حسن البنا: الرجل القرآني

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٢٣:٤٢، ٣٠ ديسمبر ٢٠١٠ للمستخدم Moza (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث


حسن البنا: الرجل القرآني وهيكل: مزور التاريخ
Hassan-al-banna-(24).gif

بقلم د محمد عباس

تصدع قلبي..

أحاطني بركان من النار و إعصار من الألم.. وارتبطت الأسباب بالنتائج والمقدمات بالنهايات.. حتى توحد الألم العنيف الذي سببه المشهد المروع لمصرع تلك الأسرة الفلسطينية وهي في نزهة بريئة بائسة على شاطئ البحر ثم انطلاق تلك الصرخات الرهيبة الدامية المروعة من ابنة الأسرة التي نجت من القصف: هدى غالية والتي حملت ألما سيظل ينوء به كاهل البشرية و إدانة تصم بالعار التاريخ الإنساني منذ قابيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. أقول ارتبط الألم الذي سببه صراخ الطفلة على أشلاء أبيها بألم آخر قديم سببه ألم أب على ابنه.. خاصة عندما يكون هذا الابن هو الرجل القرآني الإمام الشهيد حسن البنا.. والذي بدا لي على الفور أنه لولا نجاحهم في اغتياله منذ نيف وخمسين عاما لما نجحوا في اغتيال أسرة هدى غالية.. ارتبط الألـَمَان.. ارتبطا رغم مجهود طويل ومضن بذل وما يزال كي لا نكتشف أن الألـَمَين مرتبطان..

ارتبطا.. رغم أن مجهود واحد كمحمد حسنين هيكل طول عمره هو أن يطمس هذه النقطة بالذات: نقطة ارتباط الهوان الذي تتعرض له الأمة الآن بحل حركة الإخوان المسلمين عام 1948 ثم التنكيل بها على يد حبيبه وصديقه وربيبه جمال عبد الناصر..

نعم .. ما حاول هيكل أن يفعله طول عمره هو طمس العلاقة بين دموع الشيخ الجليل أحمد عبد الرحمن البنا والطفلة البريئة: هدى غالية.

حاول هيكل كرأس حربة أن يطرد العملة الصحيحة بالعملة الرديئة.. و أن يدعي أن أمر الإخوان مجرد خلاف شخصي بين هذا وذاك.. وليس خلاف منهج يتعلق بالوجود كله.. خلاف حول منهج النجاة الذي كان هو واحدا من دعائم هدمه.. ومنهج الهلاك الذي كان هو وما يزال علما من أعلامه وراية من راياته. ولقد بلغ به الأمر في محاولاته لشخصنة الخلاف و إبعاده عن الدين أن يزعم أن بعض الإخوان يقولون أن مشكلتهم كلها كانت بسبب عبد الناصر والثورة.. وهو زعم كاذب شرير لم يقل به أحد.. لكن هيكل يتناوله كمسلمة من المسلمات ثم يوغل في تعداد أدلة التنكيل بالإخوان قبل الثورة مستعملا لازمة لفظية: ولقد حدث كذا وكذا ولم يكن عبد الناصر موجودا ولم يكن الضباط الأحرار موجودين!!.. ولو لم يتنبه القارئ لحديث إفك هيكل في السطر الأول لانبهر بموقفه ورأيه .. ولردد معه إدانة الإخوان المسلمين الذين يفتقدون أبسط مقومات الصدق والأمانة.. لكن هذا القارئ أو المستمع إذا تذكر أن استشهاد الإمام الشهيد كان على يد رجال الملك، و أن التنكيل بالإخوان بدأ قبل الثورة.. و أن الاغتيال والتنكيل تم برعاية أمريكية.. عندما يدرك القارئ ذلك يدرك في نفس الوقت كم يكذب هيكل.. ويدرك أيضا كيف يكذب!! إنه يذكر واقعة خطأ ثم يستبسل في الهجوم عليها!! ثم يخلص من ذلك بالنتائج التي يريدها..

لم يذّكر هيكل الناس أبدا رغم آلاف الصفحات التي خطها يراعه أن تاريخ حل الإخوان هو ذاته تاريخ إنشاء إسرائيل.. ولا هو حاول أن يذكرهم أن قرار الحل جاءهم وهم في أوج العمليات الجهادية، وأن الشهيد محمد فرغلي ( لم يقتله الصليبيون ولا اليهود بل قتله عبد الناصر) قد اعتقل مع الحل عام 1948 حين حضر من فلسطين ليجند عشرة آلاف متطوع ويعود بهم إلى هناك، ولم يذكّر هيكل الأمة بأن أبطالها المجاهدين في فلسطين قد تم إلقاء القبض عليهم أثناء الجهاد ليحولوا مع جرحى العمليات العسكرية إلى معتقل الطور..

ولم يذكر هيكل الناس أبدا بشهادات قيادات الجيش في حرب 1948 عن بطولات الإخوان المسلمين.. بل كان يسير في الطريق العكسي فكانت اللغة عنده كما يقول تاليران وسيلة إخفاء الحقيقة لا إظهارها.

لقد حاول هيكل طوال عمره تقطيع أوصال القضية.. لأن اكتمالها في أعين الناس وفي وعيهم سيظهر مدى بشاعة ما يدعونا إليه..

لم أكن أريد أن أقطع التسلسل في كتاباتي عن الإخوان المسلمين، لكن حلقة هيكل على قناة الجزيرة في 15/6/2006، وكان جزءا كبيرا منها عن الإمام الشهيد حسن البنا، وتطرق الأمر بطبيعة الحال إلى تاريخ الإخوان المسلمين. وقد شاء الله وقدر أنني قرأت كثيرا جدا من تاريخ الإخوان المسلمين في العامين الماضيين، وقد مكنني هذا من قاعدة معرفية جعلتني أعرف ليس: كم يكذب هيكل.. بل جعلتني أعرف أيضا كيف يكذب؟.. كنت أتابع البرنامج مذهولا.. لم يخذلني في ذكائه.. بل لعله أذكى بكثير مما كنت أظن.. إنه يمارس الكذب ولا يكاد يترك آثارا خلفه.. إنه كالساحر الذي يسحر أعين النظارة فلا يرون كيف يتحرك ولا كيف يفعل ما يفعل. أو كأولئك الجلادين من جبابرة التعذيب الذين يتمرنون على التعذيب الذي لا يترك علامات خلفه يمكن إدانتهم بها.

كان هيكل يتحدث عن الإمام الشهيد حسن البنا

لاحظت كيف يتحدث، ففضلا عن الكلام المنطوق من الشفتين كانت أصابعه ويداه وجذعه وملامحه جميعا يتكلمون.. وكانت تكفي حركة من اليد أو الجذع لتعطى كلماته معنى لم يكن يمكن أن يكون لها لولا تلك الحركة..أو الإشارة أو الإيماءة..

ولكي أضرب الأمثال فإن سيدة أنيقة جدا ووقورة جدا وجميلة جدا وتبدو عليها البراءة الشديدة تستطيع أن تخرب ألف بيت بإيماءة.. و أن تزرع ألف بذرة شك بنظرة.. أو أن تخرب بيوتا بكلمات ظاهرها البراءة.. كأن تجيب زوجا يسألها عن عفاف أهله بكلمات مثل: " ربنا أمر بالستر"..

فهكذا هيكل.. ليس في كل الأحوال.. لأنه في أحوال كثيرة لا يكتفي بالإيماءة أو النظرة أو الكلمة البريئة، بل يستعمل أسلوبا فاحشا وبذيئا.. ولعل القارئ يذكر في مقالات سابقة وصفه المقزز البذيء لطريقة تقبيل الملك فاروق لزوجته متعمدا أن ينقل لها التهاب لثته الصديدي، ولعل القارئ يذكر أيضا ادعاءه – وهو بالمناسبة ادعاء يستحق عليه الجلد- عن تفاصيل العلاقة بين النحاس باشا وعشيقته الإيطالية.

وقبل أن يلجأ بعض القراء إلى مخزونهم المعرفي القديم عن هيكل الذين يأخذون كلامه على محمل الجدية والصرامة والمنهج الحديدي حتى لو اختلفوا معه، فإنني أنبههم إلى خلط مخل يقع فيه هيكل عندما يتناول الدين بمنطق براجماتي علماني يتنافي مع الشروط التي يضعها هو نفسه لقراءة التاريخ وتفسيره.. إنه يقول على سبيل المثال:

أنا الدين أعطاني نور وأعطاني نور أمشي على هداه وأشوف أين طرق السلامة أنا أشوفها أين طرق السلامة أين طرق لأنه المجتمعات البشرية بتسعى إلى عدة حاجات واحد تسعى لأمنها وبتسعى إلى رخائها وبتسعى إلى مستقبل وأحلام تتصورها وهي في هذه مهمة بشرية، العناية اللي هي أعطني الضوء فكشفت لي مسرح ما أتحرك فيه علي هنا أن أعمل اجتهادي وأكرم معنى الرسالة التي أرسلت إلي بنور وأن أبذل جهدي في أعمار الأرض حتى يعني لكنه أنا لا آخذ على نفسي أن أقول إنه مصحف وسيف ما أقدرش أقول مصحف..إلخ"..

هنا لابد أن ينبثق التساؤل بل ينفحر: أي دين ذلك الذي يعنيه هيكل؟

هل هو الإسلام؟ ..

هل هو : إن الدين عند الله الإسلام؟..

هل هو: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه؟..

هل هو الإيمان بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات؟..

هل هو الدين الذي تضع لنا مواصفات وحدوده آيات القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟..

هل هو ذلك؟..

وهل يبحث هيكل عن انعكاسات ذلك النور في النسق الإسلامي أم خارجه ؟

تلك الأسئلة ضرورية جدا كي نصل إلى لغة واحدة وفهم مشترك.. لابد أن نعرف ما هي مدلولات الصدق والكذب عند هيكل.. وكيف و أين يبحث عن الإجابة على أسئلة الإنسان المصيرية: من هو؟ ومن أين جاء؟ وإلى أين يمضي؟ وما الهدف؟ ثم سائر منظومة القيم الحياتية كالحرية والخير والجمال والعدالة غاية السعي الإنساني؟ هل يبحث هيكل عن ذلك فعلا في نور الدين؟ أم أنه يكذب علينا ولا يتبع إلا النسق العلماني الذي يتمحور حول الاقتصار على العقل الإنساني وخبراته ومهارات التجريب. هل يعترف هيكل بأبي حنيفة ولو إلى جوار كانط؟ أو بالإمام الشافعي إلى جوار ديكارت؟ أو بالغزالي إلى جوار هيكل؟..

هل يعترف حقا بالإمام الشهيد حسن البنا ولو إلى جوار إيمانه بجمال عبد الناصر؟..

هل يعتمد هيكل حقا الدين كنور ينير؟ أم أنه يستعمل الجملة الزئبقية لخداع الناس والهروب من مأزق السؤال الذي نوجهه له الآن؟..

نعم: هل يعترف هيكل بالتفسير الديني للتاريخ؟ هل يعترف بغائية البشرية؟ أم أنه استسلم ذلك الاستسلام المر الذي استسلمته النخبة جلها للفكر البراجماتي الذي يعود في حذوره – كما يعترف صاحبه وليم جيمس- إلى المزج ما بين السوفسطائية حيث الإنسان مقياس كل شئ والأبيقورية حيث اللذة هي الغاية الوحيدة.

في البراجماتية – كما يقول وليم جيمس- ننظر للأشياء من منظورها المادي لا المثالي، واللاديني لا الديني، والتجريبي لا العقلي ( لاحظ الدواعي الباطلة باتباع العقل والمنطق بينما هم لا يتبعون العقل بل التجريب).... أما المقياس الخارجي الذي يحكم على كل هذا فهو مقياس النجاح والفشل.. إذا نجحت تجربتك فأنت على صواب وتستحق الاحترام فإذا فشلت فأنت تستحق الازدراء.. فإذا فشل الإخوان المسلمون مثلا في تولى الحكم فهم مخطئون و إذا نجح الضباط الأحرار فهم على صواب.. و إذا فشل الفلسطينيون في الحفاظ على دولتهم فهم على خطأ و إذا نجح اليهود في الاستيلاء عليها فهم على صواب بغض النظر الكامل عن أية مقاييس أخرى، ذلك لأن التجريب العملي هو معيار تطبيق أي فكرة من الأفكار؛ فالفكرة تكون صحيحة أو باطلة بحسب ما يمكن أن تحققه للإنسان من نفع في حياته العملية، لا لأنها صحيحة في ذاتها، أو لأنها مطابقة للواقع أو غير ذلك.

ويرى فيلسوف البراحماتية الأول : 'تشارلز بيرس'أن كل اصطلاح يكون حقًا إذا كان له مدلول، والمدلول له وجود حقيقي إذا كان ينتج بعض النتائج في هذه الدنيا التي نشاهدها، وإلا فلا معنى للاصطلاح ولا وجود للمدلول أو الشيء'.

إن قيما كرضا الله أو السعي إلى الجنة أو حتى تحقيق المثل العليا غير مطروحة أصلا.. وليس عن طريق الدين والنور أو حتى العقل.. فإن فيلسوف البراجماتية الثاني : وليم جيمس يؤكد أن المنفعة العملية هي المقياس لصحة هذا الشيء وفي نفس السياق يذهب الفيلسوف الأمريكي جون ديوي إلى أن 'العقل ليس أداة للمعرفة وإنما هو أداة لتطور الحياة وتنميتها؛ فليس من وظيفة العقل أن يعرف... وإنما عمل العقل هو خدمة الحياة'.

يقول [وليم جيمس] عن الاتجاه البراجماتي: 'إنه اتجاه تحويل النظر بعيدًا عن الأشياء الأولية، المبادئ والنواميس والفئات، الحتميات المسلَّم بها، وتوجيه النظر نحو الأشياء الأخيرة: الثمرات، النتائج، الآثار، الوقائع، الحقائق'. إن البراجماتية لا تسوغ أن الغاية تبرر الوسيلة بمعني أنه ما دامت الغايات شريفة فلا يهم أن تكون الوسائل غير شريفة.. ففي البراحماتية لا يهم أن تكون الغايات أيضا شريفة ما دامت سوف تنجح وتمنح اللذة.

لم أشرد يا قراء..

لم يخني القلم ولم تستدرجني الفكرة ولم تبتلعني بحار الرمال المتحركة في الصحراء المترامية الأطراف.. و إنما أبحث عن نموذج يفسر لي هيكل.. مقتديا بما فعله الإمام الشهيد حسن البنا حين ذهب إليه الكاتب الأمريكي روبير جاكسون ليتعرف عليه وعلى دعوته.. ولنترك روبير جاكسون نفسه يحكي ما حدث:

كان هذا الرجل – حسن البنا- خلاب المظهر، دقيق العبارة، بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية. لقد حاول أتباعه الذين كانوا يترجمون بيني وبينه أن يصوروا لي أهداف هذه الدعوة، وأفاضوا في الحديث على صورة لم تقنعني.

وظل الرجل صامتاً، حتى إذا بدت له الحيرة في وجهي، قال لهم: قولوا له شيئاً واحداً: هل قرأت عن محمد؟ قلت: نعم، قال: هل عرفت ما دعا إليه وصنعه؟ قلت: نعم. قال: هذا هو ما نريده.

بقول روبير جاكسون: وكان في هذه الكلمات القليلة ما أغناني عن الكثير مما حاول البعض من أنصار البنا أن يقولوه لي.

ما أحاول أن أفعله يا قراء أن أبحث لكم ولنفسي عن مفتاح يقودنا إلى فهم هيكل كما قاد الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه روبير جاكسون إلى فهم حسن البنا.. و أحسب أنني اقتربت من مفتاح هيكل يا قراء..

إن وليم جيمس يتحدث عن شئ كالنور الذي تحدث عنه هيكل: " أنا الدين أعطاني نور وأعطاني نور أمشي على هداه وأشوف أين طرق السلامة أنا أشوفها أين طرق السلامة "

يقولها وليم جيمس بطريقة أخرى أكثر صراحة و أقل التواء من هيكل.. إن الدين مفيد ليس لأنه صحيح أو مطلق لكن لأن التجربة العملية أثبتت أنه نافع في قيادة المجتمعات وفي تحقيق بعض حاجات الإنسان . إن الفكرة المادية لن تضيف إلينا أي جديد، بل إنها تنبئ في عبثية لا نهائية بتحطم الكون في النهاية، أما فكرة أن الله هو خالق الكون فقد تمنح الناس الأمل، والأمل يحقق طرفي المعادلة البراجماتية فهو نافع وهو ممتع.

إن النور الذي يراه هيكل في الدين هو نفس ما يراه وليم جيمس: الراحة والهدوء، والسكينة والطمأنينة، والسلام والاغتباط والمشاعر المتدفقة التي تلهب الصدور، وتبعث الحركة في الحياة ولكن دون أية التزامات.

نعم.. الراحة لا السعي.. الهدوء لا الدأب والكبد.. السلام – لمفهومه – لا الجهاد..

أي أنهما معا يريدان من الدين أن يكون مجرد مسكِّن أو مخدر يستطيع الإنسان باعتياده إياه أن يواصل حياته بقوة وحماس أكبر، ثم أن الدين أمر شخصي ( وليس رسالة منزّلة) و لأنه أمر شخصي فإن على كل إنسان أن يحدد صفات الإله الذي من الممكن أن يفيده الاعتقاد به. وفي هذا التصور لا يؤمن الإنسان بإله خالق، بل هو يخلق من عند نفسه إلهًا محدد الصفات يعمل على خدمة وإرضاء من يؤمن به، وذلك على أساس قوله: 'في مقدورنا أن نتمتع بإلهنا إذا كان لدينا إله'.

هل يقصد هيكل بحديثه عن الدين معنى يمكن أن يوافق عليه علماؤنا وفقهاؤنا؟!.. أم أنه مستقل بفهمه مستغن به عمن سواه؟..

دعنا من الفقهاء والعلماء ..

فهل يقصد هيكل بحديثه عن الدين مفهوما يمكن أن يرضى عنه رسول هذا الدين من رب العالمين؟.. هل يرتضى هيكل محمد صلى الله عليه وسلم حَكَمًا والقرآن مرجعا؟!..

أنا لا أشق الصدور يا قراء ولا أفتش عن النوايا..

ولو قبع هيكل في بيته ما سألته أبدا..

بيد أنني كمريض: فإنني لا أدور على عيادات الأطباء أفتش عن شهاداتهم.. لكنني عندما أقصد طبيبا معينا ليعالجني من مرض خطير فلابد أن أسأل عن شهاداته قبل أن أسلم نفسي له.. فإن كان الوضع غير ذلك.. وكان ثمة أطباء يعالحونني من مرضي الخطير.. ثم تقدم طبيب ليقول لي: كل هؤلاء الأطباء جهلة و أنا وحدي الذي سأعالجك بعلمي.. في هذه الحالة لا بد لي أن اشق عن قلبه و أن أفحص كل شهاداته قبل أن أسمح له بعلاجي. فإذا اكتشفت أن هذا الطبيب طبيب فعلا لكن في تخصص آخر، فذلك أول الكذب، فإذا اكتشفت أنه يمارس نوعا آخر من الطب كالطب العربي أو الصيني أو العلاج بالأعشاب مثلا، و أنه لم يدع أنه طبيب على مقاييسنا الشائعة المتعارف عليها إلا لكي يخدعني كي أسمح له بعلاجي بمقاييسه لا بالمعيار الذي أريده، في هذه الحالة يكون دجالا ونصابا.

وهنا أسأل هيكل سؤالا مباشرا: أنت تقدمت للناس كي تفسر لهم دينهم فهل أنت فعلا تؤمن بما يؤمنون به لكنك تريد أن تخلصه مما علق به من شوائب، أم أنك على العكس تماما ترى أن هذا الدين بالذات سر تخلفهم، وأن عليك أن تخلصهم منه، و أنك كالجراح الذي يقوم بعملية بتر لن يوافق عليها مريض متخلف، ولكي يسمح لك المريض بالعمل فإنك تخدعه بقبول التخدير على أمل وبوعد أن تنظف له الجرح.. لكنك تخدعه وتبتر منه ما تشاء..

يا هيـــــــــكل.. في الإجابة على هذا السؤال يقبع الفارق بين المفكر والدجال.. وبين المصلح والمحتال.. فأيهما أنت؟!.

يقول هيكل عن الإمام الشهيد : هو عنده كتاب اسمه التعاليم والتعاليم لما بأقرأها أنا شايف قدامي رجل ينشئ نظام حديد من الشباب قائم على الطاعة وعلى جيش من المؤمنين لا يقف ولا يُرَد بعدين لما بيكتشف إن هو الإخوان لوحدهم ما لوش دعوة بالخلافة يبدأ ينحاز بمعنى إنه يبدأ ينحاز إلى الأسر المالكة في المنطقة والمهتمة باستعادة الخلافة أو دائرة الخلافة بينما واقع الأمر إنه دائرة الخلافة قد أخذته القوى الكبرى خلاص"..( لاحظوا المبدأ البراجماتي: الخلافة انهزمت فهي خطأ والغرب انتصر فهو على صواب)..

ولاحظوا يا قراء أن المواطن الغربي لا يشعر بالخزي والعار أبدا من الإمبراطورية الرومانية أو من الفلسفة اليونانية.. والمواطن الإيراني لا يشعر بالخزي من الإمبراطورية الفارسية – كتاريخ-.. لكن هيكل يشعر بالخزي من الإمبراطورية العثمانية.

وثمة خطأ هنا لا يستحق أن نتوقف عنده كثيرا لولا أنه يكشف شيئا من عدم دقة هيكل، فليس للإمام البنا كتاب اسمه التعاليم.. و إنما هو فصل في الرسائل التي جمعها أتباع الإمام بعناوين مختلفة.. وسنطبق نفس المقياس على إشادته بخالد محمد خالد ..

يقول هيكل:

" لازم أعترف إن في بعضهم في بعض الإخوان المسلمين الأستاذ خالد محمد خالد على وجه التحديد تكلم فيها في مذكراته وفي كتابه بأمانة"..

والمشكلة أن خالد محمد خالد لم يكن من الإخوان بعد أن أعيته الغيرة من السابق واللاحق: أما السابق فهو الشهيد سيد قطب و أما اللاحق فهو العلامة الشيخ محمد الغزالي.. ولعلنا نذكر عاصفة النار التي أشعلها خالد محمد خالد بكتابيه "من هنا نبدأ" و " الديموقراطية أبدا" والتي رد عليه فيهما الشيخ محمد الغزالي بكتابه "من هنا نعلم".. وفي هذه الفترة وحتى قبلها كان خالد محمد خالد قد انضم إلى معسكر عبد الله القصيمي الذي رفع علانية لواء الكفر ولم يعد خالد محمد خالد إلى الصواب إلا بعد ذلك بأعوام عديدة.. خالد محمد خالد هذا الذي لم يكن من الإخوان يل مرت به فترة زيغ غفر له الله هو الوحيد الذي وصفه هيكل دونا عن الإخوان جميعا بالأمانة.. بنفس المنهج الذي يقول به الصليبيون واليهود أن العربي الوحيد الجيد هو العربي الميت.. فكأنما هيكل يقول: أن الإخواني الوحيد الجيد هو الخارج على الإخوان ولا يفضله إلا الخارج على الإسلام..!!..

قارن – مستعملا المقياس البراجماتي - بين تقديس هيكل لأي أجنبي واستعلائه على أي وطني أو مسلم ..

ولم ينج من ذلك حتى الإمام الشهيد!!..

قارن بين الصورة التي تريد أمريكا أن تظهر الإسلاميين جميعا بها وقارن ذلك بما يفعله هيكل..

في المرة الأولى التي يلتقي فيها بالإمام كان عمر هيكل 23 سنه وكان الإمام يقابل في الدول كالرؤساء والملوك.. لكن هيكل الذي لا يمل ولا يكل ولا يخجل يلقي محاضرة طويلة عريضة على الإمام يعلمه فيها بديهيات الصحافة ويرفض عرضه بالعمل معه بل ويحذره من فشل الصحيفة.. ثم يصف الوقائع قائلا:

"هو زعل قوي لما أنا قلت أنه مش هينجح لأنه حتى ممكن تكون من ناحية الاستبشار والتشاؤم تكون حاجة غريبة قوي"..

ضعوا في الاعتبار الرسالة التي يسربها إلينا هيكل.. فذلك الشاب الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين لا يكتفي بأن يعلم الإمام فنون الصحافة.. بل إن الإمام حين يرد عليه لا يرد بمنطق مضاد.. لا يرد بعلم ومعرفة.. بل يتجاهل ذلك كله على طريقة الدراويش والمشعوذين مكتفيا من الحوار بالاستبشار والتشاؤم!!..

وعلى الرغم من ذلك فلم يكن هيكل مصيبا فيما قال للإمام الشهيد حول اقتصاديات إصدار صحيفة..

لم يكن هيكل مصيبا.. بل كان مصيبة.. إذ أنه افترض شفافية قانون العرض والطلب وكأن القانون يحوى داخله ميزانا ذاتيا للعدل.. لم يتحدث الأستاذ الصحافي المعلم عما حدث فعلا بعد ذلك ( وعما عايشت أنا جزءا منه في صحيفة الشعب المصرية) حين كانت الشركات المعلنة في الصحيفة تعاقب عقابا صارما وتحرر لها المخالفات وتغلق إداريا.. وكانت شركات التوزيع كذلك تهدد.. كما كان السوق نفسه يدرس.. فالمنطقة أو الحي الذي يشترى ألف نسخة يرسل الموزع إليه مائة.. والذي يشترى مائة يرسل إليه ألفا.. هذا كله فضلا عن الأوامر التي تصدر إلى موزعي الصحف بإخفاء الصحيفة تحت أكداس من الصحف الأخرى..

وعلى افتراض صحة مقاييس هيكل فليست الكفاءة وحدها هي السبيل إلى النجاح.. والمحزن أنني أذكره بما كتبه هو نفسه عن صناعة النجوم بالتزوير والدجل والدعاية والإعلان.. وكان هو يقصد السادات.. أما أنا فأعترف أنني أقصده!.

غفر الله لك يا هيكل!!..

يستطرد هيكل:

" لما نشأت حركة الإخوان المسلمين كانت موجودة فيه فكرة الحركات الشمولية أو الحركات الشاملة كانت موجودة بصراحة كده كانت موجودة في الأحزاب الشيوعية كانت موجودة في الأحزاب الفاشيستية، فكرة التعبئة الشامة كانت موجودة وأظن كان هذا ليس بعيداً عن تفكير الأستاذ حسن البنا لا في فكرة التنظيم الشبابي القوي القادر على الطاعة ولا في فكرة المصحف والسيف لأنه المصحف والسيف والنظام السري اللي بيقوم بالاغتيالات أو بيقوم بضرب أعداء الدعوة هذا يقود إلى طريق لا نهاية له.."..

يتحدث هيكل عن التنظيم السري ( وصحة الاسم هو التنظيم الخاص والفارق لا يمكن أن يخفى على هيكل والخلط متعمد) كما لو كان عارا لحق بالإخوان ولن يمحى أبدا..

'يتجاهل هيكل:' ( واحد من أهم عشرة كتاب في العالم.. لكن أي عالم) أن مثل هذه التنظيمات كانت طابع العصر كله.. ليست قوى الجهاد والمعارضة فقط.. بل والحكومة أيضا.. ألم يكن للملك تنظيم الحرس الحديدي؟!.. يتجاهل هيكل أن التنظيم أنشئ أساسا للجهاد ( لم يكن الجهاد قد صار بعد – بفضل هيكل و آله – إرهابا)..و بغرض إخراج المستعمر الإنجليزي وقتال اليهود في فلسطين.

نعم .. في هذا التنظيم كانوا يربون عددا من الشباب بغرض القتال والشهادة في سبيل الله، في وقت تخلت فيه الحكومات عن هذا الواجب وانصاعوا للمستعمر الإنجليزي، وكانت القاهرة والإسكندرية من المراكز اليهودية المشتهرة التي تمهد لدولة إسرائيل، وفيهما يتم جمع التبرعات وترتيب سفر المهاجرين إليها. وكان مصطفى النحاس باشا يعجز عن إدراك أهمية قضية فلسطين عجزا مذهلا قائلا جملته الذائعة الصيت: أنا رئيس حكومة مصر ولست رئيس حكومة فلسطين"..

في ذلك الوقت كان اليهود يمثلون قوة اقتصادية ضخمة في مصر، فهم يسيطرون على تجارة القطن، ومصانع- النسيج، والمحلات التي يرتادها المصريون للشراء مثل شيكوريل وداود عدس وعمر أفندي وأوريكو وشركة بيع المصنوعات المصرية، وشركات ومصانع أخرى كثيرة، ويتحول جزء كبير من أرباحها التي يأخذونها من المصريين إلى دولة اليهود ولم تكن قد أنشأت بعد.

وكان هناك ما يسمى بالوكالة اليهودية التي تقوم على تنظيم شئون الدولة المزمع إقامتها في إسرائيل. وهذه الوكالة ترتب الأمور بين العصابات اليهودية المسلحة، مثل أرجون زفاي والهاجاناه وشترن وغيرها، والتي كانت كلها تنظيمات سرية مسلحة إرهابية تقوم بقتل شعب وسرقة وطن وتدمير أمة لكنها كلها لم تشتهر عند هيكل ولا عند العلمانيين كما اشتهر التنظيم السري للإخوان المسلمين!!.. فإن كان لديان أو إيبان أو بيجن أن يفكروا على هذا النمط فكيف يمكن أن يفكر به هيكل؟!..

هذه العصابات الإجرامية والتنظيمات السرية هي التي شكلت في مجموعها أخيرا- بعد خيبة العرب- جيش الدفاع الإسرائيلي.. وكان الطبيعي أن يتطور التنظيم الخاص للإخوان ليكون جيش الدفاع والتحرير الإسلامي.. فلعن الله من أنهكه ودمره.. سواء كان من العملاء المباشرين أم من القادة العسكريين أم من كبار الصحافيين!!

كان من أهم الدوافع لإنشاء التنظيم السري للإخوان المسلمين هو محاربة الإنجليز واليهود فابحثوا عن دوافع من حاربوه..

إلا أن الغريب والشاذ حقا.. هو أن هيكل وهو يتحدث بمنتهى الازدراء والإهانة عن التنظيم الخاص للإخوان.. يتجاهل بصورة تتنافي مع الكرم والمروءة وأبسط مقتضيات الصدق.. أن كل الضباط الأحرار عدا زكريا محيي الدين وجمال سالم كانوا أعضاء في التنظيم الخاص!! وتلك واقعة يعبرها هيكل بقدرة مذهلة على الكذب مدعيا أن الأمر كان مجرد عملية استكشاف!!.. وكأن الاستكشاف يقتضي بيعة على المصحف والمسدس من تداعياتها الاستشهاد للبطل أو الإعدام للخائن!..وكأنما الاستكشاف يستغرق خمسة أعوام من حياتهم.. خمسة أعوام انتهت بأحداث ثلاثة مكنتهم من الاستيلاء على التنظيم:

الحدث الأول كان حل جماعة الإخوان المسلمين في في 8 ديسمبر 1948.

والحدث الثاني كان اغتيال الشهيد – إن شاء الله- حسن البنا في 12 فبراير 1949.

والحدث الثالث(1950) كان وفاة المرحوم محمود لبيب الذي كان يعرف وحده كل أسرار التنظيم وكل أعضائه وكان هو الذي ضم الضباط الأحرار إلى التنظيم الخاص (أو السري بلغة هيكل) .. وبموت محمود لبيب بعد الحل والاستشهاد سقط التظيم في يد أصحاب هيكل.. ليصبح من حق هيكل بعدها أن يقول – في جرأة على الحق ليس لها مثيل- أن التنظيم كله لم يبدأ إلا عام 1949‍‍..

يقول الأستاذ أحمد رائف: كانت التنظيمات السرية أو الخاصة هي سمة العصر ( دعنا من التنظيم الطليعي لا رحمه الله) .. وكانت هذه الصيغة من العمل السياسي ضمن ثقافة المجاهدين على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم وعقيدتهم. ومعظم رؤساء الوزارات في النصف الأول من القرن العشرين أنشأوا أو كانوا ضمن جمعيات سرية في مصر. وفي تلك الفترة كان جميع الوطنيين ينشطون نظاما سريا بغرض مقاومة الاستعمار الإنجليزي والحكومات العميلة، وقد رأينا جمال عبد الناصر وهو يحاول قتل حسين سري عامر باشا ويفشل، ومن قبله نجح أنور السادات ومن معه في قتل أمين عثمان باشا، ثم رأينا محمود العيسوي رحمه الله يقتل أحمد ماهر باشا رئيس الوزراء .

بل.. ألم يكن تنظيم الضباط الأحرار نفسه – بمواصفات هيكل- تنظيما سريا..

فلماذا يتحدث هيكل إذن بهذا الازدراء كله عن التنظيمات السرية؟‍‍!.

فلنمخر عباب بحار شهادة الزور مع هيكل:

يصف هيكل اللقاء الثاني بالإمام الشهيد بنفس الطريقة المتعالية المزدرية:

اللقاء اللي بعد كده مع الأستاذ حسن البنا كان لقاء في منتهى الغرابة لأنه كان لقاء في مكتبي ( ولاحظ: الإمام هو الذي يسعى إليه).. اللقاء ده كان أنا في الفترة ما بين ما شوفته أول مرة ولما شوفته المرة الثانية كانت حصلت أشياء كثير جداً، حصل نمرة واحد عمليات ضرب ما تصور الإخوان المسلمين أنه مفاسد في الأرض فضربوا محلات سينما، ضربوا محلات بيع، ضربوا محلات قالوا بيملكوها اليهود..

سوف نتوقف هنا قليلا كي نكشف لماذا يكذب هيكل وكيف يكذب!!..

وسوف نعيد قراءة ما قال: ضرب ما تصور الإخوان المسلمين أنه مفاسد في الأرض فضربوا محلات سينما، ضربوا محلات بيع، ضربوا محلات قالوا بيملكوها اليهود..

ولاحظ أيها القارئ كلمات مسمومة مثل: "ما تصوروا" ..إذ يصور هيكل الأمر على أننا لا نعيش إذن مع وقائع وحقائق بل خيالات و أوهام.. لكن هيكل النبيل المتسامي المتعالي لا يسمي الأشياء بأسمائها رأفة ورقة وحرصا على عدم جرح مشاعر الإخوان رغم دمويتهم وخيالاتهم و إرهابهم الذي جعلهم يضربون محلات بيع( ولاحظ أن هيكل ذكر كلمة " بيع" وصمت فلم يقل لنا بيع ماذا؟!..كما أن إرهابهم ذلك دفعهم إلى ضرب محلات قالوا بيملكوها اليهود..هم الذين قالوا.. الإخوان هم الذين قالوا.. وما دام الإخوان هم الذين قالوا فلابد أن الأمر يندرج تحت باب التخيل والتصور والأوهام بل والتخريف والشعوذة..

هذا هو السياق الذي يدفعنا إليه هيكل..

ودعونا نقارن ذلك بما حدث فعلا..


لنكمل أولا الكلمة التي حذفها هيكل عندما تحدث عن قيام الإخوان بضرب محلات بيع.. ولم يكمل..

هيكل.. العفيف الصادق الشريف حذف كلمة الخمور.. فما تم تحطيمه كان هو محلات بيع الخمور..

و هيكل.. العفيف الصادق الشريف لم يذكر أن من بدأ بتحطيم الحانات لم يكن شباب الإخوان المسلمين.. بل كانوا شباب مصر الفتاة.. ولا يمنع هذا من أن شبابا من الإخوان انضم لهم بعد ذلك دون تخطيط مسبق.. بل كان رد فعل طبيعي من شباب متدين في بلد مسلم.. ولكم كان الإمام الشهيد مصيبا عندما حمل الحكومة المسئولية قبل الذين فعلوه، فالحكومة قد استفزت الناس بانتشار هذه الحانات في بلد المفروض أنه مسلم ومحتل من الإنجليز، واليهود على حدوده يقيمون دولة، فكان يجب على الحكومة أن تراعي مشاعر الناس.

ولقد تحدث العفيف الصادق الشريف عن ضرب ما تصور الإخوان المسلمين أنه مفاسد في الأرض فضربوا محلات سينما، ضربوا محلات بيع، ضربوا محلات قالوا بيملكوها اليهود.

تحدث هيكل عن هذا كله بغموض وشمول لا يليقان بصحافي مثله..

بيد أنه لم يكتف بالغموض والشمول.. إنما أغفل بعض الأحداث من الأصل لأنها لا تخدم غرضه بل وقد تهدم الصورة التي يزورها..

لم يتحدث هيكل عن ضرب قطار الشرابية مثلا ولا تفجير مقر المخابرات البريطانية في الاسماعيلية ( في فندق الملك جورج) فالثغرة هنا واسعة جدا ولم يكن الكذب قادرا على سد تلك الثغرة..

كانت القوات الإنجليزية تنتقل إلى فلسطين من مصر في قطارات لقمع مظاهرات الفلسطينيين، ولدعم الجمعيات اليهودية المسلحة. وكان القطار يمر بمنطقة الشرابية في القاهرة، حيث تم تفجيره، واهتزت الحكومة والدوائر الإنجليزية، وتلقى الشعب المصري والعالم العربي هذا الحادث بسرور بالغ. وكانت هذه العملية الفدائية و أمثالها سببًا في خروج الإنجليز من القاهرة.

هيكل.. العفيف الصادق الشريف لم يتحدث عن ذلك ولا عن مظاهرات الطلبة التي جسدت ضمير الأمة ولكنه تحدث عن ضرب محلات "قالوا بيملكوها اليهود"..

ولم يكن هذا يليق.. فللإخوان أن يقولوا كما يشاؤون ولكن أين موقف الصحافي الأشهر.. أين تدقيقه وتحقيقه.. أين كشفة للحقائق المخفية.. أين تمزيقه لستائر التزوير.. لماذا لم يقدم لنا هيكل وهو المغرم بالإحصائيات والوثائق كشفا يفضح الإخوان أمام العالم.. لماذا لم يكذّب لنا مثلا مزاعم الإخوان الذين فجروا شركة الإعلانات الشرقية بشارع جلال، على مقربة من شارع عماد الدين بالقاهرة، لماذا لم يثبت لنا عكس ما ذهب إليه الإخوان الذين ذهبوا إلى أنها كانت مركزا من أهم مراكز النشا ط اليهودي في مصر، ففيها تعقد الاجتماعات وتجمع الأخبار تحت ستار الصحافة والإعلان..

من حق هيكل أن يختلف مع الإخوان ما شاء له ضميره وعقله ودينه.. ولكن.. ما ليس من حقه هو أن يكذب أو يتخيل هو أو يتصور..

من حقه أن يرفض على سبيل المثال ما قام به الإخوان المسلمون في يوم 20/6/1948 حين فجر قسم الوحدات عربة يد محملة بالديناميت والعبوات الناسفة في حارة اليهود بالقاهرة. وكان هذا بعد إعلان دولة إسرائيل بخمسة وثلاثين يوما، ثم عاد قسم الوحدات في 22/9/1948 وفجر عربة أخرى في نفس المكان. ثم قاموا بتفجير عربة أخرى ممتلئة بالمتفجرات أسفل محل شيكوريل في 19/7/1948..وكانت حوادث الانفجار في المحلات اليهودية تعبر عن السخط الشعبي للمذابح اليهودية ضد العرب المسلمين من أهل فلسطين، والتي كانت في ذلك الوقت قائمة على قدم وساق. أما شيكوريل وغيره من المحلات التي يملكها اليهود فكانت تمد إسرائيل بالمال الذي يشترون به السلاح، وحدثت انفجارات مماثلة في محلات داود عدس وبنزايون اليهودية أيضا، وألقي أحدهم قنبلة يدوية على مبنى شركة أراضي الدلتا بالمعادي.

كان من حقه أن يرفض و أن يشجب و أن يستنكر لكن لم يكن من حقه أن يقول أن الإخوان " "قالوا بيملكوها اليهود"..

لكن .. ماذا تقول الحقائق التاريخية إن كانت تهم الأستاذ هيكل؟!..

يجيب على سؤالنا الأستاذ أحمد عادل كمال (الإخوان المسلمونوالنظام الخاص، الزهراء للإعلام العربي والذي يشكل مع كتاب الأستاذ أحمد رائف  :" ناصر 67: سنوات القهر والهزيمة وهذا مرجعا رئيسيا لهذه الدراسة) أحد قادة هذا النظام ومؤرخيه أمثلة لمثل الأماكن التي رصدها الإخوان أو كانوا بصدد استهدافها :

1-مصانع نسيج القاهرة.

الرئيس: محمد خطاب بك.

الأعضاء: إميل عدس- بيير ديبرمان- رولان لينين- ميبينو يوسو- موريس يوسو- يوسف زكار- راؤل هينكارت.

2-شركة النيل للمنسوجات

الرئيس: هنري دي بيشمينو.

نائب الرئيس: عبد الرحمن البيلي.

الأعضاء: لوسيان دي بيتشينو- جوزيف دانوري- إيلي بصري.

3-شركة النسيج والحياكة المصرية.

الرئيس: حسن مظلوم باشا.

الأعضاء: جاستون عدس- هنري كريشنسنكي- أصلان قطاوي - لينون جاسن- موريس صبري- سيمون رولو- رالف هراري- كليمان عدس- إميل عدس.

4-شركة البيرة المساهمة بومنتي والأهرام.

الرئيس: رينيه إسمعلون.

الأعضاء: جورج آرثر مارتن- ستيهر- بير جزنبرجر- جال فيكتور مورينو- محمد فرغلي باشا.

5-الشركة المصرية للمواسر والأعمدة المصنوعة من الأسمنت المسلح.

الرئيس: موريس موصيري.

الأعضاء: هنري برسيلون- فيتا فرحات- هنري كرشفسكي- رالف هراري- إدوارد هيلر- السر الكسندر لويد- حسين سعيد بك.

6-شركة الطوب الأبيض الرملي.

الرئيس: إرنست ترمبيلي.

الأعضاء: يعقوب رسكوب- بوركهات- حمصي- علاء الدين مختاربك.

7-شركة مكابس الإسكندرية.

الرئيس: على أمين يحمس باشا.

الأعضاء: ماسيل ميكوه- أرمان نعمان- فيكتور طوربيل- ربمون أرقش- وليم موستاكي- جوزيف باردا- دافيد شيكوريل- ليون شيكوريل.

8- حسن رفعت باشا : وهو تقرير طويل عن عميل للإنجليز واليهود معا.. والخطير في الأمر أن حسن رفعت باشا كان قبل ذلك وكيلا لوزارة الداخلية .

9- مثال آخر من مضبوطات ما سمي بقضية السيارة الجيب، حيث وجد فيها رسم تخطيط بالقلم الكوبيا يشمل السفارتين البريطانية والأمريكية بقصر الدوبارة وعليه بعض التأشرات بالخطوط والأسهم بالقلم الرصاص الأحمر ومكتوب بالقلم الحبر الأسود بعض إيضاحات عن مواضع معينة وشرح بعض هذه العبارات إلى مواضع أسلاك التليفون، وأنه لا يمكن تعطيلها بصهر أو قطع اللحامات الموجودة داخل حجرة يمكن فتحها بسهولة، وقد عثر على هذه الورقة بالحافظة التي ضبطت مع مصطفي مشهور .

كانت الأمثلة السابقة نموذجا من مضبوطات السيارة الجيب، وكانت مثارا تصايح العلمانيون كثيرا به كدليل على إرهاب الإخوان المسلمين، وهي جزء من نشاط يدعو إلى الفخر لا الخجل، فعندما عجزت آليات الدولة عن الفعل تقدم أشد قطاعاتها حيوية ليقوم بما عجزت أجهزة الدولة عن فعله. ولعل القارئ يلاحظ أن جل هذا النشاط موجه لنشاط اليهود وتتبع حركاتهم ونشاطهم السري الداعم لإسرائيل، وكذلك رجال البوليس السياسي المصري الذين يتبعون السفارة الإنجليزية في حقيقة الأمر. كانت نماذج من الأوراق التي تم اكتشافها فيما سمي بقضية السيارة الجيب حيث ضبطت السيارة الجيب يوم 13 نوفمبر 1948 و كانت مشحونة بأوراق ومستندات لهما علاقة بالتنظيم الخاص للإخوان المسلمين. وظهرت دعايات وصمت الإخوان بالإرهاب بسبب ما وجدوه من معلومات وأوراق في هذه السيارة.

كانت النماذج العشرة التي أوردناها مجرد نموذج مما جاء في هذه الأوراق..

كانت مجرد نماذج..!!

وكانت كلها مشرفة.

ولعل هيكل يسمح لنا الآن أن نسأله: هل هؤلاء هم من كان يعنيهم عندما تحدث عن: "قالوا بيملكوها اليهود"..

لقد قام التنظيم الخاص أيضا بتفجير ما سمي بقنابل عيد الميلاد حيث كان جنود جيش الاحتلال يقضون الليل في السكر والعربدة في الحانات والكباريهات في وسط القاهرة، وكانوا يطاردون الفتيات ويهتكون أعراضهن بينما يقوم البوليس المصري يحرسهم ويعمل على حمايتهم.

وقرر الإخوان المسلمون أن يمروا على هذه الأماكن في مجموعات مع كل مجموعة منهم قنبلة شديدة الانفجار تحطم الواجهة الزجاجية للحانات ودور البغاء وتقتل ما شاء الله لها أن تقتل، وشاء الله أن يتم تفجير آخر لم يخطط له الإخوان في النادي المصري الإنجليزي قبل موعد تفجيرات الإخوان بساعتين ، وفوجئ الإخوان الذين ذهبوا للاحتفال بعيد الميلاد على طريقتهم أن الشرطة في كل مكان، وكان ضباطها كالمجانين في الشوارع، يتلفتون يمينا ويسارا والقنابل تنفجر هنا وهناك، وسقط الإنجليز قتلى. و كانت شبه مذبحة.

ومن حق هيكل أن يرفض كل هذا لكن من واجبه أن يرويه خاصة عندما يتحدث بغموض عن إرهاب الإخوان المسلمين!.... يتحدث بغموض " ربنا أمر بالستر" رغم أن الأمر أمر عفة وعزة لا موقف خيانة وخسة..

وكان على هيكل أن يقول لناس أن مثل هذه الحوادث حدثت عشرات المرات في العالم ضد المحتل  : لكنهم قالوا عن الخواجات إنهم أبطال وقالوا عن الإخوان – عندما قاموا بنفس الفعل- إنهم إرهابيون.

في تلك الليلة اشتبه ماهر رشدي حكمدار بوليس العاصمة في شابين يسيران متجاورين في شارع عبد الخالق ثروت، وكانا للأسف نفيس حمدي وحسين عبد السميع والذي كانت قنبلته في جيبه لم يلقها بعد، كانت التهمة الموجهة لهما مجرد شروع لم يتم، وكان مطلوبا للحكم في القضية قاض من قضاة النار، قاض إنجليزي الطبع والروح والولاء، ويكون قاسيا في أحكامه السياسية ضد الوطنيين الذين يقاومون المستعمر، وكان المستشار أحمد الخازندار يحمل الصفات المطلوبة. كان قاضيا ورئيسا لمحكمة استئناف الإسكندرية، كان شديد القسوة في الحكم على أي عملية جهادية ضد الإنجليز شديد التراخي في جرائم الجنايات مهما بلغت بشاعتها.. وعلى سبيل المثال فقد مثل أمامه السفاح الشهير في الإسكندرية في ذلك الوقت حسن قناوي ، والذي قتل سبعة من الأطفال الصغار بعد أن اعتدي عليهم جنسيا، وقد كانت هذه القضية الأخيرة من القضايا الساخنة التي انشغل بها الرأي العام في مصر في ذلك الوقت. وحكم عليه الخازندار بالسجن سبع سنوات. وأثار هذا الموقف الرأي العام واستبشعوا حكم القاضي على الوطنيين الذين نالتهم أقصي العقوبة وعلى السفاح القاتل الذي لم يصبه شيء بجانب ما فعل.

وسرعان ما صدر الأمر بنقل أحمد الخازندار بك من الإسكندرية إلى القاهرة ليتولى القضية المتهم فيهانفيس حمدي وحسين عبد السميع وعبد المنعم عبد العال أبطال ليلة عيد الميلاد والمتهمون بإلقاء القنابل على عسكر الإنجليز وقد عرفوا أن القاضي يحب الإنجليز ويكره الوطنيين، بدليل ما فعل ، وأثناء دفاع المحامي عن المتهمين نفى تماما أن يكون هؤلاء الشباب قد ألقوا قنابل من أي نوع في أي مكان، وقال الأستاذ المحامي: ولكن على سبيل الاحتياط لو أن المتهمين فعلوا ذلك فما هو الدافع لمثل هذا العمل؟ إنه دافع وطني شريف، فهم يحررون البلاد من دنس المستعمرين الإنجليز. وهنا انتفض أحمد الخازندار من فوق المنصة وسار يدقها بقبضته، ويصيح في المحامي المترافع قائلا:

"كلام فارغ إيه اللي بتقوله ده يا أستاذ دول- يقصد الإنجليز- مش محتلين دول حلفاء بيدافعو عنا بموجب معاهدة الشرف والاستقلال. لا ده كلام فارغ محبش أسمعه ".

وهو بهذه المقولة كأنما أدان المتهمين قبل أن ينظر القضية، وقد أخذ منهم موقفا وما كان ينبغي له ذلك، ورغم عدم ثبوت التهمة على المتهمين الماثلين أمامه فقد أصدر حكمه على حسين عبد السميع بالحبس ثلاث سنوات وعلى عبد المنعم عبد العال بالسجن خمس سنوات وبرئ نفيس حمدي.

هذا الأمر استثار الشباب في مصر كلها الإخوان وغير الإخوان، وفكرت مجموعة من الإخوان في قتل أحمد الخازندار بك انتقاما للأطفال السبعة الذين اعتدي عليهم وقتلوا ولم يثأر لهم، وخوفا على الوطنيين الذين قد يمثلون أمامه في القضايا الوطنية التي كانت كثيرة في تلك الأيام.

ودون علم المرحوم حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمون في ذلك الوقت اتفق عبد الرحمن السندي مع حسن عبد الحافظ ومحمود سعيد زينهم أن يقوما بعملية اغتيال أحمد الخازندار بك. وبعد الاغتيال تم إلقاء القبض عليهما وقدما للمحاكمة، وحكم عليهما بالأشغال الشاقة المؤبدة، وصدر الحكم في 22 نوفمبر 1948.

الإعلام غير النزيه، غير العفيف وغير الشريف يقدم لنا الحادث بصورة مخلة مختلة يبدو المستشار أحمد الخازندار فيها تجسيدا للعدالة المجردة و أن اغتياله اعتداء أثيم على العدالة في معناها المجرد.

هيكل أيضا يقدمه بطريقة: " ربنا أمر بالستر"..

لم يكن الأمر كذلك, كان مجرد عميل للإنجليز و أداة بطش في أيديهم ضد المجاهدين.. ونحن لا نقول ذلك لكي نسوغ قتله أو نبرره، ولكن على من يدينون الفعل أن يدينوا بنفس القوة والعنف محمود العيسوي الذي قتل أحمد ماهر باشا، و أنور السادات الذي قتل ورفاقه أمين عثمان باشا، وجمال عبد الناصر الذي حاول قتل حسين سري عامر باشا، و إبراهيم لورداني الذي قتل بطرس غالى باشا رئيس الوزراء. وقبل هذا كله علينا أن ندين القتل الذي تقوم به الدولة خارج إطار القانون أو داخل إطار مزور مصطنع.

لقد حدثنا هيكل عن قضية السيارة الجيب وقضية مقتل الخازندار لكنه لم يذكر لنا إلا ما يناسبه ويناسب الفكرة التي يريد أن يخدع الناس بها، إن الذكر المبهم للقضيتين يستفز الناس.. أما التفاصيل فهي تؤدي إلى العكس تماما تماما.

لم يقل لنا هيكل على سبيل المثال أن قضية السيارة الجيب قد أحيلت إلى محكمة مدنية، برئاسة المستشار أحمد بك كامل، وكان قد اتهم فيها أكثر من ثلاثين شخصا، منهم عبد الرحمن السندي، و مصطفى مشهور، و محمود الصباغ، و أحمد حسنين، و أحمد زكي وغيرهم. وكان الجو السياسي قد تغير، بعد سقوط حكومة إبراهيم عبد الهادي، وكانت فرصة ليصول فيها المحامون الإسلاميون والوطنيون، أمثال مختار عبد العليم، وشمس الدين الشناوي، وعبد المجيد نافع، وعزيز فهمي، وأحمد حسين وغيرهم. وأن تسمع شهادات رجال كبار مثل اللواء المواوي، واللواء فؤاد صادق وغيرهما.

ولم يذكر لنا هيكل شيئا عن الحكم الذي أصدرته المحكمة، والذي برأ أكثرية المتهمين، وحكم على أفراد قليلين منهم بأحكام مخففة، ما بين سنة وثلاث سنوات، ولكن الشيء المهم في الحكم أنه أنصف الإخوان بوصفهم جماعة إسلامية وطنية. وأبرز دورهم الوطني والجهادي في مصر و فلسطين، ودورهم الثقافي والاجتماعي في خدمة مصر، ثم كانت المفاجأة أن انضم رئيس المحكمة المستشار الكبير أحمد كامل بعد ذلك إلى الإخوان، ونشرت ذلك الصحف بالخط العريض: حاكمهم ثم انضم إليهم!

لم يذكر لنا هيكل الشريف المنصف العفيف ذلك.. ولم يذكر لنا أيضا هل أكمل المتهمون في قضية السيارة الجيب وقضية الخازندار الأحكام المحكوم بها عليهم أم لم يكملوها.. لم يذكر لنا ذلك.. لأنه لو ذكره لاضطر للاعتراف بأن الحكم في القضيتين قد ألغي.. وكان سبب الإلغاء في قضية الخازندار أنه كان عميلا للانجليز.. أما من أصدر القرار فقد كان: جمال عبد الناصر!!..

هل يمكن نتصور أن يقف أولمرت معترفا:

- نحن مجرمو حرب ارتكبنا من الجرائم الوحشية ما يندى له جبين البشرية، و إن ضمائرنا لم تعد تحتمل بعد أن ناءت تحت أوزارنا وجرائمنا وقدرتنا على إلباس الحق ثوب الباطل و الباطل ثوب الحق، ثم نحن أيضا لصوص سرقنا دولة ومزقنا شعبا و أذللنا أمة، و أننا الآن نعود إلى الحق ونتوب فتعالوا خذوا أوطانكم..

هل يمكن ذلك؟!

هل يمكن أن نصبح لنفاجأ بجورج بوش على شاشات التلفاز في العالم يعترف:

-أنا أكثر الرؤساء إجراما لأكثر الحكومات إجراما في التاريخ.. إنني أعتذر و أرجع كل حق نهبته بلادي و أعترف بخطاياي..

لو جاز هذا أو ذاك لجاز أن نتوقع أن يأتي محمد حسنين هيكل ليعترف:

-أعترف أن الثورة تصرفت بمنطق العصابات.. سطونا على تنظيم كان جاهزا كما يسطو أي لص على بيت مات أصحابه أو غيبوا في السجون ونجحنا في تزوير مستنداتنا بملكية البيت بل وقتلنا صاحبه حين خرج من السجن الذي سجنوه فيه ظلما وعدوانا..

لو جاز أن يفعلها إيهود أولمرت وجورج بوش لجاز أن يفعلها محمد حسنين هيكل..

لو .. حرف امتناع لامتناع!!

في الطب، وبالتحديد في علم الجراحة، تعتبر أصعب العمليات الجراحية، ليست الأعقد ولا الأخطر، فهذه وتلك توضع لها الخطة الجراحية المناسبة بعد إجراء الدراسات المعملية والإشعاعية والإجرائية الكاملة، أما العمليات الأصعب، فهي ما يطلقون عليه في علوم الجراحة: العمليات المرتجعة، وهي تلك العمليات الجراحية التي يعاد عملها بعد أن أجراها جراح سابق، فلم تنجح. ومهما بلغت بساطة العملية المرتجعة فإنها تمثل تحديا خطيرا لمهارة أي جراح، خاصة حين لا يتوافر تقرير طبي صريح وصادق كتبه الجراح الذي أجرى العملية الجراحية الأولى. يزيد الأمر صعوبة، أن يحاول الجراح الأول، إخفاء معالم خطئه أو جريمته، و إنقاذ نفسه من الملاحقة المتوقعة، فيكتب تقريرا لإخفاء الحقيقة لا لإظهارها، بل ويلجأ إلى التمويه والتزوير والكذب لينقذ نفسه، أو على الأقل ليدافع عن تشخيصه ووجهة نظره وخطته في العلاج التي أثبتت الأحداث والزمن فسادها. و أسوأ ما في الأمر أن ذلك الجراح الذي يتصدى لتلك العمليات المرتجعة يقدم على العملية وهو لا يعرف ماذا سيجد.. بل قد يكتشف في كل خطوة وكل ثانية أن الوضع يزداد سوءا.. والأخطر أن يجد أنه حتى لوحاول التراجع والاكتفاء من الغنيمة بالإياب لما استطاع.

لقد ذكرني هيكل بروايتين عظيمتين أولاهما هي الصخب والعنف للكاتب الأمريكي: وليم فوكنر والثانية هي رواية أفراح القبة لنجيب محفوظ. في الروايتين يروي نفس الأحداث أربعة من أبطال الرواية، وقد يتفق راويان في كل كلمة إلا في جملة واحدة، لكن هذه الجملة تقلب المعنى كله.. تجعل المجرم بريئا والبريء مجرما.. تلبس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق. في الروايتين تتبدي عبقرية الكاتبين.. تماما كما تتبدى عبقرية محمد حسنين هيكل في قلب أحداق التاريخ بإغفال جملة أو إضافة جملة.

في نفس السياق لم أغفر لحسن الإمام أبدا أنه مسخ بعض أعمال نجيب محفوظ العظيمة.. لقد حول كمال أحمد عبد الجواد – الذي يمثل نجيب محفوظ نفسه – إلى مسخ شائه ومعقد في فيلم السكرية كما حول عمر الحمزاوي إلى مجنون في فيلم الشحاذ ليصوغ من آلام الوجود الهائلة قفشات وضيعة يصفق لها جمهور الصالة..

هل لي أن أقول أن هيكل فعل بالإخوان المسلمين وبإمامهم الشهيد ما فعلة فوكنر ومحفوظ في روايتيهما وما فعله حسن الإمام في فيلميه؟!..

وهل لي أن أقول أن مسئولية هيكل عن إفعال عبد الناصر إنما هي كمسئولية نجيب محفوظ عن تصرفات أحمد عبد الجواد. نعم :ان هيكل هو المخرج وكان عبد الناصر بطل الرواية.. أما المؤلف فقد كان بعيدا بعيدا وكان هيكل رسوله إلينا.. أقول رسوله فقط.. ولا أقول كما قال هو : رسول الشيطان.

-وكنا شرذمة قليلة سبقت وبزت لأنها أسقطت من حساباتها القيمة التقليدية للصدق والضمير.. فعلنا كل ما يمكن أن يفعل للاحتفاظ بالسلطة.. كان المسلمون هم الخطر الرئيسي ولذلك كان علينا أن نسحقهم سحقا.. كان علينا أن نقتل قياداتهم.. و أن نذل أسرهم ليكونوا عبرة.. و أن نطلق عليهم كل ما يمكن تصوره من الأكاذيب.. كان القتل الجسدي والمعنوي هو الهدف.. بالنسبة للوفديين كان قليلا من التهويش يكفي لانسحابهم.. أما الشيوعيين فقد نكلنا بهم.. لكنه لم يكن تنكيل إبادة كما فعلنا مع الإخوان المسلمين.. كان تنكيل ترويض.. كنا نحتاجهم - بعد الترويض- كخدم ورواد للإعلام القذر الذى لا يتورع عن كذبة مهما كانت هائلة ولا عن نقيصة مهما كانت كبيرة خاصة عندما نطلقهم ككلاب الصيد ضد الإخوان المسلمين.. أعترف بهذا كله.. و أقر بالحق.. كان الإخوان المسلمون على حق وكنا على باطل.. كانوا يقولون الصدق وكنا نكذب..كانوا هم السبيل الوحيد الممكن لانتصار محتمل وكنا السبيل المؤكد للهزيمة والخراب.

أعترف أن محمد حسنين هيكل يمثل بالنسبة لي خيبة أمل مرة..فقد كنت أدرك دائما وجود مساحة واسعة من الاختلاف بين اقتناعاتي واقتناعاته، لكنني كنت أحترم الرجل و أحترم منهجه و أسلوبه وثقافته، وكنت أتصوره يعاني مثلنا ويقبض على الجمر ويدفع بشجاعة ثمن مواقفه واقتناعاته، ولم يكن يهمني بعد ذلك اتفاقنا، وكان اختلاف الرؤى لا يفسد للود قضية، وظل الأمر كذلك أعواما طويلة، كانت مساحات الخلاف فيها تتسع.. وشقة الاختلاف تزيد.. لكنني ظللت على تقديري للرجل.. وهو تقدير كنت أجعل وزر الخلاف فيه علىّ لا عليه.. وذلك بمنطق: التمس لأخيك سبعين عذرا.. فإن لم تجد فالعيب فيك!!.. ولقد التمست له مئات الأعذار ولم أجد فأنحيت باللائمة على نفسي!!

لم أجد له عذرا في الصمت على التعذيب..

ولم أجد له عذرا في تشويه الشرفاء بالباطل لا بالحق..

ولم أجد له عذرا في موقفه المخزي و المشين من الإخوان المسلمين..

لم أجد له عذرا في الإساءة إلى الرجل القرآني حسن البنا.. ولا عذرا في مساهمته بالصمت في قتل الشهيد سيد قطب..

ولم أجد له عذرا عندما امتلك الشجاعة ليتحدث عن الجاسوس الإسرائيلي : هنري كوريل.. وهذا جميل.. لكن القبيح حقا ألا يتطرق أبدا إلى العلاقة الوثيقة التي كانت تربط ما بين جمال عبد الناصر وهنري كوريل .. وذلك منصوص عليه في كتابات كبار كهنة الناصرية كثروت عكاشة و أحمد حمروش..

ولم أجد له عذرا قبيل النكسة ولا بعيدها..

ولم أجد له عذرا في تلك الطريقة العبقرية التي أخرج بها مسرحية التنحي عام 67 مقارنا بما حدث أيامها، حين لم يكد يكذب الواقعة أحد، بما حدث منذ أسابيع قليلة في صنعاء، حين لم يكد يصدق مسرحية التنحي أحد، والفارق بين الموقفين يصب في مصلحة قدرات بل وعبقرية هيكل، لكنه في الوقت ذاته، يضعه على قمم شاهقة لجبال اسمها جبال الكذب..

وكنت أبحث عن العيب في نفسي من ناحية و أظل على احترامي لاختلافه من الناحية الأخرى..

ومنذ أعوام تنبهت مصعوقا إلى خاصية شديدة الغرابة في حكايات محمد حسنين هيكل .. خاصية تهين ذكاء كل من أعجب به، ذلك أنه لا يروي التاريخ بمنهج أكاديمي رغم أنه يستعمل كثيرا من الوثائق، لكن تناوله للتاريخ انطباعي، ثم أن انطباعيته ليست صادقة بل هي انتقائية تحاصر الرواية التاريخية كي تسير في طريق ذي اتجاه واحد. إنه طريق مواز للطريق الذي تسير فيه السياسة في النظام الشمولي الطاغوتي.. وهو نظام شارك فيه هيكل.. سلبا و إيجابا وفكرا وفعلا. في النظام الطاغوتي تكون الحقيقة – أو على الأحرى ما يزعمون أنها الحقيقة- ذات وجه واحد هو الوجه الذي يحدده الزعيم الملهم.. وأي خروج على ما يراه الزعيم خيانة عظمى ورجعية وعمالة وعداء للوطن.. لا توجد وجهات نظر مختلفة.. ولا يوجد مجرد احتمال لـ:" رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأيهم خطأ يحتمل الصواب".. لا توجد احتمالات على الإطلاق..

نعود إلى الطب مرة أخرى.. في الامتحانات.. من أول البكالريوس وحتى الدكتوراه يرسب الطالب على الفور لو فحص المريض وكتب تشخيصا واحدا حتى لو كان هذا التشخيص صحيحا .. وهو في حالة التشخيص الصحيح يرسب لخطأ في منهجه.. لابد أن يكتب الطالب كل التشخيصات المختلفة الممكنة ثم يروح يثبت أو ينفي حتى يصل إلى التشخيص المحتمل ثم يطلب الفحوصات التي أجريت للمريض لكي يصل بها إلى التشخيص النهائي.. ولكن هذا التشخيص النهائي ليس نهائيا تماما.. إنما يحتاج إلى مراجعة بعد العلاج أو إجراء العملية مثلا ومقارنة التشخيص بما وجد فعلا.

هذا مثال للمنهج العلمي في التفكير.. فاحكموا أنتم على هيكل يا قراء.

قلت لنفسي: في المعرفة كما في الحرب، يجب أن يكون لديك ربع معلومات خصمك كي تستطيع الدفاع السلبي، لكنك تحتاج أربعة أضعاف معرفته كي يمكنك تقويض حصونه وكشف ألاعيبه وفضح أكاذيبه.

لم أفطن إلا مؤخرا إلى هذه الخاصية في كتابات هيكل.. إنه يكتب كما لو كان يملك الحقيقة المطلقة.. و كما لو كان علمه شاملا وكليا.. لا توجد روايات مختلفة للحدث.. بل هي رواية واحدة من يقول بغيرها كاذب أو مأجور ( وفي أفضل الأحوال تتقلص شفتاه بطريقة : ربنا أمر بالستر.. ثم يلتزم الصمت تعففا وتساميا!!) .. إنه يرى كل شيء ويسمع كل شيء ويفهم كل شيء.. والأخطر أنه يصمت صمتا كليا عن الرواية الأخرى.. عما يراه ويسمعه ويفهمه الآخرون.. ولا يقتصر الأمر على الواقعة كحدث.. و إنما يتعدى ذلك إلى تفسيرها أيضا.. فليس ثمة إلا تفسير واحد للحدث هو ما يقوله هيكل.. وكل الاحتمالات الأخرى إما غبية وجاهلة في أفضل الأحوال أو خائنة وعميلة.

الطريقة التي يلجأ إليها هيكل في كتابة التاريخ تقود إلى منهج مدمر وخاطئ تماما مهما اعتمد على الوثائق وما يدعي أنه حقائق.. لأن الوثائق نفسها يمكن أن تقود إلى طريق خاطئ إذا لم يتوفر الضمير والعقل التحليلي النزيه في التعامل معها.. وليست الوثائق فقط.. بل إن المادة الخام للتاريخ نفسها قد تكون مضللة إذا تناولناها بمنهج غير صحيح، ولنضرب مثلا بما كتبه العماد الأصفهاني عن معركة حطين، إذ كتب يقول:"….ومن شاهد القتلى قال ما هناك أسير، ومن شاهد الأسرى قال ما هنالك قتيل.… ولقد رأيت في الحبل الواحد ثلاثين وأربعين فارسا يقودهم فارس، وفي بقعة واحدة مائة ومئتين يحميهم حارس ".

إن الحقيقة التاريخية هنا واقعة وصحيحة لكنها لا تكتمل إلا عندما نرى وجهها الآخر..

ونصف الحقيقة كنصف الشرف هراء وعار.. ذلك أنك إن قلت:" ما هناك أسير" أو قلت : " ما هنالك قتيل" .. فإن قولك للأولى أو للثانية لا يعنى أنك قلت نصف الحقيقة.. بل إن قولك بهذه الطريقة باطل كله.. حتى و إن احتوى على بعض الحق أو حتى على كثير من الحق.. وهذا ينطبق على كتابات محمد حسنين هيكل..

ينطبق هذا على عندما يكون بعض الحقائق أو حتى الكثير منها صحيحا فما بالنا إذا كانت هذه الوقائع مختلقة وباطله.

ثم إن لعب هيكل بحقائق التاريخ بتجريد الوسائل من الغايات يجعل من التاريخ عبثا لا يطاق ولا يفهم..

إن هيكل واحد من الحداثيين العلمانيين العرب.. ولست أنكر – رغم كل تحفظاتي- أنه واحد من أفضلهم.. إنه يتصرف كمواطن غربي بينما يتصرفون هم كالعبيد والجواري في انتظار المنح والعطايا. لكن مشكلة هيكل و أضرابه من الحداثيين العرب – كعبد الله العروي مثلا- أنهم مقتنعون أن المجتمعات العربية المسلمة لا يمكن أن تكون حداثية لأنها تلجأ إلي الغيب في معيشها اليومي!.. مشكلة هؤلاء.. أو مصيبتهم بل خيانتهم.. أنهم بدلا من أن يتعلموا الإسلام ليتواصلوا مع أمتهم يحاولون خلع أمتهم من الإسلام.. فالغيب عندهم هو المرفوض .. وهذه هي نقطة المفاصلة التي تحدد جهة انتمائهم.. معنا أم علينا..صديق أم عدو.. مفكر أم محتال..

نعم.. لا يدرك هذا المنهج المعوج في التفكير ما تملكه مجتمعاتنا من قوة مكنونة مثلا في نداء: " الله أكبر".. ولا يعني هذا أننا ننكر القوة التي تتحصل عليها المجتمعات من مصادر العلم والمعرفة والتخطيط والثروة والقوة ورباط الخيل.. لكننا في إيماننا بهذا كله لا ننسى إيماننا الأول.. بل ونجعل منه سياجا للثاني يمنعه من التجاوز والانحراف والإجرام.

.. بل لعلهم كانوا ممن شاهدهم الشهيد العظيم – إن شاء الله- سيد قطب حين كان مستلقيا فوق سريره في إحدى مستشفيات أمريكا ، فرأى معالم الزينة وأنوار الكهرباء الملونة وألوان الموسيقى الغربية والرقصات ، وتساءل الشهيد : ما هذا العيد الذي أنتم فيه؟ فقالوا: اليوم قتل عدو النصرانية في الشرق ، اليوم قتلحسن البنا ، وقد كانت هذه الحادثة كفيلة أن تهزه من أعماقه ، حسن البنا!! يحتفل بمقتله في داخل أمريكا ، إذن لا بد أن يكون الرجل مخلصا وأن تكون دعوته خطيرة حقا ، ترجف لسماعها أوصال الغرب هلعا واضطرابا..

أظن أن هيكل كان معهم بالوجدان لا بالزمان.. كان يحتفل معهم.. و أنه ما زال يرى في الفكر الإسلامي عدوا خطيرا للحداثة والعلمانية.. و إن استبدل شعار الإرهاب الإسلامي بشعار العداء للنصرانية.

نعم .. إن الإيمان بالغيب هو الذي يصنع الغاية ويحدد الوسيلة.. أما محق الغيب ونفي الطبيعة و إنكار الربوبية أو الألوهية فهي السبيل المؤكد لتحويل الإنسان إلى كائن بشع نصفه حيوان ونصفه شيطان..

لطالما سألت نفسي محاولا حل الأزمة التي سببها لي هيكل: ما هي مرجعيته؟ هل هي الإسلام؟.. لا.. فالدين عنده كيان غامض لا شكل له ولا مناسك ولا فرائض ولا سنن.. كيان غامض إن تعامل معه بجدية فإنه يفقد طهارته الحداثية ونقاءة العلماني على الفور.. وتساءلت: هل العروبة مرجعيته؟.. وقدمت لي لغته الدارجة العامية في حواراته ومحاضراته نصف الجواب على الفور.. أما النصف الأخر فقد قدمه لي ازدراؤه لنصف العرب ورثاؤه لنصفهم الآخر..

في كتابه من مضايق الحداثة إلي فضاء الإبداع يتناول المفكر المغربي خالد حجي (القدس العربي 13-7) مأزق السقوط الذي سقطه العلمانيون والحداثيون العرب في مرحلة ما بعد الاستعمار، إذ أنهم في ثورتهم على قديم أوصلهم إلى الحضيض لم يميزوا بين غث وسمين فهرعوا إلى أول طقوس الحداثة وهي القطيعة المعرفية لينكروا التاريخ والغيب والهيمنة الإلهية والغاية من الوجود الإنساني .. وعندما تخلصوا من هذا كله كان لابد أن ينشأ داخلهم فراغ امتلأ بالفكر الغربي على الفور.. ومن ثم فقد سقطوا في فخ الغرب من حيث أراد أن يتحرروا منه. لقد استدرجهم بريق التكتيك الغربي ليسقطوا في استراتيجيته .. وليصبحوا أعداء لأممهم..

يصف الكاتب حال هؤلاء بقوله: " لقد ذهب هؤلاء مذهبا ملتويا فأنتجوا خطابا ملؤه التناقضات، يصرحون بالرغبة في الانعتاق من أَسرِ الغرب ويُضمِرون التقديس لعلومه ومؤسساته ومنجزاته، يحسبونه المُجَسِّد الفعلي للتطور التاريخي، ويُخَيَّل إليهم من فرط الغفلة والتبعية أن هذا الغرب يقف علي قاعدة كلية مطلقة لا يأتيها الباطل بحال. وبقدر ما يضمرون التقديس للغرب، يصبون جام غضبهم علي المشرق مُمَثلا في إنسانه، وفي دينه، وفي تقاليده، وفي تخلف جاهزيته الثقافية وفي خلوه من العقلانية." ..

ثم يحذر الكاتب من الفشل الذريع كمآل لهذا الخطاب الناقد للعقل العربي، المبخس للذات العربية والإسلامية مؤكدا أن شأن أصحابه هو شأن جملة مثقفي حقبة ما بعد الاستعمار الذين يجعلون سقف طموحهم هو أن يصيروا غربا آخر وأن ينتزعوا الريادة منه فينصبوا أنفسهم محله. إنهم يطمعون في أن تصير الضحية جلادا. وهذا ضرب من المحال.

نعم.. هذا يلقي كثيرا من الضوء على مواقف محمد حسنين هيكل.. إنه لا ينتمي إلى دين أو قوم أو وطن يتعالى عليهم جميعا.. إنه مواطن عالمي.. لكن المشكلة الآن أن العالمي هو الأمريكي.. إلا أن الأمريكيين أنفسهم فيهم شرار وخيار.. و أنا أظن أن هيكل من خيار الأمريكيين.. ولكن خيار الأمريكيين لا يقفون على طرف النقيض من أمتهم..

لن يمكن فهم هيكل ومشروعه القومي ألا عندما نفهم أنهما: الشخص والمشروع كانا مناقضين ومعاديين وهادمين لأمتنا.. ليس مشروعا عربيا ولا إسلاميا..إنه مشروع أمريكي.. ربما كان مشروع المعارضة الأمريكية لكنه في النهاية أمريكي.

من يقرأ لهيكل قد يتصور أن تاريخ مصر بدأ منذ 23 يوليو 1952.. و أن تاريخ الإمام الشهيد- والذي كان رؤساء الوزارات لا يسعون لمجرد لقائه بل إلى رضائه- بدأ منذ لقائه بهيكل عام 1946 !!.. ذلك أنه يتحدث عن عالم غريب يقع كله داخله لا خارجه.. فالكون ليس هو الوجود الخارجي المستقل و إنما هو صورة منعكسة على شبكية عينيه لو لم تنعكس لما كان للكون وجود!!..كذلك.. فالأصوات ما يسمع والأحاسيس ما يحس والصواب ما يراه والخطأ ما يستنكره.. هل سمعه أحد ذات يوم يعترف بخطأ أو يندم على ذنب ولا أقول يتوب؟!.. هل تنازل في أي مرحلة عن أن فكره هو النموذج المجرد والمثال الأعلى.. ولا أقول لهيكل قال الله وقال الرسول خيفة أن يشمئز قلبه و إنما أقول له قال ألبير كامي: " إننا نختنق إلى جوار أولئك الذين يظنون أنهم على صواب مطلق"..

الطريقة الانتقائية التي يمارسها هيكل في قراءة التاريخ شر محض قد يقي منه إلى حد ما ضمير يقظ لكن لا يحمي من الوقوع في ذلك الشر إلا قلم – وقلب- يخافان الله.

لقد كان محمد حسنين هيكل.. المصري العربي المسلم – افتراضا- يتحدث عن الإمام الشهيد باستهانة مزدرية وكان الكاتب الأمريكي روبرت جاكسون وهو غير مصري وغير عربي وغير مسلم يصف الإمام الشهيد بأنه الرجل القرآني.. و أنه الكلمة التي سبقت وقتها.. و أن: (هذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلاً بالكنز الذي يقع في يده. إنه – حسن البنا- رجل لا ضريب له في هذا العصر.. لقد مرّ في تاريخ مصر مرور الطيف العابر الذي لا يتكرر. كان لابد أن يموت هذا الرجل – الذي صنع التاريخ وحوّل مجرى الطريق – شهيداً. كان لابد أن يموت باكراً، فقد كان غريباً عن طبيعة المجتمع.. يبدو كأنه الكلمة التي سبقت وقتها، أو لم يأت وقتها بعد..

وحين سماه روبير جاكسون الرجل القرآني فقد اهتدى ووفق إلى تسمية تجمع له كل الصفات.. والتي يصعب جمعها في كلمة واحدة

لا يقتصر الأمر على الانتقائية بل إن الموازين النسبية للأحداث ونصيبها من الاهتمام قد يقلب المعنى.. ذلك أنك يمكن أن تصف بيتا فتكتب بضع كلمات عن قاطنيه وبضع كلمات عن طعامه وبضع كلمات عن مكتبته تاركا الباقي للحديث عن قمامته.. وليس الحديث عن القمامة أسوأ ما في الأمر..لأن الأسوأ حقا هو التركيز عليها لصرف الانتباه عما يستحقه فعلا. إن الأمر يشبه أمر مجرم يريد الإنكار أمام النيابة.. إنه يتحدث عن كل شيء إلا ما يهم النيابة فعلا.. وقد يكون صادقا فيما يتحدث عنه.. لكنه يركز عليه كي يضلل النيابة...

يقول هيكل: " أنا جايب معي الجرائد اللي غطيت فيها، الخازندار قتل المستشار أحمد الخازندار وأنا رحت شوفت بيته وأنا كتبت عنها في هذا الوقت كـ(Reporter) لكن أنا مندهش لأنه تابعت المحاكمة فالحجة الأساسية الموجودة أن هناك قاضي يحكم بأحكام شديدة على متهمين بأعمال معينة بأعمال على وجه اليقين عنيفة وإذا بقاضي في الاستئناف يقتل لكي يكون رادعاً لقضاة آخرين أن يحكموا بأحكام قاسية على شباب الإخوان وبعدين مشينا شوفت بعد كدة الإخوان في مقدمات حرب فلسطين وشفت متطوعين منهم هناك كثير قوي وبعدين شفت حكاية قتل النقراشي(...) أنا في سنة 1948 على وجه اليقين في فترة كنت فيها قريب جداً من مسرح الحوادث في مصر بحكم انشغالي في ذلك الوقت بقضية فلسطين وتغطية قضية

فلسطين

شوفت بعض المشاهد مما يصعب جداً تصوره بما فيها أو كان وعلى سبيل المثال فإن الحلقة التي نتحدث بصددها والتي أذاعتها قناة الجزيرة يوم 18-6 تشتمل على ستة آلاف كلمة تقريبا.. من هذه الكلمات تحدث هيكل عن اعتراضه على إعدام عبد المجيد حسن قاتل النقراشي في ستمائة كلمة وعن مقتل النقراشي نفسه في حوالي ستمائة كلمة أخرى.. لكن حظ الجهاد الذي قاده الإخوان المسلمون في فلسطين كان ستة كلمات فقط.. نعم.. ستة كلمات فقط‍‍‍‍!!.. وكانت هذه النسبة أصدق تمثيل لحظ هيكل من الموضوعية والأمانة!!..:

دعنا الآن من اعتراض هيكل على إعدام قاتل النقراشي ليس على شخصه ولكنه الاعتراض على الإعدام كله كحد من حدود الله ..وتذكروا أنه أيد إعدام خالد الإسلامبولي بعدها بنيف وثلاثين عاما.. كما أنه لم يستنكر إعدام العشرات وقتل المئات من الإخوان المسلمين.. دعنا لا نأخذ هيكل هذه المرة على مأخذ الجد .. على الأقل داخليا.. وتذكروا أن كثيرا من كلماته هي رسائل موجهة للخارج.. وهذه الرسالة – على سبيل المثال تعني رسالة للغرب تقول أنا منكم ومراجعي مراجعكم.. إن الحدود في الإسلام عقاب وحشي لا أومن به. تذكروا أيضا إشادته بالكاتب الشاذ جنسيا الكسندر ديماس.. وبأحمد لطفي السيد وموقفه من الإسلام ومن السودان معروف وصداقته للصهاينة لا تخفى على أحد.

دعنا من هذه الرسائل إذن فهي غير موجهة إلينا ..

يتحدث هيكل عن اغتيال الإمام الشهيد وعن مصرع النقراشي، وفي تدنٍّ مثير يؤكد هيكل أن الإمام الشهيد كان يعلم في أيامه الأخيرة أنه سيموت.. و أنه كان خائفا.. وينتقد أنه في ذلك الوقت كان يحاول أن يمد جسورا مع القصر.. لكنه اغتيل وقامت حكومة إبراهيم عبد الهادي في ليلة واحدة باعتقال خمسة الآلاف من أتباعه في ليلة واحدة ..

ثم يستطرد هيكل بطريقة بئيسة – ولا أقول خسيسة-:

كل ده ما فيش جمال عبد الناصر، جمال عبد الناصر(Later on) جاء بعدين. "

دعنا الآن من السماجة السميجة في حكاية " كل ده ما فيش جمال عبد الناصر" مشيرا إلى زعمه الكاذب أن الإخوان المسلمين يدعون أن مصائبهم مرتبطة بعصره.. زعم هيكل ذلك دون أن يأتي لنا بواحد فقط من الإخوان قال ما زعمه.. لم يأت الكاتب الأشهر بمثال واحد.. وليس أعجب من قدرته على ممارسة الكذب على هذا النحو إلا قدرة بعض الناس على تصديقه حتى اليوم واعتبار ما يقوله وما يكتبه وما يرويه منطقي وصادق!!..

دعنا من ذلك لنتناول الإحالة الغامضة عن محاولات الإمام الشهيد لمد جسور مع الملك ( دون أن يفطن للتناقض: هل كان الإمام إرهابيا يريد قتل الملك أم متهاونا يريد مد الجسور معه) ..

ولقد ألقمه الدكتور جمال حشمت ( المصريون 26-6) حجرا عندما نشر رسالة قديمة كتبها هيكل نفسه للملك في يوم عيد ميلاده.

يقول هيكل في الذكرى الثامنة لجلوس الملك على عرش مصر " هذه هي الذكرى الثامنة لجلوسك يا مولاي على عرش مصر، ثمان سنوات وأنت تحمل مسئولية هذا الوطن وهذا الشعب كنت فيها نعم الملك الدستوري في ظروف لعلها أدق ما مر بها في تاريخ حياتها أو ليس الفاروق هو الذي قال ذات مرة: إنني أحب قيادة السفينة أثناء العاصفة (...) ... وقد قال لي مسيو ليجول رئيس تحرير البورص إن مصر محقة أن تحب مليكها كل هذا الحب فهو جنتلمان حقيقي .... ولن أنسى أن أحد الضباط الأمريكان رآك يا مولاي في إحدى الحفلات فلم يملك نفسه وهتف "فليحفظ الله الملك" وبعدها قال لي هذا الضابط أنه لم يكن يتصور أنه سيأتي عليه يوم يهتف لأحد الملوك وهو الذي ولد جمهوريا متعصبا وقال لي : أنني لم أهتف حتى لروزفلت نفسه ولكن ملككم هذا رجل عظيم "

لكن..

دعنا من ذلك أيضا .. ولندلف إلى ذلك الأسلوب الاستشراقي المتدني في تسفيه عظائم الأمور.. ذلك أن هيكل الذي يري الجلال في خادم لورد إنجليزي والقداسة في سيناتور أمريكي لا يرى في الأيام الأخيرة للشهيد إلا أنه كان خائفا.. وهو وصف لا يمكن إثباته ولا نفيه ولا يحمل أي مصداقية ولا يتبع أي منهج – إلا منهج صلاح نصر وحمزة البسيوني وصحافة المارينز- وليس ثمة دليل عليه.. لا دليل إلا من نفس مرضت وفكر ضل و عقل زل وضمير اختل ومنهج اعتل.. منهج وصفه جلال أمين باقتدار في كتابه " عصر التشهير بالعرب والمسلمين، عندما راح يكشف كيف يلجأ المجرمون إلى اصطناع الذرائع للإيقاع بضحاياهم ولتبرير الجرائم التي يوشكون على ارتكابها ضد هؤلاء الضحايا.

يقول جلال أمين :

"إن اللجوء إلى الخداع والتمويه يصبح بدوره شيئا لازما وضروريا، لا تزول الحاجة إليه في ظل أي نظام عالمي، جديدا كان أو قديما (...) كذلك لا يجب أن نستغرب أن تخترع أحداث قد تضفى المشروعية على استخدام وسائل لا يمكن أن يقبلها الضمير العام بسهولة. والتاريخ مليء بهذه الأحداث التي جري ترتيبها لهذا الغرض ونسبت إلى الطرف المراد إخضاعه أو استغلاله، ولابد أن نتوقع أن يستمر استخدام هذه الصورة من صور التمويه طالما استمرت الأهداف المتوخاة والوسائل المتبعة لتحقيقها على هذا المستوى من اللا أخلاقية."

ويواصل جلال أمين: " إن الذي أقصده باختراع أحداث بغرض التمويه وإخفاء الدوافع الحقيقية، ولتبرير استخدام وسائل غير مشروعة، هو ما جرت عادة القائمين بهذا التمويه على تسميته "بالمؤامرة"، كما جرت العادة على وصف أي محاولة لكشفه وفضحه "بنظرية المؤامرة". وهذا الوصف نفسه لا يخرج بدوره عن عملية التمويه والخداع، للإيحاء بأن كل من يحاول أن يشكك في صدق الشعارات المعلنة، أو في حقيقة الأحداث التي تم اختلاقها وترتيبها، إنما يعانى من مرض عضال أقرب إلى المرض العقلي أو النفسي الذي يجعله يرى وراء كل حادث مؤامرة، ويرفض تصديق أي شيء يسمعه ولو كان هو الحقيقة كاملة. ومن ثم يصبح إطلاق وصف "نظرية المؤامرة" وسيلة لإخافة أي شخص من أن يحاول أن يستخدم عقله لفك الطلاسم والرموز، ولإزالة التناقض بين الأقوال والشعارات التي يسمعها وبين ما يراه بعينيه، ولمنعه من أن يحاول تقديم تفسير منطقي لمجرى الأحداث يتفق مع ما يعرفه من حقائق التاريخ "..

وفي مكان آخر يقول جلال أمين: " من أكثر الأساليب ضمانا لتعبئة الناس وراء هدف معين إثارة الخوف في نفوسهم، وبث مشاعر الكراهية ضد عدو مشترك تنسب إليه قدرات خارقة على ارتكاب الشر.. ويجرد من كل الصفات الإنسانية.. إن بث مثل هذه المشاعر القوية من الكراهية والخوف لا يقتصر أثره على توحيد الفئات المتناحرة في شعب متعدد الاتجاهات والنوازع، وتسهيل مهمة الدعاية، وتعطيل ملكة النقد والشك في صحة ما يجري ترويجه من أفكار، ولكنه يضمن أيضا إشاعة روح الولاء والطاعة في تنفيذ أوامر قد لا يسهل ضمان طاعتها لو لم تقترن بمثل هذه الكراهية للعدو أو هذا الخوف منه"..

نعم يجب تصوير العدو في صورة الوحش المفترس حتى تصبح مهمة قتله أو تجويعه مهمة سهلة ومبررة..

إن كلمات جلال أمين هذه تصلح مفتاحا لكتابات هيكل عن الداخل كلها..

إنه كالموظف الذي ينتوي ارتكاب جريمة فيرتب أوراقه بحيث يلصق الاتهام بغيره. و إنه يدرك أكثر من أي شخص آخر قدر الجرائم التي ارتكبتها الثورة في حق الإخوان.... وهي جرائم أثبت الزمن أنها كانت ضد الدولة والأمة والدين جميعا و أنها هي التي أدت بنا إلى الانهيار الذي نعيشه.. لذلك يصبح هيكل في منتهى الشراسة عندما يتحدث عنهم.. لأن ما حدث يعني – لا محالة أن أحد الطرفين خائن ومجرم..- فهل أدركتم الآن يا قراء سر ضراوته.

انظروا مثلا كيف " حكى " باختزال مريض عن الأيام الأخيرة في حياة الإمام الشهيد..فيختزل الأمر في حديث مكرر عن مقتل النقراشي والخازندار وخوف الإمام من الموت ( دون أن يعترف بالحقيقة فقد كانت الأيام الأخيرة للإمام عنوانا على بطولته، لقد حذره الجميع وتوسلوا إليه أن يلزم خاصة بيته و إلا قتل.. لكنه رفض يا.. هيكل!).. ثم يقول هيكل:

" في اعتقادي كان أخطرها – الضمير يعود على حوادث عام 1948- حادثة قتل النقراشي باشا." ...

سوف نتوقف هنا لنمسك بالثعلب العجوز المراوغ .. في عام 1948 كله فإن أخطر الأحداث عند هيكل هي مقتل النقراشي.. لم تكن حرب 48 هي الأخطر ولا ضياع فلسطين ولا هزيمة الجيوش العربية هي الأهم.. لم يذكر لنا هيكل حتى أن النقراشي قد قتل حين قتل بينما كان جل أتباع الإمام الشهيد قد اعتقلوا.. وكان الرجل محاصرا.. ولم يكن يستطيع الاتصال بأحد بعد أن عطلت وزارة الداخلية هاتفه وسحبت سيارة الإخوان التي كان يتنقل فيها وسحبت سلاحه الشخصي كما سحبت سلاح أخيه الضابط حين استقال من عمله كي يتفرغ لحمايته ورفضت تعيين حارس يدفع هو أجره ورفضت سفره إلى بنها أو أسوان أو سفره إلى الخارج، وكانوا قبلها بأسابيع قد شطبوا كل بلاد العالم ما عدا السعودية من على جواز سفره.. لكنهم رفضوا سفره إلى السعودية عندما أراد ذلك .. كان محاصرا ومراقبا لا تخفي عليهم منه خافية .. ولم يكن بقادر على أن يخطط لقتل ذبابة وهو تحت الرقابة المستمرة الصارمة.. وليس أدل على ذلك من أن اتهاما لم يوجه له على الإطلاق.. بل ترك حرا.. صحيح أن ذلك كان تمهيدا وتدبيرا لاغتياله.. ولكن الذي خطط ونفذ الاغتيال هم الملك وخدمه وأغواته وليس النيابة المسئولة عن الاتهام إن وجدت شواهد عليه.

لقد شعرت بكثير من الاشمئزاز حين قرأت أن هيكل – الذي يعلم ما في الصدور!!- قد علم أن الإمام الشهيد حين أصر على أن يعتقل مع أتباعه قد فعل ذلك خوفا من أن يقتل لا حبا فيهم.. ورغم أن الخوف شعور طبيعي .. والحرص كذلك إلا أن ذكر الواقعة بهذه الطريقة تعبر عن تدن مخز في الرصيد الإنساني.. ثم أنها لا تفسر رفض الإمام الشهيد أن يفرج عنه عام 1941 عندما قبض عليه بأمر من السفارة البريطانية.. وتحت الضغط الشعبي صدر قرار بالإفراج عنه دون رفاقه فرفض الخروج من المعتقل و أصر على الرفض حتى حصل على اتفاق بالإفراج عنهم بعده مباشرة.. لم يذكر لنا هيكل الشريف المنصف العفيف ذلك كما لم يذكر لنا أن أتباع الإمام الشهيد كانوا في السجون يسامون سوء العذاب.. وحتى أتباعه من المجاهدين في فلسطين اعتقلوا.. و أنه من أجلهم حاول مد الجسور مع السلطة ..لم يربط هيكل بين التواريخ ولا هو عاد للجذور.. لقد بدأت حركة الإخوان عام 1928 كرد فعل ناضج وصحيح لانهيار الخلافة الإسلامية لأول مرة منذ بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم.. نشأت الحركة لاستعادة الوحدة بين دول العالم الإسلامي ومواجهة الاستعمار وبناء المجتمع المسلم الذي يستطيع المحافظة على فلسطين من الضياع.. كان العالم العربي والإسلامي ضائعا في صحراوات التيه لا يعرف ما قدامه مما خلفه وكان الإمام الشهيد برأي ثاقب ووعي نافذ يدرك أن قضية فلسطين هي قضية محورية و أنها تتعدى حدود الواقع لتصبح رمزا وعلما ودلالة ..

يقول الشيخ أمين الحسيني- مفتي القدس-: "بينما كان الملاحدة ودعاة الإباحية ومروجو الفكرة الشعوبية يهاجمون الإسلامَ وينشرون سمومهم وضلالتهم في مختلف الأقطار المصرية والعربية، برز الشيخ حسن البنا في وسط الشعب المصري المؤمن كما تبرز الشمس من بين السحب الداكنة داعيًا أمَّتَه والمسلمين جميعًا إلى العمل بالقرآن الكريم، وتطبيق أحكامه وآدابه الرفيعة والاستمساك بسُنَّة النبي- صلى الله عليه وسلم- في كل شأن من شئونهم الخاصة والعامة .."

كانت صلة الأستاذ البنا بفلسطين مبكرة جدًّا.. ففي عام 1927 م بدأت صلته بالحاج أمين الحسيني مفتي القدس، وفي عام 1933 م تجاوبت جماعةالإخوان المسلمين بمصر مع ثورة المظاهرات في فلسطين ، ونشرت جريدتهم المقالات والأخبار المتعلقة بالقضية، ومن بينها مقال للأستاذ البنا بعنوان "فلسطين المجاهدة" طالب فيه بوقف الهجرة الصهيونية لفلسطين. كما سافر وفد من الإخوان إلى فلسطين وكان من أعضاء الوفد الأستاذ عبد الرحمن البنا "الساعاتي" وبعد هذه الزيارة أصبح المركز العامللإخوان المسلمين بمثابة منتدى لقادة الجهاد الفلسطيني، وقد سجل الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي صورة من هذا الجهد في كتابه "وحي القلم" بعنوان "الأيدي المتوضئة". وفي 11/8/1933 قامت أول مظاهرة عامة في جميع أنحاء البلاد تردد هتافات موحدة منها "عاشت فلسطين عربية"، "النصر لفلسطين والموت للصهاينة"، "فلسطين العربية لن تتجزأ". وفي مارس 1935 م نادى الإمام البنا في اجتماع مجلس الشورى العام الثالث للإخوان، بجمع التبرعات لمساندة قضية فلسطين، وفي نوفمبر من نفس العام قامت ثورة الشهيد عز الدين القسام، وشاركت فيها مجموعة من شباب الإخوان مع المجاهدين في القتال بعد تسللهم إلى فلسطين.

وفي عام 1936 م أصدر الإخوان عددا خاصا من مجلة (النذير) عن ثورة فلسطين، وكتب فيه الإمام الشهيد مقالا عن (صناعة الموت) يحرض الأمة فيه على الجهاد، والاستعداد للموت في سبيل الله. وفي سنة 1938 م وقبض على الإمام حسن البنا بسبب مساندته للقضية الفلسطينية. وعقب الإفراج مباشرة كتب الإمام الشهيد رسالة إلى الحكومة المصرية يستنكر فيها هذا الموقف الذليل من قضية فلسطين. واستمر اهتمام الإمام بفلسطين إلا أنه أدرك أن الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر من المظاهرات والمقالات، فأنشأ التنظيم الخاص عام 1939 الذي كان يحتوي على مختلف قطاعات المجتمع ومنها الجيش والشرطة. وعندما ازداد عدد ضباط الجيش رئي تنظيمهم في أسر خاصة .. وفي عام 1944 م كانت الأسرة الأولى مكونة من سبعة من الضباط: يوزباشي:عبد المنعم عبد الرؤوف، يوزباشي: جمال عبد الناصر حسين، ملازم أول: كمال الدين حسين، ملازم أول: سعد حسن توفيق، ملازم أول: خالد محيي الدين، ملازم أول: حسين محمد أحمد حمودة، ملازم أول: صلاح الدين خليفة. وقد استمرت اجتماعات هذه الأسرة أسبوعيًا ولم تنقطع حتى مايو 1948 م، ثم انقطعت بسبب حرب فلسطين. وفي هذه الأثناء -كما يقول جمال البنا- كان عبد الناصر قد أحكم صلته بالإخوان وتعاون عملياً معهم وكسب ثقة رئيس التنظيم العسكري الإخوانى الصاغ محمود لبيب، وخدعه أيضا، وكان ينافسه في زعامة التنظيم الضابط الإخوانى عبد المنعم عبد الرؤوف. وعندما مرض محمود لبيب مرض الموت لم يكن عبد المنعم عبد الرؤوف في القاهرة ولازمه حتى الوفاة جمال عبد الناصر وأخذ منه كشوف أسماء الضباط الإخوان، بل والاشتراكات أيضا.

نعود إلى جهود الإخوان المسلمين في قضيتهم المحورية.. ففي سنة 1946 م واصل الإخوان جهودهم. وكان للتنظيم الخاص للإخوان المسلمين دور كبير في مساندة الحاج "أمين الحسيني"، والتدخل لدى الحكومة المصرية لمنحه حقَّ اللجوء السياسي، وفي سنة 1947 بدأ الاستعداد بتهيئة الإخوان لمعركة قادمة لا ريب فيها.

وقامت الحكومة المصرية بالتصريح للإخوان المسلمين رسميًّا بجمع الأسلحة، وحشد المتطوعين، وتكوين مراكز تدريب لهم على مختلف الأسلحة، وتسفيرهم إلى "فلسطين".

كان الإخوان قد شكلوا نواة صلبة بدأت الأمة تجتمع حولها، وفي نفس الوقت بدأت المخاوف من أن يعلن الإمام الشهيد نفسه خليفة للمسلمين.. وفي يونيو 1948 كان البطل الشهيد أحمد عبد العزيز واليوزباشي معروف الحضري وكثيرون ينسقون مع الإمام البطل الشهيد ، وفي تلك الفترة دخلت فلسطين كتيبة من الإخوان المسلمين السوريين يقودها الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان في سوريا، وكتيبة من الإخوان العراقيين يقودها الشيخ محمد محمود الصواف مراقب الإخوان في العراق وكتيبة ثالثة من الإخوان الأردنيين يقودها الأستاذ عبد اللطيف أبو قورة مراقب الإخوان في الأردن، وكتيبتان مصريتان حيث وزعت هذه القوات على مواقع كثيرة في فلسطين.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي:

وقد أولى البَنّا اهتمامًا خاصًّا بقضية فلسطين(...) ووجه نداءً إلى المسلمين كافة - وإلى الإخوان خاصة - لأداء فريضة الجهاد على أرض فلسطين حتى يمكن الاحتفاظ بها عربية مسلمة، وقال: "إن الإخوان المسلمين سيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين إسلاميًّا عربيًّا حتى يرث الله الأرض ومن عليها". واتخذت الهيئة التأسيسيةللإخوان المسلمين قرارًا في 6 مايو سنة 1948 ينص على إعلان الجهاد المقدس ضد اليهودية المعتدية، وأرسل البَنّا كتائب المجاهدين من الإخوان إلى فلسطين في حرب سنة 1948.

وقد كان دور الإخوان في قضية فلسطين دورا مزعجا للقوى الاستعمارية المساندة للصهيونية، ورأوا في وجود هذه الجماعة واستمرار نشاطها خطرا على المشروع الصهيوني الوليد، الذي يراد له أن يهيمن على المنطقة ويؤثر فيها، ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا. وزاد من خوف الانجليز ما أذاعه المرشد العام عن عزمه علي إعلان التعبئة الشعبية والجهاد المقدس فاجتمع سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا في (معسكر فايد)، وهو من معسكرات الاحتلال البريطاني في منطقة (قناة السويس)، وطلبوا من رئيس الحكومة المصرية حينئذ محمود فهمي النقراشي باشا الإسراع بحل (الإخوان المسلمين). وهذا ثابت بالوثائق الرسمية، التي كانت سرية، ثم كشفت بعد مرور ثلاثين سنة.

وسرعان ما استجابت حكومة النقراشي لمطالب القوى الاستعمارية أو الاستكبارية، وصدر قرار حل الإخوان .

لقد كان - وما يزال - همّ القوى التي خلقت الكيان الصهيوني أن تختفي جماعة الإخوان ـ وهي العقبة الكئود ضد الصهيونية ـ من الساحة.

وصدر قرار حل جماعة الإخوان المسلمين . . وسحب الإخوان من مياد بن القتال معتقلين . .

وتتجسد العظمة ويتبدى الجلال عندما يتسامى الإمام الشهيد على الألم فيرسل للإخوان في فلسطين خطاباً قال فيه : إنه لا شأن للمتطوعين بالحوادث التي تجري في مصر ، وما دام في فلسطين يهودي واحد يقاتل فإن مهمتهم لم تنته .

وبرغم أن أخطر أحداث عام 1948 بالنسبة لمحمد حسنين هيكل لم يكن هذا كله بل كان مقتل النقراشي.. إلا أنه لم يحاول أبدا أن يقدم تفسيرا حقيقيا صادقا للأحداث.. لقد تمتم فيما يشبه الشعوذة بكلمات غير مفهومة من نوع: "النقراشي قدام حوادث بتحصل بالطبع إرهابية قدام حوادث فيها تفجير قنابل، أنا عارف إنه في عقائد دينية وعارف إنه فيه أفكار وعارف إنه في آراء وعارف إنه في المطلقات زي ما كان بيقول لي الأستاذ حسن البنا إنها عبادة وقيادة ودين ودولة وروحانية وعمل وصلاة وجهاد وطاعة وحب ومصحف وسيف هنا ده فيه مطلقات تؤدي بالبشر تقريباً يأخذوا دور في الحكم على الناس وعلى التصرفات وعلى المجتمعات بأكثر ما تحتمله الطبيعة(...) أنا مستعد أفهم إنه الشباب يلجأ إلى ملكوت الله مستعد أفهمها لكن هنا بالنسبة للشباب وبالنسبة لمسألة المستقبل أنا كنت أتمنى إنه الأستاذ حسن البنا يعني يأخذ باله شويه من دي لكن هو فكرة ولما بأقرأ أكثر بألاقي إن هو من الناس اللي صعب عليه بجد أن يرى انهيار الخلافة العثمانية صحيح وأنا مستعد أفهمه، صعب عليهم أن يروا أحوال العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة"..

فهل فهمت شيئا مما قرأت أيها القارئ؟ هل فهمت سوي إيحاء من نوع:"ربنا أمر بالستر" كي يثير الشبهة على الإمام الذي كان محاصرا لا يقوي – لو أراد- على قتل بعوضة.. هل فهمت لماذا استشهد الإمام أو لماذا مات النقراشي ؟.. هل فهمت من هيكل لماذا حل النقراشي الإخوان فعلا.. هل تحدث الشريف المنصف العفيف عن العامل الأجنبي والذي كانت استجابة النقراشي له خيانة للأمة وللدولة وللدين.. هل ذكر لنا شيئا عن المذكرة التي قدمها للنقراشي سفراء: إنجلترا وفرنسا والقائم بأعمال سفارة أمريكا، يطلبون فيها حل جماعة الإخوان المسلمين، هل قال لنا الشريف المنصف العفيف أن طلب حل الجماعة كان يتكرر دائمًا على لسان السفير البريطاني في كل المناسبات ولكل الحكومات.

هل قال لنا هيكل شيئا عن الرعب الذي انتاب الغرب من البعد الدولي الذي أحسوا أن تنظيم الإخوان المسلمين يسعى إليه مواجهة للاستعمار الغربي و إعزازا للمسلمين.. ذلك الوضع الذي بدأت بشائره في فلسطين ليسحقها اليهود والإنجليز والثورة بعد ذلك.. كما بدأت بشائره في محاولة بناء دولة إسلامية في اليمن عام 1948 تكون مرتكزا لتوحيد العالم الإسلامي.

ولماذا لم يكشف لنا صاحب أكبر أرشيف للوثائق في عالمنا العربي تلك الوثيقة التي كشفها الأستاذ محمد شمس الدين الشناوي – المحامي – في مرافعته الرائعة أمام المحكمة في القضية التي عرفت باسم قضية "السيارة الجيب" وثيقتين رسميتين تفضحان الأسباب الحقيقية لحل الإخوان المسلمين، ودور الأصابع الخارجية في تحريك الأحداث.

هل قال لنا الشريف المنصف العفيف أن من أسباب حل جماعة الإخوان المسلمين هو موقفهم الصلب في المفاوضات مع الإنجليز ، فكان من الطبيعي أن يتم التمهيد للمفاوضات المنتظرة بحل الإخوان واعتقال رموزهم وأفرادهم وشغلهم بأنفسهم عن التأثير في مجريات الأمور والأحداث وتقلبات الأحوال والسياسة، وعن متابعة ما يجري في السودان من فظائع.

أم أن ما منع الشريف المنصف العفيف من الحديث في ذلك أن جمال عبد الناصر كرر نفس المأساة والجريمة بنفس التفاصيل بعد ذلك.

هل قال لنا الشريف المنصف العفيف عن أن من أسباب حل الجماعة فشل الحكومة في إدارة قضية فلسطين.. وهل ذكر شيئا عن أن من أسباب الحل خوف الحكومة من عودة متطوعي الإخوان من فلسطين ولديهم الخبرة القتالية لإزالة الطواغيت فقرروا رجوعهم من ميدان الجهاد إلى معتقل الطور لكن الإخوان المخلصين لدينهم ووطنهم وأمتهم أبوا إلا أن يسدوا على الفتنة كل الأبواب، بل وواصلوا الجهاد بالاشتراك مع الجيش المصري حتى بعد قرار الحل.

هل قال لنا الشريف المنصف العفيف شيئا عن دور العلمانية والماسونية والمخابرات الأمريكية فيما حدث ؟.. لماذا تركنا نقرأ التفاصيل المخزية والعلاقات المشينة والمؤامرات والخيانات وقصص عملاء المخابرات في جلال كشك ومايلز كوبلاند.

ثم لماذا هو يتحدث عن الإمام الشهيد بنفس الازدراء والتعالي الذي تحدث به من قال:"خلقتني من نار وخلقته من طين" لماذا لم يحك لنا بعد كل هذه الأكاذيب والإدانات والازدراء عن موقف حبيبه وصفيه وربيبه جمال عبد الناصر أمام قبر الإمام الشهيد في ذكراه الخامسة – كما نشرت مجلة "التحرير" على صدر غلافها ( عدد44- بتاريخ 16/2/1954م) قائلا:"إنني أذكر هذه السنين والآمال التي كنا نعمل من أجل تحقيقها، أذكرها وأرى بينكم مَن يستطيع أن يذكر معي هذا التاريخ وهذه الأيام، ويذكر في نفس الوقت الآمالَ العظام التي كنا نتوخاها ونعتبرها أحلامًا بعيدة. نعم أذكر في هذا الوقت، وفي مثل هذا المكان كيف كان حسن البنا يلتقي مع الجميع ليعمل الجميع في سبيل المبادئ العالية والأهداف السامية، لا في سبيل الأشخاص ولا الأفراد ولا الدنيا.. (...) وأُشهد الله أني أعمل- إن كنت أعمل- لتنفيذ هذه المبادئ، وأفنى فيها وأجاهد في سبيلها".

لماذا لم يحك لنا هيكل عن ذلك؟!..

هل لأنه يهدم روايته كلها؟!..

لماذا لم يحك لنا عن تفاصيل الإفراج عن المتهمين في قضية الجيب وقضية مقتل الخازندار ؟.. لماذا لم يحك لنا عن الجريمة التي يقع وزرها على عبد الناصر إلى يوم القيامة.. جريمة إفساد القضاء.. فعندما كان يتملق الإخوان لحاجته إليهم أمر بإعادة التحقيق في استشهاد الإمام.. فلما انتهت حاجته من الإخوان وغيبهم في السجون أمر بالإفراج عن الجناة القتلة.. ولم يكتف بذلك.. بل عين قضاة مجرمين من نوع جمال سالم صاحب أشهر" هاااااااااأو" في التاريخ والذي كان يسب شهداء الإخوان ويهددهم بالضرب ويرسلهم إلى التعذيب ويحكم عليهم بالإعدام.. ثم يعترف قبيل موته بأن الشيطان هو الذي وسوس له بذلك ثم يستطرد أن هذا الشيطان كان جمال عبد الناصر.

لماذا لم يحك لنا هيكل عن ذلك كله؟..

لماذا لم يحك لنا أن القضاء العادي تحت ظلال الملك الفاسد الفاجر وفي ظلال سيوف الاستعمار الإنجليزي قد حكم لها بالبراءة من الاتهامات التي أدت إلى حلها كما حكم بإلغاء قرار النقراشي بحل جماعة الإخوان و أعاد إليها الممتلكات والمقار والعمل السياسي جميعا.. وكان ذلك قبل الثورة وقبل مرور ثلاثة أعوام على الحل. تحت ظل حكم أصحابك يا هيكل لم يتمكن الإخوان من إلغاء قرار الحل الثوري القومي الهيكلي الناصري لمدة خمسين عاما..

أرأيت ذكاء أمريكا في تفضيلها الاستعمار المحلي عن الأجنبي؟!

أرأيت الفارق في القدرة؟!..

في حلقة أخيرة كان هيكل يرد على الشبهات القوية التي أثارها حوله عميل المخابرات الأمريكية – والصديق المقرب من جمال عبد الناصر- مايلز كوبلاند الذي ادعى أن هيكل كان من عملاء المخابرات الأمريكية و أنهم زرعوه – قبل الثورة- كي يحتلوا به ذهن عبد الناصر.. والحقيقة أن هيكل كان مقنعا جدا في رده على مايلز كوبلاند.. لقد قال أنه نشر في عام 1980 ردا يكذب فيه ادعاءات كوبلاند: - أذكر ذلك الرد.. و أذكر ما أصابني به من دهشة و ألم ومرارة.. كنت أظن هيكل سينفي الوقائع كليا.. لكنه نفي بعضها فقط- .. يواصل هيكل أن كوبلاند اتصل به بعد نشر تكذيبه وأنذره بعاصفة كالنار عندما يرفع عليه قضية .. وقال هيكل أنه لمدة ربع قرن بعدها لم يرفع هذه القضية.

والحقيقة أن رد هيكل كان مقنعا جدا بل ومفحما..

لكن بقيت في القلب غصة واحدة وما تزال..

فإذا كان كوبلاند قد جبن عن رفع قضية لأنه كاذب.. فلماذا لم يرفع هيكل نفسه هذه القضية ضده ؟!..

لماذا كانت ثقتنا بهيكل أقوى من ثقته بنفسه..

يا للغصة!!..

حتى أصدقاء هيكل التقليديين والمعجبين به فقدوا الثقة به.. وهاهو الدكتور بشير موسى نافع يتناول ساخرا ( في القدس العربي 29-6) محاولة هيكل لتحميل جرائم الثورة وخطاياها لقليل من المدنيين، مثل السنهوري باشا، سليمان حافظ، علي ماهر باشا، وفتحي رضوان ، كما يسخر من محاولة هيكل التعتيم على علاقة عبد الناصر بالإخوان ، لأن تلك العلاقة بالإخوان المسلمين، بل وبالجهاز الخاص (السري) للإخوان، هي علاقة قديمة، بدأت منذ مطلع الأربعينات. وهي علاقة لم يعد من الممكن نفيها أو تجاهلها في ضوء العديد من الشهادات التي نشرت في هذا الصدد من كبار الضباط من زملاء عبد الناصر ومن القيادات الإخوانية لتلك الفترة. وليس عبد الناصر وحسب، بل ان عدداً كبيراً من قيادات حركة يوليو كان معروفاً بارتباطاته الإخوانية. ولكن عبد الناصر فك ارتباطه بالإخوان، لأسباب يطول شرحها، في الفترة بين 1949 و1951 ، عندما قام النظام الملكي بهجمته الواسعة علي الإخوان، . ثم عاد عبد الناصر إلي توثيق علاقته بالإخوان منذ مطلع الخمسينات؛ وهذه المرة بقيادات الإخوان المدنية والسرية ـ الخاصة علي السواء. ان رابطة عبد الناصر المبكرة مع الإخوان تمت من خلال التنظيم الخاص، كما ان التنظيم (أو انشقاقاته) لعب دوراً مزدوجاً خلال الصدام مع الحكم الجديد في 1954، بعد ان نجح عبد الناصر في استمالة بعض قياداته. عندما تتفق آراء كل من صلاح شادي، فريد عبد الخالق، حسن عشماوي، وصالح أبو رقيق، علي أن عبد الناصر تقدم إليهم عشية الانقلاب علي انه إخواني، وأن مشروع حركة الضباط هو مشروع إخواني، فعلي المؤرخ أن يحفر أعمق بكثير من مجرد استنتاج الوهم وسوء الفهم. ما يعزز وجهة النظر هذه ان عبد الناصر وصحبه قد استثنوا الإخوان المسلمين فعلاً من القرار الكبير والشامل لحل الأحزاب، وظل الإخوان المسلمون التنظيم السياسي الوحيد من تنظيمات ما قبل الانقلاب الذي ينشط بحرية، إلي ان بدأ مسلسل الصدام مع عبد الناصر وقيادة الحكم الجديد..

ثم يسخر الدكتور بشير موسى نافع أخيرا من زعم هيكل المضحك بأن الإخوان المسلمين لم يكونوا مؤهلين لقيادة نظام جديد فيقول: " إن المقارنة بين حركة سياسية ـ إسلامية تجاوزت العقدين من عمرها آنذاك ومجموعة صغيرة من ضباط الجيش، الذين كان أغلبهم في مطلع الثلاثينات من العمر، ليست بالتأكيد في صالح الضباط"..

أما هشام الناصر فيصرخ في صحيفة ( المصريون) اليكترونية بتاريخ 28 - 6 – 2006 بعنوان: تعقيب على "هيكل" :" المطلق والنسبي بين الدين والسياسة "

" من المؤلم علي النفس أن نقوم بالرد أو النقد لرمز من رموزنا الثقافية العربية (والعالمية) ألا وهو أستاذنا الكبير "محمد حسنين هيكل". فالرجل تعلمنا علي يديه ألف باء "الثقافة السياسية" في الخمسينات والستينات" .. وفي مقال رائع طويل لا يتسع له المجال يهدم هشام الناصر فكر هيكل كله لينهي مقالته وكأنما ينعى عمرا انخدع فيه يهيكل قائلا:

"الإسلام هو "الكلمة السحرية" والأمل الوحيد المتبقي لاستنهاض الدول الإسلامية من سباتها واستكانتها وخضوعها وانقيادها باستخدام "الطاقة النووية" الروحانية الكامنة فيه ككينونة، وبإتباع "تعاليمه" الحاكمية في إدارة شئون البلاد وأمور العباد بصفتها قواعد خارجة عن الأهواء وشطحات الطوائف والطبقات، وباستخدامه كأداة جامعة رابطة لوحدة وتكتلات بين الدول الإسلامية في عصر لن ينجو من براثنه وأنيابه إلا التجمعات (السياسية والاقتصادية) المتآلفة، وبإدراك حقيقة التهديدات والمخاطر التي يتعرض لها المسلمون في ذاك الصدام المزعوم بينهم وبين الغرب (كما جاء في الأطروحات العقلانية حول صدام أو صراع الحضارات). من الغريب أن هيكل يعلم هذا جيدا (!!). وحتى لو كان غير مؤمن بحاكمية الإسلام فهو موقنا بدوره وفاعليته في إنقاذ الأمة وإزالة الغمة .. وليته ينظر للأمر نظرة برجماتية نفعيه – هذا إن كان مسلما وطنيا يريد صالح الإسلام والمسلمين.

في كلمة جامعة من آخر ما قاله الشهيد رحمه الله:

"ولو أخذت الأمور وضعها الصحيح، وكانت الكلمة للحق لا للقوة لحاكمناكم نحن أيها المفرطون على التفريط، ولحاسبناكم على هذا العجز أشد الحساب، ولكن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، ) وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ( (يوسف، 21).

أعود إلى مشهد البداية..

مشهد الابنة تبكى أباها ومشهد الأب يبكي ابنه وهيكل بينهما يفصل هذا عن ذاك.. ويستبسل في الفصل..

أعود إلى مشهد والد الشهيد

وكانت ثمة آهة أخرى اجتواها القلب واكتوى بها..

كانت آهة أب على ابنه..

كان والد الإمام الشهيد يقول:

أتمثلك يا ولدي وأنت صريع وقد حملت في الليل مسفوكاً دمك ذاهبة نفسك، ممزقة أشلاؤك، هابت أذاك حيات الغاب، ونهشت جسدك الطاهر حيات البشر! فما هي إلا قدرة من الله وحده تثبت في هذا الموقف، وتعين على هذا الهول وتساعد في هذا المصاب .. فاكشف عن وجهك الحبيب فأرى فيه إشراقة النور وهناءة الشهادة، فتدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا عز وجل "إنا الله وإنا إليه راجعون".

وأقوم يا ولدي على غسلك وكفنك وأصلى وحدي من البشر عليك، وأمشي خلفك، أحمل نصفي، ونصفي محمول، أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.

أما أنت يا ولدي فقد نلت الشهادة التي كنت تسأل الله تعالى في سجودك أن ينيلك إياها فهنيئاً لك بها.. ".

سألت نفسي: هل أثر في هيكل استشهاد الإمام الشهيد؟ وهل بكى مثلنا عندما شاهد هدى غالية وهي تصرخ أباها الممزقة أشلاؤه: بــــــــابــــــااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه..

هل ربط بين استشهاد الإمام ومأساة هدى غالية؟!

عل أدرك هيكل أنه لوتولى أمر الأمة رجال من طراز الإمام الشهيد لا من طراز عصابة " هآاااااااااااااااااااااااااو " المجرمة لما حدث لعدى غالية ما حدث أبدا.. هذا على افتراض بقاء إسرائيل حتى الآن..

أعود إلى هدى غالية.. أطالع المشهد مسجلا بالصوت والصورة على موقع الإخوان المسلمين على الشبكة العنكبوتية المرة تلو المرة..

ولم يقلل الألم تكرار مشاهدة المشهد ولا توالي الأيام عليه..

في كل مرة كنت أعاود مشاهدة " هدى غالية " كان قلبي يتصدع نفس التصدع وكان نفس البركان وذات الإعصار..

كانت على شاطئ غزة مع أسرتها.. قتل أسرتها من هم أخس من القردة و أنجس من الخنازير و أكثر شرا من الشيطان ذاته..

كانت تصرخ نادبة أفراد أسرتها الشهيدة و أشلاء أبيها الممزقة : بــــــــابــــــااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه..

مع الـ: اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه كنت أرى الألم يولد بين الشفتين البريئتين الطاهرتين المعذبتين، كنت أراه يولد وينمو ويتكاثر بطريقة أسطورية حتى يملأ الكون..

وكان القلب يتصدع والبركان يصهر الجسد والإعصار يدوخ العقل.. وكنت أصرخ معها.. حين رأيت على رمال كالرمال ياسر وسمية ورأيت الحمزة فبكيت لبكاء الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، وعلى رمال كالرمال رأيت الحسين و آل البيت وكربلاء الممزقة تحت جنازير الدبابات وسنابك الخيل ورأيت الزبير بن العوام فارسا على الصليب ما آن أن يترجل ومحمد الدرة وإيمان حجو.. وكانت الرمال تصرخ وكان الهواء يصرخ وكان النور يصرخ وكان البحر يصرخ وكان جهاز التلفاز يصرخ وكانت عويناتي تذرفان الدمع وكان المقعد ينتحب أسفل مني ويهتز وكان التاريخ يصرخ وكانت الجغرافيا تصرخ وكانت الحدود الممزقة تصرخ وكانت معارك التاريخ تصرخ وكان المعتصم يصرخ وكانمحمد الفاتح يصرخ وكان الجبرتي يصرخ وكان محمد بن عبد الوهاب يصرخ وكان أحمد عرابي يصرخ وكان حسن البنا يصرخ و كان أبو الأعلى المودودي يصرخ وكانمحمد فرغلي يصرخ وكان يوسف طلعت يصرخ وكان عبد القادر عودة يصرخ وكان سيد قطب يصرخ وكان الشيخ أحمد ياسين يصرخ وكان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي يصرخ.... وكان الصدق المذبوح يصرخ.. وكان الحق المسفوح يصرخ..

و....

و....

و....

وكان محمد حسنين هيكل في قناة أخرى أنيقا هادئا متعاليا... وكان لا يصرخ.. بل كان يزور التاريخ و يكذب..

موضوعات ذات صلة