ثمن الحياة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١١:١٠، ١ يوليو ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ثمن الحياة

بقلم: الإمام حسن البنا

كان فيما أوحى به أبو بكر رضى الله عنه فى بعض غزواته :" يا خالد احرص على الموت توهب لك الحياة. وفى الحديث الصحيح يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها , فقال قائل: من قلة نحن يومئذ ؟ قال: لا, بل كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن فى قلوبكم الوهن, قيل: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت.

الآية الكريمة تقول: ( ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين)"آل عمران:169-171". فالموت ثمن الحياة .. وحب الحياة نذير الموت..

وما أحكمها كلمة قالها أحد اخواننا وقد سأله إنسان لم مات المسلمون كلهم؟ فأجاب على الفور: لأنهم أرادوا أن يعيشوا كلهم . فالأمة التى تريد أن تعيش كلها لابد أن تموت كلها لأنها تدفع من دمها ثمن الحياة.

هذا قانون لم يتخلف من قبل ولا يتخلف اليوم ولن يتخلف من بعد لأنه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. هل تذكر تلك الأيام التى عرف العرب فيها معنى الحياة العزيزة الكريمة؟ وهل الحياة يا فتى إلا القوة والكرامة؟ وهل يقال للذليل حى بين الأحياء؟ هل تذكر يوم عرف العرب معنى الحياة من قوله تبارك وتعالى: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)"التوبة:111". ومن قوله تعالى: ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله)"التوبة:41".ومن قوله : ( ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء )"آل عمران:169".ومن قول الرسول الصادق صلوات الله وسلامه عليه:" ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا". مع قوله عليه الصلاة والسلام:" والذى نفس محمد بيده لولا أن أشق على أمتى ما قعدت خلف سرية تغزو فى سبيل الله عز وجل أبدا, ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعونى ويشق عليهم أن يتخلفوا عنى والذى نفس محمد بيده لوددت أن أغزو فى سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل ".

عرف العرب ثمن الحياة فبذلوه من دمهم وأموالهم فكان أحدهم يأتى بماله ويقدمه فإذا سئل ما هذا؟ قال مالى كله. فإذا قيل له: وماذا أبقيت لعيالك؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله . وكان أحدهم يندفع بين الصفوف حاسرا لا يبالى أوقع على الموت أو وقع الموت عليه بل كان أحدهم يقذف نفسه من على ليهبط على الألوف من الجنود فى معتقلهم لا يرهب بأسهم ولا يخشى صولتهم ولا يخاف وحدته وانفراده وعدته سيفه وإيمانه فيقتحم الحصن ويفتح الباب ويرهب أهل الكفر وينصر الله عباده المؤمنين.

قال أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصارى للمسلمين يوم الحديقة وقد تحصن بها مسليمة وأصحابه : ما وقوفكم معشر المسلمين؟قالوا وماذا نصنع قالوا ضعوا الحجفة على أسنة الرماح وارفعونى فوقها واقذفوا بى من السور تجاه الباب وقد فتح الله عليكم .

ففعلوا وقذف بالفارس المؤمن يحمله الهواء لا المظلة ويطير على جناح إيمانه ويقينه فيهبط على القوم فى دارهم فيقاتلهم حتى يستشهد ولكنه قد فتح الباب وتم بذلك النصر.

وتسور الفدائيون الكرام من جيش عمرو حصن بابليون يقدمهم الزبير بن العوام وقذفوا بأنفسهم وسط حاميته من جند الروم فامتلكوه وألجئوهم إلى الفرار. ولا جديد تحت الشمس يا هذا.

ثم ماذا كان من أمر أولئك العرب؟ جادوا بالدم والمال ودفعوا ثمن الحياة فأنجز الله لهم وعده ومكن لهم فى الأرض وأزال لهم من الجبناء المستضعفين جزر السيوف وطعام الهام والرماح ويوم ضعف هذا المعنى فى نفوس المسلمين ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا إليها وكفوا عن بذل الدماء والأموال ذهبت عزتهم ودالت دولتهم ونال منهم الذين بذلوا ثمن الحياة من الدماء والأموال.

ومن عجيب أمر الذين يحبون الحياة ولا يدفعون ثمن الحياة العزيزة أنهم يفقدون الحياتين معا ويدفعون هذا الثمن أضعافا مضاعفة وهم صاغرون فإن من لم يمت فى سبيل عزته مات فى سبيل عزة غيره ومع ذلك لا يعتبرون ولا يتعظون .

ولقد وجه الاخوان المسلمون منذ أول يوم فى دعوتهم النداء القوى الواضح إلى هذه الأمة جميعا – حكومة وشعبا- أن تستعد وتنهض وأن تعد نفسها لتدفع ثمن الحياة يوم يطلب إليه بذلك هذا الثمن وقلنا وكتبنا للحكومات المتعاقبة بهذا راجين أن تعمل دائبة على تقوية معنوية هذه الأمة واصلاح الأخلاق واعداد النفوس والأجسام لأداء ضريبة الحياة حين يطلب إلى الناس الأداء وقلنا للشعب إن سنة الله لا تتخلف فاحرص على الموت إن كنت تريد الحياة وأهبنا بالزعماء وقادة الرأى العام أن يتركوا سبيل الجدل والكلام وينصرفوا إلى الجد وتهيئة الناس لأداء الواجبات الجسام للأغراض الجسام – ووقف الناس يتأملون ويتساءلون ما مغزى هذه الدعوة؟ وماذا يريد هؤلاء الناس؟ وما هذا التهور والاندفاع؟ وما قيمة هذا الكلام فى عصر السلام؟ ولا زلت أذكر مناقشة طريفة بيننا وبين موظف كبير لاحظ على شارة الاخوان المسلمين أنها تحمل صورة المصحف الكريم يحيط به سيفان يحتضنان أول الآية: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)" الأنفال:60". قال هذا الموظف الكبير: إن هذا يخالف القانون ويحسن أن تستبدلوا هذه الشارة بغيرها من شارات السلام.

إن الجواب على هذا الاعتراض أيها السيد سيأتيك قريبا فى ذلك اليوم الذى يضطر الناس إلى امتشاق الحسام رغم السلام:

( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز)" الحج:40". أيها السيد دعونا نتحدث إلى الناس فلعلكم تحتاجون هذا الحديث فى يوم من الأيام.

ولا زلت أذكر ما كتبته إحدى الجرائد اليومية فى وقت من الأوقات مستعدية على الإخوان المسلمين وزير الخارجية حينا وشيخ الأزهر حينا وتهيب بكل ذى سلطان أن يضرب على يدهم لأنهم يقولون للناس يجب أن نكون أقوياء لأنهم يعدوا أنفسهم لاحتمال تكاليف الحياة العزيزة ولأنهم يطلبون إلى الحكومة أن تعين على ذلك هذا الشعب الأعزل الكريم.

والآن وقد جد الجد وهبت الأمم تدفع ضريبة الحياة ومما يؤسف أنها ضريبة فاحشة قاسية بل هى أفحش الضرائب التى عرفها التاريخ فما مرت على الإنسانية أيام كهذه الأيام تحصد فيها الأرواح حصد الهشيم وتتناثر الأشلاء بلا عد ولا حساب.

ولا زلنا نسأل الله أن يقينا شر هذا البلاء المستطير لأن النبى صلى الله عليه وسلم – وهو الذى حبب إلينا شرف الموت فى سبيل الله – هو الذى نهانا عن أن نتمنى لقاءه. ولكن _ " إذا لقيتموهم فاصبروا " صحيح البخارى فما موقفنا إذا أرغمتنا الحوادث فطولبنا بأداء ضريبة الحياة.

الجواب شىء واحد لا تردد فيه: إن شرف الموت العزيز لا يقاس أبدا بتعاسة الحياة الذليلة فموتوا كراما ولا تعيشوا أذلاء . هذا كلام لا تردد فيه ولا يحتمل إطالة النظر ولا تقليب الفكر ولكن الذى من حقكم أن تفكروا فيه مطالبة الحكومة والزعماء أن يقدروا أثقل تبعة ألقيت على كاهل إنسان فيتخيروا لهذه الدماء والأقوال أكرم عوض وأشرف ميدان فإن مصر العزيزة لن تكون بعد أن ناضلت فى سبيل حريتها واستعدت للموت فى سبيل استقلالها ذنبا من الأذناب.

وقد اقترحت الوزارة فى هذه الأيام مشروعا يراد بها حماية الشعب وتقوية معنويته وبث روح الحماسة فيه وإعداد قسم كبير منه للعمل فى البوليس أحيانا وفى الخدمات العامة أحيانا وفى الدفاع المدنى والعسكرى أحيانا أخرى ونحن نرحب بهذه الاقتراحات ونرجو المزيد منها ونذكر الحكومة بتبعاتها ووجوب تقرير هذه التبعات ونتمنى من وراء ذلك كله تقرير حقوق مصر واستقلال وكرامة مصر حتى يتفرغ العالم لتلقى رسالة الاسلام من جديد من يد مصر المؤمنة ومن ورائها شعوب الاسلام.

للمزيد عن الإمام حسن البنا

Banna banner.jpg