اليوم الإنساني العالمي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

اليوم الإنساني العالمي وعرائس الشهيد لأهل الابتلاء

اليوم الانسانى.jpg

غاب عن يوم من أيام هذا الأسبوع (19 - 8 - 2009م) قيام الأمم المتحدة بعملية استقصاء رأي عينات من سكان الأرض التي تشملهم هذه المنظمة برعايتها (!!) وتنقسم فيها الدول والشعوب بين طبقتين يفصلهما عن بعضهما ما يفصل الليل عن النهار، الأولى حاكمة متصرفة نافذة تصوغ القانون والسياسة والمواقف حسب رؤاها هي، والثانية مفعول بها وبشعوبها وكأننا أمام مشهد ما زال يتكرر منذ قيام هذه المنظمة الأممية .. وهو مشهد الملاكم القوي المحترف الذي يتدرب باستمرار مع كيس جلدي مملوء بمواد لا هي صُلْبة فتكسر ذراعي الملاكم ولا لينة سهلة فتفقد التدريب مقاصده.


استقصاء الرأي الذي غاب عن هذا اليوم كان يوجب الوقوف على رأي البشر في إنسانية الإنسان الآن وهل هي ما زالت ذات قيمة واحدة عند اللاعبين الكبار وغيرهم في هذا العالم؟، ولماذا كان اتخاذ حادث قتل 22 منسوبا من موظفي الأمم المتحدة في بغداد لمثل هذا اليوم من عام 2003م هو السبب في قرار المنظمة الدولية اتخاذه يوما عالميا للإنسان .. وهو نفس اليوم من هذا العام (2009) الذي قُتل فيه في بغداد أيضا مائة بريء وستة أضعافه من الجرحى والمصابين .. ولم يكن مثلا يوم أن وافقت المنظمة الدولية وباركت ورعت غزو العراق نفسه وما تسببه من قتل للملايين من جنس الإنسان بحجج كاذبة ومزورة، ولم يكن يوم أن باركت هذه الهجمة البربرية الشرسة على أفغانستان منذ سبعة سنوات وأصبحت نموذجا لطغيان طبقة الكبار في هذا العالم والتي لم تستثن معها باكستان حتى عجز العادُّون عن إحصاء القتلى والجرحى من بسطاء الناس ومن الأطفال والنساء والشيوخ .. وكلهم كلهم ونقسم على أنهم من جنس الإنسان، ولا نقول لماذا لم تنتفض الأمم المتحدة سابقا وتقف ضد رغبة الكبار ورعايتهم ودعمهم للأنظمة القمعية واللاإنسانية ومنها النظام العراقي السابق نفسه عندما رعته كما ترعى الحكومة الصهيونية ومنظومة الحكومات القمعية، وكما تقف الأمم المتحدة وقفة مراقب تدريب الملاكم المحترف يحصي فقط اللكمات وسرعتها ويلاحظ تطاير (كيس التدريب) علوا وانخفاضا وقدرة هذا الملاكم على المواصلة أو التدخل لحمايته من نفسه إشفاقا عليه!!


نبرأ إلى الله ونستنكر سفك دماء الأبرياء من البشر كما نبرأ من الخسف بالإنسان وحقوقه، ولا نقف أمام فكرة (اليوم الإنساني العالمي) وكنا نود أن يسمع بها كل البشر قويهم وضعيفهم ولا تقتصر على احتفالية بسيطة يقيمها الأمين العام مع مجموعة من منتسبي منظمته فتمر المناسبة دون أن يسمع بها أحد ودون أن تحرك هذه المنظمة كل أجهزتها وطاقاتها لتذكير الجميع باليوم ومنهم الكبار والطغاة الذين يواصلون القتل لهذا الإنسان، وأن يتم الاتفاق على مستوى العالم كله على إيقاف القتل وإطلاق النار والاعتداءات في الأقبية والسجون وأجهزة مصانع الأسلحة ووسائل التعذيب لمدة ساعة واحدة فقط مع مطلع شمس هذا اليوم أو غروبها وبتوقيت واحد وليكن وللمناسبة توقيت بغداد.


الإنسان الذي حرك المنظمة الدولية أخيرا سبقتها الأديان السماوية إلى مسماه وتذكير الناس كلهم بمبتدأه ومنتهاه، ومن بين سور القرآن الكريم المائة وأربعة عشر سورة كريمة جاءت سورة الإنسان لتخاطبه مباشرة وترسم له طريقا غير ما ترسمه وتهتم به احتفالية الأمم المتحدة بيومه .. ويأتي الوقوف النضر الحي معها عندما تفيأ الشهيد سيد قطب ظلالها فيقول في عرائسه التي تنبض فيها الحياة:


السورة في مجموعها هتاف رخي ندي إلى الطاعة، والالتجاء إلى الله، وابتغاء رضاه، وتذكر نعمته، والإحساس بفضله، واتقاء عذابه، واليقظة لابتلائه، وإدراك حكمته في الخلق والإنعام والابتلاء والإملاء ..


وهي تبدأ بلمسة رفيقة للقلب البشري: أين كان قبل أن يكون؟ من الذي أوجده؟ ومن الذي جعله شيئا مذكورا في هذا الوجود؟ بعد أن لم يكن له ذكر ولا وجود، تتلوها لمسة أخرى عن حقيقة أصله ونشأته وحكمة الله في خلقه وتزويده بطاقاته ومداركه، ولمسة ثالثة عن هدايته إلى الطريق وعونه على الهدى وتركه بعد ذلك لمصيره الذي يختاره: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا).


وبعد هذه اللمسات الثلاث الموحية وما تثيره في القلب من تفكير عميق ونظرة إلى الوراء، ثم نظرة إلى الأمام ثم التحرج والتدبر عند اختيار الطريق .. بعد هذه اللمسات الثلاث تأخذ السورة في الهتاف للإنسان وهو على مفرق الطريق لتحذيره من طريق النار .. وترغيبه في طريق الجنة بكل صور الترغيب وبكل هواتف الراحة والمتاع والنعيم والتكريم.


وقبل أن تمضي في عرض صور المتاع ترسم سمات هؤلاء الأبرار في عبارات كلها رقة وجمال وخشوع يناسب ذلك النعيم الهانئ الرغيد.


ثم تعرض جزاء هؤلاء القائمين بالعزائم والتكاليف الخائفين من اليوم العبوس القمطرير الخيرين المطعمين على حاجتهم إلى الطعام يبتغون وجه الله وحده لا يريدون شكورا من أحد إنما يتقون اليوم العبوس القمطرير!


تعرض جزاء هؤلاء الخائفين الوجلين المطعمين المؤثرين، فإذا هو الأمن والرخاء والنعيم اللين الرغيد.


فإذا انتهى معرض النعيم اللين الرغيد المطمئن الهانئ الودود اتجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتثبيته على الدعوة - في وجه الإعراض والكفر والتكذيب - وتوجيهه إلى الصبر وانتظار حكم الله في الأمر، والاتصال بربه والاستمداد منه كلما طال الطريق.


ثم تذكيرهم باليوم الثقيل الذي لا يحسبون حسابه، والذي يخافه الأبرار ويتقونه والتلويح لهم بهوان أمرهم على الله الذي خلقهم ومنحهم ما هم فيه من القوة وهو قادر على الذهاب بهم والإتيان بقوم آخرين، لولا تفضله عليهم بالبقاء لتمضي مشيئة الابتلاء، ويلوح لهم في الختام بعاقبة هذا الابتلاء.


المصدر : رسالة الإخوان 21 أغسطس2009م 30 شعبان 1430 هـ العدد 605