العالم العامل وريث النبوة...الشيخ أبو الحمد ربيع

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
العالم العامل وريث النبوة...الشيخ أبو الحمد ربيع

مقدمة

بوفاة الشيخ أبو الحمد حسين ربيع رحل عن دنيانا عالم من العلماء العاملين، عالم وارث من ورثة الأنبياء، عاش مجاهدًا مكافحًا عن كلمة الحق، رحل هذا المفتي الذي كان يقطع الليل بحثًا وتنقيبًا حتى يصل إلى المسائل الفقهية التي يُسأل عنها فقد كان رنين تليفون منزله لا ينقطع استفسارًا يسأله الصغير والكبير، الرجل والمرأة.

كان رحمة الله عليه رجل خير وإحسان، فقد شاهدت بنفسي مرات ومرات أناس يأتون للشيخ بالليل، بل أحيانًا في أوقات متأخرة، يستنجدون به فيقيل عثرتهم ويفك كربتهم، وكان دائمًا يقابل الناس بوجهٍ تملأه الابتسامة ويحيط الرضا به.

رحل هذا الخطيب المفوه الذي طالما هزَّ أعواد المنابر، يسمع الناس كلماته وعباراته الطيبة، ذلك البلسم، الصديق الصدوق، الذي عرفته جميع مضايف العرابة وغيرها، معزيًا أو مهنئًا.

العالم الداعية

رحل عن عالمنا داعية من الطراز الأول تعرَّف على دعوة الإخوان منذ مطلع شبابه في بداية الخمسينيات، فكان أحد الذين يقومون بالتثقيف والتربية بمعهد سوهاج الديني الثانوي، وأذكر عندما تركت المعهد للالتحاق بكلية اللغة العربية حمل الشيخ من بعدي مسئولية تربية المجموعات المكونة، حيث إني سلمت إليه قوائم بأسماء تلك المجموعات، وعقب اعتقالي عام 1954م لم ينل أحد من الذين كنا نقوم على تربيتهم سوء، وذلك بفضل الله ثم بفضل حنكة وفهم الشيخ- عليه رحمة الله الدقيق لهذه المرحلة.

لم يكن الشيخ أبو الحمد مجرد عالمًا أزهريًا تقليديًا بل كان عالمًا صاحب فكر واضح في إدارة العمل الدعوي، ملتزمًا بآداب الدعوة وشرائطها، مؤديًا ما عليه يجهر بكلمة الحق لا يخش لومة لائم.

وابتُلي وامتحن في سبيل دعوته فتم اعتقاله عام 1965م ضمن قرار اللمِّ العام وقُدم لمحاكمة جائرة حصل على أثرها على حكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات، ولم يخرج من السجن إلا عام 1971م، تعرض خلال هذه الفترة لشتى أنواع التعذيب والتنكيل، حتى أنه كاد أن يلحق بالرفيق الأعلى أكثر من مرة، ولو وقعت عيناك على قدميه وساقيه عليه رحمة الله لرأيت آثار تعذيب هذه السنين المضنية، ولكنه صبر واحتسب ذلك عند ربه وما ضيع دعوته إلى أن لقي ربه.

كان عليه رحمة الله يُغلب مصلحة الدعوة دائمًا على مصلحته الشخصية، خاض انتخابات مجلس الشعب عام 1987م بالدائرة الثانية بسوهاج وكان التأييد حليفه لولا التدخل الأمني.

إتقان عمل

عرفت الشيخ أستاذًا أزهريًا متفتحًا لا يعرف ضيق الأفق إليه طريقًا، والأزهريون صنفان: الأول صنف حصر نفسه على بعض المعارف الأزهرية التقليدية وهذا النوع لا يُستفاد به، والصنف الآخر تفتح على المعارف والثقافات المختلفة وتعرف على كافة الاتجاهات، عرك الحياة فكان الإبداع..، وكان الشيخ عليه رحمة الله من الصنف الأخير.

تدرج الشيخ في وظائف الأزهر إلى أن أصبح مديرًا للمنطقة الأزهرية بسوهاج، وشهد الجميع بأن المنطقة الأزهرية في عهده كانت في أفضل حالاتها، وطوال حياته الوظيفية لم يُعرف عنه المحاباة ولا المخاصمة الفاجرة لأحد

بل كان إنسانًا يحترم الجميع ويقدر الآخرين، لم يطلب مغنمًا ولم يتكالب على مناصب بل كانت تأتيه الأمور هادئة طيِّعة، فكان رحمة الله عليه من أولئك الرجال الذين يفرون عن الطمع ويُلاذ بهم عند الفزع، ولا أعلم كثيرًا من الناس يُعهد إليهم بمهام بعد تقاعدهم إلا أن الشيخ كان يعهد إليه كل عام بمراقبة الامتحانات العامة، وهذه ليست لكثيرٍ من الناس بل كانت ثقة في حزمه وثقة في قدرته على العمل وثقة في أمانته.

وأخيرًا فإن للشيخ عليه رحمة الله وجودًا في العمل، وجودًا لم يسع إليه بل كان يأتي إليه طائعًا مختارًا، يرحل عنا العالم العامل وريث النبوة في وقتٍ تشتد الحاجة إليه، وفي وقتٍ نحن أحوج ما نكون إليه، إلا إننا ندعو الله بأن يتغمده في رحمته، وأن يوسع له في قبره، وأن يباعد عنه النار، إنه نعم المولى ونعم النصير.

عبد الحليم سليمان عامر من الرعيل الأول لجماعة الإخوان

رحل من كان العلم منه يُقتبس

بوفاة فضيلة الشيخ فقدت الدعوة الإسلامية جهبذًا من جهابذتها الكبار الذين أبلوا بلاءً حسنًا في سبيل الكلمة المقروءة والمسموعة، حقًا لقد فقد الأزهر عالمًا من علمائه الكبار الذين ضحَّوا بالجاه والمنصب في سبيل الجهر بكلمة الحق.

وأقول لا يعزى فيه أهله وذووه بل تعزى فيه الرجولة والشهامة والمروءة بل والإنسانية في أسمى معانيها، ومما انفرد به رحمه الله تواضعه الجمّ الذي أقر له به القاصي والداني، نعم لقد كان فقيهًا متمكنًا ومحدثًا ورعًا، ولعل الكثيرين يدركون ما انفرد به رحمه الله من مواجهة المصائب الفادحة في سبيل الثبات على المبدأ، والذي هو ديدن أصحاب الدعوات الحقة.

عزاؤنا في فقده ثناء الخاصة والعامة عليه، ومن ثم قيل "ألسنة الخلق أقلام الحق"، رحمه الله الشيخ أبو الحمد ربيع، وعوضنا في فقده الصبر والسلوان، لن أنس موقفه عندما أراد علماء منطقة سوهاج وموظفوها أن يعبِّروا لفضيلته عن حبهم الجمِّ وقد جمعوا مبلغًا ليأتوا به ما اعتادوهم السابق ذكرهم من التكريم بإحضار الهدايا القيمة فلقد رفض ذلك، بل وضع من جيبه الخاص ما اشتروا به ما كانت تحتاجه المنطقة من المبردات الكهربائية

حقًا:

إن الحبيبَ من الأحباب مُختلسٌ
لا يمنع الموتَ بوابٌ ولا حرس

فكيف تفرحُ بالدنيا ولذتها

يا من يُعد عليه اللفظ والنفس

لا يرحم الموتُ ذا جاه لعزته

ولا الذي كان منه العلم يُقتبس
الشيخ محمود حمدي من علماء الأزهر الشريف بسوهاج

العرس النوراني

أخذ أحمد وسمير يتجولا في المروج الخضراء والحدائق الفيحاء، تارة يتسابقان وتارة أخرى يمشيان، فتنامى إلى أسماعهم غناءٌ عذب فاندفعا مشدودين إلى مصدره وأرادا أن يدخلا إلى هناك، وعندما اقتربا من الباب، قال لهما الحارس: هل أنتما مجاهدان أو عاملان بكتاب الله؟

فرد أحمد: نحن نحب المجاهدين، ونسعد بحاملي القرآن، تأملهم الحارس برهة وقال: ستدخلون، ولكن ستقفان بجوار الباب، ولا تتجولا بين المدعوين، "انظر.. انظر من يدخل؟"

أخ أحمد ممسكًا بذراع سمير، وتجمَّد الصبيان عندما رأوا الصديق يقبل عليهما ويتبعه عمر بن الخطاب، وعلي وعثمان وحمزة والصحابة، سأل سمير الحارس: لماذا كل هؤلاء الصحابة؟ ولماذا جاءوا؟ رد الحارس: لحضور العرس واستقبال العريس.

ردد سمير: العرس.. العريس.. من العريس؟

لم يرد عليه الحارس فقد كان منشغلاً بإدخال المدعوين، لا يُسمح بالدخول إلا للمجاهدين وحملة القرآن، تعلق سمير وأحمد بالحارس: من العريس؟ من هذا الرجل الذي جاءه كل هؤلاء النفر من الصحابة لاستقباله؟ أهو ملك أم بشر؟

توسلا للحارس أن يسمح لهما بالدخول، فابتسم ولم يرد عليهم.

فانطلق الصبيان إلى ساحة العرس، فكانت متزينة بأبهى الحلل، وعقود النور تتلألأ على الأشجار كالماس، الأرض مكسوة بالزبرجد، وفي صدر الساحة كانت المنصة المزدانة بمصابيح من نور، يقف عليها عشرات من الحور العين، ورجال يلبسون حللاً بيضاء يشع النور من وجوههم وأبدانهم، يحملون تاجًا مرصعًا باللآلئ والجواهر.

سأل سمير أحدَ الحاضرين: لمن كل هذا؟ تعالت الأصوات من حوله: للمحسن، للداعية، للشيخ المربي.. وفي نهاية الممر ظهر الشيخ أبو الحمد يشع النور من وجهه تعلوه ابتسامة رضا، وصدع مؤذن الفجر بكلمات الرحمن فاستيقظ أحمد من النوم.

عصمت فؤاد عبد الحق مدارس الدعوة الإسلامية بسوهاج

أبشر.. (في رثاء الشيخ أبو الحمد ربيع)

أبشر فإن الحمدَ صرت له أبا
والعطرُ فيك شذاه أنت ربيع

والمجدُ يرقب فيك غايةَ مجده

لك يرتقي شرفًا فأنت رفيع

أبشر فموتك للقلوب حياتها

والعرسُ من كفيك ليس يضيع

أبشر فموتك ذا شهادة نصرنا

والأرض بشهد والسماء تذيع

ها أنت جمعت القلوب موحدا

قد ضمها صرحٌ لديك منيع

كم رامك الظلم الجحود مباغتا

حاشا ينالك يا ربيع وضيع

خاب الظلوم وعاد كيده حاسرا

وبقيت أنت الحي وهو صريع

أنت الذي منك الإله قد اشترى

نفسًا وأموالاً وأنت تبيع

فاهنأ فإن الله ليس بمخلف

جناته للمؤمنين تطيع

سنظل بعدك سائرين بدربنا

حتى يعود إلي الحياة ربيع
  • شعر: أشرف بخيت ريان
أبو الحمد ربيع في سطور
  • والذي وافته المنية مساء الأربعاء 20/10/2004م ...
  • وُلد عام 1934م في قرية الشواولة مركز المنشاه محافظة سوهاج.
  • حفظ القرآن في سن صغيرة، والتحق بالمعهد الأزهري الابتدائي الثانوي.
  • التحق بكلية اللغة العربية بالقاهرة، وحصل على العالمية مع إجازة التدريس، وتمَّ تعيينه مدرسًا بالمعاهد الأزهرية 1961م، وتدرج في وظائف الأزهر الشريف حتى شغل منصب (مدير عام منطقة سوهاج الأزهرية).
  • اعتُقل عام 1965م، وحُكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، واعتُقل مرة أخرى ولم يفرج عنه إلا عام 1971م.
  • تمَّ القبض عليه مرةً أخرى عام 1992م في القضية المعروفة باسم قضية (سلسبيل).
  • كان عضوًا في (جمعية الصحابة) في سوهاج، وهي جمعية تهتم بالأنشطة التربوية والاجتماعية والثقافية.
  • سافر إلى أمريكا عام 1989م للقيام بأنشطة دعوية، ثم مُنِع من السفر في بعثة من الأزهر إلى أمريكا عام 1998م.
  • له سبعة أولاد، وستة عشر حفيدًا.

المصدر