جهود الإخوان في إحياء صلاة العيد

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث


جهود الإخوان في إحياء صلاة العيد

مقدمة

سنن وشرائع إسلامية كثيرة حرص الغرب على طمسها في قلوب المسلمين، كما عمل على إظهار شعائر جديد تتوافق مع رؤيته الاستعمارية، بل عمد لطمس شرائع مهمة كشريعة الجهاد في سبيل الله، واستعمل في سبيل ذلك أدوات كثيرة لخصها أحدهم بقوله: كأس وغانية يفعلان بالأمة المحمدية ما لا يفعله ألف مدفع ودبابة.

كان الغرب يدرك حب الناس للدين فشكلوا – على أعينهم – جماعات دينية تبث سمومها في نفوس المسلمين بما يخدم مصلحة المستعمر تحت حجة أن هذا هو الإسلام وظلوا كذلك حتى ظهرت بعض الحركات التي فهمت الإسلام الصحيح وعملت على إحياء الشعائر الإسلامية الصحيحة – وعلى الرغم أنهم واجهوا صعوبات – إلا أن جهودهم أتت بثمار في التغير حتى أن الغرب عادى مثل هذه الحركات وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين التي شكلها الإمام حسن البنا عام 1928م.

تربى حسن البنا على مفاهيم إسلامية صحيحة، وامتلك شخصية محورية جذابة كان لها تأثيرها في المحيطين به منذ صغره، واستفاد من هذه الصفة والفهم الصحيح للإسلام لدعوة الناس للتمسك بهذه المفاهيم، وعمل على إحياء السنن التي عمل الغرب وأذنابهم في الشرق على طمسها مثل سنة صلاة الأعياد في الخلاء والتي رأى فيها المستعمر أنها مظهر من مظاهر وحدة المسلمين وتجمعهم.

تخرج حسن البنا من دار العلوم وكبر حلمه في تعليم الناس أمور دينهم، وما إن استلم تعينه في محافظة الإسماعيلية حتى انطلق في كل مكان يشعر أنه لن يثير خلاف بين المسلمين يعلمهم أمور دينهم، حتى أنه غزا المقاهي واستطاع أن يجذب منها أعداد كون منها دعوة الإخوان.

ومع حرصه على إحياء سنن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه كان أشد حرصا على عدم خلق شقاقًا في صفوف الأمة؛ فبدأ بتعريف الناس أحكام صلاة العيد، وكان يقوم بتدريس بعض الأحكام الإسلامية عقب صلاة الفجر بالمسجد العباسي بالإسماعيلية، وقبيل انتهاء شهر رمضان كان يتناول أحكام صلاة العيد في الخلاء، وأن من السنة أن يُصلَّى العيد في ظاهر البلد، وأن يخرج الناس رجالاً ونساءً ويشهدون الخير ودعوة المسلمين، وأن الأئمة اتفقوا جميعًا على أفضلية صلاتها في الصحراء ما عدا الإمام الشافعي الذي أفتى بأن صلاتها في المسجد أفضل إذا كان في البلد مسجد يتسع لأهلها جميعًا.

يقول الأستاذ البنا في مذكراته: كنت أقوم في رمضان بتدريس بعض الأحكام الإسلامية عقب صلاة الفجر في المسجد العباسي وكانت أكثر ما تتعرض لأحكام الصيام والزكاة ورمضان. وقبيل نهاية رمضان تناولنا أحكام صلاة العيد بالبيان، وجاء في هذه الأحكام أن من السنة أن يصلى العيد في ظاهر البلد وأن يخرج لها الناس رجالاً ونساء يشهدون الخير وجماعة المسلمين، وأن الأئمة قد اتفقوا جميعاً على أفضلية صلاتها في الصحراء ما عدا الإمام الشافعي الذي أفتى بأن صلاتها في المسجد أفضل إذا كان في البلد مسجد يتسع لأهلها جميعاً.

وبينما نحن نقرر هذه الأحكام إذ اقترح أحد المستمعين أن نحيي هذه السنة ونقوم بصلاة عيد الفطر في الصحراء ، وبخاصة وليس بالإسماعيلية حينذاك إلا مساجد صغيرة لا تتسع لبعض أهل البلد فضلاً عن كلهم ، ومن حولها صحراء قد اتسعت لجنود الاحتلال وتحمس السامعون جميعاً لهذا الاقتراح فلم أر بداً من موافقتهم عليه ولكن مراعاة لما أعلم من سرعة انقسام الآراء في هذا البلد حول المسائل الدينية لشدة حساسيته في هذه الناحية ولقرب عهدي بالخلافات الماضية اشترطت ألا نخطو خطوة حتى نستشير العلماء ونتفق معهم على أسلوب التنفيذ فإن وافقوا فذاك وإلا فإن اجتماع الآراء على خلاف الأولى أفضل من افتراقها وتشتيت الكلمة على ما هو أفضل.

وحاولت أن أخطو هذه الخطوة فإذا بي أفاجأ بحملة عنيفة من المتربصين بالدعوة واتهامات قاسية بأن هذه ابتداع بالدين وتعطيل للمساجد ومحاربة للإسلام وإفتاء بالباطل، ومن ذا الذي يقول: إن الشارع أفضل من الجامع ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين وانتشر الخبر بسرعة البرق وأصبح حديث الناس في المقاهي والمساجد والمجتمعات العامة والخاصة وكانت حملة يا لها من حملة. وتصادف أنني كنت حينذاك معتكفاً العشر الأواخر من رمضان بالمسجد العباسي، فكان الناس يتقاطرون علي عقب كل صلاة ويسألونني عن هذه البدعة الجديدة وأنا أستغرب هذه الحملة التي لا أساس لها، وأقرر حكم الدين بكل بساطة وبراءة وأطلع الناس على النصوص الفقهية في هذا المعنى. وأتجنب الجدل والمراء وأوصي بجمع الكلمة والبعد عن الخصومة ولكن الأمر كان قد خرج من يدي ويد العلماء وتحمس الجمهور للحق والسنة وأعلنوا أن الصلاة ستكون ظاهر البلد، وأعدوا المصلى لذلك فعلاً وكنت لا بد أن أحضر إلى القاهرة لأقضي العيد مع الأهل فيها. فحضرت ليلة العيد ورتب الناس أنفسهم وصلى بهم الشيخ محمد مدين إمام مسجد العرايشية.

ولم يقتصر الأمر على ذلك في عيد الأضحى خرج بمسيرة تطوف الشوارع تكبر حتى أنه دخل بهم الحي الأفرنجي الموجود به الانجليز، وكان لهذه المظاهر أثر في نفوس الناس ورعبا في نفوس الانجليز.

انتشار السنة

لم يقتصر الامام البنا والإخوان على ما حدث في مهد الدعوة – الإسماعيلية – لكن بدأت هذه الفكرة تنتقل من مدينة لمدينة ومن قرية لقرية حتى بلغت في التسعينيات أن تبنتها وزارة الأوقاف لتقليل تأثير الإخوان في الناس، لكن الإخوان حمدوا الله على إحياء هذه السنة التي جمعت الناس في مكان واحد.

حتى أن الأستاذ البنا أثناء توجهه إلى مدينة المنصورة في الثلاثينيات لحضور إحدى المؤتمرات تصادف وجوده في الإسماعيلية في عيد الفطر المبارك، يقول محمود عبدالحليم: وبعد صلاة الفجر ، خرجنا متوهجين لصلاة العيد ، وقد عودهم الأستاذ المرشد على أدائها فى خارج المدينة فى مكان فسيح أشبه بالصحراء ، ولم أر في حياتي صلاة عيد قبل هذه فى روعة هذه الصلاة ، إن المسلمين على بكرة أبيهم اتجهوا إلى هذا المكان فكل يسلك الشوارع التي تؤدى به إلى مكان الصلاة والكل يكبر تكبير العيد منذ يخرج من منزله حتى يصل إلى المكان فكل ، والتكبير بصوت جهوري فكنت ترى جميع شوارع المدينة تسيل بجموع المسلمين تصيح بالتكبير بصورة لا يملك الإنسان أمامها نفسه فترى الدموع تنهمر من العيون لروعة المنظر وروعة ما تسمعه.

استمرت هذه السنة تنتشر في ربوع مصر بل ونقلها إخوان الدول الأخرى فلقت هوى في نفوس كثير من المسلمين، حتى على الرغم من تعرض الإخوان لمحنة طالت لمدة 20 عاما إلا أنهم ما إن عادوا في السبعينيات حتى حرصوا على إحياء شعيرة الصلاة في الخلاء حتى وصلت عام 1981م إلى ما يزيد عن 200 ألف مصلى في مكان واحد.

يقول بدر محمد بدر: وكان أهم هذه المظاهر إحياء سنة صلاة العيدين خارج المساجد وحشد المسلمين في مظاهرة إسلامية رائعة ... وقد بلغ عدد المصلين في آخر صلاة عيد قبل اعتقالات سبتمبر 1981 حوالي 200 ألف مصل في ميدان عابدين بالقاهرة وكانت هناك بالقاهرة تجمعات للصلاة في أحياء أخرى، كذلك حذت كل المحافظات حذو القاهرة، أما الإسكندرية فكان اجتماعها الرئيسي في الاستاد الرياضي وهكذا خرجت الجموع الإسلامية من الأحياء متوجهة لمكان الصلاة هاتفة "الله أكبر ... الله أكبر" وأصبح الناس يعيشون طوال العام انتظارا ليوم صلاة العيد وما فيه من شهود الخير وعزة الإسلام.

رعاية الإخوان للفقراء في العيد

حرص الإخوان على إدخال السرور على الفقراء يوم العيد، فسعوا لجمع الزكاة لهم، وشراء الملابس الجديدة لأطفالهم، وتوفير المأكل والمشرب لهم.

ومن ضمن هذه الجوانب الجانب الخدمي الذي قدَّمه الإخوان للمجتمع وفقرائه؛ انطلاقًا من دعوتهم التي تدعو إلى التعارف والتكامل والتكافل بين أفراد المجتمع؛ حتى لا يبيت أحد شبعان وجاره جائع لا يجد ما يسد حاجته، ولذلك كانوا حريصين على إدخال السرور على الفقراء بقدر المستطاع، فكان الأخ يقتطع من قوته وقوت أبنائه ليطعم الفقراء أو يكسوهم، وخاصة في الأعياد التي كان ينظر الفقير فيها للغني؛ فلا يفرح بالعيد، فعمل الإخوان بوسائل عدة على إدخال السرور عليهم، سواء كان بإطعامهم أم كسوتهم أم تنظيم رحلات ترفيهية.

ففي عيد الأضحى كان الإخوان يقومون بجمع الأضاحي وتوزيعها على الفقراء الموجودين في بلادهم، خاصة أن البلاد كانت واقعة تحت الاحتلال، وكان معظمها من الفقراء.

ففي "أسوان" قام الإخوان بمشروع لسد حاجات الفقراء، حتى بلغ جملة ما أنفقوه في هذا المشروع نهاية عام 1941م حوالي 71 جنيهًا، ويوضح الجدول الآتي نواحي الإنفاق، كما قامت "شعبة المنيا" بإطعام مائتين من فقراء المدينة (1).

وقد كان لشعبة "برمبال" بمحافظة الدقهلية السبق في عمل لجان جمع الزكاة وتوزيعها على الفقراء، وقد عُمِّمت لجان جمع الزكاة بعد ذلك ووُضِعَت لها لائحة. وبالرغم من تعرض الإخوان للضربات والمحن إلا أنهم ما عادت جماعتهم في السبعينات حتى كانوا أول من اقاموا صلاة العيد في الخلاء ، حيث انطلق العمل الطلابي في كل مكان يعيد مظاهر الحياة الإسلامية مرة أخرى، فانتشرت صلاة العيد في الخلاء، كما انتشرت الدروس الدينية، كما انتشر الحجاب مرة أخرى، وصارت بعد ذلك سنة مألوفة لدى الجميع يحرصون عليها، في المساجد الكبرى كمسجد مصطفى محمود والشيخ الغزالي ومسجد عمرو بن العاص، والدكتور القرضاوي الذي حرص الطلاب على خطبة العيد.

فرحة رغم المحنة

رغم السجون والمحن التي مر بها الإخوان إلا أن حرصوا أن تظهر شعائر دينهم الإسلامي حتى ولو تحت السياط، يقول الدكتور محمود عزت: كانت في سجن "طره" عنبر الإيراد الذي كان مغلقًا علينا، وأنيسنا فيه العسل والخبز والأرز واليمك (الخضار الطري)، فإذا جاء العيد كنا نقوم بعمل تورتة، ونقدمها هدية للزنازين، وكنا نصنع التورتة من الأرز والعسل والخبز المحروق، فكنا نكبس الأرز في الطبق، ثم نقلبه على طبق آخر، ونزينه بالعسل، ثم نكتب عليه بالخبز المحروق "تقبل الله منا ومنكم وكل عام وأنتم بخير"، وهو ابتكار أدخل الفرحة على الإخوان في يوم العيد، وكان طعمها جميلاً، بفضل العاطفة المصاحبة لهذا العمل.

أما المرحلة الثالثة؛ عندما سمحوا لنا بالزيارات آخر الحبسة، وفي هذه المرحلة كان اهتمامنا الأكبر بالإخوة المتزوجين؛ حيث كنا نعد الهدايا لأولادهم وأسرهم، وندخل الفرحة عليهم يوم العيد الذي يقضون جزءًا منه معنا، وفي بعض الأوقات كانت إدارة السجن تسمح لنا بدخول الورش، فكنا نعمل فيها الفوانيس وحامل المصحف لنقدمه للأسر وقت الزيارة يوم العيد.

وليس ذلك فحسب فكنا نأتي بالمناديل، ونرسم عليها، وكان فارس الحلبة في هذا المجال الأخ الكريم علي نويتو، فكان يرسم لنا تحفًا لا تزال بعضها موجودة لدى الإخوان.

وقبل الخروج بوقت بسيط سمحوا لنا أن نجلس مع الأهالي ونسلم عليهم، فكنا نعد لهم بعض الأناشيد والمسرحيات الطريفة، وبعد دخولنا الزنازين كنا نكمل برنامجنا الترفيهي من أناشيد ومسرحيات، وكان الدكتور محمد بديع منشد السجن يتحفنا ببعض بين الحين والآخر، بالإضافة للأخ سعد سرور عليه رحمة الله

المصادر

  1. جمعة أمين عبد العزيز: سلسلة أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، (نشاط الشعب).