤدّي إلى تناقض خطير لا يقرّه شرع ولا عقل، إذ يظلّ عقد الزواج قائماً بالنسبة للرجل ومنحلاً بالنسبة للمرأة، ويفسح المجال أمام الرجل للتعسّف في استعمال حقّه بالطلاق بحيث يؤدّي إلى مضارّة المرأة وهو الأمر الذي منعه النصّ القرآني بوضوح: (ولا تضارّوهنّ لتضيّقوا عليهنّ ..) [سورة الطلاق، الآية 6].

بل يؤدّي إلى مناقضة الشرع نفسه الذي يعتبر (الزواج عقداً مؤبّداً في الأصل ولكنّه قابل للانحلال) بينما يريد الرجل المتعسّف أن يحتفظ بالمرأة رغماً عنها حتّى وفاتها، طالما أنّه ليس هناك جهة شرعية قادرة على الحكم بالطلاق في زواج معقود وفق قانون أوروبي وبين طرفين أو أحدهما من جنسية أوروبية.

فإذا كان الحكم القضائي الأوروبي غير مقبول عنده، وليس هناك أيّة إمكانية لصدور حكم شرعي، فقد أصبح هذا الزواج غير قابل للفسخ إلاّ بوفاة أحد الزوجين. وهذا مخالف للأحكام الشرعية المتعلّقة بالزواج وبالعقود، وهو مخالف لمقتضى العقل وبديهيّات الأمور، وهو يؤدّي إلى ضرر كبير يلحق بالمرأة. والشرع نهى عن إلحاق الضرر، والقاعدة الفقهية تقول: (لا ضرر ولا ضرار) [المادة 19 من المجلة].

وهذا نصّ حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني، واتفق العلماء على صحّة معناه وجعلوه قاعدة فقهية مطردة. هذه القاعدة ليست مقيّدة إلاّ بما أذن به الشرع من الضرر (كما يقول الشيخ أحمد الزرقا في شرحه للقواعد الفقهية).

والشرع لم يأذن بمضارّة المرأة وبقائها مقيّدة بزواج لم تعد تستطيع الوفاء بالتزاماته.

وقد ذكرت المجلّة ثلاث قواعد بشأن الضرر: الأولى: للنهي عن إيقاعه، وهي هذه القاعدة. الثانية: لوجوب إزالته إذا وقع وهي (الضرر يزال) [المادة 20]. الثالثة: أنّ إزالته مطلوبة بقدر الإمكان وهي (الضرر يدفع بقدر الإمكان) [المادة 31].

فإذا كان رفع الضرر عن المرأة – التي تزوّجت وفق قانون أوروبي – ولم تستطع إكمال حياتها الزوجية، وتعسّف زوجها فرفض طلاقها، وليس لها جهة شرعية إلزامية تشتكي لديها، ولم يعد ممكناً دفع هذا الضرر عنها إلاّ باعتبار الحكم القضائي الأوروبي، لكان ذلك واجباً شرعاً من قبيل إزالة الضرر حتّى ولو لم نأخذ بالأسباب الأخرى المذكورة آنفاً.

خ‌. تنفيذ أحكام القضاء – ولو كان غير إسلامي – جائز من باب جلب المصالح ودفع المفاسد.

يقول سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام: (ولو استولى الكفّار على إقليم، فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامّة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كلّه، جلباً للمصالح العامّة ودفعاً للمفاسد الشاملة.

إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح العباد تعطيل المصالح العامّة وتحمّل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها ممّن هو أهل لها.

وفي ذلك احتمال بعيد) ، فكيف إذا أضيف إلى ذلك أنّ تنفيذ هذه الأحكام القضائية ملزم قانوناً، وملزم شرعاً باعتبار العقد، ولا يتعارض مع أحكام الشريعة؟ مقارنة بين أنواع أحكام الطلاق وفق القوانين الأوروبية والأحكام الشرعية: الأصل في الطلاق في الشريعة الإسلامية أن يكون بيد الرجل.

وجميع القوانين الأوروبية ترفض هذا الأمر بالمطلق. ويترتّب على هذا الاختلاف أمرين:

1. أنّ كلّ طلاق يوقعه الرجل – إذا كان العقد جارياً وفق القوانين الأوروبية – ليس له أيّ مفعول قانوني تجاه زوجته، ولكن هل له مفعول شرعي؟ - إذا كان الزوجان متفقين على الالتزام بالأحكام الشرعية، يكون طلاق الرجل ملزماً شرعاً وتترتّب عليه أحكام العدّة والرجعة والمتعة والبينونة وسائر الأحكام، ويجب على الزوجين القيام بالإجراءات الرسمية لتنفيذه قانوناً. وذلك لأنّ الاتفاق الشرعي بين الزوجين مكمل للعقد القانوني، وليس مناقضاً له.

- إذا لم يكن بين الزوجين مثل هذا الاتفاق، يعتبر الرجل قد فوّض حقّه بالطلاق إلى القاضي بمجرّد موافقته على إجراء عقد الزواج وفق القانون الأوروبي. وبالتالي فإنّ إقدامه على الطلاق لا يكون له أيّ مفعول قانوني لأنّه لا يتمتّع بهذا الحقّ.

أمّا من الناحية الشرعية فقد وقع الطلاق لأنّ تفويضه لغيره بالطلاق لا يمنعه من ممارسة هذا الحقّ، فيبقى له أن يطلّق، كما أنّ للمفوّض إليه أن يطلّق. ويجب على الزوج عند ذلك الالتزام بأحكام الطلاق المعروفة واتّباع الإجراءات التي يفرضها عليه القانون الأوروبي من أجل تنفيذ الطلاق. وذلك لأنّ الالتزام بالأحكام الشرعية مقدّم بالنسبة للمسلم على القوانين الوضعية.

ولأنّ تنفيذ هذه الأحكام في البلاد الأوروبية لا يمكن أن يتمّ إلاّ من خلال قوانينها.

2. يجوز في الأحكام الشرعية أن يتّفق الزوجان على الطلاق، وهو ما يسمّى بالمخالعة. هذا الطلاق تجيزه بعض القوانين الأوروبية، وتمنعه قوانين أخرى كالقانون الفرنسي مثلاً.

فإذا وقع في بلد يسمح به قانونه، فليس هناك أيّة مشكلة طالما أنّ الطلاق يقع شرعاً وقانوناً في هذه الحالة. لكن إذا وقع في بلد يمنعه قانونه – كفرنسة مثلاً – فإنّ الاتفاق بين الزوجين على الطلاق ملزم لهما شرعاً، ونرى أن يتمّ بينهما خطّياً بإشراف أحد العلماء أو المسؤولين في المراكز الإسلامية، لتوضيح الحقوق والواجبات. ثمّ يجب عليهما اتّباع الإجراءات الرسمية ليصبح هذا الطلاق الشرعي قانونياً، فيقيمان الدعوة أمام المحاكم ويتابعانها حتّى صدور الحكم القضائي بالطلاق.

3. إذا رغبت المرأة بالطلاق، فإنّ لها شرعاً أن ترفع أمرها إلى القاضي الذي يملك حقّ التطليق، ولو رفض الرجل، إذا وُجدت أسباب شرعية لذلك.

والمذاهب الإسلامية والقوانين الوضعية المعاصرة في بلاد المسلمين تختلف حول تقدير الأسباب التي تبيح للقاضي الطلاق بناءً على طلب الزوجة ولو رفض الزوج، فمنها ما يوسّع ومنها ما يضيّق.

فإذا عقد الزوجان زواجهما وفق قانون أوروبي، فقد اتفقا على إعطاء القاضي الحقّ الذي يعطيه الشرع للرجل في إيقاع الطلاق، وهذا جائز شرعاً، ولو كان القاضي غير مسلم، لأنّه من قبيل تفويض الرجل حقّ الطلاق الذي يملكه. وبالتالي فإنّ أيّ حكم قضائي أوروبي في موضوع الطلاق يكون ملزماً شرعاً وقانوناً كما ذكرنا.

وليس للرجل أن يرفض هذا الحكم بحجّة أنّه لم يطلّق زوجته للأسباب التي ذكرناها سابقاً.


المصدر


للمزيد عن الشيخ فيصل مولوي

وصلات داخلية

حوارات مع الشيخ فيصل مولوي

مقالات بقلم الشيخ فيصل مولوي

مقالات كتبت عنه

أخبار متعلقة

وصلات فيديو