حرائق الأمة من يطفئها

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٢٠:٢٨، ١١ يونيو ٢٠١١ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات) (حمى "حرائق الأمة من يطفئها" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
حرائق الأمة من يطفئها
توفيق الواعي.jpg

*بقلم د. توفيق الواعي

كم يتمنى الإنسان اليوم أن يرتاح ولو لساعات من سماع الأخبار المزعجة أو رؤية الحوادث والنكبات المؤلمة التي تحيط بأمته، وتنزل ببني جلدته وإخوانه، حتى كادت القلوب تنفطر، والأكباد تتقطع، وكأني به يتمثل بقول الشاعر:

ولي كبد مقروحة من يبيعني بها كبدًا ليست بذات قروح

أباها علي الناس لا يشترونها ومن يشتري ذا علة بصحيح

واليوم يطل علينا من الحوادث ما يبعث على الأسى والحسرة، حملةٌ وحشيةٌ يشترك فيها ما يقال لها حكومة في العراق مع قوات الاحتلال على أماكن العبادة وعلى مرقد الإمام علي في النجف، تشترك فيها كل أنواع الأسلحة.. من طائرات ودبابات ورواجم؛ لتدك البيوت على أصحابها، وتدمر وتزرع الخراب والقتل، فلا تُبقي بشرًا أو حجرًا أو أثرًا، بغير ذنب أو جريرة تستدعي ذلك بعد أن تطايرت كل الدعاوى والادعاءات التي تأسست على غزو العراق، فلا أسلحة دمار شامل، ولا علاقة بالقاعدة، ولا ديمقراطية موعودة أقيمت.

فأي علاقة بين النجف وبين القاعدة والإرهاب؟ وليس هناك أسلحةُ دمارٍ شاملٍ في مرقد الإمام علي- رضي الله عنه؟! وقد يزيد الأمر غرابةً أن من ينسب إليهم إعطاء الأوامر بهذا العمل الشنيع هم أحرار الأمس ومَن كانوا يستنكرون جرائم صدام ومذابحه، وهم من جاءوا ليرحموا الناس ويكفكفوا دمعهم، فكيف انقلبوا في يوم وليلة قتلةً وسفاكي دماء ولعبةً في يد المستعمر؟! وكيف هانت عليهم دماء أمتهم وديار ذويهم؟! أحقًّا ما يجري الآن وما يراه الناس ويشاهدونه؟! "فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ" (الذاريات: 23).

ويفغر الإنسان فاه من الدهشة حين يرى الطائرات تقصف النجف أيامًا متتاليةً، كأنها في ساحة حرب عالمية، فإذا هدأت ساحة النجف لساعات توجَّهت إلى الفلوجة لتروي أرضها بالدماء الزكية للبرآء من الأطفال والنساء والشيوخ، وتُشعل الحرائق في الأخضر واليابس، وكأن صدام يسكن في النجف أو الفلوجة بعد، والغريب- وما أكثر الغرائب في زماننا هذا- أنك لا تسمع استنكارًا من أحد، لا من إخواننا العرب، ولا من أحرارنا العجم، ولا من أصدقائنا رعاة حقوق الإنسان، أو هيئة الأمم المتحدة، أو حتى الجامعة العربية الموقَّرَة، أو سلطاتنا العزيزة، وكأنهم أموات غير أحياء..!!

لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ولكن لا حياةَ لمن تنادي

وإذا بك وأنت في السعار النفسي تأتيك أخبار فلسطين الحبيبة، ويتناهى إلى سمعك أنباء الظلم الفادح الواقع على شعبها الأبيِّ، الذي يلفُّهم ويحيط بهم في ليلهم ونهارهم، ويتعدى ذلك إلى أسراهم الذين يعذبهم الكيان الصهيوني خلف الأسوار، وكأن عذاب الأسرى المسلمين أصبحَ سمة العصر للمغتصبين الجبناء والغزاء القساة، سواء في جوانتنامو، أو في سجن أبو غريب وغيره، أو في سجون الكيان الصهيوني، وصار ذلك حديث الركبان، ومناظره وصوره تملأ القنوات والجرائد والمجلات.

والضمير العالمي المتبلِّد يمصمص شفتيه ولا يبدي حراكًا أو يحرك ساكنًا، حتى ضاق المعذَّبون وضجوا، وهانت عليهم الحياة، فأضربوا عن الطعام، وامتنعوا عن الشراب، فزاد الباغي في صلفه وعتوِّه، وأمعَن في غيِّه وبغيِه، وغابت عنه إنسانيته وبرزت منه حيوانيته، واستهان بكل ذلك؛ مما دفع أهالي الأسرى وذويهم إلى مشاركة أبنائهم هذا العذاب، ومقاسمتهم هذه المحنة، فصاموا عن الزاد كما صاموا، وهانت عليهم الحياة كما هانت على أبنائهم، وصار هناك شعبٌ بأكمله يتعرض للخطر ويقاسي العذاب، وتتعلَّق به أرواح الأمة بأسرها، وهل يهنأ شريفٌ أو يقر له قرار أو تسكُن له نفس أو يرتاح له ضمير وهو يرى هذه المأساة، وينظر إلى الأمة فيجدها كلها مغلوبة على أمرها، مسلوبة إرادتها، لا تستطيع حتى دفع الذباب عن نفسها؟! "وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ" (الحج: 73)..

أليس هذا شيئًا تتقطع له نياط القلوب وتضحك منه الثكلى؟! وبينما نحن في وسط هذه الكوابيس الهائلة إذ بذكرى حريق المسجد الأقصى تهلُّ علينا وتذكِّرنا بهوان مقدساتنا علينا وعجزنا- رغم كثرتنا- عن حمايتها والذود عنها، فضلاً عن إعزازها وتقديسها، حتى إنها تُحرق أمام أعيننا وتُنتهك وتستغيث ولا مغيث، فيزداد العدو صلفًا وجرأةً، فيبدأ الحفر تحت جدرانها، وتُفتَح الأنفاق تحت قواعدها، وتطلَق البالونات الإعلامية عن قرب انهيار المسجد الأقصى حتى يهيئ الأذهان والنفوس لذلك، ولا أظن أنه يُحتاج في هذا الجو المواتي- وفي وسط هذه الهمم الهابطة- إلى تهيئة، وما إخاله إلا قد درَس نفسيات شعوب الأمة، وسيطر على سلطاتها وأفكارها، ومقدراتها، وقدر، وقتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، ليفعل ما يشاء ويصنع ما يريد.

ولا يدري المرء ما دُهِيت هذه الأمة، وكيف وهن جسدها وعزمها إلى هذا الحد البغيض وهذا الدرك السافل، وقد كانت قبل قليل إذا أشيع أن مكروهًا سيحيط بالمسجد الأقصى تَخرج المظاهرات الشعبية عن بكرة أبيها تجوب الآفاق في الوطن العربي وفي غيره من البلاد الإسلامية، غاضبةً مزمجرةً، يرتجُّ من هولها العالم حتى يكاد يحسب أن هناك زلزالاً قادمًا، أو فيضانًا آتيًا، أو عاصفةً تحمل الموت الكاسح تلوح في الآفاق، وما أظن أن هذه الأمة تستطيع أن تحيا من جديد، وتُبعث مرةً أخرى إلا إذا رجعت إلى مصدر قوتها، ومولِّد طاقتها وهو القرآن الكريم والرسالة التي زرعت فيها الإيمان والعزة والكرامة، وركزت فيها حب الجهاد دفاعًا عن دينها وشرفها وكيانها وهويتها، وصدق الله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" (الأنفال: 24).

وما أظن النكبات إلا وخزات وطعنات لإيقاظ المارد المخدر والعملاق الوسنان، الذي بدأ يتململ ويلوي أعناق المستعمرين، ويفتك بأجساد المغيرين، ويقلم أظافر المنافقين والضالين، ويزيح السدود، ويكسر القيود، ويحطم الأغلال، وينادي "حيَّ على الفلاح"، فقد طلع الإصباح، وظهرت شمسه، ولن يستطيع أحد مهما كانت قوته أو تراكَم ظلامُه وبغيُه أن يحجب نور الشمس أو يطفئ نور الإيمان: "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" (يوسف: 21).

المصدر

قالب:روابط توفيق الواعى