المرجعية العليا في الإسلام (شرح الأصول العشرين-2)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
المرجعية العليا في الإسلام (شرح الأصول العشرين-2)


بقلم الأستاذ/ جمعة أمين


الأستاذ جمعة أمين


• مقدمة

الإمام الشهيد حسن البنا

بعدما تكلم الإمام البنا عن شمول الإسلام وعمومه، واستمداد هذه المعاني من القرآن.. انتقل إلى الأصل الثاني فقال: "والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرُّف أحكام الإسلام ويُفهَم القرآن طبقًا لقواعد اللغة العربية من غير تكلُّف ولا تعسُّف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات".

فإذا كان القرآن هو المصدر الأول للتشريع فإن سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هي المصدر الثاني للتشريع؛ والسنة هي مصدر تلقِّي المسلمين، رغم وجود مَن ينكرون السنة، ووصل الأمر ببعضهم أن يقولوا: "ما وجدناه في كتاب الله عملنا به"، وينكرون السنة إنكارًا، رغم أن الكثير من تفاصيل العبادات التي نؤديها غير موجود في القرآن وأخذناها عن المصطفى- صلى الله عليه وسلم- مثل عدد ركعات الصلاة والتي أخذناها من "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ومناسك الحج التي أخذنا تفاصيلها من "خذوا عني مناسكَكُم"، وكذلك أحكام الصيام وأنصبة المواريث التي لم ينص عليها القرآن وجاءت في سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم.. هذا

وأحكام القرآن نوعان:

- أحكام يُراد بها إقامة الدين، وتشمل أحكام العقائد والعبادات..

- أحكام يُراد بها تنظيم الدولة والجماعة والعلاقات، وهي ما سمَّاه العلماء المعاملات والأحوال الشخصية والدستورية وما إلى ذلك؛ يقول مجاهد: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلَّم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب (الإمام السيوطي في كتاب الإتقان في علوم القرآن).

ولذلك نرى الإنسان يتحرَّج أن يتكلم في كتاب الله إلا إذا كان ناقلاً، فيقول: قرأت هذا في ابن كثير، أو قرأت هذا في القرطبي.. إلخ، فهو ناقل لا أكثرَ ولا أقلَّ؛ لأن قلة الفقه وعدم وجود فقهاء للأمة في زمان ندَر فيه العلماء جعل بعض مَن يحملون من العلم نصفَه أو ربعه أساتذةًً كبار، وأصبح مَن يحفظ الأربعين النووية بسندها جهبزًا من الجهابزة، وعالمًا من العلماء، ولننظر إلى الإمام السيوطي وقد وضع ثلاثة عشر عِلمًا يجب أن يُحيط بها مَن يتكلم في التفسير، فبدأ بعلوم القرآن من معرفة المكي والمدني ومعرفة أسباب النزول والعام والخاص والمطلق والمقيَّد، وبعد ما انتهى من علوم القرآن انتقل إلى أصول الفقه وأصول الدين، ثم انتقل إلى الحديث النبوي بمعرفة الضعيف منه والصحيح، ثم علوم اللغة والاشتقاق والنحو والصرف، وبعدما عدَّد كلَّ هذه العلوم قال: وعلْمُ الموهبة، فقيل له وما هو علم الموهبة؟ قال: نور يقذفه الله في قلب مَن يحب من عباده.

فلنظر إلى كل هذه العلوم التي عدَّدها واشترط الإلمام بها كاملةً وليس بمقدماتها فقط، ولنتخيلْ قدر حاجة الإنسان إلى الاطلاع والعلم لكي يتصدَّر لتفسير كتاب الله، ويحترمَ الناس وعقولَهم لا أن يدعي أنه فقيه عصره، وأنه إذا قال لابد أن يُسمَع لقوله.. فهذا أمر مُضحك ومُبكٍ في نفس الوقت.

والسنة هي كل ما قاله الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو فعله أو أقرَّه، والسنة القولية مثل قوله- صلى الله عليه وسلم-: "الطهور شطر الإيمان"، أو يقول: "لا يحل قتل امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث.."، فهذه سنة قولية.. والسنة الفعلية هي ما فعله الرسول- صلى الله عليه وسلم- مثل الصلوات أو إقامة الحدود مثلاً؛ والسنة التقريرية هي ما صدر عن بعض الصحابة من فعل أقرَّه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مثل ما حدث مع سيدنا معاذ عندما سأله المصطفى– صلى الله عليه وسلم- وهو ذاهب إلى اليمن: "بمَ تحكم؟! فقال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله إلى ما يرضي الله ورسوله"، وكذلك موقف الصحابة عند ذهابهم إلى بني قريظة، فمنهم مَن صلى العصر قبل وصوله إلى بني قريظة، ومنهم مَن صلى بعدها، وأقر الرسول- صلى الله عليه وسلم- الفريقين على ما فعلوا، فهذه سنة تقريرية.


• دروب السنة

وأحكام السنة نفسها على دروب:

إما أن تكون سنةً تُقرِّر حُكْمًا جاء به القرآن، وفي هذه الحالة يكون الحكم مرجعه القرآن والسنة أخذت منه، ويكون مصدر المسلمين الكتاب والسنة معًا؛ لأن الكتاب جاء بهذا الحكم والسنة جاءت به أيضًا، مثل تحريم القتل، فالحق- سبحانه وتعالى- حرَّم القتل فقال: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام: 151)، والرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يحل دم امرئ مسلم.." فالحكم جاء في السنة ومن قبل جاء في القرآن، ومثل ذلك الكثير من الأمور والأحكام.

وإما أن تكون سنةً مفصَّلةً مفسِّرةً حكْمًا جاء به القرآن، فهناك أحكام جاءت في القرآن مجملةً في معناها أو مقيدةً بقيدٍ، وجاء حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- كي يبين هذا الأمر تبيانًا واضحًا، مثل الصلاة التي جاءت مجملةً في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ (البقرة:43).. لكن جاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، فأخذنا عنه عدد ركعات الصلاة وتفاصيلها؛ وكذلك الحج ومناسكه؛ والزكاة وأنصِبَتَها، وأنواع الربا، وغيرها من الأمور التي بينها الرسول- صلى الله عليه وسلم- ولم يأت بها القرآن.

وإما تكون السنة مُثبِتَةً حكمًا سكَت عنه القرآن، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- يُثبت ويكمل هذا الحكم، مثل قوله- صلى الله عليه وسلم-: "لا تُنكح المرأة على عمَّتها أو خالتها".. فالقرآن عندما تكلم عن المحرَّمات من النساء لم يأتِ بالعمة ولا الخالة؛ ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وضح هذا الحكم في سنَّته، وقال عن الذهب: "حرام على رجال أمتي حلالٌ لنسائها"، وقال: "يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب".

وليس القرآن فقط الذي حفظه الله تعالى؛ ولكنه حفظ السنة أيضًا في صدور رجال وإن كان القرآن قد جمع، والحق- سبحانه وتعالى- يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، والذكر هنا ليس القرآن وحده، فالحق يقول: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44)، فالتبيان من الذكر، وحفظ الله جمع بين القرآن والسنة، وهذا رأي الإمام ابن حزم، فحفظ الله القرآن والسنة، وجعلهما أصولنا كما رتَّبها العلماء وفقًا لصحتها، فمنها الحديث المتفق عليه وهو ما رواه الشيخان (البخارى ومسلم) وهو أعلى درجات الصحة، ويليه ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم، ويليه ما كان على شرطهما وإن لم يخرِّجاه، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم ما كان على شرط مسلم، ثم بعد ذلك ما صحَّحه غيرهما من الأئمة.


• الاستدلال بالحديث

وهنا- ونحن نتكلم عن الفهم- يجب أن نتحرَّز في قراءة الأحاديث قبل الاستدلال بها، فالدليل ليس ما جاء في حديث واحد فقط، وإنما الدليل هو كل ما قيل في المسألة الواحدة من أحاديث، والإمام ابن قتيبة صاحب (مقدمة عيون الأخبار) يقول: "إذا مرَّ بك أيها المتزمِّت حديثًا تستخفُّه أو تستحسنُه أو تُعجَب منه أو تضحك له فاعلم واعرف المذهب فيه وما أردنا به، واعلم أنك إن كنت مستغنيًا عنه بتنسكك فإن غيرك ممن يترخص فيما تشددت فيه لاحتياجه إليه، وإن الكتاب لم يُعمَل لك دون غيرك، فهيِّئ على ظاهر محبتك ولو وقع فيه ما توقى المتزمتون لذهب شطر بهائه وشطر مائه، ولأعرض عنه من أحببنا أن يُقبل إليه معك".

وهو يعني أن الإنسان عندما يقرأ حديثًا، ويجد فيه لونًا من ألوان الشدة التي تروقه يجب أن يعلم أن غيره ممن يترخص يبحث عن حديث آخر، والرخصة موجودة والعزيمة كذلك؛ فلا نتعجَّل الحكم.

"وإذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة، أو وصف فاحشة فلا يحملنَّك الخشوع أو التخاشع على أن تصعِّر خدَّك، وتعرض بوجهك، وإن أسماء الأعضاء لا تؤثِّم، وإنما المؤثِّم شتم الأعراض، وقول الزور، والكذب، وأكل لحوم الناس بالغيبة والنميمة"، وهو يعني أنه من الخطورة بمكان أن أقرأ حديثًا، وأقف عنده أبحث عن الحكم، فالحق تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء: 7)، وهناك مثال على ذلك: السيدة عائشة- رضي الله عنها- قالت في حديث: "ما بَالَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واقفًا منذ أُنزل عليه القرآن، ومن حدثكم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالَ واقفًا فلا تصدقوه"، ولو وقع هذا الحديث في أيدينا وحده وجاء من يقول: جائز أن يبول الرجل واقفًا؛ أو يقول: أنا أعلم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بال واقفًا، فماذا نفعل بكلام السيدة عائشة، التي تقول: ومَن حدَّثكم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بال واقفًا فلا تصدقوه.. فلننظر لسيدنا حذيفة- رضي الله عنه- يقول: أتيت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- بوَضوء (الإناء الذي فيه ماء للوضوء) فبال واقفًا ثم توضأ.

والحديث الأول صحيح، والحديث الثاني متفق عليه، فالحديثان صحيحان، ومن الخطورة بمكان أن الذي يقع في يده الحديث الأول يظن أن هذا هو الدليل فيتكلم ويقف ويرفع حنجرته ويقول من الذي قال هذا الكلام؟ ولا يجوز التبول وقوفًا، بينما في حديث آخر جواز ذلك.

والإمام ابن القيم أفرد بابًا لهذين الحديثين وقال: "تبول الرسول- صلى الله عليه وسلم- واقفًا"، وجاء بحديث السيدة عائشة الذي ذكرناه وقال: إن علماء الحديث يقولون إنه إذا كان هناك حديثان ظاهرهما التعارض مثل هذين الحديثين فالتوفيق بينهما أولى، ولا نترك الاثنين يضاربان بعضَهما فهذا حديث صحيح وهذا حديث صحيح.. فكيف وفق العلماء بين هذين الحديثين؟

يقول ابن القيم: "أسأل سؤالاً: مَن قال إن السيدة عائشة كانت قادرةً ومقتدرةً على إحصاء تبوُّل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في كل مكان بالَ فيه؟ في بيته وفي خارج بيته، في أسفاره، في ترحاله، في كل مكان فكيف قالت السيدة عائشة "ومن حدثكم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بال واقفًا فلا تصدقوه"؟!

فقال: أما السيدة عائشة فهي تتكلم وتحكي عن حال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بيته لأنها زوجته، أما حذيفة فكان يصاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أسفاره في كل خطواته، فهو يتحدث عن حال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أسفاره، ومن الحديثين استنبط العلماء جواز التبوُّل وقوفًا.. لعل الأمر الآن اتضح إلى أن نأتي لموضوع الخلاف الفقهي ونتناوله بشيء من التفصيل.


• مقاصد الكتاب والسنة

ولذلك كان ولابد أن يكون هناك تصحيح للتصور السليم، وأن نخلص العقل من آفاته ومن النظرة الجزئية للإسلام، وأن نبعد عن السطحية في التفكير، وأن لا نخلط بين الوسائل والغايات.

مثال: كثير من الناس يتصوَّر أن الوصول للحكم غايةٌ في ذاته، بينما الحكومات عندنا وسيلة وليست غاية، فالله عز وجل يخبرنا عن الغاية من التمكين في الأرض في قوله: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ماذا فعلوا؟! ﴿أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج: 41).. إذًا نحن بهذا الكتاب وهذه السنة المباركة المطهرة نقصد إلى أمرين:


• المقصد الأول: إقامة أمة صالحة

إذًا ماذا نريد؟ لا نريد دولة، أو حكومة، أو هياكل ونظُمًا وفقط، بل نريد أمةً صالحةً، ولا تصلح الأمة إلا إذا توفرت فيها أمور.. إذا كنا نريد أن نقيم الأمة لابد وأن تتحقَّق فيها أمور:

أولاً: أن يكون لها رسالة من مبادئ وقيم؛ ولذلك أنا قلتُ لكم قبل ذلك إن رسالة الإسلام رسالةَ تربية قبل أن تكون رسالةَ تنظيم وتشريع.. رسالة قيم وأخلاق ومبادئ قبل أن تكون رسالةَ جهاد وقتال.. رسالة مبادئ يراها الغادي والرائح في تطبيق عملي قبل أن تكون رسالةَ انتشار واتساع، لابد وأن نضع هذا في اعتبارنا.

إن رسالتنا رسالةٌ أخلاقيةٌ قبل كل شيء.. نريد أن نبنيَ أمةً؛ ولذلك أول شيء أن تكون رسالة من مبادئ وقيم عُليا..

ثانيًا: أن تكون الأمة موحَّدة متحابَّة، وفرقٌ كبيرٌ جدًّا بين الجماعة والتجمُّع.. نحن لا نبحث عن الكثرة، أقول: إذا كان المقصد الأول هو إقامة الأمة الصالحة فهو لا يتحقق إلا بأن يكون للأمة رسالة من مبادئ وقيم- كما قلت- ثم بعد ذلك تحقيق الأخوَّة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة:71)..

ثالثًا: أن تكون الأمة مُضحية.. لدينها تعمل، وتضحي في سبيله بالغالي والنفيس.. ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (التوبة:111).


• المقصد الثاني: أن يكون على رأس هذه الأمة حكومة صالحة

وضعوا تحت كلمة حكومة صالحة هذه عشرة خطوط؛ كي نعلم أن أمر التربية هذا أمر في منتهى الخطورة والأهمية؛ فهو العمود الفقري لكل تنظيم.. إذا حدث خللٌ إداري فابحث عن الخلل التربوي الأول قبل أن تبحث عن الخلل التنظيمي.. ابحث عن الخلل التربوي الذي أحدثه؛ لذلك يقول لنا ربنا: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ (الشورى: 13) أقيموا الدين.. مهمتنا إقامة الدين.. والحكومة إن لم تكن آتيةً لتقيم الدين فلا خيرَ فيها؛ ولذلك لابد أن تكون الحكومة صالحةً، والقائمون عليها أصحاب أيدٍ متوضئةٍ؛ لذلك إذا كانت كذلك فهي خادمة للشعب ولا تشعر بالسيادة، ولا تشعر بأن الشعب ذليلٌ وهي التي لها اليد الطولى.

وفي النظام الإسلامي إذا عثرت بغلة في العراق سيسأل عنها عمر لِمَ لَمْ يمهد لها الطريق.. هذا هو صلاح الأمر؛ لذلك وجدنا النظام الإسلامي نظامًا له خصائصه، والدعوة الإسلامية لها خصائصها، ومن هذه الخصائص: أنها ربانية في مصدرها، فهي وحي من عند الله تعالى، وأي سعادة تلك حينما يكون مصدر نظامنا وحيًا من عند الله تعالى.. ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصلت:42) ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنعام:38)!! هذه المعاني كلها كيف لا نعتد بها؟ فهي ربانية وسطية في اختيارها، إيجابية في نظرتها للكون والإنسان والحياة، أخلاقية في غايتها ووسائلها، واقعية حين تتعامل مع الفرد والمجتمع، شمولية في منهاجها، عالمية في دعوتها، شورية في حكمهما، جهادية في تربيتها.. هذه كلها خصائص تتميَّز بها الدعوة.. دعوة الإسلام، ومن هنا قلنا إن الدعوة سلفيَّةٌ، فهذا معناه أن هذه هي المعاني التي أتى بها السلف رضوان الله عليهم أجمعين؛ ولذلك يضحك علينا أعداؤنا ويضحكون على المسلمين حين يسمون مَن ينادون بإقامة الدين دولةً على الأرض بـ(الإسلام السياسي) يضحكون علينا، فهل عندما ندعو إلى الأسرة والأولاد والترابط الأسري يُسمى هذا (الإسلام الاجتماعي)؟! وعندما نتكلم عن المال وتنميته وتزكيته يسمى هذا (الإسلام الاقتصادي)؟! فهل نجزِّئ الإسلام تجزئة هكذا؟! نحن لا نعرف هذه الجزئيات.. ولكننا نعرف الإسلام بشموله وعمومه.


• السعي للتمكين لدين الله

لذلك فإننا نسعى للتمكين لدين الله في الأرض، فالتمكين لدين الله عندنا له معنًى ومغزًى لعدة أسباب:

أولاً: أن التمكين لدين الله لا يتم إلا بعد أن تسود في المجتمع القيم والأخلاق والعادات والتقاليد الإسلامية- لابد من تهيئة- حينما نتكلم عن التمكين لا نقصد به الحكومة، ولكن نقصد بالتمكين القيم والأخلاق والعادات والتقاليد والشعائر التي تسود المجتمع نفسه.

ثانيًّا: أن التمكين لدين الله بهذا المعنى يكون شاملاً لجميع وحدات المجتمع.. نحن لسنا جماعة انتقائية ننتقي من المجتمع، لا.. نحن جماعة جهادية تريد أن تقيم شرع الله على الأرض فتبسطه للأبيض والأسود والأعجمي والعربي والسيد والمسود في آن واحد، تسوقه للنجَّار كما تسوقه للمهندس كما تسوقه للتلميذ لا يمكن أبدًا أن ننتقي طبقةً أو مستوًى دون مستوى آخر.

ثالثًا: أن التمكين لدين الله لا يتحقق في الأمة قسرًا وقهرًا، ولكن برغبةٍ لازمةٍ، ولقد دخلنا السجن وجلسنا سنوات اعتقال وسمعناهم يقولون لنا: انسوا أنكم ستخرجون، وظنَّ الحاكم في ذلك الوقت أن ملكَه لن يزول.. فماذا حدث؟ نظام ولَّى بعد أن كانت الناصرية هذه عندهم دينًا، وكان المجتمع كله يدين بالناصرية.. ناصر ناصر.. أين هو الآن؟ وأين القهر والقسر؟ ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ﴾ (إبراهيم:45)، ولكن حينما تكون الدعوة طواعيةً واختيارًا واقتناعًا وإيمانًا فمعناه أنني بنيت قاعدةً تحميني.. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران:144).. أن تبقى قاعدة تحمي وتفتدي هذا النظام بأرواحها وليس حينما يموت الرأس تنتهي القصة.. لا؛ ولذلك حينما قال أحد الإخوة أيام الأستاذ البنا: والله ماذا نصنع بعدك يا إمام؟! فقال له أما وقد قلتها فوالله إن حدث هذا فما ربَّيت فيكم رجلاً.. هذا هو الذي ربى الإمام البنا عليه إخوانه، ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (الأنبياء:6).

فالإمام البنا لم يترك كتبًا ولا مؤلفات، بل ترك رجالاً.. أكثر من خمسين دولة في إفريقيا وآسيا موجود فيها هذا الفكر، وهذا التصور وهذه الدعوة ومات الرجل وترك رجالاً، هذا هو المطلوب؛ لأن الرجال لا يقاسوا بما تركوا من كتب ومؤلفات إنما يقاس الرجال بما تركوا من رجال يحملون أفكارهم؛ ولذلك فالتمكين لدين الله لا يأتي قسرًا أبدًا ولا قهرًا.. بل لابد أن يأتي بإيمانٍ يملأ القلب حتى يقول الإنسان: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهِرَه الله أو أهلك دونه، ولو كان بمفرده يعض على جذع شجرة ويقول ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء:62).

رابعًا: أن استمرارية المنهج ودوامه لا يمكن أن يتحقَّق بحالة مؤقتة، نحن لسنا في جلسة نتكلم كلمتين ثم ينتهي الأمر؛ لكننا في عمل دائم، ومن التخطيط أن أعمل على استمراريته ودوامه؛ لأنه لكي أمكن لدين الله في الأرض لابد وأن أضمن استمرارية هذا المنهج، وأن تبقى خططي كلها موضوعة على هذا الأساس.

خامسًا: أن التمكين لدين الله ليس قضيةً وطنيةً ولا قوميةً ولا قُطريةً ولا محليةً.. إنما هي عالمية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) ومن هنا فنحن في حاجة كما قلت للارتقاء بالمجتمع، لماذا نرتقي به؟ لكي أحقق أمرًا في منتهى الأهمية، أن يكون الإسلام مرجِعًا بمعنى أن أحقق مرجعيته في كل شيء، فالأموال التي أضعها في البنوك الربوية حلال أم حرام؟! والتأمين على الحياة حلال أم حرام؟! لابد وأن يجعل المسلم له مرجعيةً يرجع لها في سلوكه واعتقاده وأفعاله، ومن هنا فأنا أرتقي بالمجتمع لكي أجعلَ له مرجعيةً إسلاميةً يعود إليها في صغير الأمر وكبيره؛ لذلك فإن الإمام البنا- رضوان الله عليه وأرضاه- وضع خططًا في ثنايا رسائله وأمورًا ركَّز عليها لكي نحقق ما نقول، فركَّز على العمل التربوي كما قلت، واهتم- بجانب العمل التربوي- بالتخطيط والتنظيم الدقيق أخذًا بالأسباب، وإن تركنا ذلك نكون قد تركنا سببًا من الأسباب التي دعانا المولى تعالى لها، والحقيقة إن الأخذ بالأساليب العلمية حاليًا، وإحلال المؤسسية مكان الفردية، والأخذ بالتخطيط الشامل الكامل واحترام التخصص والمتابعة والمحاسبة.. هذه المعاني كلها تدخل في تنظيمنا لكي نطمئن لتحقيق ما نرجوه من خطوات توصلنا إلى ما نصبو إليه، وهو إقامة دين الله على الأرض.. وبهذا القدر نكون قد انتهينا من الركن الأول والثاني.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


• استدراكات وإجابات عن بعض الأسئلة

نحن نعتبر أنفسنا ناقلين.. تعلمنا من الأستاذ البنا وهو يلقي محاضرةً، لم يكن يرتجل ولابد أن نحترم عقل السامعين ونبذل الجهد، كل هذا مطلوب، فإذا رجعت لآية أو حديث فحذارِ من كلام في الخاطرة دون الرجوع لأي كلام سابق قرأته.. غير مقبول، وحذار ثم حذار ثم حذار أن تتكلم في أحكام، فلا تتكلم في حكم إلا وأنت ناقل له، فالقرآن يتكلم عن سيدنا إبراهيم حينما جاءته الملائكة فوجدوا زوجته ويصف حالتها ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود:71) حينما نقرأ فضحكت فبشرناها أول ما يرد لذهننا الضحك، لكن حينما نرجع للُّغة نجد فضحكت يعني حاضت، وفرقٌ كبير جدًّا بين المعنيين..

كلنا يقرأ القرآن ونقول فضحكت إذًا لا تحتاج إلى أن نرجع للتفسير، هي واضحة واحدة ضحكت.. أنا أنتقي لكم ألفاظًا تعطي معنى مختلفًا تمامًا عن المعنى الذي نقرأه لأول وهلة..

ذكر حينما كنتُ في السجن وكان معنا أستاذ فاضل في الشريعة يعلمنا، ونحن نقرأ القرآن حتى أتينا إلى ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن:6)، فأنا قلت له: يا أستاذ هذه سورة قرآنية جميلة جدًّا جمعت بين السماء والأرض فقال لي: وما هي؟! قلت له ربنا يقول: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾، فجمع النجم في السماء والشجر في الأرض في تسبيحةٍ جميلة جدًّا فضحك، فقلت: خيرًا إن شاء الله، فقال لي: "النجم هنا ليس النجم الذي في السماء، العرب تُسمِّي الزرع الذي لا ساقَ له نجْمًا"، فيجب أن أكون حريصًا، في البداية أقرأ حتى تكون عندي الحصيلة، ثم يأتي إحساسي وتأتي خواطري فتكون نابعة عن علم.. الخاطرة التي أقولها لا أقولها من تخيلاتي، بل أقولها من قراءاتي، ثم إذا استنتجت معنى لطيفًا منه مع صحة القراءة يكون جميلاً، ويكون فتحًا من الله تعالى، لكن على ضوء المعاني الموجودة، بمعنى أن اللغة العربية تحكمنا في هذا.

حينما أقول خاطرة أقولها في معنى أعرفه وليس في معنى أستنتجه، هناك فرق كبير جدًّا بين الاثنين، فالأول قرأته وعرفته وعرفت معانيه فأبسطه لإخواني بالمعنى الذي يستوعبونه، لكن لا أحاول أن أصوغ الأفكار والمعاني في اللغة العربية من رأسي، فالأفضل والأحسن أننا نُكَوِّن أنفسنا تكوينًا علميًّا سليمًا ثم تكون لنا بعد ذلك الأفكار.

هناك قضية أخرى، وهي جعل مرجعية الأمة للإسلام بالكتاب والسنة رغم وجود نصارى في الأمة، فمن ناحية الشرع هذا أمر مسلم به، ولكننا نتناول الأمر هنا بمنطق الحكمة والعقل ونقول، هل من العدل أن الكيان الصهيوني تطبق التوراة في فلسطين المسلمة وفيها ملايين من المسلمين؟ وفي أمريكا وأوروبا كذلك، ونحن بدايةً نتساءل: البلد هنا ما دينها؟! سبحان الله في أي بلد من البلاد يُقال بأن الأكثرية ستطبق منهجها، هذا الكلام في الدنيا كلها، فلماذا لا نطبق كمسلمين ديننا الذي هو دين الأغلبية؟ ثم نجدهم يقولون لنا إن العلمانية هي الحل، ولماذا العلمانية هي الحل؟! نحن نناقش معهم الديمقراطية التي ينادون بها.. الديمقراطية تقول إن الأغلبية تضع برنامجها وتطبقه على الجميع، سواء كانت الأغلبية مسلمة أو نصارى أو يهود، وهذا الكلام قلناه لهم: بيننا وبينكم الشعب، إذا الشعب قال نريد إسلامًا نطبق إسلامنا، وإذا قال لا نريد إسلامًا فلكم الأمر؛ لأننا لا نستطيع أن نفرض على الشعب إسلامًا لا يقبلونه، بل لابد أولاً- كما قلنا- أن نبدأ بترسيخ القيم والمبادئ وشرائع الإسلام حتى تسود المجتمع وتحميه.

ولذلك قال الإمام البنا: "لسْنا من السذاجة في شيء بأن نسعَى للحكم وحال الأمة على ما هي عليه"، دعُونا نناقش بعقل ونناقش بمنطق يحكُمُنا قولَه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (سبأ:46).. تعالَوا نفكِّر معًا، ضعُوا لنا نظامًا نتَّفق عليه.. أنتم تقولون: "الحكم ديمقراطي والشعب وما يريد"، ونحن نقبل بذلك، بيننا وبينكم الشعب، لكن من السَّذاجة بمكان أن أقول إن العلمانية هي التي تحكم، بينما 99% من الشعب لا يريدونها، بل فرضت العلمانية عليه فرضًا، فاتركوا الأمر للشعب ولن يختار غير إسلامه.