تنظيم الضباط الأحرار

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٠:٠٧، ٢٣ يونيو ٢٠١٣ للمستخدم Ahmed s (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تنظيم الضباط الأحرار (الجزء الثانى)

(الخميس 17 ديسمبر 2009)

مقدمة

كان صلاح سالم غير راض عن الوضع المميز لعبد الناصر في الحركة، وكان يتساءل: لماذا جمال وليس غيره؟ وانتهز فرصة قيام عبد الناصر بمحاولة اغتيال حسين سري عامر من دون عرض الأمر على "لجنة القيادة" ليفجر الموضوع بصورة عنيفة، وتفجر الاجتماع في مواجهة غاضبة كان أطرافها: جمال وصلاح وبغدادي.

وخرج صلاح من الاجتماع ليقابل ثروت عكاشة، وشكا له من أن جمال عبد الناصر يفرض رئاسته على "لجنة القيادة"، وأنه يظن نفسه كل شئ، ويحاول أن يعطي لنفسه قدرًا أكبر منا جميعًا، وأنه لهذا لن يحضر الجلسات، وثار صلاح سالم واحدة من ثوراته المعروفة، وشتم جمال أمام ثروت؛

بل وأبلغ ثروت بأسماء "لجنة القيادة"، وقال إن أكثرهم يتبعون عبد الناصر فيما يقول، وأبلغه في نهاية الأمر أنه سيستقيل من اللجنة إذا لم يحصل على وضع مساوٍ لوضع جمال، بحيث يكون له أن يعرف كل أسماء "الضباط الأحرار" مثل جمال عبد الناصر.

ويضيف خالد محيي الدين:

"وحكى لي ثروت كل ما قاله صلاح سالم، فأخذته إلى جمال عبد الناصر، وحكينا له ما حدث، وطلبنا منه إيجاد تسوية مقبولة حفاظًا على التنظيم، واصطحبت جمال عبد الناصر معي إلى بيت صلاح سالم، وكان حظر التجول مفروضًا منذ حريق القاهرة، وكنا نتحرك بالزي الرسمي ليمكننا المرور أثناء حظر التجول.

وحتى الفجر استمرت المناقشات التي انتهت بصلح ظاهري بين عبد الناصر وصلاح سالم. وبرغم الصلح، ظل جمال عبد الناصر ساخطًا في أعماقه على صلاح سالم. ومنذ ذلك الحين بدأ عبد الناصر يتحدث عن نفسه كثيرًا، وعن دوره في تأسيس الحركة؛

ولما كنت في هذه الفترة أقرب أعضاء "لجنة القيادة" إلى عبد الناصر، فقد عرض علي خطة لحل "لجنة القيادة" للتخلص من العناصر غير المرغوب فيها، ولما أبديت دهشتي، وسألته: كيف؟ قال: "لا ندعوها للاجتماع، ونبدأ أنا وأنت في مواصلة اجتماعاتنا بالضباط، دون أن نشعر أعضاء "لجنة القيادة" الآخرين بذلك، وبذلك نحل اللجنة حلاً واقعيًا ودون أن يشعر أحد".

وأبديت ترددي إزاء هذه الفكرة، لكن عبد الناصر ألح عليها، غير أننا فوجئنا بعد قليل بعودة بغدادي وجمال سالم من العريش، وهما مصممان على تصفية الجو تصفية نهائية بانتخاب رئيس "للجنة القيادة"، وإعداد لائحة داخلية تنظم عمل اللجنة.

وعقدت "لجنة القيادة" اجتماعًا بمنزل كمال الدين حسين بمنشية البكري لنجري انتخابات الرئيس. منحنا صوتنا جميعاً لجمال عبد الناصر إلا أنور السادات الذى كان غائباً، وفوض عبد الحكيم عامر في الإدلاء بصوته، وطلب منه التصويت لحسن إبراهيم قائلاً: إذا كنا نشكو من سيطرة جمال عبد الناصر فلننتخب شخصًا لا يستطيع السيطرة علينا، ويمكننا أن نتحكم فيه.

والغريب أن حسن إبراهيم نفسه كان قد منح صوته لجمال عبد الناصر. وبدت الأمور وكأنها تسير سيرًا حسنًا، وكأن الخلافات قد صُفيت، لكن الحقيقة أن عبد الناصر ظل غير مرتاح لجمال سالم وصلاح سالم وبغدادي والسادات.

اسم الضباط الأحرار

يذكر البكباشي عبد المنعم عبد الرؤوف:

"أنه بعد استدعاء البكباشي جمال عبد الناصر لمكتب رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي، وتوجيه الاتهام له بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين وتدريبهم، اقترح علينا الصاغ محمود لبيب استبدال اسم تنظيم الإخوان الضباط باسم (الضباط الأحرار)؛

لإبعاد اسم جماعة الإخوان المسلمين، المكروهة من الملك والأحزاب العميلة والإنجليز. ويذكر محمد نجيب أن تنظيم الضباط الأحرار بدأ بعد حرب فلسطين وأنه أول من أطلق عبارة "الضباط الأحرار" على التنظيم الذي أسسه جمال عبد الناصر.

ويذكر السفير جمال الدين منصور:

"أنه استأجر شقة في حي الزيتون باسم شقيقه سعد؛ لكي تكون مركزًا للاجتماعات. وفي يوم كنا مجتمعين في شقة الزيتون، وكان الحاضرون هم الزملاء سعد عبد الحفيظ، عبد الحميد كفافي، جمال الدين منصور، ومصطفى عبد المجيد نصير، ومحمد حلمي إبراهيم، وانضم إلينا خالد محيي الدين، ودار الحديث حول أول منشور بعد النكسة الأولى "حادث عطا الله باشا"، وما يجب علينا عمله للظهور بمظهر جديد في الأسلوب، وضرورة تغيير اسم الحركة من "ضباط الجيش" إلى اسم آخر.
وأخذ كل منا يضع اسمًا جديدًا، فمن قال "ضباط الثورة"، ومن قال "ضباط الجيش الأحرار". ثم نطقنا معًا أنا وكفافي "الضباط الأحرار" وكان تعليق أحد الحاضرين "الأحرار الدستوريين" تشبها باسم أحد الأحزاب في ذاك الوقت، وضحكنا جميعًا، ثم انفض الاجتماع بعد أن فوض المجتمعون الأمر لي لكي أذيل المنشور بالاسم الذي أراه مناسبًا؛

حيث إن المنشور كان قد تم إعداده، ولم يبق سوى الاتفاق على الاسم الجديد للحركة، ووضعت في نهاية المنشور الاسم الجديد "الضباط الأحرار" هذا الاسم الذي عبر عن وجه الثورة الجديدة.

وتحت هذا الاسم سارت الثورة في مدارها إلى أن تحقق نجاحها في فجر 23 يوليو 1952، وحينما نجحت الثورة، دنا جمال عبد الناصر من خالد محيي الدين وقال له: إنه أمر يدعو للإعجاب حقًا هذا الاسم الذي أطلقه علينا جمال منصور، وذيل به أول منشور في حركتنا، ليصبح الاسم لأقوى جماعة يتحدث عنها العالم كله الآن.

محمد نجيب وتنظيم الضباط الأحرار

كانت صلة جمال عبد الناصر قد بدأت بالأميرلاي محمد نجيب أثناء حرب فلسطين من خلال عبد الحكيم عامر الذي قال لجمال عبد الناصر إنه قد وجد كنزًا في محمد نجيب لجرأته وشجاعته ووعيه بأن أزمة الهزيمة في حرب فلسطين توجد في القاهرة وليست في العريش.

ويذكر محمد نجيب أنه:

"في يوم من الأيام جاء عبد الحكيم عامر ومعه جمال عبد الناصر، وعرفت يومها أنه زعيم تنظيمهم، وأنه جاء ليرى ويزن تقدير عامر لي ولشخصيتي، وكان هذا شيئًا غريبًا أن تقوم الرتب الصغيرة بفحص وطنية الضباط العظام؛
ومع ذلك لم أعترض؛ لأنني كنت مقتنعًا بأن خلاص مصر يقع على عاتق الضباط الأحرار الصغار، فقد كان ينقص ضباطنا العظام الجرأة، كنا نريد حيوية وإصرار وحرارة الصغار، وعقول وحكمة وخبرة الكبار، وكان عامر وعبد الناصر يوافقاني على هذا الرأي".

ولم يكن محمد نجيب يحضر اجتماعات التنظيم أثناء تكوينه؛ لأنه كان محل رقابة سلطات الأمن المسؤولة باعتباره نجمًا محبوبًا من ضباط الجيش، ولأنه كان في رتبة كبيرة (أميرلاي)، بينما كان أكبر الضباط في ذلك الوقت يحمل رتبة (بكباشي) والاتصال يبدو مريبًا ومثيرًا كذلك. ومن ثم تم الاتفاق بينه وبينهم على أن تكون الصلة به فردية وليست تنظيمية.

ويذكر محمد نجيب:

"وبعد لقاءات عديدة، اتفقنا على الخطوط العريضة، ودعاني عبد الناصر إلى تنظيم الضباط الأحرار، وهو تنظيم سري كان هو مؤسسه ورئيسه، ووافقت على ذلك. ومن بين الضباط التسعة الذين كانوا في مجلس القيادة بعد الثورة كنت أقابل خمسة منهم قبل الثورة: جمال عبد الناصر، عبد الحكيم عامر، حسن إبراهيم، صلاح سالم، وزكريا محيي الدين".

المنشور الأول

ظل جمال عبد الناصر مترددًا تجاه مسألة إصدار منشورات، لكنه وإزاء إلحاح خالد محيي الدين عليه وافق بشرط أن تكون عملية إصدار المنشور مسؤولية مجموعة الفرسان.

وبدأت مجموعة جمال منصور تثير نقاشات حامية في شأن ضرورة عمل شىء عاجل وسريع، يقول خالد محيي الدين:

" وتحت إلحاح مجموعة جمال منصور قررنا إصدار أول منشور لنا، واستطاع جمال منصور أن يدبر لنا علاقة مع موظف بالسكة الحديد اسمه شوقي عزيز، أبدى استعداده لكتابة المنشورات على الإستنسل، وقررنا شراء آلة رونيو، وكان ثمنها80 جنيهًا، قررنا أن نجمعه فيما بيننا، واقترح جمال منصور أن يشتريها صديقه شوقي عزيز باسمه ووافقنا".

وفي فبراير عام 1950 قرر تنظيم الضباط الأحرار إصدار منشوره الأول، وتولى خالد محيي الدين مسؤولية إصداره أمام مجموعة القيادة. كتب جمال منصور المسودة الأولى للمنشور، وكان عنوانه "نداء وتحذير"

وكانت قضية الأسلحة الفاسدة تشغل كل الأذهان بعد أن تفجرت أخبارها على صفحات الصحف، وكان المنشور يحذر ضباط الجيش من أن يساقوا إلى حرب أخرى من دون استعداد ومن دون سلاح أو بأسلحة فاسدة، وحذر المنشور الملك من التدخل لمنع استمرار التحقيق العادل في قضية الأسلحة الفاسدة، وإلا فإن عرشه سوف يصبح مهددًا.

عدَّل خالد محيي الدين بعض العبارات، ثم عرضه على جمال عبد الناصر الذي وافق عليها بتعديلات بسيطة. وكان جمال منصور قد اقترح أن نوقع المنشور باسم "الضباط الأحرار"، ووافق خالد محيي الدين وكذلك جمال عبد الناصر.

وقام بطبع المنشور "شوقي عزيز" على ماكينة الرونيو، ثم نقلت الماكينة أكثر من مرة. وأخيرًا استقر أمر طباعة المنشورات وتوزيعها بأجهزة الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني "حدتو"، وذلك في مرحلة تالية بعد حريق القاهرة. وكانت معظم المنشورات تُكتب بأقلام خالد محيي الدين والقاضي أحمد فؤاد وأحمد حمروش والبعض كتبه جمال عبد الناصر.

ويقول خالد محيي الدين:

"كانت الماكينة تعمل بكفاءة، وكانت ماكينة التنظيم هي كذلك تعمل بكفاءة، كفافي وجمال منصور اشتريا طوابع البريد والأظرف، وثروت عكاشة أحضر عناوين منازل رئاسات الجيش، ونحن أحضرنا عناوين ضباط الفرسان، والآخرون أحضروا عناوين ضباط أسلحتهم؛
وكتبنا العناوين على الآلة الكاتبة وأضفنا إليها عناوين بعض السياسيين، وعددًا من الصحفيين، ثم قصصنا شرائط الورق الصغيرة التي تحمل العناوين، كل عنوان على حده، وألصقناه على ظرف وقمت أنا وجمال منصور بوضع المنشور في الأظرف، ثم بتوزيعها على العديد من صناديق البريد في القاهرة".

وكان لمنشور الضباط الأحرار فعل السحر وسط الضباط، وبدأ الكثيرون يتدفقون حماسًا، ويسألون عن "الضباط الأحرار". وكانت المناقشات حول المنشور بداية لحملة تجنيد وسط الجيش، والأهم من هذا أنها حددت لضباط تنظيم الضباط الأحرار مواقف العديد من الضباط.

ويقول:

"كل ما طبعناه كان خمسمائة أو ستمائة ورقة فيما أذكر، لكنها سطرت بداية جديدة لعملنا ونشاطنا، بل وأدت إلى إحالة الفريق حيدر والفريق عثمان المهدي إلى المعاش. وعندما طبعنا المنشور الأول كان عددنا قد وصل إلى حوالي 40 أو 50 ضابطًا، منهم حوالي13 أو 14 تحت مسؤوليتي في سلاح الفرسان، لكن المنشور الأول دفع بنا خطوات كبيرة إلى الأمام، وحققنا نفوذًا واسعًا وعضوية أوسع.
ومع هذا النجاح الباهر قررنا أن نصدر المنشور الثاني، وكتبه جمال منصور كذلك، وأخذته إلى جمال عبد الناصر ووافق عليه، وكتبه شوقي عزيز وطبعناه لكن الأمن كان يتربص بنا.وصدرت التعليمات لأجهزة البريد باحتجاز أية رسائل تحمل عناوين مكتوبة بالآلة الكاتبة وموجهة إلى ضباط الجيش، وبالفعل تم احتجاز معظم الرسائل، ولم يصل منها إلا عدد محدود".

وقد علمنا على الفور بذلك، تلقى ثروت عكاشة هذه المعلومة من صهره أحمد أبو الفتح رئيس تحرير "المصري" وأبلغها لي. كنا نغلي غضبًا، وأحسسنا بروح عاتية من التحدي، كان قد تبقى لدينا حوالي 50 نسخه من المنشور، وزعناها على الضباط الذين قاموا بدورهم بتوزيعها في الميسات، وفي دورات المياه في الوحدات، وفي المكاتب الإدارية، فأحدثت دويًا هي الأخرى.

وهنا كان تنظيم الضباط الأحرار قد بدأ يأخذ شكلاً منفصلاً عن القوة السياسية خارج الجيش، أي أنه لم يعد تنظيمًا تابعًا للإخوان أو الشيوعيين أو الوفديين أو السراي، بل مجموعة واحدة تشكل جبهة وطنية متحدة.

رحلة آلة الرونيو

قرر تنظيم الضباط إعادة حساباته، ونقل "آلة الرونيو" من بيت شوقي عزيز إلى بيت الضابط عبد الرحمن عنان الذي رشحه حسن إبراهيم لوضع الآلة في بيته، وكان أعزب ومنضبطًا وحياته منظمة تنظيمًا دقيقًا، وتقديراته الأمنية عالية، ومن هنا كان الاختيار جيدًا وملائمًا.

وبعد فترة اقترح جمال عبد الناصر أن تنقل الآلة إلى بيت حمدي عبيد، وكان كذلك أعزب، ولكن لم يكن معروفًا كسياسي أو حتى مهتمًا بالسياسة، بل كان ضابطًا مرحًا خفيف الدم، ومن هنا رأى جمال أن بيته لا يثير أية شبهات.

وبعد أن تصاعدت حدة الموقف، وتزايد الخطر، انتقل الرونيو مرة أخرى إلى منظمة الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني "حدتو" ليعمل عندها، وتطبع عليه منشورات الضباط الأحرار حتى قيام الثورة، وكان القاضي أحمد فؤاد هو الذي يكتب هذه المنشورات.

كانت علاقة أحمد فؤاد قد توثقت بخالد محيي الدين وجمال عبد الناصر إلى حد كبير، وقد أعجب به الأخير إعجابًا شديدًا، وبهر إلى حد كبير بمعلوماته الواسعة، وتحليلاته السياسية المتقنة، وباختصار كان عبد الناصر أمام مثقف واسع الإطلاع، حلو الحديث يقدم إليه تحليلات سياسية جيدة.

وهكذا توثقت العلاقة "بحدتو"، وكثيرًا ما كان جمال عبد الناصر يلتقي منفردًا بأحمد بفؤاد، ويجرى معه مناقشات طويلة في شأن الموقف السياسي المحلي والدولي، لكنه أبدًا لم يفكر في الانضمام إلى "حدتو".

وعن طريق هذه العلاقة احتضنت منظمة "حدتو" باهتمام بالغ كل الاحتياجات الفنية للضباط الأحرار، سواء الكتابة على الآلة الكاتبة أو الطباعة أو توزيع المنشورات.

وبعد مصادرة الأمن للمنشور الثاني والثالث، تطلب الأمر كتابة العناوين على الأظرف بخط اليد، وهذه مغامرة كبيرة، وتحدث خالد محيي الدين مع أحمد فؤاد في هذه المشكلة، وبعد عدة أيام أبلغ أحمد فؤاد خالد محيي الدين أن الضباط اليساريين أعضاء "حدتو" الذين انضموا إلى "الضباط الأحرار" يعرضون تطوعهم للقيام بهذه المهمة الخطرة؛

وهي كتابة العناوين على الأظرف بخط أيديهم، وكان من المتطوعين محمود المناسترلي وصلاح السحرتي وأحمد قدري وجمال علام، كما تولى هؤلاء كذلك توزيع الأظرف على صناديق البريد، وهكذا أمكن للمنشورات أن تنتظم، وأن تتواصل، وأن تصل إلى جموع الضباط.

ويذكر خالد محيي الدين:

"ولأنني كنت أتعامل مع عبد الناصر بأمانة شديدة، فقد أبلغته أن عددًا من الضباط اليساريين يريدون الانضمام إلى مجموعة الفرسان، فوافق على الفور، فقلت له بصراحة إنهم شيوعيون فقال: ما يهمش ما دام بيدخلوا كأفراد، ما فيش مشكلة".

وبدأت المنشورات تنتظم من جديد، ووضعنا خطة جديدة، كان هؤلاء الضباط الأربعة السابق ذكرهم يكتبون العناوين على الأظرف، ويوزعون أربعين أو خمسين منشورًا فقط، على صناديق البريد يوميًا، وكانوا يحاولون تغيير أسلوب كتابة العناوين، ومكان لصق طابع البريد؛

وأحيانًا يكتبون العناوين باليد اليسرى بهدف تضليل رجال الأمن الذين كانوا يتابعون بحرص الرسائل ذات الخطوط المتشابهة، كذلك حرصنا على طي المنشور، بحيث تكون الكتابة إلى الداخل؛ حتى لا يمكن التعرف على أن المظروف يحتوى على أوراق مكتوبة بالآلة الكاتبة. وهكذا استطاعت هذه المجموعة أن تدفع عملنا في توزيع المنشورات خطوة مهمة إلى الأمام.

وبعد حريق القاهرة في 26 يناير عام 1952 انتقل جهاز الرونيو إلى "حدتو" وهكذا اكتملت الدائرة: "حدتو" تسهم معنا في صياغة المنشور عن طريق أحمد فؤاد، ثم يُكتب عندها على الآلة الكاتبة، ثم تطبعه، وتقوم مجموعة من ضباطها بإرسال الجزء الأكبر منه بالبريد، بينما تسلم لنا كمية لتقوم المجموعات بتوزيعها باليد على عدد من الضباط الموثوق فيهم، أو توزيعها على ميسات الضباط، وفي المكاتب، وعلى رئاسات الجيش.

وهكذا.. وطوال هذه الفترة، كان التعاون والانسجام واضحًا بين عبد الناصر وأحمد فؤاد، وكانت المنشورات يتوالى إصدارها، وكان عجز الأمن عن إيقافها أو القبض على مصدريها يمثل عنصر حماس واسع داخل القوات المسلحة.

وقد بدأ أحمد فؤاد في محاولة نقل بعض الأساليب اليسارية في العمل الحزبي إلى حركة "الضباط الأحرار"، فاقترح على عبد الناصر إعداد سلسلة من محاضرات التثقيف لمجموعات الضباط الأعضاء في الحركة، ولم يعترض عبد الناصر، لكنه طلب التأجيل حتى يشتد عود الحركة.

ومن الضروري أن نشير إلى أن علاقة "حدتو" بالضباط الأحرار قد تركت أثرًا ملحوظًا على شعاراتنا والأهداف المعلنة في منشوراتنا. ولأن الاتجاه الوطني السائد في صفوفنا كان في جوهره معاديًا للاستعمار، ومتمسكًا بالاستقلال الحقيقي، ولأن "حدتو" كانت في تعاملها معنا تركز على هذا الجانب كذلك، فلم تبرز مشاكل ما خلال هذا العمل المشترك.

وكان استمرار صدور المنشورات، وتوقيع "الضباط الأحرار" إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة بعد فترة امتدت خلال السنوات من عام 1946 حتى عام 1949، عندما كانت تصدر للجيش منشورات من تنظيم الضباط الإخوان وتنظيم الشيوعيين بتوقيع (رجال الجيش)، ومنشورات مجهولة كانت تُنسب للحرس الحديدي. ومنذ صدرت منشورات [[الضباط الأحرار]، توقفت القوى السياسية عن إصدار منشورات خاصة بها، وكان هذا إعلانًا عن نوع من الوحدة التنظيمية.

يقول خالد محيي الدين:

"مع تواصل صدور المنشورات بدأت بعض الشائعات تحاول التهوين من أمرها، وتقول إنها تصدر عن مدنيين من خارج الجيش، وأنه لا وجود لشيء اسمه "الضباط الأحرار". ولهذا وبعد المنشور الخامس بدأ الضباط الأحرار يفكرون في حيلة لإقناع الضباط بأن هذه المنشورات تصدر عن زملائهم، ومن بين صفوفهم.
واهتدوا إلى حل لهذه المشكلة، فكان المنشور من صفحة واحدة، وعلى الصفحة الأخرى أصدرنا مجلة سميت "صوت الأحرار" وكانت تحتوى على أخبار من الجيش، أخبار لا يمكن أن يتعرف عليها إلا الضباط، وكانوا ينشرون الخبر ويعلقون عليه".

وعندما بدأ تساؤل الضباط عن البرنامج الذي يرتبطون به، أُعدت الأهداف الستة، وصدرت في منشور أعدها أحمد فؤاد وخالد محيي الدين ووافق عليها جمال عبد الناصر.

أصبح اسم "الضباط الأحرار" يتردد في الجيش همسًا أحيانًا، وعلانية أحيانًا أخرى، كما أن القوى السياسية المختلفة، وبعض الصحفيين، حتى المخابرات الحربية والبوليس السياسي، كانوا يعلمون بوجود هذا التنظيم الوليد.

ولكن أجهزة الأمن سواء في الجيش أو الداخلية كانت محدودة العدد والعدة، وكان ضباط المخابرات الحربية 15 ضابطًا، جُند بعضهم في الضباط الأحرار أو كانوا على صلة هامشية بهم، مثل عبد المنعم النجار مدير المعلومات الذي أصبح سفيرًا في باريس والعراق بعد الثورة، ومساعده سعد توفيق، وإسماعيل فريد الذي أصبح سكرتيرًا عسكريًا لمحمد نجيب، ثم محافظًا للدقهلية فيما بعد. وكان ضباط القسم المخصوص بالداخلية لا يتجاوزون 24 ضابطًا، ولكن لم يكن يدخل في اختصاصهم العمل داخل الجيش إلا عن طريق المخابرات الحربية.

كانت قبضة أجهزة الأمن ضعيفة، وقدرتها على النفاذ إلى أسرار الجيش محدودة؛ لأنهم لم يكونوا قد استخدموا بعد نظام العمالة لرجال الجيش، وشراء ضمائر البعض بمبالغ ومكافآت متنوعة.

ويقول البكباشي عبد المنعم النجار:

" إن وزارة الداخلية اتصلت بالمخابرات الحربية للحصول على معلومات عن الضباط الأحرار، وأنهم حاولوا الكشف عن عناصرهم وخططهم، دون استخدام (وسائل قذرة)، وأن المخابرات الأمريكية والإنجليزية كان لهما خلايا خاصة بهما ضد النشاط الشيوعي بالذات؛
وقد أكد هذه الحقيقة الماجور ساتسوم المسؤول في البوليس السياسي المصري، ثم ضابط أمن السفارة البريطانية بالقاهرة بعد خروج الضباط الإنجليز جميعًا من البوليس المصري.ومع ذلك لم يُعتقل أي ضابط من الضباط الأحرار في الوقت الذي كانوا فيه يزدادون عـددًا ووعيًا.
ولم يكن في سياسة الوزارة الوفدية ما يثيـر الضباط الأحرار ضدهــا، ولم يكن عداء الإخوان التقليدي للوفد ذا تأثير في اتجاهات الضباط الأحرار، بل إن جمال عبد الناصر كان ذا ميول وفدية واضحة، أمضى ساعات طويلة في منزل أحمد حمروش بالإسكندرية قبل 23 يوليو يدافع عن الوفد؛

في مناقشة حضرها مجموعة من الضباط الأحرار منهم البكباشي صلاح مصطفى والبكباشي عبد الحليم الأعسر؛ لأنه لم يكن في سياسة الوفد في ذلك الوقت ما يثير الضباط، أو يجنح بهم إلى تيار المعارضة، على الرغم من أن الوفد لم تكن له في الجيش أي شعبية؛ نظرًا للظروف التاريخية التي أبعدت الوفد عن جهاز الجيش.

خلاف بين تنظيمين

في سبتمبر 1949، أبلغ جمال عبد الناصر زميله عبد المنعم عبد الرؤوف والرجل الثاني في تنظيم الإخوان المسلمين أنه يريد عمل انقلاب ولا يستطيع تجميع الضباط على مبادئ جماعة الإخوان المسلمين، وإتباع الأسلوب المتزمت.

وطال الجدال بينهما، واستغرق عدة ساعات، وظل كلٌ متمسكًا برأيه، وانتهى النقاش بالاحتكام للفريق عزيز المصري الأب الروحي للضباط الوطنيين المصريين. وبعد أن استمع الفريق عزيز المصري لكل منهما قال: اعملا معًا لطرد الإنجليز من مصر، ثم تابعا الكفاح لإلغاء النظام الملكي، وإياكما والخصام؛ لأنه يشتت قواكما، وإذا لم تستطيعا العمل معًا، فسيرا نحو الهدف متوازيين كقضيب السكة الحديد.

قال عبد المنعم لزميله جمال عبد الناصر:

إنني سأعمل بهذه النصيحة في إطار ما تسمح به أوامر قيادة جماعة الإخوان المسلمين. وقال جمال: إن هدفي الأول هو إلغاء النظام الملكي. وقد انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار ضباط حوصروا معي في الفالوجا مثل صلاح سالم، ويعمل معنا عبد الحكيم عامر، وخالد محيي الدين.
وذهب عبد المنعم بعد ذلك إلى الصاغ محمود لبيب، وأبلغه بما قاله جمال عبد الناصر وعزيز المصري. وبعد بضعة أشهر توفي محمود لبيب، وحل محله البكباشي أركان الحرب أبو المكارم عبد الحي لوجود البكباشي عبد المنعم عبد الرؤوف خارج القاهرة، حيث كان يخدم في فلسطين وسيناء.

عبد الناصر يتسلم أسرار التنظيم

يذكر الرائد أركان حرب حسين حمودة في مذكراته:

"إنه في أواخر عام 1949، زار الصاغ محمود لبيب أثناء مرضه، فوجد عنده جمال عبد الناصر، وكانت حالة محمود لبيب متأخرة، ولكنه كان صافي الذهن وقال لنا: إني سأموت، وسأكتب مذكرة بأسماء الضباط الذين يشملهم تنظيم الإخوان الضباط، والمبالغ المتبقية طرفي من الاشتراكات، وسأسلمها لجمال عبد الناصر، لتستمروا في تحقيق الرسالة من بعدي.
وطلب مني أن نكون يدًا واحدةً، وأن يتعاون جمال عبد الناصر وعبد المنعم عبد الرؤوف؛ ونظرًا لانشغالي بموعد آخر فقد انصرفت، وتركت جمال عبد الناصر مع الصاغ محمود لبيب. ولما توفى الأخير شاركت في جنازته، وشارك فيها كذلك جمال عبد الناصر، وبعد انتهاء الجنازة سألت جمال عبد الناصر: هل سلمك المرحوم الصاغ محمود لبيب ورقة الأسماء والنقود؟ فأجابني جمال عبد الناصر بأنه لم يخرج من بيته يومها إلا ومعه الورقة بالأسماء والنقود.

ويذكر حسين حموده أنه

"في عام 1950 أفهمني جمال عبد الناصر أنه سيعيد التنظيم السري لضباط الجيش الذي بدأه عبد المنعم عبد الرؤوف ومحمود لبيب عام 1944، وتوقف في مايو عام 1948 بسبب حرب فلسطين؛

وقال:

إنه سيضم إلى هذا التنظيم عناصر أخرى من غير الضباط الإخوان، وخاصة الذين قاسموه محنة الفالوجا وغيرهم ممن يلتمس فيهم صفتي الشجاعة والكتمان، إنه بموت حسن البنا ومحمود لبيب انقطعت صلة الإخوان الضباط بضباط الجيش، وإنه لدواعي الأمن قطع الصلة بعبد الرحمن السندي رئيس الجهاز السري المدني للإخوان.

المصدر