الظروف السائدة بمصر قبل نشأة جماعة الإخوان (2)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٨:٤٨، ٢٢ ديسمبر ٢٠١٠ للمستخدم Sasky (نقاش | مساهمات) (موضوعات ذات صلة)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الظروف السائدة بمصر قبل نشأة جماعة الإخوان (2)


الإمام البنا في المرحلة الإعدادية

الإمام-الشهيد-حسن-البنا-عند-تخرجه.jpg

• بدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جمعية "الأخلاق الأدبية"

• تأثرت شخصيته في سن المراهقة بمؤسس الطريقة الحصافية

الغصن الرطيب يجد له أصولاً تجاذبه في كثير من الأحيان؛ لذا فبعد أن فارق "حسن البنا" مدرسة الرشاد الدينية، وأستاذها الشيخ "محمد زهران" في الثانية عشرة من عمره، وجد في المدرسة الإعدادية الأستاذ "محمد أفندي عبدالخالق"، الذي كان على خلق وفضيلة مع كونه مدرس حساب ورياضيات، إذ أسس جمعيةً سماها (جمعية الأخلاق الأدبية)، هدفها رفع مستوى الأخلاق والتخاطب بين التلاميذ، وتقرر في لائحتها أن من يشتم أخاه يغرم مليمًا، ومن يشتم الوالد يغرم مليمين، ومن يشتم الوالدة يغرم قرشًا، على أن تنفق محصلة هذه الغرامات في وجوه الخير والبر.


كان على أعضاء الجمعية التواصي فيما بينهم بالاستمساك بالدين والمحافظة على الصلوات في أوقاتها، والحرص على البر بالوالدين، وكل مَن يكبرهما سنًا.


وكان التلميذ "حسن البنا" رئيس مجلس إدارة هذه الجمعية، ومن أنواع البر التي قدمتها أنها جهزت ميتًا غرق في النيل، كما أقامت حفل تكريم لتلميذ كان أخوه طبيبًا ثم نقل إلى بلد آخر، كما كان من آثارها أن دأب كثير من تلاميذ المدرسة الإعدادية على اعتياد المسجد لصلاة الظهر بعد الغداء في أثناء الفسحة اليومية.


ومن طرائف نشاط التلاميذ الديني أن إمام هذا المسجد مرَّ ذات يوم فوجد مؤذنًا يؤذن ثم أُقيمت الصلاة، والجماعة كلها من التلاميذ، وبعد انتهاء الصلاة قام ليفرق التلاميذ خوفًا من الإسراف في الماء، فأثرت هذه الحادثة في نفس الإمام الصغير "حسن البنا" فكتب إلى ذلك الإمام كتابًا قال فيه:﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: 52).


وكانت الآية هي محتوى الرسالة إلى الشيخ "محمد سعيد"، الذي تأثر بالرسالة ثم تعاقد مع التلاميذ على خدمة المسجد مقابل وضوئهم وصلاتهم.

جمعية منع المحرمات

إذا أذنت قطرات الخير بانهمار تنزلت سحائب المزن بالمزيد والكثير، فقد تذوق هؤلاء التلاميذ حلاوة الإيمان كما تذوقوا لذة التعاون على الطاعات، فاستقلوا نشاطهم وأرادوا أن يوسعوا مجال أعمالهم، فألفوا جمعيةً إسلاميةً تحمل شعار منع المحرمات؛ لأن الإسلام يعني بالتخلية دائمًا قبل التحلية.


وتألفت الجمعية من "حسن البنا" رئيسًا، و"محمد علي بدير" الذي صار فيما بعد مدرسًا بالمعارف، و"عبدالرحمن الساعاتي" الذي صار موظفًا بالسكة الحديد، و"عبدالعال سنكل" و"لبيب أفندي" عمل بالتجارة، و"سعيد بدير" الذي عمل مهندسًا فيما بعد.


كان اشتراك العضو في هذه الجمعية يتراوح ما بين خمسة مليمات وعشر مليمات أسبوعيًا، وكانت أعمالها موزعةً على أعضائها.. فمنهم من كانت مهمته تحضير النصوص وصوغ الخطابات، ومنهم من كانت مهمته كتابة الخطابات بالحبر "الزفر"، ومنهم من كانت مهمته طبع الخطابات، ومنهم من كانت مهمته توزيعها على المقصودين بها، ومنهم من كان يرشد إلى مَن يفعل المحرمات ليكتب له خطاب نصيحة.


المنكرات التي حاربتها الجمعية

منها: الإفطار في رمضان، والتحلي بالذهب للرجال، ولطم الخدود وشق الجيوب من السيدات، والتعامل بالربا، وإحياء حفلات العرس بالراقصات.


وكل من فعل واحدًا من هذه الآثام أو ما يُشابهها كانت الجمعية تُرسل له خطابًا يوضح الحُكم الشرعي للموضوع بأدلته من القرآن والسنة وآراء الفقهاء، إضافةً إلى نصيحة له ليقلع عن هذا الذنب.


وكان النشاط سهلاً ميسرًا بالنسبة إلى صغر التلاميذ الذين لا يُتصور أنهم يقومون بمثل هذا العمل العلمي الاجتماعي.


واستمرت الجمعية في نشاطها أكثر من ستة أشهر، وهي تؤدي رسالتها والناس في عجب ودهشة من أمرها حتى وقع المحظور، فقد استدعى صاحب مقهى راقصة على حسب العادة في المقاهي فأرسلوا إليه خطابًا، لكن صاحب المقهى قبض على حامل الخطاب وعاتبه عتابًا شديدًا أمام الناس فقررت الجمعية أن تُغير خطتها في محاربة المنكرات.


الشاب الصوفي اليَقِظ

شارك "حسن البنا" منذ حداثة سنه في جمعية الأخلاق الأدبية وحماية الأخلاق من التدهور، والأمانة في العمل الاجتماعي، وجمعية منع المحرمات، وسياسة أمور الإصلاح حسب المناسبات، وهو في هذه السن لم يبلغ الحلم، وقد حفظ القرآن الكريم فوفى بوعده لوالده، ولربه، ولمجتمعه، كما وفى بوعده لدينه وخلقه، فأنْعِم بها من أوليات قيادة تعهدها ربها منذ الأظفار الطرية بحسن التوجيه والتربية، وهيَّأ لها المولى المناخ الصالح؛ لتشق هذه الطفولة طريق الشباب في صلاح وتقوى.


ولما أرادت وزارة المعارف أن تلغي المدارس الإعدادية على النظام القديم الذي كان يتعلم فيه الطالب "حسن البنا" ما كان من التلميذ إلا أن تخير أحد طريقين إما الالتحاق بالمعهد الديني أو الالتحاق بمعهد المعلمين، واختار الله له الالتحاق بمعهد المعلمين، وبذلك بدأت مرحلة الشباب من صنف جديد.


مرحلة (الإخوان الحصافية)...

ليست تلك مرحلةً عقلانيةً محضةً، ولا هي روحانيةٌ هوجاءُ بل مرحلة شباب صوفي يقظ في هذه الفترة رأى فيها الشاب "حسن البنا" (الإخوان الحصافية) يذكرون الله تعالى عقب صلاة العشاء من كل ليلة، فاجتذبته حلقة الذكر بأصواتها المتسقة، ونشيدها الجذاب، وروحانياتها الفياضة، وسماحة هؤلاء الذاكرين من شيوخ فضلاء وشباب صالح، وتواضعهم جميعًا للصبية الصغار الذين اقتحموا مجلسهم ليشاركوهم ذكر الله- عز وجل- فلم يملك "حسن البنا" نفسه من الانجذاب إلى الحلقة الحصافية، وتوطدت الصلات بينه وبين رجال الطريقة ومن بينهم: الشيخ "شلبي الرجال"، والشيخ "محمد أبوشوشة"، والشيخ "سيد عثمان"، والأخ "محمد أفندي الدمياطي"، و"عبدالمتعال أفندي سنكل"، و"صادق أفندي الصاوي"، و"أحمد السكري".


ومنذ ذلك الحين واسم الشيخ "الحصافي" يتردد على سمع الشاب "حسن البنا" فيقع في أعماق نفسه بالشوق، وأخذ الشاب يُواظب على الوظيفة الزروقية صباحًا ومساءً التي كانت عبارة عن آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة الشريفة، وأدعية مأثورة تتردد في الصباح والمساء وليس فيها شيء من الألفاظ الأعجمية، ولا التراكيب الفلسفية ولا الشطحات البهلوانية.


وقد كتب "حسن البنا" في مذكراته أنه "في هذه الأثناء وقع في يديه كتاب "المنهل الصافي في مناقب حسين الحصافي"، وهو شيخ الطريقة الحصافية الأول الذي توفي في 17جمادى الآخرة 1328هـ، وكان "حسن البنا" في ذلك الوقت في سن الرابعة عشرة فلم يجتمع به برغم كثرة تردده على البلد، لكنه تعرفه من خلال الكتاب الذي استفاد منه جل الاستفادة في العلم والأخلاق والعبادات والمعاملات.


وقد تأثرت شخصية "حسن البنا" في هذه الفترة- سن المراهقة- بمؤسس الطريقة الحصافية، وتميزت شخصيته بالنشأة على طاعة الله وتعلق بروحانيات الحصافي؛ حتى ملكت عليه كل مشاعره، بل كان يراه في منامه.

وظل هكذا حتى التحق بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور، وفيها مدفن الشيخ وضريحه وقواعد مسجده الذي لم يكن تم إتمامه حينذاك.. فكان مواظبًا على زيارته يوميًا.. ومواظبًا على الحضرة في مسجد التوبة كل ليلة!