المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم والظلام

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٠:٠٣، ٣١ يناير ٢٠١٩ للمستخدم Admin (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم والظلام


بقلم/ الأستاذ مصطفي مشهور

إعداد/ عزت الجزار

والكتاب من تراث الأستاذ مصطفي مشهور ولم ينشر في حياته

من نور الوحى

الأستاذ مصطفي مشهور

روى البخارى ومسلم وأحمد بأسانيدهم عن معاوية رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون على الناس )

مرت الأمة الإسلامية خلال عمرها الطويل بفترات مظلمة حالكة ، استطاع فيه أعداء الإسلام فى غفلة من أهله أن يسيطروا على مقدراتها ، ويسلبوا أرضها ، ويستبيحوا أعراضها ، ويسفكوا دم أبنائها .

ويكاد تغلب فى كل مرحلة من هذه المراحل عوامل اليأس ، ومشاعر الإحباط ، التى تقتل الهمم ، وتخدر العزائم ، وتدمر الطموحات ، ولكن كانت رحمة الله تحتضن الأمة برجال قاوموا الأعداء واستردوا الأرض المغتصبة ، واستعادوا الحق السليب .

فالصليبيون أتوا إلى الشرق واحتلوا بلاد الشام ، وعاشوا فى بلاد المسلمين فساداً ، وقتلوا النساء والرضع واستباحوا الحرمات ، وسقطت القدس فى أيديهم ورفعوا الصليب فوق قبة الصخرة ، واتخذوا المحراب مشتى لخيولهم وخنازيرهم ، وغطت جثث المسلمين ساحات المسجد الأقصى ومدينة القدس .. وقتلوا على ما يقرب من تسعين الفاً .. بل وأكلوا لحوم المسلمين بعد شيها بمجرد موتها ، وفعلوا من الجرائم ما لا يخطر على بال ، وما تشيب من هوله الولدان .

وفى وسط هذا الظلام الدامس والياس الذى يقتات كل أمل .. قيض الله عماد الدين زنكى الذى كانت الفرنجة تهابه لكثرة صلاته بالليل فجابههم ودوخهم وكتب الله له النصر عليهم .

وخلفه ابنه نور الدين محمود الذى كان يشبه الخلفاء الراشدين فى سيرته وشجاعته وعدله ، فانتصر عليهم فى وقعة تل حارم سنة 559هـ ، وقتل منهم ما يقرب من عشرين ألفاً واسر من نجا ، وكان من بينهم جميع ملوكهم .

ثم يكتب الله نهاية الصليبيين على يد القائد المظفر صلاح الدين الأيوبى ، وصوت أصحاب الخيام المسرجة بنور القرآن وقيام الليل ، فى معركة حطين ، وطهر بيت المقدس من دنسهم وأعاده لأمة الإسلام .

وكانت بعد ذلك معارك فى مصر ، انتهت بأسر لويس التاسع فى دار بن لقمان بالمنصورة .

أما التتار فقد فعلوا بديار المسلمين ما لا يستطيع قلم أن يصفه .. دمروا الخلافة ، وقتلوا الخليفة رفساً بالأقدام بعد وضعه فى جوال ، وقذفوا بآلاف الكتب فى نهر دجلة حتى تغير لون مائه من حبر الكتب ، وقتلوا من الرجال والنساء ولأطفال الأوف لألوف المؤلفة ، واجتاحوا ديار المسلمين سلباً ونهباً وهدماً ، وتصور الناس أنه لا يأتى يوم الخلاص من هؤلاء ، حتى هيأ الله للأمة فارسها المجاهد العظيم قطز الذى غسل العار وأعاد الديار ، فهزمهم فى معركة عين جالوت 658هـ ، ودخل التتار فى دين الله أفواجاً .

وقد أنجبت هذه المحن من رحمها ثلة من القادة الربانيين كأمثال الوليد ابن عبد الملك الذى فتحت الفتوحات فى عهده كأيام عمر بن عبد الخطاب رضى الله عنه ، وعمر بن عبد العزيز الخليفة الخامس الراشد الزاهد ، وهارون الرشيد الذى كان يحج عاماً ويغزو عاماً ، وفاتح الهند أبو بكر محمد بن القاسم ، وموسى بن نصير فاتح المغرب ، وطارق بن زياد فاتح الأندلس ، وعبد الرحمن الداخل صقر قريش ، وهشام بن عبد الرحمن الداخل شبيه عمر ابن عبد العزيز فى سيرته ، وعبد الرحمن الناصر مؤدب ملوك النصارى ، ويوسف بن عبد المؤمن الذى كان يحفظ البخارى ومدوخ النصارى فى معاركه ، وبيبرس قاهر الصليبين ومدمر أنطاقية وغازى المغول فى ديارهم ، والناصر الذى لا نظير له فى علو الهمة وقوة الإرادة فى ملوك العالم ، والسلطان مراد فاتح جميع الأراضى البلغارية ، ومحمد الفاتح فاتح القسطنطينية ، ولم يزل تاريخ الإسلام زاخراً بالقمم من القادة والأبطال .

ولم ينته القرن التاسع عشر حتى وضع اليهود خطتهم الخبيثة لإقامة دولتهم اللقيطة وهيكلهم المزعوم وبسط نفوذهم على العالم ، وتمكنوا بمساعدة الصليبين الإنجليز والفرنسيين والأمريكان من القضاء على الخلافة الإسلامية بمعاونة اليهودى الماكر كمال أتاتورك عام 1924م وتفتيتها إلى دويلات مستعمرة من أعدائها ، فتمخضت هذه المحنة فى هذا العصر عن ثلة من القادة الذين بعثوا الأمل فى نفوس أبنائها أمثال الأمير عبد القادر الجزائري الذى قاد الجهاد ضد الفرنسيين فى الجزائر ، والأمير عبد الكريم الخطابي ضد الأسبان فى المغرب ، والبطل عمر المختار ضد الطليان فى ليبيا ،والقسام ضد الإنجليز واليهود فى فلسطين .

ولم تمض سنوات أربع على إلغاء الخلافة الإسلامية حتى هيأ الله لهذه الأمة مجدد الإسلام فى هذا العصر الإمام حسن البنا الذى لا يعرف اليأس والإحباط إلى قلبه سبيلاً ، الذى كان يرى بنور الله .. يرى النصر فى نهاية النفق واضحاً لا يشك فيه ، وكان يرى العقبات الكبرى على جنبات الطريق وقد وصفها بدقة ولكنه كان على يقين أنها بمجموعها هى شدة الظلام التى تسبق بزوغ فجر الإسلام الذى تحتاجه البشرية اليوم ، وخاصة بعد أن فشلت كل محاولاتها فى إسعادها واستقرارها .

فأنشأ جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928م وجعل من أهدافها بعث الأمل فى النفوس بأن المستقبل للإسلام بالرغم من انتفاش الباطل ؛ فقال : ( إن دعوتنا هى دعوة البعث والإنقاذ ، وتعتمد على الإيمان العميق ، والتكوين الدقيق والعمل المتواصل ) وقال : ( أيها الإخوان لا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين ، وحقائق اليوم أحلام الأمس ، وأحلام اليوم حقائق الغد ، ولا زال فى الوقت متسع ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة فى نفوس المؤمنين رغم طغيان مظاهر الفساد ، والضعيف لا يظل ضعيفاً طول حياته ، والقوى لا تدوم قوته أبد الآبدين { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم الوارثين } [ القصص : 5 ] ويقول فى آخر فقرة من آخر مقال كتبه : ( أيها الإخوان ، ستكشف الغمة وتزول المحن إن شاء الله ، تخرجون من البلاء خروج السيف من جرابه أتقياء أنقياء ، والله تعالى يربيكم بالمنحة والمحنة { سنت الله التى قد خلت فى عباده وخسر هنالك الكافرون } [ غافر :85 ] ، { اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } [ آل عمران : 200] .

ولا تكاد تخلو رسالة أو مقالة مما كتبه الإمام من إحياء الأمل فى النفوس وإشعاله فى الصدور . وخلفه أئمة الهدى الذين نهجوا نهجه فى إحياء الأمل فى النفوس ، فكان الإمام الهضيبي الذى أحيا الأمل فى نفوسنا بصلابته وثباته فى وجه الطغيان ، وكان فى صمته قدوة فى وسط الخطوب وقال : نحن دعاة لا قضاة .

وفى فترة انحرفت فيها المفاهيم وزاغت فيها العقول وسلك الشباب مسالك شتى .. كان الإمام الثالث عمر التلمساني بحكمته يقود الشباب إلى طريق الأمل المنشود ، وقال لهم : ( إن علة العلل فى حالنا هى الارتياب فى قدرتنا على تحقيق الأمل . وهذا الارتياب هو المخذل المريع فى همة أية أمة أو شعب ، إنه كفيل بالقضاء على أعتى الأمم كياناً فى الوجود ، ها الارتياب هو الذى يحتم علينا أن نتخلص من ضعفنا .. وبغير التخلص من هذا الارتياب ستظل خبراتنا تذهب إلى غيرنا ، كما يذهب ماء الساقية غلى أرض بعيدة عن موقعها ، دون أن يستفيد من المخلوق الدائر فى مداره طوال فترة عمره ، فهل فقدنا الإرادة الصادقة ؟ وهل ينقصنا الإيمان الذى لا يعرف المستحيل ؟

إن ما أقول ليس خيالاً ، إذا صدق إيماننا بالله وقدرته ، وكما قامت الأدلة والشواهد فى دنيا المسلمين وغيرهم ، على إمكان النهوض من الكبوة والاستفاقة من الغفلة ، إذا ما صح العزم وصدق اليقين ، لأننا نكون إنما نعتمد على القوة التى لا تقهر ، والقدوة التى لا يقف أمام سلطانها سلطان . سنشقى ؟ .. أجل . سنتعب ؟ .. سنتعرض لمتاعب لا حصر لها ؟.. حقاً ، كل ذلك وارد فى الاعتبار ، ولكن لا طريق سواه ، وإذا لم يكن فى الاستطاعة مركب إلا المحن والعقبات ، فما من سبيل سوى اقتحام المحن ، وتحمل التضحية ، والبذل المتواصل ) .

ومع ( أبو النصر ) جاء النصر بانتشار الدعوة داخلياً وخارجياً وتعرف المسلمين على حقيقة دعوة الإخوان ، دعوة الإسلام فى القرن الخامس عشر الهجرى .

ويكتب الله للدعوة أن يتولى أمرها أ / مصطفى مشهور رحمه الله فى مرحلة اجتمعت فيها قوى البغى على الإسلام للأكل من قصعته ، وتحقيق أهداف بنى صهيون حتى يظن الناس اليوم أنه لا خلاص مما نحن فيه ، وينبغى أن نلجأ إلى أعدائنا فيما دق أو جل من أمرنا ، فنهج نهج الإمام البنا فى بعث الأمل والتأكيد على ان المستقبل للإسلام رغم طول الظلم والظلام .

ورأينا أنه من الواجب علينا فى هذه المرحلة أن نضع بين أيدى إخواننا هذا الكتاب ( المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم والظلام ) والذى جمعته مما كتبه الإمام المرشد فى مقالاته فى جريدة الشعب ورسالة الإخوان ، ومجلة الدعوة . وقد صدرته بكلام الإمام البنا رحمه الله فى الرسائل حول المل واليأس . نسأل الله عز وجل أن يرحم مرشدينا الحسنين وعمر وأبا النصر ومصطفى مشهور ومأمون الهضيبي . وأن يبارك ويحفظ قادتنا ، ويرفع رايتنا ،وينشر دعوتنا ويجمع قلوب الناس عليها . والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل

الإسلام والأمل

فى رسائل الإمام حسن البنا

( تحتاج الأمة الناهضة إلى المل الواسع الفسيح ، وقد أمد القرآن أممه بهذا الشعور بأسلةب يخرج من الأمة الميتة أمة كلها حياة وهمة وأمل وعزم ، وحسبك أنه يجعل اليأس سبيلاً إلى الكفر ، والقنوط من مظاهر الضلال ؛ وإن أضعف الأمم إذا سمعت قوله : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم فى الأرض } [ القصص : 5، 6 ] .

وقوله تعالى : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنت الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس } [ آل عمران : 139 ، 140] .

وقوله تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلواحتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } [ البقرة : 214] .

إن أضعف الأمم إذا سمعت هذا التبشير كله وقرأت ما إليه من قصص تطبيقية واقعية ، لابد أن تخرج بعد ذلك إلى اقتحام المصاعب مهما اشتدت ، ومقارعة الحوادث مهما عظمت ، حتى تظفر بما تصبو إليه من كمال )

( ها هو ذا الغرب يظلم ويجور ويطغى ويحار ويتخبط ، فلم يبق إلا أن تمتد يد ( شرقية ) قوية يظللها لواء الله وتخفق على رأسها راية القرآن ويمدها جند الإيمان القوى المتين ، فإذا بالدنيا مسلمة هانئة ، وإذا بالعوالم كلها هاتفة : { الحمد لله الذى هدانا لهذا وماكنا لنهتدى لولا أن هدانا الله } [ الأعراف : 43 ] .

ليس ذلك من الخيال فى شىء ، بل هو حكم التاريخ الصادق ، إن لم يتحقق بنا { فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } [ المائدة :54 ] . بيد ان نحرص على أن نكون ممن يحوزون هذه الفضيلة ، ويكتبون فى ديوان هذا الشرف { وربك يخلق ما يشاء ويختار } [ القصص : 68 ] .


نظرة تاريخية :

إن نهضات المم جميعها إنما بدأت على حال من الضعف يخيل للناظر إليها أن وصولها إلى ما تبغى ضرب من المحال . ومع هذا الخيال فقد فقد حدثنا التاريخ أن الصبر والثبات والحكمة والأناة وصلت بهذه الهضات الضعيفة النشأة ، القليلة الوسائل إلى ذروة ما يرجو القائمون بها من توفيق ونجاح . ومن ذا الذى كان يصدق أن الجزيرة العربية وهى تلك الصحراء الجافة الجدية تنبت النور والعرفان ، وتسيطر بنفوذ أبنائها الروحى والسياسى على أعظم دول العالم ؟ ومن ذا الذى كان يظن أن أبا بكر وهوصاحب ذلك القلب الرقيق اللين ، وقد انقض الناس عليه وحار أنصاره فى أمرهم ، يستطيع أن يخرج فى يوم واحد أحد عشر جيشاً تقمع العصاة وتقيم المعوج ، وتؤدب الطاغى وتنتقم من المرتدين ، وتستخلص حق الله فى الزكاة من المانعين ؟ ومن ذا الذى كان يصدق أن هذه الشيعة الضئيلة المستترة من بنى على والعباس تستطيع أن تقلب ذلك الملك القوى الواسع الكناف ما بين عشية أو ضحاها ، وهى ما كانت يوماً من الأيام إلا عرضة للقتل والتشريد والنفى والتهديد ؟ ومن ذا الذى كان يظن أن صلاح الدين الأيوبى يقف الأعوام الطوال ، فيرد ملوك أوروبا على اعقابهم مدحورين ، مع توافر عددهم وتظاهر جيوشهم ، حتى اجتمع عليه خمسة وعشرون ملكاً من ملوكهم الأكابر ؟

ذلك فى التاريخ القديم . وفى التاريخ الحديث أروع المثل على ذلك ، فمن كان يظن أن الملك عبد العزيز آل سعود وقد نفيت أسرته وشرد أهله وسلب ملكه يسترد هذا الملك ببضعة وعشرين رجلاً ، ثم يكون أملاً من آمال العالم الإسلامى فى إعادة مجده وإحياء وحدته ؟ ومن كان يصدق أن ذلك العامل الألمانى ( هتلر ) يصل إلى ما وصل إليه من قوة النفوذ ونجاح الغاية ؟ .


أحلام الأمس حقائق اليوم :

هذا كلام عهد المسلمين باستماعه فقد يكون غامضاً عليهم غير مفهوم لديهم . وقد يقول قائل : مالهؤلاء الجماعة يكتبون فى هذه المعانى التى لا يمكن أن تتحقق ، ومالهم يسبحون فى جو الخيال والأحلام ؟

على رسلكم أيها الإخوان فى الإسلام والملة ، فإن ما ترونه اليوم غامضاً ً بعيداً كان عند أسلافكم بدهياً قريباً ؛ ولن يثمر جهادكم حتى يكون كذلك عندكم ، وصدقونى : إن المسلمين الأولين فهموا من القرآن الكريم لأول ما قرأوه فيهم ، ما ندلى به اليوم إليكم ونقصه عليكم .

وأصارحكم بأن عقيدة الإخوان المسلمين يحيون بها ويأملون الخير فيها ، ويموتون عليها ويرون فيها كل ما تصبو إليه نفوسهم من متعة وجمال وإسعاد وحق: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }الحديد16.

أيها الإخوان ، إذا اتفقتم معنا على هذا الأساس فاعلموا أن انتسابكم إلى الله تبارك وتعالى يفرض عليكم أن تقدروا المهمة التى ألقاها على عاتقكم ، وتنشطوا للعمل لها والتضحية فى سبيلها ، فهل أنتم فاعلون ؟.


أمل وشعور :

وأحب أن تعلم يا أخى قبل أن أتحدث لك عن هذه الوسيلة أننا لسنا يائسين من أنفسنا ، وأننا نأمل خيراً كثيراً ، ونعتقد أنه لا يحول بيننا وبين النجاح إلا هذا اليأس ، فإذا قوى الأمل فى نفوسنا فسنصل إلى خير كثير إن شاء الله ، لهذا نحن لسنا يائسين ولا يتطرق اليأس إلى قلوبنا والحمد لله . وكل ما حولنا يبشر بالأمل رغم تشاؤم المتشائمين ، إنك إذا دخلت على مريض فوجدته تدرج من كلام إلى صمت ومن حركة إلى سكون شعرت بقرب نهايته وعسر شفائه واستفحال دائه ، فإذا انعكس الأمر واخذ يتدرج من صمت إلى كلام ومن همود إلى حركة شعرت بقرب شفائه وتقدمه فى طريق الصحة والعافية . ولقد أتى على هذه الأمم الشرقية حين من الدهر جمدت فيه حتى ملها الجمود ، وسكنت حتى أعياها السكون ، ولكنها الآن تغلى غلياناً بيقظة شاملة فى كل مناحى الحياة ، وتضطرم اضطراماً بالمشاعر الحية القوية والأحاسيس العنيفة . ولولا ثقل القيود من جهة والفوضى فى التوجيه من جهة أخرى ، لكانا لهذه اليقظة أروع الآثار ، ولن تظل هذه القيود قيوداً أبد الدهر فإنما الدهر قلب .

وما بين طرفة عين وانتباهتها
يغير الله من حال إلى حال

ولن يظل الحائر حائراً ، فإنما بعد الحيرة هدى وبعد الفوضى استقرار، ولله الأمر من قبل ومن بعد . ولهذا لسنا يائسين أبداً ، وآيات الله تبارك وتعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم ، وسنته تعالى فى تربية الأمم وإنهاض الشعوب بعد أن تشرف على الفناء ، وما قصه علينا من ذلك فى تابه كل ذلك ينادينا بالأمل الواسع ، ويرشدنا إلى طريق النهوض الصحيح .

وإنك لتقرأ الآية الكريمة فى أول سورة القصص : { طسم{1} تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ{2} نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ{3} إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ{4} وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ{5} وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ{6}} . [ القصص : 1-6] .

تقرأ هذه الآية الكريمة فترى كيف يطغى الباطل فى صولته ويغتر بقوته ، ويطمئن جبروته ويغفل فى عين الحق التى ترقبه ، حتى إذا فرح بما أوتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر ، وأبت إرادة الله إلا أن تنتصر للمظلومين وتاخذ بنصر المهضومين المستضعفين ، فإذا بالباطل منهار من أساسه ، وإذا الحق قائم البنيان متين الأركان ، وإذا أهله هم الغالبون . وليس بعد هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الكتاب المحكم عذر فى اليأس والقنوط لأمة من أمم الإسلام تؤمن بالله ورسوله وكتابه ، فمتى يتفقه المسلمون فى كتاب الله ؟

لمثل هذا يا أخى – وهو كثير فى دين الله – لم ييأس الإخوان المسلمون من ان ينزل نصر الله على هذه الأمم رغم ما يبدو أمامها من عقبات ، وعلى ضوء هذا الأمل يعملون عمل الآمل المجد والله المستعان.

أيها الإخوان المسلمون :

لا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين ، وحقائق اليوم أحلام الأمس ، وأحلام اليوم حقائق الغد . ولا زال فى الوقت متسع ، ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة فى نفوس شعبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد . والضعيف لا يظل ضعيفاً طول حياته ، والقوى لا تدوم قوته أبد الآبدين : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ } [القصص5،6] .

إن الزمان سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام ، وغن الفرص ستسنح للأعمال العظيمة ، وإن العالم ينتظر دعوتكم ؛ دعوة الهداية والفوز والسلام لتخلصه مما هو فيه من آلام . وإن الدور عليكم فى قيادة الأمم وسيادة الشعوب ، وتلك الأيام نداولها بين الناس ،وترجون من الله مالا يرجون ، فاستعدوا واعملوا اليوم فقد تعجزون عن العمل غداً .

لقد خاطبت المتحمسين منكم أن يتريثوا وينتظروا دورة الزمان ، وإنى لأخاطب المتقاعدين أن ينهضوا ويعملوا ، فليس مع الجهاد راحة {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69.وإلى الأمام دائماً.

وفى رسالة الإخوان تحت راية القرآن يذكر الإمام البنا أن عدة الإخوان هى عدة سلفنا من قبل وهى الإيمان بالله ونصره وتأييده ، وبالمنهاج ومزيته وصلاحيته ، وبالجزاء وجلاله وعظمته وجزالته ، وبأنفسنا لاختيار الله ، مطمئنون إلى تأييده : وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [الحج40-41] .


بين الخيال والحقيقة :

سيقول للذين يسمعون هذا : إنه الخيال بعينه وإنه الوهم ، وإنه الغرور وأنى لهؤلاء الذين لا يملكون إلا الإيمان والجهاد أن يقاوموا هذه القوى المتألبة المجتمعة والأسلحة المتنوعة المختلفة ، وأن يصلوا إلى حقهم ، وهم بين ذراعى وجبهة الأسد .

سيقول كثيرون هذا ، ولعل لهم بعض العذر ، فهم قد يئسوا من أنفسهم ويئسوا من وصلتهم بالقوى القادر . أما نحن فنقول إنها الحقيقة التى نؤمن بها ونعمل لها ونحن نقرأ قول الله تعالى : {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً }النساء104. وإن الذين فتحوا اقطار الدنيا ، ومكن الله لهم فى الأرض من اسلافنا لم يكونوا أكثر عدداً ، ولا أعظم عدة ؛ ولكنهم مؤمنون مجاهدون ، ونحن سنعتد اليوم بما اعتد به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال : ( بشر خُبيبا بظهور هذا الأمر حتى يسير الراكب من عدن إلى عمان ولا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ) وكانوا يستترون .

ويوم وعد سُراقة بن مالك سوارى كسرى ، وكان مهاجراً بدينه ليس معه إلا ربه وصاحبه .

ويوم هتف مطلعاً على قصور الروم البيضاء ، وقد حاصره المشركون فى مدينته بجنود من فوقهم ومن أسف منهم : { وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا }الأحزاب10.

ثم ماذا كان بعد ذلك ؟

كان أن اصغى مسمع الدهر لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترددت فى فم الزمانآيات قرآنية واشرقت شموس الهداية فى كل مكان من قلوب أصحابه وأتباعه ، وعم الكون نور ، ورفرف على الدنيا سلام ، وتذوقت افنسانية حلاوة السعادة بعدالة الحكم ، وأمن المحكوم فى ظل هذا الرعيل الأول من تلامذة محمد صلوات الله عليه وسلامه ، وفتحت قصور الروم ، ودانت مدائن الفرس ، ومدت الأرض بأعناقها ، وألقت بجرانها وزويت أكنافها ، واستسلمت مختارة للهداية المنقذة ، ترف عليه أنفاس النبوة ، وتمازجها أنفاس الوحى المقدس ، وتحف بها رحمة الله من كل جانب : {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً(25) وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً(26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} [الأحزاب: 25-27] .

سنعتد أيها الناس اليوم بهذه العدة ، وسننتصر كما انتصر أسلافنا بالأمس القريب ، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ، وسيتحقق وعد الله تبارك وتعالى : {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ } [القصص :5-6] ، {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ }الروم60 .

وتحت عنوان يقظة الروح : الإيمان والعزة والأمل وما يقول: ( إن النبى صلى الله عليه وسلم قذف فى قلوب صحابته بهذه المشاعر الثلاثة فأشرقت بها وانطبعت عليها :

أ‌- قذف فى قلوبهم أن ما جاء به هو الحق وما عداه الباطل ، وأن رسالته خير الرسالات ، ونهجه أفضل المناهج ، وشريعته أكمل النظم التى تتحقق بها سعادة الناس أجمعين ، وتلا عليهم من كتاب الله ما يزيد هذا المعنى ثباتاً فى النفس وتمسكاً فى القلب : {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [ الزخرف43-44] ، {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ }النمل79، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }النساء65، فآمنوا بهذا واعتقدوهوصدروا عنه .

ب‌- وقذف فى قلوبهم أنهم ما داموا أهل الحق وما داموا حملةرسالة النور وغيرهم يتخبط فى الظلام ، مادام بين يديهم هدى السماء لإرشاد الأرض ، فهى إذن يجب أن يكونوا أساتذة الناس وان يقعدوا من غيرهم مقعد الأستاذ من تلميذه : يحنو عليه ويرشده ويقومه ويسدده ويقوده إلى الخير ويهديه سواء السبيل .

وجاء القرآن الكريم يثبت هذا المعنى ويزيده كذلك وضوحاً ، وصاروا يتلقون عن نبيهم من وحى السماء : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [ آل عمران : 110] ، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } [ البقرة : 143] ، {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [ الحج : 78] ، فآمنوا بهذا أيضاً واعتقدوه وصدروا عنه .

جـ- وقذف فى قلوبهم أنهم ما داموا كذلك مؤمنين بهذا الحق معتزين بانتسابهم إليه ، فإن الله معهم يعينهم ويرشدهم وينصرهم ويؤيدهم ويمدهم إذا تخلى عنهم الناس ، ويدفع عنهم إذا أعوزهم النصير ، وهو معهم أينما كانوا . وإذا لم ينهض معهم جند الأرض ينزل عليهم المدد من جند السماء ، واخذوا يقرؤن هذه المعانى واضحة فى كتاب الله : { أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }الأنبياء105، { إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }الأعراف128، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }الحج40، {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }المجادلة21، { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21، {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ }[ الأنفال : 12 ] ، {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ }[ القص : 5] . قرأوا هذا وفقهوه جيداً فآمنوا به واعتقدوه وصدروا عنه .

وبهذه المشاعر الثلاثة : الإيمان بعظمة الرسالة والاعتزاز باعتناقها والأمل فى تاييد الله إياها ، أحياها الراعى الأول صلى الله عليه وسلم فى قلوب المؤمنين من صحابته بإذن الله ، وحدد لهم أهدافهم فى هذه الحياة ، فاندفعوا يحملون رسالتهم محفوظة فى صدورهم أو مصاحفهم ، بادية فى أخلاقهم وأعمالهم معتدين بتكريم الله إياهم ، واثقين بنصره وتاييده ، فدانت لهم الأرض العادلة ، وبدلوا فيها سيئات المادية الجامدة إلى الحسنات الربانية الخالدة ، ويأبى الله إلا ان يتم نوره.

ويجيب الإمام الشهيد عن تساؤل يطرحه بعض الناس : وما وسائلكم أيها المغلبون على أمركم لتحقيق مطالبكم والوصول إلى حقكم ؟ ونقول نحن فى سهولة ويسر : إن الحق هو سلاح الإخوان الذى لا يُفل ولا تنال منه الليالى والأيام ، ثم الإيمان الذى له سر من أسرار القوة لا يدركه إلا المؤمنون الصادقون ثم يقول : والأمل بعد ذلك سلاح ثالث فنحن لا نيأس ولا نتعجل ولا نسبق الحوادث ولا يضعف من همتنا طول الجهاد والحمد للله رب العالمين ؛ لأننا نعلم أننا مثابون متى حسنت النية وخلصت الضمائر وهى بحمد الله ، فكل يوم يمضى يكتب لنا فيه ثواب جديد والنصر من وراء ذلك لا يتخلف {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ }المجادلة21، {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } يوسف110، ففيم اليأس وفيم القنوط ؟ لن يجد اليأس إلى قلوبنا سبيلاً بإذن الله . إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

إن الدين عند الله الإسلام

هذا الدين الذى ظهر منذ أربعة عشر قرناً وأقام حضارة لا مثيل لها من عند الله الحكيم الخبير ، والتى واءمت بين الروح والمادة ، فى تكامل وشمول واوضحت للإنسان مكانته فى هذه الحياة وغايته فيها ، فى ظل مُثل وقيم خلقية تحميه من الإنحراف والضياع ، وجعلت الإيمان بمفرداته الستة والإسلام بأركانه الخمسة والعدل والإحسان والشورى دعائم تقوم عليها حياة الإنسان فى الدنيا والآخرة ، وهى ليست امتداداً لحضارة سبقتها ولا تطويراً لحضارة عاصرتها .

إن المسلم فى ظل حضارته الإسلامية يعبد الله ويفعل الخير ، ويتحلى بالفضائل ويتخلى عن الرذائل ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، تكفل له نظاماً تربوياً على مستوى الفرد والأسر والمجتمع ، كما تكفل له نظاماً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ، وفى كل مجال من مجالات الحياة الإنسانية ، بل تكفل لغير المسلمين الذين يعيشون فى ظلها كل أنواع الأمن والأمان .

هذا الدين الإسلامى جاء للناس كافة وحتى قيام الساعة ، فحضارة الإسلام مستمرة وتوجب على المسلمين التجديد والإحياء لأمور الدين ، وتوجب عليهم الصحوة واليقظة واستمرارية النهوض ، ومقاومة كل عوامل الجمود والفساد ، بل جعلت الإصلاح رديف الإيمان والتقوى ، قال الله تعالى : {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }الأنعام48، وقال: { فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }الأعراف35.

فكلما ضعف أمر الدين فى الفوس أو تقادم أثره أصبح التجديد لأمر الدين مطلباً شرعياً وعملاً ضرورياً ، وقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا التجديد ، فقد روى أبو داود وبسنده عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس ك مائة سنة من يجدد لها دينها ).

وروى البخارى ومسلم وأحمد بأسانيدهم عن معاوية رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم ، حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون على الناس ).

لذلك ما خلا قرن من القرون فى تاريخ الإسلام من قادة مجددين أيقظوا المسلمين من غفلتهم ، ومضوا فى طريق الإصلاح والتجديد ، وتركوا من ورائهم أعظم الآثار ، ودفعوا أفدح الأخطار عن الأمة الإسلامية .

وقد عملوا وسعهم فى القرنين الآخرين على تخليص العالم الإسلامى من أعدائه الذين احتلوا أرضه بالقوة العسكرية ، فكانوا علامات بارزة فى طريق الصحوة الإسلامية . غير أن الأعداء لجأوا إلى الغزو الفكرى والثقافى ، وإلى الحرب الباردة ضد العالم الإسلامى والحملات المعادية ضد الإسلام والمسلمين .

وكان من تخطيط اليهود ، وهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا ، أن استعانوا بغيرهم من الدول الأوروبية وأخذوا وعد بلفور من الإنجليز لتمكينهم من أرض فلسطين ، كما تآمروا مع مصطفى كمال أتاتورك واسقطوا الخلافة العثمانية .

وهنا أقول للتاريخ : إنه عقب سقوط الخلافة العثمانية عام 1924م فكر الإمام حسن البنا رحمه الله وقال : إنه لا يمكن أن يبقى المسلمون بدون دولة خلافة تجمع كلمتهم وتوحد صفوفهم وتكون لها شوكة تحمى المسلمين من عدوان الأعداء ، فاستأمس برأى العلماء ثم أنشأ جماعة ( الإخوان المسلمون ) عام 1928م وجعل هدفها تحرير الوطن الإسلامى من كل سلطان أجنبى ، ثم إقامة الولة على هذا الوطن المحرر.

وقد حرص رضوان الله عليه أن يتأسى بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سيره بالدعوة بتدرجها ومراحلها ، فالتاريخ يعيد نفسه ، من حيث هذه الجاهلية الواضحة فى العام وضعف المسلمين وقوة الأعداء وضرورة العمل على إقامة دولة تجمع المسلمين وتحميهم ، وتحمل لواء دعوة البشرية لهذا الدين الحق .

فحرص على توضيح حقيقة الإسلام بشموله وكماله ، وتخليصه مما شابه من بدع وخرافات ومن انحرافات وزيغ ، واهتم بعنصر التربية وإعداد الفرد المسلم رجلاً كان أو امرأة ، وكذا إعداد الأسرة المسلمة وإعداد المجتمع المسلم ، وكلما أتقنا إعداد القاعدة الصلبة التى يقوم عليها البناء يستقر البناء ولا ينهار ، كما ترفض القاعدة أن يستقر عليها غير الحكم الإسلامى ، وأى تعجل أو تقصير فى إعداد القاعدة قد يعرض البناء للإنهيار أمام ضغوط الأعداء .

وكان حريصاً على تعريف الإخوان على قضايا العالم الإسلامى والاهتمام بها والبذل والتضحية فى سبيل عزتها واستقلالها امتثالاص لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) . رواه مسلم عن النعمان بن بشير .

وكان حريصاً على تنمية روح الأخوة والحب فى الله بين الإخوان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حين آخى بين المهاجرين والأنصار .

ونبه الإخوان إلى أنهم سيتعرضون فى طريقهم إلى محن وابتلاءات من الأعداء ، وأن هذه المحن هى سنة الله فى الدعوات للصقل والتمحيص ، وكان يوصينا بالثبات و الثقة فى تأييد الله ونصره لعباده المؤمنين . وان اهتمامه بقضية فلسطين مبكراً منذ ثورة القسام ، وكلنا يعلم موقف الإخوان وجهادهم فى 48 ، وتآمر الدول على هذا الجهاد وإعلان الهدنة ، ثم التقسيم وحل الإخوان واعتقالهم ، وكانت محنة 48 واستشهاد الإمام البنا ، وتوالت المحن ، وكان الإمام حسن الهضيبي – رحمه الله – موفقاً مسدداً بصلابته وثباته ، فحافظ على كيان الجماعة رغم قسوة تلك المحن .

وحرص الإخوان على نشر دعوتهم قبل المحن واثناءها وبعدها ، وتعاونوا مع الحركات الإسلامية المختلفة على الساحة العالمية ، وتضامنوا فى مناصرة القضايا الإسلامية ، وبث الروح الإسلامية فى النفوس ن وضرورة العمل الجماعى للنهوض من هذه الكبوة .

حقيقة الإسلام وجوهره

من حق المسلمين والناس أجمعين أن نوضح لهم حقيقة الإسلام بعد ما أهاله عليه الأعداء وأعوانهم من المسلمين من شبهات وإساءات لتنزيل هذا اللبس والأثر السىء ، الذى تركه اليهود والصهاينة عند الغرب والشرق ، وليعلم الناس أجمعون أن المسلمين لا يحملون لهم إلا كل الخير والهداية ، وليس فى الإسلام ما يعكر صفو العلائق بيننا وبين الغرب .

فالإسلام ينهض بالأمم ويبعث فيها الأمل الكبير ، وقد جعل اليأس سبيلاً إلى الكفر ، ثم نجد القرآن يقول : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } [القصص : 5،6] ، ويقول تعالى : {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران139، وغير ذلك من الآيات ، ونجد الإسلام يدعو المسلمين إلى الاعتزاز بانتمائهم للإسلام فيقول تعالى : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } آل عمران : 139 ، ويقول تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً } البقرة : 143 ، ويقول تعالى : { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ }المنافقون8 .

والإسلام يهتم بإعداد المسلمين للجندية والجهاد فى سبيل الله ، فيقول تعالى : {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ } [ الأنفال : 60 ] ، ويقول : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } البقرة : 216، كما يهتم الإسلام بالصحة العامة فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) ، ويقول : ( إن لبدنك عليك حقاً ) وفى الثر علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل .

والإسلام يدعو إلى العلم والبحث فى أسرار الكون بما يفيد الناس ، وأول آية نزلت من القرآن : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }العلق1.

وقد أقر علماء الغرب أن علماء المسلمين هم الذين وضعوا اسس العلوم الحديثة ، ثم إن القرآن وهو معجزة الإسلام الخالدة قد تضمن آيات كثيرة فى إشارات إلى حقائق علمية لم يكشفها العلماء إلا حديثاً ، منها على سبيل المثال أطوار الجنين فى بطن أمه ، فقد ذكرها القرآن منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة .

والإسلام يهتم بالأخلاق الفاضلة وينهى عن الأخلاق السيئة ، فالرسول يصفه القرآن بقوله : {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }القلم4 ، فالأخلاق هى أساس الأمم ، فالأخلاق الفاضلة من صدق وأمانة وحلم ورحمة وغير ذلك مما يحث عليه الإسلام ، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) .

كما يهتم الإسلام بالإقتصاد ويحدد المعالم الصحيحة التى تفيد الأمة الإسلامية بالمال ، ولا تنحرف به فى كسبه أو إنفاقه ، كما يكفل الإسلام لكل فرد ضروريات حياته فلا يلجأ إلى التسول أو السرقة .

فالإسلام يحمى غير المسلمين ويصون حقوقهم . فنجد القرآن الكريم يؤكد هذا فى قوله تعالى :{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } الممتحنة8 .

هكذا لو عرف الناس حقيقة الإسلام لما عدوه ، وخاصة الغرب الذى تسلط عليه اليهود بالإعلام وشوهوا صورة الإسلام عندهم ، ولوجدوا فيه المنقذ لهم من الضياع والخواء الروحى .

عبارات للإمام البنا

لقد قال فى رسالة النور  : لقد كانت قيادة الدنيا فى وقت ما شرقية بحتة ، ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان غربية ، ثم نقلتها النبوات الموسوية والعيوية والمحمدية إلى الشرق مرة ثانية . ثم غفا الشرق غفوته الكبرى ونهض الغرب نهضته الحديثة ، فكانت سنة الله التى لا تتخلف ، وورث الغرب القيادة العالمية ، وها هو الغرب يظلم ويجور ويطغى ويحار ويتخبط . فلم يبق إلا أن تمتد يد شرقية يظللها لواء الله وتخفق على رأسها راية القرآن ويمدها جند الإيمان القوى المتين ، فإذا بالدنيا مسلمة هانئة وإذا بالعوالم كلها هاتفة : { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ } الأعراف : 43 .

ويقول : ليس ذلك من الخيال فى شىء بل هو حكم التاريخ الصادق لم يتحقق بنا : { فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } المائدة : 54 .

بيد اننا نحرص على أن نكون ممن يحوزون هذه الفضيلة ويكتبون فى ديوان هذا الشرف : {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } [ القصص : 68 ] .

حضارتنا .. وحضارتهم

تقلبت على البشرية عبر تاريخها الطويل حضارات متعددة ، قامت غالبيتها على أسس عرقية قومية تستهدف السيطرة امادية لتحقيق السيادة والرفاهية لهذا العرق على حساب غيره من البشر ، إلا حضارة واحدة هى حضارتنا الإسلامية التى قامت على أسس إنسانية أخلاقية تستهدف سعادة البشر فى الدنيا والآخرة ، ولقد اتصفت هذه الحضارة بخصائص سامية سأشير إلى بعضها فى مقالى هذا إشارات موجزة ،ثم أقارنها بنظائرها فى الحضارة الغربية المعاصرة التى يراد لها أن تسيطر على العالم ، وتمحو غيرها من الحضارات تحت مصطلح العولمة ، والتى بهرت – للأسف الشديد – جمهوراً ليس بقليل فى دولنا ، سوف أعرض ذلك حتى يعلم الناس حضارتنا وحضارتهم .


معالم حضارتنا

- تقوم حضارتنا على الإيمان بالله تعالى وتوحيده توحيداً خالصاً يشوبه أى شرك : {وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ }البقرة163. ويترتب على ذلك أن يكون الناس جميعاً عبيداً لهذا الإله ، على قدم المساواة ، ويترتب على ذلك أيضاً أن يكون الله تعالى بجانب استحقاقه للعبادة مستحقاً للطاعة فيما يشرعه للناس من منهاج للحياة .

- وتقوم أيضاً على الإيمان باليوم الآخر والحساب والثواب والعقاب ، فمن ظلم نفسه أو ظلم الناس واستطاع أن ينجو من عقاب الدنيا ، فلن ينجو من عذاب الله يوم القيامة .

- وتقوم على المساواة فى القيمة الإنسانية بين البشر جميعاً : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } الحجرات : 13 .. " أيها الناس إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، ليس لعربى على أعجمى ، ولا لعجمى على عربى ، ولا لأحمر على أبيض ، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى ،ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد " ولقد كان من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان الفارسى الذى اعتبره النبى من آل بيته : " سلمان منا آل البيت " ، وصهيب الرومى الذى أثنى النبى صلى الله عليه وسلم على تصرفه بالتنازل عن ماله للخلاص بعقيدته : " ربح البيع أبا يحى " ، وبلال الحبشى الذى وصفه عمربن الخطاب بأنه سيدهم .

- وتقوم على تكريم الإنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عن جنسه أو لونه أو لغته أو دينه {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 .

ولقد ترتب على هذا التكريم توفير الحريات لكل الناس ، فكفل حرية العقيدة والعبادة {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } البقرة : 256 بل إن الإسلام ليشرع القتال ، من أجل درء الفتنة حتى عن غير المسلمين {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ } [ البقرة : 193 ] وحينما فتح المسلمون بلاد الشام ومصر وجدوا الرومان يعذبون إخوانهم فى العقيدة نصارى الشام وأقباط مصر لإرغامهم على اعتناق المذهب الملكانى ، فأجلوا الرومان ورفعوا عن الناس الفتنة ، وتركوهم وشأنهم ، فمن اختار الإسلام أسلم ، ومن بقى على عقيدته تركوه ، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، وكفل حرية الرأى والتعبير والتنقل والعمل والتملك ، وحق الكفالة الإجتماعية عند العجز أو الحاجة ، فحينما رأى عمر بن الخطاب يهودياً يسأل الناس فى شيخوخته أمر له بعطاء دورى من بيت المال .

- وتقوم على أن التفاضل بين الناس لا يكون إلا بالتقوى والعمل الصالح ، لا بالجنس ولا باللغة ولا بالمال ولا بالقوة { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [ الحجرات : 13 ] " أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس " .

- وتقوم على تكريم المرأة ومساواتها بالرجل فيما يتفقان فيه من خصائص ، والتفرقة بينهما فيما يختلفان فيه من وظائف " النساء شقائق الرجال " {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }النحل97، وسما بالعلاقة بينهما وبين الرجل حيث جعلهما علاقة مودة ورحمة وطهارة فى إطار الزواج والأسرة والحقوق والمسئوليات المتبادلة .

- وتقوم علبى الأخلاق الإنسانية لا القومية ، فالصدق واجب مع الجميع ، والكذب حرام مع الجميع ، والعدل فريضة مع المؤمن والكافر والعدو والصديق {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } [ النساء : 135] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [ المائة :8 ] ، وقصة تمكين عمر بن الخطاب أحد أقباط مصر ان يقتص من ابن عمرو بن العاص والى مصر عندما ضربه ، وقول الفاروق له : " اضرب ابن الأكرمين " وقوله لعمرو بن العاص : " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاته أحراراً ؟ " دليل واضح على العدل ، بل إن النبى صلى الله عليه وسلم ليقرر مبدأ العدل المطلق حينما شفع أسامة بن زيد فى المرأة المخزومية التى سرقت فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد شسرقت لقطع محمد يدها " .

- بل إن الحروب التى خاضها المسلمون كانت حروب تحرير الشعوب من الطغاةوالمستعمرين ، ولقد رحبت الشعوب بالفاتحين المسلمين وأيدتهم ضد الطغاة الظالمين ولو كانوا على مثل عقيدتهم ، بل دخلوا فى دين الله أفواجاعن رضا واختيار ، هذه الحروب كانت تحكمها مبادىء وآداب تتمثل فى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " اغزوا باسم الله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا وستجدون رجالا فى الصوامع معتزلين الناس فلا تعترضوا لهم ، ولا تقتلن امرأة ولا صغيراً ضرعاً أو كبيراً فانياً ، ولا تغرقن نخلاً ولا تقلعن شجراً ولا تهدموا بيتاً " . هذه الحروب لم تكن للسلب و للنهب لكى يترف العرب فى جزيرتهم ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم وضع قاعدة أن ما يؤخذ من أموالهم من زكوات وغيرها إنما يؤخذ من أغنيائهم ويرد على فقرائهم ، وحينما شكا أحد الولاة لعمر بن عبد العزيز من تناقص موارد الولاية نتيجة دخول الناس فى الإسلام وسقوط الجزية عنهم رد عليه يقول إن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث هادياً ولم يبعث جابياً.

هذه الحضارة هى هى التى اتسعت لاستيعاب اليهود فى كل مرة طردوا فيها من أوروبا ، فى المغرب العربى حينما رحلوا من الأندلس ، وفى تركيا الإسلامية وغيرها من دول الخلافة العثمانية حينما رحلوا من دول أوروبا الشرقية .

هذه بعض معالم حضارتنا .. فما هى معالم حضارتهم ؟

معالم حضارتهم

- إنها حضارة ليس للإيمان بالله ولا باليوم الآخر فيها أى تأثير أو توجيه ، ومن ثم كانت حضارة مادية دنيوية تقوم على المصلحة وتسعى لإشباع الغرائز والشهوات الدنيا – مادية كانت أم معنوية – ولذلك فقد انهارت فى ظلها كل الممبادىء الدينية والإنسانية السامية .

فحركة الإستعمار التى انتشرت فى القرون السابقة والتى شملت بلاد آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تقريباً ارتكبت فيها فظائع يشيب لهولها الولدان ، ولم يكن لها هدف سوى إذلال تلك الشعوب واستنزاف ثرواتها واستغلال أهلها كأيد عاملة رخيصة ، أو كجنود تحترق فى أتون حروب الأطماع ، أو كمستهلكين لمنتجات السادة المستعمرين ، وما الاقتصاد القوى الذى تنعم به معظم دول الغرب الآن إلا تراكمات ثروات وجهود وعرق بل ودماء الشعوب المغلوبة على أمرها ، ولم يقصر الاستغلال على انتهاب الثروات الطبيعية بل امتد إلى اختطاف أهالى المستعمرات الإفريقة وبيعهم كعبيد فى أمريكا ، وكانت الملكة إليزابيث الأولى أكبر تجار العبيد فى ذلك العصر .

ونتيجة لهذه النظرة العنصرية عومل الزنوج والملونون فى بلاد الحضارة الغربية بل فى بلادهم فى جنوب إفريقيا أسوأ مما يعامل به العبيد ، ولقد اثمرت هذه النظرة القومية العنصرية النازية والفاشية ، واشتعلت من جراء المطامع حربان عالميتان فى النصف الأول من القرن العشرين خلفتا سبعين مليون قتيل ، ناهيك عن الجرحى والدمار الذى أكل الأخضر واليابس .

وعندما هبت الشعوب المحتلة لطرد المغتصبين المستعمرين قوبلت بأبشع وسائل البطش والوحشية ، وما حدث لثورة عمر المختار فى ليبيا وله شخصياً من رمى جثمانه من الطائرة بعد شنقه وقد تجاوزت سنه الثمانين عاما ، وما المليون شهيد فى الجزائر ، ولا الثلاثة ملاييين فى فيتنام إلا نماذج على حشية وعنصرية هذه الحضارة .

ولقد كانت جريمة هذه الحضارة الكبرى فى هذا العصر هى تمكين اليهود من الهجرة إلى فلسطين الإسلامية فى ظل الانتداب البريطانى والسماح لهم بتكوين عصابات إرهابية تقتل أهل البلاد المسلمين وتدمر منازلهم وتستولى على ارضهم وقراهم فى حماية الإنجليز ، بل قام الإنجليز بإخماد الثورات الشعبية الكبيرةالتى قام بها الفلسطينيون بالحديد والنار وكانت النتيجة أن استولى اليهود على فلسطين وشردوا أهلها وانسحبت الجيوش البريطانية ، واعترف الغرب والشرق بالدولة الصهيونية ، وتم دعمها بالمال والرجال والسلاح وتمكينها من الحصول على أسلحة الدمار الشامل وحمايتها سياسياً والتحالف معها فى مجالات التسليح والمخابرات .

وعندما ثار الشعب الفلسطينى الأعزل فى انتفاضة الأقصى وقدم الشهداء والتضحيات ، وتحمل الحصار والجوع والعدوان والدمار ، وبدأ الإستشهاديون عملياتهم من أجلل تحرير الأرض والمقدسات وشعر الغرب بالخطورة على أمن الكيان الصهيونى سارع المبعوثون من كل دول الغرب من أجل التهدئة ووقف ما يسمونه بإطلاق النار ، ولم يفكر أحد منهم فى الانحياز إلى الحق ونصرة المظلوم ولا حتى فى احترام ما رفعوه من شعارات يوم أنشأوا الأمم المتحدة من حق الشعوب فى تقرير مصيرها ، وتجريم الإستيلاء على أراضى الغير بالقوة ، ولا حتى فى تطبيق ما اتفقوا عليه من قرارات ما يسمونها بالشرعية الدولية .

وفى الوقت الذى يحاربون فيه الدول العربية ويجبرونها على التوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يستثنون الكيان الصهيونى حتى صار مصدر تهديد لكل دول المنطقة ، وفى الوقت الذى يحاصرون فيه العراق لغزوة الكويت لحد الخنق بعد أن قاموا بتدميره ، يؤيدون فيه الكيان الصهيونى إلى حد التدليل رغم استيلائه على فلسطين وغزوه واعتدائه على الدول التى حوله .

ورغم أنهم يزعمون محاربتهم للعنصرية فإنهم يضغطون على الدول حتى تسحب تأييدها لقرار صادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار الصهيونية دعوة عنصرية .

ورغم أنهم يزعمون محاربتهم للإضطهاد الدينى ويستغلونه للتدخل فى شئون الدول المختلفة فإنهم يتغاضون عن اضطهاد اليهود للمسلمين فى فلسطين إلى حد حرمانهم من الصلاة فى المسجد الأقصى لإقامة الهيكل المزعوم مكانه .

ورغم زعمهم الانحياز لحقوق الإنسان وتقييم الأنظمة حسب موقفها منها ترى الإنسان الفلسطينى تسحق ابتداء من حق الحياة والحرية إلى حق التنقل والعمل من أجل الحصول على الكفاف ولا تحرك ساكنا، بل إنها تؤيد الأنظمة الديكتاتورية فى مختلف البلاد الإسلامية ضد شعوبها طالما يصصب ذلك فى مصلحتها .

وربما ينخدع بعض الناس بمحاكمات مجرمى الحرب التى يقيمونها لسفاحى الصرب والكروات فى لاهاى وهم يستحقون ذلك أو أكثر ولكن هل يفعل الغرب ذلك انتصارا للحق والعدل ؟ وقصاصاً من افجرام والمجرمين ؟ وإذا كان الأمر كذلك فما الفارق بين مليوسوفيتش وشارون وباراك وبيريز وجميع قادة العدو الصهيونى الذين قتلو الأسرى المصريين ودفنوا بعضهم أحياء ؟

إن سياسة الكيل بمكيالين هى أبرز خصائص الحضارة الغربية المادية النفعية ، والتعالى العرقى هو هو سبب أساسى لهذه السياسة ، وغياب المبادىء التى تؤدى إلى غياب الضمير هو حجر الزاوية فى هذه الحضارة .

وهم بهذا إنما يطبقون حكمة ميكيافيلى الخسيسة ( الغاية تبرر الوسيلة ) وماجاء فى بروتوكولات حكماء صهيون ( إن السياسة لا تتفق مع الأخلاق فى شىء والحاكم المقيد بالأخلاق ليس بسياسى بارع ، وهو لذلك غير راسخ القدم على عرشه .. لابد لطالب الحكم من الالتجاء إلى المكر والرياء ، فإن الشمائل الإنسانية العظيمة من الإخلاص والأمانة تصير رذائل فى السياسة .

ولا أخالنى بحاجة إلى الحديث عن العلاقات الإجتماعية والأسرية المقطعة ولا العلاقات المحرمة بين الرجال والنساء بل بين الرجال والرجال ، والنساء والنساء ، ولا عن الخمر وآثارها إلى غير ذلك من ثمار هذه الحضارة المرة .

ورغم التقدم المادى والعلمى والتقنى الهائل الذى أنتجته هذه الحضارة ، فإنه لن يستطيع أن يستر عورات هذه الحضارة ولن يحميها إلا أن يفىء إلى كنف الحضارة الإسلامية الإنسانية السامية { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ }الرعد17.

أقول هذا حتى يعلم المسلمون نفاسة ما لديهم وعظم حضارتهم فيعتزوا بها ، ويسعوا إلى الاستمساك بها وتطبيقها حتى يراها الآخرون فيأخذوا بها ، ففيها خلاص البشرية جمعاء وصدق الله العظيم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }الأنبياء107.

نظرة على الواقع الحالى

بعد أن قامت دولة الإسلام وحققت الخير العميم للناس ، حدث أن قصر المسلمون فى أمور دينهم فضعفت شوكتهم وطمع فيهم الأعداء وأجلوهم عن الأندلس ، واحتلوا بلادنا الإسلامية بجيوشهم ، وأبعدوا الشريعة عن الحكم ونشروا الفساد والمنكرات كالخمر والميسر والربا وغيرها ، وامتصوا ثروات بلادنا ، وأثاروا الفتن ، والعداوات بين المسلمين ، وتآمر اليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا وأسقطوا الخلافة العثمانية ، ثم استعانوا ببعض الدول العربية فى غرس كيانهم الصهيونى فلسطين ، وخططوا لإقامة إسرائيل الكبرى فى الوقت الذى تفرقت فيه كلمة المسلمين ، وعندما شارك الإخوان فى مواجهة العصابات الصهيونية داخل فلسطين قام التآمر الدولى وبعض حكا مالدول العربية لإجهاض هذا القتال ، وكانت الهدنة وإعلان التقسيم واستمر العدو الصهيونى فى غطرسته حتى اليوم .

وإذا كانت الشيوعية التى ساعد على قيامها اليهود على أساس من الإلحاد واعتبار الدين أفيون الشعوب ، وعلى أساس إلغاء ملكية الأفراد ، وهذه المبادىء مخالفة للفطرة فكانت النتيجة انهيار الشيوعية ، ولكن بعض أتباعها لا يزالون يحاربون الإسلام ، وإذا كان رجال الكنيسة تدخلوا فى الحكم فى أوروبا ولم يوفقوا فظهرت نظرية العلمانية بعد متدخل الدين فى السياسة ، وكانت هذه الحرب من العلمانيين للإسلام ، فى حين أن الإسلام قد سبق تطبيقه وحقق الخير الكثير ، ولكن الأعداء يحاولون إرجاع حال المسلمين الآن من ضعف وفرقة إلى الدين الإسلامى نفسه وليس لبعد المسلمين عن تعاليمه ، ويحاولون إقناع المسلمين بأن الحضارة الغربية هى المنهج الصحيح للرقى والتقدم ، ولكن الإسلام هو دين الرجعية والتخلف .

وللأسف الشديد نجد من بين المسلمين من يتحدثون بذلك فى حين أن بعض المفكرين والباحثين الغربيين يثنون على الإسلام ، فنجد عالم الاجتماع البولندى إسماعيل وبلوز يقول : " وجدت فى الإسلام التشريع الكامل الشامل لكل وجوه الحياة ، التشريع القادر الذى فيه من المرونة ما يجعله ملائماً لظروف العصر الحديث " .

واما الفيلسوف والكاتب الكبير برناردشو فيقول : " لقد وضعت دائماً دين محمد صلى الله عليه وسلم موضع الاعتبار السامى بسبب حيويته المدهشة ، فهو الدين الوحيد الذى يلوح لى بأنه حائز أهلية الهضم لأطوار الحياة المختلفة ، بحيث يستطيع أن يكون جذاباً لكل جيل من الناس ، وقد تنبأت بأن دين الإسلام سيكون مقبولاً لدى أوروبا غدا ، وقد بدا مقبولا لديها اليوم ".

تآمر الأعداء على الإسلام

ما أحوجنا إلى نظرة عالمية ومستقبلية عميقة وواقعية بعيدة عن الشكليات والجزئيات ، لنرى حقيقة التآمر العالمى ضد الإسلام والمسلمين والذى تشارك فيه معظم الدول غير الإسلامية ، ومحركها ومعاونها العدو الصهيونى أشد الناس عداوة للذين آمنوا ، وقد خططوا لهذا التآمر منذ زمن بعيد ، وحققوا نتائج فى غاية الخطورة ، منها : إضعاف الدول العربية والإسلامية وإثارة الخلافات بينها ، ومنها : إسقاط الخلافة العثمانية ، ومنها : غرس الكيان الصهيونى فى قلب الأمة الإسلامية فى فلسطين ، ثم إثارة الأعداء للحرب بين العراق وإيران ، ثم اجتياح العراق للكويت ، وتسلط جنوب السودان لإتمام فصله عن الشمال والتحكم فى منابع نهر النيل ، وكذلك التحكم فى مضيق باب المندب عن طريق إريتريا وجزر حنيش .

ومن ثمار هذا التأمر العالمى ضد الإسلام والمسلمين نشر الإرهاب والقتل فى بعض الدول العربية والإسلامية تحت لافتة إسلامية ؛ لتصوير أن الإسلام دين الإرهاب والعنف ، وقد دعم هذا الاتهام الإعلام الغربى فى حين أن الإسلام برىء من هذا الاتهام ، ولا يقر حوادث العنف والذبح أو القتل التى تحدث فى مصر أو فى الجزائر ، ولكن هذا التشويه مقصود للإثارة والكيد لكل دولة أو جماعة ترفع راية الإسلام .

وقد استغل الأعداء ضعف المسلمين وعدم وحدتهم ليضربوا ضربات متفرقة فى أنحاء مختلفة على المسلمين ، لمحاولة القضاء عليهم أو كسر شوكتهم كما حدث فى البوسنة والشيشان وكشمير وغيرها ، ولكن المسلمين صمدوا ، كما فرض الحصار الاقتصادى على بعض الدول العربية والإسلامية كالعراق وليبيا والسودان وغيران ، ثم محاولة الهيمنة الاقتصادية بالسوق الشرق أوسطية على دول المنطقة ، ثم السماح للعدو الصهيونى بامتلاك أسلحة نووية وتحريمها على الدول العربية والإسلامية ، وكذا السيطرة السياسية على معظم دول البترول ، وغبرام اتفاقيات معها تسمح بالوجود العسكرى والأجنبى فيها ليظل بترول الخليج يتدفق إلى الغرب .

وهكذا نجد التخطيط الخبيث لهذا التآمر يعتمد على الساحة العالمية ضد الدول العربية والإسلامية خاصة بعد انهيار الشيوعية ، وهناك تركيز على مصر والضغط عليها لمكانتها وما تم فيها من احتلال لأجزاء من الدول العربية حول فلسطين ، وإخراج مصر من حلبة الصراع مع العدو مما أعطاه أماناً كبيراً واضعف باقى الدول العربية ، وبخاصة المجاورة والتى اجتاح العدو أراضيها ، ولا يزال يرفض الانسحاب منها ، كما شمل التآمر فصل مصر عن السودان ، ومحاولة فصل الشمال عن جنوبه ، وإثارة جون قرنقج ومده بالسلاح لمحاربة الحكومة السودانية .

سياسة الاستئصال

لست فى حاجة إلى أن أوضح حقيقة هذه المحاولات الشرية لاستئصال الإسلام والمسلمين فى أماكن متعددة ، وهذا التنسيق بين أعداء الإسلام مع اختلاف نوعياتهم فى هذه الحرب ضد الإسلام ، فأسلوب الإبادة والقتل الجماعى والتجويع والتشريد والتنصير والاغتصاب لعشرات الآلاف من النساء والفتيات المسلمات كما حدث فى البوسنة و الهرسك ، ثم ما يحدث فى فلسطين من العدو الصهيونى كل يوم من قتل وجرح لكثير من الشباب الفلسطينى ، واغتصاب للأرض وهدم للمنازل وبناء للمستوطنات ، وجلب اليهود من أنحاء الأرض ، ثم الاعتقالات بعشرات الآلاف وإبعاد صفوة من الفلسطينيين بالمئات وعدم اللامبالة بقرار 799 الذى يقضى بعودة المبعدين ، وما يحدث فى الهند وكشمير بما يشابه ما حدث فى البوسنة و الهرسك ، وغير ذلك من البلاد مثل بورما وكمبوديا ، وكذا فى طاجكستان واشتراك فلول الشيوعيين فى ضرب المسلمين ، ونرى هذا الانحياز والكيل بكيلين من أمريكا والغرب ، ففى الوقت الذى نجد هذا الضغط الشديد على العراق وليبيا نجد هذا التدليل للعدو الصهيونى والصرب والهندوس ، ونجد أمريكا تضفى على منظمة التحرير صفة الإرهاب ، وكذا تفكر نفس التفكير لحماس ، فى الوقت الذى يمارس فيه العدو الصهيونى كل ألوان الإرهاب مع الشعب الفلسطينى صاحب الأرض ، ثم نجد أمريكا لا تحرك ساكناً ، بل سعت لإصدار قرار بإلغاء القرار السابق اتخاذه بالعنصرية على العدو الصهيونى .

والذى نحب أن نؤكده أنه رغم سياسة الاستئصال هذه نجد الصحوة الإسلامية تضم جميع الأقطار الإسلامية ، والشعوب الإسلامية تزداد يقظة وصحوة وانتباهاً لما يحاك لها ، وتطالب حكامها بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية وضرورة الوحدة وغزالة الخلافات لمواجهة هؤلاء الأعداء .

سياسة تجفيف المنابع

وهذه السياسة تمارس فى بعض الأقطارالعربية والإسلامية من قبل السلطات الحاكمة بعد ما لمست هذا النمو المتزايد للتيار الإسلامى والروح الإسلامية ، وإن المرء ليعجب لماذا تمارس هذه النظم الحاكمة سياسة تجفيف المنابع ؟! فإذا كانت تمارسها من تلقاء نفسها فتلك مصيبة ، وإن كانت تمارس خضوعاً لتوجيه خارجى فالمصيبة أعظم .

قد يتساءل البعض ماذا تقصد بسياسة تجفيف المنابع ؟ فأقول : هى إغلاق أى نافذة أو فتحة تنساب منها روح توقظ المسلمين من عفلتهم ، أو تدعوهم إلى العودة إلى جوهر دينهم ، أو تذكرهم بمتطلبات هذا الدين منهم ، أو تقنعهم ان سعادتهم وعزتهم وقوتهم لا تتحقق إلا بالتمسك بهذا الدين الحق الذى ارتضاه الله للناس كافة ، وقد سلكت بعض النظم أساليب متعددة فى هذا الميدان ، منها على سبيل المثال : تطوير الأزهر منارة الإسلام ، فلم يعد يتخرج فيه تلك النوعية الفاضلة الراسخة فى العلم التى كان لها اثرها على الساحة العالمية ، وكذا الغاء المحاكم الشرعية ومحاولة النيل من قانون الأحوال الشخصية ، وكذا تفريغ مناهج التعليم بمراحله من كل ما من شأنه أن يربى فى النشء الروح الإسلامية الحية ويربطه بماضى الأمة الإسلامية وحضارتها ، ثم ربطه بالفرعونية والقومية .

من ذلك أيضاً منع الوجود القانونى للحركات الإسلامية ، والتضييق عليها ، وإلصاق تهم الباطل بها ، رغم سلوكها المعتدل ودعوتها الناس بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإتاحة الفرص الكاملة للكتاب المتحاملين على الإسلام من علمانيين ويساريين ووصوليين للهجوم وتشويه الصورة أمام الرأى العام ، وسياسة تكميم أفواه المعارضة الحقيقية وحرمانها من الصحف ووسائل الإعلام ، وسياسة تقنين الدكتاتورية فى صورة قوانين ، والفرصة مواتية لترزية القوانين ، ووجود مجلس شعب ليس فيه معارضة تذكر ، ومع ذلك تمر القوانين بسرعة البرق ، وأحسب ان هذا الأسلوب ليس فى صالح النظم الحاكمة ولكنه يسىء إليها ، ولن يقتنع الناس بادعاء أن هذا هو عين الديمقراطية فى حين أن جوهر الدكتاتورية ، وأسلوب كبت يخشى مع استمراره وزيادته أن يولد انفجاراً .

ومن سياسة تجفيف المنابع : تأميم المساجد ليكون هذا المنبر خاضعاً لسياسة النظام الحاكم ، وكذلك من تلك السياسة هذا الإعلام الفاسد الذى يخرب الفرد والأسرة والمجتمع ، ويبتعد بهم عن التدين وتقوى الله ، وينشر الفساد والانحلال ، ومن تلك السياسة : تزوير الانتخابات والحيلولة دون نجاح العنصر الإسلامى فى أى مجال من المجالات ، ورغم ما أثبته هذا الاتجاه الإسلامى من إيجابيات وخدمات وانجازات رائعة نافعة شهد بها الأعداء والأصدقاء .

والذى أريد أن أؤكده أنه رغم سياسة الاستئصال وسياسة تجفيف المنابع ، فإن التدين والعودة إلى الإسلام فى تقدم مستمر دون جهد يذكر من الحركات الإسلامية ، ولكنها هداية الله الذى بيده القلوب وهو الهادى إلى الصراط المستقيم ، وأن الله الغيور على دينه لن يترك أعداء الإسلام يستأصلون الإسلام من الأرض ولن يتخلى الله عن عباده المؤمنين الذين استجابوا لله ولرسول ، فسيدافع عنهم ويثبتهم وينصرهم على جميع أعدائهم مهما كانت قوتهم { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21.

لم نسمع فى تاريخ البشرية أن قوماً تآمروا لمحاربة وإطفاء نور الشمس ؛ لأن ذلك ليس فى مقدور البشر ، ولكننا نسمع ونرى محاولات للقضاء على الإسلام واستئصاله ، وهو الدين الذى ارتضاه الله للناس كافة وحتى قيام الساعة ، فهو منهج الله ونور الله ولن يطفىء نور الله بشر ، وصدق الله العظيم : {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }الصف8، 9.

فلم ولن يستطيع بشر أن يقضى على هذا الدين ، وسينهض المسلمون من كبوتهم ويصحون من غفوتهم وسيستردون مكانتهم كخير أمة أخرجت للناس ، يراه الناس بعيداً ونراه قريباً بإذن الله { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم4،5] .

أبداً لن نعود إلى الظلام

نعم ، لن نعود إلى الظلام الذى زحف على بلادنا الإسلامية من الشرق الملحد ومن الغرب العلمانى ، هذا الظلام الذى تخبط فيه الناس : حكاما ومحكومين ، وقام على الدعاية له بعض الكتاب والمفكرين وقدموه على أنه التقدم والرقى ، وصوروا الإسلام بمبادئه السامية على أنه التخلف والرجعية ، ودعوا إلى تقليد الغرب فى كل شىء ، وخاصة فى الفساد والانحلال ، فدعوا إلى السفور والتعرى ونبذ الحشمة والحجاب ، ودعوا إلى الاختلاط ، ونشروا الدعارة والفسق وشرب الخمر ولعب الميسر ، وانتشر اليانصيب وكان البغاء الرسمى والكباريهات والأفلام الجنسية والرويات الخليعة ، وانتشرت الجرائم فى ظل إبعاد الشريعة عن الحكم والدعوة إلى فصل الدين عن الدولة ، وظهرت كتب تحمل لواء هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات ، وصودرت بعض هذه الكتب لمخالفتها الصريحة لشرع الله .

وفى وسط هذا الظلام الدامس بدأ نور الحق يظهر ليبدد هذا الظلام فقام الدعاة إلى الله – وفى مقدمتهم الإخوان المسلمون – ينبهون الناس إلى هذا الخطأ وهذا الخطر ، وأخذت موجة الظلام فى الانحسار التدريجى ، فألغى البغاء الرسمى وانقرض اليانصيب وموائد القمار إلى حد ما وانحسر التعرى إلى حد كبير ، وانتشر التدين وسط الشباب والفتيات ، وفرض الحجاب نفسه عن قناعة وليس قسراً ، وارتفعت الأصوات المطالبة بنطبيق شريعة الله وإبراز الإسلام دين السلام والعدل والأمن والحرية ، وكانت البلاد قد أجبرت على تطبيق الاشتراكية فذاقت من ورائها الخراب وفساد الذمم ، وانهيار الاقتصاد الذى كان وراء انهيار روسيا ، فهل يمكن أن يقبل الناس بعد هذه التجارب المريرة أن يعودوا إلى هذا الظلام مرة أخرى وقد أشرق نور الإيمان ونور القرآن فى قلوبهم ؟ وايقنوا أن الحل الأوحد والشامل لكل مشاكلهم هو هذا الحل الربانى الذى اوحى الله به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور ، وسعد به الناس ردحاً طويلاً من الزمان ، ومطلوب منا كمسلمين أن ندعو البشرية إليه ليسعدوا به بعد أن عاشوا الحروب والخراب والدمار ولا يزالون .

لقد ذكر الإمام البنا هذا الحال الذى ذكرته فى عبارات دقيقة ، يجمل بنا أن تستعيدها معاً : فقد قال : " من الحق أن نعترف بأن موجة قوية جارفة وتياراً شديداً دفاقاً قد طغى على العقول والأفكار فى غفلة من الزمن ، وفى غرور من أمم الإسلام وانغماس منهم فى الترف والنعيم ، فقامت مبادىء ودعوات ، وظهر نظم وفلسفات ، وتاسست حضارات ومدنيات ، ونافست هذه كلها فكرة الإسلام فى نفوس أبنائها وغزت أمته فى عقر دارها ، وأحاطت بهم من كل مكان ، ودخلت عليهم بلدانهم وبيوتهم ومخادعهم ، بل احتلت قلوبهم وعقولهم ومشاعرهم ، وتهيأ لها من اسباب الإغواء والإغراء والقوة والتمكن مالن يتهيأ لغيرها من قبل ، واجتاحت أمماً إسلامية بأسرها ، وانخدعت بها دول كانت فى الصميم والذؤابة من دول الإسلام ، وتأثر ما بقى تأثراً بالغاً ، ونشأ فى كل الأمم الإسلامية جيل مخضرم إلى غير الإسلام أقرب تصدر فى تصريف أمورها واحتل مكان الزعامة الفكرية والروحية والسياسية والتنفيذية منها ، فدفع بالشعوب – مغافلة – إلى ما يريد بل وإلى ما أفل ، وهى لا تدرى ما يراد لها ولا ما تصير إليه " .

" وارتفعت أصوات الدعاة إلى الفكرة الطاغية : أن خلصونا مما بقى من الإسلام وآثار الإسلام ، وتقبلوا معنا راضين لا كارهين مستلزمات هذه الحياة وتكاليفها وأفكارها ومظاهرها ، واطرحوا بقية الفكرة البالية من رؤوسكم ونفوسكم ، ولا تكونوا مخادعين منافقين معاندين ، تعملون عمل الغربيين وتقولون قول المسلمين ".

" من الحق أن نعرف أننا بعدنا عن هدى الإسلام وأصوله وقواعده ، والإسلام لا يأبى أن نقتبس النافع وأن نأخذ الحكمة – أنى وجدناها – ولكنه يأبى كل الإباء أن نتشبه فى كل شىء بمن ليسوا من دين الله على شىء ، وأن نطرح عقائده وفرائضه وحدوده ، وأحكامه ، لنجرى وراء قوم فتنتهم الدنيا واستهوتهم الشياطين ".

" حقاً لقد تقدم العلم وتقدم الفن ، وتقدم الفكر ، وتزايد المال ، وتبرجت الدنيا ، وأخذت الأرض زخرفها وازينت وأترف الناس ونعموا .

- ولكن هل جلب شىء من السعادة لهم ؟

- هل أمن لهم شىء من هذه الحياة وساق إلى نفوسهم الهدوء والطمأنينة ؟

- هل اطمأنت الجنوب فى المضاجع ؟

- هل جفت الجفون من المامع ؟

- هل حوربت واستراح المجتمع من شرور المجرمين ؟

- هل استغنى الفقراء واشبعت الملايين التى تفوق الحصر بطون الجائعين ؟

- هل ساقت هذه الملاهى والمفاتن التى ملأت الفضاء وسرت مسرى الهواء العزاء إلى المحزونين ؟

- هل تذوقت الشعوب طعم الراحة والهدوء وأمنت عدوان المعتدين وظلم الظالمين ؟

لا شىء من هذا أيها الناس ، فما فضل هذه الحضارة إذن على غيرها من الحضارات ، وهل هذا فحسب ؟

ألسنا نرى هذه النظم والتعاليم والفلسفات حتى فى العلوم وفى الأرقام يحطم بعضها بعضا ، ويقضى بعضها على بعض ، ويرجع الناس بعد طول التجربة وعظيم التضحيات فيها بمرارة الفشل وخيبة الأمل وألم الحرمان .

ثم نجد الإمام البنا بعد أن شخص الداء بهذا الوضوح نجده يتبع ذلك بكل الهمة العظيمة والعزم الصادق فيقول : " ما مهمتنا إذن نحن الإخوان المسلمين ؟ "ويجيب عن هذا التساؤل يقول : " أما إجمالاً فهى أن نقف فى وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات التى جرفت الشعوب الإسلامية فأبعدتها عن زعامة النبى صلى الله عليه وسلم وهداية القرآن ، وحرمت العالم من أنوار هديها ، واخرت تقدمه مئات السنين ، حتى تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا ، ولسنا واقفين عند هذا الحد ، بل سنلاحقها فى أرضها ، وسنغزوها فى عقر دارها ، حتى يهتف العالم كله باسم النبى صلى الله عليه وسلم ، وتوقن الدنيا كلها بتعاليم االقرآن ، وينتشر ظل الإسلام الوارف على الأرض ، وحينئذ يتحقق للمسلم ما ينشده فلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله { لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } [الروم4، 5 ] .

نعم ، لن نعود إلى الظلام مرة ثانية رغم ما يقوم به من يحملون راية التنوير ، وكفاحهم المرير لإعادة الغشاوة على أعين الناس ؛ بإعادة طبعهم لتلك الكتب التى تدعو إلى هذا الظلام كفصل الدين عن الدولة وإلى السفور وغير ذلك من قضايا تبعد المسلمين عن دينهم . إننا نستمد النور الذى يبدد هذا الظلام من القرآن الكريم . هذا المعين الذى لا ينضب من النور والحكمة والموعظة وشفاء الصدور { قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ المائدة:15، 16] .

وقد تعهد الله هذا النور وهذا المصدر الربانى للهداية {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9، وقد تحدى الله من يحاولون إطفاء هذا النور بأنهم لن يستطيعوا فقال تعالى : {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }التوبة32.

إن هذه المحاولات اليائسة التى يقوم بها الغرب العلمانى ومن يوالونه فى بلادنا الإسلامية لقهر شعوبنا الإسلامية ، على نبذ الإسلام واعتناق العلمانية ستبوء كلها بالفشل بإذن الله ، وأمامنا الأمثلة الواضحة كتركيا ودولة آسيا الوسطى التى تعودإلى إسلامها رغم محاولات إبعادها عنه زمنا طويلا . الناس يا قوم يريدون السلام والأمن والأطمئنان ، يريدون العدل والحرية والعزة والقوة ، ولن يجدوا ذلك إلا فى الإسلام ، الدين الذى ارتضاه الله للناس جميعاً {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ } [ آل عمران : 19 ] ، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }آل عمران85 .

إن هذا الكيد للإسلام ونسبة التطرف إليه هو افتراء وكيد مقصود لتشويه صورة الإسلام الناصعة وتنفير الناس منه ، فى حين أن الذين يتعرضون للإيذاء والقتل والاغتصاب والتشريد هم المسلمون ، والذين يقومون بألوان التطرف وهذه الجرائم هم غير المسلمين من صهاينة وصرب وهندوس وصليبيين وغيرهم .ز فلماذا تقلب الحقائق وينسب التطرف للإسلام ويعامل الصهاينة والصرب والهندوس على أنهم قمة فى الديمقراطية والعدل والحرية ؟

المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم والظلام (1)

نعم ، ويقيناً بإذن الله المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم وقسوته ورغم الظلام وحلكته ، وليس هذا الكلام من الخيال فى شىء ولا من أحلام اليقظة ، ولكنه حكم التاريخ الصادق ، وتحقيقاً لسنة الله فى خلقه .

فالواقع المرير الذى تعيشه البشرية الآن حقبة ليست بالقصيرة من الزمان هو دليلى فى هذا الحدس والتوقع .

فالله سبحانه وتعالى الرؤوف الرحيم بخلقه كلما انحرفوا ن الصراط المستقيم أرسل إليهم رسلاً وانزل كتباً ليصححوا مسارهم ويعتدلوا على الطريق السوى .

وإذا نظرنا نظرة شاملة فاحصة إلى البشرية وشعوب العالم عموماً لوجدنا واقعاً مريراً ، فهذه الحروب العالمية بضحاياها البشرية والمادية وتدمير آلاف المدن والقرى ، وكذا الحرب غير العالمية بين بعض الأقطار لنزاعات عرقية أو طائفية أو خلا ف على حدود أو غير ذلك . ونرى تسخير العلم الحديث فى اختراع أسلحة فتاكة كالقنابل الذرية ، والهيدروجينية والنووية والكيماوية وغيرها ، تلك الأسلحة لتى لا تبقى ولا تذر ، ولا تميز بين محارب وبين طفل أو امرأة أو شيخ كبير . حقاص إنها عقول همجية ، ثم هذا التسابق فى التسلح وفى السيطرة على الفضاء والأموال الطائلة التى أنفقت وتنفق عليها فى وقت يموت فيه الكثيرون من الجوع فى أنحاء متفرقة من العالم .

ومن صور الواقع المرير ونتيجة للبعد عن نور الوحى ظهرت عقائد ومبادىء هدامة وفاسدة ، تهدم الفرد والأسرة والمجتمع ، كما نرى انهيار الأخلاق التى هى أساس الأمم ، وانتشار الأوبئة والأمراض الخبيثة نتيجة لانتشار الفاحشة والشذوذ الجنسى ، كما نرى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من البلايا التى لا تحصى .

وحتى البلاد الإسلامية لم تسلم من هذا الغزو ومن كثير من هذه البلايا ، فنتيجة لبعد المسلمين عن جوهر دينهم ونتيجة لتخطيط الأعداء بإثارة الفتن والحروب لإضعافهم وعدم وحدتهم التى لو تحققت لصار المسلمون القوة العالمية الأولى . فانتشر فى كثير من بلاد المسلمين الخمر والميسر والربا والفساد الذى تنشره أجهزة الإعلام لتخريب المواطن وانهيار الأسرة والمجتمع .

هذا الواقع لا يمكن أن يستمر طويلاً فالله سبحانه وتعالى يهيىء الأسباب لإنقاذ البشرية من هذا الواقع الأليم ، والأخذ بناصيتها إلى طريق الهداية والرشاد ، فيسخر من عباده من يقوم بهذا الدور ويحرك أصحاب النفوس السليمة ليرفضوا هذا الواقع ويدرسوا أسبابه ، ليكون العلاج جذرياً وليس سطحياً ، وليكون ممتداً لا وقتياً . وسيجد الدارسون العقلاء أن السبب الرئيسى وراء هذا الةاقع المرير هو البعد عن نور الوحى ، والجنوح إلى المادية والاكتفاء بالعقل البشرى فى تدبير شئون الحياة .

والحقيقة ان العق البشرى مثله مثل العين ، فكما أنه لابد للعين من نور يضىء لها كى ترى الأشياء بوضوح ، فكذلك العقل يحتاج إلى نور الوحى افلهى لينير له الطريق السليم ، فإنه بدون هذا الوحى الإلهى يضل الطريق ودليلنا على ذلك موافقة برلمان بريطانيا على الشذوذ الجنسى .

النفوس البشرية تولد على الفطرة وتنفر بطبيعتها من كل صور الشر كالقتل والتدمير ، كما تنفر من الأفكار والعقائد المنحرفة ، ولكن هناك اقلية من الناس اصحاب نفوس شريرة تعشق الفساد واليهود الذين يسعون فى الأرض فساداً ن وبروتوكولات حكماء صهيون تمثل قمة الشر للبشرية جميعاً ، واليهود كانوا وراء ظهور الشيوعية التى كانت صاحبة القدح المعلى فى القهر والقتل والدمار فى داخل روسيا ومسكرات سيبيريا ، وقتل الملايين وتدمير المساجد والكنائس ، وفرض مبادىء الشيوعية على بعض الأقطار بالقوة والحديد والنار كالمجر وتشيكوسلوفاكيا وغيرهما ، ثم محاولتها الأخيرة فى أفغانستان التى صمدت واستشهد أكثر من مليون ونصف مليون شهيد ، بخلاف اليتامى والأرامل والمعوقين والمشردين .

وقد تنبأنا من قبل بضرورة انتهاء الشيوعية وانحسارها لأنها متعارضة مع سنن الفطرة التى يولد عليها الناس خاصة غريزتى حب التملك وحب التدين ، وسنن الكون غلابة ، فإذا استطاع أى حزب شيوعى أن يقهر بعض الناس على الشيوعية ، فلن يقهر كل الناس ، وإذا قهر البعض بعض الوقت فلن يقهرهم كل الوقت .

وها هو ما توقعناه بدأ يظهر ، فالمسئولون عن الشيوعية فى روسيا بدأوا يتراجعون عن كثير من المقومات الأساسية التى قامت عليها بعد أن رأوا سوء النتائج خاصة فى مستوى الإنتاج كماً وكيفاً فلجأوا إلى التمليك الفردى وإباحة الحرف الخاصة إلى غير ذلك والسماح لأصحاب العقائد كالمسيحيين والمسلمين ببعض الحرية فى ممارسة عقائدهم وشعائرهم .

وها نحن نرى بعض الدول قد بدأت تتخلص من الحكم الشيوعى وبولندا خير مثال ، وبدأت دول أخرى تتمثل وتفكر أيضاً فى التخلص من سيطرة روسيا عليها، وها نحن نر ى كثيراً من المواطنين فى ألمانيا الشرقية يصرون على الهجرة إلى ألمانيا الغربية ، وحتى اليهود فى روسيا يريدون الهجرة لا إلى إسرائيل ولكن إلى أمريكا وكندا .

والذى نراه من عدول بعض الدول عن الشيةعية نراه أيضاً على كثير من الأفراد فى مجتمعاتنا ممن ساقهم سوء الحظ إلى اعتناق الشيوعية ، ثم انتبهوا وأفاقوا من غفلتهم وعادوا إلى الإسلام الدين الحق والنور المبين ، ولعل الأخ الأستاذ عادل حسين أحد هذه الأمثلة ، كما لمست هذا التحول فى أفراد آخرين ممن كانوا معنا فى سجن الواحات الخارجة ، ونأمل أن يراجع الآخرون مواقفهم قبل فوات الأوان وقبل أن ينساهم التاريخ .

ثم إننا هنا فى مصر قد لمسنا النتائج المريرة للتطبيق الاشتراكى ، ولازلنا نعانى من آثاره ومن القطاع العام وهبوط مستوى الانتاج كماً وكيفاً ، والخسائر الفادحة فى معظم أو كل شركات القطاع العام ، ومحاولات العلاج الفاشلة بتغيير مجالس إدارة هذه الشركات سر الخسارة ، والتردى ليس فى نوعية مجالس الإدارة فقط ولكن فى النظرية نفسها التى قام عليها القطاع العام ، ففى القطاع الخاص يكون التنافس الذى يدفع إلى الرقى وحسن الأداء وعدم التسيب الموجود فى القكاع العام وموظفى الحكومة عموماً ، ولا يعنى انتقادنا للنظام الاشتراكى تزكيتنا للنظام الرأسمالى فله سلبياته الكثيرة ، حيث يطغى أصحاب رؤوس الأموال الضخمة ، ويكون تسلطهم على سياسة الدولة والتحكم فى اقتصادها ، ويكون ذلك عادة على حساب أفراد المجتمع إلى حد كبير .

ولكن الإسلام الذى جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس كافة وحتى قيام الساعة ليس مجرد طقوس وعبادات ، ولكنه منهج كامل ينظم كل جوانب حياة الناس سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها ، وليس له بديل لأنه من عند الله الحكيم العليم بخلقه ، فهو سبحانه أعلم بهم وبما ينفعهم وما يضرهم وما يصلحهم وما يفسدهم ، وهو متصف بالكمال ، فلن نجد هناك قصوراً أو نقصاً أو ظلماً فى هذا المنهج الربانى ، ولكن المهم هو حسن تطبيقه ، وقد سبق أن طبق وسعدت به البشرية فترة من الزمان حتى إن كثيراً من غير المسلمين كانوا يفضلون الهجرة من أقطارهم إلى الدول الإسلامية ليستمتعوا فى ظلها بالأمن والعدل والحرية والتكافل وكل ما يحقق السعادة للإنسان ، من أجل ذلك نقول : إن المستقبل للإسلام رغم طول الظلم والظلام .

المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم والظلام (2)

حقاً كثر الظلم والطغيان واستكبر الطغاة والظالمون ، وقست قلوبهم فصارت كالحجارة أو أشد قسوة وخلت من الرحمة والإنسانية ، وكأنى بالوحوش الكاسرة أرحم منهم .

كما اشتد الظلام : ظلام الجهل وظلام المادة وحضارة المتع والشهوات التى غزت بلادنا من الغرب والشرق ، وانتفش الباطل بظلامه وانحسر الحق بنوره إلى حد ما .

حقاً طال ليل الظلم والظلام ولكن مع ذلك فالمستقبل للإسلام ، وكل الدلائل تؤكد هذا ، فكما أوضحنا سابقاً أن الواقع المرير الذى عاشته البشرية لا يمكن أن يستمر ولابد له من مخرج وإنقاذ ولن يكون إلا بالإسلام الدين الحق .

ثم إن المبادىء الأرضية جميعها تعلن إفلاسها وفشلها وتراجعها وليس هناك بديل إلا الإسلام منهاج رب العالمين .

وشاء الله سبحانه أن يهىء لهذا الدين من يجدده ويبعث الحياة فى جسد الأمة الإسلامية لتنهض من كبوتها ، وتصحو من غفوتها لتؤدى رسالتها بنشر هذا الدين الحق فى آفاق الدنيا ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .

ومن الغريب أن أحد الفلاسفة الغربيين ألف كتاباً بعنوان : الإسلام قوة الغد العالمية ينبه فيه الغرب المسيحى أنه ستقوم فى الشرق دولة إسلامية عالمية عندما يصحو هذا العملاق من غفوته ( العالم الإسلامى ) ويتعرف على القوى الكامنة فيه ، وانه لن تقف أى مقومات فى أوروبا أمام هذه الدولة .

هذا ما قاله ذلك الفيلسوف الغربى وقد سبقه الإمام الشهيد حسن البنا بكلام دقيق حول هذا المعنى ، بعد أن ذكر العقبات فى طريق الدعوة قال تحت عنوان " عوامل النجاح " .

" ومن الحق أيها الإخوان أن نذكر أمام هذه العقبات جميعاً جميعاً أن ندعو بدعوة الله وهى أسمى الدعوات وننادى بفكرة الإسلام وهى أقوى الفكر ، ونقدم للناس شريعة القرآن وهى أعدل الشرائع {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً }البقرة138، وان العالم كله فى حاجة إلى هذه الدعوة وكل ما فيها يمهد لها ويهيىء سبيلها ، وإننا بحمد الله براء من المطامع الشخصية ، بعيدون عن المنافع الذاتية ، ولا نقصد إلا وجه الله وخير الناس ولا نعمل إلا ابتغاء مرضاته ، وأننا نترقب تأييد الله ونصرته ، ومن نصره الله فلا غالب له {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ }محمد11 .

فقوة دعوتنا وحاجة العلم إليها ، وتبالة مقصدنا وتأييد الله إيانا هى عوامل النجاح التى لا تثبت أمامها عقبة ، ولا يقف فى طريقها عائق ، { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21.

إن سنة الله فى التغيير لا تتبدل ولا تتحول {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }[ الرعد : 11] ، ولقد أفسدت مدنية المادة النفوس وأفرغتها من المثل والقيم والأخلاق والرحمة ، وقد رأى قوم أن يصلحوا من الأخلاق عن طريق العلم والثقافة ، ورأى آخرون أن يصلحوها عن طريق الأدب والفن ، ورأى غيرهم أن يكون هذا الإصلاح عن طريق أساليب السياسة وسلك غير هؤلاء الرياضة ، والحقيقة أن هذه وسائل محدودة مبتورة ، ولكن الإسلام بمنهجه الشامل قد جمع محاسن كل هذه الوسائل وبعد عن مساوئها .

فالإسلام يمد المة الناهضة بكل ما تحتاجه من نظم وقواعد ومناهج وعواطف ومشاعر ودوافع .

كثير من الناس يظنون أن الشرق تعوزه القوة المادية من المال والعتاد وآلات الحرب والكفاح لينهض ويسابق الأمم التى سلبت حقه وهضمت أهله ، ذلك صحيح ومهم ، ولكن الأهم منه والألزم القوة الروحية من الخلق الفاضل والنفس النبيلة والإيمان بالحقوق والارادة الماضية والتضحية فى سبيل الواجب ، والوفاء الذى تنبنى عليه الثقة والوحدة وعنهما تكون القوة . وهذه المعانى يحققها الإسلام فى أبنائه لو ألزموا أنفسهم بتعاليمه .

لقد زحف على بلاد المسلمين ظلام كثيف من الشرق ومن الغرب ، هذا الظلام المتمكثل فى مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات ، والمتمثل فى الانتكاسات فى العقائد ونظم الحياة ، فقد أحدث الإقطاع وتحكم رجال الكنيسة فى أوروبا ردة فعل عكسية ، وصلت عند البعض إلى إلغاء الكنائس ولم يكن هذا فحسب ، ولكن إلى إنكار وجود الله ، واعتبار الدين أفيون الشعوب ، كما وصلت إلى إلغاء الملكية الفردية كما كان الحال فى الشيوعية عند بدئها ، وها هى الفلسفة المادية التى قامت عليها الحضارة الأوروبية سخرت العلم فى إطار مادى انحرف غلى التسابق فى أسلحة التدمير ، وفى إشباع الشهوات على حساب القيم والأخلاق التى هى أساس الأمم .

والذى يدرس فى الواقع فى الشرق الإسلامى يجد صحوة ونهضة ، ويجد الحياة أخذت تسرى فى جسد المة الإسلامية ، وازدياد الرغبة فى التخلص من هذا بهدى الإسلام ونور الوحى ، وإن كانت هذه الروح الناهضة قد أقلقت بعض دول الغرب وخاصة أمريكا واليهود متمثلين بوضوح فى العدو الصهيونى .

ولقد حازت أمريكا القسط الأوفر من كراهية الشعوب الإسلامية بسبب ما تقوم به من مساندة قوية للكيان الصهيونى وما يقوم به فى فلسطين وفى الدول المجاورة من إفساد وتمزيق ، مستعيناً بمنظماته السرية والعلنية كالماسونية والروتارى والليونز وغيرها ونشر الفساد والمخدرات .

كما أن أوروبا عموماً وأمريكا خصوصا لها دورها فى الكيد والتخطيط التى تقوم بها أمريكا مباشر أو غير مباشر فى هذا المجال ، ونجد ذلك واضحاً فى تلك الندوة التى عقدت عام 1985م فى لجنة فرعية تابعة للجنة الشئون الخارجية بالكونجرس حول الكونجرس والأصولية الإسلامية .

كذلك حملات التبشير وإرسالياته والأموال التى تتدفق عليها خاصة من امريكا بهدف تنصير المسلمين ، كل هذا ظلام يزحف على بلاد المسلمين بهدف القضاء على الصحوة الإسلامية والحد من المد الإسلامى النامى فى الساحة الإسلامية .

ولعل تسلط الغرب واليهود على وسائل الإعلام العالمية يفسر لنا تلك الحملات الاعلامية التى تشوه صورة الإسلام والحركات الإسلامية عامة والإخوان بصفة خاصة .

ولكن رغم كل هذا الظلام الزاحف بجنوده وقوته وعتاده فإننا مطمئنون أن هذا الظلام سيتبدد وأن نور الله سيعلو ويعم مؤذناً بانتهاء ليل الظلام ، ولن تجدى كل وسائل أعداء الله فى محاولة إطفاء نور الحق ، وصدق الله العظيم {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }التوبة32.

ومن المقومات الأساسية التى تؤكد أن المستقبل للإسلام : العلم والتقدم العلمى الذى يكشف كل يوم جديداً فى هذا الكون ، لو أمعن فيه أى عاقل لوجد فيه عظمة الله وقدرته وإبداعه ، مما يؤكد وجوده ووحدانيته ويدفع إلى الإيمان به وخشيته واتباع دينه ، وصدق الله العظيم إذ يقول : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء }[ فاطر : 28]، ويقول :{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } [ فصلت : 53] ، حقاً إن له فى كل شىء آية تدل على أنه الواحد .

وفى الفترة الأخيرة قام بعض علماء تحت شعار الإعجاز العلمى للقرآن بالدراسات والبحث حول حقائق علمية ظهرت حديثاً سبق بها القرآن الكريم أو السنة المطهرة منذ اكثر من ألف واربعمائة سنة مما يقطع أن هذا القرآن من عند الله وليس من كلام محمد صلى الله عليه وسلم ، والمنطق والعقل يقضيان بتصديق ما جاء فيه من قضايا عقيدية أيضاً كما ثبت ذلك فى الحقائق العلمية مثل ما ورد حول علم الأجنة ، وعلم الأرصاد والفلك وغير ذلك مما وردت فيه إشارات ، وحقاً العلم يدعو للإيمان ، وقد تحققت صور علمية باعتناق بعض علماء الغرب ومفكريهم الإسلام نتيجة دراساتهم وبحوثهم حول الإسلام .

كما أن كثيراً من الشعوب غير الإسلامية تعيش الآن فترة من الضياع العقيدى أو ما يشبه حالة من انعدام الوزن العقيدى ، فهم فى أمس الحاجة إلى الاستقرار العقيدى والراحة النفسية ، ولن يجدوا ذلك إلا فى الإسلام وعقيدة التوحيد دين الفطرة التى فطر الله الناس عليها ، وهوالدين الذى ارتضاه الله لعباده ، ولا شك أن التقدم العلمى سينعكس على كثير من العقول لتراجع معتقداتها الهابطة الشاذة مثل عقيدة الإلحاد وإنكار وجود الله الذى لا ينكره إلا جاهل حاقد أحمق ، وعبادة غير الله من بقر أو حجر أو غير ذلك من العقائد التى لا يؤمن بها إلا أصحاب العقول المتخلفة القاصرة .

وهناك دلائل أخرى لا يتسع المقام لحصرها كلها تنبىء بقرب اتهاء ليل الظلام وظهور الصباح الذى يشرق بنور الوحى ، نور القرآن بإذن الله ، أما ليل الظلم فلنا معه جولة أخرى نؤكد فيها أيضاً أنه إلى انتهاء ، وأن شدة قسوته دليل قرب انتهائه ، فالله أقوى واعز واقدر على الظالمين منهم على المظلومين ، { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }الشعراء227.

المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم والظلام (3)

لا يجوز لمسلم أن يداخله ظن باستمرار ليل الظلم والظلام ، أو أنه ليس له نهاية ، كما لا يجوز أن يترك الواقع الحالى أى أثر من يأس أو إحباط فى نفسه رغم قسوة الظلم وحلكة الظلام ، ليس ذلك من شيم المسلمين ، {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ }يوسف87.

كما لا يتوهم من هم وراء الظلم والظلام أنهم قادرون على تأمين أنفسهم وعلى استمرار هذه الحال من الظلم دون تغيير ، فالأمور كلها بيد الله سبحانه والله لا يرضى عن الظلم ، كما أنه لو دام الحال لغيرهم ما وصل إليهم ، ولله سبحانه فى تغيير الأحوال سنن لا تبدل { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [ الرعد: 11] ، {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } [ آل عمران : 140 ] .

ولقد أوضحنا سابقاً بعض الشواهد والدلة القاطعة التى تنبىء بأن ليل الظلام إلى نهاية ، وان نور الإسلام سيبدد هذا الظلام رغم كيد الأعداء وعملائهم النشطين فى محاولات إطفاء هذا النور ونشر الظلام بكل ما استحدثوا من وسائل لنشر الفساد والانحلال ، ولن يتمكنوا من ذلك أبداً بإذن الله .

هل سمعنا يوماً أن فريقاً من الناس على امتداد البشرية اجتمعت إرادتهم على محاولة لإطفاء نور الشمس ؟ ليس فى طاقة البشر ، فكيف إذن بنور الله الذى جاء بها الإسلام وهو أقوى واسطع من نور الشمس ، ولا نسبة بينهما ؟ وصدق الله العظيم {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } التوبة32.

وسنة الله فى إتمام نوره أن يواجه المسلمون محاولات أهل الباطل لإطفاء نور الحق بما طلبه منهم إسلامهم من إعداد وتربية وصبر وثبات وجهاد و تضحية ، ملتزمين فى هذا المجال بالأسباب والوسائل التى شرعها الإسلام لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، والأمل يملأ قلوبهم واليقين يطمئنهم بالنتيجة الحتمية لهذه المعركة بين الحق والباطل ، والتى أكدها القرأن بالآيات الكريمة { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ }الرعد17، {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ }الأنبياء18، { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }الروم47، {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }القصص5.

هكذا رأينا بوضوح تام أن ليل الظلام لن يطول ، وسينبلج بصبح مشرق بنور الله ، تهتدى به البشرية وتنجو من هذا الظلام ومن سعار مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات ،وتسعد بالدين الحق الذى ارتضاه الله لعباده والذى يحقق لمن يلتزمون به السعادة فى الدنيا والفوز والنعيم فى الآخرة والنجاة من النار .

أما عن ليل الظلم فهل هو أيضاً له نهاية ، أو أن الظالمين يخلف بعضهم بعضا وتوارثون أسايبا الظلم ، ويزيدون عليها وسائل جديدة سخروا العلم لاستحداثها ؟ وهل يتصورون أنهم بهذا التطوير لألوان الظلم يضمنون للظلم الاستمرار ولأنظمتهم الاستقرار ؟

فى الواقع أن هذا تلبيس من إبليس ، والواقع التاريخى يكذب هذا الوهم ، ويؤكد أن الظلم فى أى مكان أو أى زمان لابد له من نهاية ، وأن نهايته وخيمة فى الدنيا ، { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }الشعراء227، وحينئذ ينادى المنادى {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الأنعام45، أما فى الآخرة {يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ }غافر52.

وإننا ندعو الظالمين إلى أخذ العبرة من الماضى ومن نهاية الظالمين عبر التاريخ ، فها هو فرعون ووزيره الطاغية هامان وجنودهما وما أوقعوه من ظلم وتعذيب وقتل لمن عارضوهم وخاصة موسى عليه السلام ومن آمن معه ، لقد استكبر فرعون فى الأرض ولبس عليه إبليس أنه إله وكل هؤلاء الناس عبيد له ، فأعلنها فيهم صريحة {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى }النازعات24، {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي }[ القصص: 38] ، وأعلن أنه لا رأى غير الرأى الذى يراه هو { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }غافر29، لست أدرى أى إرشاد هذا الذى يصدرمنه ومن امثاله وقد انقلبت الموازين عنده وقد نزه نفسه عن الفساد والضلال ، وأصق تهمة الفساد فى الأرض بموسى عليه السلام ومن معه {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ }غافر26، وهكذا بكل الاستخفاف برب موسى وقدرته على حماية موسى منه ، ومن ظلمه والسعى لقتله ولكن هيهات { وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ{10} الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ{11} فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ{12} فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ{13} إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ{14}} [ الفجر : 10:14] .

ويلح على تساؤل : هل نفهم من الحوار الذى ورد فى القرآن بين موسى عليه السلام وفرعون فى صورة أسئلة يوجهها فرعون لموسى ويرد موسى والتى تنتهى بقبول التحدى بالسحرة إلى غير ذلك ، هل يمكن أن نستنتج من ذلك أن فرعون رغم ادعائه الألوهية عنه استعداد للحوار وسماع الرأى الآخر ومناقشته ؟ فى الوقت الذى نجد فى عصرنا هذا بعضاً من الظالمين لا يقبلون الحوار مع من يعارضونهم ، بل يعتبرون من يعارضونهم أو ينقدونهم أعداء يعلنون عليهم الحرب ويسلطون عليهم زبانيتهم .

وهذا قارون أطغاه المال وظن أنه أوتيه بقدرته وعلمه ، وبغى على قومه ، وكان أن خسف الله به وبداره لأرض ولم تكن فئة تنصره من دون الله .

ولا يفوتنا أن نوضح الدور الخطير الذى يقوم به الأتباع والملأ من حول الظالم ، من إيغار صدره وتحريضه على إيذاء معارضيه وخصوصاً المؤمنين {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ }الأعراف127هكذا بكل الكذب والافتراء يصفون موسى عليه السلام وقومه بالفساد فى الأرض وهم المصلحون ، أحقاً هذا ؟ وفى عصرنا هذا نرى نفس النوذج من الحاشية حول الظالمين الذين يضللونهم ويحرضونهم على المصلحين من ابناء الشعب ، ويدعون عليهم أنهم مفسدون وأنهم يريدون الإضرار بالوطن أو التهمة التقليدية " قلب نظام الحكم "

ولو راجعنا حالات الظلم على مدى التاريخ نجد أن الظلم قد وقع من اناس انحرفوا عن المنهج الربانى ، وممن خلت قلوبهم من معانى الإنسانية والرحمة وقويت فيهم نزعات الكبر والطغيان والتسلط والاستبداد .

وكما وقع الظلم من أمثال هؤلاء على غيرهم من البشر كرجال الإقطاع على عبيد الأرض ، وكرجال الكنيسة على من خالفهم ، أو نتيجة العنصرية أو غير ذلك ، فكذلك وقع ظلم من دول قوية على دول ضعيفة ، وقد برز ذلك أثناء موجة الاستعمار الذى هو من أسماء الأضداد ، إذ كانت الدول المحتلة تستغل شعوب تلك الدول’ أسوا استغلال وتمتص دمائهم وتنهب ثروات تلك البلاد ، كما خططوا لتبقى تلك الدول ضعيفة وتدين بتبعية ذليلة للدول التى احتلتها ، وحينما قاومت الشعوب الاحتلال وتم جلاء جنود الاحتلال بعد جهاد مرير ، كما حدث فى الجزائر ، بقى الاحتلال الثقافى والاقتصادى والاجتماعى ، ورتب المعتدون على أن تقوم حكومات محلية تنفذ سياستهم وأهدافهم بعد جلاء جيوشهم .

وكانت هذه النظمة ملتزمة مخططات الأعداء رغم تصادمها مع مصلحة البلاد ، ومن أبرز مخططات الأعداء حرب الإسلام وتفريغ جوهره من المسلمين كأفراد وأسر ومجتمعات ، وضرب الحركات الإسلامية وإسقاط الخلافة وإثارة الفرقة والحروب بين الأقطار الإسلامية وإثارة النزعات الطائفية والعرقية ، وتم إسقاط الخلافة ثم التركيز على مصر باعتبارها مركز الثقل للدول الإسلامية ولوجود الأزهر الذى كان قلعة الإسلام ، ولقيام جماعة الإخوان المسلمين فى مصر .

وبدأت الضغوط والمحن والابتلاءات ضد الإسلاميين عموما والإخوان خصوصا وفى أقطار مختلفة ، كما عاون أعداء الإسلام على غرس الكيان الصهيونى فى قلب الأمة الإسلامية ، ولكن الحكومات المدنية التى كانت تاتى عن طريق الأحزاب والانتخابات لم تشف صدور الأعداء فى حربها للإسلاميين ؛ لأنها لو اشتدت فى حربها وظلمها لن تضمن النجاح فى انتخابات قادمة ، فخطط الأعداء لموجة من الانقلابات العسكرية اجتاحت الوطن الإسلامى بمساندة من الغرب أو الشرق .

فالحكم العسكرى الدكتاتورى لا يهتم بإرادة الشعب ولا يلجأ إلى الانتخابات ، ونفذت هذه الأنظمة العسكرية رغبة الأعداء وهى ضرب الحركات الإسلامية ضربات قاصمة شديدة ، وربما كانت هذه الضربات اشد مما كان يتصور الأعداء .

فكانت تلك المحن القاسية المتتالية فى مصر وغيرها ، ومازال جو المحن مخيما على بلادنا ، وقد استحدث زبانية التعذيب بعض الوسائل المستوردة ، وتورط الزبانية فى جرائم التعذيب والقتل ، وكأن ذلك مقصود ليعتبروا أنفسهم طرفا ويلزم أن يواصلوا الإيذاء والتعذيب دفاعا عن أنفسهم .

والحقيقة التى أحب أن اقررها أنه ليس بين الإسلاميين وأنظمة الحكم أى عداء أو تنافس على كراسى الحكم ، وكل ما يطلبه الإسلاميون – ومنهم الإخوان – هو الحكم بشرع الله ، وأى نظام حكم يحكم بشريعة الله نكون له عوناً وجنوداً ، ولكن للأسف الشديد أن أعداء الإسلام أدخلوا روع حكامنا أن التيار الإسلامى أخطر عليهم من اصحاب المبادىء الهدامة ، كما يصورون لهم أن تحكيم الشريعة الإسلامية يعنى التخلف والرجعية وقيام حكومة دينية ذات تفويض إلهى ، وتتحكم فى مصائر العباد كما حدث فى محاكم التفتيش ، وهذا كذب وافتراء .

وليعلم الجميع أن أبناء التيار الإسلامى هم من أخلص ابناء الوطن للوطن ، ولا يضمرون شرّاًَ لأحد ، والله شهيد على ذلك ، وذلك رغم ما تعرضوا له من محن شديدة ، وهم مطمئنون وكلهم أمل إلى أن المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم والظلام ، وأنه لا صلاح لأوطاننا إلا بالإسلام والحل الإسلامى .

المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم والظلام (4)

لقد زحف الظلم والظلام على اقطارنا الإسلامية مع جيوش احتلال أعداء الإسلام ، ووضعوا لها أسساً وقواعد ، واختاروا من بيننا أعواناً وعملاء لنشر الظلام ومارسة الظلم وخاصة ضد الإسلاميين ، ولما لم تحقق الحكومات المدنية التى تأتى بالانتخابات ما يريده الأعداء من ضربات موجعة للإسلام والحركات الإسلامية اجتاحت أقطارنا موجة من الانقلابات العسكرية بتدبير مساندة من الأعداء ، ونفذت لهم رغبتهم بأشد واقسى مما يريدون .

تميزت هذه النظم العسكرية بالظلم وسلب الحريات والإرهاب والتعذيب بل والقتل لمن يعارضونهم ، وكانت الأحكام العرفية والمحاكم العسكرية بديلاً للقوانين العادية والمحاكم المدنية ، كما تميزت بأجهزة إعلام قوية تزيف الواقع وتقلب الهزيمة نصراً والظلم عدلاً والخسارة ربحاً ، وينفق على اجهزة الإعلام محلياً وعالمياً بسخاء ، وفى هذا الجو يتوافد المنافقون والنفعيون من الكتاب وغيرهم ، وقد عرف الناس هذا النوع من المتزلفين الخادعين ، ولم يعد الرأى العام يتأثر بهم كثيراً مهما سودوا من صفحات ، ومهما تحشرجت حناجرهم من كثرة الهتافات ، ومهما تورمت أكفهم من كثرة التصفيق .

إننا لا نلقى لهؤلاء بالً ولكننا نشعر نحوهم بالإشفاق ، فالخاسر من باع آخرته بدنياه والأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره .

ولا يفوتنا أن نذكر بكل الخير صنفاً آخر غير هؤلاء يقولون الحق ولا يخافون لومة لائم ، ينصفون المظلومين ويدافعون عنهم وينصحون الظالمين ويحذرونهم ، ولو تعرضوا بسبب ذلك إلى العنت أو الإيذاء .

ومن مخطط الأعداء لأقطارنا أن تظل متخلفة تابعة غارقة فى الديون ، منهارة اقتصادياً واجتماعياً ، وضعيفة عسكرياً وهكذا ، والنظم العسكرية التى لا تخضع لرقابة الشعب وممثليه تتصرف فى موارد الدولة دون رقيب ، وحينما يحاول أى نظام النهوض من حالة الانهيار الاقتصادى لا يجد حلاً جذرياً ذاتياً فلا يجد أمامه غير اقتراض ديون جديدة وجدولة القديمة ، رغم ما لمسناه من أننا نسدد الديون أضعافاً مضاعفة ، وهناك يتدخل صندوق النقد الدولى ويطالب بإجراءات اقتصادية فى غاية القسوة والاعنات للشعب وخصوصاً أصحاب الدخل المحدود وهم الغالبة ، وتتوجس الحكومة من انفجارات شعبية كرد فعل لهذه الاجراءات الاقتصادية ، فتثير جواً من الإرهاب الحكومى المقصود لكى يخضع الشعب لهذه الاجراءات دون أن يثور او يتحرك .

ولكن الظلم لا يحقق امناً واستقراراص ، فلكل فعل رد فعل مضاد فتتولد وتتزايد مشاعر الغضب والضيق ، وهى كامنة فى النفوس وإن لم تظهر على السطح إلا قليلاً ، ولا أحسب أن حاكماً يمكنه أن يشعر بالأمن وهناءة العيش وهو محاط بمشاعر الكراهية من الشعب المظلوم المقهور ، وقديماً قالوا : العدل أساس الملك ، فإذا حل الظلم مكان العدل صار الملك بدون أساس .

ويبدو أن الأعداء وجدوا أن استمرار الحكم الشمولى الدكتاتورى مدداً طويلة يمكن أن يؤدى إلى الكبت الذى يولد الانفجار ، فإذا بنا نرى ونسمع عن موجة جديدة تجتاح معظم الأقطار التى تحكم بحكم شمولى تنادى بنظام التعددية الحزبية وإجراء انتخابات ، ومحاولة إضفاء ثوب الديمقراطية عليها ، ولعل آخر قطر أعلن ذلك هو الصومال بعد المذبحة المروعة التى قام بها النظام مؤخراً .

ومن المانة أن نقول : إن هناك كثيرين يتشككون فى جدية النظم التى تعلن ذلك ، ويعتبرون هذه التصريحات تهدئة للخواطر التى توترت من سوء الأحوال الاقتصادية ومن قيوة الظلم وكبت الحريات ، وفى اعتقاد الكثيرين أنه لو لم تنفذ التعددية الحزبية والانتخابات فستنتج نظماً ظاهرها ديمقراطى وجوهرها ديكتاتورى ، كما هو الحال فى بعض الأقطار حالياً ، فهناك مجالس نيابية ولكنها لا تمثل الشعب تمثيلاً حقيقياً ، وقانون الطوارىء يهيمن على باقى القوانين ، وأحكام القضاء لا تحترم وهكذا .

ولن ننسى عبارة أحد الرؤساء السابقين أن الديمقراطية لها أنياب ، ثم هو يرفع شعار سيادة القانون ودولة المؤسسات مع لجوئه لتقنين الديكتاتورية مستعيناً بالاستفتاءات المئوية 99.99% ، كما لن ننسى عبارات لرئيس آخر : الحركة كل الحركة للشعب ولا حرية لأعداء الشعب ، وكان الشعب عدو نفسه كله محروم من الحرية .

خير لهذه الأنظمة الحاكمة – إن كانت تريد الخير والإصلاح لأوطانها – أن ترفع الظلم عن الشعوب وتطلق الحريات وتحقق العدل والأمن ، فتحل الثقة المتبادلة بين الشعب والنظام الحاكم بدل هذه الجفوة والفجوة والتوجس والتربص بينهما ، ولن يكون هناك حل جذرى لمشاكلنا وأزماتنا إلا بتعاون الشعب مع الحكومة ، الشعب مستعد أن يبذل جهده ويربط الحجر على البطون لكى نتخلص من هذه التبعية ونحقق الاكتفاء الذاتى حينما يجد فى حكامه القدوة فى التقشف والشعور بآلام الشعب والسهر على راحته .

هذا ما تدعو إليه أنظمة الحكم التى بدأت تتحول من النظام الشمولى إلى التعددية الحزبية ، وفى الوقت نفسه ننبه من يصرون على الحكم الديكتاتورى وما يصحبه من ظلم وإيذاء وكبت للحريات إلى أن هذا الإصرار عاقبته وخيمة فى الدنيا والآخرة ويجب أن نأخذ العبرة من الماضى ..

ومن الواجب أن ننبه أيضاً الجنود والأتباع أنهم مشتركون فى الظلم ويتحملون تبعاته ، وألا يظن واحد منهم أن المسئولية كلها تقع على الرؤساء الذين يصدرون لهم الأوامر بالإيذاء والتعذيب وغير ذلك من ألوان الظلم ، وهل كان فى استطاعة فرعون تنفيذ الظلم الذى أوقع على بنى إسرائيل لو لم يكن له جنود ، أو لو أن الجنود لم ينفذوا أوامره ؟ لذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى يشرك فرعون ووزيره الطاغية هامان وجنودهما فى الخطأ والمسئولية { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ }القصص8، { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ{5} وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ{6} } [ القصص : 5، 6] .

كما لا يجوز أن يجول بخاطر أحد أن المشاركين فى الظلم هم فقط من يقومون بالتعذيب أو القتل ، ولكن كل من يدعم الظلم ولو بكلمة مقروءة أو مسموعة ، وكل من يشارك بالتصويت لإقرار قانون يمكن للظلم أو ضد أى قانون لرفع الظلم .

يعلم الله أننا نشعر باإشفاق على الظالمين وأعوانهم مما توعدهم به الله من عذاب أليم ، وندعوهم أن يراجعوا أنفسهم ويتوبوا إلى الله ويتوقفوا عن الظلم وفتنة المؤمنين ، ولو أدى ذلك إلى إعفائهم أو فصلهم أو إيذائهم ، فذلك أهون كثيراً من عذاب الله ولا تناسب بينهما { وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ{42} مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء{43} وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ{44} وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ{45}} [ ابراهيم : 42-45] إلى آخر الآيات فى سورة إبراهيم .

غن الصراع بين الحق والباطل ممتد فى الماضى وسيمتد فى المستقبل ، ولله فى ذلك سنن لا تتبدل ، ذكر لنا الظالم والمظلوم وأهل الحق وأهل الباطل ، وهذه الآيات من سورة إبراهيم تحكى لنا صورة من تلك السنن : { وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ{12} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ{13} وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ{14} وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ{15} مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ{16} يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } [ إبراهيم 12-17] .

كيف نشفق على الظالمين من هذا المصير خاصة أن دعوات مئات المظلومين وذويهم ليس بينها وبين الله حجاب.

وهذه صورة أخرى يحكيها القرآن عندما توعد فرعون وموسى عليه السلام وقومه بألوان العذاب ، { قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ{128} قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ{129} وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } [ الأعراف : 128-130] .

ولست أدرى أن أؤكد أن ليل الظلم أيضاً إلى انتهاء ، وأن الله سبحانه وتعالى وعد بنصرة المظلومين من المستضعفين من عباده المؤمنين {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }الأنفال26.

المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم والظلام (5)

مهلاً أيها الظالمون فى كل مكان يا من تظلمون الناس وتبغون فى الأرض بغير الحق ، لا يغرنكم ماا أنت فيه من سلطان ، فالله قادر على أن يذهبه عنكم فى لحظة من الزمن ، لا تفتروا الكذب على الأبرياء وتؤذوهم ، ولا يغرنكم حلم الله الذى حرم الظلم فإنه يلى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته سبحانه وتعالى : {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }آل عمران26.

إن انتهاء ليل الظلم أمر محقق بإذن الله ، يبشر الله به عباده المؤمنين {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }الأنفال26، فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ(13) وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } [إبراهيم13، 14 ].

إن الذين يحاربون أهل الحق والدعاة إلى الله يخطئون حين يظنون أن قوة هؤلاء تقاس بعددهم وعدتهم ، فى حين أن قوتهم تتمثل فى نصرتهم لدعوة الله وقد وعد الله بنصرة من ينصره : { إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }محمد7، { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }الروم47، كما توعد الله الذين يحادون الله ورسوله : {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ(20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [المجادلة20، 21] .

أيها المسلمون ، أيها الناس أجمعون ، نشهد الله تبارك وتعالى أننا نحب الخير لوطننا ولإخواننا المواطنين جميعاً مسلمين وغير مسلمين ، ونريد الإصلاح ما استطعنا ، وجماهير الشعب يشهدون أننا لا نتوانى فى تقديم النفع والخير لهم بما يتاح لنا من إمكانيات ، فمثلاً فى مجال التعليم هناك مدارس يتزاحم الناس لقبول أولادهم فيها ، وفى المجال الطبى توجد مستشفيات ومستوصفات يقوم عليها أطباء أكفاء مخلصون وبأسعار رمزية ، وهناك خدمات اجتماعية أخرى ، وللأسف الشديد تقوم الجهات المسئولة بوضع بعض العراقيل أمام هذه الخدمات .

إنه لن يخطر ولم يخطر ببالنا أى إساءة أو إضرار بالوطن أو المواطنين مما تفتريه علينا أدوات السلطة كمبرر للظلم والاعتقال والايذاء ، والواقع أنهم هم الذين يسيئون ويضرون بالوطن ويلصقون التهم بالأبرياء .

أوضحت سابقاً أننا لا نحمل عداوة أو كراهية للمسئولين فى الحكم والقضية عندنا أننا نريد الخير لوطننا ونرى إصلاحه لن يكون إلا بتطبيق شريعة الله ، ومن أجل ذلك كانت تلك المحن والحرب الشعواء من أنظمة الحكم المتعاقبة ، مع أن شعبنا غالبيته العظمى مسلمة ودين الدولة الرسمى الإسلام ، والشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع ، وقد أثبت الشعب رغبته فى تطبيق الشريعة فى استفتاءات وفى انتخابات مجلس الشعب عندما رفع التحالف الإسلامى شعار " الإسلام هو الحل " .

ولو أننا – لا قدر الله – قلنا : إننا نريد الإصلاح على أساس من الاشتراكية لوجدنا الترحيب والتشجيع والاعتراف القانونى والتصريح بالصحف والمجلات ، فهل يمكن للناس أن يفهموا أن المسئولين يقدرون ويقدمون الاشتراكية أو غيرها من المبادىء الأرضية على الإسلام وعلى شريعة الله ؟ وإلا فلفسروا لنا سر حيلولتهم دون تطبيق الشريعة وحربهم لمن يطالبون بها .

إنه يجرى تخريب المواطن والأسرة على يد السلطة بما تقدمه وسائل الإعلام الرسمية ، مما يفسد الأخلاق والضمير بتفريغ وسائل التعليم ومناهجه من التربية الدينية السليمة التى تصلح الفرد وتربى الضمير .

أليس غريباً ويدعو إلى الدهشة أن يتعرض الدعاة إلى الله وغلى الالتزام بتعاليم الإسلام واحكام شريعته إلى الاعتقال والملاحقة والتعذيب بل وللقتل دون ذنب اقترفوه إلا الدعوة إلى الله وإلى تطبيق شرع الله ، فى الوقت الذى يمرح فيه من خربون الفرد والأسرة فى بحبوحة من الحرية والرعاية الحكومية والدعاية الصحفية ، وأحياناً العلاج بالخارج على حساب الدولة محافظة منها على هذه الثروة التى تثير البهيمية والانحراف وتساعد على إشاعة الفاحشة وسط الشعب .

أيها المسئولون ، إن كنتم تريدون الخير والإصلاح لهذا الوطن فلا إصلاح إلا بالإسلام وشريعة الإسلام ، ولا طريق غيره فألزموه وإلا فأعلنوها صريحة أن إصلاح الوطن لم يدخل فى دائرة اهتمامكم ولم يزاحم مصالحكم الشخصية .

ثم نعود ونؤكد أن الإسلام قادررغم الظلم والظلام وسيعم الساحة العالمية ؛ لأنه الدين الحق الذى ارتضاه الله لعباده جميعاً ، وهو وحده الجدير بإنقاذ البشرية من كل ما تعانيه منامراض اجتماعية أو أزمات اقتصادية وحروب وتدمير .

إن محاولات أعداء الإسلام وعملائهم وكتابهم المأجورين لتشويه الإسلام والنيل منه قد باءت كلها بالفشل ، ولن تستطيع أن تنال من هذا الدين القويم ، أو ان تحجب نوره أن يسطع على ربوع العالمين ، فهو نور الله ولن يطفىء نور الله بشر ، لقد كثرت الأباطيل والشبهات التى يثيرها هؤلاء حول الإسلام من زوايا متعددة .

وقد تصدى لتنفيذ كل هذه الأباطيل علماء ومفكرون مسلمون فضلاء ، ولا يزال الصراع الفكرى محتدماً بين العلمانيين القوميين والإسلاميين ، والواضح عملياً أن الإسلام بقوته الذاتية المستمدة من كونه من عند الله يدحض كل المبادىء الأرضية التي تخالفه ، ويعلو ويهيمن عليها بالموضوعية والمنطق ، وليس بالدعاية والتشويش .

نسمع ممن يدعون الإنسانية والرحمة أنهم يطالبون بإلغاء عقوبة الإعدام لماذا يريدون الرحمة بالقاتل ولم يريدوها للمقتول ؟ لقد حسم الله هذه القضية حسماً عادلاً بقوله : {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } البقرة179.

إن الإسلام بمنهاجه الربانى العادل سيفرض نفسه ويقبله ويلتزم به كل عاقل منصف ، أما الحاقدون المغرضون فهم سينهزمون أمام نور الإسلام الساطع وسينزوون ويتخلفون عن ركب التقدم والحضارة التى سيحققها الإسلام كما حققها قبل ذلك : إننا نطالب كل مسلم غيور ان يبذل جهده وطاقته فى تقديم الإسلام من موقعه نظرياً وعملياً ويكون قدوة عملية للإسلام .

إن الإسلام منهاج كامل شامل ، فعلى أهل الاختصاص فى كل جانب أن يستخرجوا جوانب الإسلام المتصلة باختصاصهم بحيث يتكامل تقديم الإسلام بشموله وكيف أنه يدعو إلى التقدم والرقى والازدهار والسعادة للبشرية جمعاء .

أيها المسلمون .. أيها الناس أجمعون .. اعلموا أن الإسلام دين العلم والتعلم وأن الإسلام دين العقل والحكمة ، وأنه دين التآخى والسلام ، إنه دين العمل وكسب الرزق الحلال وان الإسلام دين الاتقان والإبداع ، وأنه دين الصدق والإخلاص .

اعلموا أن الإسلام دين التعاون والتكافل ، وانه دين الرحمة ، وانه دين الرحمة والإحسان ، وأنه دين الأمن والنظام .

وأن الإسلام دين العدل والاعتدال ، ودين العزة والقوة ، وأنه دين الرقى والازدهار ، وأنه دين النظافة والجمال كما أنه دين العفة والطهارة ، وأنه دين الصحة والنشاط ، وأنه دين الحلم والوفاء بالعهود والعقود ، وان الإسلام دين التوحيد والاتحاد ، لم نذكر ذلك على سبيل الحصر ولكن على سبيل الاستشهاد بكمال الإسلام وشموله لكل متطلبات الحياة الكريمة الآمنة للفرد والأسرة والمجتمع والدولة .

من أجل ذلك نؤكد أن المستقبل للإسلام رغم طول ليل الظلم والظلام { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21.