جمود وشيخوخة نظام: الأرقام لا تكذب

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
جمود وشيخوخة نظام: الأرقام لا تكذب

28 يونيو 2010

بقلم: ضياء رشوان

منذ عام 2002 وماكينة الإعلام الحكومى وأعضاء ومريدو لجنة السياسات بالحزب الوطنى الديمقراطى لا يتوقفون عن الحديث عن «الفكر الجديد» الذى أسسه ونشره ورعاه فى صفوف الحزب والحكومة بل مصر كلها نجل الرئيس السيد جمال مبارك أمين أمانة السياسات، معتبرين أنه بوابة مصر الحقيقية والوحيدة إلى المستقبل الذى سيمتلئ بتحقيق جميع طموحات الأجيال الجديدة فى البلاد.

لتأكيد المعنى فى التغيير الجيلى والتوجه نحو المستقبل، نجح أمين السياسات فى أن يدفع ببعض من أصدقائه ومريديه المقربين ممن يصح وصفهم بجيل الوسط، وهم من تدور أعمارهم حول الأربعين والخمسين، إلى بعض المواقع الوزارية والحزبية والإعلامية، وذلك بغض النظر عن كفاءاتهم وخبراتهم لتولى المناصب التى عهد بها إليهم لمجرد صلة معظمهم بنجل الرئيس.

وهكذا راح أعضاء السياسات وأنصارها ومريدوها يروجون فى داخل مصر وخارجها أن مصر تشهد فى أيامهم أزهى عصورها فى التجديد الفكرى والجيلى والتوجه نحو المستقبل الذى تتطلع إليه عيون وقلوب وعقول أغلبية المصريين.

إلا أن هذا المشهد الترويجى الممتلئ بالألوان المبهجة بحسب أهل السياسات لا يعبر فى حقيقة الأمر وعند النظر بصورة أكثر عمقا عما يجرى فى مصر خلال العقود الثلاثة الأخيرة التى حكمها الرئيس مبارك والحزب الوطنى الديمقراطى، بل ربما تكون الحقيقة هى عكس هذا تماما.

وحتى لا يكون الأمر مجرد تحليلات لما جرى ويجرى فى بر مصر قد يراها البعض مجرد مواقف سياسية أو أيديولوجية معارضة للنظام السياسى المصرى الحالى، فإن اللجوء للأرقام وبعض الإحصائيات التى تعبر عن حقيقة المشهد السياسى المصرى قد يكون هو الأكثر دقة وتأكيدا للمقولة العكسية تماما لما يجرى ترويجه، وهى أن مصر تعرف حالة غير مسبوقة من الجمود والشيخوخة لم تعرفها من قبل سواء فى عهودها الملكية منذ محمد على باشا أو الجمهورية منذ إعلانها عام 1953.

والحقيقة أن فكرة هذا المنهج فى تأكيد المقولة السابقة المعاكسة لما يروجه أهل السياسات ومريدوها قد أتت من القرار الأخير لرئيس الجمهورية بتعيين 44 عضوا بمجلس الشورى حسب الصلاحية التى يمنحها له الدستور فى التجديد النصفى للمجلس، ثم ما تم بعد ذلك من انتخاب للأمين العام للحزب الوطنى السيد صفوت الشريف رئيسا له.

فمن بين هؤلاء الأربعة والأربعين عضوا الذين عينهم الرئيس بلغ عدد الجدد منهم 11 فقط يمثلون نسبة 25% من عددهم الإجمالى، أى أن نسبة الثبات بلغت هذه المرة 75%.

وبمقارنة نسبتى التغيير والثبات فى تعيينات الرئيس الأخيرة لأعضاء مجلس الشورى مع نفس النسب فى تعييناته المرتين السابقتين عامى 2004 و2007 يبرز تأكيدا واضحا لأحد جوانب مقولة الثبات والجمود التى بات النظام السياسى المصرى يتسم بها.

فقد عين الرئيس عام 2004 أربعة وعشرين عضوا جديدا فى المجلس بنسبة 55% تقريبا من المعينين، وقد انخفضت فى المرة التالية عام 2007 لتبلغ 36% بتعيينه 16 عضوا جديدا فقط.

وبهذا يبدو واضحا تماما الاتجاه المتصاعد للجمود فيما يخص تعيينات أعضاء الشورى من مرة إلى أخرى، وهو ما يترافق معه اتجاه موازٍ للشيخوخة تؤكده أعمار أغلبية المعينين الجدد الذين تجاوزوا الخامسة والستين فضلا عن الذين تم التجديد لهم وفيهم أغلبية أكبر يزيد عمرها عن ذلك.

وقبل أن نترك مجلس الشورى نورد فقط عمر رئيسه الجديد ــ القديم والذى يبلغ السابعة والسبعين تولى منه السنوات الست الأخيرة رئيسا للمجلس وقبلها اثنان وعشرون عاما وزيرا للإعلام، وهو اتجاه واضح للثبات والجمود تؤكده مدد الرؤساء السابقين للمجلس وآخرهم المرحوم الدكتور مصطفى كمال حلمى الذى أمضى خمسة عشر عاما رئيسا للمجلس وقبلها نحو عشر سنوات وزيرا للتعليم العالى.

وقبل أن نترك المؤسسة التشريعية بمجلسيها ننتقل بأرقامنا إلى مجلس الشعب لكى تؤكد لنا إحصائياته مقولة الجمود والشيخوخة المسيطرين على النظام السياسى، حيث ضرب رئيسه الحالى الدكتور أحمد فتحى سرور الرقم القياسى فى بقائه بمنصبه الرفيع وهو عشرون عاما كاملة بينما يبلغ عمره نحو 79 عاما قضى منها ست سنوات وزيرا للتعليم قبل انتقاله لمنصب رئاسة مجلس الشعب، وكان قد سبقه إليه المرحوم الدكتور رفعت المحجوب عام 1984 وحتى مصرعه عام 1990 فى عملية إرهابية، الذى كان قبلها قد تولى عدة مناصب وزارية والأمانة العامة للاتحاد الاشتراكى لنحو عشر سنوات.

وإذا ما تركنا السلطة التشريعية وذهبنا إلى السلطة التنفيذية نجد أنفسنا أمام أرقام وإحصائيات تؤكد مقولة الجمود والشيخوخة، حيث بلغ عدد الحكومات فى عهد الرئيس مبارك 8 حكومات فقط خلال أعوام قاربت الثلاثين، قضت واحدة منها وهى حكومة المرحوم الدكتور عاطف صدقى عشر سنوات مما جعلها أطول الحكومات عمرا فى التاريخ المصرى الحديث، وتلتها حكومة الدكتور عاطف عبيد التى استمرت خمس سنوات، ثم سبقتها فى المدة الحكومة الحالية التى يرأسها الدكتور أحمد نظيف والتى أكملت هذا الشهر عامها السادس.

وبداخل الحكومة الحالية والحكومات السابقة نجد عددا من الوزراء تجاوز بعضهم العشرين عاما فى منصبه وأقدمهم على الإطلاق هو وزير الثقافة السيد فاروق حسنى الذى قاربت مدة مسئوليته الوزارية الأربعة والعشرين عاما.

وبالطبع ونحن نتحدث عن السلطة التنفيذية لا يصح أن ننسى أنه رأسها بحكم الدستور وهو رئيس الجمهورية نفسه قد قضى حتى اليوم فى منصبه تسعة وعشرين عاما بما يجعله الأطول رئاسة للبلاد بعد محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة، كما لا يصح أن ننسى أن مصر قد قضت كل هذه السنوات لأول مرة فى عهدها الجمهورى بلا نائب للرئيس.

وأما عن أعمار الوزراء الحاليين والسابقين فى عهد الرئيس مبارك والتى تؤكد مقولتنا المركزية، فليس فقط عمر وزير الثقافة الذى جاوز الثانية والسبعين هو الذى يؤكدها، بل أيضا حال عدد آخر من زملائه الأساسيين الذين يزيد عمر بعضهم عن ذلك ببضع سنوات.

وأما عن السلطة الثالثة القضائية والرابعة بحكم نصوص الدستور أى الصحافة، فحالهما لا يختلف كثيرا عن السلطتين التشريعية والتنفيذية فيما يخص الجمود والشيخوخة.

فقد توالت التشريعات وقرارات رئيس الجمهورية بقوانين لكى تعدل من سن الإحالة للمعاش بالنسبة للقضاة لكى تصل به إلى السبعين، وهو الأعلى فى كل الهيئات المصرية، الأمر الذى أوقف صفوفا طويلة وممتدة تضم الآلاف من أعضاء الهيئات القضائية من جيلى الشيوخ والكهول ثابتة فى مكانها لا تتحرك لأن الصفوف الأولى والمواقع الرئيسية لم يبلغ شاغلوها بعد سن الإحالة للمعاش.

وأما عن تقاطع السلطة التنفيذية مع السلطة القضائية والذى يمثله منصب وزير العدل، فيكفى أن نعلم أن المرحوم المستشار فاروق سيف النصر قد قضى فيه سبعة عشر عاما متصلة حتى قارب عمره على الثمانين قبل أن يغادره مباشرة.

وأما عن السلطة الرابعة فإن المثال الأبرز على الجمود والشيخوخة والذى يعلمه جيدا أبناء مهنة الصحافة وعموم المصريين فهو قضاء مجموعة من رؤساء تحرير ومجالس إدارة المؤسسات الصحفية القومية فى مناصبهم ما يزيد على خمسة وعشرين عاما متصلة منذ بداية الثمانينيات جاوز خلالها معظمهم السن القانونية للإحالة للمعاش بسنوات قاربت على العشر دون أن يتم تغييرهم لا من باب الالتزام بالقانون ولا حتى من باب اللياقة وإفساح الطريق أمام أجيال أخرى لتولى مواقع المسئولية التى ضجت من طول بقاء هؤلاء فيها دون أى تغيير.

وليت الأمر توقف عند أرقام وإحصائيات الجمود والشيخوخة فى السلطات الأربع التى تشكل النظام السياسى المصرى، بل امتد إلى مؤشرات أخرى أكثر عمومية تتعلق بأدائه فى عديد من المجالات. وهنا يبرز المثال الأول والأبرز على استمرار الجمود فى هذا الأداء وهو بقاء حالة الطوارئ ــ بالرغم من محاولة تحسينها فى المد الأخير ــ معلنة فى البلاد لما يقارب التسعة والعشرين عاما، بما يجعل منها المدة المتصلة الأطول فى تاريخ مصر الحديث كله مستأثرة وحدها بنحو 43% من تاريخ الطوارئ فى البلاد البالغ نحو سبعة وستين عاما متقطعة.

ويمثل الدستور المؤشر الثانى على حالة الجمود السائدة فى النظام السياسى المصرى، حيث ظل بدون تعديل لخمسة وعشرين عاما كاملة على الرغم من تغير الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى البلاد وارتفاع كثير من المطالبات بتعديله ليتوافق معها، وهى المدة الأطول فى التاريخ المصرى التى يظل فيها دستور واحد مستمرا دون تعديل، وتلاه فى ذلك دستور 1923 الذى ظل متوافقا طوال مدة وجوده حتى إلغائه مع ثورة يوليو 1952 مع الأوضاع السائدة فى مصر مع تمسك شعبها وقواها السياسية به باستثناء بعض أحزاب الأقلية الانقلابية والذى ألغاه أحدها عام 1930 ولمدة خمس سنوات عاد بعدها ليطبق من جديد.

وحتى عندما تم تعديل الدستور مرتين فى عامى 2005 و2007 أتت التعديلات مناقضة لما تطالب به أغلبية النخبة المصرية ومن ورائها عموم المصريين ومرسخة لحالة الجمود والشيخوخة ومثلها الأبرز هو الإبقاء على المادة 77 كما هى وهى التى تعطى رئيس الجمهورية الحق فى البقاء بمنصبه دون أى حد أقصى للسنوات أو المدد.

وظل الجمود أيضا مسيطرا على نتيجة الانتخابات العامة فى مصر سواء كانت برلمانية أو رئاسية أو محلية، فعبر ستة انتخابات لمجلس الشعب شهدها حكم الرئيس مبارك، حصل الحزب الوطنى الذى يرأسه بأساليب يعلمها القاصى والدانى على أغلبية لم تقل يوما عن ثلاثة أرباع المقاعد، فقد كانت 80% عام 1984 ثم 78% تقريبا عام 1987 ونحو 80% عام 1990 ونحو 95% عام 1995 ثم 80% عام 2000 وأخيرا نحو 75% فى مجلس 2005.

أما حال الجمود فى مجلس الشورى فقد كان أوضح وأسوأ، فخلال عشرة انتخابات فى عهد الرئيس مبارك منذ عام 1983 لم تحصل المعارضة الحزبية سوى على مقعدين لحزب التجمع فى عامى 2004 و2007، زادت فقط إلى أربعة لأحزاب المعارضة فى الانتخابات الأخيرة قبل شهر وأربعة آخرين لمستقلين ليسوا بعيدين عن الحزب الوطنى.

وحتى يكتمل مشهد الجمود والثبات فى أداء النظام السياسى المصرى نذهب سريعا إلى انتخابات المجالس الشعبية المحلية المفترض أنها تعبر عن عامة المصريين ومصالحهم المحلية الحيوية لنكتشف جمود وضع أغلبية الحزب الوطنى الحاكم فى مقاعدها عند حدود لا تقل عن 97% من إجمالى مقاعدها، ويكفى أن نعرف أنه قد فاز فى انتخاباته الأخيرة عام 2008 ــ بالأساليب التى كما ذكرنا يعلمها القاصى والدانى ــ بجميع المقاعد التى زادت على ثلاثة وخمسين ألف مقعد عدا نحو 300 حصلت عليها كل أحزاب المعارضة ومعها جميع المستقلين فى بر مصر.

المصدر