حركة النهضة بتونس في الذكرى الخامسة عشرة لتأسيسها

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٢:٢٥، ١٧ مايو ٢٠١١ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
حركة النهضة بتونس في الذكرى الخامسة عشرة لتأسيسها
" دروس الماضي وإشكالات الحاضر وتطلّعات المستقبل "


تقديم

شعار حركة النهضة

بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة للإعلان عن حركة الاتجاه الإسلامي بتونس يوم 6 جوان 1981، وبعد انقضاء مرحلة من التأمل والحوار الداخليين في مسيرة العمل الإسلامي والوطني ببلادنا تقويما وتحليلا واستشرافا، نعرض على الرأي العام المحلي والعربي والدولي خلاصات هذا الحوار وفاء بما كنا قد وعدنا به. ولا يفوتنا في البدء أن نجلّ ونترحم على أرواح شهدائنا الأبرار وأن نحيي بإكبار ووفاء تضحيات وصمود آلاف المساجين الأبطال وعلى رأسهم الإخوة الصادق شورو وعلي العريض وحمادي الجبالي والحبيب اللوز، وآلاف الصابرين على الظلم القابضين على الجمر من الإخوة والأخوات داخل تونس السجن الكبير.

كما نتقدم بأخلص التحية والتقدير للمنظمات الإنسانية الدولية والعربية التي ساهمت في كشف بعض حقائق معاناة شعب تونس وبالشكر الجزيل للشخصيات الفكرية والسياسية والهيآت الإعلامية والثقافية والأحزاب التي وقفت ضد الاستبداد في تونس والدول التي تفهمت محنتنا وأوت اللاجئين من التونسيين المضطهدين وكلّ من ساهم في التخفيف من محنة تونس.

1- تمرّ بلادنا -تونس- بمرحلة خطيرة من تاريخها المعاصر، تتّسم بشمول الأزمة لجميع جوانب الحياة الوطنية وتدهور الأوضاع على كلّ صعيد جرّاء انسداد الآفاق السياسية واتّساع دائرة الاضطهاد والكبت والهيمنة المطبقة للدولة على المجتمع وتحويلها المسرح السياسي إلى فضاء مغلق تنعدم فيه كلّ ضروب المشاركة وأوجه الحراك الحرّ.

2- ولقد أتت هذه الردّة السياسية الخانقة على جلّ ما حقّقه الشعب التونسيمن مكاسب طيلة تاريخ كفاحه الطويل وبالخصوص على الصعيدين السياسي والنقابي ممّا عرفته البلاد طيلة السبعينات والثمانينات من هامش لحرّية الرأي والتعبير والحركية الثقافية والفكرية بفضل النضال المتميّز للمنظّمة الشغّيلة "الاتّحاد العام التونسي للشغل والجامعة ومختلف التيارات الفكرية والسياسية و"الرابطة التونسيةللدفاع عن حقوق الإنسان".

3- إنّ هذا التدهور الشامل يؤكّد لكلّ مراقب لأوضاع تونس في الداخل والخارج، عمق الهوّة السحيقة التي باتت تفصل بين الخطاب السياسي الرسمي ومختلف شعاراته ووعوده، وبين معطيات الواقع الشاخصة التي تتداولها تقارير منظّمات حقوق الإنسان المحلّية والدولية وعرائض الاحتجاج لشريحة معتبرة من النخبة التونسية برغم ما يسلّط عليها من قهر وقمع وتضييق.

4 - وأمام خطورة المأزق، فإنّ المصلحة الوطنية العامّة تقتضي من جميع الأطراف -سلطة ومعارضة ونخبة- وقفة تأمّل جريئة ومسؤولة من أجل التفكير في مصلحة البلاد ومستقبلها، ومراجعة المسار، وإجراء نقد ذاتي، موضوعي ونزيه، من أجل تخليص البلاد من المأساة وطرد كابوس التدهور والانحدار وإعادة بناء القيم الإيجابية والأفكار المستنيرة والمؤسسات المدنية الديمقراطية الفعالة.

5 - أمّا حركة النهضة، فقد أنجزت، من جانبها، ورغم الحصار المفروض عليها واحتدام المحنة، تقويما لتجربتها السياسية ومشروعها التغييري في مختلف أبعاده، وقفت فيه على أخطائها وأخطاء غيرها، كما أنجزت تحليلا سياسيا لمكوّنات واقعها الموضوعي، وأسّست على ذلك رؤيتها المستقبلية لمعالجة الأزمة.


(1) استخلاصات تقويمية

6 - وقوفا عند مختلف المراحل التي مرّت بها، وتقويما لبلائها، انتهت حركة النهضة بعد حوار معمّق وصريح إلى جملة من الخلاصات، رصدت فيها مواطن الخطإ والصواب في مسيرتها، وهي تعاهد الله عزّ وجلّ ثمّ شعبها الأبيّ الممتحن، أن تثبت على ما تبيّن لها، بعد التمحيص، أنّه صواب، وأن لا تتردّد في التخلّي عمّا ثبت خطؤه، إنابة إلى الله العلي القدير، وصدقا مع الناس.

وإذ لا يسع بيانا موجزا أن يتضمّن تفاصيل الحوارات ووجهات النظر المختلفة في المسائل التي تمّت معالجتها، فإنّنا نكتفي الآن بنشر بعض الخلاصات المجملة :

الثقافة والسياسة

7- لقد تأسّست حركتنا بعد خمسة عشرة سنة من استقلال البلاد، بعدما تمكّنت النخبة التغريبية الحاكمة من تحطيم معظم البنى التحتية للمجتمع والدولة، مثل: إلغاء الأوقاف والمحاكم الشرعية والتعليم الزيتوني وتفكيك العلاقات الأسرية والعشائرية، وتبلور معالم دولة سلطوية تلغي دور المجتمع وثقافته الأصيلة ومؤسساته المدنية ممّا أحدث بالتدرج اختلال توازن بين الدولة/الحزب/الفرد من جهة والمجتمع من جهة أخرى. لقد تساند الوجه التغريبي بالوجه الاستبدادي للدولة الناشئة بعد الاستقلال لكي يعيد إلى الحياة التونسيةموضوعة الهوية والحرية والعدالة الاجتماعية بقوة وعنفوان عبرت عنه حركات اجتماعية وسياسية وثقافية مختلفة من بينها الصحوة الإسلامية التي أحيت مفهوم التوحيد اساسا واطارا لشؤون العبادة والحياة، للشأن الفردي وللشأن الجماعي على السواء مصداقا لقوله تعالى: «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين» الأنعام 164-165. لقد جاءت الحركةالإسلامية امتدادا لجهود الإصلاح والتجديد الفكري على صعيد البلاد والعالم الإسلامي ولنضال الحركة الوطنية والنقابية من أجل التحرر السياسي والثقافي والاقتصادي.

وما لبثت جهودها المباركة أن ساهمت بحيوية في تجديد قيم الإسلام الخالدة والانتقال بها من موقع الهامشية إلى قلب الصراع الثقافي والاجتماعي والسياسي، وأطّرت قطاعا واسعا من الشباب ضمن وجهة معتدلة في فقه الإسلام، فاستنقذته من الضياع الأخلاقي والثقافي ودفعته إلى الحضور الإيجابي والفاعل في مؤسّسات المجتمع المدني .

8- ولكن لم تكن لتقبل النخبة النافذة آنذاك بجلّ شرائحها أن تقتحم الحركةُ الإسلامية الناشئة ساحات العمل السياسي والاجتماعي لما مثّله ذلك الاقتحام من مفاجأة وتهديد للأساس التغريبي والاستبدادي الذي قامت عليه دولة ما بعد الاستقلال، ولما مثلته التطلعات الاجتماعية والسياسية للحركة الإسلامية من دعم للحركة النقابية والطلابية وحركة التحول الديمقراطي فقد انتهت الفآت الحاكمة الى اعتبارها تهديدا حادا لمصالحها الفئوية وشنت عليها حملات متلاحقة لا تزال متواصلة تخللتها فترات هدنة.

ورغم تأكيد الحركة على أولوية المهمّة الفكرية والتربوية والثقافية في كلّ خططها وبرامج عملها، إلاّ أنّ العمل السياسي وبسبب هيمنة الدولة على كل الفضاءات، كان دائما يعود ويتمدّد بسرعة فائقة ليحتلّ الصدارة في سلّم الأولويات ويطغى على سائر اهتمامات الحركة ومناشطها، وغالبا ما يلقي بالحركة في قلب الصراع وجها لوجه مع جهاز الدولة المتوجس من كل صوت معارض جاد المتحفّز للمواجهة والصدام.

لقد كان لهيمنة الفضاء السياسي على الفضاءين الدعوي والثقافي النتائج السلبية على مسيرة الحركة وتطوّر الصحوة.

في المنهج التغييري

9- لقد حدّدت الحركة طبيعة منهجها التغييري منذ الإعلان عن نفسها (6 جوان 1981)، باعتبارها حركة علنية سلمية تنبذ العنف كأداة للوصول إلى السلطة أو التمسّك بها، أو كوسيلة للتعامل بين القوى السياسية والاجتماعية والثقافية المتنافسة. ورغم تأكيدها عبر كلّ أدبياتها على تمسّكها بالمنهج العلني السلمي، لم تجد من خصومها غير الرفض والتصدّي بالقوّة المادية والمعنوية. وقد ولّد ذلك لدى أبنائها قناعات مزدوجة جعلتهم موزّعين بين مجموعة من الثنائيات: كالسرّية والعلنية، ممّا جعلهم يخلطون في بعض الأحيان بين متطلّبات العمل العلني والنضال السياسي والإصلاح المتدرج من جهة، ومتطلّبات العمل السرّي الذي فرض على الحركة والتغيير الجذري من جهة أخرى. ومن هنا وقع استدراج الحركة لمخالفة استراتيجيتها بالدخول في مواجهة لطالما حاولت تجنبها، حيث اتّخذت أثناء مواجهتي 1987 و1991من الشارع مجالا لتحرّكاتها التعبوية تصدّيا لعنف الدولة وغطرستها، كما اضطر بعض االشبان للقيام ببعض المبادرات الفردية تمثلت أساسا في استخدام المولوتوف ردّا على مداهمات البوليس وإطلاق الرصاص والاعتقال العشوائي والتعذيب حتى الموت.

في العلاقة بالسلطة

10- خيّمت أجواء المواجهات على العلاقة بين السلطة والمعارضة السياسية عموما منذ تولّي بورقيبة الحكم عام 1956. فمن اليوسفيين في الخمسينات إلى القوميين واليساريين في الستّينات وبداية السبعينات، مرورا بالاتّحاد العام التونسيللشغل عام 1978، إلى الحركة الإسلامية منذ بداية الثمانينات (1981-1987) إلى المواجهة الأخيرة (1990-1992) التي شكّلت منعرجا خطيرا في تاريخ تونس السياسي بما أحدثته من تراجع خطير واختلال في التوازنات بين الدولة والمجتمع لصالح الطرف الاول. 11- جاء تغيير 7-11-87 حافلا بالوعود والشعارات التي تبشّر بالحرية والديمقراطية ورفع الوصاية عن الشعب وعدم إقصاء أيّ طرف في المجتمع، وتفاعلت مع وعوده وشعاراته الحركة الإسلامية وسائر القوى والأحزاب الوطنية تفاعلا إيجابيا طموحا، إلى أن بدأ التراجع وحصلت الانتكاسة بعد عام ونصف من "التغيير"، وبدأ العدّ التراجعي بدءا بمواجهة الحركة الإسلامية وانتهاء بسائر مكوّنات المجتمع المدني.

فماهي الأسباب التي دفعت بالأوضاع، بعد حوالي سنتين من التغيير، إلى مواجهة ضارية بين السلطة والحركة ما فتئت انعكاساتها السلبية تتّسع لتطال كلّ الأصوات الحرّة ولتعلن عن تعطل الحياة السياسية؟

12- لقد بدأ نظام 7-11 مرحلته الأولى بالدفاع عن نظرية "الديمقراطية المتدرجة" و"الإصلاح المرحلي" وبالتأكيد على أنّ الرئيس محتاج إلى الوفاق الوطني حتى ينجز التغيير الديمقراطي. والحقيقة أن الحركة الإسلامية كباقي نخب البلاد وتياراتها الفكرية والثقافية بذلت جهودا كبيرة في البحث عن هذا الوفاق وعن السلم السياسي والمصالحة الوطنية، بتزكيتها للحكم الجديد ودخولها في الحوار معه من أجل تسوية آثار العدوان الذي استهدفها في آخر فترة الحكم البورقيبي، والبحث عن صيغ قانونية وفاقية لتأطير عمل الحركة الإسلامية ضمن القوى الثقافية والسياسية الوطنية الأخرى مستقبلا.

13- ورغم التنازلات الأساسية التي أقدمت عليها الحركة، من امتناع عن أي إحراج أو ضغط تجاه السلطة، وقبول الدخول في الميثاق الوطني بغير صفتها الرسمية ورغم ما تضمنه من بنود إقصائية، وتغيير إسمها استجابة للشروط اللاديمقراطية التي فرضها النظام في قانون الأحزاب، رغم كل ذلك، لم ترفع المظالم القديمة عن الحركة إلاّ جزئيا وامتنعت السلطة بوضوح وإصرار عن الاعتراف بحق الحركة الإسلامية في العمل الثقافي والسياسي والاجتماعي القانوني.

14- ولقد ساهم في تبلور القطيعة المعلنة بين الحركة الإسلامية والحكم، مشاركة الحركة في جلّ دوائر الانتخابات التشريعية لسنة 1989 عبر قوائم مستقلة، بسبب حرمانها من حقوقها المدنية والسياسية، وحصولها على نتائج مبهرة فاجأت الحركة نفسها وسائر القوى الأخرى حيث كشفت عن التعاطف الشعبي الكبير الذي تتمتع به الحركة الإسلامية ورغبة الشعب الجامحة في التغيير. وفي الوقت الذي اعتبرت قيادة الحركة هذه المشاركة الواسعة، تسرعا وتجاوزا لسياستها في التدرج في المطالبة بالديمقراطية وتحقيق الإصلاح السياسي دون تعريض التوازنات القائمة للخلل الفادح، سيطرت القراءة الأمنية للحدث على عقل السلطة وانطلقت أجهزتها في إحصاء وتتبع ومضايقة المرشحين والمزكّين وحتى الناخبين بعد ذلك.

وقد زيفت السلطة الانتخابات على نطاق واسع وأعلنت عن فوز الحزب الحاكم بكل مقاعد البرلمان، موجهة بذلك ضربة قاسية لإرادة التونسيينومجهضة لآمال الشعب ونخبه المختلفة في تحقيق حدّ أدنى من التعددية السياسية.

15- وفي خلال كل ذلك كان الأسلوب الأمني يتضخم ويتمدد باضطراد على حساب المنهج والهياكل السياسية للدولة وعقلها المفكر حتى تمكنت المؤسسة البوليسية من الاستلاء كليا عليها. وساهم ذلك في تصلّب موقف السلطة تجاه الحركة. وقد غذّى هذا التوجّه نحو القطيعة والتصلّب تسرّب بعض الانتهازيين المحسوبين على اليسار داخل أجهزة الحزب والدولة ومساهمتهم في التخطيط لمشروع "تجفيف الينابيع" الذي كشفته وسائل الإعلام فيما بعد من أجل استئصال الحركة الإسلامية وتدمير الهوية العربية الإسلامية.

يضاف إلى كلّ ذلك تبلور مناخ عالمي مشجّع لمشاريع التصدّي لحركات الصحوة الإسلامية تحت لافتة مقاومة "الخطر الأصولي"، ولا سيما إثر النجاح الكاسح الذي حقّقته الحركة الإسلامية في الجزائر. تظافرت كلّ هذه العوامل لتزيد في قناعة السلطة التونسية بتبنّي "مشروع الاستئصال" ليس فقط من أجل التخلّص من خصم سياسي يتضخّم حجمه يوما بعد يوم، ولكن أيضا من أجل التبشير بهذا المشروع الجديد والعمل على تصديره كأنموذج لمواجهة "الخطر الأصولي" على المستوى الدولي، بحثا عن الدعم الخارجي.

16- كان انتقال موقف السلطة إزاء الحركة من سياسة "سحب البساط" إلى مشروع الاستئصال، عاملا رئيسا في تصلّب موقف الحركة ونزوعها إلى العمل السرّي والتخطيط لـ"استجماع شروط الاستعصاء" وهي خطّة دفاعية قصد منها أن تستعصي الحركة على الاستئصال، بتوفير أسباب المناعة الداخلية والتحصين الخارجي حتّى لا تقصمها الضربة.

ولكن أمام تسارع الأحداث وتفاعلها، وخاصة بعد تكثف حملات الاعتقال في صفوف كوادر الحركة وسقوط عدد من الشهداء تحت التعذيب الوحشي وبرصاص البوليس، أخذت الخطّة طابعا إيجابيا هجوميا واستبدل شعار الاستعصاء بشعار جديد هو "استجماع الشروط من أجل فرض الحرّيات" باعتبار أنّ الحريّة لم يعد بالإمكان طلبها بل بات من الضروري فرضها وافتكاكها عبر كلّ وسائل النضال المدني والتعبئة الجماهيرية.

17- بلغ التناقض بين الطرفين نقطة اللاّعودة، وأخذت الاستراتيجيات المتقابلة طابع الصدام والتنافي بدل الوفاق والتصالح. وارتفعت درجة الاستقطاب بين مشروع السلطة وعنوانه "الاستئصال" ومشروع الحركة وعنوانه "فرض الحرّيات"، من أجل تغيير موازين القوى لصالح المجتمع وكسر شوكة ا من غموض، وإعدام السلطة للذين قاموا بها بعد محاكمتهم، فقد اتّخذتها ذريعة جديدة للاستمرار بخطى حثيثة في مشروع تجريم الحركة والتنكيل بأبنائها وكلّ من له صلة -ولو هامشية- بها.

18- لقد انهار "منهج التدرّج" الذي ادعته السلطة لتحقيق الديمقراطية، وانقلب إلى شعار فضفاض فاقد لأيّ مصداقية. وأكّدت الأحداث فيما بعد أنّه استخدم للدعاية والتغطية على مشروع الاستئصال وترك المعارضة تعيش على التمنّي المتدرّج إلى أن تمّ الإجهاز على الحدّ الأدنى لمعالم الديمقراطية وهو حقّ التعبير وإبداء الرأي. واختلّ التوازن بصورة كلّية لصالح الدولة بل لصالح جهاز الأمن ومراكز النفوذ على بخطى حثيثة في مشروع تجريم الحركة والتنكيل بأبنائها وكلّ من له صلة -ولو هامشية- بها.

18- لقد انهار "منهج التدرّج" الذي ادعته السلطة لتحقيق الديمقراطية، وانقلب إلى شعار فضفاض فاقد لأيّ مصداقية. وأكّدت الأحداث فيما بعد أنّه استخدم للدعاية والتغطية على مشروع الاستئصال وترك المعارضة تعيش على التمنّي المتدرّج إلى أن تمّ الإجهاز على الحدّ الأدنى لمعالم الديمقراطية وهو حقّ التعبير وإبداء الرأي. واختلّ التوازن بصورة كلّية لصالح الدولة بل لصالح جهاز الأمن ومراكز النفوذ على حساب المجتمع الذي حطّمت جلّ دفاعاته.

19- ومن أجل تجنيب البلاد خطر السقوط في حرب أهلية مدمّرة بما تجرّه من خسائر في الأرواح والعمران، قرّرت الحركة -ومن جانب واحد-منذ سنة 1992 التخلّي عن خطتها التي أساسها فرض الحريات، رعاية منها للمصلحة العامّة وتحمّلا منها للمسؤولية أمام الله وأمام العباد، رغم تمسّك السلطة إلى حدّ الآن باستراتيجية الاستئصال، محتسبة ما أصابها في سبيل الله، وملتزمة بالصبر الجميل. وقد برهنت الأحداث أنّ منهج "التدرّج في تطبيق الديمقراطية" لم يكن إلاّ مظلّة للتغطية على مشروع الاستفراد بالسلطة وسياسة الحزب الواحد والهيمنة على المجتمع وإجهاض الأمل في التغيير الديمقراطي ودفع المجتمع الى التفسخ العام والسياسة الى الموت.

في العلاقة بالمعارضة

20- رغم الاختلافات الفكرية والسياسية بين الحركة الإسلامية وباقي التيارات والأحزاب، فلقد عرفت تونس في الثمانينات أشكالا مختلفة من التقارب والتعاون الوطني والتنسيق المشترك بين الأطراف السياسية الوطنية على أرضية النضال من أجل الديمقراطية والتعددية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان، حتى كادت تتميز الحالة التونسية بهذه الخاصية الحضارية، بما ساهمت به الحركة الإسلامية في تونس من تجديد في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر تأصيلا لمعاني التعددية والديمقراطية واعترافا بحق الاختلاف.

ولكن ورغم وعي الحركة بضرورة تعميق الروابط مع كلّ مكوّنات الفضاء السياسي والمجتمع المدني، وبذلها جهود فكرية ومساعي عملية في اتّجاه ذلك، فإنّها لم توفّق في بناء قاعدة ائتلافية متينة مع النخبة وبقية أطراف المعارضة الوطنية تتأسّس على تقدير موقف مشترك من الأوضاع وسبل تغييرها، ممّا عمّق ظاهرة الاستقطاب الثنائي بينها وبين النظام، ودفع قطاعا من النخبة إمّا إلى الانحياز إلى السلطة نتيجة لتضخّم صورة الحركة أو لاعتبارات إيديولوجية ومصلحية قاصرة، وإمّا إلى الانطواء على الذات واعتزال العمل السياسي والثقافي والاجتماعي. لقد أخطأت الحركة بتبنيها خطة تصعيدية ضد مشروع الاستئصال دون مراعاة طاقة المعارضة الوطنية واستعداداتها، وكذا الوضع الشعبي والاقليمي والدولي .وأخطأت المعارضة في غالبيتها عندما انحازت إلى السلطة وراهنت على إمكان تحقيق ديمقراطية عبر اقصاء طرف رئيسي في المعارضة: النهضة.

في التفاعل مع الأحداث الإقليمية والدولية

21- تزامنت المواجهة الأخيرة التي عاشتها الحركة والبلاد مع أحداث دولية وإقليمية كبيرة لم تحسن الحركة التفاعل معها وتقدير انعكاساتها وتداعياتها.

فقد تأثّرت الحركة بتطوّر الوضع الجزائري منذ أحداث أكتوبر 1988 وما تبعها من تحوّلات مفاجئة وفورية نحو تبلور مظاهر ديمقراطية حقيقية وتعدّدية شاملة. وتفاعلت الحركة بحماسة مع الانتصارات المتتالية للحركة الإسلامية وتقدم الديمقراطية بتسارع مذهل والقطع مع مرحلة الحكم الفردي ونظام الحزب الواحد. وظنت أنّ هذه الانتصارات غير قابلة للتراجع، دون تقدير لاحتمالات الانتكاسة، فرفعت سقف مطالبها السياسية حتّى إذا حصل الانقلاب على المسار الديمقراطي، وجدت الحركة نفسها تخوض المواجهة بمفردها في ظلّ أوضاع محلّية وإقليمية محكومة بانكفاء شعبي وتمدد دولي خصوصا مع حرب الخليج.

لقد خدمت حرب الخليج الثانية النظام في خطته الاستئصالية، حيث استغل انشغال الرأي العام الوطني والإسلامي والدولي بالحدث الخليجي، وسلط آلة قمعه الرهيبة على الحركة والصحوة الإسلامية عامة، متظاهرا بموقف مساند للعراق ومعارض للتحالف الغربي استقطب به المعارضة ولكن سرعان ما انقلب عليه كليا بعد تنفيذ القدر الأكبر من خطته الداخلية.

خلاصة

22- نخلص من كلّ ذلك إلى أنّ التجربة المريرة التي لا تزال تعاني منها البلاد منذ عام 1990 وتأدت الى هذا المأزق الخانق وموت السياسة تتحمل مسؤوليتها السلطة ثم الحركة ثم المعارضة عامة بجرّ البلاد إلى التشابك وهدر الطاقات بدل التنازل المتبادل وحتى من طرف واحد، والبحث عن الوفاق تغليبا للمصلحة الوطنية العليا. لقد كان يسعنا أن نصبر أكثر على ظلم السلطة وأذاها ونحتسب ذلك لله عز وجل ونتحصن بشعبنا ونلتحم بنخبه الوطنية الجادة ملتزمين بنسق مطالبها دون تجاوزها، من أجل تجنب ما تأدت إليه البلاد من تدهور ومآسي ومأزق مستحكم.

23- إنّ بلادنا اليوم في أشدّ الحاجة إلى مراجعات عميقة من طرف الجميع من أجل التوصّل إلى نهوض حقيقي يقوم على توازن جديد قوامه الثقة المتبادلة وإشراك المواطن في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية ورفع كابوس الخوف والرعب عن التونسيين جميعا، ونزع فتيل التوتّر وفكّ الاشتباك بين السلطة والمجتمع.

24- إنّ تونس تزخر بطاقات بشرية هائلة وكفاءات مسؤولة راقية، قادرة على أن تخوض تجربة ديمقراطية نموذجية. ولكنها لن تتحوّل بين عشية وضحاها من نظام آحادي هيمني إلى نظام تعدّدي متفتّح. فممارسة الديمقراطية بحاجة ولاشكّ إلى التدرّج ولكنّه تدرّج صادق غير مغشوش، تدرّج ترسم أسسه ومنهجه ومراحله كلُّ الأطراف الوطنية والقوى الاجتماعية.

25- وممّا لاشكّ فيه أنّ من مقتضيات التدرّج الديمقراطي الحقيقي وشروطه الأساسية تحقيق الانفتاح السياسي والتخلّي عن ثقافة التناحر والتصادم والإقصاء، والتمسّك بالاعتدال والدخول في حوار وطني جامع وعميق. ولن يتأتّى ذلك إلاّ بمبادرة النخبة التونسية بالانفتاح على بعضها البعض وضبط قواعد الحوار الوطني المنشود ومقوّماته ودفع السلطة إلى الانفتاح من أجل الوصول إلى المصالحة الوطنية الشاملة.

26- تلك هي جملة الدروس والعبر التي استخلصتها حركة النهضة من مسيرتها وتجربتها السياسية إثر سلسلة الحوارات التي دارت بين أبنائها، وهي ترى فيها نبراسا للجميع دون استثناء من أجل فتح صفحة وطنية جديدة وبناء مستقبل أفضل للبلاد. كما أنجزت الحركة تحليلا لمكوّنات الوضع السياسي الراهن في كلّ أبعاده المحلّية والإقليمية والدولية، يشكّل منطلقا لا غنى عنه في استشراف المستقبل والتخطيط له.

(2) خلاصات تحليلية

دوليا: أمريكا والأقطاب المتعددة

1) إنّ مراجعة عميقة للمتغيرات العالمية خلال الأربع سنوات الأخيرة تؤكد أنّ الموضوعة التي سادت والقائلة بقيام نظام عالمي جديد وفقا للرؤية الأمريكية، تبسيطية وغير دقيقة. فالتكتلات الاقتصادية العالمية اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تكريس خصائص عالم متعدد الأقطاب. إنّ اتجاه التطور في روسيا مثلا يؤكد تحفزها لاستئناف دورها كدولة كبرى ومن ذلك نجاحها في منع توسع حلف الناتو شرقا، واستبقاؤها لقدر كبير من النفوذ السابق للاتحاد السوفياتي وحلف وارسو.

2) كما أن الصين بسبيلها إلى التحول إلى قطب اقتصادي عالمي كبير وإلى قوة سياسية وعسكرية عالمية لا تخضع للسياسة الأمريكية. ومن التطورات الهامة تقاربها مع روسيا وتوطد علاقاتهما الثنائية على مختلف المستويات بما فيها الاستراتيجي. وهو ما لم يحصل حتى في زمن الحرب الباردة.

3) اليابان كذلك تتطلع إلى القيام بدور سياسي عالمي وتتجه إلى التصلب في علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الولايات المتحدة رغم أنّها لاتزال في تحالف معها.

4) أما أوروبا ولا سيما ألمانيا وفرنسا، فتعمل على تثبيت وحدتها وتطويرها إلى وحدة اقتصادية وسياسية وعسكرية مع سعيها إلى تعزيز دورها السياسي في العالم. وتقوم فرنسا بدور هام في هذا الاتجاه وخاصة مع الرئيس شيراك.

5) والخلاصة أنّ العالم يمر بمرحلة غير مستقرة السمات وأنّ الاستقطاب الدولي الراهن وصراع النفوذ بين جهات عديدة، يوفّران لحركات التحرّر في البلدان النامية، فرصا كثيرة للاستفادة من تناقض المصالح والاستراتيجيات، ويقتضي منها المواكبة الدقيقة لاتّجاهات تطوّره ومنعطفاته الرئيسة. ومن هنا يأتي دور المعارضة التونسيةوالقوى الوطنية في ضرورة استثمار هذه الفرص من أجل ربط تونس بمحيطها العربي والإسلامي وتعزيز روابطها الإفريقية والاقليمية.

6) وعلى صعيد العالم الإسلامي، حاولت بعض الجهات المغرضة، في ظلّ الاضطراب والفراغ الدوليين، حشر الإسلام وقواه التحرّرية في مواجهة مغلوطة وغير متكافئة مع "النظام الدولي السائد" من جهة ومع التيارات الفكرية من أجل إجهاض ارهاصات النهضة العقائدية والحضارية التي يعيشها العالم الإسلامي مشرقا ومغربا، ومنْعا لإشعاعها حضاريا وفكريا في المجتمعات الغربية نفسها. وفي هذا الاتّجاه، تندرج القرارات المتتالية لمجلس الأمن ضدّ الشعوب والأقطار الإسلامية الرافضة لسياسة المكاييل المزدوجة مثل سوريا ولبنان وإيران وليبيا والعراق والسودان، بالإضافة إلى محاولات ربط حركات الصحوة الإسلامية المعاصرة بالإرهاب من أجل تكريس القطيعة وتغذية النزاعات داخل الأمّة الإسلامية وبين العالم الإسلامي والغرب.

ومن المؤسف فلقد ساهمت بعض الأطراف التي تنسب نفسها إلى الإسلام وترفع راية الجهاد، في الإساءة إلى هذا الدين وتشويه هذه الراية حتى كادت تنجح في تهميش قضايا مجتمعاتنا الحقيقية وتطلعاتها إلى الأمن والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والنهضة الفكرية والحكم الديمقراطي، وذلك بارتكاب أعمال إرهابية ضد الأبرياء والعزل من المسلمين ومن الأجانب والمثقفين وأصحاب الرأي المخالف وأهل الديانات الأخرى الآمنين ، مثل الجريمة الأخيرة التي ارتكبت في حق الرهبان الفرنسيين بالجزائر.

الشرق الأوسط: المشروع العربي والمشروع الإسرائيلي

7 ) من الملاحظ أنّ "مسار التسوية" في الشرق الأوسط متعثر وبطيئ بالقياس للتوقعات التي صاحبت بداياته. وسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني ليست أكثر إلى حدّ الآن من سلطة على السكّان في عدد من المدن والقرى. مع بقاء الاحتلال الإسرائيلي على الارض والحدود وبين المدن وعلى كلّ النقاط الاستراتيجية ومع بقاء المستوطنات وتواصل احتلال القدس والإعلان المتكرّر عن ضمّها لإسرائيل ويرجح أن تزيد عودة الليكود للحكم هذه المشكلات تعقيدا واستغلاقا.

فما تحقّق لا يرضي حتى الأطراف العربية والفلسطينيين القابلين بـ"مشروع السلام"، حيث لم تستردّ القدس وكلّ الخليل، ولم تنسحب إسرائيل من كلّ مناطق احتلال 67 ناهيك عما سبقها، ولم تفكّك المستوطنات، ولم يعد اللاّجئون ، ولم يمتلك الفلسطينيون سيادة كاملة على الأرض والطرقات والمياه، وتقام الدولة الفلسطينية المستقلّة.

8) أمّا على الجهة السورية-اللبنانية، فإنّ اتّجاه المفاوضات وصل إلى مآزق جمّة عبّر عنها بوضوح العدوان العسكري الإسرائيلي على جنوب لبنان والمجازر الرهيبة التي ارتكبها الجيش الصهيوني ضدّ اللبنانيين، وبروز الموقف الفرنسي المتوازن في المنطقة وتجاوبه مع الموقف العربي ضدّ الموقف الأمريكي المتحيّز بإطلاق لإسرائيل وسياساتها العدوانية.

إنّ المقاومة اللبنانية المجيدة التي أبدت بسالة ونضجا، واللقاء العربي-الفرنسي الأخير في المنطقة بالإضافة إلى عوامل التخلخل الدولي السالفة، شكّلت معارضة حقيقية للسياسة الأمريكية-الإسرائيلية ولتصورها لطبيعة النظام الشرق أوسطي الجديد.

9) ولقد تجلّى اختلاف المشروعين العربي والإسرائيلي في المؤتمرات الاقتصادية والسياسية التي عرفتها المنطقة: الدار البيضاء/عمان/شرم الشيخ/ في مسألة ربط الاقتصادي بالسياسي، بمعنى ربط التطبيع والمشاريع الاقتصادية بالحلّ الشامل أوّلا، وهذا موقف مصر والسعودية وسوريا ولبنان وأغلب الدول العربية، بينما يضغط الموقف الأمريكي-الإسرائيلي من أجل عدم الربط والدفع فورا للتطبيع وإقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة، والتفرّد بالدول العربية وخاصّة الصغيرة، دولة دولة، لضرب أي صورة من صور التضامن العربي ومؤسساته. ومن الموسف أنّ النظام التونسيمثل بعض بعض الدول العربية الاخرى قد سارع إلى الخروج على الصفّ العربي المتضامن في حدّه الأدنى، وهرول مع المعرولين إلى التطبيع مع إسرائيل على حساب المبادئ الوطنية والقومية جريا وراء الربح المادي والسياسي العاجل.

10) يمرّ الوضع العربي وخاصة في منطقة الشرق الأوسط بمرحلة انتقالية لم تستقر على صورة ثابتة.

يجري فيها صراع حقيقي حول عدد من الإشكاليات والقضايا والمنعرجات، بين المشروع العربي المعارض في الحد الأدنى، وإلى حدّ مّا الدور الفرنسي-الأوروبي والروسي، وهو مشروع لئن قبل بالتسوية فهو رافض للهيمنة الاسرائيلية الامريكية على المنطقة وبين المشروع الأمريكي الإسرائيلي والدويلات العربية المهرولة وهو مشروع يهيئ لشرق اوسط بزعامة اسرائيلية.إن مصير هذا الصراع سيحدّد معالم المرحلة القادمة وأولوياتها والصراعات اللاّحقة، والتي لن تحدّدها موازين القوى بين أطراف المنطقة فحسب، وإنما كذلك صراعات القوى الكبرى في العالم دون إغفال العامل المتّصل بموقف شعوب المنطقة وإرادتها واحتمالات التطوّرات الداخلية في أقطار الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي بصفة عامّة.

المغرب العربي: بين خيار العنف والمصالحة الوطنية

11) وعلى الصعيد المغاربي تبدو سمات الفتور، وأحيانا التوتّر وتفاقم التناقضات، تسيطر على علاقات دول المنطقة فيما بينها. أمّا أوضاع أقطار المنطقة الداخلية، فرغم وجود قسمات مشتركة من التحدّيات والإشكالات، فتختلف بدرجات متفاوتة حسب علاقة الدولة بمجتمعاتها وقواها الحيّة، ومقدار مساحات الحرية والتعددية والديمقراطية المتاحة.

12) فالجزائر لا تزال تعيش دوّامة الحرب الداخلية جرّاء انقضاض العسكر على الديمقراطية وتنامي تيّارات الاستئصال داخل السلطة وبروز تيارات الغلو والتكفير في الوسط الإسلامي. ويترجح من خلال تطوّر الأحداث يوما بعد يوم، أنّ حسم الصراع كلّيا لأحد الطرفين، أمر غير وارد في المدى المنظورممّا يجعل المسار يتّجه نحو مزيد من حرب الاستنزاف وهدر الطاقات والتآكل الداخلي وبقاء المعادلة على ما هي عليه، ما لم تقدم السلطة على حوار جادّ وحقيقي مع مختلف القوى الوطنية وخاصة الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي سُجّل تحوّل ملموس في مواقفها إزاء السلطة عقب الانتخابات الرئاسية الأخيرة من جهة وتميزها عن الجماعات المتطرّفة من جهة أخرى معبرة بذلك عن نضج متزايد في اتجاه التعددية والتدرج ورعاية المصلحة الوطنية.

13- لقد أكّدت التجربة الجزائرية المريرة أنّ جنوح بعض المجموعات الى اطلاق العنان للعنف العشوائي دون مسؤولية وتبصر بالمآلات الخطيرة على المصالح العليا للبلاد، ووحدة الشعب الداخلية، طريق مسدود يؤدّي إلى تمكّن المتطرّفين على كل الواجهات من السيطرة على الموقف وافساد الحياة السياسية جملة وتهديد المقوّمات الوطنية والاساءة إلى سمعة الإسلام ذاته. إن أمّتنا أحوج ما تكون إلى السِّلم والتعاون الداخلي في كلّ قطر، وحلّ النزاعات الداخلية بالحوار والمنهج السلمي في التغيير، بعيدا عن التعانف والتغالب والتقاتل والتظاهر بالبعيد لمقاومة القريب. وهنا يقع على عاتق الحركة الإسلامية أن تقوم بدور إيجابي وتكون مسؤولة أكثر من غيرها، وأن تبذل اقصى الوسع باتّجاه المصالحة العربية-العربية، والمصالحة الوطنية الداخلية بين الأنظمة وشعوبها والحوار بين الحضارات والأديان، كما أن ذلك واجب على كل قوى المعارضة الفاعلة على اختلاف أحزابها وتوجّهاتها.

نحن ندعو جميع الاطراف في الجزائر إلى مزيد بذل الوسع لإيقاف العنف الذي أصبح خطرا على كيان الجزائر برمّته، ونارا للفتنة التي يصطلي بلهيبها الشعب وتتأثّر بها الصحوة الإسلامية والمنطقة عامّة، ندعوهم إلى مزيد من المبادرات السلمية والتعاون الجاد مع القوى الوطنية وفق مبادئ الإسلام والمصلحة العليا للوطن لكف النزيف والدمار.

14) ويعتبر انفراج المأزق الجزائري أحد أهمّ عوامل الانبعاث للحركة السياسية المغاربية والتونسية حيث يُنتظر في صورة حصول تطوّر جزائري إيجابي في اتّجاه الحوار والمصالحة الوطنية، أن ترتفع معنويات الشعب في تونس وتوالي النخبة مطالبها وضغوطها في اتجاه الانفتاح السياسي من جهة، وتتراجع مقولة تصدير الاستئصال التي ما فتئت السلطة التونسيةتدعو إليها وتروّج لها، من جهة ثانية.

15) وفي المغرب، تشهد الساحة السياسية انفتاحا نسبيا لصالح الديمقراطية وتزايد حرية الصحافة والإعلام بشكل عام دون أن يمسّ ذلك بالحدود التقليدية المرتبطة باستمرارالتوازنات القائمة بين مكونات الفضاء السياسي. وتعدّ الحالة المغربية متميزة في المنطقة نظرا للمفارقة بين ما تشهده من انفتاح وما يسود أنظمة المنطقة إجمالا من انسداد وانغلاق وتشابك بين الدولة والمجتمع، وهو ما يدحض مرّة أخرى حتمية الخيار الأمني في المنطقة التي تدفع إليه تيّارات الاستئصال سبيلا وحيدا في التعامل مع "الاصولية"!

16) ممّا لا شكّ فيه أنّ تردّي الأوضاع الداخلية في جلّ أقطار المنطقة المغاربية وتوتّر العلاقات الثنائية بين أنظمتها، من شأنهما أن يعرّضا المنطقة إلى مزيد من الهزّات الاجتماعية والسياسية. ولعلّ تجميد هياكل الاتّحاد المغاربي، مؤشّر خطير على درجة الانهيار وسوء العلاقات المغاربية.

17) نخلص من كلّ ذلك إلى أنّ الوضع السياسي التونسي سيظلّ على الأرجح في السنوات القادمة متأثرا خارجيا بجملة من العوامل الإقليمية والدولية، والتي من أهمّها: التطوّر المحتمل على الساحة الشرق أوسطية ذات العلاقة بعملية السلام وانعكاساتها على النظام العربي وتشكّل الخارطة العربية على ضوء ذلك وتأثيرات الرأي العام الشعبي على المواقف الرسمية للأنظمة العربية، ومنها أيضا التطوّر المنتظر على الساحة المغاربية وفي مقدّمتها الوضع الجزائري ومصير خيار المواجهة بين الإسلاميين والسلطة وحظوظ خيار المصالحة والحوار.

ومنها أخيرا انعكاسات الموقف الرسمي الغربي ولاسيما الموقفين الأمريكي والأوروبي إزاء انتهاكات حقوق الإنسان في تونس واتّساع دائرة الاضطهاد السياسي لكلّ معارضة وطنية.

ملامح المشهد السياسي الراهن في تونس=

18) مشروع السلطة:

إنّ النظام السياسي في تونس بوليسي فردي مركزي يتركّز حول شخص رئيس الدولة تشاركه النفوذ من وراء ستار جملة من مراكز النفوذ المتصارعة تتجمع حولها فعاليات سياسية وثقافية انتهازية وذلك بعد أن اصبح الحزب الحاكم لا يمثّل إلاّ إطارا شكليا ينتمي إليه الناس رغبة ورهبة، انتماء ذا طابع تأميني وانتهازي لا سياسي. كما صارت هياكل الحزب خالية من الرموز السياسية والتاريخية المعروفة بنضالها الوطني، وأزيحت كلّ القيادات التي لها رأي مستقل فضلا عن التي تشكّل منافسة ما لرئيس الدولة والحزب. ولا تزال فكرة الاستئصال -ليس استئصال الحركة الإسلامية فحسب ولكن استئصال كلّ معارض جاد خرج عن الصفّ وتجاوز الخطوط الحمراء التي رُسمت له-، الفكرة الرئيسة الجامعة لهذه الأطراف من أجل المحافظة على السلطة والثروة وإحكام القبضة على البلاد.

19) وضع المعارضة:

كثّفت السلطة من ضغوطها السياسية والأمنية على المعارضة الرسمية حتّى تظلّ هامشية وصورية كما أُريد لها، وحتّى لا تلعب دورها الوطني في الدفاع عن مصلحة الشعب والبلاد وترسي خطابا نقديا معارضا تجاه السلطة.

ورغم انسياق هذه المعارضة إجمالا وراء سياسة الحكم في مواجهة الحركة الإسلامية والقوى الديمقراطية الحقيقية وتقديمها العديد من التنازلات، إلاّ أنّها لم تكافأ إلاّ بمزيد من التضييق والمحاصرة، ولم يجلب لها غياب الإسلاميين ـــ الذين كانوا يحدون من تعول الدولةــ عن الساحة السياسية سوى المزيد من التهميش بسبب هيمنة الحزب الحاكم واحتكاره لكلّ مجالات الحياة السياسية في البلاد. وما حصل أخيرا لزعيمي حركة الديمقراطيين الاشتراكيين السيدين محمد مواعدة وخميس الشماري من اضطهاد، وللتجمع التقدمي الاشتراكي من مضايقات، ليس إلاّ دليلا صارخا على حالة الانسداد التي تأدّت إليها أوضاع البلاد.

20) النخبة والمجتمع المدني:

بقدر ما نجح مشروع السلطة في الإحاطة بالمعارضة الرسمية وترويضها، بقدر ما أخفق في الإطباق على جميع شرائح النخبة وإفقادها شرعيتها الفكرية والسياسية.

ولئن انخرط قطاع من النخبة في البداية في برامج السلطة بدعوى التصدّي "للخطر الأصولي"، فإنّ جزءا مهمّا وحيويا من هذه النخبة ظلّ صامدا ورافضا لمساومات النظام وضغوطه وقد عبّر عن ذلك بسلسلة من العرائض الاحتجاجية والتحرّكات الإعلامية والحقوقية الشجاعة غير آبه بالتهديدات الأمنية المسلّطة عليه، قادها عدد من الرموز الوطنية مثل الدكتور المنصف المرزوقي والدكتور مصطفى بن جعفر والاستاذ

21) وضع حقوق الإنسان:

يشهد وضع حقوق الإنسان في بلادنا انتهاكات واسعة وخطيرة طالت عددا مهمّا من المعارضين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية، حيث بلغ عدد المضطهدين سجنا واعتقالا ومحاكمة منذ عام 1990 ما يقارب 40 ألف ضحية حسب تقديرات المنظّمات الانسانية الدولية والعربية وشهادة بعض المحامين التونسيين. واستشرت أصناف التعذيب البدني والنفسي حتّى ذهب ضحيّتها قرابة 60 مناضلا ، نحسبهم شهداء بإذن الله عز وجلّ، قتلوا بمحلاّت الشرطة ومختلف السجون التونسية.

كما يتعرّض المساجين إلى التعذيب المتواصل وأصناف من الإهانات تتنافى وكلّ القيم الإنسانية والقوانين التونسيةوالدولية. وتخضع عائلاتهم وأقاربهم إلى سياسة تجويع محكمة إمعانا في إذلالهم ومحاولة يائسة لتحطيم معنويات المساجين وثنيهم عن مواقفهم وأفكارهم. وتتعرض زوجات المساجين والمناضلات الإسلاميات والمتدينات والديمقراطيات بصفة عامة إلى ألوان من الاضطهاد تستنكرها كل شرائع السماء وقوانين الأرض. وقد كشفت تقاريرالمنظمات الانسانية الدولية والعربية عن حقائق مفزعة تعكس حربا همجية على المرأة في تونس مورست فيها أساليب السجن والتعذيب والخطف والاعتداء على الشرف. وتوسّعت دائرة الانتهاكات وضحاياها لتصل إلى استهداف الناس في حقوقهم الأساسية المتعلّقة بالعبادة وحرية اللّباس والتنقّل.

22) المنظّمات الوطنية:

اعتمدت السلطة في تنفيذ مشروعها الاستئصالي للحركة الإسلامية في البداية ولكلّ نفس معارض فيما بعد، على احتواء المنظّمات الوطنية الفاعلة. ولئن نجحت في السيطرة على معظم قيادة الاتّحاد العام التونسي للشغل وتدجينها، فقد أخفقت في ترويض الرابطة التونسيةللدفاع عن حقوق الإنسان وضرب استقلاليّتها أو تحييدها رغم المساعي المتكرّرة في هذا الاتّجاه والهجمات المتتالية التي سلّطت عليها. حيث ظلّت الرابطة من آخر الحصون التي بقيت تدافع عن الحقوق المدنية والانسانية في البلاد. كما أنّ قواعد المنظّمة العمّالية وقياداتهاالوسطى بدأت هي الأخرى تخوض جملة من التحرّكات الاحتجاجية على خيارات السلطة الاجتماعية والاقتصادية. لقد مثّل إضعاف الاتّحاد العام التونسي للشغل كما توقعنا منذ الهجوم عليه سنة 1986 ثم ضرب العمل الطلابي المدخل الرئيس للسيطرة على المجتمع واضطهاد القوى الحيّة في البلاد، وتفكيك مؤسّسات المجتمع المدني واحدة تلو الأخرى، بدءا بالجامعة والحركة الطلاّبية، إلى الكشّافة والمنظّمات الشبابية والمحامين الشبّان والقضاة والنساء الديمقراطيات. ومع كل ذلك لا يزال الاتّحاد يمثّل الإطار الأكثر أهلية لتأطير نضالات النقّابين وتبنّي قضايا المتضرّرين من سياسة الحكومة المنحازة ضد الحركة العمالية.

23) الجامعة:

لقد ساهمت الجامعة التونسيةبالإضافة إلى دورها العلمي والأكاديمي، في تنمية الوعي الفكري والسياسي وربط الطلبة بقضايا المجتمع الحيوية، بما تحقّق في مؤسّساتها من مكاسب على صعيد حرية الرأي والتجمْع، بحيث كانت حقلا متميّزا للحوار والصراع بين التيارات الفكرية والسياسية المختلفة المحرومة من مجرّد حق التعبير خارج الحرم الجامعي. لقد ساهمت الحركة الإسلامية في تنمية الدور الطليعي للجامعة والحركة الطلابية في المجتمع بتثبيتها لشعار الحرية للجميع دون إقصاء ولتأصيلها للبعد الثقافي في الحياة الجامعية. ولقد تراجعت هذه المكاسب مع الحكم القائم إلى درجة فرض نظام أمني سلطوي على الحياة الجامعية بإلغاء الاتّحاد العام التونسيللطلبة واضطهاد مناضليه والتضييق على الاتحاد العام لطلبة تونس ومصادرة حق الأساتذة والطلبة معا في الاستقلال بالفكر والتعبير عنه والمساهمة في التنمية الثقافية الجادّة للجامعة والبلاد.

24) الوضع الإعلامي:

لم تشهد البلاد في تاريخها المعاصر هيمنة كلّية للسلطة على وسائل الإعلام بكلّ أصنافها المكتوبة والمسموعة والمرئية مثلما هو الحال اليوم. لقد حوّلت الآلة الإعلامية إلى سلطة تابعة ومتناقضة مع مهامّها الجوهرية في خدمة الحقيقة وحرية التعبير والرأي. واختصت بعض الوسائل الإعلامية التابعة للسلطة في تشويه الرموز الفكرية والسياسية بأسلوب غاية في الإسفاف والهبوط. كما مارس النظام كلّ الضغوط والانتهاكات على جهاز النشر والتوزيع، فسيطر على دور النشر وضيّق على المكتبات وحاصر معرض الكتاب العربي ومنع الصحف الأجنبية الهامّة وطارد ممثّلي أجهزة الإعلام الدولية وأغلق بعض مكاتبها حتّى تحوّلت صورة الدولة التونسيةرمزا لمعاداة الكلمة الحرّة وانتهاك حقوق الإنسان.

25) الوضع القيمي والثقافي:

إن الأزمة الشاملة التي تعاني منها البلاد ترجع بالاساس الى انهيار نظام القيم واهتزاز البناء الثقافي للمجتمع. فلقد امتد الاستبداد السياسي للدولة من مجال الصراع السياسي وضرب التعددية وتعطيل آلية المشاركة الى استهداف معالم الثقافة والفكر والقيم وعالم الرموز الذي تتأسس عليه هوية البلاد العربية الإسلامية. ولقد نهجت السلطة السياسية في ذلك منهجا أمنيا يقوم على تجريم التدين والالتزام الخلقي ومحاربة مظاهره في السلوك الفردي والجماعي حتى غدت الاستقامة شبهة والتدين جريمة يعاقب عليها القانون وفي هذا الاطار منع الكتاب الإسلامي من التداول والترويج وحرّم ارتداء الزي الإسلامي (الحجاب) وأمّمت المساجد... وفي مقابل ذلك ما فتئت السياسة الثقافية للنظام تروّج لمظاهر التحلل الخلقي وتشجع الاثارة والابتذال وتدعم الانتاج الفني الذي يدعو الى خدش الحياء وتهديد تماسك الاسرة مما أدى الى تدهور خطير على المستوى التربوي والاخلاقي فتفشت الجريمة وازدادت العائلة تفككا كما انتشرت الامراض الاجتماعية مثل الرشوة والمحسوبية وتعاطي المخدرات.

إن أزمة القيم التي صارت تعاني منها البلاد تنذر بمخاطر تهدد توازن المجتمع واستقراره وتضامنه ما لم تتم مراجعات عميقة على هذا الصعيد والتخلي عن سياسة محاربة الهوية ومظاهر التدين والكف عن إشاعة الثقافة المبتذلة.

26) الوضع الاقتصادي والاجتماعي:

أمّا على الصعيد الاقتصادي، فإنّ الحكومة التونسية ما فتئت تروّج منذ سنوات للنجاح الباهر الذي حقّقته في هذا المجال، وتشاركها في هذه الدعاية بعض الجهات الدولية المستفيدة من هذا الوضع، حتّى وصل الأمر إلى تبرير ما فشا من انتهاكات واسعة لحقوق الانسان ومن انغلاق سياسي وتكميم للأفواه، بالضريبة الضرورية للتقدّم الاقتصادي.

27) لكن رغم تواصل هذه المغالطة، وتعدّد التثمينات وشهادات الاستحسان الأجنبية، فإنّ الأصوات المناهضة لخيارات السلطة الاقتصادية وتطبيقها المتعسّف والمكلف لسياسات الإصلاح الهيكلي منذ ثماني سنوات، بدأت تظهر من هنا وهناك في الداخل والخارج بعدما بدأت تنكشف يوما بعد يوم سوءات برنامج الإصلاح الهيكلي وآثاره السلبية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

28) ويدور السؤال الاقتصادي في تونس اليوم حول حقيقة نتائج الإصلاح الهيكلي بين الدعاية والواقع بعيدا عن كلّ خطاب سياسي مفرط في التفاؤل أو التشاؤم. والمتتبّع لما يصدر من حين لآخر حول الوضع الاقتصادي التونسي ولاسيما عن الأوساط المهتمّة مباشرة بهذا الوضع، يلحظ أنّ هذا الاقتصاد بعد عشر سنوات من التجربة، لا يزال يعاني من مصاعب حقيقية واختلالات جوهرية، من أهمّها:

29) هشاشة النمو:

يعاني اقتصاد البلاد من هشاشة نموّ واضحة وخطيرة تعكسها التقلّبات الحادّة لمعدّل النموّ العام، بما يؤكّد الطبيعة الهيكلية لأزمة النموّ والتنمية في البلاد وظرفية الانتعاشة التي تطرأ من حين لآخر جرّاء تحسّن الظروف الطبيعية أو تدفّق الإسعافات الخارجية.

فمنذ بداية تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي، شهدت معدّلات النمو للناتج الإجمالي تقلّبات حادّة تراوحت بين 0.1 % عام 1988، و8 % عام 1992، و2.1 % عام 1993، كما أنّ موسم 1994 لم يسجّل عودة الانتعاشة المنتظرة واقتصر على معدّل متواضع 3.3 %، بينما تشير الإحصاءات الدولية في هذا الصدد إلى بقاء الأمور على حالها في العام الماضي (المصدر: الميزان الاقتصادي 1996)

30) تواصل الاختلالات:

لجأت تونس لسياسات الإصلاح الهيكلي في أواخر عام 1986 أي قبيل تغيير 7-11-87 ببضعة أشهر، وكانت البلاد يومئذ على حافة الانهيار والإفلاس الاقتصادي. وكان الهدف الأساس من وراء هذا الخيار إصلاح الاختلالات الهيكلية التي تأدّى إليها اقتصاد البلاد وفي مقدّمتها العجوزات المالية التي تعاني منها الموازين الاقتصادية الكبرى.

واليوم، تشير الأرقام الرسمية إلى تواصل الاختلالات بشكل عام، برغم الطبيق الحرفي لبرنامج الإصلاح الهيكلي وتدفّق الإمدادات المالية المترتّبة عليه.

فميزان المدفوعات يقدّر عجزه عام 1995 بـ690 م د بما يعادل 4 % من الناتج الاجمالي الخام، بينما كان في حدود 195م د عام 1986 قبيل تطبيق البرنامج. وعجز الميزان التجاري يقدّر بـ 2411م د عام 1993، بينما كان في حدود 833 م د عام 1986، وهو يتراوح حوالي 1900م د عام 1995، كما أنّ ميزانية الدولة تشهد بدورها عجزا متفاقما: من 284 م د عام 1994 إلى 276 م د عام 1995، ويتوقع أن يصل الى 385 م د عام 1996(المصدر: البنك المركزي التونسي-التقرير السنوي 1994)

31) كما تشير الإحصائيات المتعلّقة بالمديونية إلى استمرار الحكومة في مخطّطاتها الإنمائية في الاعتماد على القروض ومواصلة خيار الاستدانة الذي دخلت فيه البلاد منذ السبعينات. فقد تضاعف حجم الديون الخارجية خلال فترة تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي من 4305م د عام 1986 إلى 8701 م د عام 1994 ثم 9240 م د عام 1995 وتتوقع التقديرات الرسمية أن يبلغ حجم الدين 9987 عام 1996 اي بما يعادل نسبة تداين بـ52.1% ولا يزال معدّل خدمة الدين يشكّل عبءا ثقيلا على ميزانية الدولة سنويا: 1445 م د عام 1994 و1565 عام 1995 بما يعادل حوالي 18% من عائدات التصدير. (نفس المصدر)

32) بالإضافة إلى تلك الاختلالات التقليدية، ساهمت سياسات الإصلاح الهيكلي في تكريس الاختلال بين قطاعات الإنتاج الأساسية من جرّاء تورّم قطاع الخدمات الذي أصبح يستحوذ على 53% من الناتج القومي على حساب كلّ من القطاعين الزراعي (16%) والصناعي (31%). كما تراجعت هذه القطاعات الانتاجية نفسها مقابل صعود ما يسمّى بالقطاع الرمزي القائم على المضاربة المالية في الأسواق المحلّية والأجنبية. وتحوّل نشاط المصارف والبنوك من الاستثمار في القطاعات الإنتاجية التقليدية إلى الاستثمار في البورصات التي شهدت دعما ملحوظا من قبل الحكومة في السنوات الأخيرة.

33) وعلى الصعيد الاجتماعي، أدّت هذه السياسات إلى تفاقم البطالة وخاصّة في أوساط المتعلّمين: 150.000 تلميذ يطردون سنويا من جهاز التعليم دون تكوين، ممّا جعل من النظام التربوي التونسي عائقا إضافيا للتنمية بعدما كان محرّكا لها. ويقدّر معدّل البطالة رسميّا بـ17% ، بما يناهز 400.000 عاطل عن العمل، بينما تشير الإحصائيات غير الحكومية إلى ضعف هذا العدد. كما أنّ نسبة 70% من العاطلين لا يتعدّون الثلاثين من العمر.

وتشير التقديرات إلى تنامي البطالة في السنوات المقبلة من جرّاء التسريع المتعسّف في تحرير الاقتصاد الذي يهدّد حوالي 20% من الصناعات الوطنية بالاندثار، وفي مقدّمتها صناعة النسيج التي شكّلت إلى وقت قريب أهمّ مورد من العملة الأجنبية وتضمّ ما يزيد عن 1500 مؤسّسة إنتاجية وتوفّر أكثر من 100.000 موطن شغل.

والخطير أنّ جزءا مهمّا من هذه المؤسّسات اضطرّ إلى الإفلاس وتسريح ما لديه من عمّال. كما أنّ مستوى الاستثمار في هذا القطاع تدنّى بمعدّل 56% عام 1993.

34) ومن المنتظر أن يؤدّي اتّفاق الشراكة الذي أُبرم بين تونس والمجموعة الأوروبية إلى تراجع العائدات الجبائية بما يعادل 60% في المرحلة الأولى، واندثار ما لا يقلّ عن 33% من الصناعات المعملية الصغيرة والوسطى نتيجة فتح السوق المحلية على مصراعيه أمام المنتوجات الأجنبية الأكثر جودة ومنافسة، وهو ما يزيد من تسريح العمّال وتعزيز صفّ البطّالين في المجتمع.

ومقابل هذا التدهور في القطاعات الإنتاجية الأساسية، تواصل الحكومة بشكل غير عادي في دعم القطاعات الخدماتية الهشّة مثل السياحة وبورصات الأوراق المالية التي تهيّئها للإحلال محلّ الصناعات الوطنية المذكورة.

إنّ التحوّلات الهيكلية التي فرضت على الاقتصاد الوطني، والتلاشي المتسارع للطبقة الوسطى في المجتمع، وتنامي شريحة الفقراء والمعوزين من جرّاء غلاء المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية باطّراد، لا يمكن أن تمرّ دون إحداث اهتزازات اجتماعية ذات أثر على مستقبل البلاد.


(3) إستشراف المستقبل

شروط التجاوز

إنّ واجب النهوض بأمانة الدفاع عن حقّ شعبنا في الحرية والعدالة والديمقراطية، وعن طموحاته المشروعة في تطوير أوضاعه نحو حياة سياسية مدنية وعصرية انطلاقا من أصول الإسلام، وتساوقا مع مطالب الواقع وقيم العصر، جعل الحركة منذ إعلان تأسيسها عام 1981، وتغيير إسمها على مقتضى قانون الأحزاب سنة 1989، تتبنّى بوضوح لا لبس فيه منهج العمل السلمي من خلال مؤسّسات المجتمع العلنية.

وهي تجد نفسها اليوم ــ أكثر من أيّ وقت مضى ــ مدعوّة إلى مزيد من التوضّح في مشروعها والإصرار على أهدافها ومبادئها، ومنهجها المعتدل في التغيير.

2) وأمام خطورة الوضع الذي تمرّ به البلاد، تجدّد الحركة التأكيد على ضرورة مراجعة المسار من قِبل كلّ الأطراف السياسية -وفي مقدّمتها النظام القائم- والتنازل لمصلحة البلاد العليا، والكفّ عن سياسة التعنّت والإصرار على الخطإ، والعمل الجماعي في سبيل تحقيق انفتاح سياسي في البلاد يرفع المظالم ويردّ الحقوق والحريات دون إقصاء أيّ طرف اجتماعي أو سياسي أو ثقافي، وإطلاق سراح المساجين وعودة المغتربين.

3) تجدّد الحركة تأكيدها على طبيعتها السياسية المدنية، ورفضها لأيّ ازدواج في الاستراتيجية أو الخطاب، واعتمادها المنهج العلني السلمي في التغيير، ورفضها استعمال العنف وسيلة لحسم الصراعات السياسية والفكرية ومنهجا للوصول إلى السلطة أو التمسّك بها باعتماد وسائل الضغط السلمية والخطاب المعارض المعتدل والمسؤول، بعيدا عن القطيعة والتشخيص والمهاترة. وهي تؤمن بأنّ الحوار الوطني هو الكفيل وحده بضبط قواعد العمل السياسي الديمقراطي والتوصّل إلى مصالحة وطنية شاملة.

معالم رؤيتنا السياسية

4) بالإضافة إلى تلك الشروط الأساسية لتجاوز الأزمة الشاملة التي تعصف بالبلاد، فإنّ حركة النهضة ترى من الضروري التذكير بالمقوّمات الأساسية لرؤيتها السياسية التي تؤطّر عملها السياسي وتشكّل مجموعة الثوابت والأهداف التي ما فتئت تناضل من أجلها، ومن أهمّها:

5) الهوية الثقافية للحركة:

تتمسّك الحركة بمرجعيتها الإسلامية وشمول مشروعها التغييري الديمقراطي، وتوازن أبعاده السياسية والثقافية والاجتماعية. وهي لا تحتكر الصفة الإسلامية، وإنما تقدّم مشروعا اجتهاديا بشريا في معالجة أزمة المجتمع، استنادا إلى فهمها للدين. كما لا تحتكر الصحوة الإسلامية ولا تحرص على ذلك. وتؤكد على أولوية البعد الثقافي والتربوي والدعوي في مشروعها بعيدا عن الاختزال الحزبي أو السياسي للمشروع الحضاري والنهضوي الشامل الذي يستدعي مساهمة كل تيارات المجتمع لبلورته وإنضاجه.

6) الحرية وحقوق الإنسان:

تعمل الحركة على المساهمة في تحقيق الحرية، باعتبارها قيمة محورية تجسّد معنى تكريم الله للإنسان، وذلك من خلال دعم الحريات العامّة والخاصّة مثل حرية الرأي والتعبير والتجمّع والصحافة، واحترام حقّ الأغلبية في الحكم والأقلّية في المعارضةعبر مؤسّسات منتخبة تنبثق عنها الشرعية والتداول على السلطة. كما تؤكّد الحركة على مبدإ استقلال القضاء وحياد الإدارة، والعمل على تحقيق ذلك في الثقافة السياسية الإسلامية حتّى تتحوّل إلى قناعات راسخة ومبدئية في الوسط الإسلامي، ويثبت عليها الإسلاميون في مرحلة المعارضة كما في مرحلة الحكم.

7) منزلة السياسي من الثقافي:

إنّ تأكيدنا على أولوية الثقافي والاجتماعي على السياسي تعني أنّ السياسي يأخذ محمولات ومضامين فكرية جديدة بحيث يكون خادما للمهمّة التربوية والثقافية بدرجة أولى. لقد ضاقت حدود السياسي في تجاربنا إلى الحد ّ الذي كاد يفقد معاني الإصلاح الحضاري والتغيير المجتمعي والأخلاقي والتربوي، واختُزل في نمط العلاقة الثنائية: سلطة/حركة. ومن دلالات وشروط حمل السياسي لمعاني الإصلاح الحضاري والنهضة هو أن يتأهّل في صورة خطابه ونموذج علاقاته وآليات اشتغاله ضمن رؤية فكرية سياسية إسلامية عميقة ذات مدلولات حضارية واسعة ومنفتحة لا ترتهن لدوافع الكسب الآني والسريع وإنما تمهّد للتحوّل الحضاري الإسلامي المتدرّج ببلادنا بمشاركة الجميع والإسهام في تطوير الكسب السياسي الإسلامي العالمي في دورته الجديدة.

8) المصالحة الوطنية الشاملة:

تعمل الحركة على المساهمة في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة داخليّا وعلى الصعيدين العربي والإسلامي، وهي تتويج لمرحلة من الحوار والانفتاح السياسي على قاعدة المشاركة والتعايش بديلا عن الإقصاء والتنافي أو حتّى هيمنة الأغلبية، عبر وفاق يحدّد ملامحه الميثاق السياسي الوطني من أجل تعميق الهوية العربية الإسلامية والتعددية والديمقراطية واحترام مبادئ حقوق الإنسان. نحن بحاجة لتوسيع دائرة الثوابت الحضارية والوطنية عبر الإقناع والحوار والتسامح والتدرّج في الإنجازات أكثر من حاجتنا إلى سيطرة مشروع تيّار معيّن ولو كان إسلاميا ولو حاز على الأغلبية في لحظة انتخابية معيّنة. فتوزيع الأنصبة اليوم في بلادنا سياسيا بين مختلف القوى الفاعلة لا يخضع فقط للقانون الانتخابي وإنما ينبغي أن يخضع كذلك خلال هذه المرحلة التاريخية إلى التراضي العام والوفاق واعتبار دور كلّ قوّة ليس بحسب عددها فقط وإنما بحسب قوّة تأثيرها ونفوذها في الواقع وحاجة التوازن لها أساسا. فإذا قدرنا مثلا أنّ الإسلاميين مرشحون عامة لنيل الأغلبية الانتخابية في هذه المرحلة في مجتمعاتنا، فينبغي أن يكونوا على استعداد للقبول بأقل من حصتهم خدمة للمصلحة العامة ورعاية لضرورات الوفاق الوطني.

9) سلطة المجتمع ودور الجماهير في تحقيق النهضة الشاملة:

تؤمن الحركة بأهمية دعم سلطة المجتمع واسقلالية هياكله وقوامته على الدولة، بما يهيئ الإطار النظري والهيكلي لتقوية المجتمع المدني الحقيقي وتحقيق التوازن بين الدولة والشعب. إنّ مشروع الحركة هو المساهمة في تحقيق النهضة الإسلامية الشاملة في البناء وتحرير الإرادة، ولا يتأتّى ذلك في ظلّ الاختلال الواضح في موازين القوى العالمية دون إشراك الجماهير والإصغاء لمطالبها وتطلّعاتها. وما يصدق على الدول، يصدق من باب أولى على الحركات التغييرية. فمن دون مشاركة جماهيرية واسعة، ووعي جماهيري فعّال، غالبا ما تنتهي محاولات التغيير إلى الفشل. وإنّ عدم تلبية الجماهير لنداءات التغيير في وقت معيّن لا يعني إسقاطها من المعادلة أو تحقيرها، وإنّما يعني أنّ هناك خللا مّا في النداء ذاته بحاجة إلى تعديل وتصويب.

10) الدفاع عن الوحدة الوطنية:

وذلك بمواجهة نزوعات التفتّت الطائفي أو المذهبي أو العرقي، والتخفيف من الاستقطاب الحاد بين الحكّام والنخب، وبينهم وبين الشعب وذلك بإشاعة مناخات الحرية والمشاركة العامة ورفع المظالم وتحقيق العدالة (يا أيّّها الذين آمنوا كونوا قوّامين للّه، شهداء بالقسط، ولا يجرمنّكم شنآنُ قوم على ألاّ تعدلوا، إعدلوا هو أقرب للتقوى، إنّ الله خبير بما تعملون) المائدة الآية 8.

11) حماية الاستقلال والسيادة الوطنية:

من خلال المساهمة في رفع الوعي الإسلامي وضرورة التمسّك باستقلالية القرار والسيادة الوطنية وحمايتها من الاختراق الأجنبي وتنسيق الجهود والخطوات لحماية مقدّرات البلاد ومصالحها. إنّ الصراعات الداخلية ومعارضة التيارات لبعضها البعض ومعارضة الأنظمة ما ينبغي مطلقا أن تكون على حساب المبادئ الوطنية العليا واستقلال الوطن وسيادته.

12) سياسة خارجية مستقلّة ومنفتحة: تدعو الحركة إلى إقامة سياسة خارجية تنبني على عزّ البلاد ووحدتها واستقلالها، والتبادل العادل والمتكافئ للمصالح، ودعم قضايا التحرّر والكفاح ضدّ سياسات الاستعمار والتمييز والاستعلاء بكلّ أشكاله ومناهضة الأوضاع المؤسّسة على الظلم والاضطهاد. كما تؤكد على أهمية الحوار الصادق والبناء بين العالم الإسلامي والغرب ونبذ كل أشكال التعصب والانغلاق والإرهاب الفكري والمادي. «ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، إنّ اللّه عليم خبير» الحجرات الآية .13

13) بناء اقتصاد وطني قوي ومتوازن:

بالاعتماد على الإمكانات الفعلية للبلاد والتوزيع العادل للثروة، بما يعني حقّ كلّ فرد في التمتّع بثمار جهده في حدود مصلحة المجموعة والحصول على حاجته الأساسية في كلّ الأحوال، والقضاء على الفوارق الاجتماعية المبنية على الاستغلال والاحتكار والفساد، والإسهام في تحقيق التكامل والاندماج مغاربيا وعربيا وإسلاميا، مع الحرص على إقامة علاقات اقتصادية متوازنة مع بقية الكتل ولاسيما أوروبا وآسيا.

14) العدالة الاجتماعية وحرية المرأة:

العمل على تحقيق العدل وتوفير الخدمات الاجتماعية بما يضمن كفاية الجميع في الغذاء والصحّة والسكن والتعليم وغيرها من أساسيات الحياة الطيّبة، صونا لكرامة الإنسان وتماسك المجتمع، في تناسق بين ضمان الحقّ وأداء الواجب. والعمل على حفظ الأسرة قوام المجتمع السليم، والنهوض بواقع المرأة، وتحرير فعالياتها للمساهمة في تنمية المجتمع بعيدا عن التبعية أو الانحطاط بتأكيد مساواتها بالرجل وضرورة تحررها من التقاليد المتخلفة التي تحرمها من حقها في المشاركة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية بالإضافة إلى دعم المؤسّسات الاجتماعية والنقابية المؤهّلة لتأطير نضالات الشعب ضدّ كلّ مظاهر الحيف الاجتماعي والاستبداد السياسي. (إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) النحل 90.

15) الدفاع عن التضامن المغاربي والعربي الإسلامي والتوجّه الوحدوي:

تؤكّد الحركة على أهمية التضامن العربي والإسلامي، وضرورة حماية مؤسساته ورموزه، وتعمل على دعم موقع تونس في محيطها وتطوير علاقاتها العربية والإسلامية والإفريقية على طريق التكامل والتعاضد، وتدعو إلى الحفاظ على الاتّحاد المغاربي وتسريع خطوات بنائه ووضع حدّ للنزاعات الضيّقة التي تنخر هذا الكيان، والاتّجاه قدما نحو إرساء هياكل التكامل الاقتصادي والتعاون السياسي، وتشجيع التقاء المؤسسات الشعبية وتوحيد برامج التكوين التربوي والتعليم والثقافة، وتجاوز البعد القطري في التغطية الإعلامية والتعامل مع المنطقة كوحدة ذات مصالح وهوية مشتركة. وأن نجعل من التجمّعات الإقليمية خطوة نحو تحقيق الوحدة العربية والإسلامية.

16) التمسّك بفلسطين:

تؤمن الحركة بأنّ أرض فلسطين حق للأمّة لا يجوز التنازل عنه، وتدعو إلى السعي لتحريرها ورفض الحلول غير العادلة والتهافت على التطبيع مع الكيان الصهيوني مهما كانت المبرّرات والمنافع. وإذا كان من الجائز انتهاج المرحلية والتدرّج في استعادة الحقوق المغتصبة، فإنه لا يجوز الاعتراف بشرعية الغاصب.

مطالب المرحلة القادمة

تأسيسا على كلّ ما تقدّم، فإنّ حركة النهضة تطالب بما يلي:

أ- احترام حقوق الانسان الفردية والجماعية وضمان حرياته الأساسية، كما نصّت عليها تعاليم الإسلام السمحة والإعلانات العالمية وتضمّنتها المواثيق الدولية والقوانين الدستورية المحلّية.

ب- ترسيخ هوية البلاد العربية الإسلامية والكف عن استهداف مظاهر التدين وإشاعة ثقافة التفسخ والانحلال.

ج- سنّ عفو تشريعي عام، وإخلاء السجون من المعارضين السياسيين، ورفع مختلف أشكال قمع عائلاتهم وتجويعها وتمكينهم من حقوقهم المدنية والسياسية دون اعتبار لانتماءاتهم الفكرية والحزبية.

د- تعاضد قوى المعارضة السياسية والمنظّمات الوطنية ومختلف الفعاليات من أجل تحقيق انفراج سياسي في البلاد يرفع المظالم ويردّ الحقوق والحريات من أجل الوصول إلى حياة ديمقراطية عادلة، ونبذ كلّ مظاهر العنف والتسلّط والإقصاء مهما كان مصدرها.

هـ- احترام حرية الصحافة والتعبير والاجتماع والتنظم وصيانة استقلالية القضاء والمنظّمات الشعبية الوطنية وحيادية الدولة.

و - مراجعة القوانين الجائرة المنظّمة للحياة السياسية والاجتماعية، كقطاع الإعلام والشغل وقانون الأحزاب والمجلّة الانتخابية على ضوء مرجعيّتها الدستورية وإلغاء المناشير اللاّدستورية المنافية لحرية المواطن وحقوقه الأساسية، وإلغاء المناشير التي تمنع المرأة من ارتداء الحجاب، وإقامة الصلاة في المؤسسات والتدريس بالمساجد.

ز - رفع وصاية الأجهزة الأمنية على الحياة السياسية ومؤسّسات المجتمع المدني، وإيقاف المحاكمات السياسية تحت أيّ غطاء كان، ودعم المسار التصالحي بدل التناحر والتنابذ والقطيعة، تقديرا لمصلحة البلاد والعباد.

ح- التصدّي لمظاهر التطبيع مع الكيان الصهيوني ودعم الصمود العربي.

وأخيرا، فإنّ حركة النهضة، وهي تمرّ بمحنة قاسية تستهدف وجودها وتدفع غاليا ضريبة وقوفها شاهدة لدينها ولشعبها، لا يسعها إلاّ التمسك بهويتها الإسلامية والمضيّ قدما في نضالها المتواصل وجهدها الدؤوب في سبيل المساهمة في تحقيق المشروع الحضاري الإسلامي والأهداف الوطنية.

وتقديرا لمصلحة البلاد العليا، وانطلاقا من فهمها لمنهج الإسلام الحضاري في تغيير الأنفس والمجتمعات، تجدّد الحركة الدعوة إلى كلّ أبنائها وشعب تونس أن يحذروا الوقوع في الاستدراج مرّة أخرى لخطّة خصمهم، وأن يعملوا بأناة وطول نفس بين الناس، وأن ينشروا الكلمة الطيّبة ويتسلّحوا بالصبر الجميل والتوكّل على الله (واصبر، وما صبرُك إلاّ بالله، ولا تحزن عليهم ولا تكُ في ضيْق ممّا يمكرون، إنّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون) النحل 127-128.

(وما أريد أن أُخالِفَكم إلى ما أنهاكم عنه، إنْ أُريدُ إلاّ الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلتُ وإليه أُنِيب) هود 88، صدق الله العظيم .. انتهى .


لندن في 06 جوان 1996

حركة النهضة بتونس

الشيخ راشد الغنوشي</cente


للمزيد عن الإخوان في تونس

<center> روابط داخلية

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

.

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

أهم أعلام الإخوان في تونس

وصلات فيديو

.

تابع وصلات فيديو