العسكر وخراب الحياة الاقتصادية والسياسية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
العسكر وخراب الحياة الاقتصادية والسياسية
كشف حقائق الجنرلات


مقدمة

تمثل الجندية القاعدة الأساسية لبناء الدولة، ولها الفضل والشرف الكبير، لأن جنودها وهبوا أنفسهم للدفاع عن الدين والنفس والمال والعرض والبلاد.

والجندية ركيزة من ركائز الإسلام، ودعامة من دعاماته التي قام عليها، لأن النظريات العسكرية قامت على الإعداد والتخطيط، بعد حسن التربية والإيمان، ولذا وجب على الجندي الذي وهب نفسه للدفاع عن العرض والبلاد أن يتحلى بشيم الأخلاق الإنسانية، والصفات الأساسية التي تجعله يترفع عن الدنايا.

ففي كل وطن سواء أن كان مسلم أو غيره الجميع يعتز بصفته العسكرية والتي لا ينازعها معاني الخيانة أو الجبن.

لكن الناظر لتاريخ العسكر في مصر – وفي البلاد العربية والإسلامية – يجد معاني مغايرة لمعنى الجندية الحقيقة – خاصة الذين استولوا على السلطة السياسية ومقدرات البلاد- بل بلغ بهم الأمر إلى التخلي عن شرف الدفاع عن الوطن، ومقارعة الأعداء المتربصين وتفرغوا لمحاربة بعضهم البعض، والعمل على إزاحة بعضهم البعض ليتمكن كل واحد منهم من السيطرة على أكبر قدر من مقدرات البلاد، والتمكين لنفسه من السلطة التي لا ينازعه فيها أحد.

العسكر والسيطرة الاقتصادية

منذ أن حدثت ثورة 23 يوليو إلا وقد أحدثت تغييرات جذرية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها في مصر وأفرزت طبقات جديدة كانت كلها تدور في فلك العسكر الذين سمحوا لهم بذلك مقابل خدمتهم.

ولم يترك العسكر أي مجال إلا وقد حاولوا السيطرة عليه مما أظهر طبقات رأسمالية كبيرة بعد زوال الملكية، يقول محمد نجيب – أول رئيس لمصر- في كتابه كنت رئيسا مصر (المكتب المصري الحديث، طـ5، 1988م، صـ156: كان تعيين رشاد مهنا في منصب كبير خارج الجيش فاتحة لتعيين 18 من اللواءات وكبار الضباط في وظائف مدنية ودبلوماسية.

ومن العسكريين كونا لجان تطهير الجيش، ومن العسكريين أصبحوا قضاة مثل محكمة الثورة ومحكمة الشعب.

ويصف أنور عبد الملك في كتابه المجتمع المصري والجيش، الصادر عن مركز المحروسة للبحوث والتدريب والمعلومات والنشر, 1998 مصر في الحقبة الممتدة بين عامي 1952 إلى 1967 بـ(المجتمع العسكري) نتيجة "سيطرة النخبة من الضباط والتأثير الكبير لهذه السيطرة في المجتمع المصري، فقد اتصف العمل السياسي لمجموعة الضباط في تلك الفترة التاريخية بالاستيلاء الكامل على جهاز الدولة وتشكيل برنامج التغيير الوطني الجذري، وإجراء تغيير واضح في شكل الدولة.

لقد تحول العسكر في عهد عبد الناصر إلى البدل والسيارات الفارهة وتخلوا عن البدل العسكرية والسيارات الجيب من اجل الإمبراطورية التي بدأوا يبنوها لأنفسهم وذويهم.

وهكذا أصبح الجنرالات هم أصحاب الشركات ورؤوس الأموال، فلقد اعتبرت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية القوات المُسلحة المصرية الشريك المُفضَّل لإبرام العقود الصناعية!.

لم يختلف نظام عبد الناصر الذي رسخ لهيمنة العسكر عمن جاء بعده من الرؤساء، غير أن الأمور زاد بإحكام السيطرة من جنرالات السيسي خوفا على المصالح الاقتصادية.

لقد سيطر العسكريون على جهاز الدولة بداية من منصب رئيس الجمهورية ومنصب نائب رئيس الجمهورية. وشغل العسكريون -أيضا- أهم الوزارات فضلا عن مقاعد المحافظين، مؤلفين الأغلبية العظمى من شاغلي المناصب الرسمية والسياسية التنفيذية والدبلوماسية وغيرها، إلا أن ذلك الأمر لم يستمر بهذا التوحش في عصر السادات، خاصة بعد ثورة التصحيح التي وقعت أحداثها في 15 مايو من عام 1971م، حيث قلت نسبة العسكريين في الحياة المدنية إلى 20 %.

لكن بعدما وقعت أحداث حرب أكتوبر عام 1973م وصحبتها معاهدة كامب ديفيد -والتي أفقدت الجيش خصوصيته الحربية والدفاعية- جعلته يتجه إلى المجالات التنموية والنشاط الاقتصادي المدني، وترافق هذا مع سياسة الانفتاح الاقتصادي التي اتبعها السادات، وهو ما جعل النخبة العسكرية للدولة تبدأ في التحالف مع النخبة التجارية المزدهرة.

تعاظمت عملية العسكرة عقب اتفاقية كامب ديفد للسلام مع إسرائيل في 1978، والتي قلصت المهام القتالية للجيش ودفعته نحو مهام السيطرة الداخلية. فاتجه الجيش ككتلة إدارية من العمل العسكري البحت إلى السيطرة على ملفات الاقتصاد الداخلي وريادة الأعمال، بحيث بات يسيطر بموجب القانون على أكثر من 80% من أراضي الدولة، كما أن القوات المسلحة تملك حق الانتفاع المتعدد بالمجندين إجبارياً، عبر توزيعهم على مشاريع الجيش الاقتصادية، لا العسكرية فقط.

إلا أن مبارك أعاد الجيش للسيطرة الكلية مرة أخرى بعد أحداث الأمن المركزي والتي وقعت أحداثها في 25 فبراير 1986م.

يقول هاني سليمان في كتابه [العلاقات المدنية–العسكرية والتحول الديمقراطي بعد ثورة 25 يناير، ط1، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015م: لقد وسع الجيش نشاطاته بشكل ضخم في المجالات التي كانت دائمًا من نصيب المدنيين؛ مثل المجالات الصناعية والزراعية وبناء المرافق. أدى هذا النشاط الاقتصادي المتزايد إلى تحقيق مكتسبات مادية كبيرة وتدعيم المصالح المشتركة بين المدنيين والعسكريين ومصالح البرجوازية المصرية بصورة أكثر عمومية.

وفي المحصلة النهائية ارتفع عدد العسكريين الذين يشغلون وظائف مدنية في عهد مبارك حتى وصل عشرين ضعفا عما كان عليه أيام السادات. وبعد انقلاب 3 يوليو 2013م توغل العسكر في كل المجالات بشكل يكاد يعطيهم السيطرة الكاملة على كل مجالات الحياة دون منازع، مما حول الجيش إلى مقاتلين حرب على خطوط الجمبري والخضار.

يقول اللواء متقاعد عادل سليمان الكاتب والباحث الأكاديمي المصري في الشؤون الإستراتجية والنظم العسكرية: هناك حالة من التماهي الشديد للقوات المسلحة مع كل نواحي ومجالات الشأن العام في مصر من تنظيم دوريات أمنية مشتركة من القوات المسلحة والشرطة المدنية، تجوب الطرقات، إلى تمركز الدبابات والمدرعات على الطرق الرئيسية، وأمام المؤسسات المدنية والعامة، إلى إزالة المباني المخالفة، وإدارة الطرق السريعة، وإنشاء الفنادق الفاخرة والنوادي، وإنتاج المواد الغذائية، والتعدين وعشرات المجالات، وأخيراً النقل العام وتوزيع السلع التموينية. وانتهاء يتولى السلطة وإحكام القبضة على النظام السياسي للدولة .. نحن لسنا أمام دولة عميقة، ولا شمولية، ولا ديكتاتورية، ولا سلطوية، وليست دولة يحكمها العسكر. ولكن، دولة عسكرية بامتياز.

في أواخر مارس 2016م، حذر تقرير لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني من "مخاطر توسع الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية في مصر". وقال التقرير: إن "الاقتصاد العسكري المصري تطور إلى ما هو أبعد من الاحتياجات العسكرية ليشمل جميع أنواع المنتجات والخدمات".

وأكد أن العسكر "يهيمنون على نسبة تتراوح بين الـ50-60% من الاقتصاد المصري، ويستحوذون على 90% من أراضي مصر، ويسخرون الجنود للعمل مجاناً في مشاريعهم فينافسون بذلك أصحاب المشاريع الأخرى الخاصة المدنية".

وتعزز بعض التشريعات قدرة الجيش على خنق الشركات الاقتصادية المدنية، ومن أمثلة ذلك قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة بخفض دعم الوقود لأصحاب المصانع، ومع بقاء ميزانية الجيش، ومن ثم تكاليف الطاقة، خارج السجلات.

وفي ظل السرية التامة حول ميزانية الجيش، وبالتبعية إقطاعياته الاقتصادية، يمكن للشركات التي تسيطر عليها القوات المسلحة أن تستفيد من الإعانات التي تبقى خارج السجلات، والتمتع بمزيد من حرية المناورة في ظل انعدام الرقابة عليها.

وعقب الإطاحة بمبارك قال اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، إن الجيش "لن يسلم أبداً هذه المشروعات لأي سلطة أخرى مهما كانت"، وأضاف أن هذه المشروعات "ليست من الأصول التي تمتلكها الدولة، ولكنها إيرادات من عرق وزارة الدفاع والمشاريع الخاصة بها".

كما فتح استحواذ شركة "إيغل كابتال"، التابعة لجهاز المخابرات العامة المصرية، على أسهم شركة إعلام المصريين العديد من علامات الاستفهام حول أسباب قيام المؤسسة العسكرية المصرية بالكشف عن وجهها صراحة فيما يتعلق بالسيطرة على كافة مفاصل الاقتصاد المصري، سواء الربحي أو الترويجي.

العسكر وآثار مصر

تولى العسكر حكم البلاد والذين لم يدركوا أهمية هذه الآثار بالنسبة لأمنها القومي، وما يعود عليها وعلى الشعب من دخل، حتى قاموا بالتفريط فيها أو اقتنائها في قصورهم الشخصية.

العجيب أن هذا الأمر زاد في الفترة الأخيرة خاصة في ولاية السيسي والتي شهدت خروج الآثار بطريقة منهجية، حيث وافقه كثير من رجالاته على السير في هذا المنحى دون الوقوف له وتذكيره بأهمية هذه الآثار لمصر.

والأعجب أن نجد بلاد لا تاريخ لها مثل الإمارات تشجعه على سرقة هذه الآثار وتصديرها لها من أجل أن تجعل لنفسها تاريخ على حساب الآثار المسروقة من شعوب أخرى، معتمدين على ما لديهم من مال وكأن التاريخ والحضارة تشترى بالمال، لا أن تصنعها الشعوب.

فبعدما استتبت الأمور لعبد الناصر كان لابد من توفير موارد للميزانية العامة أو لحسابهم الشخصي، فكانت الآثار السلعة الأغلى ثمنا والأسهل، فكان التفريط فيها على شكل هبات وهدايا.

فكما يذكر أشرف محمد حسن علي في كتابه الآثار المصرية المستباحة، والتي صدر عن دار الكتب والوثائق القومية 2016: أن عبد الناصر قام بإهداء خمسة معابد مصرية كاملة بعد بناء السد العالي حيث وقع على القرار رقــم 4647 لسنة 1966 بتاريخ 17/12/ 1966، والذي بموجبه أهدى معبد دندور إلى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، أثناء فترة رئاسة ليندون بينيس جونسون، وإرسال المعبد بعد أربعة سنوات مدة تفكيكه ونقله وإعادة تركيبه مرة أخرى، إلى متحف المتروبوليتان، وهو معبد روماني بُنى فى القرن الأول قبل الميلاد.

كما أهدى معبد دابود بالنوبة لإسبانيا سنة 1960، والذي كان يقع جنوب أسوان بالقرب من الشلال الأول على الضفة الغربية لنهر النيل، وتم إهداؤه إلى أسبانيا عام 1960، ليتم وضعه فى حديقة "ديل أويستى" بالقرب من القصر الملكى بمدريد.

وأهدى معبد طافا إلى هولندا عام 1960م والذي كان يقع بقرية "امبركاب" النوبية ، ونقل وأعيد تركيبه هناك عام 1971، بمتحف الآثار بمدينة ليدن.

ومعبد الليسية إلى ايطاليا، الذي كان يقع فى بلاد النوبة بقرية أبريم، بالقرب من قصر أبريم، وشيد فى عصر الملك تحتمس الثالث، وتم اهداؤه إلى إيطاليا عام 1966، ليتم حفظه بمتحف تورينو.

وكذلك البوابة البطلمية لمعبد كلابشة أهداها إلى ألمانيا، وتم حفظها فى جناح الآثار المصرية بمتحف برلين.

ويقول محمد حسنين هيكل في كتابه خريف الغضب: وبعد إتمام بناء السد العالي قدم جمال عبد الناصر آنية قديمة من المرمرن من مخازن حفريات سقارة في احتفال رسمي للجنة المركزية في الاتحاد السوفيتين وقد وضعت في مدخل قاعة الاستقبال الرئيسة، كما قدم أواني أخرى إلى المتحف الوطني بطوكيو، وإلى متحف الفاتيكان" فهل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي هيئة علمية؟.

وسار على منهجه السادات والذي كان من اكثر الرؤساء اهدارا في آثار مصر، لم يسجل على مبارك أنه أهدى أية قطعة أثرية كإهداء بصفة رسمية، إلا أن السرقات كانت كثيرة جدا.

لكن ما أن تولى السيسي حكم مصر حتى كانت معظم أثار مصر في دول أخرى، حيث نظر إلى هذه الآثار على أنها ملكية خاصة به وبمن يعمل معه، فعين نفسه رئيس أمناء المتحف المصري الكبير والتي بعدها اختفت آلاف القطع من المتحف المصري حيث ظهرت في متحف اللوفر بالإمارات، ولا أحد يعرف هل هذه مكافآت لحكام الإمارات على الدعم الكبيرة الذي تلقاه السيسي بعد الانقلاب أم ماذا؟

ليس ذلك فحسب بل اكتشفت آلاف القطع التي اكتشفت في حاوية دبلوماسية متجهة إلى إيطاليا والتي لم تخرج الدولة بتكذيب لذلك بل التزمت الصمت المقيت.

عسكر ضد العسكر

من الواضح في التاريخ المصري الحديث – خاصة بعد ثورة يوليو – أن جنرالات العسكر لم يكونوا يحبون بعضهم البعض وكانت المصالح هي من كانت تحكمهم، فقد ضحوا بأول رئيس للجمهورية من أجل شهوة السيطرة، وعمد عبدالناصر إلى التخلص من كل الضباط الذين شاركوه الثورة ليتفرد بالحكم بداية من يوسف صديق وخالد محي الدين وكمال الدين حسين وعبد اللطيف البغدادي وغيرهم– كما يفعل السيسي والذي أطاح بكل المجلس العسكري الذي شاركه الانقلاب - حتى وصلت أن دس السم لأقرب الأصدقاء إليه وهو عبدالحكيم عامر.

حيث يذكر عبد اللطيف البغدادي في الجزء الثاني من مذكراته طبيعة الحرب التي وقعت بينه وبين عبد الناصر، بل ساق ما وقع على كمال الدين حسين – والذي كان يشغل وزير التربية والتعليم- قبل أن يرسل لعبد الناصر رسالة في 12/10/ 1965 – حينما علم بما يجري في السجن الحربي- قال له فيها اتق الله،مما جعل عبد الناصر يقوم باعتقاله.

يقول بغدادي في مذكراته، الجزء الثاني صـ200 وفي 14 أكتوبر 1965م صدر قرار بتحديد إقامة كمال الدين حسين وزوجته في إحدى الاستراحات بالهرم، واستمر كمال محددة إقامته حتى توفيت زوجته وهي معه يوم 9 يناير 1966م ولم يجد طبيبًا يقوم بإسعافها ولم يحضر إلا بعد عدة ساعات طويلة وبعد أن كان أمر الله قد نفذ.

لم تكد الأيام تمر حتى كان الخلاف الشديد بين الصديقين اللذين عملا سويا على الإطاحة بكل رفقاء الثورة معا، إنهما عبدالناصر وعبد الحكيم عامر – كما السيسي وصديقه صدقي صبحي اليوم الذي سقاه من كأس عبدالحكيم عامر، بالإضافة إلى ما فعله في رئيس الأركان السابق والرجل القوي في الجيش سامي عنان وغيرهم- لقد سعى كل واحد منهم لنشر نفوذه على المؤسسات – خاصة العسكرية – إلا أن عامر نجح في إحكام السيطرة عليها- حتى أنه أدار حرب 1967م وحده – كما ورد في مذكرات بغدادي الجزء الثاني.

وفي عهد السادات لم يقتصر الأمر على الاطاحة بالقادة الكبار الأقوياء بل عمد إلى تشويه صورتهم مثل سعد الدين الشاذلي، وفي عام 1978 أصدر الرئيس أنور السادات مذكراته البحث عن الذات واتهم فيها الفريق الشاذلي بالتخاذل وحمله مسؤولية التسبب بالثغرة ووصفه بأنه عاد منهاراً من الجبهة يوم 19 أكتوبر وأوصى بسحب جميع القوات في الشرق، هذا ما دفع بالفريق الشاذلي للرد على الرئيس أنور السادات بنشر مذكراته (حرب أكتوبر) والتي فضح فيها السادات وقراراته أثناء الحرب. وكان مبارك كذلك حينما أطاح بالمشير غزاله وعمد إلى تشويه صورته واستعان بجنرالات ضعيفة الشخصية.

وهكذا كان السيسي الذ عمد للإطاحة وتشويه أسامة عسكر، ومحمود حجازي والتراس وصدقي صبحي ولم يبق من المجلس العسكري إلا اللواء شاهين.

ووفقا لحديث الباحث السياسي أحمد الشافعي لـ"عربي21" فإن الشعب المصري كان يتعرض لخدعة كبيرة عن فكرة الوطنية والوكلاء المتعلقة بالقيادات العسكرية والأمنية، موضحا أنه في الوقت الذي رفض فيه الوزراء المدنيون بوزارة الخارجية المصرية التوقيع على اتفاقية السلام مع إسرائيل، كان العسكريون هم البديل الجاهز، وحتى في الفترة الأخيرة، فإن ما قدمه العسكريون المصريون لصالح إسرائيل لا يعادله أي شيء آخر.

ضاعت الأرض

كان مسلسل التنازل عن الأرض بشتى الطرق منهج بدأه عبدالناصر حينما ضيع السودان قبل أن يضيع سيناء وغزة لصلف الحاكم حتى يقال أن الحرب كان يديرها فقط عبدالحكيم عامر كما ذكر البغدادي في مذكراته، ولم يستطع باحث تخيل كيف جنرال واحد أدار حرب مثل هذه بمفرده مما خلفت أسوء هزيمة عرفها الجيش المصري.

ثم جاء السيسي ليستكمل مسيرة التفريط في الأرض ويعاونه بعض جنرالات الجيش على حساب صغار الضباط والعساكر، وذلك من اجل المال، حيث ضاعت تيران وصنافير من أجل المال السعودي، وتضيع سيناء الأن من أجل المال الإسرائيلي، كما ضاع الأمن القومي المائي في نهر النيل وتدخل البلاد على شح مائي بعد فشل مفاوضات سد النهضة.

العسكر وتغيب الوعي

شهدت البلاد انتكاسات اقتصادية عنيفة إلا أن الرؤية العسكرية – والتي لم تسمح لغيرها بالحديث كما الآن – عملت على تغيب وعي الرأى العام حتى يظل الجميع يسبح بحمد النظام.

فقد فاجأت صحيفة الأهرام في عددها الصادر يوم الأحد 22 يوليو 1962م الموافق 20 صفر 1383هـ– كان رئيس تحريرها وقتها محمد حسنين هيكل – بمنشت عريض على صفحتها الأولى بعنوان مع عبد الناصر في قاعدة إطلاق الصواريخ، حيث روجت لامتلاك مصر الصورايخ التي لا تقهر، وذلك متزامنا مع صحيفة الأخبار التي خرجت في 24 يوليو 1965م لتقول بخط عريض: المشير عامر يعلن في العرض العسكري الكبير(الصواريخ الجبارة)، ثم زعمت أن الطائرة القاهرة 300 من أقوى الطائرات في العالم وذلك قبل أن تنطلق لرحاب السماء وتدمرها إسرائيل في بضع ساعات وهي قابعة في ممراتها في حرب 1967.

استمرت أكاذيب العسكر الصحفية بالعمل على إلهاء الشعب بالانجازات الوهمية، فنجد صحيفة الجمهورية هي أيضا سارعت لتغيب الرأى العام بما لديها من تعليمات حيث جاء على صفحتها الأولى عام 1963م جاء فيها: برنامج الجمهورية العربية لغزو الفضاء.. مصر ثالث دولة في العالم بعد الاتحاد السوفيتي وأمريكا تصنع صواريخها بنفسها.

وظل الشعب يرقص طربا على هذه الأكاذيب والتي خرج علينا نظام السيسي ليعيد نفس السيناريو في أغسطس 2016م حيث جاء الحكومة توافق على إنشاء وكالة فضاء مصرية، حيث سار على نسق عد الناصر والتي أظهرت مجلة المصور في عددها الصادر في 16 أبريل 1965م والذي جاء فيه: سر يذاع لأول مرة.. سفينة الفضاء المصرية.. تحقيق كامل بالصور ثم أخذ الصحفي يتحدث عن هذا الصرح العظيم والذي سيجعلنا نغزو الفضاء بأول رائد فضاء مصر....وتستمر مسيرة الكذب وتغيب الوعي من أن مصر ستكون من أغني الدول في البترول والغاز، وأنها ستصبح من مصاف الدول الغنية في غضون سنوات قليلة.

وذلك قبل أن تتفجر فضائح جنرالات العسكر الاقتصادية التي أعمت أبصار المصريين في الوقت الذي يزعم السيسي أننا فقراء قوي.