الغنوشي يناقش أحداث غزة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الغنوشي يناقش أحداث غزة وما يجري في فلسطين

د / راشد الغنوشي

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود
د / راشد الغنوشي

لقد رسَّخ الإسلام في أمته - وهو المكوِّن الأساسي لثقافتها وقيمها- مشاعر الاستهجان لكل تقاتُل داخلي، بلغ حدَّ تهديد المتورِّطين فيه بغضب الله والطرد من رحمته والخلود في الجحيم. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)﴾ (النساء). وقال نبي الإسلام عليه السلام .

"إذا التقى المسلمان بسيفَيهما فالقاتل والمقتول في النار"، وقال عليه السلام: "لا يزال المرء في عافية من دينه حتى يقع في دم امرئ مسلم"، وحتى في مجال قتال الكافرين المعتدين فقد سنَّ الإسلام قواعد أخلاقية تمنع القتل العشوائي؛ إذ حصر الأمر في مقاتلة المقاتلين المعتدين وليس غيرهم، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )190 (البقرة).

وكل ذلك ولَّد شعورًا عامًّا في الأمة يرفض ويستهجن كلَّ تنازُع عنيف بين المؤمنين، وعدم التحمُّس للانخراط في أحد معسكرَي المتقاتلين ميلاً إلى التعامل مع ذلك التنازع المسلَّح على أنه ليس جهادًا وإنما هو فتنة المؤمن مأمور بتجنُّب الانخراط فيها، غلبة الظن أن المتورِّطين فيها لا يبتغون وجه الله وإنما الدنيا، وذلك هو الشعور العام هذه الأيام إزاء ما جرى ويجري في فلسطين المحتلة من تقاتُل وضروب ثار وانتقام؛ ما ملأ النفوس همًّا وغمًّا، ونال أيَّما نَيل من الصورة المشرقة للقضية المقدسة، قضية تحرير فلسطين.

ومع ذلك اتسمت تعاليم الإسلام بواقعية شديدة؛ إذ لم تستبعد وقوع التنازع بين المسلمين، وفي هذه الحالة ليس الموقف المناسب للمؤمنين أن يفرُّوا لائذين بمثالية مجنحة متعالية عن الواقع، معرضين عن الطرفَين، يرمونهما على حدٍّ سواء بكل ذميمة، من قبيل الجري وراء الدنيا، غير مكلفين أنفسهم عناءَ البحث والتمحيص والتعمُّق فيما جرى؛ توصُّلاً إلى تشخيص دقيق وتصوُّر موضوعي، يحرر موضوع النزاع والمتسبِّبن فيه، وتمييز الظالم من المظلوم من أجل الوقوف في وجْه الظالم، وبذل المَكِنة في نصرة المظلوم.. قال تعالى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات: من الآية 9).. فليس موقف الحياد ولا الهروب ولا مجرد الاستهجان لما يجري ولا الانحياز لجانب الظالم بأثر عصبي موقفًا جائزًا للمؤمن.كيف يتم التعامل مع التنازع الحاصل في فلسطين بين فتح وحماس؟!

أ‌- إن معظم الإعلام الرسمي العربي، خاصةً العلماني إلى جانب الإعلام العالمي، منحازٌ بشكلٍ سافرٍ لمعسكر فتح؛ باعتبار رئيسها يمثِّل الشرعيةَ، في تجاهلٍ لآخر شرعية أفرزتها آخر انتخابات منذ 15 شهرًا فقط.

وفي هذا الاتجاه تضافرت مواقف النظام العربي والدولي و "الإسرائيلي" على إحباط كل سبيل لرفع الحصار المضروب على شعب فلسطين؛ عقابًا له على انتخاب فصيل يتمتَّع بالكفاءة المهنية والفدائية؛ بسبب انتمائه الإسلامي وإصراره على المقاومة.

وحتى بعد أن تشكَّلت حكومة وحدة وطنية بمباركة عربية وأوروبية استمر الحصار لا يتزحزح قيد أنملة، بما أكد إرادةً دوليةً وعربيةً في تجاهل نتائج الانتخابات وإسقاط حكومة حماس واستبعادها من كل شراكة في السلطة.

ورغم أن العرب رحَّبوا بحكومة الوحدة الوطنية فإنهم لم يحرِّكوا ساكنًا من أجل رفع الحصار؛ إما بسبب فقدانهم نهائيًّا لبقية من استقلال القرار عن الولايات المتحدة، أو بسبب حقيقة رفضهم لحكومة حماس أصلاً، فظلوا مشتركين مع الإرادة الدولية أمريكيًّا وأوروبيًّا و"إسرائيليًّا" في استهداف حكومة حماس- بانفراد أو باشتراك- بالتقويض، عبر تشديد خناق الحصار، دفعًا للأوضاع صوب الانفجار، وهو ما حدث فعلاً، وجاء الترحيب الدولي والإقليمي سريعًا بشطب حكومة هنية، والوعد برفع الحصار، بعد التأكد من خلوّ حكومة الطوارئ من أي حمساوي.

ب‌- إن مؤشراتٍ كثيرةً تتابعت الأشهر الأخيرة تدل على أن المسرح الفلسطيني كان يهيِّئ لانقلاب على الشرعية التي أفرزتها الانتخابات السابقة، ومنها استمرار الحصار، وفشل كل محاولات رفعه، ومنها فشل كل خطة لإدماج المؤسسات الأمنية في وزارة الداخلية؛ الأمر الذي باءت معه كل محاولات وزراء الداخلية الذين توالوا على المنصب في المسك بزمام الأمن ووضع حدٍّ للانفلات بالفشل، بل اتجه الأمر إلى الاستفحال، من خلال ما يلقاه هذا التوجه من تشجيع دولي وإقليمي عبر الضخ الأمريكي والعربي للأموال والأسلحة والتدريب لصالح الحرس الرئاسي.

ليس حرس الرئيس هنا كأمثاله، يقوم بوظيفة محددة هي تقديم الحماية للرئيس حيثما انتقل، وإنما هو جيش تتوزَّع ثكناته في كل أرجاء السلطة الوطنية، حتى إن مركزه في غزة استُخدم في الاعتقال والتحقيق

إن استمرار الحصار على حكومة الوحدة الوطنية وإفشال كل محاولات دمج الأجهزة الأمنية ضمن مؤسسات السلطة والتكثيف الدولي والعربي لدعم تلك الأجهزة وإمعانها في الانفلات والاستهتار، كان حاملاً لرسالةٍ يبدو أن أهل حماس قد فكُّوا رموزها، فاستيقنوا مما تحمله من استهداف محقَّق لهم، فبادروا بالانقضاض على المتربِّصين بهم قبل أن ينقضُّوا عليهم.

ويُخشى أن يكون فرار قادة تلك الأجهزة صوب "الإسرائيليين" وصولاً إلى الضفة الغربية تاركين وراءهم من الوثائق ما يشهد على التنسيق الأمني الوثيق مع العدو "الإسرائيلي" وتجميع ملفات حول عناصر المقاومة ما يفسر ذلك الانهيار السريع والهرب!!

ولو كانوا يتصرفون باعتبارهم أمنًا وطنيًّا وليسوا فصيلاً حزبيًّا قد تحوَّل من فصيل جهادي إلى جهاز مرتبط بالعدو يتعيَّش من جمع المعلومات عن المجاهدين .. ما كان هناك مبرِّرٌ لهذا الفرار المخزي.

ج‌- إن المسرح الإقليمي تتضافر فيه الدلالات على أن خطة ضرب إيران ليست مستبعدةً، وهو ما يقتضي من جملة ما يقتضيه تصفية البؤر في المنطقة التي يقدَّر أنها يمكن- على نحو أو آخر- أن تنخرط في معركة لا يُستبعد أن يكون كلب الصيد الصهيوني طرفًا فيها، وهو الذي يتلمَّظ لاستعادةِ هيبةٍ فقَدَها جيشُه هي رأس ماله الأعظم للقيام بمهمته الوظيفية حارسًا للمصالح الإمبريالية ومتموِّلاً من وراء ذلك، لا سيما وقد امتطى صهوته أحد أبرز قادة العصابة.

من هنا يُفهم التحرُّش بحزب الله وبسوريا وتكثيف ضخّ السلاح والأموال والتدريب للأجهزة الأمنية الفلسطينية للنهوض بالمهمة المطلوبة، وهو ما يفسِّر وصْفَ خالد مشعل للعملية الأمنية التي بادرت بها حماس أنها عملية اضطرارية وقائية.

وعلى أي حال فالذي حصل هو ضربةٌ أخرى موجِعة للسياسات الأمريكية في المنطقة، تضاف إلى ما يجري في العراق وفي أفغانستان، وإلى ما جرى في لبنان، من كسر موجع للمخططات الإمبريالية "الإسرائيلية".

هل سيكون ذلك مثبِّطًا لخطط صقور البنتاجون أم عاملَ تحريضٍ لهم آخر في يد المتنفذين الصهاينة؟

زيارة رئيس وزراء الكيان الصهيوني عادةً ما يكون التخطيط لأعمال حربية تستهدف أمتنا الجزء الأساسي من برنامجها.

- إلى أين تتجه أوضاع النزاع بين سلطة غزة وسلطة رام الله؟

1- خلافًا لما يظن، فإن التنازع بين الفلسطينيين منذ بدأ زرع السرطان الصهيوني في جسم المنطقة ليس غريبًا، بما في ذلك التنازع المسلَّح، تجاوز الأمر مستوى الاغتيالات إلى الحرب الطاحنة على أرض فلسطين وفي الشتات بعد قيام الكيان الصهيوني وخلال سنيّ تخلّقه.

ومعظم النزاع كان حول الاختلاف في إستراتيجية التعامل معه، وفي هذا السياق كان التنازع الدامي بين جماعة الحاج الأمين وأنصاره من الثائرين وبين خصومه المرتبطين بالإنجليز (جماعة النشاشيبي).

ولا يبعُد كثيرًا عن نفس السياق التنازعُ الجاري اليوم ليس كما يصور البعض أنه بين حماس وفتح، ولا بين فصيلي القسام والأقصى .. كلاَّ فالمجاهدون الخلَّص كثيرًا ما جمعتهم الخنادق فوحَّدت وجهة قلوبهم وأسلحتهم فصرفتهم عن التنازع.. النزاع واضح، وتبلور بالخصوص بعد أوسلو، هو بين "سلطة وطنية" مضمونها الأساسي مشروع أمني يستمد مبرِّر قيامه واستمراره من حمايته للكيان الصهيوني من كل مقاومة ضده، تطل برأسها.

في هذا السياق تم تشكيل وتدريب وتثقيف وتمويل هذه "السلطة الوطنية"؛ ولأن عرفات رحمه الله تكشَّف له في النهاية بكل جلاء هولُ ما هو مقدِمٌ عليه من مهانة وإذلال قد تصل إلى الخيانة فقد توقف عن المضيِّ، ولكن بعد فوات الأوان.

صحيحٌ أنه دفع حياته ثمنًا فمات شهيدًا إن شاء الله، إلا أن ثقافة المساومة بدل المقاومة قد فشَت في النخبة من حوله وارتباطات مصيرية بالكيان الصهيوني قد عُقدت ومصالح كبرى قد تأسَّست على أرضية أوسلو، كلها قد تواصلت من بعده في قطاع واسع من النخبة التي ادَّخرتها مؤسسة الاغتيال

"الإسرائيلي" لمثل هذه الأيام لتواصل إستراتيجية أوسلو والتموُّل من تقويض كل مشروع للمقاومة، سواءٌ انطلق من خارج فتح أم من داخلها "كتائب الأقصى" وغيرها.

التنازع اليوم إنما هو داخل فتح نفسها وخارجها بين قوى المقاومة الأمينة على تراث هذه الحركة العظيمة وقوى أوسلو المتصهينة والماسكة لأجهزة أمنية أساسية، والمتصدية لكل قوى المقاومة، خاصةً لمنظمة حماس؛ باعتبارها اليوم العنوان الأهم والراية الأرفع للمشروع الوطني الفلسطيني.

وإذا كانت قضية تحرير فلسطين القضية المركزية للأمة فإن رافع رايتها هو المتزعم بحق لحركة الشارع والمعبِّر عن أعمق ما في الضمير الشعبي من قيم وتطلعات، كذلك كان الحاج أمين وكان عبد الناصر وكان عرفات فأحمد ياسين.

وهو ما يحمِّل أهلَ حماس أمانةً كبرى في الإحسان لهذه الراية وتشريفها بتعزيز ما قدمت من نماذج فدائية رائعة رجالاً ونساءً شيبًا وشبانًا، بنماذج حضارية في التعامل مع المخالف في الرضا والغضب، خاصةً الحذر من تحوُّل أولوية مواجهة الاحتلال إلى أولوية مواجهة فتح المنافس السياسي.

ومن هذا القبيل صدور مسالك غضبية انتقامية بغيضة وخطيرة، مهما كانت قليلة، من مثل العقاب خارج القانون قد يصل إلى الإعدام.

قتال الفتنة في الإسلام له ضوابطه، وإنما النصر الذي يستحق الاحتفاء هو النصر على العدو تحريرًا للأرض المقدسة وليس النصر على أبناء الوطن.

2 - وإذا كان الأمر كذلك فإن حماس التي إنما اضطُّرَّت للمنافسة على سلطة أوسلوية مفرغة من كل معنى غير المعنى الأمني أي حماية الكيان الصهيوني.. إنما فعلت ذلك لحماية المقاومة من كيد هذه الأجهزة المتنمِّرة ضد المقاومة.

حماس هذه لا يمكن- والحال هذه- أن تجعل من "إمارة غزة" رأس مالها الأعظم، وإنما هي سندٌ قويٌّ للمقاومة، كما كان حال لبنان قبل أن يُزَجَّ به في قوس الزلازل سندًا قويًّا تفاوض انطلاقًا منه كل القوى الوطنية الفلسطينية للوصول إلى معادلة معقولة تحقق وحدة الوطن وتقدم ضماناتٍ مؤسسيةً لاستمرار المقاومة لتحريره من الاحتلال وتوفير الحد الأدنى من مصالح الناس، وحبَّذا لو أمكن تحقيق ذلك مع إنهاء السلطة جملةً؛ عودًا إلى حقيقة الواقع.. مقاومة وجهًا لوجه مع الاحتلال بلا وسيط من "سلطة" إذا أمكن، أو مع سلطة في خدمة المقاومة.

ضمان ذلك عبر الحوار مع كل القوى الوطنية - خاصةً فتح- لا يمكن إلا أن يكون المقصد الأسنى مما حصل في غزة وما وراءه، فليس شيئًا يستأهل من حركة مقاومة من وزن حماس أن يُلتفت إليه، وأهلها هم مشاريع شهادة وشهداء أحياء.

في مؤتمر فلسطين الذي انعقد في الدوحة ذكر د رمضان شلح : "أنا لا أقول خالد مشعل قد تعرَّض للاغتيال بل هو قد اغتيل، وعاد إلينا من العالم الآخر"، مثل هؤلاء لا يتصارعون على شيء من حطام الدنيا ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب)