بين دجوي 65 ودجوي 2019

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
بين دجوي 65 ودجوي 2019


مقدمة

بين دجوي 1965م ودجوي 2019م ما يزيد عن النصف قرن حملت في طياتها الكثير من الأحداث والتي عبرت عن شخصية الرجلين فالأول هو الفريق محمد فؤاد الدجوي والذي كان قائد عسكريا لمصر في غزة أثناء العدوان الثلاثي على مصر وأسر لدة الصهاينة بعدما سلم غزة لهم وسب مصر وجيشها في الإذاعة الإسرائيلية، وبعدما عاد لم يحاكمه عبد الناصر محاكمة عسكرية بل جعله قائدا لمحكمة عسكرية تحاكم علماء الوطن أمثال سيد قطب ورفاقه.

والثاني أحمد محمد هيثم الدجوي والذي كان طالبا واتهم ظلما باغتيال النائب العام وحكم عليه بالإعدام ونفذ عليه الحكم مع 8 من زملائه، وبعدها تم اعتقال والده لفترة طويلة، ووقفت ووالدته بقلب ثابت يوم استشهاده تزف ابنها للسماء وتتهم سلطات الانقلاب بالغدر.

بون شاسع بين دجوي الستينيات ودوي القرن الواحد والعشرين، فالأول خان وباع وسب وطنه وقادته ومع ذلك كرم من سلطة وضيعة كانت تحابي كل وضيع من أجل استمرارها في السلطة. والثاني تحمل حكم الاعدام بقلب صابر ورجولة منقطعة النظير وثبات أب وأم خطف أبنهم من أحضانهم وكانت كل تهمته أنه من سكان مصر الجديدة بجوار النائب العام.

رحلة مع دجوي الستينيات

الدجوي يحاكم أحد الإخوان

محمد فؤاد الدجوي: اسم لا يجهله أحد من الباحثين أو المثقفين أو الشعب المصري، ذلك لأنه الضابط العسكري الذي أسر في غزة عام 1956م من قبل إسرائيل وسب مصر وقيادتها أمامهم حتى يتم الإفراج عنه، وكان معه في هذا الأسر المستشار محمد المأمون الهضيبي رئيس محكمة غزة، والذي أبى أن يسب مصر أو قادتها، ومن هذا التوقيت كانت بداية معرفة الدجوي بالإخوان، ولقد ترك فيه هذا الموقف أثرا بليغا ظهر قويا في محاكمات الإخوان عام 1965م.

فحينما تم تبادل الأسرى عاد الدجوي وبعد سنين كافأه عبد الناصر بتعينه – بالرغم من خيانته للوطن - قاض لمحاكمة أبناء الوطن الشرفاء أمثال سيد قطب ومحمد يوسف هواش وإخوانه أمام محاكم عسكرية هزلية ليسطر الدجوي أحكام سبق إعدادها وتلاها هو بطريقة مشينة ليرفع بها علماء الأمة على أعواد المشانق.

في يوم 5 سبتمبر 1954 أصدرت المحكمة العسكرية العليا برئاسة الأميرلاي محمد فؤاد الدجوي، الحكم في قضية الشيوعية الكبرى الخاصة بمنظمة "حدتو السرية" الشيوعية والمتهم فيها الضابط مصطفى كمال صدقي و23 آخرين من المتهمين في القضية محمد شطا وكان يتقاضى 20 جنيها في سبيل ترويج المبادئ الهدامة، وهو يعمل في الخفاء منذ 15 عاما، والثانى البير جاك اربيه وهو حلقة الاتصال بين الجهاز الفني للمنظمة وجهاز الطباعة ومن الأعضاء المروجين للمنشورات.

أما الثالث فهو نعومى كانتيل وهي صهيونية إيطالية هاربة من حكم عليها في قضية مصر الشيوعية عام 1949 وضبطت مع الدكتور شريف حتاتة في بنسيون في المعادي يزاولون النشاط الشيوعي وضبط لديها خطابات من مسئولين في إسرائيل ومهمتها جمع الاشتراكات.

الرابع الدكتور شريف فتح الله حتاتة وهو على صلة بفتاة شيوعية "ماري روزنتال" وهي زوجة لأحد أقطاب المنظمة. بلغت أحكام الدجوي، خمس سنوات على المتهمين بتهمة العمل على قلب نظام الحكم وكراهية النظام.

أسد على وفي الحروب نعامة

وقع الدجوي في الأسر فقال فيه السفير الصهيوني في أمريكا:

بعد القتال في شمال شبه جزيرة سيناء والاستيلاء على غزة، قمنا بزيارة للقوات الإسرائيلية في ميدان المعركة حيث تم تحقيق نصر خاطف، تم أسر اثنين من الجنرالات المصريين الفريق العجرودي على اليسار والفريق الدجوي القائد السابق لقطاع غزة. الجنرالات ألقوا باللوم على نقص الطائرات والدبابات مما أدى لهزيمتهم، غير أنه على طول طريق العريش الصحراوي.

يقول الصحفي الشهير مصطفى أمين:

"إنني أعرف الدجوي منذ عام 1956م، عندما هاجمت الجيوش البريطانية والفرنسية والإسرائيلية مصر، واحتلت سيناء وبورسعيد، واستدعاني الرئيس جمال عبد الناصر، وطلب مني أن أركب وحدي أول طائرة مصرية مدنية تغادر مصر أثناء العدوان، وأن أحمل معي صور العدوان وأنشرها في جميع أنحاء العالم..
ووصلت إلى مدينة نيويورك وفوجئت بجميع تليفزيونات أمريكا تعرض فيلمًا للواء فؤاد الدجوي حاكم غزة، وهو يستسلم للجيش الإسرائيلي، كان الفيلم مُهينًا للجيش المصري ولمصر كلها، وكان الحاكم المصري يقف ذليلاً أمام ضابط إسرائيلي يقدم له خضوعًا، ويثني على الجيش الإسرائيلي وشجاعته وقوته ومروءته وإنسانيته، ويدلل على هذه المروءة بأن زوجته كانت مريضةً وأن اليهود نقلوها إلى مستشفى في تل أبيب لإجراء عملية جراحية لها..!!
هل يغفر لهم كل هذه الجرائم من أجل أنهم أجروا عمليةً جراحيةً لزوجة الدجوي؟! مع وجود أطباء مصريين أخصائيين ومستشفى مصري مجهز بجميع الأجهزة؟! وقد طلب منه الأطباء أن يجروا لها العملية وهي كيس دهني ولكنه رفض، وطلب نقلها إلى تل أبيب، والأطباء المصريون شهود الحادث أحياء يرزقون.
وعندما عدت الى القاهرة، ورويت للرئيس ما قال اللواء الدجوي في التليفزيون قال لي الرئيس إنه سمع بنفسه في الإذاعات هذه الأقوال نفسها وصوت الدجوي نفسه من محطة إسرائيل، وإن الدجوي أسير حرب في إسرائيل الآن، وإنه ينتظر عودته مع الأسرى ليحاكمه محاكمةً عسكريةً وليُضرب علنًا بالرصاص.
وعاد اللواء محمد فؤاد الدجوي من الأسر، ولم يحاكَم، ولم يعدَم رميًا بالرصاص..!! وفوجئتُ بعد ذلك بأن الاختيار يقع دائمًا على الدجوي ليكون قاضيًا في أي محاكمة يرى المسئولون أن أدلتها ضعيفةٌ أو لا أساسَ لها. وكان الدجوي في أحاديثه يفخَر بأنه لا يحمل شهادة ليسانس، وأنه لم يدرس الحقوق، ولا يعرف القانون، وأنه محل ثقة ولاة الأمور.

ويكمل مصطفى أمين شهادته فيقول:

"وعندما مثلت أمام الدجوي رفضت أن أتكلَّم أو أفتح فمي؛ لأنني عرفتُ أنه يريد أن يقول في الجلسة السرية ما يريد أن يصل إلى رئيس الدولة في الميكروفون، وفي نهاية محاكمتي وقفت وطلبت الكلمة من الدجوي فأذن لي
وقلت:
"في أثناء عدوان سنة 1956م استدعاني الرئيس جمال عبد الناصر إلى هذا المكان - مجلس قيادة الثورة - وقال لي إنني سأكلفك بمهمةٍ قد تموت فيها وهي أن تكون راكبًا أول طائرة تطير أثناء الضرب لتتولَّى الدعاية لمصر في العالم
وفي نيويورك اختارني الدكتور أحمد حسين - سفير مصر في واشنطون- لأدافع عن سمعة الجيش المصري، عندما عرضت محطات التليفزيون الأمريكي فيلمًا عنك وأنت تستسلم لليهود وتشكرهم.. ومن سخرية القدر أن يطلب الادعاء رأسي في نفس المكان الذي اختارني فيه الرئيس عبد الناصر لهذه المهمة الخطرة، وأن تتولى سيادتك محاكمتي!! ولم يفتح الدجوي فمه بكلمة وأعلن انتهاء المحاكمة".

ومن عجائب الأقدار أن الدجوي في هذه المحاكمات كان يحاكم المستشار محمد المأمون الهضيبي، وكانت تجمعهما أيامٌ في غزة - الدجوي الحاكم العسكري لغزة والمأمون رئيس محكمة الجنايات؛ ولذلك حين أراد أن يستجوبه علاَ صوتُ المأمون وهو يجيب، فقال له الدجوي: طيب خلاص انتهى استجوابك، فرد المأمون صائحًا: لا لا بد أن أقول قولي كله

فرد الدجوي: لا.. خلاص.. يبقى محاميك يقول كل ما يريد، وهنا صاح المأمون: لا بد أن تسمعني.. كيف تحاكمني ثم لا تسمع أقوالي؟ إنك تحاكم مستشارًا.. وهنا هوى الدجوي عندما رأى بوادر الثورة من المتهم، وهو يعرفه ويعرف عنه الجرأة في الحق والشجاعة في قول الحق، ودون ذلك ما يكون من مخاطر، فتركه يتكلم.

تروي السيدة زينب الغزالي:

"انتهى الدجوي من سؤالي ومناقشتي فعُدت إلى القفص، وخرجت حميدة لتجيب على أسئلته، ولما فرغت من الأجوبة وعادت إلى القفص.. ابتدأت مرافعة النيابة ولست أدري إذا كان يجوز أن أسميها مرافعة أم لا، فقد هبطت فيها النيابة إلى درك أسفل من انحطاط اللفظ وقبْحه، وشنيع ما نطقت به من عبارات القذف في الأعراض والسباب للأبرياء، وكانت ظلمة تخيم على وجه المتكلم باسم النيابة
وتمتد لتطمس المحكمة كلها، وضاق صدري بالباطل المجسَّم في النيابة والمحكمة، فرفعت يدي أطلب الكلمة، فظن الدجوي - المدعى أنه قاض - أني سأعتذر خوفًا من باطلهم وتهديدهم وما طلبته النيابة من إعدامي؛ لأن الأشغال الشاقة المؤبدة لا تكافئ جريمتي، ونظر الدجوي نحوي والجهل يغطي وجهَه، وقال: تكلمي.

وقفتُ وقلت:

"بسم الله الرحمن الرحيم.. نحن أمناء أمة، وورثة كتاب، وحماة شريعة، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، وإننا لثابتون على الطريق حتى نرفع راية لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وحتى تلتزم بها الأمة، وحسبنا الله ونعم الوكيل فيما افترى الظالمون، وأشرت إلى النيابة والمحكمة معًا، وأنا أردد: حسبنا الله ونعم الوكيل في هذا الباطل والبهتان والإثم المبين"
وأخذت الدجوي نوبةٌ هستيريةٌ فصار يصرخ: "اسكتي اسكتي هي بتقول إيه؟! يعني إيه (أُسوة) .. إيه معناها الكلمة دي؟! ويكرر هذا.. وهنا ضجَّت القاعة بالضحك على ذلك الذي حكموا عليه أن يكون قاضيًا وهو لا يفهم معنى كلمة "أسوة"، وهكذا كان عبد الناصر ينتقي رجاله!!
جلست وأنا أقول: ما الجهل إلا مفسدة ولكل سوء مجلبة.. ليشهد التاريخ على من يحاكموننا ويحكموننا".. الجهل المركب مرةً أخرى.. من يحاكم من؟! وفي محاكمته لعملاق الفكر الإسلامي سيد قطب يسأله: ألست القائل للإخوان إن من يقتل الظالم يكون له المثْوَبة "بسكون الثاء وفتح الواو" بصوت عال فيه تحد وتشفٍّ.. فضج الإخوان في القفص بالضحك (وشر البلية ما يضحك)، وقالوا: "مثُوبَة لا مثْوَبة"
وأثناء المحاكمات كان يصيح في المتهمين والمحامين مؤنبًا وشاتمًا، وفي إحدى المرات ردَّ المحامي عليه وهو يرتجف قائلاً: يا سيادة الفريق، فثار الدجوي ثورةً عارمةً، وقال: من فضلك فريق أول.. إنت بتنزلني رتبة..!! احذر في كلامك يا أستاذ وإلا اقعد".

وهذا الفأر المستأسد على المحامين والمتهمين في فظاظة وغلظة، كيف كان حاله مع أسياده الذين أطلقوه على الإخوان ينهش أعراضهم ويحكم عليهم بما شاء له السادة، ومع المتهمين كان حاله أشدَّ.

فأثناء مناقشة المهندس محمد عبد الرحمن سألته المحكمة:

الدجوي: ألم يكن لك شعور نفسي وأنت تعمل في سيناء بعيدًا عن التنظيم؟!

محمد عبد الرحمن: كنت أشعر أن قلبي معهم.

الدجوي: سأقول كلامك في تحقيق النيابة وبعدين ابقى اعمل قمع.. أنت قلت في التحقيق إنك لم تستعمل عقلك في كثير من الأشياء، وأعلنت ندمي وتوبتي.

محمد عبد الرحمن: أقسم بالله ما قلت هذه العبارة.. والنيابة هي التي كتبتها.

ويرويى الصحفي الوطني عادل سليمان- مدير تحرير جريدة الجمهورية- من أمر الدجوي عجبًا، فيقول:

"بحكم عملي كصحفي ترددت كثيرًا على مكتب المشير عبد الحكيم عامر - قائد الجيش والنائب الأول لرئيس الجمهورية - وجلست عدة مرات في مكتب شمس بدران أنتظر مقابلةً تحددت للقاء المشير، ولقد رأيت في هذه الجلسات العجب العجاب؛ حيث دخل الفريق المخيف الدجوي.. لم يكن مخيفًا ولا مستأسدًا في تلك المرة التي رأيته فيها.. كان كالأسود المستأنسة تحت قبة في خيمة السيرك القومي.
في البداية كان الفريق الدجوي منفوشًا كالديك الرومي، وقفز في خطوات حتى صار واقفًا أمام مكتب العقيد شمس، وشد جسمه كله ورفع يده إلى مفترق جبهته بالتحية.
الفريق: تمام يافندم.. تمام يا سيادة العقيد.
العقيد: تمام يا خويه.. أمال الأيافة مش تمام ليه.. أمال لو ماكنتش فريق كنت عملت إيه؟! خيل إلى أن الفريق قد ارتكب شيئًا.. ولكن العقيد سرعان ما وضح نفسه.
العقيد: تبقى فريق يا أخي وتدخل عليَّ بالكرافتة مفكوكة.. أمال خليتوا إيه للضباط الصغيرين.. واللا العساكر، وانهالت كلمات الفريق أسفًا واعتذارًا، وكأنه قد ارتكب بالفعل جرمًا كبيرًا، وضربت معاه لخمة، يا ترى ينزل يده اليمين ويصلح بها الكرافته أو يصلح الكرافتة بيده الشمال، ورفع شماله ليصلح الكرافته، ويبدو أنها لم تسعفه فأعاد اعتذاره وأنزل اليمين التي كانت ترتجف بالتعظيم لتساعد اليسرى في إصلاح الكرافته؛ لكي تتم الأيافة.
أحكَم الفريق رباط عنقه، فتمت بذلك الأيافة المطلوبة للعقيد شمس، ثم أسرع الفريق برفع يمناه بتصلب مرتعش بالتحية ثانيةً، وصاح بصوت يصم الآذان:
الفريق: تمام الأيافة يا أفندم.
العقيد مبتسمًا: أهو كده دلوقتي فريق بحق وحقيق يا دجوي.
الفريق: إن شاء الله ناخد فريق أول امتى يا أفندم؟
العقيد: أما راجل طماع يا أخي.. إنت لسه بلعت رتبة فريق لما تطلب فريق أول، اختشي يا راجل يا عجوز.. لما تبقى تعمل بفريق نديلك فريق أول.
الفريق: ما هو لازم ندلَّع عليكم يا أفندم.. أمال إذا ما ادلَّعناش عليكم ندلَّع على مين؟!
العقيد: تتدلع؟!.. هي العسكرية فيها دلع؟!.. انتباه يا راجل عيب على سنك.
الفريق: آسف آسف يا أفندم.. ما أقصدش.. والله ماأقصد.
العقيد: يخرج من مكتبه مظروفًا أصفر مختومًا بالشمع الأحمر، ويناوله في خفاء للفريق المرتجف، قائلاً: خد الأحكام دي نفذها بكرة فورًا.. متصدق عليها من الرئيس.. ما تفتحش الظرف إلا قدام المحكمة.
الفريق: حاضر يا أفندم.
العقيد: ياله انصراف.. انصراف يا فريق.

وهكذا عاش دجوي الستينيات ذليلا ما بين الأسر والبكاء أمام الصهاينة وما بين الخنوع أمام اسياده من العسكر من أجل حياة يريد أن يعيشها بأى شكل، وهكذا مات أيضا ذليلا دون أن يعيره أحد الاهتمام أو يعرف يوم وفاته.

دجوي 2019

الشهيد أحمد محمد هيثم الدجوي

أحمد محمد هيثم الدجوي: (25 سنة) طالب بكلية الهندسة، ويعمل مندوب مبيعات ومقيم بمركز فاقوس محافظة الشرقية، ويعيش في مصر الجديدة.

اعتقل واختفى قسريا في عام 2015، وظهر بعد 60 يوماً من تعرضه للتعذيب في سجن العقرب، وتعرّض للإهمال الطبي المتعمَّد في محبسه. وضم وضعه في قضية النائب العام. إنها الرواية الخامسة للداخلية حول "مقتل النائب العام"، بهذه الكلمات عنونت منظمة هيومان رايتس مونيتور تقريراً لها عن القضية في مراحلها الأولى.

التقرير الذي رصد تعدد وتناقض روايات الداخلية المصرية جاء عقب إعلان وزير الداخلية المصري السابق مجدي عبدالغفار عام 2016، عن القبض على الخلية التي خططت واغتالت النائب العام، وكان من بينهم عدد من الشباب الذين حكم عليهم اليوم بالإعدام.

وبعد عام من اعتقاله ظهر في قسم الإعدام بسجن "العقرب" سيئ السمعة، قبل أن يصدر ضده أي حكم، فضلاً عن منعه من التواصل مع ذويه وحرمانه من الزيارة، بحسب رسالة لوالدته وجهتها في وقت سابق للحقوقيين؛ طلباً منها لنصرة ولدها.

وجاء في جزء من رسالتها:

"يوم السبت 4/ 3/ 2017م كان موعداً لإحدى جلسات قضية النائب العام بمعهد أمناء الشرطة، وعند زيارتي له في نهاية الجلسة من خلف قفص الاتهام وجدته في حالة صحية سيئة جداً، شاحباً وهزيلاً، ويعاني من انخفاض مستوى السكر وضغط الدم وإغماءات متكررة".

وأضافت:

إن من يعملون في إدارة السجن "بذلوا معه مجهودات لإفاقته قبل الجلسة مباشرة عندما فتحوا زنزاته ليلحق بسيارة الترحيلة؛ فوجدوه مغشياً عليه بسبب انخفاض مستوى السكر وضغط الدم، ولم يشعر به أحد أو يطلب له الإسعافات اللازمة في حينه؛ نظراً لأن حبسه انفرادي".

وأكدت أن ولدها أخبرها بشعوره بتشنجات، وأنه يعاني من

"مشكلة صحية في أعصاب النصف الأيسر من الجسم إلى درجة زادت معها التشنجات فأصبح لا يشعر بنصفه الأيسر تماماً، ولفترات طويلة، بعد زيادة حدتها ومرات تكرارها، وقد أخبرني بأنهم طلبوا منه التحامل على نفسه لحضور الجلسة مع الوعد بالاستماع إليه لدى عودته إلى محبسه".

وحسب شهادة أحد المعتقلين السابقين، الذين زاملوا الدجوي لفترة بسجن العقرب، فإن الأخير تم اعتقاله من منزل أحد أصدقائه بضاحية مدينة نصر شرقي القاهرة، في تموز - يوليو 2015 بعد أيام من عملية مقتل النائب العام.

وينقل المعتقل السابق عن الدجوي قائلا:

"إنه تعرض للتعذيب لأكثر من شهرين على يد ضباط الأمن الوطني بمقر أمن الدولة الرئيسي بمدينة نصر، وتم تهديده باغتصاب والدته وشقيقته، إذا لم يعترف بالمشاركة في تنفيذ عملية النائب العام، والذي يؤكد الدجوي أنه لم يعرف تفاصيلها، إلا خلال التحقيقات لإجباره على الاعتراف وهو تحت التعذيب"

وبعد شهرين كاملين من التعذيب المتواصل، بحسب شهادة المعتقل السابق تم ترحيل الدجوي نهاية آب - أغسطس 2015 لسجن العقرب، وتم إيداعه بعنبر الدواعي الأمنية، المخصص للمحكوم عليهم بالإعدام، بالإضافة لقيادات التنظيمات الجهادية.

ورفضت إدارة السجن تقديم العلاج الأولي لأحمد رغم تدهور حالته الصحية، كما تم منع الزيارة عنه، وظل رهن التحقيق لعدة أشهر في نيابة أمن الدولة، بتهمة الانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون، حتى تم ترحيله بشكل مفاجئ بعد ما يقرب عام قضاها داخل السجن، لمقر الأمن الوطني بلاظوغلي، وتم تعذيبه مرة أخري، ليعود لسجن العقرب، وهو ضمن المتهمين بقضية مقتل النائب العام.

ووفق الشهادة السابقة فإن الدجوي ظل بعنبر الدواعي والإعدامات، حتى تم نقله للعنبر المخصص لقيادات الإخوان، وتم حبسه في البداية، بصحبة الشيخ صفوت حجازي والمحامي عصام سلطان والقيادات الإخوانية أحمد عارف وجهاد الحداد وعمرو زكي، ولكن تم نقله بشكل مفاجئ بعد تجريده من ملابسه وأدويته وحتى حذائه المتهالك، إلى المكان المسجون به القيادات الإخوانية أسامة ياسين وعصام العريان ومحمد البلتاجي.

وبالرغم من أن إجراءات القضية كانت سارية، إلا أن ضباط مباحث السجن، أخبروا الدجوي أنه تم نقله مع هذه القيادات لأن معظمهم سيكون محكوم عليهم بالإعدام، وهو نفس مصيره المنتظر، وحتى لو خرج من قضية النائب العام بدون إعدام، فسيكون بانتظاره قضية محاولة اغتيال النائب العام المساعد التي جرت في أيلول - سبتمبر 2016، وهو داخل السجن.

وزارة الداخلية وتضارب التصريحات

وقال تقرير "هيومن رايتس مونيتور":

"لم تكن الرواية التي أوردها وزير الداخلية باتهامه الشباب صغير السن بتنفيذ عملية الاغتيال هي الأولى من نوعها، فقد صدرت أربع نسخ لروايات مختلفة حول مقتل النائب العام، راح ضحيتها العشرات من الشباب، وهو ما يثير الشكوك في مدى صحتها، حسب التقرير.

وكانت الرواية الأولى التي أصدرتها الداخلية المصرية، بإعلانها القبض على محمود العدوي واعترافه بارتكاب الجريمة. أما الرواية الثانية، فكانت إعلان القبض على هشام علي عشماوي (ضابط بالصاعقة في الجيش المصري)، واعترافه بارتكاب الواقعة في تسجيل صوتي بُث له بعد توجيه التهم إليه باغتيال النائب العام وارتكاب بعض التفجيرات الإرهابية.

والرواية الثالثة كانت بإعلان وزارة الداخلية تصفية 9 من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، في شقة سكنية بمدينة 6 أكتوبر في محافظة الجيزة، وإعلان الداخلية تورطهم في واقعة اغتيال النائب العام، وقتلهم في أثناء حدوث اشتباكات مسلحة بينهم بعد تصويرهم قتلى بجانب أسلحة.

في حين أظهر الطب الشرعي في تشريحه الجثث، أن الضحايا قد قُتلوا بالرصاص دون إبداء أي مقاومة. أما الرواية الرابعة، فقد قدَّمتها وزارة الداخلية المصرية أثناء عملية تصفية 3 عناصر في منطقة حدائق المعادي بجنوب القاهرة، حيث أعلنت وزارة الداخلية مسؤوليتهم عن ارتكاب الجريمة.

وكانت الرواية الخامسة والأخيرة التي أدت إلى توجيه الاتهام لعدد من الشباب الذين أُعدم منهم تسعة اليوم الأربعاء 20 فبراير - شباط 2019. وأعربت المنظمة في تقريرها عن خشيتها استمرار استخدام قضية مقتل النائب العام كذريعة للقضاء على خصومها من المعتقلين السياسيين والمختفين قسرياً على يديها، وقتلهم مجموعات تلو الأخرى.

وحسب تقرير لموقع مصر العربية نُشر في مارس - آذار 2016، فقد أعلنت الداخلية المصرية ثلاث مرات، أنها أخذت بالثأر من قَتلة النائب العام، آخرها كان خبر القبض على المجموعة التي أعدمت عدداً منها اليوم ووصفت مجموعة Reprieve، المجموعة الحقوقية المُناهضة لعقوبة الإعدام، هذه الإعدامات بـ"كارثة حقوق الإنسان المتكاملة".

في حين دعت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية إلى وقف الإعدامات المبنية على اعترافاتٍ تحت التعذيب. لكن تلك الدعوات قُوبِلَت بالتجاهل. فضلاً عن الحُكم بالإعدام غيابياً على 13 مُتَّهماً آخر في القضية نفسها مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فجر قضية أخرى متعلقة بالإعدامات التي تشهدها مصر، مؤكدا أن الاعترافات التي تعتمد عليها المحاكم المصرية التي أصدرت أحكاما بالإعدام، كان نتيجة تعذيب المتهمين، لإجبارهم علي الاعتراف بارتكاب جريمة لم يقوموا بها.

ووفق بيان صحفي للمكتب الأممي، فإن المتهمين أدلوا بشهادات مفصلة، أثناء المحاكمة، عن حدوث تعذيب ضدهم للحصول على الاعترافات، وهو ما تجاهلته المحكمة، حسب توصيف روبرت كولفيل المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان الأممي.

كولفيل أبدي قلقه كذلك من أن الإجراءات القانونية وضمانات المحاكمة العادلة، لم يتم اتباعها في معظم القضايا التي لم تتعامل مع استخدام التعذيب من أجل الاعتراف بالشكل الملائم، مشيرا إلي أن القانون الدولي يتيح بالفعل عقوبة الإعدام في جرائم قتل، ولكن الوضع في مصر مختلف، وحسب قوله فإن: "المسألة هنا هي المحاكمة العادلة واستخدام التعذيب وانتزاع اعترافات بالإكراه".

تسلسل أحداث القضية

29 /6 /2015 استهدف موكب النائب العام وتم تفجيره.

في 6 مارس 2016 أعلنت وزارة الداخلية في بيان لها، القبض على المتهمين باغتيال النائب العام، المستشار هشام بركات.

في 8 مايو 2016 بعد انتهاء النيابة من التحقيقات، أحيل 67 متهمًا في القضية رقم 14 لسنة 2016، حصر أمن الدولة العليا، لمحكمة الجنايات، بتهمة التخطيط وتنفيذ اغتيال النائب العام.

وفي 17 مايو 2016 حددت محكمة استئناف القاهرة، جلسة 17 يونيو 2016 لنظر محاكمة المتهمين، أمام الدائرة 28 إرهاب برئاسة المستشار حسن فريد.

1 أبريل 2017 قدمت النيابة العامة مرافعتها أمام محكمة الجنايات، وطالب ممثل النيابة العامة آنذاك توقيع عقوبة الإعدام على المتهمين.

وفي 27 مايو 2017 قررت محكمة جنايات القاهرة، إدراج المتهمين في تلك القضية على قوائم الشخصيات الإرهابية، ونشرت الجريدة الرسمية هذا القرار.

وفي 17 يونيو 2017 أصدرت محكمة جنايات القاهرة، حكمًا بالإعدام شنقًا بحق 28 متهمًا في قضية اغتيال النائب العام، والسجن المؤبد لـ 15 آخرين.

وقضت المحكمة أيضًا، بسجن 8 متهمين لمدة 15 عامًا، والسجن 10 أعوام لـ15 متهمًا، إلى جانب انقضاء الدعوى الجنائية لمتهم آخر.

وفي 22 يوليو 2017 أُخذ رأي المفتي في حكم الإعدام، وصدقت المحكمة على رأى المفتى بإعدام 28 متهمًا.

وفي 27 مايو 2018 نظرت محكمة النقض، الطعون المقدمة من المتهمين على الأحكام الصادرة ضدهم، ما بين الإعدام والسجن.

وفي 19 أبريل 2018 قدم 46 متهمًا طعون أمام محكمة النقض على حكم إدراجهم على قوائم الإرهابيين

وفي 25 نوفمبر 2018 قضت محكمة النقض، بتأييد حكم الإعدام على 9 متهمين في قضية اغتيال النائب، المستشار هشام بركات، كما قضت بتخفيف حكم الإعدام على 6 متهمين إلى السجن المؤبد.

وأيدت المحكمة الحكم الصادر بحق 46 متهمًا بإدراجهم على قوائم الإرهابيين، وقررت الإدراج لمدة 3 سنوات.

20 فبراير 2019 نفذت مصلحة السجون المصرية، حكم الإعدام بحق 9 متهمين في قضية اغتيال النائب العام.

مواقف عزة

بعدما استشهد دحوي 2019م قالت والدته:

ابني دلوقت مستريح وفي مكان أفضل عند ربنا في الجنة، بالنسبالي أحمد أخد إخلاء سبيل.

وقامت وزارة الداخلية باعتقال والده والزج به في السجن فترات طويلة لتسطر الداخلية سطور مشينه في سجلها الطويل سيء السمعة منذ الاختلال البريطاني وحتى الاحتلال العسكري.