حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٩:٤٠، ٢٥ أغسطس ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
حسن البنا .... مواقف في الدعوة والتربية


بقلم / الأستاذ عباس السيسي

محتويات

الإخوان المسلمون .. خمسون عاما من الجهاد

جاء في مذكرات الإمام البنا :

( .. وفي ذي القعدة سنة 1347ه مارس سنة 1928 م فيما أذكر زارني بالمنزل , أولئك الأخوة الستة : حافظ عبد الحميد , احمد الحصري , فؤاد إبراهيم , عبد الرحمن حسب الله , إسماعيل عز , زكي المغربي , وهم من الذين تأثروا بالدروس والمحاضرات التي كنت ألقيها , وجلسوا يتحدثون إلي وفي صوتهم قوة وفي عيونهم بريق , وعلي وجوههم سنا الإيمان والعزم , قالوا : " لقد سمعنا ووعينا , وتأثرنا , ولا ندري ما الطريق العلمية إلي عزة الإسلام وخير المسلمين , ولقد سئمنا هذه الحياة : حياة الذلة والقيود , وها أنت تري العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظ لهم من منزلة وكرامة , وأنهم لا يعدون مرتبة الإجراء التابعين لهؤلاء الأجانب .

ونحن لا نملك إلا هذه الدماء تجري حارة بالعزة في عروقنا , وهذه الأرواح تسري مشرقة بإلايمان والكرامة مع أنفاسنا , وهذه الدراهم القليلة من قوت أبنائنا , ولا نستطيع أن ندرك الطريق إلي العمل كما تدرك , أو نتعرف السبيل إلي خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرف , وكل الذي نريده الآن أن نقدم ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله , وتكون أنت المسئول بين يديه عنا وعما يجب أن نعمل , وأن جماعه تعاهد الله مخلصه علي أن تحيا لدينه , وتموت في سبيله , لا تبغي بذلك إلا وجهه , لجديرة أن تنتصر , وإن قل عددها وضعفت عددها .

كان لهذا القول المخلص أثرة البالغ في نفسي , ولم أستطع أن أتنصل من حمل ما حملت , وهو ما أدعو إليه وأعمل له , وما أحاول جمع الناس عليه , فقلت لهم في تأثر عميق : " شكر الله لكم وبارك هذه النية الخالصة , ووفقنا إلي عمل صالح يرضي الله وينفع الناس , وعلينا العمل وعلي الله النجاح , فلنبايع الله علي أن نكون لدعوة الإسلام جندا ,وفيها حياة الوطن وعزة الأمة .

وكانت بيعة . . وكان قسما أن نحيا إخوانا نعمل للإسلام ونجاهد في سبيله . وقال قائلهم : بم نسمي أنفسنا ! وهل نكون جمعية أو ناديا , أو طريقة أو نقابة حتى نأخذ الشكل الرسمي ! فقلت لا هذا , ولا ذاك , دعونا من الشكليات , من الرسميات , وليكن أول اجتماعنا وأساسه : الفكرة والمعنويات والعمليات . نحن أخوة في الإسلام , فنحن إذن (( الإخوان المسلمون )) .

وجاءت بغتة .. وذهبت مثلا .. وولدت أول تشكيلة للإخوان المسلمين من هؤلاء الستة , حول هذه الفكرة , علي هذه الصورة , وبهذه التسمية.) في هدوء الإسماعيلية الجميل , ومن أبنائها المباركين البررة , تكونت أول نواة لتشكيلات الإخوان المسلمين وشعبهم , وبزغ فجر دعوتهم .. وكان جهاد شاق عنيف .. وكانت مراحل وخطوات .. وكانت عقبات وتحديات , اجتازتها هذه الدعوة بفضل الله ثم بفضل قيادة هذا الإمام الجليل وجنده الأبرار , حتى صارت هذه التشكيلات . بحق. كبري الحركات الإسلامية في العصر الحديث , وأصبحت شاهدا علي حيوية الإسلام وجدارته لاستنقاذ المسلمين , وبعثهم لريادة البشرية البائسة .. إلي أن امتدت يد أثيمة إلي الإمام البنا فأردته شهيدا علي طريق الدعوة .

وجاء الهضيبي ليقود قافلة الهداية , ويعلن في ثبات وإصرار :

( إن دعوة الإخوان المسلمين لم تعد دعوة محلية في حدود وطن صغير , وإنما غدت عالمية تشمل العالم الإسلامي بأسره , وتوقظ في المسلين روح العزة والكرامة والتقوى , فهي اليوم عنوان انبعاث لا نوم بعده , وتحرر لا عبودية معه , وعلم لا جهل وراءه .

ولم يعد من السهل علي أية طاغية أن يحول دون انتشار هذه الروح أو امتدادها , وما ذلك إلا لأنها تعبير صادق عن شعور عميق يملأ نفوس المسلين جميعا , ويستولي علي مشاعرهم وعقولهم , وهو أنهم لا يستطيعون اليوم نهضة بدون الإسلام , فالإسلام في حقيقته ضرورة وطنية واجتماعية وإنسانية ) . واجتاحت الخمسينات والستينات غارة تترية غشيت الأمة كلها ببلاء عظيم ترنحت تحت وطأته , فما تكاد تخرج من حفرة حتى تقع في حفرة , وما تكاد تخرج من هزيمة حتى تتردى في هزيمة أخرى .. ذلك أن فراعنة مصر وجبابرتها تسلطوا علي " الفئة المؤمنة " مصدر القوة وشريان الحياة في هذه الأمة .. تسلطوا علي هذه الفئة يمزقون جسدها بشراسة الوحوش ونهمهم , فسالت دماء , وأزهقت أرواح ونفوس طاهرة , وغيبت الكتيبة الهادية بأكملها في غيابة السجون والمعتقلات , لتلقي صنوف التنكيل والتعذيب بوسائل وأساليب لم يعرفها تاريخ البشرية .

وظن هؤلاء الجبابرة , أنهم بلغوا أملهم في تصفية هذه الفئة .. ولكن : هيهات !! .. هيهات لهم , فها ملكوا غير أجساد في حدود مصر , أما الأرواح والنفوس التي انطوت علي جذوة الأيمان : ما كان لقبضتهم أن تحوزها , وأما الدعوة : فكانت : قد تخطت حدود مصر , وما كان لهم أن يبلغوا تلك الحدود .. ومضي الجبابرة , بعد أن لقوا مصارعهم , تلعنهم الأرض والسماوات .. وبقيت دعوة الله , لا نها كلمته الباقية إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها .

والآن وقد بلغت هذه الدعوة خمسين عاما من عمرها المديد , وسنحت فرصة للنشر .. فقد آن الأوان لأصحاب هذه الدعوة أن يسجلوا تجربتهم الضخمة في العمل الإسلام. - الدعوة .. أساليبها ومناهجها.. خطواتها ومراحلها ومنجزاتها – شخصية الداعي الأول .. ترجمتها , وتحليل مكوناتها الفكرية والجهادية علي ضوء ظروف البيئة والعصر – القيادات.. ترجمة لحياة وجهاد كل فردفيها.. ذلك أنه قد أتيح لهذه الدعوة من القيادات الفذة التي امتد أثرها علي الصعيدين المحلي والعالمي ما يستحق عناية الباحثين . – المحنة .. في حياة الدعوة والدعاه .. نتائجها وآثارها علي صفوف الجماعة وأساليب العمل – الجنود الظاهرين والاخفياء .. تنطوي ضلوع كل واحد منهم علي قصة , تعتبر آية من آيات هذه الدعوة وعملها في النفوس... كل ذلك وغيره يجب انجازه – قبل فوات الأوان – بمعرفة أصحاب هذه الدعوة ومن تحركوا بها .. أما الزهد في الكتابة بمعذرة التجرد والتواضع لو وضعناه في ميزان المصلحة العامة للعمل الإسلامي لبدا وكأنه نوع من الأنانية , وانسحاب من هذا المجال يعرض تاريخ الجماعة لتشويه وتحريف فوق ما ناله من تشويه وتحريف بمعرفة الهدامين والحاقدين والناقمين . انه من حق الطلائع المؤمنة , وحق كل باحث عن الحقيقة في حركة التاريخ : أن يعرف تجربة نصف قرن من الزمان , بكل ما فيها من دقائق وتفصيلات وايجابيات وسلبيات , يضعها أمامهم هؤلاء العارفون الذين مارسوا التجربة بأنفسهم , حلوها ومرها .

هذا وما زالت الدعاوى والاتهامات , التي ألصقها المناهضون لهذه الجماعة , تنتظر رد الإخوان وكلمتهم . ولعل في الاحتفال بهذه الذكري.. ذكري مرور خمسين عاما علي انبثاق الدعوة, أكبر حافز لكل من عنده معلومة من الإخوان أن يقدمها لأصحاب الحق في ذلك.

ألهمنا الله الرشد, سدد خطانا إلي صراطك المستقيم..

( أيام من العمر.. لا تنسي )

نشأت مع باكورة الدعوة , في سن مبكرة , فغذيت من رحيقها , وتدرجت في خطواتها ومنهاجها .. وعشت مع إمام الدعوة ومرشدها علي القرب فترات قليلة من الزمن, ولكنها عميقة الأثر. فاقد كنت حريصا علي تركيز انتباهي, مشدودا إليه.. عشت معه علي البعد في مشغلة نفسه بالدعوة والداعية , فتمكنت الدعوة من أقطار نفسي وتغلغلت جذورها في وجداني ومشاعري

فلقد كان حسن البنا في أخلاقه وتصرفاته وسلوكه دعوة, ينجذب إليه الناس علي اختلاف ثقافاتهم ونزعاتهم, حيث أمن – رضي الله عنة – بالإسلام دعوة وبالإنسان مادتها.. فاستنهض أحاسيسه كلها , لتعمل في ميدان العقل والنفس والشعور .. فانبثقت في الناس ينابيع للخير كثيرة كانت مجهولة, وتفجرت طاقات للشباب كانت مبددة مقهورة.

وأشعلها يقظة في الوجدان والمشاعر , وصحوة في القلب والوعي والشعور , فأدرك الإنسان بعد الغفلة والنسيان أنه شيء غير هذا البنيان , وأنه مذخور بكل ما تنشده الانسانيه من حق وخير وعدل , وأن الحياة إنما تقاس بعظمة المبدأ وشرف الغاية والنهاية .. فانطلق يسمو بنفسه وحسه: يبني ولا يهدم يجمع ولا يفرق.. يحب : بالحب الذي تتناجي به القلوب , وتتساقط به الذنوب , الحب الذي جمع بين المهاجرين والأنصار علي أعظم ما سجله التاريخ من آيات الفخار , الحب الذي ألف بين قلوب الأمة , فذابت به الطبقية , وتلاشت معه الأحقاد , الحب الذي إذا عطس حسن البنا في القاهرة يقول له الأخ في أسوان ( يرحمك الله ) , حب في الله , فلا إله إلا الله ولا زعيم إلا محمد رسول الله ولا دستور إلا القرآن . تلك العقيدة: هي جامعة القلوب ومؤلفة الأرواح, ومنقذة البشرية من الضلال, لا فضل فيها لأحد, ولا نسب فيها لإنسان (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ).

عاش حسن البنا في قلوبنا , كأخ وأب , يعود مريضنا , ويسأل عن غائبنا , ويعاون في حل مشكلاتنا .. يؤلف بين قلوبنا برحلات تربط القريب بالبعيد, ويباعد بيننا وبين الخصومة, حتى لا تعوق سبيلنا إلي القلوب ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة, كأنه ولي حميم ) .

استحوذت شخصية البنا علي نفوسنا وقلوبنا , لما وهبه الله تعالي من قدرة علي الملاحظة المنتجة , التي لا تفلت من يده فيستغلها وينميها ويستفيد بها . فالدقائق من حياته لا تمضي بغير حركه وعمل , وأحاسيسه وعواطفه مستمرة في الإنتاج .. حتي كانت محصلة حياته المباركة , التي لم تتجاوز الثلاثة والأربعين من السنين فوق التصور والخيال .

لم يخرج حسن البنا علي العالم بنظرية من اجتهاده , ولم يحاول أن يجرب علي ضوء ما في العالم من نظم ومبادئ براقة .. فقد أمن إيمانا عميقا لاشك معه بالإسلام دعوة وحركة , وأنه التجربة الأخيرة في الحياة الدنيا , والقول الفصل في محكمة التاريخ .. لهذا فلن تجد في طريق الدعوة الطويل – بعد خمسين عاما – تغييرا أو تبديلا في المبادئ والمناهج والأهداف , رغم الزلازل والبراكين , التي تتعرض لها الدعوة في كل زمان ومكان , ذلك لأنها تستمد وجودها من إيمان وتضحية مرشدها من أول يوم , ومن عظمة وشمول الإسلام .

وهذا الذي بين يدي القارئ الكريم , ليس كتابا يستقصي حياة الإمام الشهيد ومنهجه في العمل للإسلام بالأسلوب العلمي الذي تعارف عليه المختصون , ولكنها مجرد ذكريات ولمحات خاطفة سجلتها وفاء بذكري هذا الإنسان العظيم الذي قادني إلي طريق الإسلام الصحيح .. طريق الحق والخير والعدل , فسرت به بين الناس , محققا سر وجودي . ولله الفضل والمنة .

بين يدي هذه المواقف

الإنسان تكوينه ومركزه ودوره

إن الله سبحانه خالق هذا الكون ومالكه ، خلق الإنسان وأودعه قوي العلم والفكر والإدراك "علم الإنسان ما لم يعلم" وفطره علي معرفته " فأقم وجهك للدين حنيفا ، فطرة الله التي فطر الناس عليها " ، وسواه مميزا بين الحق والباطل والخير والشر " وهديناه النجدين " " ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها " ، وأعطاه حرية في الإرادة والاختيار " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر " ، ومنحه سلطة للتصرف فيما يعرض له من شئون كما يشاء .. خلق الله الإنسان بكل هذه الخصائص ، ليهبطه إلي الأرض وهو يحمل معه – بأمره سبحانه – مفاتيح كل شيء فيها ، ليكون أهلا لمعالجة شئونها ومزاولة مراسم الخلافة فيها ، بأمر من الله واختيار حر من الإنسان .. لذلك كله جاء خلق الإنسان لمهمة ورسالة " أيحسب الإنسان أن يترك سدي " .

• وحينما عهد الله تعالي إلي الإنسان بمنصب الخلافة في الأرض ، وكرمه بهذا الاستخلاف أنبأه بأن حياته الدنيا تلك ليست هي كل ما له في الكون من وجود ، إنما هي طور أطوار هذا الوجود له خصائصه التي تصله بما بعده ، وهو الدار الآخرة ، فهي – أي الحياة الدنيا – بالنسبة للآخرة بمكان المقدمة من النتيجة .. ولذا كانت الدنيا دار امتحان واختيار والآخرة دار حساب وجزاء " أنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ، فجعلناه سميعا بصيرا ، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " ، " وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ، ليبلوكم فيما آتاكم ، إن ربك سريع العقاب ، وأنه لغفور رحيم " .

وخلافة الإنسان في الأرض ليست إلا بحكم ما اجتمع في كيانه عن الله من العلم الذي يتضمن ركائز الحضارات من الحق والخير والعدل ، ليجد به الخليفة منهج الخلافة شاخصا في ضميره ، وما اجتمع له من خصائص الايجابية بكل طاقاتها لفرض مناهجها في ظاهر الحياة .. وبذلك كان الإنسان كائنا منفعلا بعوامل إلهيه لتحقيق مقتضيات الخلافة في الأرض .

والمقام يقتضي أن يعلم الإنسان : أنه إذ يستمد مثله وقيمه ومادة معرفته وعبره من أفق الحق الأعلى ، لكي يقودها في الأرض سلوكا وأوضاعا ومعاملات وعرفا صالحا ، إنما يهب لعالمنا الطبيعي هذا أمرا ليس من طبيعته ، أو يدخل علي أرضنا هذه لونا ليس من قبيل مادتها وعناصرها .. فهو – أي الإنسان – حامل " روح " من أفق إلي أفق .. وجالب "حق" من كون إلي كون وناقل " رحيق " عالم قدسي إلي عالم يراد له أن يتقدس كل ما فيه من أعمال العباد ومجتمعاتهم .. وذلك لب عمل الإنسان في الخلافة ومجمل إشارة إلي خطورة مقامه ومركزه ، وهذه هي الأمانة الثقيلة التي حملها الإنسان .. أمانة عقيدة التوحيد والاستقامة عليها ، وأمانة الشريعة والقيام عليها في نفسه وفي الأرض من حوله ، وجوهر هذه الأمانة . وهي طاعة الإنسان وخضوعه وانقياده لله بمنطلق إرادته ، وكمال إسلامه وعبوديته لله عن طواعية واختيار .

• استخلف الله تعالي الإنسان علي الأرض بذلك الاستعداد الخلقي الفطري لمعرفته سبحانه ومعرفة جليل صنعه والإقرار بربوبيته وإلوهيته .. هذا الاستعداد كان عهدا من الله تعالي لآدم .. عهد تكوين وفطرة ، لا عهد وحي شريعة .. وإذا كان هذا العهد قد بثت خصائصه وقواه ابتداء ، فقد انتقلت إلينا – نحن أبناؤه – بطريق الوارثة تلك الخصائص والقوي . فكانت هي التأهيل الأزلي الذي أعلن عنه عهد الربوبية ، إذ قال الله تعالي " ألست بربكم ؟ قالوا : بلي " . وبهذا العهد كانت للإنسانية كافة – آدم وبنيه – صلاحيتها لتلقي وحي الله ، وحمل ما في كلامه ورسالته من أمر ونهي وحلال وحرام وعقيدة وشريعة .. ولهذا اجتمعت العهد مزايا العهد العام .

وما ينزل الله من عهد للناس ، أي من شرع يأمرهم فيه وينهاهم ، لا ينابذ أحكام هذه الفطرة بل يوافقها ويزكيها .. ولو خلا الإنسان إلي فطرته لاستقام علي عهد الله واختار ما يتضمن من مثل عليا .. ولكن تلك الفطرة عورضت بما في جانب الإنسان الحسي من قوي وميول ، هي التي يسمونها الغرائز .. أو بعبارة أصح عورضت بقابلية هذه الغرائز للانحراف عن هداية الفطرة بما يزين لها الشيطان من غرور وأهداف لا حقيقة لها ، فضلت وجحدت وتحولت من عهد الله إلي ما أراد لها – الشيطان – من معصية .. ولكن كيف وقعت المعصية ؟ وكيف شرد الإنسان عن منهج الله وعهده له ؟ من طبيعة الشيطان أنه لا يأتي الإنسان من قبل صوابه الروحي ، فهو أعجز من أن يواجه هذا النور ، بل يأتيه من جانبه المطاوع – جانب الغرائز والشهوات – وهو جانب يملك الاستجابة .. ولا يملك التمييز !! يملك الاستجابة لأي نداء . من الملك أو الشيطان .. من الله أو من غير الله !! فإن سول الشيطان لتلك الغرائز أمراً من الأمور ، أو زين لها غاية من الغايات وهو لا يزين لها إلا ما تحبه – لا تمت لسماعه ، ومالت إلي أتباعه ... وكان لها من اللذة الحالمة ، والإغراء المطمع ، ما يجعل القلب يستحب الركون إليه ، ويأنس لمطاوعته والمزيد منه ، وينصرف بالتدريج عما لديه من أمر لله ، حتى يغدو مشغولا بخواطر جديدة ، وآمال غير التي كان يتعلق بها ، وغايات غير التي كان يرسمها له إيمانه بالله ... وذلك هو النسيان القلبي !! ومن هنا سمي الإنسان إنسانا لكثرة نسيانه ، قال ابن عباس " إنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي " .. نسي الإنسان إلهه وزال اهتمامه بأمره ، فصرف الله عنه فضله ووكله إلي نفسه .

موكب الرسل الكرام هداية الله للبشرية الضالة

• وعندما غاب وعي الناس الذي كان مركزا في فطرة التدين وانسحب هذا الوعي إلي متع الحياة الدنيا وزخارفها .. عندما زين الشيطان للقلب البشري ذكري المنافع الأرضية ولذائذها وغفل عن ذكر الله وانطمس في الناس نور الفطرة بما خيم عليه من ظلال الشهوة والهوى .. عندما طرأ علي الإنسان ما أفسد فطرته ونظامها وناموسها الوحيد الذي لا تحمل سواه ، وهو توحيد الخالق سبحانه ، فسقطت في المعصية والشرط بالله ، واختلت موازين الأعمال والقيم ، هنا تداركت عناية الله ورحمته للناس ولم يشأ أن يأخذهم بذنوبهم أو يتركهم في الانحراف والتردي بعبادة غير الله والإشراك به ، فقضي سبحانه رحمة منه بعباده وتقديرا لغلبة الشهوات علي عقولهم وقلوبهم .. قضي أن يرسل إليهم الرسل " مبشرين ومنذرين " يذكرونهم ويبصرونهم ، ويحاولون استنقاذ فطرهم وتحرير عقولهم من ركام الشهوات التي تحجب عنها دلائل الهدي وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق ، ويأمرون بعبادة الله وحده واجتناب كل ما عداه من وثنية وهوي وشهوة وسلطان " ولقد بعثنا في كل أمة رسولا : أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " .

خاتم النبيين كمال الدين وتمام النعمة

واستمرت هداية الله للناس ولم تنقطع ، فتراءي موكب رسله الكرام علي طريق البشرية الموصول برسالة واحدة ، بهدي واحد للإنذار والتبشير .. موكب واحد يضم هذه الصفوة المختارة من البشر : نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسي وأيوب ويونس وهارون وسليمان وداود وموسي .. وغيرهم ممن قصهم الله علي نبيه صلي الله عليه وسلم في القرآن : ومن لم يقصصهم عليه .. موكب من شتى الأقوام والأجناس ، وشتى البقاع والأرضين ، في شتى الأزمان .

لا يفرقهم نسب ولا جنس ، ولا أرض ولا وطن . ولا زمن ولا بيئة . كلهم آت من ذلك المصدر الكريم . وكلهم يحمل ذلك النور الهادي . وكلهم يؤدي الإنذار والتبشير . وكلهم يحاول أن يأخذ بزمام القافلة البشرية إلي النور .. سواء من جاء منهم لعشيرة . ومن جاء لقوم . ومن جاء لمدينة . ومن جاء لقطر .. ثم من جاء للناس أجمعين : محمد رسول الله – صلي الله عليه وسلم – خاتم النبيين .

أولئك الرسل ، اقتضت عدالة الله ورحمته أن يبعث بهم إلي عباده يبشرونهم بما أعده الله للمؤمنين الطائعين من نعيم ورضوان ، وينذرونهم ما أعده الله للكافرين العصاة من جحيم وغضب .. كل ذلك : لئلا يكون للناس علي الله حجة بعد الرسل . ولكننا إذا استعرضنا موكب الرسالات ، وموكب الرسل ، منذ فجر البشرية ، ومنذ أول رسول – آدم عليه السلام – إلي هذه الرسالة الأخيرة .. ورسالة النبي الأمي إلي الناس أجمعين .. فماذا نري ؟

نري هذا الموكب المتطاول المتواصل ، موكب الهدي والنور . ونري معالم الطريق علي طول الطريق ، ولكننا نجد كل رسول – قبل خاتم النبيين – إنما أرسل لقومه ، ونري كل رسالة – قبل الرسالة الأخيرة – إنما جاءت لمرحلة من الزمان .. رسالة خاصة ، لمجموعة خاصة ، في بيئة خاصة .. ومن ثم كانت كل تلك الرسالات محكومة بظروفها هذه ، متكيفة بهذه الظروف .. كلها تدعو إلي إله واحد – فهذا هو التوحيد – وكلها تدعو إلي عبودية واحدة لهذا الإله الواحد – فهذا هو الدين – وكلها تدعو إلي التلقي عن هذا الإله الواحد والطاعة لهذا الإله الواحد – فهذا هو الإسلام – ولكن لكل منها شريعة تناسب حالة الجماعة وحالة البيئة وحالة الزمان والظروف .. حتى إذا أراد الله أن يختم رسالته إلي البشر ، أرسل إلي الناس كافة ، رسولا خاتم النبيين برسالة " للإنسان " لا لمجموعة من الأناسي في بيئة خاصة ، في زمان خاص ، في ظروف خاصة .. رسالة تخاطب " الإنسان " من وراء الظروف والبيئات والأزمنة ، لأنها تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغيير " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله .

ذلك الدين القيم " .. وفصل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة الإنسان من جميع أطرافها . وفي كل جوانب نشاطها ، وتضع لها المبادئ الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان ، وتضع لها الأحكام التفصيلية والقوانين الجزئية فيما لا يتطور ولا يتحور بتغير الزمان والمكان .. وكذلك كانت هذه الشريعة بمبادئها الكلية وبأحكامها التفصيلية محتوية كل ما تحتاج إليه حياة " الإنسان " منذ تلك الرسالة إلي آخر الزمان ، من ضوابط وتوجيهات وتشريعات وتنظيمات ، لكي تستمر ، وتنمو ، وتتطور ، وتتجدد حول هذا المحور وداخل هذا الإطار .

المصلحون والمجددون مناورات علي طريق خاتم النبيين

• وعندما أنزل الله تعالي يوم عرفة " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " اتضحت بصورة نهائية للإنسانية جمعاء أنه لا انتظار بعد ذلك لرسالة أخري أو كما وضحها رسول الله صلي الله عليه وسلم : " مثلي ومثل النبيين من قبلي كمثل رجل بني دارا فأتمها إلا لبنة واحدة ، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة " ، " إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم " .

فكان من الطبيعي لهذه الأمة أن تواجه في مسيرتها الطويلة مواقف عصيبة لا عهد للتاريخ بها ، فابتليت في دينها – الإسلام – بمؤامرات وثورات ومقاومات داخلية وخارجية فكثيرا ما كان هذا الدين عرضة لتحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين ، ودخلت فيه البدع والأفكار الأعجمية وتسرب إليه الشرك والجاهلية عن طريق الأمم التي كانت تسلم ، وعن طريق التقليد والجهل .. ابتليت هذه الأمة بعصور وأجيال لم تعرفها أمة قبلها وأن تواجه صراعا في ميدان العقول والعلم والحضارة والاجتماع والتشريع لم تواجهها أمة في التاريخ ، ذلك أنها الأمة التي كتب لها أن تقود الإنسانية في شوطها الأخير بهدي الرسالة الخاتمة ، فأصبح من المحتم عليها أن تثبت جدارتها لهذه القيادة في كل زمان ومكان ، وفي أي ميدان ينشط فيه الإنسان . وقد استطاعت الأمة الإسلامية أن تنهض من كبواتها وتواجه العقبات بقوة :

الأولي : هي الحيوية الكامنة في طبيعة الرسالة الإسلامية ذاتها ، التي تستطيع أن تواجهه احتياجات الإنسان المتطورة دائما ، بل وتنمي فيه طاقات فاعلة جديدة .

الثانية : أن لله عز وجل قد تكفل بمنح الأمة الإسلامية رجالا أكفاء أقوياء ، يرثون الأنبياء ، فينقلون روح الرسالة إلي عصرهم باستنارة ووعي يعيدان شباب الأمة بحيث لا تكتهل ولا تهرم أبدا .

وهاتان القوتان من لطف الله عز وجل للبشر جميعا ، فلو فقدت الأمة قدرتها علي استعادة قوتها وشبابها لفقدت الإنسانية قيادتها الرشيدة ولضاعت أمانة السماء وأمانة الإنسانية " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " .

ومن تتبع تاريخ المسلمين الطويل حتى الآن نجد أنه في كل فترة ظلام وابتعاد عن روح الإسلام لابد أن يظهر أحد هؤلاء الدعاة إلي الله يتصدي لانحراف عصره بلا وجل ولا تردد من الباطل مهما اشتد بطشه ، ذلك أن طبيعة الرسالة الإسلامية تفرز من أتباعها في كل عصر من هذه العصور الكريمة من ينفخ نيران الحماسة الدينية ليغذي العزائم التي انتابها الخور أمام سلطان الهوى والشهوة الذي لا يضعف أبداً عند العامة والخاصة من البشر " إنا جعلنا ما علي الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " .

لقد قام هؤلاء الدعاة إلي الله والمصلحون المجددون للذود عن حياض الإسلام والحفاظ علي عزة المسلمين ولهذا توزعت جهودهم علي جبهتين :

1 – الجبهة الداخلية : لمحاربة الزندقة والبدع والإلحاد والميوعة التي طغت علي حياة المسلمين .

2 – الجبهة الخارجية : لتوحيد صفوف المسلمين وشحذ هممهم لمحاربة الأعداء من الغزاة والمستعمرين .

وقد اهتم كل مصلح بجبهة من هاتين الجبهتين أو بهما معا ، ولكن بشكل متفاوت حسب الظروف العامة التي كانت تحيط بهم والطاقات والإمكانيات التي تهيأت لهم والبلد الذي كانوا يعملون فيه .

فقد عمل المصلحون وعلي رأسهم الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز والحسن البصري والإمام أحمد في زمن الدولتين الأموية والعباسية علي تقويم الحكام ، وتوحيد صف الأمة والرد علي الفرق الإسلامية المبتدعة ، ومحاربة الزندقة والأفكار الإلحادية والوثنية .

ولما سقطت بغداد بأيدي التتار كان هم المصلحين جمع شمل الأمة ورفع روحها المعنوية وشحذ هممها للجهاد في سبيل الله والوقوف في وجه الاعتداءات الخارجية علي ديار الإسلام . ولما انقسم العالم الإسلامي إلي دويلات وسيطر علي المسلمين التصوف والانعزال ، وظهرت الدعوات الصوفية المتطرفة ، ونشأت الدعوات الباطنية والبدع والخرافات تصدي المصلحون – وعلي رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية – لهذا التيار الجارف محاولين الحد من قوته والقضاء عليه في وقت كان المسلمون فيه بحاجة إلي توحيد جهودهم لرد العدوان الخارجي عن بلادهم .

ولما سقطت الخلافة العثمانية وتقطعت أوصال العالم الإسلامي ، وبدأ الغزو العسكري والفكري الغربي يجتاح بلاد الإسلام ، كان علي المصلحين – وعلي رأسهم الإمام الشهيد حسن البنا – أن يعملوا في ثلاث جبهات : أن يقاتلوا الغزاة بالسلاح ، ويجاهدوا الغزو الفكري والعقائدي بالحجة والبرهان ، ويحاولوا القضاء علي الخور والميوعة والبعد عن الإسلام الذي طرأ علي نفوس المسلمين .

حسن البنا باعث النهضة الإسلامية في القرن العشرين

برغم أن جميع المصلحين في زماننا قد اتفقوا في الهدف ، فعملوا جاهدين لإرجاع هذه الأمة إلي الطريق المستقيم ، وإلي كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم ، إلا أنهم اختلفوا في الطريق الذي يوصل إلي هذا الهدف وفي الأساليب التي تتبع لتحقيقه ، فالدارس لدعوة كل منهم يجد أنها انحصرت في جزئية من جزئيات العمل الإسلامي فقد اهتم المتصوفون بالتربية الروحية أكثر من اهتمامهم بالعمل الجماعي ، واهتم دعاة السلفية بمحاربة البدع والخرافات ، وسلك آخرون سبيل القلم واللسان فوفقوا في جانب وتعثروا في جوانب أخري ، لذا أهمل هؤلاء المصلحون إيجاد طليعة مؤمنة وقاعدة شعبية إسلامية وتنظيم حركي لدعواتهم يضمن لها الاستمرار لتبلغ الغاية حتى ولو مات هؤلاء المصلحون ، وهكذا عاشوا جميعا قادة بلا جنود منظمين ، فلما ماتوا عاش أتباعهم جنودا بلا قادة ، وانتهت بموتهم دعواتهم وبقيت ذكريات في سجل التاريخ .

أ – معالم شخصيته ودعوته :

لقد سبق " البنا " الكثير من هؤلاء المصلحين .. ذلك أن الله تعالي قد أمده بصفات وطاقات وإمكانيات لم تتوفر لغيره من الدعاة في عصرنا ، فقد برزت شخصيته بمعالم جعلت منه ذلك الإنسان الذي يدين له جيل الحركة الإسلامية الحاضر بالبعث والريادة ، فإذا أردنا أن نحدد بعض معالم هذه الشخصية نجد أن أول ما يطالعنا فيها :

- أنه إنسان منح دعوته كل نفسه ، روحه وراحته ، وقته وماله ، بل كيانه كله .. وهذا هو المطلوب من العاملين للإسلام في كل مكان وزمان ، بل هو لسان حال النبيين ومن ساروا علي درب الحق من بعدهم :

" قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره " .. وهذا النمط من الناس وحده هو الذي يستطيع أن يخلف أثرا في الأرض ، ذلك أنه استعلي علي الأرض وارتفع عنها ، أما الناس الآخرون فهم عبيد الأرض وسدنتها ، ومن ثم فإن أكبر ما يستطيعون فعله أن يغترفوا ما تجود به عليهم ، ثم تحتويهم هم وما يكثرون .

وحين نقول بأن حسن البنا – رضي الله عنه – ارتفع عن الأرض فليس معني ذلك أنه ترفع عن عباد الله فيها ، بل العكس ، فهو الأب الحاني والأخ الوفي والطبيب الذي يدرك أن قومه والبشرية جمعاء بحاجة إليه ، لأنه إنما حمل عبء الدعوة إلي الله عندما تخلي عنها الناس جميعا ، وواجب الطبيب أن يلازم مرضاه وأن يتابعهم في العلاج وأن هم كرهوه لما يحمل أو تنكروا له في بعض من مراحل الطريق .. فهذا ليس بدعا في أخلاق الناس في كل زمان ومكان .

- أما الميزة الثانية التي تطالعنا في شخصية الشهيد البنا ، فهي أنه كان رجلا في أمة ، أثار فيها معاني الإيمان بعد ركود طويل . ولئن اكتفي بعض مصلحي هذا الزمان بأن عالج مرضا من أمراض المجتمع الإسلامي المتخلف ووقف عنده لا يتخطاه ، أو أنه كان إصلاحيا عايش الواقع الفاسد ، فقد نظر البنا إلي الإسلام كنظام شامل للحياة وأخذ به كوحدة متكاملة وعمل له ككل لا يتجزأ ، عقيدة وعبادة ، سلوكا وتشريعا ، سياسة وجهادا في سبيل الله .

ولذا فقد قبض الله له أن يخالف حركة كبيرة انطلقت من مصر لتجد أصداءها في جميع أنحاء العالمين العربي والإسلامي . والفكر الإسلامي مدين إلي حركة البنا كمجدد وباعث نهضة فكرية مازال الكاتبون يعيشون علي فتاتها إلي اليوم .

خلاصة الأمر أن البنا كان شخصية جامعة ، قامت علي أسس عقائدية وفكرية وحركية تنسجم مع هذه النظرة الشاملة للإسلام ، وبذا بدت دعوته – رضي الله عنه – متميزة بخصائصها ومميزاتها وأساليبها عن غيرها من دعوات هذا القرن .

- وثالث ما يطالعنا في شخصية ذلك الإمام الكبير ، أنه – رضي الله عنه – كان في مستوي الأحداث التي عرضت له خلال مراحل عمله في الحركة الإسلامية تخطيطا وتنفيذا ، فقامت دعوته علي الأسس التنظيمية السليمة التي تأخذ بالأسلوب العلمي والتخطيط المرحلي للعمل الإسلامي ، فقد دعا للإسلام كما نزل علي قلب محمد عليه الصلاة والسلام وكما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم ، وأوجد لهذه الدعوة الطليعة المؤمنة ، لتكون القاعدة التي يقوم عليها صرح الدعوة ، كما أوجد لها هيكلا تنظيميا وآخر إداريا هرميا ليضمن الضبط والربط بين القمة والقاعدة والتجاوب والتفاهم بين القاعدة والقمة .

ولئن تطلع بعض الناس هذه الأيام إلي ما فعله البنا وأسلوبه في العمل مشيرين بأصبع النقد ، فليخفضوا تلك الأصبع وليضعوها علي موطن الداء في تكوينهم هم ، فإذا كان الرجل قد استطاع بناء حركة فواجب أهل الاختصاص والتخطيط بعده أن يستمروا في إتمام ذلك البناء الضخم الذي شاده ، فلئن كانت الأحداث قد امتدت إلي هام البنا فأردته شهيدا علي طريق الدعوة قبل أن يتم ما نذر نفسه له ، فليس معني ذلك قصورا في الأسلوب والمنهج ولا خطأ في التخطيط ، والواجب يقضي بأن يكون الإسلاميون هذه الأيام في مستوي أحداث العصر وإمكاناته ، ليستطيعوا أن يحققوا ما حقق البنا أو بعض ما حققه .

إن مما لا شك فيه أن الحال من لسان المقال .. وأن نظرية فكرية أو موعظة توجيهية لا تتعدي لسان المتكلم وأذن السامع .

ومما لا شك فيه كذلك أن الصراعات في العالم إنما تعتمد علي المهارات العملية وتسجيل المواقف في سبيل ترويج وطرح شعارتها ونظرياتها التجريدية وليس العكس .

إن الدعوة بالموقف من شأنها أن تكسب المبادئ والأفكار صفة الحياة .. كما أن من شأنها أن تمنح الحركة القدرة علي التأثير في الأحداث والناس .. كل ذلك مما يضفي عليها صفة الواقعية .

والحركة الإسلامية أولي الحركات بأن تتلمس سبل الدعوة بالموقف تترجم من خلاله أفكارها ومبادئها وتربطها بواقع الناس وقضاياهم ومشكلاتهم علي كل صعيد .

وهي أن فعلت ذلك تكون منسجمة مع الخط الإسلامي الذي بدأه محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم والتزمه الرعيل الأول من المسلمين رضي الله عنهم ، الذين لم يدخلوا التاريخ إلا بما سجلوه من مواقف .

والفرق بيد الدعوة بالنظرية والدعوة بالمواقف كالفرق بين من يجاهد ومن يتحدث عن الجهاد ، وكالفرق بين من يصبر ومن يتحدث عن الصبر ، وبين من يضحي ومن يتحدث عن التضحية ... إلخ ... اعتمد البنا هذا الأسلوب في الدعوة للإسلام ، وألزم جماعته به .. فكان – رضي الله عنه – في شخصه ترجمة حية للمبادئ التي حملها وبموافقة علي صعيد القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، كما استطاعت جماعة الإخوان المسلمين أن تأخذ زمام المبادرة بالمواقف التي اتصلت بقضايا الأمة المصيرية من خلال نظرية الإسلام ومبادئه ، وكانت الساحة لها بدون منازع ، ولم تجد كبير عناء في استقطاب الجماهير المسلمة . لأنها – أي هذه الجماهير – لم تكن لتواكب المسيرات .. مسيرات الأدعياء ، فقد تبنت قضايا الأمة باللسان والسنان .. بالجهاد والبيان .

إن قضايا تحقيق العدالة ورفع الظلم ومجاهدة أعداء الله وتحرير الإنسان مما يستبعده ليكون عبدا لله وحده .. إن مواقف التحدي للطغاة والظالمين في الداخل .. وللصهيونية والاستعمار في الخارج .. وإن الجهاد علي كل الجبهات وبكل الوسائل إنما يقع كله في صميم ما دعا إليه الإسلام .. وجاء لتحقيقه وإنفاذه .. فالإسلام ثورة علي فساد الفكر كما هو ثروة علي فساد الحكم .. و الإسلام ثورة علي الانحراف الأخلاقي كما هو ثورة علي الظلم الاجتماعي وعلي الاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل .

وكما عني الإسلام بريادة الأمة في مجالات التوعية والتربية فقد عني كذلك بقيادتها في ساحات الكفاح والنضال . والحركة الإسلامية في العصر الحديث بقيادة البنا ، التي كان لها قصب السبق في ميادين الجهاد والتي غيبتها المحنة الضاربة عن أحداث الناس وقضايا الأمة ، مدعوة اليوم لتأخذ موقعها في خط المواجهة الأول لكل قضية وموضوع ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وإن الله لمع المحسنين ) .

ب- معالم منهجه في الدعوة والتربية :

أدرك البنا أبعاد انهزام المسلمين الروحي والحضاري ، وفهم سر ابتعادهم عن الإسلام . فدعاهم إلي تطبيق الإسلام ، خلاصا من انهزامهم وحلا لازمتهم .

وحمل من أجاب صوته علي ذلك التطبيق .. حملهم علي أسلوب في التربية متطابق مع منهج الإسلام ، متواز في أسلوبه مع أسلوب الرسول صلي الله عليه وسلم . فأولي الإنسان عنايته الكبرى ، ورباه واعيا عناصره من روح وفكر وجسد ، موازنا بين هذه العناصر ، مبتكرا في وسائل التربية بما يحقق الغرض ، ويتناسب مع أجواء القرن العشرين .

لذلك جاءت تربية البنا محققة للأهداف التي وضعها في بناء جماعته ، التي تتركز في تحقيق التفاعل بين الإسلام وبين الأفراد الجماعة بحيث يتحقق من هذا التفاعل تجريدهم من ذواتهم .. تجريدهم من القيم الأرضية كلها ، والوشائج المادية كلها .. تجريدهم من الاعتزاز بكل ما يعتز به من حطام وأهواء .. ليعتزوا بالحق وحده .. الحق مجردا من أشخاصهم .. الحق متلبسا بذواتهم ولكنه متميز فيها تميزا واضحا ، بحيث تتبع ذواتهم الحق ، ولا تتبع أهواءهم ومشاعرهم الشخصية .. وذلك بأن يتجردوا لله .. يتجردوا له تجريدا خالصا . ما أحلي وأصدق قوله – رضي الله عنه – في وصف ذلك النموذج الذي عمل علي إيجاده وتكوينه :

" أستطيع أن أتصور المجاهد شخصا قد أعد عدته وأخذ أهبته وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه وجوانب قلبه ، فهو دائم التفكير ، عظيم الاهتمام ، علي قدم الاستعداد أبدا ، إن دعي أجاب ، أو نودي لبي ، غدوه ورواحه ، وحديثه وكلامه وجده ولعبه ، لا يتعدي الميدان الذي أعد نفسه له ، ولا يتناول سوي المهمة التي وقف عليها حياته وإرادته ، يجاهد في سبيلها ، تقرأ في قسمات وجهه وتري في بريق عينيه ، وتسمع من فلتاته لسانه ما يدلك علي ما يضطرم في قلبه من جوي لاصق وألم دفين ، وما تفيض به نفسه من عزمة صادقة وهمة عالية وغاية بعيدة " .

هذا النموذج الذي حدد البنا خصائصه وملامحه ، لم يتركه دون توفير كل متطلبات العملية التربوية التي تكفل تكوينه .. هذه المتطلبات أدرك البنا أنها شرط في تحقيق ولادة الفرد المسلم الذي يمثل العامود الفقري في العمل الإسلامي برمته ، فإذا طالعنا رسالته المسماة " نظام الأمر ورسالة التعاليم " نجد أن خطته التي ترسم فيها خطي الداعي الأول صلي الله عليه وسلم تدور حول متطلبات ثلاثة :

1 – المنهج الصحيح : وقد وجده الإخوان المسلمون في كتاب الله وسنة رسوله وأحكام الإسلام حين فهمها المسلمون علي وجهها غضة نقية بعيدة عن الدخائل والمفتريات ، فعكفوا علي دراسة الإسلام علي هذا الأساس دراسة سهلة واسعة مستوعبة .

بهذا المنهج وتطبيقاته في سيرة النبي الكريم وأصحابه أخذ الإخوان أنفسهم بتطبيق ما فهموه من دين الله تطبيقا لا هو أداة فيه .

ولوم استعرضنا هذا المنهج التربوي الذي ألزم به البنا الإخوان ، والذي تطرق إليه في رسالته تلك وفي توجيهاته وتعليماته ، لوجدنا أنه استوعب كل مكونات الإنسان من روح وفكر وجسد ، الأمر الذي يؤكد لنا دقة معالجة هذا المربي الكبير للنفس الإنسانية :

ففي مجال تزكية الروح : ألزم الإخوان بالورد اليومي من القرآن ، وذكر الآخرة ، ونوافل العبادة ، وصيام يوم في الأسبوع أو كل أسبوعين ، والذكر اللساني والقلبي ، وأداء الصلاة في أوقاتها جماعة بالمسجد ، واستصحاب نية الجهاد ، وتجديد التوبة .. إلخ .

وفي مجال رعاية الفكر : ألزم الإخوان بحفظ الأربعين حديثا النبوية علي الأقل ، ومطالعة رسائل الإخوان وجرائدهم ، وتكوين خاصة ، ودراسة رسالة في أصول العقائد ورسالة في فروع الفقه .. إلخ .

وفي مجال تكوين الجسد : ألزم الإخوان بالكشف الصحي الدوري ، والحرص علي القيام ببعض التمارين الرياضية ، والقيام بالرحلات الجبلية أو الصحراوية أو الحقلية أو القروية أو النهرية للتجديف ، والابتعاد عن الإسراف في شرب القهوة والشاي ، والامتناع عن التدخين ، والعناية بالنظافة ، وتجنب الخمر والميسر والمفتر .. إلخ .

لم يكتف البنا بمعالجة عناصر النفس الإنسانية من روح وفكر وجسد عند الإخوان المسلمين ، بل عمق تطبيقهم للإسلام بأن قدم طرقا عملية لتأدية الفرائض ، وكان ارتقاء الأخ المسلم في صفوف الجماعة مرهونا بتنفيذه هذه الفرائض .. فرائض الحج والزكاة .

2 – القدوة الصالحة : أدرك البنا خطورة هذا العنصر في العملية التربوية ، فكان في شخصه مثلا لهذه القدوة الصالحة ، وأخذ عزائم الإخوان وهممهم بالمنهج الذي رسمه لهم في رسالة " نظام الأسر ورسالة التعاليم " فأصبحوا أمثلة تحتذي وتتبع وتقلد ، في الحماس والتضحية ، والعيش للدعوة وبالدعوة ، وعلموا أن براعتهم لا تكون في ترديد نظريات التربية والتنظيم والتخطيط ، ولكن بترجمة ذلك إلي وقائع محسوسة نسهم في الدفع المباشر والتطوير الفعلي لأجهزة الحركة . كما علم الأخ المسلم أنه في انطلاقته لحمل الناس علي أن يقتدوا به محتاج إلي أن يجوز : دمعة المجتهد ، وشجاعة المقاتل ، وانتباه الفقيه .

ذلك كله بفضل يقظة الضمير وحساسيته الذي أحدثه البنا في نفوس الإخوان ، فجاء عملهم مع الناس متوخيا الحرص علي رابطة القلوب واجتماع الكلمة بين المسلمين ، فكل من قال لا إله إلا الله يلتقي معهم في ظل التوحيد وتجمعه وإياهم كلمة الإسلام وتعصم دمه وماله وعرضه الأخوة في الله . وأحسنوا الظن بكل مخالف اجتمعوا معه علي الأصول فاتبعوه أن بدا في قوله الحق أو انصرفوا عنه أن جانبه الصواب وهم يلتمسون له العذر . ولم يكن شيء أبغض إلي نفوسهم من الجدال والمكابرة فما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل .

.. هذه الأخلاق التي تطبع عليها البنا رجاله وأودعها روح أنصاره ، دعوة بالكلام وقدرة بالسلوك ، هي التي جعلت الإخوان أبدا بمنأى عن إثارة المسائل الخلافية في محاضراتهم وأحاديثهم ومواقفهم ، فكان شباب الإخوان بحمد الله يفيضون بشعور الأخوة نحو كل مسلم ، وأن معالم التعصب للمذهب أن ظهرت في كل ناد اختفت تماما من نوادي الإخوان ، فالناشئ منهم في أحضان التصوف يعانق الآخذ برأي السلف إذا أقبل عليه ، والعالم التحرير من رجالهم يصلي وراء الشاب الجامعي ، وحامل اللحية والعذبة لا يجد حرجا في أن يأتم بعاري الرأس متى سبقه إلي الصلاة ، وهم جميعا في إحساس بعضهم نحو بعض كالحلقة المفرغة لا تدري أين طرفاها .

3 – البيئة الصالحة : كما أدرك البنا أهمية هذا العنصر في نجاح عمليته التربوية ، فعمل علي تهيئة المناخات والأجواء المناسبة لتكوين وتربية عناصره ، فدفع بجماعته إلي تهيئة الجو الإسلامي لأفرادها ، حتى تتكون منهم الطليعة المؤمنة التي تأخذ علي عاتقها إعلاء كلمة الله ، وذلك بما أتيح لهم في محيط نظام الأسر والكتائب والمعسكرات ، وفي نطاق مجالات العمل والنشاط في المساجد والمدارس والخدمات الصحية ، والشركات ، والبر والخدمات الاجتماعية .. وتجاوزت المناخات التي تهيأت للتربية الإخوانية هذه المجالات إلي ساحة القتال في فلسطين ، امتحانا لهذه النفوس وتطهيرا لها ، وتنظيفا لقلوبها ، لكي تنال في هذه الساحة حصيلة ضخمة من العبرة والتربية ، والوعي والنضج ، والتمحيص والتميز ، والتنسيق والتنظيم ، لترفع إلي مستوي الدور المقدر لها " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ؟! " .. إنما هي التجربة الواقعية ، والامتحان العملي ، وإنما هو الجهاد وملاقاة البلاء ، ثم الصبر علي تكاليف الجهاد وعلي معاناة البلاء .

هذه هي التربية التي اعتمدها " البنا " في تكوين صفوف جماعته ، ليعدها بهذه التربية للدور العظيم الهائل الشاق ، الذي ناطه الله بالجماعة المؤمنة في هذه الأرض ، وقد شاء الله – سبحانه – أن يجعل هذا الدور من نصيب " الإنسان " الذي استخلفه في هذا الملك العريض !

• وبعـــد :

لقد وقفنا أمام شخصية البنا الفذة ، وكأننا نتطلع إليها من أسفل ، فكان – رضي الله عنه – قمة ، والعاملون في الحقل الإسلامي هذه الأيام ناس ألفوا العيش في السفح ، فاستهونوا مساربه وسبله ، وأعجبوا برضي العيش ورضي النعمة السابغة فاشتدوا إلي الأرض ، يتمسكون بها ويغترفون منها في بطونهم ما شاءت لهم الأرض من عطاء ، وما ملأ جوف ابن آدم إلا التراب .

فلئن كان جيل البنا لم ينصفه فإن التاريخ سيسجل له المكان اللائق ، فضلا عن أن الرجل ما كان يعمل ليسجل له التاريخ أو الأجيال ، وإنما كان يعمل في سبيل الله ولإعلاء كلمته ، لكن غصة في الحلق تلجلج ، هي أن صعاليك الناس قد وجدوا من يخلد ذكراهم ويسطر للأجيال الطالعة سيرهم فانخدعوا بها وعبدوها من دون الله ، بينما البنا لم يجد إلي الآن من يقوم بجهد بسيط يتناول تدوين حياته وتسجيل سيرته ، لتكون نبراسا للطلائع المؤمنة التي تبحث عن طريق ، فإلي الآن لم يصدر كتاب واحد عن حياة البنا ، بينما المطابع قد دارت رحاها برسائله آلاف المرات ، سواء كان ذلك بدافع الكسب أو نشر الدعوة .. لم يصدر إلي الآن ذلك الكتاب الذي تنتظره هذه الطلائع المؤمنة ، اللهم إلا ما أصدره خصوم البنا ودعوة الإسلام ، وماذا في جعبة الخصوم غير الزيف والتضليل والحقد الدفين .

وضوح الطريق

حين تقدم حسن البنا إلي لجنة الامتحان الشفوي في مدرسة دار العلوم ، ولما جلس أمام اللجنة سأله الممتحن :

- ماذا تحفظ من الشعر القديم ؟

- فأجاب : أحفظ المعلقات السبع .

- قال : أسمعني معلقة طرفة بن العبد .

فأخذ البنا يقرأها في فصاحة وثبات ، ولما تأكد الأستاذ الممتحن من جودة حفظه قال له : علي رسلك . أريدك أن تختار بيتا أعجبك من هذه القصيدة ، فأطرق حسن البنا هنيهه ثم قال :

إذا القوم قالوا من فتي خلت أنني

عنيت فلم أقعد ولم أتبلد

فما كان من الأستاذ الممتحن إلا أن رفع عمامته من فوق رأسه وهو يردد : الله .. الله ...

فالتفت إليه الممتحن الآخر وقال له : ماذا جري يا مولانا ؟ فأجابه بأن هذا الفتي سوف يكون له شأن كبير ، وأسمعه هذا البيت فشاركه إعجابه وتفاؤله .

وجاءت الأيام لتكشف عن فراسة هذا الشيخ وتصدق حسه في البنا ، فيصبح بالفعل أمل أمته الحيرى ومرشدها إلي منهاج الإسلام الصحيح . لقد كان البنا هو ذلك الفتي الذي أحس منذ صباه بالفراغ الذي يعاني منه المسلمون في ذلك الوقت ، وهو عدم وجود قيادة إسلامية وطليعة مؤمنة ترد الناس إلي الإسلام وتبصرهم بالطريق المستقيم وتكتل جهودهم للوقوف في وجه الاستعمار الغربي العسكري منه والفكري .

لقد كان البنا هو ذلك الفتي الذي أحس منذ صباه بالفراغ الذي يعاني منه المسلمون في ذلك الوقت ، وهو عدم وجود قيادة إسلامية وطليعة مؤمنة ترد الناس إلي الإسلام وتبصرهم بالطريق المستقيم وتكتل جهودهم للوقوف في وجه الاستعمار الغربي العسكري منه والفكري .

أدرك البنا أن الجهل بالإسلام ، وعدم إدراك حقيقة هذا الدين ، وتلوث المحيط الاجتماعي فكريا وأخلاقيا هو الذي انتهي بأمته إلي الضياع والشرود ، والسبب في كل ذلك إنما يعود إلي ضعف التوجيه الديني السليم في حياة المسلمين وإلي خضوعهم إلي توجيهات منحرفة ، بل ومتناقضة مع تعاليم الإسلام ومبادئه .

• ففي نطاق السياسة يحكم المسلمون بغير ما أنزل الله من القوانين الوضعية التي ظهر فشلها في أكثر من موطن وميدان .

فلم يكن في الساحة السياسية إلا أحزاب وزعماء لا يعرفون إلا أوربا وحضارتها ، وقد نسوا مجدهم وتاريخهم ، فأوروبا قبلتهم في كل شيء بنظمها وأخلاقها وعاداتها وأعيادها وأوضاعها الاجتماعية والسياسية ، وهم في بيوتهم وحياتهم الخاصة لا يعرفون شيئا من الإسلام ولا آدابه وتقاليده ، فسلوكهم العام والخاص لا ينتسب إلي الإسلام بأدنى صلة .

• وفي نطاق التربية والتعليم تعبث في عقول المسلمين المناهج والنظريات الفاسدة الخربة التي جاء بها المستعمر الأوروبي إلي بلادنا ، ولم يكتف المستعمر بوضع المناهج حتى أنشأ المدارس والمعاهد العلمية والثقافية في عقر ديار الإسلام تقذف في نفوس أبنائه الشك والإلحاد وتعلمهم كيف ينتقصون أنفسهم ويحتقرون دينهم ووطنهم وينسلخون من تقاليدهم وعقائدهم ويقدسون كل ما هو غربي ، ويؤمنون بأن ما يصدر عن الأوروبيين وحده هو المثل الأعلى في هذه الحياة . واحتوت هذه المدارس علي أبناء الطبقة العليا وحدها وصارت وقفا عليها ، وأبناء هذه الطبقة هم العظماء والحكام ومن سيكون بيدهم بعد قليل مقاليد الأمور . ومن لم يتم نضجه في هذه المعاهد الوضعية فإن في البعثات المتلاحقة ما يكفل لهم التمام

• وفي نطاق الدعوة والإرشاد لم يكن بالساحة غير الأزهر والطرق الصوفية

الأزهر : الذي ظل حتى وقت قريب مثلا للسلطة الإسلامية الواعية القادرة علي احتواء الشعب وتوجيهه ودرء كل سؤ عنه .. السلطة التي كان من واجبها النهوض بالأمة فكريا وأخلاقيا ، وماديا ومعنويا ، واجتماعيا وسياسيا .. السلطة التي كانت تقف بالأمة في مواجهة التحدي – كل تحد – علي أحسن ما يكون الوقوف وعيا وحكمة وجرأة ، هذه السلطة تخلي عنها رجالها بعد أن نسوا رسالتهم وسار كثير منهم في ركاب الحكام ، ووضعت السياسة أصابعها في شئونهم ففقدوا فاعليتهم وأثرهم علي النفوس .

والطرق الصوفية : ملأت أدمغة الناس من أتباعهم بالخرافات والأوهام ، وصرفتهم عن جوهر التعاليم الإسلامية الصحية ، ومقاصدها العزيزة الكريمة ، وعزلوهم عن الروح الحقيقية للإسلام التي تخلق الرجال .. عزلوهم عن هذه المعاني ونشأوهم علي الجهل والخمول والاستسلام ، الأمر الذي مكن لأصحاب النفوذ والسلطان من استغلالهم وتسخيرهم في أغراضهم ومطامعهم .

فكان طبيعيا والحالة هذه أن يتفسخ المسلمون شعبا وزعماء .. تعتصرهم الخلافات .. وتفسد أخلاقهم ومعتقداتهم الرذائل والموبقات .. بل كان بديهيا بعد ذلك أن تنشأ في هذه الأمة أجيال مقطوعة الصلة بالإسلام .

وأن أسوأ ما في الأمر أن المشكلة كانت آخذه في التعقد يوما بعد يوم ، لأن معاول الهدم في تزايد ، والقوي الإسلامية الشعبية ممزقة ضائعة .

أن هذا الوضع الخطير الذي آلت إليه أحوال المسلمين في هذا البلد هو الذي حفز البنا – بما حباه الله من غيرة وحس مرهف ووضوح في الرؤية – للمبادرة إلي تعبئة قوي أمته وحشد طاقاتها في مسيرة واحدة .. مسيرة واعية هادفة بناءة يكون من مهماتها تحقيق الأهداف الآتية :

أولا : إعادة ثقة الأمة بدينها علي أنه المنهج المؤهل لبناء حياتهم علي أحسن ما يكون البناء تماسكا وتكاملا واستقرارا . وعلي أنه العقيدة القادرة علي أن تخوض بهم معترك كل صراع بما يحقق لهم النصر والنجاح .

ثانيا : مواجهة الفلسفات والأفكار الغازية بما يكشف زيفها وانحرافها ويمنح أمتنا القدرة علي نقض أصولها وكشف مثالبها وعيوبها .

ثالثا : العمل علي تنظيف المجتمع من أسباب الانحراف والانحلال ، بما يحفظ علي الأجيال الأخلاق الكريمة والمثل الرفيعة .

رابعا : العمل علي تكوين طليعة واعية مؤهلة روحيا وفكريا وسياسيا وتنظيميا لاستخلاص المسلمين من الضياع والتيه الذي هم فيه .. لاستنقاذهم من براثن الجاهلية وضغوطها ومؤثراتها ، لجعل القوامة في حياتهم للإسلام ونظامه .. لتعبيدهم لله فكرا وأخلاقا وتشريعا .

إن كل هذه الأهداف لا يتم تحقيقها إلا برجل قادر علي المواجهة والتحدي والتغيير ، ولم يكن في الساحة غير البنا .. ذلك الفتي الذي أدرك تطلع قومه لاستخلاصهم واستنقاذهم من الضياع .. ذلك القائد والمرشد الذي بدت فيه كل ملامح القيادة والإرشاد منذ صباه ومنذ تلمذته في دار العلوم .. لقد ظهرت فيه كل ملامح القيادة والريادة من وعي وإدراك وإحساس عميق بثقل التبعة وعظم المسئولية سجل الكثير منه في مذكراته التي تنصح كل عامل للإسلام أن يفرط في الإطلاع عليها .

وسوف نقتطف هنا موضوع الإنشاء الذي كتبه في امتحان التخرج من دار العلوم ، مبينا كيف نذر نفسه لإرشاد أمته ، وكيف كان طريقه منذ البداية واضحا .. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

( .. كان أستاذنا أحمد يوسف نجاتي – جزاه الله خيرا – مغرما بالموضوعات الدسمة بالإنشاء ، وله معنا نكات وتعليقات ظريفة طريفة في هذه المعاني . ومن كلماته المأثورة ، حين كان يمل تصحيح هذه المطولات ، أن يقول ، والكراسات علي يده ينوء بحملها كما ناء طول ليله بتصحيحها : " خذوا يا مشايخ ! وزعوا ما تزعمونه إنشاء ، عليكم بالقصد يا قوم فالبلاغة الإيجاز . والله إني لا أشبر الإنشاء ولا أذرعه " . ونضحك ونوزع الكراسات .

ومن الموضوعات التي أتحفنا بها بمناسبة آخر العام الدراسي ، وكان بالنسبة لي ولفرقتي الامتحان النهائي سنة 1927 الميلادية ، هذا الموضوع : " اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك ، وبين الوسائل التي تعدها لتحقيقها " .

وقد أجبت عنه بهذا الموضوع : " أعتقد أن خير النفوس تلك النفوس الطبية التي ترعي سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم ، وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم ، وذود المكروه عنهم ، وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحة وغنيمة ، و الجهاد في الحق والهداية – علي توعر طريقهما ، وما فيه من مصاعب ومتاعب – راحة ولذة ، وتنفذ إلي أعماق القلوب فتشعر بأدوائها ، وتتغلغل في مظاهر المجتمع ، فتتعرف ما يعكر علي الناس صفاء عيشهم ومسرة حياتهم ، وما يزيد في هذا الصفاء ، ويضاعف تلك المسرة ، لا يحدوها إلي ذلك إلا شعور بالرحمة لبني الإنسان ، وعطف عليهم ، ورغبة شريفة في خيرهم ، فتحاول أن تبرئ هذه القلوب المنقبضة ، لا تحسب ساعة أسعد من تلك التي تنفذ فيها مخلوقا من هوة الشقاء الأبدي أو المادي ، وترشده إلي طريق الاستقامة والسعادة"

" وأعتقد أن العمل الذي لا يعدو نفعة صاحبه ، ولا تتجاوزا فائدته عامله ، ولا تتجاوزا فائدته عامله ، قاصر ضئيل ، وخير الأعمال وأجلها ذلك الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره ، من أسرته وأمته وبني جنسه ، وبقدر شمول هذا النفع يكون جلاله وخطره ، وعلي هذه العقيدة سلكت سبيل المعلمين ، لأني أراهم ساطعا يستنير به الجمع الكثير ويجري في هذا الجم الغفير ، وإن كان كنوز الشمعة التي تضئ للناس باحتراقها " .

" وأعتقد أن أجل غاية يجب أن يرمي الإنسان إليها ، وأعظم ربح يربحه أن يجوز رضا الله عنه ، فيدخله حظيرة قدسه ، ويخلع عليه جابيب أنسه ، ويزحزحه عن جحيم عذابه ، وعذاب غضبه ، والذي يقصد إلي هذه الغاية يعترضه مفرق طريقين لكل خواصه ومميزاته ، يسلك أيهما شاء :

أولهما : طريق التصوف الصادق ، الذي يتلخص في الإخلاص والعمل ، وصرف القلب عن الاشتغال بالخلق خيرهم وشرهم . وهو أقرب وأسلم .

والثاني : طريق التعليم والإرشاد ، الذي يجامع الأول في الإخلاص والعمل ، ويفارقه في الاختلاط بالناس ، ودرس أحوالهم ، وغشيان مجامعهم ، ووصف العلاج الناجع لعللهم ، وهذا أشرف عند الله وأعظم ، ندب إليه القرآن العظيم ، ونادي بفضله الرسول الكريم ، وقد رجح الثاني – بعد أن نهجت الأول – لتعدد نفعه ، وعظيم فضله ، ولأنه أوجب الطريقين علي المتعلم وأجملهما بمن فقه شيئا ( لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) .

" وأعتقد أن قومي – بحكم الأدوار السياسية التي اجتازوها ، والمؤثرات الاجتماعية التي مرت بهم ، وبتأثير المدينة الغربية ، والشبه الأوروبية ، والفلسفة المادية ، والتقليد الفرنجي – بعدوا عن مقاصد دينهم ، ومرامي كتابهم ، ونسوا مجد آبائهم ، وآثار أسلافهم ، والتبس عليهم هذا الدين الصحيح بما نسب إليه ظلما وجهلا ، وسترت عنهم حقيقته الناصعة البيضاء ، وتعاليمه الحقيقية السمحة ، بحجب من الأوهام يحسر دونها البصر ، وتقف أمامها الفكر ، فوق العوام في ظلمة الجهالة ، وتاه الشبان والمتعلمون في بيداء حيرة وشك ، أورثا العقيدة فسادا ، وبدلا الإيمان إلحادا .. ! "

" وأعتقد كذلك أن النفس الإنسانية محبة بطبعها ، وأنه لابد من جهة تصرف إليها عاطفة حبها ، فلم أر أحدا أولي بعاطفة حبي من صديق امتزجت روحه بروحي ، فأوليته محبتي ، وآثرته بصداقتي " .

" كل ذلك اعتقده تأصلت في نفسي جذوتها ، وطالت فروعها ، واخضرت أوراقها ، وما بقي إلا أن تثمر ، فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان :

( خاص ) – وهو إسعاد أسرتي وقرابتي ، والوفاء لذلك الصديق المحبوب ، ما استطعت إلي ذلك سبيلا ، وإلي أكبر حد تسمح به حالتي وبقدرتي الله عليه .

( وعام ) – وهو أن أكون مرشداً معلما ، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار ، ومعظم العام قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم ، ومنابع سعادتهم ، ومسرات حياتهم ، تارة بالخطابة والمحاورة ، وأخري بالتأليف والكتابة ، وثالثة بالتجول والسياحة .

وقد أعددت لتحقيق الأول معرفة بالجميل ، وتقديرا للإحسان و " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ " ولتحقيق الثاني من الوسائل الخلقية : " الثبات والتضحية " وهما ألزم للمصلح من ظله وسر نجاحه كله ، وما تخلق بهما مصلح فأخفق إخفاقا يزري به أو يشينه ، ومن الوسائل العملية : درسا طويلا ، سأحاول أن تشهد لي به الأوراق الرسمية ، وتعرفا بالذين يعتنقون هذا المبدأ ، ويعطفون علي أهله ، وجسما تعود الخشونة علي ضآلته وألف المشقة علي نحافته ، ونفسا بعتها لله صفقة رابحة ، وتجارة بمشيئته منجية ، راجيا منه قبولها ، سائلة إتمامها ، ولكليهما عرفانا بالواجب وعونا من الله سبحانه ، اقرؤه في قوله " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " .

" ذلك عهد بيني وبين ربي ، أسجله علي نفسي ، وأشهد عليه أستاذي ، في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير وليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير " ومن أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجر عظيما " . ) ...

رأينا كيف كان البنا يعرف ما يريد ، ويعرف سبيله إلي ما يريد .. ذلك أنه من أخطر ما يؤثر في بناء شخصية الداعية ، ويقلل أو يزيد من فاعليته وحركته من أجل بناء حضارته الجديدة ، انطلاقاً من فكرته الإسلامية ، هو درجة وضوح فكرته لديه ، وشعوره بالثقة المطلقة بها وببساطتها بشكل يستطيع معه دخول معترك الصراع العقائدي الإنساني ، وهو يحمل شعارات واضحة محددة ، يسهل له من خلال تلك المقارنة الفرق الواضح بين فكرته وبين غيرها من الأفكار والمناهج ، ويسهل عليه هذا الوضوح إيصال فكرته إلي عقل كل إنسان شريف وقلبه ، فيقنعه بأنها هي الخير المحض ، والعلم الخالص والحاجة الملحة .. بهذا التكوين الرباني تمكن حسن البنا وبخطوات الواثق المطمئن من تقديم إسلامه إلي مجتمعه المتخلف وإلي الإنسانية ، كحل جذري لما تعانيه من ضنك وآلام وعذاب . أنظر إليه وهو يجيب عن سؤال وجهه إليه صحفي يطلب منه أن يوضح بنفسه عن شخصيته للناس ، فقال رحمه الله : " أنا سائح يطلب الحقيقة ، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس ، ومواطن ينشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطيبة في ظل الإسلام الحنيف .

أنا متجرد أدرك سر وجوده ، فنادي : إن صلاتي ونسكى ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين .

هذا أنا ، فمن أنت ؟؟

رضي الله عنك أيها الإمام العظيم ، لقد بذلت نفسك رخيصة لتخرج الناس من عبادة العباد إلي عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلي سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلي عدل الإسلام .

بركة التوكل علي الله :

حين حصلت علي دبلوم المدارس الثانوية الصناعية في عام 1939 توجهت إلي القاهرة لأبحث عن عمل ، والتقيت بفضيلة المرشد العام رحمه الله في دار المركز العام بالحلمية الجديدة ، وبعد أن رحب فضيلته بي سألته عن سبب حضوري للقاهرة ،

قلت : لأبحث عن عمل .

قال : ألم تفكر في التطوع لمدرسة الصناعات الميكانيكية الحربية ؟

قلت : إن خريجي المدارس الصناعية معفون من خدمة الجيش !!

قال : لكن رسالتنا توجب علينا الخدمة في هذا الميدان .

قلت : لا مانع ، ولكن سوف لا أنجح في الكشف الطبي حيث أن إحدى عيني عليها سحابة مزمنة .

قال : توكل علي الله وأنت تنجح .

قلت : كيف أنجح في الكشف الطبي وعيني علي هذه الصورة ؟

قال : من أجل هذا قلت لك توكل علي الله لأنه لو كانت عينك سليمة كنت رايح تتوكل علي عينك .

فهزني هذا المعني هزا عنيفا وتذوقت له طعما إيمانيا جديدا . وتوجهت إلي مدرسة الصناعات الحربية بالعباسية متوكلا علي الله ، واصطحبنا أحد الضباط مع بعض الزملاء إلي المستشفي العسكري وكلي ثقة وأمل في النجاح ، وبعد الكشف الطبي الكامل كنت ضمن من نجح في الكشف الطبي ، والتحقت بالمدرسة وأخذت حياتي مسارا جديدا لم يكن في الحسبان .

ولا أنسي أنه حين قامت الحرب العالمية الثانية استعجلت وزارة الحربية تخرجنا لتذهب إلي الميدان في الصحراء الغربية وكان ( ضرب النار ) من مواد الامتحان ، وذهبت مع زملائي البالغ عددهم حوالي المائة طالب إلي ساحة ( ضرب النار ) وأنا شديد الآسي والألم حيث أخشي أن أرسب في هذا الامتحان بالنسبة لضعف عيني اليمني ، ولكني سرعان ما تذكرت كلمة الإمام ( توكل علي الله وأنت تنجح ) وفعلا أشربت روحي هذه العقيدة واستيقنتها ، وتوجهت إلي تبة ( ضرب النار ) بكل ثقة واطمئنان واستعملت عيني الأخرى وفي النهاية وقف (الصاغ) حسين أحمد قائد التبة ليعلن : أن الفائز الأول هو عباس السيسي . وكانت مفاجأة مذهلة للذين يعرفون الحقيقة .. ولكنها كانت من حقائق صدق التوكل علي الله تعالي .

وظلت ( توكل علي الله ) حقيقة مشفوعة بهذه الأحداث في حياتي ، عقيدة ثابتة تلازمني في كل المواقف الصعبة التي مرت بي أتذكرها بعمق وثقة وتعطيني الأمل والاطمئنان والصبر والثبات . ولقد كان فهم المسلمين الأوائل لحقيقة التوكل علي أنه بذل الجهد في حدود الطاقة البشرية ، ثم ترك التدبير إلي من بيده التدبير .. لقد كان هذا الفهم مفتاح كل خير وبركة ووقاية من كل شر .

وعلي هذا الفهم قامت تربية المرشد العام ، فالتوكل من لوازم كمال الإيمان .. ذلك أن الإنسان المؤمن هو الإنسان الوفي بواجبات خلقه وعبوديته لله ، وهو الإنسان التقي المنصاع دائما لأمر خالقه في كل شأن من شئون الحياة ، النازل عند حكم الله في كل قضية وموضوع .. وصفة التقوى في الأخ المسلم لم يكن لتتوفر إلا بالتربية والتعهد الدائبين المتوافقين مع أصول الإسلام وأحكامه ، حتى تتحقق ولادة الفئة المؤمنة الممتلئة لأمر الله ، المستعدة للجهاد في سبيله ، المتحرية لسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم التي لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله .

.. علي هذا الفهم اندفع الإخوان المسلمون يجاهدون لإعلاء كلمة الله وإصرار لا يلوون علي شيء ولا يلتفتون إلي إغراء ( الذين قال لهم الناس ، إن الناس قد جمعوا لكم فزادهم إيمانا ، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) ، فقد بصرهم أمامهم بحقيقة التوكل في شريعة الإسلام . علي أنه إدراك للمسئولية والواجب وعمل جاد مخلص يحمله أمناء بررة ، ثم هم بعد ذلك يفوضون الأمر إلي الله ، يرضون بقدره واختياره .

.. علي هذا الفهم الصحيح اندفع الإخوان كما اندفع المسلمون الأوائل ، الذين لم يعللوا أنفسهم بالأماني ولم ينتظروا أن ينصرهم الله بطريقة سحرية غامضة الأسباب ! فظهر منهم من روائع الأعمال ، من صبر عند الشدائد ، وصدق عند اللقاء ، وبذل وتضحية عندما تتطلب أمور المسلمين البذل والتضحية ، وسعي دائب في طلب المعاش ثم الرزق بعد ذلك بيد الله لا بيد أحد سواه ، وضرب في الأرض يفتحون البلدان ويعمرونها ، ويزيحون عن الطريق أعداء الله وأعداء الإنسان ، وكان العمل الدائب المستمر علي أساس من الكفاية التامة في كل ناحية من نواحي الحياة – اقتصادية وسياسية واجتماعية – فأزعموا العالم علي أن ينحو نحوا جديدا ويتخذ صبرا علي منهج الله لا مكان فيه للأهواء والأغراض والعصبيات ولا مجال فيه للأثرة والأنانية ، ذلك هو العهد الإسلامي الذي لا يزال غرة في جبين التاريخ .

لقد علمنا – رضي الله عنه – أن مدلول التوكل لابد أن يقوم علي فهم عميق لهذا الدين ، وأن الله سبحانه وتعالي يساعد من يجاهد للهدي ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) ، وأنه يغير حال الناس حين يغيرون ما بأنفسهم ، وأنه لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم : ( إن الله لا يغير ما يغير ما حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، فهناك علاقة لا تنفك بين الجهد البشري الذي يبذله الناس ، وعون الله ومدده الذي يسعفهم به ، فيبلغون به ما يجاهدون فيه الخير والهدي والصلاح والفلاح ، فإرادة الله هي الفاعلة في النهاية ، وبدونها لا يبلغ " الإنسان " بذاته شيئا ، ولكن هذه الإرادة تعين من يعرف طريقها ، ويستمد عونها ، ويجاهد في الله ليبلغ رضاه .

وقد ارتبط هذا الفهم للتوكل ارتباطا وثيقا بقوة الدولة الإسلامية الأولي وتبوئها مكان الصدارة بالنسبة لدول الأرض وشعوبها ، فكانت خير أمة أخرجت للناس . كما ارتبط انحطاط الدولة الإسلامية وبلوغها تلك الدرجة من التخلف في شتى الميادين بالتوكل وفقدان الوعي بفقدان إدراك طبيعة هذا الدين واعتماده علي كواهل البشر وطاقاتهم من أجل إقامته والتمكين له ، فخضعت الشعوب الإسلامية إلي من ليسوا من أبنائها واستجابت لكل دعوة ليست من دينها وسكتت عن كل نيل من كرامتها ، وتحملت كل ضيم ورضيت بكل هوان ، واستوي عندها الناصح والغاش ، فسهل قيادها إلي حتفها وهلاكها ، وهي راكنة إلي الذين ظلموا ، مستسلمة إلي الذين خانوها ، مكتفية بأن تلك أقدار مقدرة وهي لا تعلم بأن ذلتها من كسبها وتواكلها ، وأن ضعفها يرجع إلي ركونها إلي غيرها ، وأن تخيلها عن قيادة البشرية يرجع إلي عدم فهمها لحقيقة هذا الدين ورفضه الذلة والهوان لأبنائه مهما كانت قلة عددهم وضعف عدتهم .

ولقد كان تحول حياة المسلمين من العمل المخلص الجاد والتوكل علي الله ، إلي الدعة والتواكل والاستسلام إلي المقادير ، هو السبب في تحول القيادة من الأمة الإسلامية إلي غيرها ، وإصابتها بعوامل الضعف التي منيت بها وانقلب عندهم ما كان واجبا من الدين من علم يتبعه عمل ، محظورا فيه .. وما علي المسلمين إذا أرادوا أن يضعوا أيديهم علي بداية الطريق إلا أن يعتصموا بدين الله ، واضعين نصب أعينهم ما أمرهم الله به من كتابه وسنة نبيه ، فينهضوا كما سبق لأسلافهم أن ينهضوا ، فيستردوا مفقودا ، ويحفظوا موجودا ، وينالوا عند الله مقاما محمودا ، مع وعد من الله قاطع بنصرهم والتمكين لهم أخذه علي نفسه في قوله تعالي : ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) .

الناس .. والقرآن

استقبلنا حسن البنا علي محطة السكة الحديد بالإسكندرية قبيل المغرب في يوم من عام 1937 ، حيث كان علي موعد ليلقي كلمة في الاحتفال بذكري مولد الرسول صلي الله عليه وسلم في مسجد نبي الله دانيال .

وكنا في هذا الوقت قلة من الشباب ، حتى إذا دخلنا المسجد وقف جمهور المصلين في دهشة واستغراب فإنهم لأول مرة يشاهدون شبابا يدخل المساجد ، فهم جميعا من المعمرين الذين تجاوزت أعمارهم الستين عاما .

وتحدث الأستاذ المرشد العام فقال :

إن مولد رسول الله صلي الله عليه وسلم بدأ بنزول القرآن الكريم ، فلولا هذا الكتاب ما عرف المسلمون شخصية الرسول العظيم ، لهذا كان لزاما علينا أن نتعرف علي هذا الكتاب الكريم . وقال : إن مثل كتاب الله كمثل ساعة ، بعض الناس يتركونها فيلعبون بها ولا يعرفون قيمتها ، وبعض الناس يستفيدون من إصلاحها ، وآخرون هم الذين يستعملونها في الغرض الذي صنعت من أجله .. وهكذا كتاب الله تعالي ، بعض الناس يعقلونها علي الأبواب وبعضهم يضعه تحت وسادته عند النوم وهؤلاء كالأطفال ، وآخرون يقرأونه في الحفلات أو المقابر وهؤلاء هم الذين يتقاضون أجرا عليه ، وقليل من الناس يتعامل مع القرآن فيشرحه ويعلمه ويلتزم بتعاليمه وهؤلاء هم الذين يضبطون به حياتهم ويجاهدون به في سبيل إقامة دولة القرآن .. لذلك فنحن نعمل جاهدين ، لكي يصبح القرآن دستورنا :

لا دستور لنا إلا القرآن .. فلم ينزل القرآن من علياء السماء علي قلب محمد صلي الله عليه وسلم ليكون تميمة يحتجب بها أو أوراد تقرأ علي المقابر وفي المآتم أو ليكتب في السطور ويحفظ في الصدور فقط ، أو ليحمل أوراقا ويهمل أخلاقاً ، أو ليحفظ كلاما ويهجر أحكاما . وإنما نزل ليهدي البشرية إلي السعادة والخير ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات إلي النور بإذنه ويهديهم إلي صراط مستقيم ) .

أليس من العيب أيها المسلمون أن ترضوا بأحكام الأفرنج ولا ترضوا يحكم الله ، مع أن الله تعالي قد وصم كل أمة لا تحكم بأحكام كتابه بالفسق فقال : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) بل جعل الفسق هينا فوضعها بالظلم ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) . إن مثلكم أيها المسلمون عندما تركتم كتاب الله ورائكم ، كمثل الرجل الذي بيده المصباح ، فيأبي إلا أن يطفئه ، ويلتمس غيره عند العميان .

وأن مثل موقف الناس اليوم من كتاب الله تعالي ، كمثل جماعة أحاط بهم ظلام من كل جانب ، فساروا علي غير هدي يخبطون خبط عشواء من أن في أيديهم مفتاح كهرباء لو وصلت إليه أصابعهم ، فبحركة بسيطة يستطيعون أن يضيئوا مصباحا قويا زاهرا مثل موقف الناس اليوم من كتاب الله . وأن العالم الآن ، قد غشيته موجة مادية ، فجعلته كسفينة حار ربانها وأتت عليها العواصف من كل جانب ، فالإنسان قلقة معذبة ، قد اكتوت بنيران المطامع والأغراض ، فهي حاجة إلي عذب من مدي القرآن يغسل عنها أوضار الشقاء ويأخذ بها إلي السعادة .

وإن علماء القانون ، عندما تركوا القرآن ، واتجهوا إلي غيره : مثلهم كمثل الرجل الذي تكدست خزائنه بالأموال ، ثم يتجه إلي المرابين ليفترض منهم بأفحش الفوائد الربوية ولا يفعل ذلك عاقل أبدا .

ويحي علي سـاسة القـانون ويحهـم

علي جهـود أضـاعوها وما وجـدوا

وبين أيديهــم القــرآن يوردهـم

أسمي المنــاهج والأحكـام لو وردوا

أيــها المســلمون

ليس من العجب أن هؤلاء الغربيين ، الذين لم يفتح الله بصائرهم علي نور القرآن الكريم يسيرون علي غير هدي لأن الله تعالي يقول : ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) , ولكن العجب في هؤلاء المسلمين ، الذين لا يخلو جيب من جيوبهم ولا بيت من نسخة من كتاب الله تعالي . .. هؤلاء المسلمون ، استطاع الغربيون أن يبعدوهم من نور قرآنهم وهدي نبيهم ، تارة بالشهوات وطورا بالقوة والعلم ( يعملون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) حتى أصبح المسلمون كما أخبر المصطفي صلي الله عليه وسلم إذ يقول : " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه " قالوا : اليهود والنصارى يا رسول الله . قال : " فمن غيرهم " .

هذا مع أن الله تعالي حذر المسلمين من ذلك فقال ( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم علي أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ، بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ) عجبا عجبا !!

أن دعا الغرب للفوضى أستجيب له

وتنزووا إن دعـا القـرآن والرشـد

يا لهف نفسي علي القرآن قد غـدا

يـودي بأحكامـه أبنــاؤه العـقـد

العــالم العربي اليـوم في محـن

تشـقيه فوضـى عليها الغرب يعـتمد

هذا القرآن الكريم الذي اتخذناه نحن الإخوان المسلمين قانونا لنا ودستورا نستمد منه نورا ونستلهم منه رشدا ، فهو المنقذ حين تترى الخطوب والمحن ، وهو المخرج من ربقة الذل وضلال الفتن ، وهو الصالح لكل جيل في أي عهد أو زمن .

وبعد انتهاء الحفل خرجنا مع حسن البنا وركبنا ( حنطورا ) وأخذنا نجوب حفلات المولد المنتشرة في المدينة كالعادة في هذه الأيام . وكنا نستأذن من القائمين علي الحفل ليلقي الأستاذ البنا كلمة في الذكري . وكثيرا ما كان الصخب يسود هذه الأحفال ، فعادة المجتمع في مثل هذه المناسبات لا يعطي للذكري جلالها ولا للمتحدث الجو المناسب ، ولكن لم يكن هذا المسلك بدافع لنا علي اليأس أو التراجع .

وبعد انتهاء الأستاذ من هذه الجولة ذهبنا إلي دار الإخوان بعمارة ماجستيك بالمنشية ، وهناك سمعت من حديثه .. أنه عندما قام الإخوان بعمل مظاهرات في البلاد انتصارا لقضية فلسطين عام 1936 استدعاه رئيس النيابة في القاهرة للتحقيق معه ، وقبل أن يدخل مكتب النائب تقدم أحد المحامين يطلب من فضيلته أن يدخل معه أثناء التحقيق . ولكن الأستاذ لاحظ أن المحامي يمسك ( بسيجارة ) مع العلم بأن الوقت في شهر رمضان المعظم ، فقال له الأستاذ المرشد : نحن لا نستعين بمن يعصي الله في طاعة الله تعالي :

كنا أذكر أنني ذات يوم ، وكنا نعود من جولة داخل مدينة الإسكندرية .. قلت لفضيلته : أنا غاضب وحزين ومتألم يا فضيلة المرشد ، أليس من أهدافنا تحرير الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي ؟

قال : نعم . قلت : فكيف إذا علمت أن روسيا الشيوعية قد اقتحمت دولة ألبانيا المسلمة .. وبهذا بدل أن نحرر وطننا من الاستعمار فقد ضاع منا وطن آخر !!

قال : وهل أنت متألم إلي هذا الحد ؟ قلت : جدا

قال : وهذا هو المطلوب . قلت : وكيف ذلك ؟

قال : لو أن كل المسلمين تألموا مثلك نكون قد بدأنا الطريق ، فنحن أولا في حاجة إلي يقظة وصحوة ، فالجسم الميت لا يشعر بالألم .

فعلمت أن عودة الوعي هو بداية الطريق في نهوض هذه الأمة ، كما أذكر حين كان الأستاذ المرشد يسير في شارع شريف (صلاح سالم) بالإسكندرية في طريقنا إلي محطة السكة الحديد للعودة إلي القاهرة ، كان الشارع مزدحما ( بالخواجات ) بل هم الكثرة الكاثرة ، وكانوا في أوج العزة والكرامة ، كما كانوا في أبهي وأنظف صورة ، فنظر إلينا فضيلته وقال : أتدرون لماذا يتمتع هؤلاء ( الخواجات ) بهذا المجد وهذا السلطان وهذه السعادة ؟! .. إنهم جاهدوا وكافحوا وقاتلوا واستعذبوا الغربة والبعد عن أوطانهم ، وبعد أن حققوا كل ما يتطلعون إليه من مجد يخنون الآن ثمار جهودهم . ونحن الآن لا ينبغي لنا أن نتطلع إلي هذه المظاهر من الراحة والسعادة التي تشاهدهم فيها قبل أن نحقق أهدافنا في تحرير بلادنا وتحكيم شريعتنا ليتحقق لنا مجتمع إسلامي فيه العزة والأمن والسعادة لكل مسلم ، والطريق طويل والأمل في الله كبير .

حسن البنا .. يحافظ علي جوهر الدعوة

كان ذلك في مؤتمر الطلاب للإخوان المسلمين الذي انعقد بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة عام 1938 حين وقف حسن البنا يخطب إذ تحمس أحد الأخوة من الطلاب فهتف بحياة حسن البنا – ومع أنه لم يردد الحاضرون هذا الهتاف – إلا أن فضيلته وقف صامتا لا يتحرك برهة ، فاتجهت إليه الأنظار في تطلع .. ثم بدأ حديثه في غضب فقال :

أيها الإخوان إن اليوم الذي يهتف في دعوتنا بأشخاص لن يكون ولن يأتي أبدا ، إن دعوتنا إسلامية قامت علي عقيدة التوحيد ، فلن تحيد عنها . أيها الإخوان لا تنسوا في غمرة الحماس الأصول التي آمنا وهتفنا بها ( الرسول قدوتنا ) ( إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) .

وبهذا الموقف وضع الإمام الشهيد شباب الدعوة أمام صورة حية للمحافظة علي جوهر الدعوة والاستمساك بها وعدم التعلق بأشخاص مهما تكن مراكزهم في سيرة العمل الإسلامي . وفي مدينة رشيد أقام الإخوان حفلا بمناسبة ذكري الإسراء والمعراج علي صاحبهما أفضل الصلاة والسلام . وحين جاء أحد المتكلمين في الحفل وقد كان من المتحمسين لنشر دعوة الإخوان ، قام متحدثا إلي الناس فقال : إن مثلنا الآن من فضيلة الأستاذ المرشد وهو يشير إليه ، كمثل رسول الله صلي الله عليه وسلم بين أصحابه ، وما كاد الأستاذ المتحدث ينتهي من هذه العبارة حتى قفز الإمام الشهيد إلي المنصة ثم اتجه إلي الناس قائلا :

أيها الأخوة معذرة إذا كان الأستاذ المتحدث قد خانه التعبير ، فأين نحن من رسول الله صلي الله عليه وسلم . ثم نزل إلي مكانه ولم يستطع الأستاذ المتحدث إكمال الحديث كما بدأه .

وفي اليوم التالي انقطع اتصاله بالإخوان في الإسكندرية وبعد مدة أعلن عن تكوين جمعية التقوى والإرشاد !

لم يكن في استطاعة " البنا " السكون علي هذه التصرفات .. ذلك أنها كانت تمس الأصل الكبير الذي قامت عليه دعوته وجماعته ، فقام ليعذر إلي الله في التو واللحظة ويقطع مسلكا من مسالك الانحراف في طريق الدعوة وأساسها الرباني . فهو الذي علم الإخوان أن لا يهتفوا باسم أحد إلا الله ، ولا يعظموا شخصا ولا يحيوا إنسانا ، إنما تحيتهم لله سبحانه وتعالي .. تحيتهم هتاف لله وحده . استمع إليه وهو يشرح هذا الهتاف ويعمق معانيه في النفوس حين يقول :

• الله غايتنا :

إن دعوة الإسلام أيها المسلمون مبدؤها ومنتهاها أن يتصل الناس بالله صلة حقيقية تطهر من قلوبهم وتغير من نفوسهم وأن يتعرفوا عليه تعرفا حقيقيا وهي الغاية التي قامت عليها السموات والأرض وبعث لأجلها النبيون ويقوم بها الصالحون . فالناس لا ينصلحون ولا تنصلح أحوالهم إلا إذا عرفوا ربهم وأن أمتهم الإسلامية قد ارتكبت كل موبقات الأمم السالفة ، فنريد نحن الإخوان أن نقيمها علي أمر الله ، وذلك لن يكون إلا إذا عرفته وتفتحت قلوبها عليه . فإذا لامست معرفة الله قلب الإنسان تحول من حال إلي حال ، وإذا تحول القلب تحول الفرد ، وإذا تحول الفرد تحول الأسرة ، وإذا تحولت الأسرة تحولت الأمة وما الأمة إلا مجموعة أسر وأفراد .

فإننا حينما نهتف " الله غايتنا " فإنما نريد أن تعلو كلمة الله علي كل كلمة وأن يسود تشريع الله علي كل تشريع وأن يصبح المسلمون جميعا ربانيين . إذا فغايتنا الله ، لأننا ندعو الناس إلي الله ، ونجمعهم علي الله ، ونعرفهم بالله ، ونحن نعلم أننا ما خلقنا في هذا الوجود إلا لعبادته ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) .. ويقول الله تعالي في الحديث القدسي : " يا عبادي ما خلقتكم لاستكثر بكم من قلة ، ولا لأستأنس بكم من وحشة ، ولا لأستعين بكم علي أمر عجزت عنه ، ولا لجلب منفعة ، ولا لدفع مضرة ، وإنما خلقتكم لتعبدوني طويلا وتذكروني كثيرا وتسبحوني بكرة وأصيلا " .

ونحن نأتمر بما أمر الله به رسوله صلي الله عليه وسلم إذ قال له : ( قل إن صلاتي ونسكى ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين ) . وننتصح لما نصح به الرسول صلي الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن عباس إذ قال له : " أحفظ الله يحفظك . أحفظ الله تجده تجاهك . إذا سألت فسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت علي أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا علي أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك . جفت الأقلام وطويت الصحف " .

فنحن لا نتوكل إلا علي الله ، ولا نطلب إلا من الله ، ولا نخاف إلا الله ، فلن نضام مادام معنا الله ، فنحن في نعيم دائم ولو تكاثرت علينا مصائب الدنيا ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ، ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .

• الرسول قدوتنا :

إننا لم نتخذ زعيما من الناس ينعق لنا وننعق له ، ويهتف لنا ونهتف له ، ولكنا بعثنا محمدا في نفوسنا وأحييناه في ضمائرنا .

إن الرسـول لحي في ضمـائرنا

علي الزمان يري منا ويسـتمع

كـأن والله في التنـزيل قـارؤه

يحس صوت رسول الله يرتـفع

فهو صلي الله عليه وسلم زعيم بكل ما في معني الزعامة من قوة وسؤدد لا يدانيه في زعامته أحد من الناس ، ولا يضاهيه في سياسته سواه من الخلائق .. قوة وشدة في غير عنف ، ولين في غير ضعف ، ويقظة لا تلحقها الغرة ، وفراسة تخترق حجب الضمائر ، كأنما تحدثه من أمر عواقبه . ثم بعد ذلك تأييد من الله تتبعه العصمة ويمده التوفيق ، وأية زعامة أخلد علي الدنيا من زعامة محمد صلي الله عليه وسلم ، وأية سياسة أروع من سياسته التي أنتجت في عشر سنين ، أمة وحضارة ودولة في حين لم يكن العرب يعرفون شيئا من ذلك ، إلا أنها زعامة أشار إليها صلي الله عليه وسلم بنفسه فقال : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر " .

فكم من زعماء زالت زعامتهم بمرور الزمن عليهم .. أما زعامته صلي الله عليه وسلم فلا تزال في ازدياد ، وآثار شريعته في نمو واضطراد ، فلا يزيدها تقدم العصور ألا ظهورا وانبلاجا ، وشدة النقد والتمحيص إلا قوة وثباتا ..

كم من زعـامة سـيد لو محصت

يـأتي عليهـا النقـد لا تتجلــد

يبنـون مجدهم علي قهـر الورى

ووالمجـد يبرأ منهـم والســؤدد

الفتـح عنـدهم هـوي وتعـسف

ومما لك تهـوي وأخـري تخمـد

دسـتورك القـرآن أمـا ذكــره

فهـدي وأمـا حـكمـة فمســدد

تعالوا يا زعماء اليوم نلق عليكم درسا من زعامة محمد .. إن فيكم زعماء أحزاب وليس فيكم زعيم أمة ، أما محمد فكان زعيم الإنسانية جمعاء ، بلغتم مكان الزعامة الإقليمية عن طريق الحزبية أو الثروة أو القوة ولم تستطيعوا أن تنسوا ضعفكم الذي ارتفع علي كواهل الغير .. أما محمد صلي الله عليه وسلم ، فقد بلغ الزعامة العالمية عن طريق الفقر والغربة و الجهاد ، وكون في عدد الأصابع من السنين أمة حكمت الدنيا وسيطرت علي العالم ونشرت دين الله في الأرض .

يا زعماء اليوم : إنكم تكونون قبل الزعامة ناسا كالناس ، وتصبحون بعدها آلهة كالآلهة .. أما محمد فقد ملك الحجاز و اليمن وما داناهما من العراق والشام ، وظل ينام علي فراش من أدم حشوه ليف ، ويبيت الليالي هو وأهله لا يجدون العشاء ويمكثون الشهر لا يستوقدون نارا – إن هو إلا التمر والماء – ولما حضرته الوفاة كانت عنده سبعة دنانير فخاف أن يقبضه ( الله ) وهي عنده ، فقال لأهل بيته : وزعوها علي فقراء المسلمين . ولكن اشتغالهم بتمريضه وشدة وطأة المرض عليه أنساهم تنفيذه أمره ، فلما أفاق من غشيته سألهم ماذا فعلوا بالدنانير ؟ ، قالت عائشة ما تزال عندها ، فأمرها بإحضارها ، ثم وضعها علي كفه وقال : " ما زن محمد بربه إذا لقي الله وهذه الدنانير عنده " .. حقا كانت الدنيا في يده وليست في قلبه .

هذه هي زعامة محمد صلي الله عليه وسلم يا زعماء اليوم .. ! فهل تجدون بين زعامتكم وزعامته صلة ، أو بين سياستكم وسياسته مشابهة ؟ إن البشرية لتفخر بانتساب رجل كمحمد إليها ، إذ أنه رغم أميته استطاع أن يؤسس دولة ويؤلف أمة وينشر دينا . ذلكم محمد الذي اتخذناه زعيما لنا نهتدي بهداه ونفتدي به ونسير علي منواله ، ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ونعمل علي ابتعاث تراثه واستعادة مجده .

وعلي هذا كان " البنا " يعمل جاهدا علي تنمية هذا الوعي العقدي في نفوس جماعته .. فقد كان – رضي الله عنه – يدرك أن تكاليف العمل الإسلامي ضخمة وشاقة ، وأن النهوض بها يحتاج إلي بنيان حركي متين فيه كل مقومات الصمود والاستمرار والنجاح .. هذه المقومات التي تبعث علي صمود الحركة وانتصارها هي وعيها العقيدى .. وعيها كحركة ووعيها كأفراد . ذلك أن الرسول صلي الله عليه وسلم كان شديد الحرص – منذ اليوم الأول – علي أن يأتي بناء الجماعة المسلمة نتيجة الوعي العقائدي ، وثمرة الالتزام به والانقياد له والتفاعل معه .. لم تكن " العاطفة " هي قوة الدفع في كيان الجماعة بل كانت العقيدة أساس البناء كله .. كان الإيمان الواعي وقود النفوس ومحركها الأصيل في جهادها الشاق الطويل ..

وهذا ما جعل بناء الجماعة المسلمة الأولي فريدا في مظهره وجوهره .. لم يتخذ شكلا " حزبيا " كالذي نراه في التنظيمات السياسية والحزبية الحديثة .. ولم يتخذ شكلا " زعاميا " يكون الناس فيه " قطيعا " يسير وراء الزعيم علي غير هدي .. إنما كانت ملامح هذه الجماعة تؤكد العمق العقائدي فيها . لم تكن التبعية في التجمع الإسلامي الأول لأشخاص .. كما لم يكن الإقبال عليه والانتساب إليه يستهدف مصالح العاملين فيه ... بل أن التبعية كانت للمبادئ ، وكان طمع الأتباع يستهدف رضاء الله عز وجل .. قال شداد بن الهاد : " جاء رجل من الأعراب إلي النبي صلي الله عليه وسلم ، فآمن به وأتبعه . فقال : أهاجر معك . فأوصي به بعض الصحابة .. فلما كانت " غزوة خيبر " غنم رسول الله صلي الله عليه وسلم شيئا ، فقسمه وقسم للأعرابي .. فقال الأعرابي للرسول ما علي هذا اتبعتك ... ولكن أتبعتك علي أن أرمي ها هنا – وأشار إلي حلقه – بسهم فأموت فأدخل الجنة . فقال الرسول صلي الله عليه وسلم : إن تصدق الله ليصدقك الله . ثم نهضوا إلي القتال . فأتي به وهو مقتول . فقال الرسول أهو هو ؟ فقالوا نعم . قال : صدق الله فصدقه " .

هذا الوعي العقائدي هو الذي حفظ كيان الجماعة المسلمة من الانفراط بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم . ولقد تجسد في أبهي صورة وأوقع بيان حين وقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه يعلن علي الملأ : " من كان يعبد محمد فإن محمد قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت " ثم قرأ علي الناس قول الله تعالي : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، أفئن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم ) . لقد تجلي هذا الوعي في حياة المسلمين الخاصة والعامة .. كان البصر الثاقب ، والعقل الراجح ، والبصيرة النافذة .. بل كان الضياء والنور وصوت الضمير في كيان الفرد والجماعة .

لقد كان حسن البنا حريصا علي أن يترسم بجماعته خطي الجماعة المسلمة الأولي تنظيما ووعيا وتربية والتزاما ، لتكون في مستوي الأعباء الضخمة التي حملتها بعد أن تخلي عنها الناس .. أنظر إليه – رضي الله عنه – وهو يشترط في بيعته أن يكون " التجرد " صفة لازمة للأخ المسلم حيث يقول : " وأريد بالتجرد : أن تتخلص لفكرتك من كل ما سواها من المبادئ والأشخاص ، لأنها أسمي الفكر وأجمعها وأعلاها ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ) ( قد كان لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ، إذ قالوا لقومهم : إن برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم ، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا ، حتى تؤمنوا بالله وحده ) .

حرارة العاطفة ورقة الشعور

بعد أن أدي الأستاذ المرشد صلاة العيد توجه إلي دار المركز العام القديم بالحلمية الجديدة ، وتوافد الإخوان لتهنئته بالعيد ، وجلست في زاوية من الحجرة الفسيحة أرقبه ، فكان رحمه الله يستقبل كل أخ مسلما عليه باسمه أو كنيته بحرارة وابتسامته ويشير إليه ليجلس . ثم يتابعه بالسؤال عن صحته والاستفسار عن أحواله الشخصية التي كان يعرف الكثير منها حيث كان موضع ثقة الإخوان ومشورتهم . ودخل أحد الإخوان فسلم عليه وهنأه ثم قال له : لعل الأمر قد انتهي بخير والأخ الطبيب قد وفقه الله . فقال الأخ : ببركة دعواتكم يا فضيلة المرشد .. وكانت هذه الكلمات مدعاة ليسأل بعض الأخوة هذا الأخ عن الموضوع وهي مشاركة أدبية واجبة تفرضها آداب الإسلام وأخلاقه ، فتبسم الأخ قائلا : الموضوع أن فضيلة المرشد كان عندنا في البلد وكانت عندي جاموسة متعسرة في الولادة فلما علم بذلك نصحني بإحضار طبيب لإنقاذها .

ثم تحدث أحد الأخوة من الحاضرين فطلب من الأستاذ المرشد أن يتصل بوزير الأوقاف لمساعدته في بناء مسجد بالبلد .. فقال له : طبعا يستحسن أن نتصل به الآن أولا لتهنئته بالعيد ، وبعد العيد نتحدث معه في هذا الموضوع . ثم دخل بعد ذلك أحد الأخوة ومعه طفلان فاستقبله الأستاذ المرشد أحسن استقبال ثم قبل الطفلين وأجلس كل واحد منهما علي ناحية بجواره ، ودق الجرس فحضر الأستاذ أنس الحجاجي فهمس في أذنه بكلمات وانصرف ، ثم عاد بعد قليل ومعه قطعتان من الحلوى ( شيكولاته ) فأعطي الأستاذ المرشد لكل طفل منها واحدة .

وبعد فترة نزل الإخوان إلي فناء المركز العام حيث ضاقت الحجرة بهم وجاء الأستاذ المرشد وشاركنا الحديث وأجاب علي بعض الأسئلة ، وبينما نحن كذلك إذا بعزيز باشا المصري يدخل علينا فحيانا وصعد إلي الدور العلوي وبقي الأستاذ المرشد جالسا معنا ، وبعد قليل جاء الأستاذ أنس يخبر فضيلته بوجود الباشا ويطلب مقابلته . فستأذن فضيلته قائلا : هل تسمحوا لي ؟ وبعد المقابلة التي لم تطل كثيرا عاد البنا واستأنف حديثه معنا . وبعد صلاة الظهر انصرفنا وعاد إلي منزله بأمان الله . وهكذا كان يعيش الأستاذ بين الإخوان بكل حواسه ومشاعره وكله حركة وحياة ويقظة . وأنقل هنا ما سجله أحد الأخوة عن حساسية الإمام الشهيد .. كتب الأخ يقول :

" .. دخلت عليه ، فقابلني بالبشر والترحاب ، وقال : ستسافر يوم الثلاثاء للسودان " . فقلت علي الفور : أمر مطاع يا فضيلة المرشد . وأردت أن أنصرف ، ثم ألتفت إليه فجأة وقلت : ولكن يا فضيلة الأستاذ !؟ قال ( رحمه الله ) : ولكن ماذا ؟ قلت : إن لي مشاكل كثيرة وشكاوي وفيرة ، أود أن أتحدث إليكم فيها – بعضها عام وبعضها خاص –

فقال : هون عليك ، وكل أمرك إلي الله ..

قلت : ولكني أودك أن تعرف ..

فقال : إنني أعرف ..

قلت : إذا أنا أسعد ما أكون ، مادمت تعرف .. ولكنه استبقاني ، وأخذ يتحدث عن مشاكلي وشكاواي يتحدث هو بنفسه لنفسه .. عجبت والله كل العجب ، لأنه أحاط بدقائق نفسي ودخائل حسي ، بل أن هناك مسائل كانت في باطن الشعور ، هو الذي ذكرني بها .. وما انتهي من حديثه حتى قلت : والله يا فضيلة الأستاذ ، إني سعيد كل السعادة ولا أشكو من شيء أبدا .. قلت ذلك وصوتي متهدج ودموعي منهمرة وأحاسيسي متدفقة ، ثم هجمت عليه ، وكان واقفا ولا شيء علي رأسه .. هجمت عليه واحتضنته بين ذراعي في شدة وعنف وأخذت أقبل رأسه .. فاستمر هذا الموقف فترة من الزمن ، وهو صامت مستسلم ، ولم أتركه إلا حين دخل علينا الأخ الأستاذ سعد الوليلي ، وإذا بالأستاذ يبكي بكائي وعيناه مليئتان بالدموع .

وكثيرا ما كان هذا البطل القوي يبكي بدموع غزار ، وإني لأذكر في ذلك اليوم أن أستلم ذات يوم بدار " الشهاب " برقية من والد أحد الشهداء في فلسطين ، ردا علي برقية من فضيلة الأستاذ له ، وكانت برقية والد الشهيد برقية مؤثرة فيها تضحية وفدائية واستبسال ... بكي الأستاذ كثيرا ، وبكي الحاضرون ، وكانت لحظات من الحساسية المرهفة والشعور العميق ! وهذه لمحة خاطفة علي كل حال للذكري والتبصرة .

الكلمة .. دعوة

1 – كان من أدب الإخوان بالقاهرة إذا أراد أحدهم أن يسافر إلي بلدته استأذن في ذلك من الأستاذ المرشد رحمه الله . فضلا عن أنه إذا كانت هناك رسالة أو مهمة تقتضي السرعة كلفه بها . وذات يوم توجه الأخ الحاج عبد الرازق هويدي يستأذن في السفر إلي بلدته ، فلما استفسر منه فضيلة المرشد عن سبب سفره المفاجئ أخبره أن جده مريض ويريد عيادته ، فدعا له وأبلغه تمنياته له بالشفاء وتوجه الحاج عبد الرازق إلي بلده – وفي اليوم التالي فوجئت عائلة هويدي بالأستاذ المرشد يحضر لزيارة جدهم الكبير وكانت مفاجأة أثارت اهتمام العائلة جميعا فأسرعت ترحب بمقدمه . وشباب عائلة هويدي لهم ميول سياسية متباينة فمنهم الوفدي ومنهم السعدي وحول سرير الجد الكبير دارت بعض الأحاديث الخفيفة . وقال الجد كلمات ترحيب وشكر للأستاذ المرشد ونوه بفضل الإخوان في أنهم جعلوا من الحاج عبد الرازق شخصية إسلامية مؤمنة . فرد الأستاذ المرشد فقال أنه لا فضل للإخوان في ذلك . فالإخوان والحمد لله يرزقون من كل عائلة كريمة من يمثلهم في جماعة الإخوان المسلمين .

ونزلت هذه الكلمات الرقيقة الواعية علي قلوب الجميع بردا وسلاما وتذوقوا منها وبها قيمة الدعوة والداعية .

2 – وأذكر يوم توفي إلي رحمة الله والد أحد الإخوان الفضلاء في أسيوط وكان علي خلاف مع الإخوان منذ سنين .. أسرع فضيلة المرشد مسافرا من القاهرة إلي بلدته – وحين وصل استقبل أحسن استقبال وحين جاء وقت صلاة العصر توجه جموع المعزين إلي المسجد وبعد أداء الصلاة – طلب المصلون من فضيلة الأستاذ المرشد أن يلقي عليهم موعظة فوقف المرشد وشكرهم وقال : لقد جئت معزيا ولم آت داعيا وكانت هذه الكلمات المخلصة الكبيرة المعني هي أعظم دعوة .

3 – وفي كفر المصيلحة بلدة عبد العزيز باشا فهمي حدثت مشادة بين الإخوان وبين أفراد عائلة الباشا ، وكان من عادة الأستاذ البنا ومن أخلاقه الإسلامية أنه إذا نزل بلدا فإنه يبدأ بزيارة عمدتها أو كبيرها . ومن وراء هذا المعني مدلولات لا حصر لها .

وعلي أثر هذه المشادة توجه بعض الإخوان من كفر المصيلحة إلي القاهرة وقدموا شكواهم إلي فضيلة المرشد وقالوا فيما قالوا أنه بعد ذلك لا يستحب لفضيلتكم أن تقوم بزيارة عبد العزيز باشا فهمي عند حضورك للبلدة ، وصرفهم الأستاذ المرشد ونصحهم أن يلتزموا الحكمة والصبر . ومضت الأيام واعتزم زيارة كفر المصيلحة – واستقبل الإخوان مرشدهم هذه المرة بصورة شعبية حماسية . وسار الموكب متجها ناحية شعبة الإخوان المسلمين – غير أن الأستاذ البنا طلب من السائق التوجه إلي دار عبد العزيز باشا فهمي كالعادة – ولم يستطع السائق إلا تنفيذ طلب الأستاذ أمام تعجب الإخوان ودهشتهم وسار الموكب حتى وصل إلي منزل الباشا الذي كان هو وعائلته يتشككون في هذه الزيارة بعد الذي حدث واستقبله الباشا وعائلته استقبالا كريما وودعوه وفي المساء ازدحم السرادق بالإخوان والذين جاءوا ليزيدوا النار اشتعالا ويصطادوا في الماء العكر .

ووقف حسن البنا وحلق بالناس جميعا في عالم جديد بعيد كل البعد عما يجول في خاطرهم حتى إذا رطب النفوس وربط بين القلوب برباط الإسلام الحنيف عاد إلي الموضوع ، فقال أنه جاءه منذ مدة وفد من الشعبة وحدثوه عن المشادة التي حدثت بين الإخوان وبين عائلة عبد العزيز باشا فهمي وقالوا له أنه لا يستحسن بعد ذلك أن تبدأ بزيارته كالمعتاد ووعدتهم خيرا ولكن الإخوان كما تعلمون يصدرون في كل تصرفاتهم عن عقيدة وشريعة لا يحتكمون إلي هوي ولا يقادون إلي شهوة ( ولا يجرمنكم شنآن قوم علي أن لا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ) ، لهذا حين جئت إلي هذا البلد الطيب كان لابد أن أدخل البلد من الباب ولا يمكن أن أدخله من الشباك ، والباب الوحيد لهذا البلد هو منزل عبد العزيز باشا فهمي . حتى إذا أنهي الأستاذ المرشد هذه الكلمات الحكيمة المؤمنة تعالت الهتافات ( الله أكبر ولله الحمد ) من الناس جميعا .. الإخوان وغير الإخوان وأعداء الإخوان .

وتصافحت الأيدي وربط الله بين القلوب وهكذا فقه المرشد رحمه الله بعمق معني قوله تعالي ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلي الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) .

حسن البنا .. يطالب بحكم الإسلام

منذ أكثر من أربعين عاما كتب الإمام الشهيد رضوان الله عليه رسالة إلي أحمد خشبة باشا وزير الحقانية في مصر حين ذاك ، يعذر فيها إلي الله ويطالبه بالحكم بما أنزل الله ، في الوقت الذي كان يعكف فيه علي تربية جيله المؤمن الجديد . وقد أفضي إلي ربه شهيد الدعوة التي عاش لها ، وبقي الجيل الذي رباه أمينا مصرا ، لا يرضي إلا بالحق ، ولا يميل مع الريح .

( حضرة صاحب المعالي أحمد خشبة باشا وزير الحقانية ) .

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأصلي وأسلم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تمسك بشريعته إلي يوم الدين ، وأرفع إليك تحية الإخوان المسلمين فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

لست في حاجة إلي أن أتقدم إليكم بالبراهين الكثيرة والحجج المتضافرة علي أن دواء هذه الأمة في رجوعها إلي هدي الإسلام في كل الشئون ، وأول هذه الشئون القانون ، فأنت بحمد الله – فيما أعتقد – مقتنع بهذه الفكرة : سمعتك تتحدث بها وتدلل عليها وتعمل لها وأنت خارج الحكم ، وأنت عضو مجلس إدارة الشبان المسلمين ، وأنت أمين صندوق اللجنة العامة للدفاع عن فلسطين ، وأنت رئيس جماعة أحياء مجد الإسلام . والآن ( معالي الباشا ) وقد جاء دور العمل وواجهنا الحقائق ، ودخلنا بوتقة التجارب ، وأصبحت وأنت شيخ القضاة ورأس المشرعين في مركز تستطيع فيه أن تحقق ما يرجوه المسلمون جميعا ويتمونه ، ويريدون الحصول عليه مهما كلفهم ذلك من أثمان ، وما كنت أنت نفسك تتمناه وترجوه وتؤمن بصلاحيته وتعتقده ، من وجوب تعديل القوانين ، وتوحيد المحكمة المصرية حول شريعة الإسلام – الآن وقد صرت راعيا مسئولا عن الرعية من ناحيتك .

إن صدور الأمة محرجة أشد الحرج لشعورها بأنها تحكم بغير كتاب الله وقانونه وشريعته ، وإن الشعوب إن تعودت الصبر حينا فإن الانفجار نتيجة طبيعية لهذا الصبر في كثير من الأحيان . وليس يحرج النفس شيء أكثر من الاصطدام بالعقيدة الراسخة الثابتة . وإن قوانيننا الحالية تنافي الإسلام وتصدمه وتحطمه في نفوس المؤمنين به وهم كل هذا الشعب ، وقد تفتحت أذهان الأمة وأدركت بعد ما بينها وبين دينها في هذه الناحية فشعرت بالحرج الشديد إن بقيت الحال علي ما هي عليه ، فلا تلجئوا الناس إلي عصيان القوانين واحتقار الشرائع والتبرم بالقضاء وبالأحكام .

هذا في الناحية الكلية ، وفي الناحية الجزئية قد بين القرآن كثيرا من الأحكام في كثير من الشئون المدنية والجنائية والدولية والتجارية وماليها ، وأكدت الأحاديث الصحيحة كل ذلك وأيدته ، وما أنزلها الله وقدرها إلا ليعمل بها المسلمون ، وينتهوا إلي حكمه فيها ، ويستمدوا منها ويطبقوا عليها ، فإذا كانت قوانيننا وشرائعنا والدستور نفسه مستمدة من معين غير هذا المعين مستقاة من مصادر أوروبية بحتة : بلجيكية وفرنسية ورومانية وهي في كثير من كلياتها وجزئياتها تتناقض تناقضا صارخا مع التعاليم الإسلامية الصريحة ، فكيف يكون موقف المسلم الذي يؤمن بالله وكتابة فيما إذا عرضت قضية حكم فيها بغير ما أنزل الله وكان الحكم مناقضا لدين الله ؟ وكيف يستحل القاضي هذه المخالفة ، وكيف يستسيغها وكيف يتحمل تبعتها شيخ القضاة ووزير العدالة والتشريع بين يدي أحكم الحاكمين ؟

أنقذونا يا (باشا) من هذا الحرج وأخرجونا من هذه الورطة ، ولا تجعلوا أعمالنا تصطدم بعقائدنا . وأنا أعرف كثيرا من الناس يفضل ضياع حقوقه مدنية أو جنائية أو تجارية علي أن يقف بين يدي قاض يحكم بغير ما أنزل الله . إن التبعة (يا باشا) كبيرة ، ولئن كان هذا الحساب شديد إن حساب أشد ، ومهمتنا التذكير ، ولا يعني أن تتعلل بالمعاذير فإن الله لا ينظر إلا إلي القلوب والأعمال . هذه من الوجهة الروحية البحتة – ولنأت من الوجهة القانونية .

ألم يعترف كبار رجال القانون من مصريين وأجانب بأن الشريعة الإسلامية من أخصب منابع التشريع وأزكاها وأدقها وأشملها ؟ ولم ننس بعد تصريح المسيو بيولا كازللي بوجوب تصحيح القواعد الفاسدة في القانون الفرنسي المعمول به في مصر طبقا للشريعة الإسلامية به ولم ينس كذلك محاضرات المسيو لامبير وتصريحاته الخطيرة الواضحة في هذا الشأن ، ولم ينس بعد تقارير مؤتمر لاهاي في الإشادة بالشريعة الإسلامية وامتداح نظرياتها القانونية والبحوث القيمة وكفايتها في التشريع التام . وفي مصر كثير من أعلام رجال القانون يؤمنون بذلك ويصرحون به ويودون أن يكلفوا الاضطلاع بهذا العبء . وعجيب أن يكون من بينهم المستشارون في المحاكم المختلطة به المحاكم الأهلية ، ومن هؤلاء محمد (بك) صادق فهمي رئيس محكمة المنصورة المختلطة ، والأستاذ عبد الرازق السنهوري (بك) عميد كلية الحقوق السابق ، كما أشار إلي ذلك حضرة كامل (بك) مرسي ، و عبد الفتاح (بك) السيد والأستاذ علي بدوي من أساتذة القانون في المحاكم وفي كلية الحقوق .

والبحث العلمي أعدل شاهد علي صحة هذه النظريات وما قال هؤلاء ما قالوا إلا بعد دراسات طويلة وبحوث عميقة خلدوا بعضها بكتاباتهم وبقي بعضها مستقرا في نفوسهم إلي الوقت المناسب ، وليس المقصود من هذا الخطاب هذه الموازنات ، فذلك له موضع آخر . ولنأت إلي الأمر من وجهته العملية .

لقد عاشرتنا هذه القوانين خمسين عاما ونيفا ، فماذا أفادت منها الأمة إلا كثرة الجرائم وتزايدها عاما بعد عام ، ويوما بعد يوم ، وانتشار الموبقات وارتكاب الجنايات ؟ ذلك أنها لا تتفق مع طبيعتنا ، ولا تصلح في بيئتنا ، ولا تجدي في علاج أدوائنا ، ولا دليل أصدق من الواقع المشاهد . وذلك في الوقت الذي تري فيه البلاد الإسلامية التي أخذت بشيء من تشريع الإسلام قد استتب فيها الأمن ، وتوطدت السلطة وعمت السكينة ، وساد احترام القانون ، واطمأن الناس علي الدماء والأموال والأعراض . فهلا تريد مصر أن تصل إلي هذه النتيجة المرضية برجوعها إلي تعاليم الإسلام وشرائع الإسلام ؟

يا سيدي ( الباشا ) :

الأمر واضح لا يحتاج إلي بيان . وبقيت بعض شبهات بها الذين يقفون في طريق الإصلاح بحسن قصد أو سوء قصد ، نحب أن نناقشها في إيجاز وأنا معتقد أن معاليكم أعرف الناس بأن هذه الشبهات أو هي من أن تقف في سبيل إصلاح ما يقول هؤلاء المرتابون :

أولا : إن في مصر عناصر غير إسلامية إن حكمت بأحكام الإسلام كان ذلك متنافيا مع حرية الدين التي كفلها الدستور للمواطنين ، وإن حكمت بغير أحكام الإسلام كان ذلك نوعا من الامتياز البغيض الذي حمدنا الله علي التخلص منه وإزاحة كابوسه عن الصدور . هذه الشبهة مردودة بجزءيها ، فإنهم إن عوملوا بتعاليم الإسلام لم يكن في ذلك اصطدام بحرية الدين ، فإن الحرية المكفولة هي حرية العقيدة وحرية العبادة والشعائر وحرية الأحوال الشخصية ، أما الشئون الاجتماعية فهي حق الأمة ومظهر سيادتها ، فهم فيها تبع للأكثرية ، فإذا ارتضت أكثر الأمة قانونا في هذه الشئون الاجتماعية بصرف النظر عن مصدره فهو قانون للجميع ، إذ أن محاربة الجريمة من حق الدولة ، بدليل أن الأمم الأوروبية وهي التي تفخر باحترامها للحرية والحقوق الشخصية ، وتزهي بأنها أقرت الديمقراطية ، ونادت بحقوق الإنسان – مع هذا هي تعامل كل نزلائها وأقلياتها بحكم القوانين الموضوعة المرضية عندها بصرف النظر عن أديانهم وعقائدهم ، فالإنسان في فرنسا أو انجلترا أو ألمانيا أو نحوها ، سواء أكان نزيلا لا يتمتع بجنسيته الخاصة أو مواطنا يخالف الأكثرية في الدين ، يحاكم بمقتضي قانون البلاد الموضوع دون نظر إلي قانون بلده أو تشريع دينه . وغير ذلك لا تتحقق سيادة الأمة ولا يتحقق استقلالها الداخلي . هذا إن عوملوا بأحكام الإسلام وبشريعته .

وإن عوملوا بحسب شرائعهم مع الاحتفاظ بحقوق الدولة كاملة معهم ليس في ذلك امتياز يخيف ، فإن المساواة في الأحوال الشخصية بين المسلم وغير المسلم مفقودة إلا إذا رضي غيره بذلك . ولا يقال أن قرارنا لهؤلاء المخالفين علي أحكام دينهم في أحوالهم الشخصية امتياز ممنوح لهم يفضلون به غيرهم ، بل هو أمر خاص بهم ، وأما الامتياز المؤلم فهو أن تضيع حقوق أبناء الوطن في سبيل الأجانب وغير المسلمين بحكم الضعف والاستكانة والذلة والمهانة . و الإسلام الفسيح الذي لا يحتم علينا أي الطريقين فنحن نختار . والأولي إلينا أحب وبحالنا أوجب ، ولأمر ما قال الله تبارك وتعالي في صدر آيات الحكم بتنزيله : ( فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) . علي أننا نعرف كثيرا من أفاضل رجال القانون من مواطنينا المسيحيين جهروا كثيرا بأنهم يودون لو عوملوا بأحكام الشريعة الإسلامية في كل شيء .

ثانيا : ويقولون كذلك أن كثيرا من هذه التشريعات لا يمكن تطبيقه عمليا . ولنأخذ مثلا ( الربا ) فهل نستطيع إبطاله من محاكمنا وقانوننا ونحن مرتبطون بالنظام الاقتصادي الدولي العام . والشبهة مردودة كذلك بما نشاهد من أحوال الدول القوية العزائم التي وضعت لنفسها نظما اقتصادية خاصة فرضتها علي أممها وأجبرت العالم علي احترامها ، وكان العامل الأكبر في ذلك صدق عزيمة حكوماتها وحسن استعداد شعوبها ، فلا عقبة أمامنا في مثل هذا إلا الوهن ، وتجسيم الأمور والخوف الذي لا مبرر له . ونحن والحمد لله أمة غنية بمواردها ، وكل المواد الحيوية الضرورية موفورة لدينا ونستطيع الاستغناء إلي حد كبير عن غيرنا – مع حفظ كياننا الاقتصادي لو صحت عزائمنا – ماذا فعلت إيطاليا حين وقفت أمامها بالمرصاد اثنتان وخمسون دولة فيها الدول العظمى وفرضت عليها العقوبات وحصرتها داخل ديارها ؟ ألم ترغم هذه الدول علي احترام مشيئتها وتقدير عزيمتها ، وتنفذ قرارها بدون سيف أو نار ، ولكن بغيرة الشعب وعزيمة الحاكمين . وماذا فعلت الدول لهتلر حينما أصدر أمره بعدم خروج النقد من ألمانيا بتاتا ؟ هل وقف دولاب التجارة في ألمانيا أم احترمت الشعوب الأخرى هذه الإرادة وعاملت ألمانيا علي أساس المبادلة التجارية .

لا يقال أن هاتين الدولتين قويتان ونحن ضعفاء ، فليس الكلام في حشد الجيوش وتجهيز المعدات ، ولكن نتكلم في البيع والشراء والأخذ والعطاء ، وكل شعب مهما ضعف حر في ذلك كله إن حددت وجهته ، واستبانت غايته وقويت عزيمته . إن الشعوب الأخرى يهمها أن نكون معها شرفاء في المعاملة . ونحن نلاحظ أن كثيرا من المصارف والدائنين يرضون بالتسويات وفيها نزول عن شيء من الحق الأساسي في سبيل الحصول علي الحق نفسه ، فإذا منع القانون التعامل بالربا وتشدد في استيفاء الحقوق كان في ذلك الضمان الكافي للممولين الآخرين ، ورضوا به واطمأنوا إليه ، وعاملونا علي غير أساس الربا والمحرم شرعا في كل كتاب .

ولماذا لا تكون مصر السابقة بإنقاذ العالم (من نظام الربا البغيض) ولماذا لا تبشر حكومة مصر بهذا المبدأ السامي الإنساني الرحيم ، ولماذا لا نرفع راية الدعوة إلي تحرير الإنسانية من رق الربا وإقناع الشعوب بوجاهة هذه الفكرة كما رفعت بعض الدول الأوروبية راية الدعوة إلي تحرير الإنسان من رق العبودية ، وأقنعت الشعوب بوجاهة نظرتها وكسبت فخر هذا الدفاع ؟ ولم الخوف وفيم اليأس ؟ وهل نعجز عن أن نقدم للإنسانية خدمة جليلة ونحن الذين أنقذناها في كثير من المواقف ، وأشعلنا بين كثير من أممها شعلة العرفان والنور ؟ ليس هذا من الشعر ولا من الخيال (يا باشا) ولكنها حقائق سيتنبه لها العالم ، ونريد أن يكون لنا شرف السبق بهذا التنبيه .

ولماذا لا تكون هذه الخطوة (يا باشا) سبيلنا إلي الحرية الاقتصادية ، وطريقنا إلي تعويد هذا الشعب الذي طال به عهد الاعتماد علي الغير أن يعتمد علي نفسه وعلي موارده ، وأن يستغني في كثير من شئونه عن الناس ؟ وهل هناك فرصة أثمن من هذه ؟ وهل هناك عامل يساق به هذا الشعب المتمسك بدينه أقوي من الدين ؟ وهل هناك إنقاذ لهذا الشعب الفقير أعظم من إنقاذه من اللصوص السرقة من المرابين ؟ هذا مثل أحببت أن أتقدم به لدحض هذه الشبهة : شبهة صعوبة تطبيق الشريعة الإسلامية ، وأخرت لذلك أعقد المسائل وألصقها وأمسها بحياة الناس حتى لا يكون هناك قول لقائل ولا حجة لمعتذر .

ثالثا : ويقولون أننا حين نطبق هذه الشرائع الإسلامية في قطع يد السارق ورجم الزاني وما إلي ذلك ترجع بالأمة إلي عهد الهمجية ، وتفوت عليها فرصة الانتفاع بما بلغت من رقي ومدنية ، ونسلكها في نظام الأمم المتأخرة المتبربرة . وهذا كلام لا يساوي سماعه ولا يستحق أن يرد عليه ، وإنما أملاه علي هؤلاء الناس تطلهم من عقدة النظم الاجتماعية وعكوفهم علي الإباحية في كل شيء ، واعتداؤهم علي ما ليس لهم من أعراض وأموال ، وتخوفهم من أن يكونوا الضحايا الأولي لتطبيق هذه النظم الحازمة ، وما كانت الجريمة في يوم من الأيام مظهر المدنية ولا الرقي ولا كان القانون الذي يستأصل الجريمة ويقضي عليها – مهما كان من شدته – قاسيا ولا رجعيا ، ولكنه عين التقدم ومظهر الارتقاء الصحيح . وهي أحن قديمة ، وأفكار بالية عتيقة ، آن لها أن تنقرض ، وآن للمصلحين ألا يعيروها شيئا من الاهتمام بعد أن رأينا أن الفكرة العامة للتشريع أصبحت متجهة إلي أخذ المجرمين بالحزم واستبدال السبل الرادعة والأحكام الزاجرة بمظاهر الرخاوة القانونية التي ساعدت علي انتشار الجرائم في الأمم ، وجعلت القوانين تكاد تكون عديمة الفائدة في تهذيب الناس ، وأضاعت علي الشعوب كثيرا من الأموال والجهود في المحاكم والسجون والشرط والموظفين والقضائيين بغير طائل .

نحن نريد النتائج العملية ولا عبرة بزخرف القول وتزويق العبارات . ويقولون أن ذلك غير ممكن عملاقان رجال الشريعة الإسلامية لا يحسنون التنسيق الواجب ورجال القانون لا يلمون بالشريعة الإسلامية الإلمام الكامل ، ومتى كان الأمر كذلك فمن يتولي إخراج القانون الإسلامي الجديد للناس في صورة منسقة وصياغة قانونية تامة ؟ وتلك شبهة واهية كذلك ، والتعليق علي هذه الصعوبة من أهون المسائل ، والدعوى غير صحيحة علي إطلاقها ن فإن من رجال الشريعة الإسلامية من يحسن التنسيق القانوني إلي حد كبير ، ومن هؤلاء الأستاذ الشيخ أحمد إبراهيم (بك) وكيل كلية الحقوق . وأن من رجال القانون من درس كثيرا من مسائل الشريعة دراسة تامة عميقة ، ومن هؤلاء الأستاذ السنهوري . ونسوق ذلك علي سبيل المثال ، وإلا ففي رجالنا والحمد لله خير كثير . وقد اضطلع الأستاذ السنهوري وحده بكثير من هذا العب يوم دعي لتنسيق القانون في العراق فأحسن وأجاد .

وأخيرا : يرجف هؤلاء القائلون بفكرة مادية بحتة تدور حول المصالح الشخصية فيقولون أنكم بهذا تعطلون هذا الجيش من رجال المحاكم الأهلية قضاة ومحامين ومستشارين محترمين ، وتتعصبون لرجال المحكمة الشرعية علي اختلاف أعمالهم ، فتعطون قوما أكثر مما يستطيعون أن يقوموا به وتحرمون الآخرين من كل شيء . ذلك إلي أنكم ترون أن المحاكم الأهلية أدق نظاما وأعظم في الإجراءات أحكاما من سابقتها ، فكيف تريدون أن تحملوا المنظم الدقيق علي ما هو أقل منه في ذلك وهذه مغالطة مكشوفة فليس العلم وقفا علي قوم دون آخرين ، وفي وسع القاضي الأهلي والمحامي الأهلي أن يدرس أحكاما الشرع الإسلامي في بضعة شهور . والنظام في المحاكم لا يتقيد بنصوص مواد القانون ، وإنما يرجع إلي أسباب أخرى كلها تزول إذا أصحت العزائم . علي أننا لا نريد بهذا الإصلاح تعصبا لناحية بل نريد أن يزول هذا التفريق كله ونقضي علي هذا الانقسام في حياة أمة تسير إلي الوحدة ، ولا قوة لها إلا بالوحدة ، فلا محاكم أهلية ولا محاكم شرعية ، ولكن محكمة واحدة إسلامية علي أدق النظم وأحكم الإجراءات . عماد قانونها شريعة الله وحكم الإسلام .

هذه هي بعض الشبهات التي تقال وقد رأيتم (معاليكم) أنها مردودة بالحجة ، مدفوعة بالبرهان ، وذلك شأن كل شبهة يميلها الهوى ويراد بها الصد عن الحقائق . لم يبق بعد ذلك عذر (يا باشا) ولهذا يتوجه الإخوان المسلمون إليكم بالرجاء معتقدين أنهم في ذلك إنما يمثلون الأمة الإسلامية جميعا بهذين الطلبين :

أولا : أن تسلموا معهم بمبدأ ( وجوب العودة إلي التشريع الإسلامي وتوحيد المحكمة المصرية علي أساسه من الآن ) .

ثانيا : أن تأمروا بإعادة تشكيل لجنة تعديل القوانين الحالية التي يرأسها الأستاذ كامل (بك) صدقي تشكيلا جديدا يحقق هذه الغالية بأن تسند رياستها إلي معاليكم رأسا أو إلي فضيلة شيخ الأزهر أو المفتي الأكبر ، وأن تضم بين أعضائها أكبر عدد ممكن من رجالنا البارزين في الشريعة الإسلامية من رجال القضاء الشرعي والأزهر الشريف ، وفي القانون الوضعي بفروعه ، ولا بأس بأن يكون من بينهم الأستاذ كامل صدقي (بك) .

يا (معالي الباشا) أننا أمة مسلمة وقد وطدنا العزم علي ألا نحكم بغير قانون الله وشريعة القرآن الكريم وتعاليم محمد صلي الله عليه وسلم مهما كلفنا من ثمن ، ومهما بذلنا من تضحيات ، وذلك أبسط حقوقنا كاملة لا تعدل باستقلالها في كل مظاهره السياسية والاجتماعية شيئا ، فأعينونا علي الوصول إلي هذا الحق وارفعوا عنا هذا الحرج ، ولا تلجئوا الأمة إلي سلوك سبيل المضطرين .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

حسن البنا

الاستعمار الانجليزي .. وحسن البنا

بعد حادث 4 فبراير سنة 1942 وبعد أن تولي مصطفي النحاس باشا مقاليد الحكم ، قام بحل مجلس النواب ، وأعلن عن إجراء انتخابات جديدة ، ورشح الأستاذ البنا نفسه عن دائرة الإسماعيلية بناء علي رغبة الإخوان في منطقة القناة . وسرعان ما استقبلت المدينة هذا النبأ بالمظاهرات واللافتات والإعلانات والمؤتمرات . حتى كتب الأستاذ مصطفي أمين في مجلة " الاثنين " كلمة عن حسن البنا ومعركة الانتخابات في الإسماعيلية وكيف أن الإخوان والأهالي قد دفعوا له قيمة التأمين ، وكيف الناس هناك متحمسون يبذلون كل ما في وسعهم حتى يفوز مرشحهم ، وختم كلمته فقال : " إن مستقبل هذه الجماعة ليفوق حساب كل متفائل " .

وفي وسط هذا الشعور الجارف وهذه المظاهرات والأفراح دعا الأستاذ البنا إلي مؤتمر عقد بالشارع الثلاثيني بعد صلاة العشاء حضره جمع حاشد .. وفي هذا المؤتمر قال حسن البنا بعد الافتتاحية : أنه قد رشح نفسه عن الإسماعيلية بناء علي طلب الإخوان " ولقد جئت اليوم لأضع أمام الإخوان هذه التطورات الجديدة ، فقد دعاني مصطفي النحاس باشا رئيس الحكومة إلي مكتبه وطلب مني ضرورة أن أتنازل عن ترشيح نفسي عن دائرة الإسماعيلية ، فلما سألته عن الأسباب المبررة لهذا الطلب ، قال لي البلد في حالة حرب ، ومصلحة البلد في أن أتنازل . فقلت له : ألا يكفي أن الحكومة قيدت خطواتي ولا تسمح لي بالسفر خارج القاهرة إلا بإذن من وزارة الداخلية وأن الدعوة فبهذه الصورة لا تجد مجالا للانطلاق . فيكون التنازل عن الترشيح حجرا علي الدعوة والداعية . فقال مصطفي النحاس باشا : إنه في حالة قبول التنازل ، لا مانع عندي من أن يكون لك حرية الدعوة في كل مكان .. وأمام هذا التصريح وافقت علي أن أتنازل عن ترشيح نفسي " .

فتعالت الهتافات غاضبة من كل مكان ، ولكن الأستاذ المرشد قال : أيها الأخوة المسألة أولا وأخيرا مسألة دعوة وليست مسألة أشخاص . ولقد تأسيت في هذا الموقف بموقف رسولنا صلي الله عليه وسلم في صلح الحديبية يوم رأي الصحابة رضوان الله عليهم أن لا يعطوا الدنية في دينهم ، ورأي رسول الله صلي الله عليه وسلم رأيا يخالف رأيهم . وأثبتت الأيام صحة ما أستقر عليه الرسول صلي الله عليه وسلم ونحن لسنا طلاب مراكز ولم نرد من الترشيح إلا أن نجد منبرا نعلن فيه عن دعوتنا ونقول فيه كلمة الحق . فإذا تيسر لنا ذلك علي أوسع مدي في حدود الظروف التي يتاح لي أن أفضلها لكم حين تسمح الظروف بذلك نكون قد وقفنا إلي أحسن الحلول وعسي أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا .. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله .

ثم قال الأستاذ المرشد : أيها الأخوة ننتقل إلي معني آخر . تعلمون أن هناك حربا ضروسا تأكل الأخضر واليابس ، ونحن نعيش علي أطراف هذه الحرب ، واعتقادي أن الله تعالي قد صنع هذه الحرب لصالح العرب والمسلمين . وأذكر أنني كنت في سفر فرأيت بعض الفلاحين يشعلون النار في أراضيهم الزراعية فلما سألت قيل لي أن هذه الأرض قد شاخت وتعذرت زراعتها والحريق يقوم بتجديد تربتها ، وتذكرت في الحال أن هذه الحرب لابد فيها من خير أما أن تصلح من طبيعة الغرب فتعيد إليه رشده وترد إليه عقله فيخرج من بلادنا إلي غير عودة ، وأما أن تكون نارا عليهم ونورا يضئ لنا الطريق .

أيها الأخوة : إن تفاوت التوازن بين قوة البلاد العربية والإسلامية وقوة الدول الغربية الاستعمارية لا تعطي فرصة للتحرر والخلاص . فكانت هذه الحروب إرادة ربانية ليذيق الله الغرب بعضهم بأس بعض ، فيشتت شملهم ويضعف قوتهم وينهي دولتهم . وبهذا يكون هناك شبه توازن في القوى بين الشرق والغرب . والذي يهمنا الآن هو أن توجد قيادة إسلامية تستفيد من هذه الظروف العالمية التي نادرا ما تتحقق ، فتتوحد كل الجبهات الإسلامية في وجه فلول الاستعمار ، فتخرج بريطانيا من مصر و فلسطين و السودان و العراق ، وتغادر فرنسا سوريا و لبنان وبلاد المغرب ، وتذهب إيطاليا من ليبيا إلي غير رجعة ، وتعود الهند و إندونيسيا وأفريقيا وغيرها بلادا إسلامية ترفرف عليها راية القرآن .

أيها الأخوة : لا تظنوا أن هذا خيال أو محال .. أنه حقيقة مستقرة في قلوب المؤمنين ، وإن كنتم في ريب من ذلك ، فلقد قرأن اليوم علي أثر اقتحام الجيش الألماني لحدود فرنسا وتغلغله فيها .. قرأت أن " بيستان " زعيم فرنسا قد أمر قائد الأسطول البحري الفرنسي أن يدخل في وسط البحر الأبيض المتوسط ويقوم بتدمير الأسطول كله ، خوفا أن يستولي عليه الجيش الألماني ويستعمله في حرب بحرية ضد انجلترا حليفة فرنسا .. وقام القائد الفرنسي بتنفيذ المهمة بنجاح !!

أيها الأخوة : في ختام كلمتي هذه نقرأ معا قول الله تعالي : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا , وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله : فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب . يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين . فاعتبروا يا أولي الأبصار ) .

أيها الأخوة الفضلاء : هذه بيوتهم يخربونها بأيديهم .. بقي أيدي المؤمنين . ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) .

وفي وزارة أحمد باشا ماهر عام 1945 .. عاد الإخوان في الإسماعيلية إلي ترشيح الأستاذ البنا للمرة الثانية وازدحمت المدينة بوفود الإخوان من كل البلاد وامتلأت المساجد والمدارس الأهلية والمنازل بالوافدين ، وعلت الهتافات الإسلامية علي ألسنة الأطفال في كل مكان وارتفعت الأعلام في المدينة وامتلأت باللافتات والإعلانات والمنشورات ، وسرت المظاهرات الإسلامية بالدرجات ( والموتوسيكلات ) والسيارات التي تحمل اللافتات ، وانعقدت المؤتمرات التي خطب فيها حسن البنا فكانت صورة شعبية رائعة لممارسة الإخوان أساليب الحياة الاجتماعية والسياسية ..

وكان منافس الأستاذ البنا – في هذه المرة – الدكتور سليمان عيد ، وهو طبيب ولكنه مع ذلك وفي نفس الوقت المتعهد بتوريد جميع أنواع الأغذية لقوات الجيش الانجليزي في منطقة القناة ، ومن هنا كانت أهمية نجاحه في الانتخابات ، ولهذا كان مدعما من كل السلطات . وانتهت الانتخابات بالإعادة بين الأستاذ البنا والدكتور سليمان عيد ، فامتلأت الإسماعيلية في انتخابات الإعادة بوفود غزيرة من مختلف البلاد ، وكانت القطارات التي تمر بالإسماعيلية تحمل الوفود وقد زينت بالورد وسعف النخيل عليها شعارات الإخوان المسلمين ، كما حاصرت قوات الأمن التي جاءت إلي المدينة من العاصمة جميع منافذ المدينة ، فضلا عن تأهب قوات الاحتلال – رغم صدور الأوامر بعدم نزول قوات الجيش الانجليزي إلي الإسماعيلية طوال أيام الانتخابات .

وفي صبيحة يوم الاقتراع بالأصوات توزع الإخوان في كل المناطق لمراقبة لجان الانتخابات .. وقبيل العصر فوجئ الإخوان بجماعات من غير أهل المدينة ينضمون لصفوف الناخبين ومعهم تذاكر انتخابية مزورة ، ولما اكتشف الإخوان التزوير وعلم أن هناك مخزنا كبيرا للدكتور سليمان عيد يتجمع فيه هؤلاء ، ثم يتم توزيعهم من هناك إلي مقار لجان الانتخابات . وصدر الأمر للإخوان فتجمعوا حول هذا المخزن بصورة رهيبة تنذر بالخطر . وفجأة اقتحمت بعض سيارات الجيش الانجليزي الضخمة هذا التجمع وخاضت بيننا بسرعة وبلا اكتراث ، كما تبعها بعض قوات الشرطة المصرية وهم يطلقون النار علي جموع الإخوان . واستطاع بعض الإخوان أن يستولي منهم علي بعض الأسلحة . وهنا كادت تقع كارثة لولا أن أصدر الأستاذ المرشد أوامره إلي الأستاذ سعد الدين الوليلي بأن يصرف الإخوان في الوقت الذي أسرع فيه اللواء الانجليزي " فايز باترك " حكمدار الشرطة المصرية في القناة برجاء للأستاذ البنا أن يرد الإخوان السلاح إلي الشرطة , وكان الأستاذ قد سبقه إلي ذلك حقنا للدماء رغم ما حدث من القبض علي بعضهم وما أصاب الإخوان من إصابات بالغة .

وكتب الأستاذ المرشد مذكرة إلي أحمد ماهر كما أرسل له عدة برقيات احتجاجا علي التزوير وتصدي رجال الأمن للإخوان . ويقول الأستاذ المرشد ردا علي سؤال أحد الإخوان " إذا كانت الحكومة لا ترغب في أن تفوز في الانتخابات ، فلماذا لم تصارحك ، كما فعل ذلك من قبل النحاس باشا عام 1942 ؟ .. قال : لكل حكومة أسلوب وسياسة عمل ، وهذه الحكومة لا تريد إخفاء خضوعها للاستعمار . كما أنها تريد في نفس الوقت أن لا تجعل من الإخوان في نظر الشعب أبطالا ، وتريد أن تصور للناس أن الانتخابات حرة ليس فيها أي ضغط من الحكومة ، وفي نفس الوقت هي متفقة مع الانجليز وتعهدت بالعمل علي سقوط مرشح الإخوان .

ولازلت أتصور مشهد آخر أمسية سبقت يوم إجراء الانتخابات ، حيث عقد مؤتمر ضخم في شارع الثلاثين حضره فضيلة المرشد ومجموعة من النواب الذين فازوا في الدور الأول للانتخابات في البلاد المجاورة وقد جاءوا لتأييد الأستاذ المرشد . وكان هتافنا ( إلي البرلمان يا بنا ) من الهتافات التقليدية في الانتخابات ، ولكن هتافا جديدا ( إلي البنا يا برلمان ) قد صدر من الأخ المرحوم مصطفي شعبان من الإسكندرية قد دوي في الاجتماع فرددته الجماهير كالرعد بوعي وحماس .

وفي اليوم الذي أعلن فيه فوز الدكتور سليمان عيد علي منافسه المرشد العام .. بل في الساعة التي هز هذا النبأ مشاعر الإخوان ، خرجت الإسماعيلية في أقوي مسيرة – شيبا وشبابا وأطفالا – تهتف بالدعوة الإسلامية في قوة وحماس واندفاع إلي دار الإخوان المسلمين في صورة رهيبة ، ولم يجد حسن البنا بدا من الخروج إلي الجماهير خطيبا وبأعلى صوت قال : يا أبناء الإسماعيلية الأوفياء .. أيها الإخوان الذين جئتم من كل مكان إن هذه الحشود الهائلة بهذه الصورة القوية الرائعة . بهذا الواقع الصادق والحقيقة القائمة لتصم الحكومة بالتزوير والتضليل ، وإن الباطل لا يغني عن الحق شيئا ، وإن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلي قيام الساعة . وإن عجز أمة عن أن تدفع أبنائها إلي البرلمان ليقول كلمة الحق و الإسلام لدليل علي أن الحرية رياء وهباء وأن الاستعمار هو سر البلاء .

أيها الأخوة : إنني أحس أن مراجلكم تعلي بالثورة وعلي شفا الانفجار ولكن في هذا الموقف لابد من صمام الأمان فاكظموا غيظكم وادخروا دماءكم ليوم الفصل ، وهو آت لا ريب فيه .. ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله . ووصيتي لكم أيها الإخوان ، أن تنصرفوا إلي منازلكم وبلادكم مشكورين مأجورين ، وأن تفوتوا علي أعدائكم فرصة الاصطدام بكم .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..


ويحضرني هنا ما كتبه فضيلته في منبر الجمعة علي صفحات مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية تحت عنوان " منطق المؤمنين " كتب فضيلته يقول :

( وجه إلي أحد الإخوان هذا السؤال : هذه هي المفاوضات بيننا وبين الانجليز ، تسير في طريق ملتو متشعب لا أول له ولا آخر ، وها هم أولاء يراوغوننا علي عادتهم ، ويؤخرون البت في قضيتنا حتى يفرغوا من مشاكلهم ، وستضيع منا الفرص فرصة بعد أخري ن من مؤتمر الصلح إلي مجلس الأمن ، إلي هيئة الأمم ، فلماذا ننتظر بعد ذلك ؟ فقلت : وليكن ذلك ، لن يضرونا إلا أذى ، وكل الوقت للمؤمن فرصة طال الزمن أو قصر .

ووجه إلي آخر في نفس المجلس سؤالا ثانيا فقال : وها هي ذي انجلترا جادة في أن تصرف أنظار الناس في قضية فلسطين إلي مشروع التقسيم البغيض ، الذي لن يقبله عربي واحد ، ولن يوافق عليه وسلم واحد من المحيط الهادي إلي المحيط الأطلسي ، كما أنها هي وحليفتها أمريكا ، لازالتا تحاولان إتخام الأرض المقدسة بالمهاجرين من اليهود سرا وعلانية ، حتى يتم لهم ما قرروا من إدخال مائة ألف يهودي إليها ونحن قاعدون ، فهل تودون أن ننتظر متفرجين حتى تغص فلسطين بهؤلاء الأفاقين ؟ فقلت : وماذا يضيرك ؟ ألا تحفظ جواب الإسكندر : أن الجزار الماهر تسره كثرة الغنم .

وانفض المجلس . وخلوت إلي نفسي أفكر فيما سمعت وقلت ، ودارت بخلدي هذه الخواطر : أننا معشر العرب والمسلمين في أنحاء الأرض ، نطلب حقا مقررا لنا ، مقدسا عندنا ، عزيزا علينا ، فنحن نطلب الحرية ، وهي للإنسان كالغذاء والهواء والماء ، لا يمكن أن نعيش بغيرها ولا أن نحيا بدونها ، ونطلب الوحدة والارتباط والتجمع ، وأن تزول من بيننا هذه الحواجز الصناعية والحوائل السياسية التي مزقت بها وحدتنا يد المطامع والأهواء ، في حوادث التاريخ المتعاقبة ، ووحدتنا من صنع الله لنا ، قررها القرآن وأكدها الإيمان ، ومهدت لها طبيعة أرضنا ، وثبتتها شركة تاريخية في المصالح والآلام والآمال ، هي أبقي علي الزمن الباقي من الزمن .

ونطلب بعد هذين الحقين أن يفسح لنا المجال بين الأمم العاملة لنقول كلمتنا وأنها لحق ، ولنبلغ رسالتنا وأنها لخير ، ولنساهم في بناء العالم وإن ذلك لعد وإنصاف . ذلك ما نرجو من مطالب ، وما نجاهد في سبيله من حقوق ، لا بغي فيه ولا عدوان ، ولا جحود ولا نكران ، وليس فيه من الباطل مثقال ذرة . ولهذا نحن مؤمنون أعمق الإيمان بأننا سنفوز في نضالنا ، وسننتصر في كفاحنا ، لأننا علي الحق والحق باق خالد ولا قيام للباطل إلا في غفلة الحق ونحن معشر العرب والمسلمين ، نؤمن بكتاب كريم ، وعدنا ربنا فيه بأنه سيضاعف الأجر ويجزل المثوبة للذين يجاهدون في سبيل الحق ، فمن قال كلمة أو أنفق نفقة ، أو احتمل مشقة أو شاكته شوكة ، أو مسه جوع أو نصب ، أو لقي في جهاده أقل عناء ، فذلك كله عند ربه يسجله له ويجزيه به ويثنيه عليه : ( ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ، ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ، ولا ينالون من عدو نيلا ، إلا كتب لهم به عمل صالح ، إن الله لا يضيع أجر المحسنين . ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ، ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ) .

ونحن معشر العرب والمسلمين ، نعتقد أو أولي البديهيات في إيماننا ، وحجر الزاوية في عقيدتنا أن : لنا ربا عظيما قويا قديرا ، بيده ملكوت كل شيء ، له التصرف والملك والخلق والأمر من قبل ومن بعد : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ثم استوي علي العرش ، يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) . و (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) .

فالرزق والأجل ، والنفع والضر ، والحياة والموت ، والمرض والشفاء ، كلها بيده ، يصرف الناس فيها كيف يشاء ، فلن يموت أحدنا إلا بأجله : ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) . ولن ينقص الله أحدا شيئا من رزقه . ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) . ولم تمتد إليه يد بنفع أو ضر ، إلا بقضاء الحق وقدر سبق : ( جفت الأقلام وطويت الصحف ) . ولقد عاتب القرآن بعض الضعفاء ، وكشف عن خبيئة الضعف في أنفسهم ، فقال : ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ، يقولون : هل لنا من الأمر من شيء ؟! قل : إن الأمر كله لله ، يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك ، يقولون : لو كان لنا في الأمر شيء ما قتلنا ها هنا ، قل : لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلي مضاجعهم ، وليبتلي الله ما في صدوركم ، وليمحص ما في قلوبكم ، والله عليم بذات الصدور ) .

وقد وعدنا هذا الرب الجليل الكبير العظيم – والذي بيده ملكوت كل شيء ، والذي له جند السموات والأرض ، والذي لا يعلم جنوده إلا هو ، والذي أحاط بكل شيء علما وعدا لن يخلف ، إنه ينصر عباده المؤمنين ويمدهم بتأييده الغالب ما جاهدوا في سبيله واستقاموا علي الحق الذي رسم لهم : ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) . ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) . ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) . ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) . ( والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) . إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) . ( إذ يوحي ربك إلي الملائكة : إني معكم ، فثبتوا الذين آمنوا ، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) . ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي ، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ) . ( وهو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ، ما ظننتم أن يخرجوا ، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وأيدي المؤمنين ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ) .

ولم يشترط علينا ربنا لينزل نصره إلا أن نؤمن به وحده ، ونعتمد عليه وحده ، ونفعل أمره ونجتنب نهيه ، ونعد لأعدائنا ما استطعنا من قوة ، ليس بلازم أن تكون نظير قوتهم ، أو مثل عدتهم ، فإنما يراد منا ما استطعنا ونرجو من الله بعد ذلك يرجون : ( وعد الله الذين آمنوا منكم ، وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم آمنا ، يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) . ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ، ترهبون به عدو الله وعدوكم ) .

ومن هذه المقدمات السابقة : أننا علي الحق ولن يضيع الله أجر العاملين للحق ، ولن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم ، ولن يتخلي عنهم ربهم وبدعمهم لأعدائهم وخصومهم ، بل النصر حليفهم والعاقبة مكفولة لهم ، نستطيع أن نستخلص النتيجة المحققة : أنه مهما حاول الغاضبون المبطلون ، وراوغ الدهاة الطامعون ، فإننا إلي حقنا واصلون ، ولن يغير ذلك شيئا من النتيجة المحتمة والإرادة المحكمة ، ولن تجد لسنة الله تبديلا .

ذلك منطقنا نحن المؤمنين في سهولته وبساطته ومقدماته ونتائجه وقد عاهدنا الله عهدا لن نخيس به ولن نحنث فيه إن شاء الله ، أن نحيا لهذه الحقوق أو نموت في سبيلها وكلاهما جميل : ( قل : هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) . ولعل من الخير لنا وللقوم ألا يهزأوا بهذا المنطق ، أو يضحكوا من هذا الحديث ، فلا يعلمن نبأه بعد حين .

مع ثورة سوريا

قبل انتهاء الحرب الثانية وانهزام فرنسا أمام الجيوش الألمانية قامت سوريا تطالب بجلاء القوات الفرنسية المحتلة عن أراضيها ، ولكن فرنسا ما طلت ولم تفي بوعودها وأصرت علي البقاء رغم انهزامها ، فقامت في سوريا ثورة شعبية عارمة ضد الاحتلال الفرنسي ، قابلها جيش الاحتلال باستعمال القوة مستخدما في ذلك المدفعية الثقيلة ضد الشعب الأعزل ، فسقط كثير من الجرحى والقتلى .

وعلي أثر ذلك أرسل الملك فاروق بعثة طبية علي رأسها طبيبه الخاص أحمد باشا النقيب لمداواة الجرحى ، وكانت تلك لفتة طيبة من الملك وتجاوبا مع الشعور الوطني الجارف الذي غير جميع الشعوب العربية والإسلامية . وقد أدرك الأستاذ حسن البنا – بعاطفته الإسلامية وإحساسه العميق بوحدة المشاعر وشمول الدعوة وعاطفة الأخوة الإسلامية الصادقة – أن عليه واجبا إسلاميا تفرضه عليه عقيدته . فقام الإخوان بتجهيز بعثة طبية كاملة علي رأسها الدكتور محمد سليمان وبعض الأطباء والممرضين وكل ما يحتاجونه من إسعافات وأدوية ، وقامت بهم طائرة إلي دمشق .

وهناك شمرت البعثة عن ساعد ونزلت المساجد وجعلوا منها مستشفيات ، وواصلوا الليل بالنهار في صبر وصمت وعاطفة جياشة بالحب نحو إخوانهم في سوريا . ولاحظ الشعب السوري الشقيق نشاط هذه البعثة التي تقوم بواجبها في غير ضجة ولا دعاية وفي حب وإخلاص وانقطاع لهذا العمل الأخوي دون مظاهر أو إعلان . فتأثر الشعب السوري بهذه الروح الإسلامية النقية المخلصة المتفانية ، وأعطته مفهوما جديدا عن الإسلام المتحرك المتجاوب مع الأحداث والمواقف .. الإسلام الذي لا يعرف عصبية ولا قومية ولا أنانية . هذا الإسلام هو الذي تحركت به هذه البعثة تطبيقا لقول الله تعالي : ( إنما المؤمنون أخوة ) .

وكان في سوريا جمعية أطلقت علي نفسها " جمعية شباب سيدنا محمد " راعها ما شاهدت من البعثة الإخوانية فتأثرت بمفهومها عن الإسلام . فاجتمعوا وتناقشوا في الانضمام إلي جماعة الإخوان المسلمين بالقاهرة لتوحيد الصف وتوحيد العمل للدعوة الإسلامية ، وحضر منهم وفد إلي القاهرة علي رأسه الدكتور مصطفي السباعي والتقوا بفضيلة المرشد وأعلنوا انضمامهم لجماعة الإخوان في حفل رائع عظيم .

• وفي عام 1947 دخلت الكوليرا وانتشر وباؤها في مصر ، وانتاب الشعب المصري الفزع والخوف ، وأسرع فضيلة المرشد بتجنيد شباب الإخوان في جميع البلاد للمساهمة في النشاط الطبي وعزل الأصحاء عن المرضي والمساعدات في الإجراءات الصحية والتطعيم والتموين ، وبعد إنقاذ البلاد من هذا البلاء رأت وزارة الشئون الاجتماعية أن تقدم لشباب الإخوان الذين اشتركوا في هذا المجهود الخطير مكافآت مالية تقديرا لجهادهم .

ولكن الأستاذ المرشد رحمه الله رفض المكافآت باعتبار أن الإخوان المسلمين قد قاموا بواجبهم الإسلامي ، الذي يفرضه عليهم دينهم وعقيدتهم ومشاعرهم الإسلامية . وهكذا يغتنم الأستاذ البنا هذه الظروف ليعلن عن شمول الدعوة الإسلامية وأحاطتها وحركتها التي تشمل أمور المسلمين جميعا .

أمر عسكري للمعارف .. بنقل البنا إلي قنا

كان مساء الخميس من كل أسبوع في المركز العام القديم من عام 1940 موعدا للقاء دائم لفضيلة المرشد العام مع الطلاب .. وكانت محاضرة ذلك اليوم ( نظرة الإسلام للمرأة ) ، وبينما فضيلته يتحدث إلينا إذا بجلبة تحدث خارج الصالة ، ويتقدم أحد الإخوة بورقة مكتوبة ، فيقرأها الأستاذ المرشد ثم يستأذن معتذرا عن المحاضرة ويخرج .. وبعد فترة من الوقت يعتلي الشيخ عبد المعز عبد الستار المنصة ويتحدث إلينا حديثا حماسيا ينبئ أن في الأمر شيئا . تبين بعده أنه قد صدر أمر عسكري بنقل الأستاذ البنا إلي قنا .

واجتمع مكتب الإرشاد في الحال وتناول الأمر بالبحث والمناقشة ، وتحمس أكثر الأعضاء لعدم تنفيذ الأمر علي أن يقدم الأستاذ المرشد استقالته من وزارة المعارف ، وبذلك لا يكون لأحد سلطان عليه . وبعد أن استفاضت المناقشات .. أخذ فضيلته الكلمة فقال : أن أمر الاستقالة سهل لا يتطلب سوي ورقة وقلم ، ولكن هل سيقف الأمر عند الاستقالة ؟ أن أمرا عسكريا آخر سيصدر باعتقالي في أي حال وخاصة أن الأحكام العسكرية مفروضة علي البلاد والعباد ، لذلك أري أن النقل أيسر الأضرار وأنفع للدعوة من الاعتقال ، وهي فرصة أتاحها الله تعالي لنعطي للصعيد حقه في نشر الدعوة ، وتربية الإخوان ، ويؤجر المرء رغم أنفه .. ثم إننا لم نقدم للاستقالة بما يعوضنا عنها حيث جزءا كبيرا من المرتب يدفع لخدمة الدعوة ، وبعد الاستقالة فإن الدعوة ستدفع ، ولم يحن وقت ذلك بعد .. وشرح الله صدور الإخوان بهذا الرأي .

وحزم الأستاذ المرشد أمتعته وغادر القاهرة في أول قطار إلي قنا .. وفوجئ الإخوان هناك بنقل فضيلته إليهم ، ولم يلبث أن شاركهم في نشاطهم بالدار كواحد منهم ، واندهش الشباب كيف أنه كان يستقبل بعضهم ويسلم عليه باسمه دون أن يراه قبل ذلك علي الإطلاق ، فلما سألوه عن ذلك متعجبين أخبرهم أنه كان حين يوقع علي بطاقة الجوالة بصفته الرئيس العام للجوالة كان يحفظ الاسم والصورة معا .

وبعد أن استقر المرشد في قنا عدة أيام دعا الإخوان إلي مؤتمر جامع حضره المسلمون والمسيحيون علي السواء يتقدمهم شيخ المعهد الديني ومطران قنا ، وتناول حسن البنا في خطابه قضية الحكم بالشريعة الإسلامية . فقال : مما هو معلوم عن جماعة الإخوان المسلمين أنهم يدعون ويتصدرون الدعوة إلي الحكم بالقرآن الكريم ، وهذه القضية ولا شك تثير بعض الخوف والشكوك عند إخواننا المسيحيين ، وأنا أحب أن أجلي هذه القضية بروح المودة بما قد خفي أو يخفي عن الناس من أمور لن يتبنوا فيها وجه الحق والصواب .. فالناس أعداء ما جهلوا . لا شك أننا مع إخواننا الأقباط نعتبر أنفسنا عربا ، حيث أننا جميعا نتكلم اللغة العربية ونتعامل بها .. ومادمنا عربا فمن الطبيعي أن نتحمس للتحاكم إلي قانون عربي لا إلي قانون غربي متنوع المصادر فرنسي وبلجيكي وغير ذلك ، والقانون العربي الوحيد الجامع الشامل الذي جربناه مسلمين ومسيحيين مئات السنين هو القرآن الكريم ..

فإذا اعترض علي أن القرآن كتاب المسلمين ، فنقول ، فليكن ذلك اعتقاد المسلمين كدين وليكن قانونا عاديا عند الأقباط ، كما نتحاكم نحن اليوم إلي قانون نابليون . ... ثم قال : إن الشواهد التاريخية المكررة والتي لا تحتمل الإنكار بحال تشهد بأنه في ظل حكم الشريعة الإسلامية عاش المسلمون والمسيحيون في وئام وسلام ليس له مثيل ، وضرب بذلك عدة أمثلة ، أهمها موقف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الصلاة في كنيسة القيامة ، كما ذكر بعضا من وصيته الشهيرة ، واستطرد في ضرب الأمثلة الحية من واقع تاريخ الخلفاء . ثم ختم حديثه فقال : إن الإسلام لا يعرف معني الديمقراطية التي يحددها مدلولها الناس حسبما تقضي مصالحهم فالإسلام لا يعرف هذه المتغيرات بل هو شريعة العدل التي لا تتغير ولا تتبدل تبعا للمصالح والأهواء .

وقد آثار هذا الحديث مختلف الاتجاهات ، فقد كان حديثا بعيدا عن الاستدلال بالآيات القرآنية أو الأحكام الفقهية . ولم تمضي أسابيع في حركة دائبة ورحلات وزيارات وخطب ومحاضرات ، حتى صدور قرار من وزير المعارف بنقله فورا من قنا إلي القاهرة . ولم تمضي أسابيع حتى صدر قرار باعتقاله في معتقل الزيتون بالقاهرة ، فاعتصم الطلاب في مسجد السلطان الحسن بعد صلاة يوم من أيام الجمعة ، فأفرج عن فضيلته بعدة أيام . ... وبعد أن تم الإفراج عن فضيلته استقبلناه في مصلي ( بدروم ) المركز العام القديم بكل أشواقنا وعواطفنا الحارة ، وبدأ حديثه معنا فقال : لقد كانت فترة الاعتقال بمثابة اعتكاف إجباري أو محطة في طريق السفر الطويل راجعت فيها كتاب الله تعالي حفظا ودراسة وتدبرا ، وعرفت واختلطت بأناس آخرين . ووجدت فرصة أخلو فيها إلي نفسي أستعرض أحداث الماضي وأفكر في الحاضر بهدوء وروية ، وأعتقد أننا لن نخسر شيئا في أمر قد قدره الله لنا .. فإن ما يحدث لنا من عذاب أو اضطهاد ، أمر قد تعاهدنا عليه ، فلا غرابة فيه ولن يؤثر فينا عقدنا العزم عليه ، ولكنه – فقط – يعطينا المؤشرات ويحذرنا من المطبات ويفتح أعيننا علي ما هو آت .. فإن ما يحدث لنا لن يوقف حركة الدعوة ، ولن يرهب أبناءها الذين اعتقدوا أن أقل ما يطلب في سبيلها هو الدم والمال .. ( والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .

... ثم استطرد الأستاذ البنا فقال : حين جاء أمر الإفراج عني سألت عن شمول هذا الأمر بالإفراج عن الأساتذة أحمد السكري و عبد الحكيم عابدين ، فقيل الإفراج عنك وحدك . فرفضت الخروج واستمسكت بذلك متذكرا قصة الحمام والصياد التي حفظناها من أيام الدراسة ، التي تحكي أن مجموعة من الحمام قد وقعت في شبكة صياد ، وتصادف وجود فأر صديق لقائد سرب الحمام ، فأراد أن يقوم بقرض الشبكة لتخليص قائد الحمام وحده فرفض أنه ينجو بنفسه دون زملائه . فقام الفأر بتخليص الجميع .. وهكذا خجلت من نفسي ، كيف أخرج وأترك إخواني ؟ ولكن محاولات واتصالات كثيرة بذلت حتى أعطوني وعدا باستصدار قرار الإفراج عنهم .. وخرجت آسفا لذلك ، ولكني كما قلت لكم من قبل : هذا هو الطريق ، وبقي علينا أن نواصل العمل مسترشدين بهذه الأحداث في سبيل الوصول إلي الغاية المنشودة .

المؤتمر الشعبي الأول بالقاهرة

بعد أن عاد محمود فهمي النقراشي باشا بعد إلقاء خطابه بالجمعية العمومية للأمم المتحدة ، قام الإخوان المسلمون بعمل مؤتمرات شعبية لتأييد المطالب الوطنية بجلاء الانجليز عن أرض مصر . ومن قبل قادوا المظاهرات وأعلنوا عن يوم الجلاء ويوم الحريق : إذا كانوا يجمعون كل الكتب والمجالات الانجليزية ويحرقونها في الميادين العامة في عواصم المحافظات ، كما قاموا بتوزيع آلاف من شارات الجلاء ، وأنزلوا كل اللافتات المكتوبة باللغة الانجليزية من المحال التجارية .

وكان المؤتمر الشعبي الأول بمدينة القاهرة في أحد أيام عيد الأضحى المبارك ، حيث اجتمع له أكثر من نصف مليون مواطن لم تتسع لهم دار الإخوان ففرشت الشوارع المحيطة بميدان الحلمية الجديدة بالحصير ، وخطب في هذا المؤتمر الأستاذ أحمد السكري والأستاذ لويس فانوس عضو مجلس الشيوخ . وحين دعا الأستاذ المرشد لإلقاء كلمته قام من وسط الجماهير حيث كان يجلس معهم علي الحصير . وتحدث حسن البنا في هذا المؤتمر ، فكان مما قال :

إننا نحن المصريين نطالب بجلاء القوات البريطانية عن الوطن العربي والإسلامي وفي نفس الوقت لا نزال نتعامل معهم ونجاملهم وليس هذا الأسلوب بمخرجهم من بلادنا . إننا في حاجة إلي شعور من البغض يتبع من قلوبنا ومن فقه عقيدتنا .. أنه لا يمكن خروج الأعداء بالمعني السياسي وحده ولا المصلحة وحدها . ولكن لابد من عامل العقيدة أولا ، فلابد من أن يدفعنا إلي ذلك شعور من البغض ، وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟! ولهذا فأنا أقول لكم إذا سلم عليكم انجليزي فاغسل يديك سبع مرات بالماء أحداهن بالتراب . ثم قال : يجب أن يعلم كل مصري أن مصر تدين بريطانيا العظمي بحوالي 500 مليون جنيه ، وعلي هذا يكون نصيب كل فرد عشرون جنيها فيجب علي كل مصري أن يطالب بحقه في هذا الدين . ثم قال : ليعلم كل مصري أن بريطانيا قد خرجت من الحرب العالمية الثانية فقيرة ومدينة لجميع الدول ، وأصبح مثلها الآن في نظر الشعوب ( كخيال المقاتة ) الذي يضعه المزارعون في وسط المزارع ليرهبوا به العصافير والطيور ، أو مثل رجل غني أصابه الفقر وباع كل ما يملكه سوي بدلة (ريدنجوت) ، أبقي عليها وحدها ليلبسها في الحفلات الكبرى ليظن الناس حين يخرج بها أنه لا يزال علي غناه ..

وختم الأستاذ المرشد خطابه فقال : إننا يجب أن نرضع أطفالنا كراهية وبغض الانجليز ، وسنجعل من قنوتنا في الصلاة (اللهم رب العالمين وأمان الخائفين ومذل المتكبرين وقاسم الجبارين : تقبل دعاءنا وأجب ندائنا وأنلنا حقنا ورد إلينا حريتنا . اللهم إن هؤلاء الظالمين قد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ، اللهم فرق جمعهم وفل حدهم وشتت شملهم وأجعل بأسهم بينهم شديدا واهزمهم وانصرنا عليهم) .

.. ثم قال بكل قوة وحماس : سوف نعلم أولادنا الحرية والوطنية كما نعلمهم السورة من القرآن .. إياك نعبد وإياك نستعين . أهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم . كما نعلمهم أخرجوا من بلادنا مصر و السودان و فلسطين و سوريا و لبنان و العراق وسائر بلاد المسلمين . وضج المؤتمر بالهتافات التي دوت في كل الأرجاء ، واختتم في ساعة متأخرة من الليل وبات آلاف الإخوان في القاهرة والأقاليم في الأرض الفضاء المعدة لبناء دار الطباعة والنشر الإسلامية المقابلة لمسجد قيسون بشارع محمد علي .

وفي أرض دار الطباعة والنشر وقف الأستاذ المرشد علي منصة وظل الإخوان يسلمون عليه أفرادا إلي قبيل الفجر .. ولازلت أذكر وأنا أقف في الصف الطويل كي أسلم علي فضيلته : أن أحدا من الإخوان وهو يسلم عليه قال : هل تذكرني يا فضيلة المرشد ؟ فنظر إليه ثم قال له : نعم أذكرك ، ألست فلان الذي ألقي قصيدة في حفل طنطا مطلعها كذا . وكنت قبل أن يرد عليه الأستاذ في غاية الإشفاق من هذا الموقف الحرج ، كما كنت غير مستسيغ لمثل هذا السؤال ، فإن الأستاذ المرشد كثيرا ما يسلم علي كل باسمه وأحيانا يستوقفه ليسأله عن بعض شأنه ، والحديث يطول في الإحاطة بحدة ذاكرة الأستاذ المرشد التي ميزه الله بها . وأجمل ما كان في هذا المؤتمر – في خاتمته – هو تجول فضيلته بين الإخوان ولقائه بهم جماعات جماعات حتى أدركه الفجر فأدي صلاة الفجر بالإخوان في جامع قيسون ثم بدأت الوفود تنصرف .

المؤتمر الشعبي الثاني بالإسكندرية

.. وبعد انتهاء المؤتمر الشعبي الأول بالقاهرة دعا الإخوان المسلمون بالإسكندرية إلي عقد مؤتمر شعبي ، وقاموا بالدعاية اللازمة ، حتى احتشد أكثر من عشرة آلاف مواطن داخل المكان المعد للحفل وخارجه . كما حرص الإخوان في هذا المؤتمر علي توفير كل وسائل الأمن والمحافظة علي النظام . وذهبت جوالة الإخوان بالإسكندرية لاستقبال فضيلة المرشد وصحبه حين حضورهم بالقطار في المحطة ، فعندما وصل القطار تعالت الهتافات " بشراك يا مصر " كما ردد الإخوان المسلمون هتافهم " الله أكبر ولله الحمد " مدويا في كل الأرجاء . ونزل من القطار الوفد المرافق للأستاذ المرشد ليقول لنا : أن الأستاذ سيلتقي بكم في شعبة محرم بك . وانتاب الإخوان شعور بالضيق ، ولكن لم يسعهم إلا الانصراف بنفس النظام إلي الشعبة في مظاهرة إسلامية رائعة ، والشرطة تراقب دون أي تدخل

وبعد أن انصرف الإخوان من محطة السكة الحديد خرج الأستاذ المرشد من المحطة ذاتها في هدوء وركب عربة " حنطور " وسار في الطريق إلي شعبة محرم بك ، ولم نلتفت لهذا الموقف إلا بعد أن وصلنا حين فهمنا من ذلك أن الأستاذ المرشد لم يرغب في هذه الصورة من الاستقبالات ، وأنه آثر أن يكون الاستقبال عاديا . وفي المساء تحدث فضيلته في المؤتمر الذي حضره فيمن حضر الأستاذ فؤاد سراج الدين سكرتير حزب الوفد وآخرون ، وكان من كلامه في هذا المؤتمر قوله : إن الإسلام نظام شامل كامل ، إذا كان بعض المسلمين يجهلون الإسلام بهذا الشمول ، فإننا نعذرهم إذا صح أن الجهل عذر .

وضرب لذلك مثلا : ولازلت أذكر هذا المثل الدقيق ، الذي صور به – فضيلته – حال الناس في نظرهم إلي الإسلام أجزاء وتفاريق .. قال : إنني أمثل الإسلام كهرم كبير له أربعة أركان ، إذا وقف أحد أمامه لا يري منه إلا وجها واحدا ، فيقول : إن الإسلام عبادة ، ويقول آخر : إن الإسلام تصوف ، ويقول ثالث : إن الإسلام معاملة ، ويقول رابع : إن الإسلام سياسة ، وكل منهم يتعصب لما رأي .. وهكذا تعددت آراؤهم وتصوراتهم بحسب ما رأوا من أركان الإسلام ، والحقيقة أن الإسلام هو كل هذا الذي رأي كل منهم ، ولكنهم لن يدركوه كاملا ولن يحيطوا به كلا إلا إذا وقفوا علي قمة الهرم ، وساعتئذ تنكشف لهم حقيقة الإسلام المتكاملة مرة واحدة .

وبعد أن انتهي المؤتمر الذي استمر أكثر من أربع ساعات متصلة ازدحم الناس ليسلموا علي فضيلته فأقبل عليهم بانشراح وبعد أن انتهي خرج إلي الباب فوجد الأستاذ فؤاد سراج الدين ينتظره بسيارته ، فلما دعاه ليركب معه شكره واعتذر له حيث أن شعبة محرم بك علي مقربة من المكان . ولما ذهب فضيلته إلي شعبة محرم بك وقف الإخوان من حوله يسلمون عليه ، وقد لاحظت أن الأخ يعود مرة أخري للسلام ، وطلبت من الإخوان أن ينصرفوا حتى يعطوا لفضيلة المرشد فرصة للراحة ، فانصرف الإخوان.

وحين ذهبنا إلي منزل المهندس محمد القراقصي للمبيت عنده طلبني الأستاذ المرشد ، وسألني في عتاب : لماذا أمرت الإخوان في شعبة محرم بك بالانصراف ؟ فقلت : لأنني أشفقت علي فضيلتكم من التعب والإرهاق . فقال : ومن قال أنني متعب . قلت : السفر طويل والمؤتمر الذي استمر أكثر من أربع ساعات ، ثم إن بعض الأخوة يسلمون عليك أكثر من مرة . فقال : وهل هذا تعب ؟! قلت : نعم . قال : كنت أظن أنك قد فهمت ، ولكن يبدو أنك لم تفهم .. إن سعادتي لا تقدر حين أضع يدي في يد إخواني .. إنها روح وحياة وسعادة تمسح التعب والألم والإرهاق ، فأطرقت خجلا وبدأت أفهم بل أتذوق .

وحين جاء موعد تناول طعام العشاء ، جلسنا علي المائدة وكان فضيلته يقوم بنفسه بتوزيع الطعام علينا ، ويرغبنا في الأصناف الموجودة ، ويتناول معنا الأحاديث التي تدخل علينا السرور .. ذلك أنه كان يتلطف معنا بصورة ترفع كل التكلف وتشعرنا بالحب والأخوة الصادقة ، حيث يشعر كل واحد منا بأنه أقرب إلي قلبه من غيره . وفي صباح اليوم التالي غادر الإسكندرية في أمان الله إلي دمنهور حيث دعي لصلاة الجمعة في مسجد الزرقا .

جون كيمش .. و الإخوان

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها سنة 1945 ، ذكرت وكالات الأنباء عن جون كيمش وهو مراسل يهودي قوله : أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر انتهزوا فرصة الحرب فقاموا بتدريب جنودهم والاستيلاء علي بعض الأسلحة من الجيش البريطاني ، ليشنوا بها حربا علي الانجليز . وطالع الإخوان النبأ ، وأدركوا ما يرمي من بلبلة الأفكار ، فضلا عن التحريض السافر علي جماعة الإخوان ، والتشكيك في نيتهم بالنسبة للحكومة والقصر . وكان من طبيعة الإمام البنا أن ينظر إلي الأمور من زوايا تختلف عن نظر كثير من الإخوان ، فهو دائما يستفيد من الأحداث حتى لو كانت ضد جماعة الإخوان فيحولها إلي اتجاه في مصلحة الجماعة بكل هدوء وحكمة .. لهذا أسرع فضيلته فدعا رجال الصحافة ووكالات الأنباء العالمية والمحلية إلي مؤتمر صحفي علي مائدة شاي بدار المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة وكان أكثر هؤلاء الصحفيين والمراسلين لم يشاهدوا الإخوان ومرشدهم من قبل .

وحين سري نبأ هذا المؤتمر الصحفي احتشد عدد كبير من الإخوان ليستقبلوا ضيوفهم أكرم استقبال ، فوقف حسن البنا يتحدث إلي الضيوف باللغة التي يترجمها أحد الأخوة إلي لغة أجنبية .. وقف فضيلته يتحدث بنفس الروح والمشاعر التي يتحدث عنها عامة الإخوان . شارحا للحاضرين دعوة الإخوان المسلمين وغايتهم ووسائلهم بلغة بسيطة أفهمتهم أهداف الجماعة ، وكان مما قاله : أن جماعة الإخوان .. جماعة إسلامية تعني بشئون وطنها الإسلامي كله اجتماعيا وسياسيا لأن العدالة والحرية من صميم الدعوة الإسلامية ، ولا يتم إسلام المسلم ولا يحقق شريعته إلا بالحرية .

ثم أشار إلي تصريحات جون كيمش فقال : كنا نحب للكاتب أن يتحري الحقيقة فلا يلجئنا للرد عليه ، ولكننا نشكره علي كل حال إذ هيأ لنا هذا اللقاء الطيب والسعادة بالتحدث إليكم ، فالواقع الذي يؤيده الدليل أن الإخوان لا يوجد عندهم جيش بالمصطلح المعروف ، ولكن هناك ما يسمي فرق الكشافة وهي منظمة معترف بها دوليا ومعروف أن مؤسسها هو (بادن باول) ، وفرق الكشافة الإخوانية مسجلة قانونا في جمعية الكشافة الأهلية بالقاهرة ، وتمارس نشاطها طبقا للوائح والقوانين ، فهي إذن نظام رسمي معترف به من الدولة ، ومثل هذه الفرق لا يطلق عليها جيش كما ادعي جون كيمش في رسالته . أما أنه يستعدي علينا الانجليز وعملاءهم بالإدعاء أننا نغتصب منهم الأسلحة كي نطردهم من بلادنا ، فالمعروف أن الانجليز وأسلحتهم غير مرغوب فيهم علي أرضنا ، أما وقد وضعت الحرب أوزارها فإنه يتعين عليهم أن يخرجوا من بلادنا ويتركوا أسلحتهم لنا ، أو يوكن ثمنها من مبلغ الأربعمائة مليون جنيه الذي هو دين لشعبنا علي بريطانيا ، فإذا لم تفعل بريطانيا ذلك فلتعلم أننا قطعنا العهد مع ربنا علي الانتصار لديننا وبلادنا ولتعلمن نبأه بعد حين .

وتناول الإمام البنا بعد ذلك التطورات التي نشأت منذ دخول مصر حتى بلغ الشعب وعيه بما لا يحتمل أي تسويف . وختم كلمته للضيوف وشكرهم ، ثم دعاهم لزيارة المركز العام وخصوصا المكتبة الإسلامية بالدار وودعهم الإخوان بمظاهر الاحترام والمودة . واستطاع حسن البنا أن يخدم القضية الوطنية خدمة كبيرة من خلال هذا المؤتمر ورب ضارة نافعة .. ولا ننسي لفضيلته موقفه حين ذهب النقراشي باشا إلي هيئة الأمم المتحدة يطالب بحقوق مصر الوطنية وجلاء الانجليز عنها ، فقام بإرسال برقية باسم الإخوان واسم الشعب المصري يشد بها أزر النقراشي والوفد المرافق له في مهمته الوطنية إذ أرسل زعيم حزب الوفد في مصر برقية يستنكر موقف النقراشي وعدم تمثيله لرغبة الشعب .

وهكذا يستطيع حسن البنا بحاسته المؤمنة أن يعلن عن فكره ومبادئه الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة .

حسن البنا .. وأحفال الجاهلية

عصر ذات اليوم ، فوجئنا بحضور فضيلة المرشد إلي الإسكندرية ، وقال : أنه جاء تلبية لدعوة علي باشا ماهر لحضور حفل زفاف ابنه ، وكلف فضيلته أحد الأخوة الذين رافقوه ليذهب إلي الحفل ، فإذا لم يجد فيه أي مخالفة شرعية اتصل بالأستاذ تليفونيا حتى يحضر ، وإذا وجد ما يسبب أي حرج قام هو بالواجب ، وانتظر فضيلته فترة من الوقت فلما لم يتم الاتصال التليفوني قال : ألا يوجد أحد من إخواننا عنده أي مناسبة ؟ قلت له : أن الأخ محمد خليل شرف الدين سيعقد قرانه الآن في منزل أصهاره بشارع الميناء الشرقية . فقال : هيا بنا ، وكلفني بشراء هدية ، وركبنا إلي المنزل وأدركنا الحفل واستقبلنا استقبالا حارا مفرحا حيث كانت مفاجأة أضفت علي الحفل وقارا وسرورا .. وتحدث الأستاذ حديثا خفيفا وهنأ الأسرتين ودعا للعروسين .

ومضت الأيام وعاد الأستاذ المرشد إلي الإسكندرية في ليلة من شهر رمضان المبارك ، وكان معه وفد من الإخوان بالسودان وبعد أن حضروا مؤتمر شعبيا في باكوس ، عاد الأستاذ إلي دار الكتب الإداري قبيل منتصف الليل ، وأوصاني أن أوقظه قبل الفجر لتناول السحور ولكنه بقي في حجرته يصلي القيام لفترة طويلة ثم نام . وحضرت مجموعة من الإخوان لتصلي مع فضيلته وتتناول معه السحور ، وأحضرت له طعاما فاخرا ، فلما اجتمع الإخوان علي الطعام قال لي : هل كل الإخوان سيأكلون مثل طعامي هذا ؟ فقلت له : كل واحد حضر ومعه طعامه . فقال : سآكل من طعامهم ، ورفض هذا الطعام الذي وزعناه علي الإخوان .

ولما دخلنا الدار وجد الأحذية خارج المصلي بدون تنظيم ، فقال ضاحكا : ألستم في أسر ؟ قلنا : نعم ، فقال : فلماذا لم تجعلوا أحذيتكم علي شكل أسر ؟ وبعد صلاة الفجر قرأنا المأثورات ، وعند شروق الشمس حضر الأستاذ المستشارمنير دله بسيارته ، فقد كان علي موعد مع فضيلته للعودة إلي القاهرة ، وعند باب المنزل وقبل أن يركب السيارة سألني عن بواب العمارة ، فقلت : إنه نائم . فأعطاني له مبلغا مع تحياته .

بعد النظر

في اجتماع بالمكتب الإداري للإخوان بالإسكندرية في عهد وزارة إسماعيل باشا صدق]] ، ألقت الشرطة القبض علي حوالي 50 من الإخوان ، وأودعوهم سجن الأجانب . وفي نفس الأسبوع نظم الإخوان مظاهرة من فرق الجوالة خرجت فجأة من ميدان محطة السكة الحديد قبيل المغرب تحمل المشاعل متجهة إلي ميدان قسر رأس التين ، خطب فيها الأستاذأحمد السكري من شرفة مكتب الأستاذ أمين مرعي المحامي بشارع الغرفة التجارية "سعيد" ، ثم مضت هذه المظاهرة في سيرها حتى بلغت القصر وقدمت مذكرة بشأن معاهدة صدقي بيفن ثم انصرفت .

وبعد فترة حققت فيها النيابة مع الأخوة المحتجزين في سجن الأجانب ثم أمرت بالإفراج عنهم . وبصفتي والأخ عادل بهجت من العسكريين فقد استلمنا السلطة العسكرية ، حيث وضعت في معتقل معسكر كوم الشقافة والأخ عادل في معسكر سلاح الصيانة ، وحوكمنا أمام مجلس عسكري مركزي بتهمة انضمامنا إلي جماعة الإخوان مخالفين بذلك تعليمات الجيش التي تقضي بعدم تدخل رجال الجيش في السياسة . وأرسلت إلي فضيلة المرشد عدة خطابات أبدي استعدادنا لتحمل كل ما يترتب من عقوبات مهما كانت شدتها وقسوتها ، وأطلب منه ألا يحمل نفسه عبء السعي لمساعدتنا وانشغاله بقضيتنا ، فالأمور تجري بمقادير ..

وفي سراي سيدي بشر انعقد المجلس العسكري ، وحضرنا بالحراسة المشددة فوجدنا في استقبالنا مجموعة من المحامين الذين أوقدهم فضيلة المرشد العام . وبعد أن أقسم أعضاء المجلس العسكري اليمين علي المصحف الشريف سألنا رئيس المجلس ، هل هناك أي اعتراض علي المجلس ؟ فقلت له : لا ، ولكن لنا طلب . فقال : ما هو ؟ فقلت : نحن لا نريد محاكمة علي أساس قانون الإجراءات العسكرية ، ولكن نريد المحاكمة علي أساس المصحف الشريف الذي أقسمت عليه .

وهنا أحس رئيس المجلس أن القضية سوف تتحول إلي قضية إسلامية سياسية ، ثم اتجه إلي السادة المحامين فطلبوا من المحكمة تأجيل الجلسة أسبوعا للإطلاع علي تقارير القسم المخصوص (المباحث العامة الآن) . فوافق ورفعت الجلسة . وعدنا إلي معسكر سلاح الصيانة معا ، وفي المساء من نفس اليوم صدر قرار بالإفراج عنا ، وتوجهنا من المعسكر إلي شعبة الإخوان برأس التين حيث استقبلنا الإخوان أحسن استقبال .

ثم سافرت والأخ عادل لمقابلة فضيلة المرشد بالقاهرة ، وبعد أن شكرناه علي جهده الكريم معنا ، قلت : يا فضيلة المرشد ، لماذا أجهدت نفسك كل هذا الإجهاد في سبيل الإفراج عنا ؟ فقال : أنتم تنظرون إلي تبعات هذه القضية نظرة فردية وأنا أنظر إليها نظرة أبعد وأشمل .. ذلك أن صدور أي حكم عليكما بتهمة الانتماء للإخوان .. هذا الحكم مهما كانت شدته سوف يعوق حركتنا الوليدة في صفوف الجيش ، كما أن طبيعة العمل بالجيش تختلف عن طبيعته في القطاعات الأخرى فلابد من تقدير تبعات كل عمل بالنسبة لمستقبل الدعوة أولا . وهنا حضر الأخ الكبير الصاغ محمود لبيب الذي رحب بنا ودعانا لتناول طعام الغذاء معه فلبينا الدعوة شاكرين .

وكان الإخوان بالإسكندرية يصدرون نشرة شهرية عن نشاطهم يوزعونها علي جميع المناطق ، وبينما كنت بمطبعة رمسيس أراجع المسودة وفيها خبر في صدر الصفحة الأولي بعنوان (لقاء رجلين .. التقي اليوم الأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين بسماحة الشيخ أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر بعد غياب طويل ، وكان لقاء وكانت ذكريات) . فكرت أن أعود إلي المرشد كي أطلعه علي مسودة النشرة وأستأذنه في نشر هذا الجزء من الخبر ، ولما قرأ الخبر توقف قليلا ثم قال : وما هو الغرض من نشر هذا النبأ ، وما هي الفائدة التي ستعود علينا من نشره ؟ قلت : لقد قرأت في جميع الصحف نبأ زيارة كل الزعماء السياسيين لسماحة المفتي ، ولسنا أقل من هؤلاء في أداء الواجب . فتبسم الأستاذ المرشد وقال : يا أخي هذه إعلانات وزيارات مجاملة ، أما زيارتي فهي زيارة تري بمنظار آخر وتفهم عند أعداء الإسلام بفهم آخر .. إن زيارات الإخوان ينبني عليها عمل .

ومن قبل حين بدأ حسن البنا دعوته في الإسماعيلية عام 1928 . كانت الدعوة قد اكتمل تصورها في ضميره ، ولكنه كان يؤمن بأن جزء من العلاج ، وأن لكل مقام مقالا .. لهذا فهو حين كون ما يسمي ( فرق العمل ) ليتم بها التصور أو صورة الدعوة . كانت هذه الفرق علي هيئة الفرق العسكرية من حيث النظام والتدريب وأيضا الملابس التي كانت علي شكل بنطلون طويل يشبه بنطلون عسكري السواري وله (قايش) من الجلد .. لهذا تنبه حسن البنا إلي هذه الصورة وأدرك أنها سوف تترك في نفوس الناس فضلا عن السلطة والانجليز شعورا بالحذر والخوف مما قد يتضح من أمرها ، ولاسيما أن تسميتها ( فرق العمل ) يوحي بمثل هذا الشك ..

لهذا أسرع حسن البنا بإلغاء هذه الفرق وتحويلها إلي فرق الكشافة وانضمت إلي جمعية الكشافة الأهلية وأصبحت تابعة لنظامها الأساسي ..

وبعد توقيع معاهدة سنة 1936 اتخذ حزب الوفد فرقا شبه عسكرية كانت تسمي القمصان الزرقاء لأنهم كانوا يرتدون قمصانا لونها أزرق ، وكان مسموحا لكل إنسان أن ينضم إليها . وكذلك اتخذ حزب مصر الفتاة فرقا شبه عسكرية ترتدي قمصانا خضراء . واحتدم الاصطدام في مواقف متعددة بينهما ، فأنتهز الملك فاروق الفرصة وأصدر أمرا ملكيا بحل جميع التشكيلات العسكرية ، ولما كانت فرق الإخوان قد تحولت لجمعية الكشافة العامة ، فلم يشملهم هذا الأمر .. وهكذا كان حسن البنا بعيد النظر يري بنور الله .

يوم في حياة البنا

خطب حسن البنا الجمعة في مسجد الشيخ بالميدان بالإسكندرية وامتلأت الشوارع ، وبعد الصلاة خرجنا من المسجد ونحن في طريقنا إلي شارع (فرنسا) مررنا بحارة يسكن بها بعض اليهود وفجأة سقط من أحد المنازل لوح من زجاج بجوار حسن البنا ولكن الله سلم فلم يصب أحد بسوء ، غير أن الأخوة أخذوا يشككون في الأمر ولكن الأستاذ هونه عليهم ولم يتخذ منه فرصة للإثارة وقال : أنه حادث عابر غير مقصود .

وتوجهنا إلي المكتب الإداري بشارع كنيسة دبانة ، فاستراح فضيلته بعض الوقت ، ثم استأنفنا السفر إلي الجزيرة الخضراء . وهي بلدة الأستاذ أمين مرعي المحامي رئيس الإخوان بالإسكندرية آنذاك ، وتقع هذه البلدة في مواجهة مدينة رشيد من الشرق ، وفي الطريق وقفت أمام كشك مرور كوبري الجدية ولاحظ فضيلة المرشد وجود (قلة ماء) أمام شرطي المرور فاستأذنه فأسرع الشرطي مسرورا مرحبا به وتحدث معه كلمات ، فلما بدأت السيارة تتحرك قلت له : ربما تكون القلة غير صحية ، فنظر إلي وقال : لقد وقفنا لحظة ويجب الاستفادة بها في نشر الدعوة .

ووصلنا إلي رشيد وركبنا في طريقنا إلي الجزيرة الخضراء حيث استقبلنا استقبالا طيبا ، ثم تناولنا الغداء علي مائدة الأستاذ أمين مرعي شقيق الأستاذ مصطفي مرعي النائب العام السابق ، وبعده توجهنا إلي مسجد البلدة . وبدأ الإمام الشهيد حسن البنا حديثه الذي يؤلف القلوب ويرطب المشاعر ، ثم عرج علي قصة فقال : كان هناك ملك .. وقام أحد الوزراء في المملكة بعمل فتنة دفعت الملك إلي الاستغناء عن وزرائه واحد تلو الآخر . وذات يوم جاء لزيارة الملك رجل صالح ، وجلس بين الملك وبين الوزير ومعه صورة لها وجهان أحداهما قبيح والآخر جميل ، وسأل الملك عن رأيه في هذه الصورة فقال الملك : إنها صورة قبيحة جدا .. ثم سأل الوزير عن الصورة التي يراها فقال : إنها صورة جميلة ، وهنا حدثت مشدة كبيرة بين الملك والوزير . ولكن الرجل الصالح أسرع وقلب الصورة ، فتبين كل منهما حقيقة الصورة بوجهيها . وهنا قال الشيخ للملك : يجب علي كل إنسان أن لا يصدق حكما علي شيء قبل أن يتبينه ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبه قوما بجهالة فتسروا علي ما فعلتم نادمين ) .

وبعد أن أنهي فضيلته حديثه العميق ، فهمنا بعد ذلك أنه توجد في هذه البلدة بعض الخلافات . كما أدركنا أن حسن البنا قبل أن يدخل أي بلد يأخذ عنها معلومات عن العائلات وعن البيئة وعن الاتجاهات الفكرية حتى لا يصطدم بأمور تعوق أداء رسالته . وعدنا إلي مدينة رشيد في مركب آلية وكان عددنا كبيرا ، وجلس الأستاذ مع مجموعة من الإخوان في مقدمة المركب وجلس باقي الأخوة علي السطح الذي توجد تحته الماكينة التي تحرك المركب ، ولما اقتربت المركب من الشاطئ اصطدمت بقاع النيل فسقط بعض الأخوة داخل المركب ففزع الإخوان وبقي حسن البنا ثابتا لم يتحرك ، حتى إذا هدأت الثائر فقال للإخوان الثبات عند الشدة أنجا وأكرم .

وتوجهنا إلي شعبة رشيد ، وهناك تحدث فضيلته إلي الإخوان حديثا مختصرا ، وبعد فترة من الراحة استأنفنا سفرنا إلي شعبة سيدي بشر بالإسكندرية ، حيث أقام الإخوان حفلا ليخطب فيه الأستاذ بعد صلاة العشاء . ولفت نظري أن الأستاذ المرشد حين بدأ حديثه قال : أيها الأخوة في العام الماضي تحدثت إليكم في موضوع مراحل الدعوة ، ولم تستكمل هذا الحديث لضيق الوقت ، وفي هذا العام أستأنف معكم باقي هذا الحديث .. ثم استطرد في الحديث حتى آخره ، وبعد الحفل توجهنا إلي داخل المكتب الإداري حيث جلس فضيلته مع أعضاء المكتب الإداري لتصريف شئون الدعوة وتوجيه الإخوان ، وبات ليلته في الدار وفي الصباح الباكر غادرنا إلي القاهرة . مصحوبا بعناية الله تعالي .

حسن البنا .. غني بالدعوة

حين ضاقت دار المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة بالقاهرة بشتى ألوان النشاط .. فكر الإخوان في شراء دار أخري فسيحة تساعد علي استيعاب النشاط العام للجماعة . وأثناء ذلك لفتت أنظار الإخوان فيلا كبيرة تقابل دار مركزهم العام ، يحيط بها فناء فسيح في نفس الميدان ، فعرضوا أمر شرائها علي فضيلة المرشد ، فأوفدهم ليتفاهموا مع أصحابها .. فوافق أصحاب الفيلا علي بيعها في حدود عشرة آلاف جنيه ، ولم يكن في صندوق الإخوان سوي خمسمائة جنيه فقط ، فكتب الأستاذ المرشد العقد الابتدائي بهذا المبلغ .

وأشفق مكتب الإرشاد أن لا يستطيع الإخوان سداد باقي المبلغ . فطلبوا من فضيلة المرشد عقد اجتماع لمناقشة هذا الموضوع . وفي الاجتماع طمأنهم فضيلته قائلا : إنني سوف أعلن في مجلة الإخوان عن شراء دار للجماعة مع صورة لها علي الصفحة الأولي وأطلب من الإخوان التبرع .. واتعشم أن يسددوا المبلغ في الشهر الأول أو الشهر الثاني الثالث ، فإذا لم يغطوا قيمة المبلغ كله فإني أحفظ من أسماء الإخوان أكثر من عشرين ألفا ، وسوف أكتب لكل واحد منهم خطابا بالبريد أطالبه أن يساهم في شراء الدار بمبلغ جنيه واحد .. فصمت أعضاء المكتب ولم يعترضوا وكلهم أمل في أن يوفق الله الإخوان في هذا المشروع .

ولم تمض الشهور الثلاثة حتى سدد الإخوان المبلغ مع تكاليف التأثيث ، فضلا عن أن الأخوات المسلمات أرسلن لفضيلة المرشد بعض حليهن وبعض متاعهن ، كما وصلت للمركز العام تبرعات كثيرة من أنحاء العالم الإسلامي . وبقيت الأشياء العينية مثل الحلي وخلافه وديعة في خزينة المركز العام ، فلم يقبل الأستاذ المرشد أن يتصرف كرمز علي وفاء الإخوان وبذلهم في سبيل دعوتهم . وفي حديث لمجلة (مسامرات الحبيب) مع فضيلة المرشد ، سأل مندوب المجلة فضيلته فقال : هل أنت غني ؟ وكان جوابه رضي الله عنه : نعم أنا غني بهذه القلوب المؤمنة التي تحابت معي في الله . فقال مندوب المجلة : أقصد الناحية المادية . فقال فضيلته : نعم غني والحمد لله .. فكل أموال الإخوان التي في جيوبهم ملك للدعوة .

وحين سدد الإخوان ثمن الدار وتم تأثيثها ، دعا المركز العام الإخوان للاحتفال بافتتاح دارهم الجديدة وأعد لذلك استعراضا لجوالة الإخوان في حدود عشرين ألفا يمثلون جميع الشعب والمناطق في أنحاء البلاد ، وأعد لكل الفرق الوافدة مراكز إيواء مجهزة بكل وسائل الراحة والتموين . وبينما كانت وفود الإخوان في طريقها إلي القاهرة عصر يوم الخميس استعدادا للاحتفال الكبير في صباح يوم الجمعة صدر قرار من دولة أحمد باشا ماهر رئيس الحكومة بمنع الاحتفال ومنع الاستعراض ، ولكن أكثر الإخوان المدعوين كانوا قد وصلوا إلي القاهرة واستضافتهم مراكز الإيواء فصدر توجيه من المركز العام بأن يؤدي لإخوان جميعهم صلاة الجمعة في جامع الأزهر . وما أن اقترب موعد الصلاة حتى لم يعد في ساحة المسجد متسع لأحد ، في الوقت الذي حاصرت قوات الشرطة كل الطرق المؤدية إلي المسجد .

وما أن انتهت الصلاة حتى اشرأبت الأعناق إلي الشيخ عبد المعز عبد الستار الذي كان يقف علي منبر الجامع الأزهر ليفاجئنا بتقديم فضيلة المرشد الذي كان موجودا بالمسجد .. فقام فضيلته يحدثنا وبعد أن حمد الله تعالي وأثني عليه قال بصوت قوي : أيها الإخوان نحن لم نلتق في هذا المسجد علي شكل مظاهرة ، وإنما ليس في القاهرة بعد قرار مصادرة الاحتفال بافتتاح دارنا مكان يتسع لهذا اللقاء في شكله وفي مضمونه سوي الجامع الأزهر .. وصاح الأستاذ : أيها الإخوان إننا لسنا راغبين في إثارة ولا خائفين من أية قوة ، ولكننا أبعد نظرا من أن تستفزنا الحوادث فنغامر بأمر دعوتنا ، وإنني والله أيها الإخوان لأضع الحق في يميني وأضع روحي في يساري لا أخاف في الله لومة لائم ، وليس أعظم في الصبر من أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب ، والآن أيها الأخوة لقد حققنا بهذا اللقاء بعض ما تجيش به نفوسنا نحوكم ، كما أنكم أعلنتم بهذا اللقاء مدي ارتباطكم بدعوتكم في دقة التنظيم وسرعة الاستجابة وضبط النفس ، فإني أهيب بكم أن تنصرفوا في هدوء مشكورين مأجورين ولا تعطوا لأعدائكم فرصة الاصطدام بكم .

ودوي المسجد بالهتافات الإسلامية ، وبدأت هذه الجموع تنصرف في هدوء ونظام ، ولا أكون مبالغا إذا قلت أن بعض الإخوان غلب عليهم البكاء والنشيج من جلال الموقف وروعته .. وخرجت الوفود من الجامع جماعات في صمت . وبغير توجيه سابق وجدت جموع الإخوان نفسها متجهة إلي ميدان الحلمية الجديدة ولم تمضي أكثر من ساعة حتى تجمعت في دار المركز العام الجديد دون أن تعترض طريقها قوات الشرطة .. وما أن ازدحمت الدار وما حولها حتى وصل فضيلة المرشد مع بعض الإخوان وفوجئ بهذا المؤتمر الذي افتتح بالقرآن الكريم ، ثم تكلم الأستاذ عبد الحكيم عابدين كلمة حماسية ، وما أن بلغ في كلامه حد الهجوم العنيف علي قصر عابدين وقصر الدوبارة (مقر المندوب السامي البريطاني) إذا بفضيلة المرشد يشير باختتام الحفل . وبعد أن تم الحفل بآيات القرآن الكريم خرج الإخوان ليعودوا إلي بلادهم في هدوء .

وجاءت سنة 1948 ليصدر النقراشي باشا رئيس الحكومة السعدية حينئذ قرارا عسكريا بحل جماعة الإخوان المسلمين ووضع ممتلكاتهم تحت الحراسة . ثم قرر أن يجعل من مركزهم العام مقرا للبوليس . وجاء من بعده إبراهيم عبد الهادي فظل علي سياسة سلفه في محاربة الإخوان ودعوتهم والتنكيل بهم . ثم ألف حسين سري باشا وزارة ائتلافية لإجراء انتخابات في البلاد ، ووعد حزب الوفد الإخوان المسلمين بعودة جماعتهم ودورهم ومركزهم العام وتشكيله الحكومة تنكر وزير الداخلية الوفدي لكل الوعود ومضي في سياسة منع الجماعة من مزاولة نشاطها فأصدر قانون الجمعيات بقصد منع الإخوان المسلمين من العمل و السياسة . فلما قاوم الإخوان هذا القانون في مظاهرة كبرى أمام مجلس النواب حينئذ قرر الوزير الوفدي بيع المركز العام للإخوان المسلمين إلي وزارة الداخلية لجعله مقرا لبوليس الدرب الأحمر . وفي سنة 1951 ألغت الحكومة معاهدة سنة 1936 مع انجلترا تحت ضغط الشعب .. ولم يكن في الميدان غير الإخوان المسلمين ليواجهوا الاحتلال بقوة السلاح .. وخضع الوزير الوفدي – تحت حكم الظروف – لقرار مجلس الدولة الذي كان قد أنصف الإخوان بعد أن رفعوا دعواهم ضد الحكومة أمامه .

وتسلم الإخوان المسلمون مركزهم العام الذي اشتروه بحلي نسائهم وبما باعوه من ممتلكاتهم .. كما تسلموا جميع ممتلكاتهم .. ومضي عهد .. وبدأ عهد ، وعادت الجماعة لنشر رسالتها وجمع الناس علي الإسلام الصحيح .. وكان ومازال في كل ذلك أكثر من عبرة .. لمن يعتبر !! وتحت عنوان (جاء الحق وزهق الباطل) كتبت مجلة الدعوة منذ ستة وعشرين عاما تتحدث عن ذلك .. فقالت : في يوم 8 ديسمبر 1948 وفي الساعة الحادية عشر مساء دوي صوت المذيع لنشرة الأخبار بأول خبر فإذا به أمر عسكري بحل جمعية الإخوان المسلمين ، فأسرعنا إلي دار المركز العام بالحلمية الجديدة حيث وجدنا الإمام الشهيد والمرشد الراحل في مكتبه رابط الجأش ثابت الجنان وقد وصله ومعه صفوة من الإخوان لم تكن قد انصرفت بعد .

ومضت دقائق معدودات في حديث هام وإذا بصوت يشق الفضاء عرفنا فيه صوت معاون الدار وخرجنا إلي الفناء نستطلع فرأينا القوات المسلحة والسيارات المصفحة تحاصر الدار من كل جانب ثم تقتحمها وكأنها تقتحم حصنا منيعا ملؤه الجنود والسلاح وعلي رأس القوة ضابط شاهر مسدسه مثبت بصره وحواسه في شخص فضيلة المرشد العام وقال : إن عندي أمرا بالقبض علي من بالدار عدا فضيلة المرشد . ثم أخذ يرجو فضيلته أن يسهل مهمته لأنه " عبد المأمور " ..

وخرجنا من المركز العام بعد أن أغلق البوليس أبوابه إلي سيارة من سيارات البوليس كانت عند الباب وركبنا في حراسة الجند وهم شاهروا السلاح وأبي فضيلة المرشد العام رحمه الله إلا أن يركب معنا ويطلب إلي رئيس القوة أن يعتقله معنا .. وعبثا حاول الضابط الاعتذار وقد ركب معنا السيارة حتى مقر المحافظة وهناك احتالوا عليه فجاءه أحد الضباط يرجوه للتفاهم معه فنزل فضيلته من السيارة واتجه إلي مكتب الحكمدار . وكان هذا آخر عهدنا به – رحمه الله - ..

أما بقية القصة فيعرفها الإخوان تماما وسمع الناس عنها أشياء وغابت أشياء فقد رحل الأحرار إلي المنافي والمعتقلات وتوالت حوادث التعذيب والتنكيل بالأطهار وانتهكت الحرمات وقتل الأبرياء .. ففي 8 ديسمبر سنة 1948 أغلقت دار المركز العام للإخوان المسلمين وصودرت ممتلكاتهم وشركاتهم وأموالهم في كل مكان وظل مصيرها منذ ذلك الحين يتأرجح في كفة القدر ، فقد قرر النقراشي باشا رئيس الوزراء والحاكم العسكري ووزير الداخلية يومئذ أن يجعل من هذه الدار مقر لقسم الدرب الأحمر ، وقرر دولته وبجلالة قدره أن يفتتحه بنفسه في أول يناير سنة 1949 مما يدل دلالة واضحة علي أن حل جماعة الإخوان ومصادرة أملاكهم لم يكن الغرض منه المحافظة علي الأمن العام كما تبجح وكيله عبد الرحمن عمار وإنما كان الانتقام والتشفي وراء غليل الحقد الدفين . قرر النقراشي باشا ذلك فضحكت منه الأقدار ..

وجاء بعده إبراهيم باشا عبد الهادي ولم يفكر كسلفه في افتتاح قسم الدرب الأحمر بدار المركز العام . وظل في منصبه حتى طرد من الحكم .. وجاءت وزارة سري باشا الائتلافية وكان وزير المعارف فيها من السعديين فلم يكتم حقده فأصدر أمر بتحويل المركز العام إلي مدرسة للبنات .. ولكن مرة أخري تضحك الأقدار ويسقط وزير المعارف إلي غير رجعة .. وأخيرا تجري الانتخابات ويعود الوفد إلي الحكم علي أكتاف الإخوان المسلمين وبعد بذل سكرتيره العام الوعود بعودة جماعة الإخوان ورد الأموال المغتصبة .. ولكن معاليه لم يكد يجلس علي كرسي الحكم حتى تبخرت الوعود ، ومد الأمر العسكري بحل جماعة الإخوان المسلمين سنة أخري ، وظلت الدار وبقية الممتلكات تحت يد الحارس الأمين بعد أن رفعت الحراسة عن أموال اليهود والصهيونيين .

وحاول معاليه مع بعضهم أن يغير الإخوان اسم جماعتهم حتى يأخذوا دراهم وممتلكاتهم فرفض الإخوان .. وذهب البعض وبقي الإخوان باسمهم وعلي عهدهم .. وفي 30 إبريل من نفس العام سقط الأمر العسكري وحل محله قانون الجمعيات .. وفي أول مايو قابل وزير الداخلية في حكومة الوفد من الإخوان المسلمين ذهب يطالبه بتسليم المركز العام وبقية الدور .. فرفض معاليه واعتذر بأن الجمعية ليس لها كيان قانوني وهو لا يدري لمن يسلم الدار . ثم أخذ يساوم ويغري بتسجيل الإخوان طبقا لقانون الجمعيات الجديد .. وبعدئذ فهو علي استعداد لتسليم الدار والأموال .. ورفض الإخوان في إباء وشمم بعد أن قاوموا قانون الجمعيات الذي أراد أن يمسخ دعوتهم ويحول بينهم وبين الاشتغال بالشئون الوطنية وفتحوا شعبهم من الإسكندرية إلي أسوان واتخذوا لهم مركزا عاما مؤقتا في حي الظاهر يباشرون فيه نشاطهم ويعقدون اجتماعاتهم ويديرون حركتهم ودعوتهم في سبيل إعلاء كلمة الله وإعادة مجد الإسلام وعزة الإسلام ..

وبقي المركز العام وبقية الممتلكات والأموال مصادرة . وأراد وزير الداخلية الوفدي أن ينتقم من الإخوان الذين شقوا عليه عصا الطاعة ولم يخروا له ولقانونه ساجدين فأوعز بكتابة مذكرة ببيع المركز العام إلي وزارة الداخلية ليكون مقرا لقسم الدرب الأحمر .. وهكذا بعث الوزير الوفدي اقتراح النقراشي باشا من رمسه ولكن معاليه لم يكن أسد حظا من دولته .. فقد سخرت الأقدار منه من سلفه .. فقد رفع الإخوان قضية أمام مجلس الدولة لإيقاف تنفيذ البيع فحكم لهم القضاء وقرر المبادئ الخالدة التي أقرت الحق والعدل فقرر أن جماعة الإخوان المسلمين عادت بسقوط الأحكام العرفية وأن أموالهم وممتلكاتهم يجب أن ترد إليهم وأن قانون الجمعيات لا ينطبق عليهم ..

ولكن وزير داخلية الحكومة الوفدية رفض أن يخضع لأمر القضاء وأصر علي عدم تسليم الدار والممتلكات حتى جاءت الظروف السياسية الأخيرة بعد إلغاء معاهدة سنة 1936 فإذا به يتنازل عن قانون الجمعيات ويصرح بأن للإخوان أن يشتغلوا بالسياسة كسائر المصريين ثم أرسل يستفتي مجلس الدولة بشأن الأموال فأفتاه بأحقية الجماعة لدورها وأموالها .. وأخيرا .. وفي 15 ديسمبر سنة 1951 هبط الوحي علي الوزير فطلب الأوراق الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين واطلع علي فتوى قسم الرأي في مجلس الدولة بشأن ممتلكاتهم ، ولعل معاليه لم يكن قد اطلع عليها من قبل !! . ثم رأي معاليه أن إلغاء الأحكام العرفية قد أعاد إلي الجماهير حياتها القانونية !! وأنه ينبغي أن تسلم أموالها إليها ، ولذلك أصدر معاليه قرارا بذلك وتسلم الإخوان دار المركز العام .

ومضي عصر .. ثم جاء عبد الناصر بما هو أنكر وأمر .. جاء ليفعل الأفاعيل بم لم يستطع غيره من وزراء الأحزاب في عصر ما قبل الثورة .. جاء ليفتعل حادث الاعتداء عليه بالمنشية ويثير الدهماء لتقوم بإشعال النار في المركز العام ومكتبته الإسلامية في أكتوبر سنة 1954 ، ثم ليجعل من هذا المركز الذي كان ملتقا للمسلمين في كل مكان مقرا لقسم شرطة الدرب الأحمر .. هذه قصة المركز العام نذكرها اليوم للعبرة والتاريخ وهي عبرة ذات شقين : أما الشق الأول فهو خاص بالطغاة والمستبدين الذين يقدرون فتضحك الأقدار ويظنون أنفسهم آلهة أو أنصاف بيدهم آجال الناس وأرزاقهم فإذا بهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا !! .

أما الشق الثاني من العبرة فهو خاص بالمؤمنين الصادقين .. فمهما أظلمت الأيام وادلهت الخطوب وبلغت القلوب الحناجر فما عليهم إلا أن يستعينوا بالصبر والصلاة ويكونوا بما في يد الله أوثق مما في يد الناس وليطلبوا الحوائج بعزة النفس فالنصر لهم في النهاية والعاقبة للمتقين .

أيها السعديون والوفديون والناصريون : هل رأيتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ .. إننا نحن الإخوان المسلمين قد رأينا ما وعدنا ربنا حقا .. ( وقل جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا ) .

الإخوان .. وحزب الوفد

عقب عودة محمود فهمي النقراشي باشا بعد إلقاء خطابه الشهير بهيئة الأمم المتحدة بأمريكا .. وعقب برقية الأستاذ المرشد العام لهيئة الأمم لمؤازرة رئيس الحكومة المصرية علي أثر برقية مضادة أرسلت من النحاس باشا ، كما أوفد الإخوان المهندس مصطفي مؤمن فألقي خطابا من شرفة مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة وقاد مظاهرة هناك لتأييد القضية الوطنية المصرية .. عقد الإخوان المسلمون مؤتمرا شعبيا بالقاهرة وتلاه مؤتمر آخر بالإسكندرية ( سبق ذكر وقائعهما ) .. وعقب انتهاء مؤتمر الإسكندرية دعا الإخوان بدمنهور فضيلة المرشد كي يؤدي معهم صلاة الجمعة في مسجد الزرقا ، وحاول فضيلته الاعتذار نظرا للظروف والمشاكل التي بين الإخوان في دمنهور وبعض الوفديين ، ولكن الإخوان أصروا علي تلبية دعوتهم ، فاستجاب لرغبتهم .

وغادر فضيلة المرشد وصحبه الإسكندرية إلي دمنهور ، وعند المسجد كان المشهد مثيرا حيث حاصرت قوات الأمن المسجد من كل مكان ، ودخل الأستاذ المرشد مع نهاية الأذان ، وفوجئنا بمعركة بين الإخوان والوفديين بالأيدي مع ضجيج الهتافات . ولم يتنبه الإخوان لخطورة الموقف وما يترتب علي ذلك من مخاطر علي حياة فضيلة المرشد في هذا الزحام الذي يختلط فيه من نعرف بمن لا نعرف .

ولكن الأستاذ لم ينتظر ، فقد صعد المنبر في الحال وصاح بأعلى صوته : يا أبناء الإسلام .. يا أتباع محمد عليه الصلاة والسلام .. يا من جئتم لعبادة الله وحده ... وظل الأستاذ ينادي بمثل هذه المعاني إلي أن جلس الناس جميعا وهدأت الثائرة وخيم الصمت الرهيب علي الجميع : ثم بدأ يخطب الجمعة محلقا بالمصلين في سماء الحب والأخوة في الله تعالي ، وتناول كيف وحد الإسلام بين الأوس والخزرج وبين الأبيض والأسود وبين العربي والعجمي ، وتناول الآيات والأحاديث النبوية الشريفة في هذا الباب حتى تجاوبت القلوب ودمعت العيون ...

وبعد أداء صلاة الجمعة أسرع فضيلته إلي إلقاء كلمة أخري ، حتى لا يدع فرصة للشقاق والخلاف واستمر حديثه أكثر من ساعة حتى أنفض الناس في هدوء وخرجوا من المسجد وقد ظهر عليهم الألم والحزن لما قد أوقعهم فيه الشيطان ، واستطاع الأستاذ المرشد بما وهبه الله تعالي من قوة العزيمة وسرعة الحركة والمبادرة أن ينقذ الموقف ويرد إلي الجماهير رشدها ووعيها دون أن يثير في خطبته إلي أي اتهام أو تجريح أو مفاضلة ولكن رد الناس جميعا إلي أصل عقيدتهم الإسلامية التي من الله عليهم بها حيث يقول : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء . فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا ) .

ولم تمض شهور علي هذا الحادث . حتى سافر الأستاذ المرشد إلي مدينة بورسعيد ، فاستقبله الإخوان هناك ومعهم فرق الجوالة استقبالا شعبيا كريما ، وبينما كان موكب الجوالة يشق طريقه في قلب المدينة إذا بشباب حزب الوفد يهاجم الإخوان ويلقي عليهم الحجارة ويصطدم بهم في معركة .. ثم لم يقنع شباب حزب الوفد بهذا فتوجه إلي دار شعبة الإخوان وحطم زجاج نوافذها وأتلف بعض أثاثها . وحضر مدير الأمن في الحال وسيطر علي الموقف وطلب من فضيلة المرشد أن يساعده علي ذلك ، وقال له الأستاذ المرشد : إنه قد أمر كل الإخوان أن يلتزموا الهدوء والسكينة ، وأنه شخصيا قد اعتزم السفر إلي القاهرة وسوف يوفد بعض الإخوان لتصفية الجو بين الإخوان والوفد . وغادر فضيلته بورسعيد ، ولم يلبث أو أوفد الأستاذ عمر التلمساني بالتصرف في الموضوع . وقابل الأستاذ عمر التلمساني مدير الأمن الذي أدهشه كيف إن الإخوان وقد اعتدي عليهم يسعون للصلح مع اللجنة الوفدية في بورسعيد ، فرحب بهذه السماحة . وعقد الإخوان في دار اللجنة الوفدية اجتماعا للمصالحة ، وعندما أراد العقلاء من اللجنة الوفدية الذهاب إلي دار الإخوان لرد الزيارة اعترض علي ذلك زعماء الحزب ، ولكن برغم هذا الاعتراض ذهب وفد منهم إلي دار الإخوان واستقبلوا هناك أحسن استقبال ، ومع هذا هاجم بعض شباب الوفد دار الإخوان وقت وجود وفدهم في ضيافة الإخوان ، ولكن الإخوان لم يلتفتوا إلي ذلك وتجاهلوه تماما ، وانتهت الفتنة وقضي عليها في مهدها ، ونسي الوفديون و الإخوان في بورسعيد هذا الحادث ...

وتمضي شهور ثم تندلع الحرب في فلسطين عام 1948 ، واشترك الإخوان المسلمون في المعركة بكتيبتين من شبابهم .. كتيبة قادها فضيلة المرشد إلي غزة عن طريق القنطرة شرق و العريش ، وكتيبة أخري تذهب إلي القدس بعد إتمام تدريبها في معسكر قطنا بسوريا .. وكان من المقرر ترحيل الكتيبة الثانية من ميناء الإسكندرية ولكن الأستاذ المرشد رأي ترحيلها عن طريق بورسعيد فأرسل إلي الأخ الحاج أحمد المصري كي يستعد لاستقبال الكتيبة لتوديعها إلي سوريا بكل ما تحمله من سلاح وعتاد ومؤن بالسفن من ميناء بورسعيد .. وانتقل حسن البنا إلي بورسعيد قبل أن تصل الكتيبة ، وحين وصلت كان في استقبالها جوالة الإخوان هناك بالموسيقي والأناشيد واستيقظت بورسعيد علي هذه المشهد الرائع المثير الذي ألهب العواطف وأشعل الحماس .

ووقف حسن البنا وسط الجموع المحتشدة من أهل بورسعيد ليقول كلمات قليلة ذات دلالة :

أيها الناس .. أتذكرون يوما في العام الماضي في مثل هذا الاستعراض ودون أسباب ولا مبررات حين هوجمنا وحطمت دارنا بلا ذنب ولا جريرة ، أتذكرون هذا اليوم ؟ .. إن الإخوان المسلمين أبعد نظرا من أن تستفزهم هذه المعارك الجانبية ، لأنهم أحرص علي دماء بني دينهم ووطنهم أن تذهب في سبيل المطامع والأهواء .. في سبيل الزعامات التي لا تتقي ربها في أرواح أبناء وطنها . ولقد كان الإخوان يستطيعون أن يردوا هذا الاعتداء بمثله ، ولكن الخسارة ستكون علينا جميعا فنحن مهما اختلفنا في الرأي فإننا بنو دين واحد يعيش في مجتمع واحد . لهذا آثر الإخوان المسلمون الحكمة وادخروا جهدهم وجهادهم لقتال أعداء الإسلام . وها هم جنود الإسلام يتحركون علي بركة الله إلي فلسطين ( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ) وفي هذا فليتنافس المتنافسون .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وتعالت الهتافات وازداد الحماس وتحركت الكتيبة وسط مظاهرة من عامة الشعب إلي ميناء بورسعيد ، وعاد الأستاذ المرشد إلي القاهرة ليصرف شئون دعوته ، ثم ينتقل إلي دمشق ليلحق بهذه الكتيبة ويستقبلها هناك مع الإخوان بسوريا في وجود الدكتور مصطفي السباعي . فكانت هذه أول مرة ينتقل فيها الأستاذ البنا إلي سوريا .

وبمناسبة الحديث عن مواقف الأستاذ البنا من تصرفات حزب الوفد ، أذكر أنه في يوم من أيام سنة 1947 قام الإخوان بالقاهرة بعمل استعراض لفرق الجوالة بحي الدرب الأحمر وبينما هذه الفرق تجول الشوارع يتقدمها أحد الإخوان حاملا بين يديه " المصحف الشريف " ، إذ تصدي للجوالة رجال الشرطة وعلي رأسهم مأمور قسم الدرب الأحمر ، وقد تسبب عن هذا الاشتباك سقوط " المصحف الشريف " علي الأرض فثار الإخوان وهاج معهم الأهالي الذين استثارهم هذا المنظر . وكادت تحدث فتنة ، لولا وجود الأخ الأستاذ سعد الوليلي الذي عمل بكل جهده علي تهدئة الثورة في النفوس ، وفي الوقت الذي اضطلع اللواء سليم زكي حكمدار القاهرة بإنقاذ الموقف . وكان من الصعب جدا تهدئة الجو ، حيث اعتبر الإخوان ومعهم عامة الناس أن هذا الحادث فيه إهانة بالغة لكتاب الله تعالي ، وذهب اللواء سليم زكي إلي دار المركز العام للإخوان القريب من الحادث وقابل الأستاذ المرشد واعتذر له . ولكن الأستاذ البنا احتج علي هذا الحادث المثير والذي لولا حكمة شباب الإخوان ووعدهم بأنه سوف يرد علي هذا الموقف بما يتناسب مع حكمة الإخوان وجلال الدعوة .

وفي نفس اليوم ونفس الوقت من الأسبوع التالي خرجت جوالة الإخوان بعدد كبير يضاعف العدد السابق تتقدمها فرق الموسيقي مع أعلام الإخوان ، وتتلوها كوكبة من الإخوان يحيطون بالأخ " حامل المصحف الشريف " وسارت هذه الفرق تجوب نفس الشوارع ، وتهتف بمبادئ الإسلام وتنشد الأناشيد الإسلامية الحماسية ، والجماهير تستقبلها بالهتافات والتصفيق وتحيط بها من كل جانب في حماسة متحدية بذلك رجال الشرطة . وبعد هذا الاستعراض الرائع والاستقبال العظيم عادت الفرق إلي المركز العام . حيث كان في استقبالها فضيلة المرشد الذي تحدث إليهم حديثا أراح قلوبهم وأثلج صدورهم .

حسن البنا .. ورجال الفكر والثقافة

دعا الإخوان المسلمون بالإسكندرية إلي حفل شاي أقاموه في نادي حديقة " انطونيادس " لصفوة من رجال الفكر وأساتذة الجامعة بالإسكندرية ، حضره الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري من كبار الإخوان بسوريا . وحين جاء دور فضيلة المرشد في الحديث ، تحدث بأسلوب المنطقيين الذي يقوم علي المقدمات والنتائج ، وهو أسلوب رجال الفكر الذين يبحثون الأشياء مستخدمين " المنهج العلمي " في البحث .. تحدث فضيلته عن حركة التاريخ الإسلامي ، وكيف انتقلت قيادة البشرية اليوم إلي الغرب ، حيث الاختراع والآلة وسرعة المواصلات ، واتفاق دول الغرب رغم اختلافهم فيما بينهم علي تدمير أمة المسلمين وحضارتهم .

ثم أخذ في عرض خصائص الإنسان الغربي وحضارته وانفلاته من القيم والمثل الإنسانية العليا .. فالإنسان الغربي بتكوينه التاريخي مادي بطبيعته ، وجاءت حضارته الحديثة لتؤصل فيه هذه الروح المادية وتزيدها عمقا ، نتيجة حتمية لصلته الشديدة بالآلة الصماء التي لا تروي ظمأ القلوب ولا تتجاوب مع الفطرة الإنسانية ، فالإنسان في الغرب يظل أكثر حياته يتعامل مع الآلة حتى أصبح وكأنه آلة تتحرك بلا وجدان ولا شعور ...

بدأ فضيلته الحديث عن حركة التاريخ الإسلامي ، وكيف بدأ بقيام الدولة الإسلامية الأولي علي قواعد النظام الاجتماعي القرآني الفاضل ، تؤمن به إيمانا عميقا وتطبقه تطبيقا دقيقا وتنشره في العالمين ، حتى كان الخليقة الأول رضي الله عنه يقول : " لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله " وحتى أنه ليقاتل ما لعي الزكاة ويعترهم مرتدين بهدمهم هذا الركن من أركان هذا النظام ويقول : " والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله صلي الله عليه وسلم لقاتلتهم متى استمسك السيف بيدي " وكانت الوحدة بكل معانيها ومظاهرها تشمل هذه الأمة الناشئة . فالوحدة الاجتماعية شاملة بتعميم نظام القرآن ولغة القرآن ، والوحدة السياسية شاملة في ظل أمير المؤمنين وتحت لواء الخلافة في العاصمة ، ولم يحل دونها أن كانت الفكرة الإسلامية فكرة لا مركزية في الجيوش ، وفي بيوت المال ، وفي تصرفات الولاة ، إذ أن الجميع يعملون بعقيدة واحدة وبتوجيه عام محتد . ولقد طاردت هذه المبادئ القرآنية الوثنية المخرفة في جزيرة العرب وبلاد الفرس فقضت عليها ، وطاردت اليهودية الماكرة فحصرتها في نطاق ضيق وقضت علي سلطانها الديني والسياسي قضاء تاما ، وصارعت المسيحية حتى انحصر الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية وتركز بذلك السلطان الروحي والسياسي بالدولة الإسلامية في القارتين العظيمتين ، وألحت علي القارة الثالثة تهاجم القسطنطينية من الشرق وتحاصرها حتى يجهدها الحصار وتأتيها من الغرب وتقتحم الأندلس وتصل جنودها المظفرة إلي قلب فرنسا وإلي شمال وجنوب إيطاليا وتقيم في غرب أوروبا دولة شامخة البنيان مشرقة بالعلم والعرفان ، ويتم لها بعد ذلك فتح القسطنطينية نفسها وحصر الصليبية في هذا الجزء المحدود من قلب أوروبا ، وتمخر الأساطيل الإسلامية عباب البحرين الأبيض والأحمر فيصير كل منهما بحيرة إسلامية ، وتقبض قوات الدولة الإسلامية بذلك علي مفاتيح البحار في الشرق والغرب وتتم لها السيادة البرية والبحرية وقد اتصلت هذه الأمم الإسلامية بغيرها من الأمم ونقلت كثيرا من الحضارات ولكنها تعذبت بقوة إيمانها ومتانة نظامها عليها جميعا فعربتها أو كادت واستطاعت أن تصبغها وأن تحملها علي لغتها ودينها بما فيها من روعة وحيوية وجمال ، ولم يمنعها أن تأخذ النافع من هذه الحضارات جميعا من غير أن يؤثر ذلك في وحدتها الاجتماعية أو السياسية . ومع هذه القوة البالغة والسلطان الواسع فإن عوامل التحلل قد أخذت تتسلل إلي كيان هذه الأمة القرآنية وتعظم وتنشر وتقوي شيئا فشيئا ...

• وأخذت الأمة الإسلامية تنتقل من هزيمة إلي هزيمة ومن اندحار إلي اندحار ، ومن حفرة إلي حفرة بسبب الخلافات السياسية العصبية وتنازع الرياسة والجاه .. والخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن جوهر الدين .. والانغماس في ألوان الترف والنعيم .. وانتقال السلطة إلي من لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح .. وإهمال العلوم العملية والمعارف الكونية .. والغرور بسلطانهم والانخداع بقوتهم وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم من غيرهم .. والانخداع بدسائس المتملقين من خصومهم .

أخذت هذه العوامل تعمل في كيان الدولة الإسلامية والأمة الإسلامية عملها وظننت الأمم الموتورة أن قد سنحت الفرصة لتأخذ بثأرها وتقضي علي هذه الدولة الإسلامية التي فتحت بلادها من قبل وغيرت معالم أوضاعها في كل شئون الحياة ، فانحدر التتار كالسيل الدافق علي الدولة الإسلامية وأخذوا يقطعون أشلاءها جزءا جزءا حتى وصلوا إلي بغداد عاصمة الخلافة العباسية ووطئوها بنعالهم في شخص الخليفة المستعصم ، وبذلك تبدد شمل الدولة وانتثر عقد الخلافة لأول مرة وتفرقت الأمة الإسلامية إلي دويلات صغيرة ، فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر ، وتنبهت الصليبية في أوروبا وجمعت جموعها وقذفت الشرق المسلم في آسيا وإفريقيا بكتائبها في تسع حملات صليبية اشتملت علي خير ما فيها من فرسان دولة صليبية في بيت المقدس وتهديم أمم الإسلام في الشرق والغرب ومهاجمة مصر أقوي هذه الدول أن ذاك .

• ولكن الله تبارك وتعالي لم يأذن بعد انتصار الباطل علي الحق فاستطاعت مصر أن تجمع حولها فلول بعض هذه الويلات وتقذف بهم في نحر الصليبيين بقيادة صلاح الدين فتستعيد منهم بيت المقدس وتريهم كيف تكون الهزيمة في حطين . ثم تقف في وجه التتار بقيادة الظاهر بيبرس وتردهم علي أعقابهم خاسئين في عين جالوت ثم تعيد رسم الخلافة من جديد ، ويريد الله بعد ذلك أن تقوم للإسلام دولة وارفة الظلال قوية البأس شديدة المرامي تجمع كلمة أهله وتضم تحت لوائها معظم أممه وشعبه ويأبي لها علو الهمة إلا أن تغزوا الصليبية في عقر دارها فتفتح القسطنطينية ويمتد سلطانها في قلب أوروبا حتى يصل إلي فيينا ، تلك هي دولة الأتراك العثمانية .

• اطمأنت الدولة الإسلامية تحت لواء العثمانيين إلي واستنامت إليه وغفلت عن كل ما يدور حولها ولكن أوروبا التي اتصلت بأضواء الإسلام غربا بالأندلس وشرقا بالحملات الصليبية لم تضع الفرصة ولم تغفل عن الاستفادة بهذه الدروس فأخذت تتقوي وتتجمع تحت لواء الفرنجة في بلاد الغال ، واستطاعت بعد ذلك أن تصدر تيار الغزو الإسلامي الغربي وأن تبث الدسائس بين صفوف المسلمين بالأندلس وأن تضرب بعضهم ببعض إلي أن قذفت بهم أخيرا إلي ما وراء البحر أو إلي العدوة الأفريقية ، فقامت مقامهم الدولة الأسبانيولية الفتية ومازالت أوروبا تتقوي وتتجمع وتفكر وتتعلم وتجوب البلاد وتكشف الأقطار حتى كان كشف أمريكا عملا من أعمال أسبانيا وكشف طريق الهند عملا من أعمال البرتغال ، وتوالت فيها صيحات الإصلاح ونبغ بها كثير من المصلحين وأقبلت علي العلم الكوني والمعرفة المنتجة المثمرة . وانتهت بها هذه الثورات الإصلاحية إلي تكوين القوميات وقيام دولة قوية جعلت هدفها جميعا أن تمزق هذه الدولة الإسلامية التي قاسمتها أوروبا واستأثرت دونها بأفريقيا وآسيا وتحالفت هذه الدول الفتية علي ذلك أخلافا رقت بها إلي درجة القداسة في كثير من الأحيان .

• وامتدت الأيدي الأوروبية بحكم الكشف والضرب في الأرض والرحلة إلي أقصي آفاقها البعيدة إلي كثير من بلدان الإسلام النائية كالهند وبعض الولايات الإسلامية المجاورة لها وأخذت تعمل في جد للوصول إلي تمزيق دولة الإسلام القوية الواسعة وأخذت تضع لذلك المشروعات الكثيرة تعبر عنها أحيانا بالمسألة الشرقية وأخري باقتسام تركة الرجل المريض ، وأخذت كل دولة تنتهز الفرصة السانحة وتنتحل الأسباب الواهية وتهاجم الدولة الوادعة اللاهية فتنقض بعض أطرافها أو تهد جانبا من كيانها . واستمرت هذه المهاجمة أمدا طويلا انسلخ فيه عن الدولة العثمانية كثير من الأقطار الإسلامية ، وقعت تحت السلطان الأوروبي ( كالمغرب وشمال أوروبا ) واستقل فيه كثير من البلاد غير الإسلامية التي كانت تحت سلطان العثمانيين كاليونان ودول البلقان ، وكان الدور الختامي في هذا الصراع الحرب العالمية الأولي سنة 1914-1918 ميلادية الذي انتهي بهزيمة تركيا وحلفائها وبذلك سنحت الفرصة الكاملة لأقوي شعوب أوروبا (انجلترا وفرنسا) وإلي جوارهما (إيطاليا) فوضعت يدها علي هذا الميراث الضخم من أمم الإسلام وشعوبه ، وبسطت سلطانها عليها في أسماء مختلفة من احتلال واستعمار ووصاية وانتداب .

• ولقد خرجت الدول الأوروبية من الحرب العالمية وبذور الحقد والبغضاء متأصلة في صدور الكثير منها وجاء مؤتمر الصلح ومعاهداته لطمات قاسية لبعضها وخيبة أمل مؤلمة لكثير منها ، هذا إلي ظهور كثير من الفكر الجديدة ، والمبادئ المتعصبة الشديدة التعصب ، ولابد أن تنتهي هذه الحال بهذه الأمم إلي خلاف جديد وحرب طاحنة ضروس تبدد شملهم وتمزق وحدتهم وتعيدهم إلي رشدهم وتردهم علي ظلمهم ، وتهب لأمم الإسلام فرصة أخري تسوي فيها صفوفها وتجمع شملها وتستكمل حريتها وتسترد دولتها ووحدتها تحت لواء أمير المؤمنين : ( ونريد أن نمن علي الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم الوارثين) .

• إن الأمم الأوروبية التي اتصلت بالإسلام وشعوبه في الشرق بالحروب الصليبية وفي المغرب بمجاورة عرب الأندلس ومخالطتهم لم تستفد من هذا الاتصال مجرد الشعور القوي أو التجمع والتوحد السياسي ولكنها أفادت ذلك يقظة ذهنية وعقلية كبيرة واكتسبت علوما ومعارف جمة وظهرت فيها نهضة أدبية وعلمية واسعة النطاق ، وقامت الكنيسة تناهض هذه الظاهرة الغريبة بكل ما أوتيت من قوة ، وتذيق رجالها من الأدباء والعلماء مر العذاب ، فتعتدي عليهم محاكم التفتيش وتثير ضدهم الدول والشعوب ، ولكن ذلك كله لم يجدها نفعا ولم تثبت تعاليمها أمام حقائق العلم وكشوفه ، وخرجت النهضة العلمية منتصرة كل الانتصار وتنبهت الدولة بذلك فصارعت الكنيسة هي الأخرى حتى صرعتها وتخلص بذلك المجتمع الأوروبي تخلصا تاما من سلطانها وطارد رجالها إلي المعابد والأديرة وألزم الباب الإقامة في الفاتيكان وحصر عمل رجال الدين في نطاق ضيق من شئون الحياة لا يخرجون عنه ولا يتطلعون إلي سواه ولم تبق أوروبا علي المسيحية إلا كتراث تاريخي ، وعامل من عوامل تهذيب البسطاء والأغرار من دهماء الشعوب ، ووسيلة من وسائل التغلب والاستعمار وقضاء المآرب السياسية ، وامتد أمام الأوروبيين رواق العلم وانفسخ مجال الاختراعات والكشف وضاعفت الماكينة الإنتاج ووجهت الحياة وجهة صناعية ، وسار ذلك جنبا إلي جنب مع نشأة الدولة القوية وامتداد سلطانها إلي كثير من البلاد والأقطار ، فأقبلت الدنيا عليها الأموال من كل مكان طبيعيا بعد ذلك أن تقوم الحياة الأوروبية علي قاعدة إقصاء الدين عن مظاهر الحياة الاجتماعية وبخاصة الدولة والمحكمة والمدرسة وطغيان النظرة المادية وجعلها المقياس في كل شيء ... وتبعا لذلك سارت مظاهر هذه الحضارة مادية بحتة تهدم ما جاءت به الأديان السماوية وتناقض كل المناقضة تلك الأصول التي قررها الإسلام الحنيف وجعلها أساسا لحضارته ، التي جمعت بين الروحانية والمادية جميعا ، ومن أهم الظواهر الذي لازمت المدنية الأوروبية :

1 – الإلحاد والشك في الله وإنكار الروح ونسيان الجزاء الأخروي والوقوف عند حدود الكون المادي المحسوس : (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون) .

2 – الإباحية والتهافت علي اللذة والتفنن في الاستماع وإطلاق الغرائز الدنيا من عقالها وإشباع شهوتي البطن والفرج وتجهيز المرأة بكل صنوف المفاتن والمغريات والإغراق في الموبقات إغراقا يحطم الأجسام والعقول ويقضي علي نظام الأسر ويهدم سعادة البيوت : (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم).

3 – الأثرة في الأفراد ، فكل إنسان لا يريد إلا خير نفسه . وفي الطبقات ، فكل طبقة تتعالي عمن سواها وتود أن تحظي بالمغانم دونها . وفي الشعوب فكل أمة تتعصب لجنسها وتنتقص غيرها وتحاول أن تلتهم من هي أضعف منها .

4 – الربا والاعتراف بشرعيته واعتباره قاعدة التعامل والتفنن في صوره وضروبه وتعميمه بين الدول والأفراد ، وقد أنتجت هذه المظاهر المادية البحتة في المجتمع الأوروبي فساد النفوس وضعف الأخلاق والتراخي في محاربة الجرائم فكثرت المشكلات وظهرت المبادئ الهدامة واشتعلت الثورات المخربة المدمرة واضطربت النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فلم تستقر علي حال وتمزقت الدول بالطوائف والأحزاب وتناحرت الشعوب علي المطامع والأحقاد ، وأثبتت هذه المدنية الحديثة عجزها التام عن تأمين مجتمع الإنسان وإقرار الطمأنينة والسلام فيه وفشلها في إسعاد الناس رغم ما فتحت عليه من حقائق العلم والمعرفة وما وفرت لهم من أسباب الغني والثراء وما مكنت لدولها في الأرض من قوة وسلطان ولما يمض عليها قرن كامل من الزمان .

وانتهي الإمام رضي الله عنه إلي هذا الحد الذي كشف فيه عن زيف الحضارة الغربية وسذاجة من انخدعوا بها ، ثم انتقل إلي بيان ذلك الغزو الحضاري الغربي للأمة الإسلامية فقال (عمل الأوروبيون جاهدين علي أن تعمر موجة هذه الحياة المادية بمظاهرها الفاسدة وجراثيمها القتالة جميع البلاد الإسلامية التي امتدت إليها أيديهم وأوقعها سوء الطالع تحت سلطانهم ، مع حرصهم الشديد علي أن يحتجزوا دون هذه الأمم عناصر الصلاح والقوة من العلوم والمعارف والصناعات والنظم النافعة وقد أحكموا خطة هذا الغزو الاجتماعي إحكاما شديدا واستعانوا بدهائهم السياسي وسلطانهم العسكري حتى تم لهم ما أرادوا) .

وهكذا كان حسن البنا قادرا – بعون الله تعالي له – أن يحدث كلا بلغته وفي ميدانه وعلي طرقته ، فكان يعرف لغات الأزهريين والجامعيين والمهندسين والصوفية وأهل السنة .. كان يعرف لغة الفلاحين وأصحاب الحرف ... كان يعرف كل ذلك ليربطه في لباقة مع دعوته ومعالمها الكبرى ، فيجئ كلامه عجبا يأخذ بالألباب .

حسن البنا .. يشرح مراحل دعوته

عدنا بعد حفل الشاي الذي أقامه الإخوان لرجال الفكر والجامعة بالإسكندرية في نادي حديقة " أنطونيادس " إلي دار شعبة الإخوان بمحرم بك ، وكانت نوعية المستمعين تختلف عن نوعية المستمعين في حفل الشاي ، فاختلف أسلوب الدعوة والداعية .. ففي هذه المرة أخذ الأستاذ البنا يشرح دعوته ومراحلها مستخدما أسلوب التشبيه وضرب الأمثال ، هذا الأسلوب الذي يجئ في القرآن الكريم بتصويره الفني للتوضيح والإبانة وإقامة الدليل ، فلو قرأت قوله تعالي : ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ) تلحظ أسلوبا رائعا في التصوير الفني وإبراز الكلمة الطيبة في أجمل صورة ، إذ عبر عنها بالرسوخ والنماء والازدهار ، بينما صور الكلمة الخبيثة بشجرة مقطوعة لا تستقر في مكانها .

.. ذكر فضيلته أن وزيرا حدثه فقال يا فضيلة المرشد مثلك في هذه الدعوة كرجل ورث مع أهله قصرا فخما كبيرا مضي عليه أكثر من ألف عام ، وهذا القصر بدأ يتهدم وكاد يسقط . فرأيت أن تجمع الورثة جميعا وتشاورهم في أمر إصلاح هذا القصر وترميمه قبل أن يسقط . ولكن الجميع رفضوا ذلك ، فبعضهم احتج بأن القصر لا محالة سيسقط وأن إصلاحه عبث لا طائل من ورائه ، وبعضهم اعتذر عن أنه لم يعد له أمل في هذه الحياة فقد قارب الموت ، وبعضهم احتج بضيق ذات يده .. وهكذا تعال الجميع بالمعاذير .

.. ومضي فضيلته في سرد القصة :

ولقد كنت مقدرا لو تعاون معي الورثة تعاونا وثيقا ، فإنه في الإمكان أن تختصر الوقت في إصلاح هذا القصر حتى يقيم ذلك فيما لا يزيد عن عشرين عاما . فلما رفض الورثة التعاون معي رأيت أن لا أتخلي عن واجب الوفاء لإنقاذ هذا القصر ، وقلت في نفسي المهم هو الوصول إلي الإصلاح طال الزمن أم قصر ، ومضيت في العمل مستعينا بالله تعالي . وبدأت أحيط هذا القصر بسور عال كما يفعل في تجديد العمارات بالقاهرة و الإسكندرية .. وحجبت القصر عن الأعين تماما ، وأخذت أجوب البلاد وأتحدث مع العباد وأبني لبنة لبنة حتى إذا اطمأننت إلي سلامة القصر وقوة بنيانه رفعت هذا السور ، ففوجئ الناس بهذا القصر قويا جديدا ودهشوا متى وكيف تم ذلك ؟! ثم أشاعوا من أين المال ومن أين الرجال ؟! .. ولكن كل ذلك حدث بعد فوات الأوان ، وبعد أن ظهر القصر قويا شامخا .

رأينا في المثال السابق أن الإمام البنا قد أجمل البيان عن مراحل دعوته التي بدأها باتصالات ومحاولات لحفز همم رجالات الأمة وهيئاتها للعمل علي إعادة كيان الأمة الإسلامية واستئناف دورها الحضاري . ولكن نتيجة هذه المحاولات هي هذه التعلات والمعاذير التي أوضحها فضيلته في مثاله الذي ضربه ، ويمكن الرجوع إلي تفصيل ذلك في كتابه " مذكرات الدعوة والداعية " .

.. لقد نشأت دعوة الإخوان المسلمين في نهاية العشرينات وتبلورت أهدافها أول ما تبلورت في نفس الإمام الشهيد ، وقد أجمع الذين عاصروه والذين كتبوا عنه من معارضيه ومؤيديه أنه كان داعية متمكنا من دعوته فاهما لضمونها الاجتماعي والحركي مدركا لما يحيط بها وما ستواجهه من أخطار وما يجب عليه أن يحققه من أهداف . وإيمان الداعية بدعوته وتمكنه منها هو أول بوادر النجاح والنصر لها ، لهذا حرص البنا من أول يوم في دعوته أن يحدد الأسس العقائدية والحركية لها تحديدا واضحا لا ليس فيه ولا غموض ، ولكن التكتيك الحركي كان يقضي بأن لا يوضح مراحل دعوته ومعالم طريقها بشكل كامل منذ اليوم الأول لانطلاقته ، ولهذا لم يفصح البنا عن جميع أهداف دعوة الإخوان ووسائلها جملة واحدة فيلفت إليها أنظار الأعداء المتربصين بها فيضربونها قبل أن يشتد عودها ويكثر أتباعها ، ولهذا كانت مخططات الدعوة واضحة بالنسبة للبنا وضوح الشمس في رابعة النهار كما كانت مراحلها محددة ومتكاملة في نفسه ، إلا أنه كان يفصح عنها لخاصة إخوانه بين الفينة والأخرى أما بقية الناس فكانوا لا يعرفون عن أهداف هذه الدعوة ووسائلها إلا الأهداف والوسائل المرحلية الآنية التي كان يعلن عنها في أحاديثه وخطبه للناس كافة ، والذي يراجع كتابات البنا يري بأن التسلسل التاريخي لها كان يخدم الأهداف المرحلية التي حددت مرحلة من مراحل المسيرة العامة لدعوته ، ولعدم وضوح هذه الفترة في نفوس الكثيرين أخذوا يتهمون هذه الدعوة بأنها لم تقم علي أسس عقائدية أو حركية وإنما قامت علي شعارات عاطفية وخطب نارية ومقالات وكتب يطغي عليها هذا الطابع ، والذي يراجع رسائل الإمام الشهيد يري أن دعوة الإخوان قامت علي أسس ثابتة لتحقيق أهداف محدودة بوسائل مشروعة ومعروفة وأنه يؤكد علي أسلوب " التدرج في الخطوات " للوصول بالدعوة إلي أهدافها .

والحقيقة أن هذه الدعوة بقيت مجهولة بالنسبة للأعداء ، إذ كانوا يعدونها واحدة من الحركات الصوفية التي كانت منتشرة في مصر آنذاك ، ولم يكن هدف الدعوة في مرحلة التعريف والتربية هذه تجميع أكبر عدد ممكن من الأفراد الذين يرتفع المد العاطفي في نفوسهم بدرجة كافية ، ولكن كان الهدف هو اختيار الأنصار الذين يصلحون لحمل أعباء هذه الدعوة لتكوين القاعدة القوية السليمة منهم كجزء من مخطط الدعوة الشامل الذي يهدف إلي إيجاد جيل من المؤمنين الفاهمين لتعاليم الإسلام والذي يكون الطليعة المؤمنة التي تقود المسلمين لإقامة حكم الله في الأرض . وبقيت دعوة الإخوان مجهولة بالنسبة للأعداء ولم تبرز كقوة تهدد أطماع المستعمرين وتعرقل مخططاتهم إلا حينما أفصح البنا عن أهداف هذه الدعوة في " المؤتمر الخامس " لقادة الإخوان الذي عقد عام 1937 حيث أعلن موقف الإخوان من المستعمرين غربيين وشرقيين ، وموقفهم من الدعوات الحاضرة كالقومية والوطنية ، وموقفهم من الأحزاب والهيئات وأنظمة الحكم القائمة في مصر والعالم العربي . ومنذ ذلك الحين أخذ الأعداء يعدون المخططات لضرب هذه الدعوة . وعلي أثر اشتراك الإخوان في الحرب الفلسطينية عام 1947 ظهروا كأكبر حركة شعبية إسلامية في مصر والعالم الإسلامي ، ولكن مع ازدياد قوة الإخوان شعبيا وحركيا ازداد اهتمام الأعداء بهم وأخذوا ينظرون إليهم علي أنهم العدو الوحيد الذي يتهدد مطامعهم ، ولهذا قرروا القضاء عليهم مهما كلفهم ذلك من ثمن ، ومنذ عام 1948 بدأت مرحلة جديدة في مسيرة هذه الدعوة .. مرحلة الابتلاء والمحنة ، وبدأت تجري عليهم سنة الله في تمحيص أصحاب الدعوات . وتوالت المحن حتى السبعينات ، وكان مكر الأعداء عاتيا ولكن الله كان خير الماكرين ، فازدادت الدعوة اتساعا حتى شمل نورها كل قارات الدنيا وازدادت عمقا في نفوس أصحابها ... والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

الحجة الأخيرة .. ثم الاستشهاد

كانت بعثة الحج للإخوان المسلمين في عام 1367 هجرية الموافق 1948 ميلادية أكبر بعثة عرفتها مكة مهبط الوحي من جميع البعثات ، وقد أراد الإمام البنا – رضي الله عنه – أن يؤدي رسالته علي أتمها ، وكأني به كان يشعر بدنو الأجل واللقاء القريب بينه وبين الأحبة – محمد صلي الله عليه وسلم وصحبه – فوضع مناسك الحج علي المذاهب الأربعة بجميع اللغات الشرقية من عربية وأردية وفارسية وتركية وجعلها في عدد خاص من جريدة الإخوان المسلمين ، وفيها دعوة كريمة موجهة من المرشد العام للإخوان المسلمين إلي عامة المسلمين في جميع الأقطار بأن يرجعوا إلي دينهم فيعرفوه ، وإلي قرآنهم فيجعلوه دستورهم الحق وإلي سنة نبيهم فيقيموها ، ثم ينظرون ماذا سيكون لهم . وهم لابد بالغوا كل ما يريدون في دنياهم وأخراهم بفضل توكلهم علي الله ورضاهم عن دينه وعبادتهم لخالقهم سبحانه وتعالي .

.. في مكة المكرمة وبجوار الكعبة المقدسة دعا فضيلته إلي مؤتمر إسلامي لأمراء الحج من جميع أنحاء العالم الإسلامي ، كما وجهت الدعوة إلي الأمراء والوزراء السعوديين . وكان اجتماعا كبيرا انعقد في القاعة الكبرى ( بفندق بنك مصر) بجوار وزارة المالية السعودية وقريبا من قصر أمير المدينة ونائب الملك .. وكان موضوع هذا الاجتماع (الدعوة إلي جمع كلمة المسلمين ، وأنه لا خير ولا سعادة للأمة الإسلامية إلا إذا جعلت دستورها القرآن الكريم) . وكان من خطباء هذا المؤتمر مندوبون من كل الدول الآتية : الباكستان والهند وجزر الملايو وجاوة والعراق وإيران وتركيا والجزائر وتونس ومراكش وليبيا والسودان واليمن والكويت ومصر والحجاز والتركستان الشرقية وسوريا وفلسطين وأفغانستان والصين .

وبعد أن انتهي المندوبون جميعا من إلقاء كلماتهم المؤثرة المنطوية علي الخير للإسلام والمسلمين ، اعتلي فضيلة المرشد منصة الخطابة ، وكان بادي التأثر من الكلمات التي ألقيت والتي ترمي إلي هدف واحد ألا وهو : العمل بكتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم .. وقف حسن البنا وقفته الأخيرة بين زعماء المسلمين جميعا ، ثم افتتح كلامه فقال :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علي أشرف المسلمين سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين ، وبعد فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها المسلمون الكرام :

إخواني : إني أشعر بأن جمعنا هذا يباركه الله رب العالمين وتحضره ملائكة السماء . لا بل يحضره رسول الله صلي الله عليه وسلم المشرع الأعظم الذي جاء علي فترة من الرسل لهداية الناس إلي حظيرة رب العالمين .

أيها الإخوان : إننا في هذا البلد الحرام ، وأمام بيت الله الحرام ، وزمزم ومقام إبراهيم نعاهد الله عهدا وثيقا علي أننا سنحمل عبء الجهاد والتضحية في سبيل اعتناق مبادئ الإسلام السامية ، وتعاليمه الحكيمة ، وسنحارب بعون الله جميع البدع والخرافات الدخيلة علي ديننا السليم المبني علي التوحيد الصحيح بلكم الفكرة السليمة التي من ذاق طعمها ذاق حلاوة الإيمان وكان عند الله من المقبولين .

أيها الإخوان : هل تدركون لماذا تأخرنا عن أسلافنا ؟ إنه جواب واحد لا ثاني له ألا وهو ، عدولنا عن طريق القرآن والعمل بكل ما جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، ثم ارتفع صوته قائلا : بعبارة مؤثرة بليغة : اعلموا أن سعادة المسلمين لا تتحقق ولا تكون إلا بجعلهم القرآن الكريم دستورهم وقانونهم ، واحملوها عني كلمة ، أن الله لا ينصر القوم الفاسقين الذين هجروا دينهم وسلكوا طريق الشيطان الرجيم . ويوم أن نعود إلي حظيرة القرآن والسنة المطهرة يوم أن نري نصر الله ماثلا أمام أعيننا لأنه وعد من الله ووعد الله صادق لا يتخلف . اقرأوا قول الله تعالي ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) .

ثم خنقته العبرات فقال بصوت متهدج : اللهم قد بلغت اللهم فاشهد .

هنا وجلت القلوب وانسابت العيون بالعبرات وانقض الاجتماع علي التمسك بهذا العهد .

وانتقل حسن البنا إلي مدينة رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وتوجه إلي مسجده الشريف ومكث فيه رضي الله عنه متأملا متفكرا حتى جاء وقت الصلاة وكان وقت الظهر فأدي الصلاة ، ثم أطبق عليه الجمع من زعماء الأمم الإسلامية يستشيرونه في أمر دينهم ، ويطلبون من الله تعالي بإلحاح في هذه الأماكن والبقاع المطهرة أن يعز الله الإسلام المسلمين وينصرهم علي أعدائهم ، ثم قال المرشد العام : ( إن الله لا يغير ما بقوة حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال ) .. وأخذ يشرح لهم هذه الآية بأسلوبه العطر العذب الجميل ويشير لهم أن الرسول الكريم نزل عليه القرآن في أن محبة الله للمؤمنين لا تكون إلا بإتباعهم للنبي ، قال تعالي : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) فما علينا إلا إتباع هذا النبي حتى نكون من أمته الخيرة التي يذكرها الله في كتابه : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) وقوله : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) .

أيها الإخوان المسلمون : إن دين الإسلام الذي أضعنا تعاليمه وأهدرنا أحكامه في هذه الأيام ونظرنا إلي الأمم الغربية وقلدناها في مدينتها الكاذبة . جدير بأن يلقي منا رعاية وعناية . ونسأل الله رب العرش العظيم أن يهدينا جميعا سواء السبيل ويرينا الحق حقا ويرزقنا أتباعه ، والباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه .. إن ربي سميع الدعاء .

ثم توجه فضيلته لزيارة البقيع ومعه جمع من زعماء المسلمين .. وقبل الوصول إلي هذه المقبرة الشريفة خلع نعليه ومشي خاشعا بنفس مؤمنة ، وسلم علي أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين وزوجاته . وأخذ يدعو الله والجميع يؤمنون علي دعائه في أن ينصر الله المسلمين علي أعدائهم ويرحمهم ويعفوا عنهم كما دعا الله لأهل البقيع بالمغفرة والرضوان ، ثم زار قبر النبي صلي الله عليه وسلم وكذا قبر السيدة : فاطمة الزهراء ، وباقي قبور الصحابة الأطهار والتابعين ، وفي مقدمتهم الإمام مالك ابن أنس أمام دار الهجرة رضي الله عنه . ثم توجه بنفس ملئت خشية من الله واتعاظا كبيرا ورجوعا إلي الله في السر والعلن إلي مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم وزار قبره ، وأخذ في المناجاة والدموع تسيل من عينيه ، وهو يناجي الحبيب ويطلب من الله تعالي أن يجعله شفيعا له يوم القيامة ، ويعرج علي أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما . وبعد ذلك جلس في روضة المصطفي صلي الله عليه وسلم في انتظار وقت الصلاة يتلو القرآن في سره ويرتله ترتيلا .

بعد الانتهاء من الصلاة وإلقاء كلمة جامعة في المسلمين في المسجد النبوي توجه مسرعا إلي زيارة الشهداء في غزوة أحد وخاصة قبر سيدنا حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلي الله عليه وسلم وسيد الشهداء الذي حزن عليه الرسول حزنا شديدا ، والذي عندما سمع بأن الكفار مثلوا بجسده رضي الله عنه تمثيلا شنيعا ، قال لأمثلن بسبعين منهم ، فنزل قوله تعالي : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين . واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) .

تذكر الإمام الشهيد هذه الحادثة وتلك المصيبة التي مني بها النبي الكريم في عمه حمزة رضي الله عنه ، فتمني علي الله أن ينال هذه الشهادة ويحشر مع الشهداء والصالحين ، ثم صلي ركعتين في الأماكن الطاهرة ، وأخذ يترحم علي الشهداء واحدا واحد ، وأخذ يذكرهم ويترجم حياة كل شهيد وقصة استشهاده كأنه كان حاضرا الموقعة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم . حتى أن المرافقين له دهشوا عندما وجدوا أن فضيلته يعرفهم حقائق عن هؤلاء لم يعرفوها . ويقول الناس في هذه الأماكن : أن حسن البنا يعلم الكثير مما نعلم ، بل إنه يزداد عنا علما ودقة عن علمنا في هذه الآثار الإسلامية الكريمة .

وانتهت الزيارة في المدينة المنورة .. وعدنا بعدها إلي مصر لنجد أمامنا خيوطا للمؤامرة الكبرى علي تصفية الجماعة باعتقال أفرادها واغتيال إمامها .

قول فصل

جاء في المذكرة التي كتبها الإمام الشهيد حسن البنا قبيل استشهاده مفندا بها أسباب الاتهامات الباطلة ، التي انتحلتها حكومة السعديين للكيد للإخوان ، وتدبير قرار الحل الغاشم الذي استصدرته ضد القانون والدستور عام 1948 وقد عنونت هذه المذكرة بعنوان " قول فصل " :

وهذه المذكرة العظيمة ، رغم أنها تعالج موقفا سياسيا بين جماعة مغلوبة علي أمرها قد حلت بأمر عسكري للعملاء بوحي من سادتهم المستعمرين وتدبير من الصهيونية العالمية علي أثر انتكاس حرب فلسطين وتوقيع معاهدة ( رودس ) والاشتراط في أحد بنودها بتعهد الدول العربية (بحل جميع الهيئات الدينية المتطرفة – في زعمهم-) والإخوان بالطبع علي رأس هذه الهيئات التي تحارب اليهود في فلسطين . ورغم أن الموضوع يجب أن يعالج بصورة فيها بعض المهادنة للوصول إلي تحقيق مصلحة الجماعة في الخروج من مأزق محنة مدبرة علي أوسع حدود وأبعد من حدود مصر ذاتها ... رغم كل هذا فإني أسجل هنا أسجل سطورا من هذه المذكرة ليقف الأخ المسلم أو كل مسلم علي حقيقة الإيمان وعظمة العقيدة الإسلامية .

يقول الإمام الشهيد في صفحة 29 من " قول فصل "

( ولا تنسي في هذا المضمار عمل الأصابع الخفية والدسائس من ذوي الغايات الذين خاصموا هذه الدعوة من أول يوم وتربصوا بها الدوائر . حتى أمكنتهم منها الفرصة وساعدتهم الظروف فاحكموا الخطة ودأبوا علي التدبير والكيد حتى وصلوا في النهاية إلي ما يريدون فاليهودية العالمية والشيوعية الدولية والدول الاستعمارية وأنصار الإلحاد والإباحية ، كل هؤلاء من أول يوم يرون الإخوان ودعوتهم السد المنيع الذي يحول بينهم وبين ما يريدون من باطل وفوضي وإفساد ولا يألون جهدا في معادلتهم بكل ما يستطيعون وهم لم يستطيعوا كتمان شعورهم هذا ولا إخفاء سرورهم وفرحهم لنجاح خطتهم حين أعلن قرار الحل فأقاموا المآدب وأولموا الولائم وتبادلوا التهاني وجعلوه يوما من أيام المواسم والأعياد – وهكذا أقرت الحكومة المصرية بهذا التصرف أعين الضالين المضللين بالعدوان علي المؤمنين العاملين فإلي الله المشتكي والله غالب علي أمره ولكن التصرف أعين الضالين المضلين بالعدوان علي المؤمنين العاملين فإلي الله المشتكي والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون – وتلك الأيام نداولها بين الناس . ولله عاقبة الأمور ) .

وكتب الإمام الشهيد في الصفحة 41 من نفس المذكرة تحت عنوان : من الذي يفعل هذا ويحكم به ؟

الحكومة المصرية التي أخفقت في المفاوضات مع الانجليز فقطعتها وذهبت إلي مجلس الأمن فعادت بخفي حنين وتركت قضية الوطن علي رفوفه في زوايا الإهمال والنسيان وتجاهلت الانجليز بعد ذلك تجاهلا تاما وتركتهم يفعلون ما يريدون حتى أضاعت بهذا التجاهل السودان واتبعت سياسة التردد والاضطراب في قضية فلسطين ، وقبلت الهدنة الأولي فأضاعت بهذا القبول كل شيء وحرمت الجيش المصري الباسل ثمرة انتصاره وأفقدت الوطن ملايين الأموال وآلاف الرجال فضلا عن فقدان الكرامة وسوء الحال والمآل – ودللت يهود مصر " فلم تتخذ أي إجراء يتفق مع موقفهم مع مناصرة أعداء الوطن " التي يعيش فيها الأجنبي آمنا مطمئنا علي نفسه وماله وعبثه وفساده ويحمي جنودها حانات المسكرات وبيوت العاهرات ودور المنكرات وأبواب المراقص والبارات – والتي عجزت كل العجز عن إنقاذ شعبها من براثن الفقر والمرض والجهل والغلاء الفاحش الذي يئن منه الأقوياء فضلا عن الضعفاء – والتي لا يؤيدها ولا يساندها إلا نفر قليل ضئيل من أصحاب المصالح الشخصية فهي في واد والأمة في واد . هذه الحكومة هي التي تطارد الإخوان المسلمين وهم الشعب وتحكم عليهم بالإجرام والنفي والتشريد ومصادرة الأموال والأملاك والحريات .

ولو أخذت الأمور وضعها الصحيح وكانت الكلمة للحق لا للقوة لحكمناكم نحن أيها المفرطون علي التفريط ، ولحاسبناكم علي هذا العجز أشد الحساب ولكن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلي قيام الساعة . " والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون " .

هكذا استشهد حسن البنا .. وهكذا خرجت جنازته

محمد علي الطاهر أستاذ جيل من القادة والزعماء العرب ، كانوا يرتادون مجالسه التي كانت ندوات – في القاهرة – تضم إلي جانب الصحافيين والأدباء زعماء الحركات التحررية اللاجئين إلي القاهرة آنذاك . ولقد أخرج الأستاذ الطاهر في سنة 1950 كتابا بعنوان "معتقلات هاكستيب " .. لكن الكتاب اختفي من الأسواق في محاولة من السلطة الحاكمة الغبية آنذاك لكبت أي صوت يفضح جرائمها وأساليبها الوحشية . وفيما يلي فصل من هذا الكتاب :


هكذا استشهد

تمكنت الصحف أخيرا بعد تخفيف الرقابة من نشر كيفية استشهاد الشيخ حسن البنا رحمه الله وكيفية دفنه . وإني أثبت هذه الخلاصات عن تاريخنا الحاضر ليعرفها الجيل المقبل ...

" في نحو الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم السبت الثاني عشر من شهر فبراير عام 1949 غادر الشيخ حسن البنا وزوج شقيقته الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي دار جمعية الشبان المسلمين بشارع الملكة نازلي بالقاهرة . واستدعي الشيخ حسن البنا سيارة ركبها ومعه صهره .. واستدارات السيارة لتتجه بالشيخ حسن البنا ورفيقه وجهتها من باب الجمعية إلي شارع الملكة نازلي فإذا بشاب يضع حول رأسه " كوفية " بيضاء يشهر مسدسا راح يطلق منه الرصاص علي من في السيارة فأصابت الطلقة الأولي صدر الشيخ حسن البنا من الجهة اليمني ولما التفت إلي الناحية التي ظن أن المعتدي يقف أصيب بطلق آخر في فخذه الأيسر ، أما السائق قد انبطح علي " دواسة " مقعده ، ثم أفاق من ذهوله بعد برهة فأطلق لسيارته العنان إلي مقر الإسعاف .. ورأي طبيب الإسعاف سوء حالة الشيخ البنا فأمر بنقله إلي مستشفي القصر العيني ، وهناك تبين أن الشيخ قد أصيب برصاصتين نافذتين في صدره ، وكسر أحد أضلاعه وحدوث نزيف باطني ، أما المحامي فكانت حالته لا تدعو إلي اليأس الشديد .. وأجريت عملية نقل الدم إلي الشيخ البنا .. وفي الساعة الثانية عشرة والدقيقة الثانية والعشرين فاضت روحه متأثرا بجراحه ...


كيف دفنوا الشهيد ؟

ونشرت جريدة " الكتلة " التي يصدرها الأستاذمكرم عبيد (باشا) وصف دفن المرحوم الشيخ حسن البنا وما رافقه من أحداث وفظائع وجعلته تحت عنوانا تكفي تلاوتها للعن الظالمين المجرمين ، وهي : القبض علي المعزين ، ومنع الصلاة علي جثمان الفقيد ، ومنع القرآن علي روحه ، ثم نشرت الوصف التاريخي الأتي ، وهو مستقي من أقوال فضيلة الشيخ أحمد البنا والد المرحوم الشيخ حسن البنا .

نقلت جثة الفقيد إلي بيته في سيارة تحرسها سيارات مملؤة بفريق من رجال البوليس المسلحين ، وقد أنساهم هول الجريمة أن الموتى لا يتكلمون ولا ينطقون ! وفي أحد شوارع الحلمية وقفت القافلة ونزل الجند فأحاطوا ببيت الإمام الفقيد ولم يتركوا ثقبا ينفذ إليه إنسان إلا سدوه بجند وسلاح !. أما والد الشيخ البنا ذلك الشيخ الهرم الذي جاوز التسعين عاما فلم ينوء بها ولم تبد عليه عوامل السنين كما بدت في هذه الليلة النكباء . فقد عرف بخبر وفاة ولده من أحد الضباط ساعة وقوعها ، وظل ساهرا تفجعه الأحزان منتظرا الفجر ليؤدي فريضة الله ويقول له " سبحانك ، وعدالتك يا ربي .. لقد قتلوا ولدي . وتتابعت علي باب المسكن طرقات كان صداها يطحن قلب الشيخ الكبير طحن الرحى .


لا بكاء ولا عويل ..!

كان والد هو وحده الذي يعلم وينتظر ، فإن أشقاء الفقيد جميعا كانوا داخل المعتقلات والسجون . وفتحوا الباب وأدخلوا ! الجثة ، ونشج الوالد المحطم بالبكاء فقالوا له .. لا بكاء ولا عويل ، بل ولا مظاهر حداد ولا أحد يصلي عليه سواك . ولنترك الشيخ أحمد البنا والد الشيخ حسن يتم القصة قال : أبلغت نبأ موته في الساعة الواحدة وقيل أنهم لن يسلموا إلي جثته إلا إذا وعدتهم بأن تدفن في الساعة التاسعة صباحا بلا احتفال . وإلا فإنهم سيضطرون إلي حمل الجثة من مستشفي القصر العيني إلي القبر . واضطرت إزاء هذه الأوامر إلي أن أعدهم بتنفيذ كل ما تطلبه الحكومة رغبة مني في أن تصل جثة ولدي إلي بيته فألقي عليه نظرة أخيرة . وقبيل الفجر حملوا الجثة إلي البيت متسللين فلم يشهدها أحد من الجيران ولم يعلم بوصولها سواى .


حصار حول البيت

وظل حصار البوليس مضروبا لا حول البيت وحده بل حول الجثة نفسها لا يسمحون لإنسان بالاقتراب منها مهما كانت صلته بالفقيد . وقمت بنفسي بإعداد جثة ولدي للدفن . فإن أحدا من الرجال المختصين بهذا لم يسمح له بالدخول . ثم أنزلت الجثة حيث وضعت في النعش وبقيت مشكلة من يحملها إلي مقرها الأخير . طلبت إلي رجال البوليس أن يحضروا رجالا يحملون النعش فرفضوا . قلت ليس في البيت رجال ، فأجابوا : فليحمله النساء ! وخرج نعش الفقيد محمولا علي أكتاف النساء !

ومشت الجنازة الفريدة في الطريق فإذا بالشارع كله قد رصف برجال البوليس ، وإذا بعيون الناس من النوافذ والأبواب تصرخ ببريق الحزن والألم ، والسخط ، علي الظلم الذي احتل جانبي الطريق ! وعندما وصلنا إلي جامع قيسون للصلاة علي جثمان الفقيد ، كان المسجد خاليا حتى من الخدم . وفهمت بعد ذلك أن رجال البوليس قدموا إلي بيت الله وأمروا من فيه بالانصراف ريثما تتم الصلاة علي جثمان ولدي . ووقفت أمام النعش أصلي فانهمرت دموعي . ولم تكن دموعا بل كانت ابتهالات إلي السماء أن يدرك الله الناس برحمته . ومضي النعش إلي مدافن الإمام فوارينا التراب هذا الأمل الغالي وعدنا إلي البيت الباكي الحزين . ومضي النهار وجاء الليل ولم يحضر أحد من المعزين لأن الجنود منعوا الناس من الدخول . أما الذين استطاعوا الوصول إلينا للعزاء فلم يستطيعوا العودة إلي بيوتهم فقد قبض عليهم وأودعوا المعتقلات ، إلا شخصا واحدا هو مكرم عبيد باشا ، الذي كان يتحدي الظالمين .

بعد دفن الشهيد

ونشرت جريدة الكتلة البيانات التالية عما حدث بعد دفن المرحوم الشيخ حسن البنا تحت عناوين صارخة مؤلمة وهي : " البوليس يلقي القبض علي جثة الشيخ البنا ، وكيف قبضوا علي ميت آخر .. حصار البوليس للمقابر وإقامة حراسة دائمة ، وبعد ذلك سردت " الكتلة " ما يأتي : في اثنتي عشرة ساعة قتل الشيخ البنا ، وشرح ، وغسل ، وانطوت صفحة حياته . عادت النساء اللاتي حملن النعش علي أكتافهن وعاد الوالد الواله الحزين . وقبل أن يغشي مدافن حي الإمام الشافعي كانت ثلة من الجنود تحاصر الطرق المؤدية إلي المقبرة وقوات كبيرة تحيط بمنزل الفقيد لتمنع الداخلين ولو كانوا من مرتلي آيات الذكر الحكيم ، وتقبض علي الخارجين ولو كانوا من جيران الراحل الكريم . ولقد قبض أحد رجال البوليس في ذلك اليوم علي رجل من أصدقاء الفقيد متلبسا بجريمة إحراز مصحف كان يخيفه في طيات ثيابه فأسلموه إلي من بيدهم أوامر الاعتقال !

واليوم تسطر قصة جديدة ، من قصص الظلم والجهل ظلت مطوية لا يعلم بها الناس . قصة الصراع العنيف الذي دار بين رجال البوليس وبين جثمان الشيخ حسن البنا . فقد أشيع ذات مساء أن أصدقاء الشيخ البنا ممن آلمهم أن يدفن الرجل بهذه الصورة المزرية المؤلمة ، قد اعتزموا اختطاف الجثة من قبرها وإخفاءها عن أعين البوليس . وطير الخبر إلي السلطات ، فأمرت بمضاعفة الحراسة والتأكد من كل شخص يمر بالطرقات المؤدية إلي مدافن الإمام الشافعي . وكان الجنود المسلحون يتناوبون الحراسة بعيون يقظة وقلوب واجفة مرتعشة .... خصصوا فرقا من رجال البوليس للسهر ( علي جثته ) وحراستها خشية أن ينقلها بعض الناس إلي مكان يليق بمقامها . وأبي الظالمون الذي كان بيدهم الأمر إلا أن يضطهدوا الرجل في موته وإلا أن يحرسوه بجند من عندهم كما كان ولا يزال يحرس شخص " إبراهيم عبد الهادي باشا " بطل العهد الغابر الأثيم نفسه !

وفي الليلة التي ظنوا أنها موعد تنفيذ المؤامرة الخيالية ، مؤامرت خطف الجثة ، امتلأت مقابر الإمام الشافعي برجال البوليس ، ولأول مرة تنزعج مقابر الأحياء وتقض مضاجعهم . وكان رجال البوليس كلما اشتبهوا في شخص أو في جماعة من المارة أوقفوهم ، وسألوهم إلي أين هم ذاهبون ، فإذا اطمأنوا فيهم – وهذا أمر نادر – سمحوا لهم بالانصراف وإذا ارتابوا فيهم – وهذا هو الغالب – قبضوا عليهم وأودعوهم غياهب المعتقلات . ولمح نفر من البوليس بعض الناس يحملون نعشا ويسيرون به بين المقابر ، ولعلهم كانوا قد قاموا به من مكان بعيد فلم يدركوا المقابر إلا بعد الغروب ، فوجئ المشيعون بأسلحة تلمع في الظلام وأصوات تأمرهم بالوقوف وبوضع النعش علي الأرض للتحقق من الميت ، ورفع أحد الجنود غطاء النعش وسلط عليه ضوء مصباح كهربائي في يده ، ثم أمرهم بإعادة الغطاء وأن يمضوا في طريقهم ، بعد أن تبين أن الجندي الذكي أن وجه الميت يختلف عن وجه الشيخ البنا ! وهكذا قدر للأموات أن يلقوا نصيبهم من الظلم الذي حاق بالأحياء في ذلك العهد .

وهكذا ظلت المقابر تنعم بالراحة والهدوء منذ الأزل حتى جاء هذا العهد فلم يسلم من ظلمه وجوره وخوفه وجهله حتى الأموات الذين هم في رعاية الله وبين يديه .


بعد جنازة البنا

ثم اقتبس ما يلي عن جريدة " الكتلة " وقد نشرته تحت عناوين مثيرة ومحزنة وهي " القبض علي كل حزين يوم مصرع الشيخ حسن البناحامد جودة رئيس مجلس النواب يخلع السواد في ذلك اليوم – حملة تأديبية علي المساجد بعد كل صلاة ! " ثم قالت " الكتلة " :

والغالب أن الكاتب لهذا الفصل وما سبقه هو مكرم عبيد (باشا) نفسه :

نحن الآن عقب جنازة الشيخ حسن البنا . وقد وصفنا لك جانبا مما حدث داخل بيت الشيخ وخارجه .. وبقي أن نصف ما وقع من حوادث أثناء سير الجنازة وبعدها أدت إلي اعتقال مئات من الناس لأسباب غريبة لا تكاد تصدق . وقد حشدوا هؤلاء المظلومين حشدا داخل غرفة ضيقة عفنة هي سجن نقطة الأماميين القريبة من المدافن ! وإليك بعض الأسباب التي اعتقلوها من أجلها :

هذا الشاب الذي يلبس رباط عنق أسود (كرافتة) حدادا علي أبيه المتوفى منذ أيام ، لقد أدرك رجل البوليس بفطنته أنه يلبسها حدادا علي الشيخ البنا ، واستبعدت فطنته ويقظته أن يكون هناك سبب آخر دفع بالشاب إلي لبس الكرافتة السوداء ، فهو إذن من غير شك من أشياع البنا ومريديه الذين كانت تتعقبهم السلطة الغاشمة تنكل بهم أسوأ تنكيل .. وقد أودعوه السجن ثم المعتقل رهن التحقيق !! .


قراءة الفاتحة .. جريمة !

وذلك الرجل الذي أطلعت من جبهته وصدغيه وعينيه آثار اللكمات .. باله من مجرم خطير ! تصوروا أن أحد رجال البوليس ضبطه يتمتم بالفاتحة من إحدى النوافذ أثناء سير جنازة الشيخ الرهيبة ، فصعد إليه واقتاده من بين أطفاله وزوجته والسلاح في ظهره مستعدا ليسكته إذا حاول المقاومة أو الفرار . وفي مخفر البوليس سألوه عن صحة التهمة وهل قرأ حقا علي روح الشيخ البنا ! فأجاب بالإيجاب ... وهنا ازدحمت الأكف والقبضات والأقدام فوق وجهه وجسمه ! . وعادوا يسألونه : - ولماذا قرأ الفاتحة ؟ فأجاب الرجل : إن من شعائر الدين أن نقرأ الشهادتين عندما يمر ميت وأن نقرأ الفاتحة علي روحه . وصرخ أحد رجال البوليس وقد استقرت بهده علي وجه المسكين لتصافحه بحرارة وهو يقول : كان لازم تعمل حنبلي يا ابن الـ .... وهنا تمسك عما نطق به رجل البوليس المهذب .. فصاح المتهم البريء الذي كان احترامه لشعائر دينه ذنبا لا يغتفر قائلا : وهل في قراءة الفاتحة جريمة يعاقب عليها القانون ؟ . ومرة أخري .. ازدحمت الأكف والقبضات والأقدام فوق وجهه وجسمه وأغمي عليه . وأفاق ليجد نفسه في الغرفة الباردة العفنة مع عشرات آخرين ويداه مكبلتان بالحديد من خلاف – أي والله من خلاف – لإرساله إلي المعتقل بلا محاكمة ، فقد كانت جريمة لا تغتفر في رأي إبراهيم عبد الهادي باشا أن يقرأ مسلم الفاتحة علي روح ميت تمر جنازته أمامه .. جريمة بلغ من بشاعتها أن يرسل من يرتكبها إلي المعتقل بلا محاكمة لأنه لم يجد في القانون عقابا يمكن أن يكون جزاء عادلا لمن يقرأ الفاتحة علي روح الميت ! .

لقد خلع الأستاذ حامد جودة رئيس مجلس النواب المنحل السواد الذي كان يلبسه حداد علي محمود باشا في ذلك اليوم بالذات حتى لا يقال أنه حزن علي مقتل الشيخ البنا فيلاقي بعض المتاعب من البوليس ! ولا نحسب أن هناك سببا آخر دفعه إلي أن يخلع السواد في ذلك اليوم ولم يمضي علي مقتل النقراشي باشا أكثر من يوما !! وشن البوليس في ذلك اليوم حملة عنيفة علي المساجد في العاصمة ، فكانوا لا يسمحون لأحد بالصلاة أو العبادة بعد الصلاة مباشرة ، وأن أحد حدثته نفسه بأن يطيل في الصلاة فإنه يكون قد أورد نفسه موارد التهلكة وعرض حريته للضياع وشخصه للتنكيل وأولاده وأسرته للتشريد والجوع والألم والدموع . وكان بعض رجال البوليس ممن وهبهم المولي رقة قلب عبد الهادي باشا يستنكفون أن يخلعوا أحذيتهم أثناء دخول المساجد فكانوا يقتحمونها بأحذيتهم القذرة يطأون المسجد بنعالهم غير مراعين حرمة المسجد ولا كرامة المسلمين . وليتخيل القارئ شخصا واقفا بين يدي الله يؤدي فرائض دينه ، فإذا بعضا غليظة أو غير غليظة تنهال عليه وإذا برجال البوليس يدفعونه من بيت الله إلي منفي الطور وعيون موسي بصحراء سيناء أرضا لعيون عبد الهادي باشا .

نابليون اعتذر

إن دخول المساجد بالأحذية والنعال أمر لم تشهده مصر منذ كانت المساجد سوي في عهدين .

المرة الأولي في عهد نابليون يوم وطئت خيوله – ولعلها كانت جامحة – صحن الجامع الأزهر ، وقد اعتذر نابليون لهيئة كبار العلماء وتأسف لهذا الحادث .

والمرة الثانية بل مئات المرات حدثت في عهد إبراهيم عبد الهادي باشا ولم يعتذر لا لله ولا للناس – انتهي كلام جريدة الكتلة .

إن منع الناس من شهود الجنازة ومن التعزية قد وقفت علي شيء منه بنفسي ، وذلك أن خبر مصرع الشهيد البنا لم أعرف به إلا من صحف الصباح – ويا له من صباح ، فلم أتردد لحظة بأن المرحوم قد اغتيل غدرا وأن لعصابة إبراهيم باشا عبد الهادي إطلاعا علي اغتياله أخذ بثأر رئيس وزراء عهدهم محمود النقراشي باشا علي ظن منهم أن الأستاذ البنا هو الذي أوعز بقتله ! وقد بادرت إلي التليفون اسأل بعض الأصدقاء عن موعد الجنازة لنشهدها جميعا فقالوا أن الفقيد قد اسلم الروح عند منتصف الليل وأنه دفن في الصباح المبكر بأمر الحكومة حتى لا تقع مظاهرات أو اضطرابات ، فلم أستغرب هذه الفظائع من وزارة (عهد) مغضوب عليها من الأمة ، وقد لطخت سمعتها بدم رجل عظيم كالأستاذ البنا ، الذي يحكم له من عرفه بالاتزان والرصانة واستحالة التفكير في الإيعاز بقتل أحد ، لا النقراشي ولا سواه ..

كان مكتبي في تلك الليلة حافلا بالزائرين أكثر من كل ليلة ، وكان الحديث كله حديث جريمة قتل المرحوم البنا ، وكان كل منا يعزي الآخر ، وقد اقترحت علي الحاضرين أن نقوم جميعا ونذهب إلي سرادق التعزية المعتاد في مثل هذا الظرف ، فقالوا إن الحكومة منعت إقامة سرادق للعزاء ولذلك جئنا لنتبادل العزاء عندك .

إلي دار حسن البنا

وقبيل منتصف الليل لم يبق في المكتب عندي إلا الأستاذ محمد سعيد العريان وكان من زملاء الفقيد في الدراسة ، فكان يبكي صديقه بكاء شديدا . فقلت له ما رأيك يا فلان في أن نذهب الآن إلي منزل الفقيد لتعزية والده وأهله فقال هذا حسن وهيا بنا ، فركبنا سيارة الأستاذ العريان . فإذا بحي الحلمية الذي فيه دار المرحوم مغلقة ، فأطلقنا أنوار السيارة فإذا بالجنود بألبستهم السوداء يلوحون في ذلك الظلام كالأشباح ، وبأيديهم البنادق مشرعة ، وإذا بهم يقفون لنا في عرض الطريق سدا ، ويشيرون إلي السائق بالاتجاه إلي غير اتجاهنا ، فتعجبنا من هذه الاحتياطات وأوعزنا إلي السائق أن يدور ويدخل المنطقة من شارع آخر وليكن ما يكون ، ولكن الشرطة لم تسمح بالحركة إلا إذا عادت من حيث أتت وإلا ! .. وإلا فإنهم يطلقون علينا النار ! عند ذلك رجعنا ونحن نحمد الله علي أنهم اكتفوا منا بالرجوع بدون إطلاق رصاص ! .

الرجل الذي حطم الطاغوت

.. قال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا : " لم يولد لي ولد مدة ، حتى اشتقت إلي الولد ، فدعوت الله سبحانه وتعالي أن يرزقني ولدا ذكرا صالحا ، ورأيت ولدا صغيرا يصلي فأعجبني فقلت : ويصلي كما يصلي هذا ، وأن ينبته الله نباتا حيا ، فولد لي ولد ذكر وسميته الحسن ، لأني لما تزوجت خاطبت والدتي زوجي بقولها : يا أم الحسن" .

الرجل الذي حطم الطاغوت :

الأستاذ نبيه عبد ربه ، واحد من كتاب الحركة الإسلامية .. عرفناه من مقالاته في صحافة هذه الحركة ، وتنبهنا إليه من هذه المقالات التي تجاوز بها قلمه مرحلة الكتابة الإنشائية والحماسية ، التي عجزت عن التعبير عن الدعوة والحركة بلغة العصر .. لغة الاستقصاء والتحليل والمقارنة التي تخاطب العقل .

جاء الأستاذ نبيه بكتاباته هذه فكان علامة علي جبل ومرحلة في الكتابة عن الإسلام وحركته في القرن العشرين ، بمنهج البحث العلمي المجرد الذي افتقده الجيل الذي نشأ مع التبشير بالدعوة . .. ونحن وقد اقتبسنا بعض فقرات مقالاته ، التي اتسمت بغزارة المادة وعمق الفكرة لشرح وتحليل بعض المواقف في كتابنا هذا ، ننقل فيما يلي مقالا كاملا استقصي فيه حياة الإمام بهذا المستوي في الكتابة لفتنا إليه .

كان حسن البنا إمام دعوة وقائد أمة

وليس كل إنسان يمكن أن يكون قائدا ، لأن القيادة لها مميزاتها وخصائصها ، ولهذا فبينما تجد من بني آدم كثيرين تجد القادة والعظماء في تاريخ البشرية قليلين . وقد يكون الإنسان قائدا ، ولكن ليس كل القادة سواء ، فبعضهم ، يكون قائدا في ناحية معينة ، وبعضهم تتوفر فيه العناصر القيادية بكاملها فيرقي إلي مصاف القادة العظماء ، وقد يكون الإنسان قائدا عظيما ، ولكن الفرق شاسع بين القائد الذي يسخر طاقاته ومواهبه لإسعاد أمته وبني وطنه .

وليس كل قائد يمكن أن يكون داعية ، لأن القائد قد يقود الناس بالترغيب أو بالترهيب بالإحسان أو بالقهر ، فيطيعه الناس اتقاء لشره أو طمعا في خيره ، أما الداعية فيقود قلوب الناس إلي ما يريد قبل أن يقود أجسادهم ، لأن في كلامه طاقة ربانية تنطلق من قلبه ويطيعونه عن محبة ورضا لأن رباط الأخوة في الله قد جمع بينهم فكان هذا الرباط هو الأساس لكل عمل والمنطق لك تحرك . وكل داعية يمكن أن يكون قائدا ولكن ليس كل قائد يمكن أن يكون داعية ، لأن الدعاة إلي الله يستندون إلي ركن ركين ويعتمدون علي قوة لا تنضب ولا تفقد ، تلك قوة الله الأزلية التي تدعم المؤمنين ، فهم بروح الله يعملون ، وبكلام الله ينطقون ، وبتأييده ينتصرون وعليه يتوكلون ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) .

وليس كل داعية يمكن أن يكون شهيدا ، فالداعية يعمل لله وفي سبيله ولكنه قد ينجح في عمله وقد يفشل ، قد يتقبل الله عمله وقد لا يتقبل ، أما الشهيد فقد تقبل الله عمله ، ومنحه شهادة اجتياز الامتحان الرباني ، شهد عليها الله وملائكته قبل أن يشهد عليها الناس . وليس القائد المصلح هو من يحاول المؤرخون في هذه الأيام أن يبنوا له مجدا أكثر من مجده ، أو يصنعوا له تاريخا أكبر من عمله ، فأصحاب الأقلام الرخيصة كثيرون في هذه الأيام فهم يستطيعون أن يصنعوا ذلك لأقل الناس قدرا وأكثرهم أذي لأمته ووطنه ، فإذا به عشية وضحاها بطلا من أبطال التاريخ وعلما من أعلام هذه الأمة ، لأن الأمانة العلمية لهذه الأيام قد تضاءلت وغابت الأهواء والمعتقدات الشخصية علي الحقائق العلمية ، ولهذا كان القائد المصلح هو من يحاول الكتاب – في هذه الأيام – أن يشوهوا تاريخه ، ويخفوا شخصية لا يدرك البلى ذكراها ، ولا يستطيع الغش السياسي أن يطمس تاريخها أو يشوه حقيقتها ، لأنه رحمه الله كان أكبر من المؤرخين ، لقد كان كالشمس في رابعة النهار .

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم والداعية المؤمن من أكبر السلطة والدنيا ، لأنه عرف الدنيا في حقيقتها ، وأدرك كنهها وطبيعتها ، فهي ليست له بدار مقام ، ولكنه فيها كعابر سبيل يبحث عن الطريق إلي الدار الباقية ، ويبحث عن الزاد الذي يعينه علي السير في هذا الطريق حتى نهايته فيجد في تقوي الله خير زاد . ورضوان الله أفضل غاية ، فلا يعمل إلا الله ولله وحده ولا يبتغي الأجر إلا من الله ومن الله وحده ، لا يطمع في جزاء الناس أو شكرهم له في حياته ، كما لا يطمع في مدحهم وثنائهم بعد مماته ، لأن رضاهم لا ينفعه بدون رضا الله ، ومدحهم لا يجديه نفعا إذا لم يزده قربي من الله ، ولكن حسن الذكرة جائزة معجلة يمنحها الله للمؤمنين . فقد روي مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله " الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به ؟! " .

فقال عليه الصلاة والسلام " تلك عاجل بشري المؤمن " وصدق الله العظيم ( الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ) . لقد عاش حسن البنا لله ، ووهب حياته للدعوة وكان هدفه رضوان الله ، فصغرت في عينيه الدنيا بكاملها ، فلم يكن يبتغي فيها الناس جزاء ولا شكورا ولا زعامة ولا مالا ، بل كان يفرغ من جيبه بجيوبهم ، ويدلي من دلوه بدلائهم ، فلم يكن يخشي غير الله ربا ، ولا يضمر لأحد أذي ولا شرا ، تهفو نفسه للشهادة في سبيل الله في كل حين ، فقد كان رحمه الله يسأل الله الشهادة دائما أثناء سجوده ، لقد صدق الله فصدقه الله ، وأقر عينه واستجاب دعاءه ، وألحقه في موكب النبيين والصديقين والشهداء في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

نشأته وحياته

كان الشيخ عبد الرحمن البنا " جد الإمام الشهيد " من وجهاء وأغنياء قرية " شمشيرة " مركز " فوه – غربية " في مصر ، وكان له ولدان : أحمد ومحمد ، أما أحمد فقد تفرغ لطلب العلم في الأزهر وأما الثاني فعمل في القرية ، ولما توفي والدهما حصل بينهما خلاف في الإرث وخاصة بالنسبة للأرض وكادت تحصل بينهما خصومة نتيجة ذلك إذ أن " محمد " كان يريد أن ينال حصة الأسد من أرض والده باعتباره عمل فيها ، ولكن أحمد حسم هذا النزاع وترك الأرض لأخيه وهجر قريته وذهب ليقيم في المحمودية .

أقام الشيخ " أحمد عبد الرحمن البنا " – والد الشهيد ، في المحمودية يعمل سحابة نهاره في صناعة الساعات ويقضي ما بقي من وقته في دراسة الفقه والتوحيد وحفظ القرآن وتجويده ، وكانت له مكتبة قيمة تضم مختلف الفنون والعلوم الإسلامية ، ولما بني أهل القرية مسجدا لهم كلفوه بإلقاء أول خطبة جمعة فيه ، فنال إعجاب الجميع لعلمه وفصاحته ، واشتعل بعد ذلك إماما وخطيبا لمسجد البلدة ، فكان يقسم وقته بين الدراسة الإسلامية ، وصناعة الساعات . عكف الشيخ أحمد علي دراسة الفقه علي المذاهب الأربعة وكتب السنة ، فدرس " موطأ مالك " ومسند الشافعي وألف كتبا عدة منها " بدائع المدن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن " وعلق عليه وشرحه ، ورتب جزءا من مسانيد الأئمة الأربعة ، كما رتب مسند الإمام أحمد الشيباني " وشرح باسم " بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني " . تزوج الشيخ أحمد امرأة تقية من عائلة " أبو قورة " فولدت له خمسة ذكور وبنتين : حسن ، وعبد الرحمن ، وفاطمة ، ومحمد ، وعبد الباسط ، وجمال ، وفوزية . ثم تزوج مرة ثانية ، فرزق أنثي أسماها " فريدة "

كان " حسن البنا " أكبر أولاد الشيخ " أحمد البنا " ولد في " المحمودية " من ريف مصر في أكتوبر سنة 1906" وتلقي علومه الابتدائية في قريته في " مدرسة الرشاد الدينية " ثم انتقل بعد ذلك إلي المدرسة الإعدادية ، ولما قرر مجلس مديرية البحيرة إلغاء نظام المدارس الإعدادية لم يكن أمامه إلا أن يختار بين أن يتقدم إلي المعهد الديني بالإسكندرية ليكون أزهريا ، أو إلي مدرسة المعلمين الأولية بدمنهور ليصبح مدرسا ، وأخيرا قبل في مدرسة المعلمين الأولية وهو لا يزال في منتصف سن الرابعة عشرة من العمر ، وقد استغرقت الدراسة فيها ثلاث سنوات كانت نتيجته في امتحان الكفاءة الأولي الأول علي مدرسته والخامس علي القطر المصري . وقد أهلته نتيجته هذه لأن يقبل في " دار العلوم " ولم يتجاوز من العمر السادسة عشرة ، فانتقل لذلك إلي القاهرة ثم تبعته عائلته بعد ذلك ، وكان يقسم وقته في القاهرة بين دراسته ، والدعوة إلي الله ومساعدة والده في صناعة الساعات ، وحصل علي " دبلوم دار العلوم " في يونيه من عام 1927 . وكانت نفسه مترددة بعد ذلك بين الاستزادة من العلم بأن يتقدم بطلب بعثة للخارج أو أن يعمل مدرسا فيعلم الأولاد في النهار ويعلم آباءهم أمور دينهم بعد ذلك ، وقد حسم هذا التردد عنده أن دار العلوم لم ترشح أحد للبعثة في ذلك العام ، فعين مدرسا في الإسماعيلية .

في الإسماعيلية

وفي 19 سبتمبر 1927 سافر " حسن البنا " إلي الإسماعيلية ليتسلم فيها عمله الجديد ، وكان مخلصا في عمله ينتزع إعجاب جميع رؤسائه ، وكان يقضي أوقات فراغه في التلاوة والرياضة والمطالعة ، حتى إذا أرخي الليل سدوله ذهب إلي " زاوية الحاج مصطفي بالعراقية " ليعظ فيها من المغرب إلي العشاء من تجمع من طلاب العلم وأهل الخير ، وبعد ذلك يخرج إلي المقاهي ليعظ جمهورها ويسمعهم كلمة الحق ويلقي في قلوبهم أشعة الإيمان ، وكان هدفه من كل هذا دراسة مجتمع الإسماعيلية بما فيه من تيارات واتجاهات لغرض في نفسه وعهد قطعه مع ربه علي أن يجمع قوي الخير ويربط بينها برباط العقيدة ويوجه هذه القوي الوجهة التي تعود علي الإسلام بالخير وتصلح حال المسلمين .

نتيجة لهذه الجهود التف حول " حسن البنا " جمع خفير وأعجب به كل من رآه أو سمعه وكانوا يسألونه في خلواتهم هذا السؤال : ولكن ما هو السبيل ؟ " وأخيرا زاره في منزله ستة من المؤمنين وطلبوا منه أن يحدد لهم الطريق العملي لاستعادة مجد الإسلام وعزة المسلمين ، فشكر لهم هذه الروح الطيبة وطلب منهم أن يبايعوا الله علي أن يكونوا جنودا لدعوة الإسلام ففيها حياة الوطن وعزة الأمة ، وكانت بيعه ... وكان قسما أن نحيا إخوانا نعمل للإسلام ونجاهد في سبيله . وهكذا ولدت أو تشكيلة للإخوان المسلمين من هؤلاء الستة حول هذه الفكرة وعلي هذه الصورة وبهذه التسمية " مذكرات الدعوة والداعية " .

ووضع الحجر الأساسي لدار الإخوان المسلمين ومسجدهم في الإسماعيلية في 5 محرم 1348هـ وتوالت بعد ذلك افتتاح شعب للإخوان في منطقة الإسماعيلية والسويس ، أما في القاهرة فقد قررت " جمعية الحضارة الإسلامية " أن تنضم بمركزها وجميع فروعها إلي " جماعة الإخوان المسلمين " إيمانا منها بأن وحدة الصف الإسلامي وضم الجهود الخيرة بعضها إلي بعض أفضل من التفرقة والعمل تحت أكثر من اسم أو لافتة وبذا نشأت أول شعبة للإخوان في القاهرة والتي ما لبثت أن تمت وازداد نشاطها وأصبحت فيما بعد المركز العام للإخوان المسلمين ، وكان ذلك في عام 1932 للميلاد .

زواجه

لقد أعجب أهل الإسماعيلية بالأستاذ ( حسن البنا ) أيما أعجاب وخاصة المؤمنين منهم ، وكان من بين هؤلاء ( الحاج حسين الصولي ) من وجهاء الإسماعيلية إذ كان يقف إلي جانب الأستاذ البنا ويشد أزره ويساعد في كثير من الأمور ، وكان له عدد من الأولاد كلهم من الإخوان المسلمين ، فأحب الحاج حسين أن تتم الآلفة بينهم فزوجه من إحدى بناته ، وكان زواج الأستاذ البنا من (لطيفة) ابنة الحاج حسين ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان من عام 1351هـ ، فكانت امرأة مؤمنة محتسبة كانت مع الأستاذ البنا في السراء والضراء وهذه سنة الله أن (الطيبات للطيبين) وقد رزقه الله منها خمس بنات وولد ذكر واحد هم : سناء ، وفاء ، ورجاء ، وهاجر ، واستشهاد وهي التي ولدت عند استشهاده رحمة الله ، أما الغلام فاسمه (أحمد سيف الإسلام) .. (الذي) حرم من جميع الوظائف وحكم عليه بالسجن لمدة (25) سنة .

ولما اطمأن الأستاذ البنا علي دعوته في الإسماعيلية ، وجد أن وجوده في القاهرة أفضل من بقائه في الإسماعيلية لأنها مركز كل نشاط ، ولذا لابد أن يكون للإسلام نشاط بارز فيها ، ولهذا طلب الانتقال إلي القاهرة رسميا ، فنقل إليها في أكتوبر عام 1932 ، وبانتقال الأستاذ البنا إلي القاهرة بدأ عهد جديد بالنسبة لدعوة الإخوان اتسم بالتوسع والانفتاح فقوي المركز العام وازداد نشاطه وزادت شعب الإخوان في طول مصر وعرضها حتى بلغت حوالي أ|لفي شعبة في مصر وحدها عدا شعبهم في معظم البلاد العربية والإسلامية .

استشهاده

كان حسن البنا خاصة و الإخوان بشكل عام شوكة في حلق فاروق وزبانيته ، وصخرة شامخة في وجه الاستعمار والصهيونية وأنابهم ، ولقد حاول الانجليز وفاروق النيل منه ومن إخوانه تارة بالمساعدات المادية والعروض المغرية وتارة بالتهديد والفصل من الوظيفة والنقل إلي الأماكن النائية ، وتارة بالاعتقال والسجن إلا أن ذلك كان ما يريده (رحمه الله) إلا ثباتا علي دعوته ، وشحذا لعزيمته فكان يزيدهم ذلك حقدا وحنقا عليه ، وقد تطور هذا الحقد إلي تصميم للتخلص منه رحمه الله ظنا منهم أنه إن مات ماتت دعوته بموته ، وأخيرا تآمر الاستعمار والصهيونية علي اغتياله ، فاغتيل أمام جمعية الشبان المسلمين في القاهرة ، وبالرغم أن إصابته لم تكن قاتلة إلا أنه لما نقل إلي المستشفي لم يسعف وبقي كذلك حتى توفي رحمه الله . وكان استشهاده في 12 من فبراير 1949 وقد بلغ من العمر الثانية والأربعين ، وسارت جنازته متواضعة لا يحمل نعشها إلا النساء ولا يسير خلفها إلا والده محاطا بحملة السلاح من زبانية فاروق الذين اغتالوا ( حسن البنا ) ليقدموه هدية له يوم عيد ميلاده ، ولما اطمأن فاروق أن حسن البنا قد مات يروي عنه أنه قال ( الآن استقر عرشي ) وقد طويت هو القاضي وسجلت قضية مقتله ضد مجهول .

لم يمت حسن البنا وإنما انطلقت مبادئه من إطارها الذي ألتزمته حينا وتحررت الفكرة الإسلامية من نطاق اللحم والدم لتواصل أمرها في آخرين ، انطلقت الفكرة من قلب واحد لتربو من جديد في قلوب هيأها لها الله علي قدر ، أما الإطار الطاهر والجسم العزيز فقد رد إلي أهله ، ليخرج من هذه الدنيا متواضعا يسير المظهر كما دخلها متواضعا يسير المظهر وكما عاش فيها كذلك ، وساهمت الحكومة المتحضرة في هذا التواضع واليسر فحرمت علي المشيعين أن يقربوه ورأي الناس يومئذ عجبا في الجنازات ، رأوا نعشا يحمل لأول مرة في تاريخ البشر علي أعناق النساء ، وفي مقدمتهم فتاة قوية صبور تهتف بأبيها :

فر عينا يا أبتاه ، فلن نتخلف عن رسالتك ، وليهنك قدومك علي الله مقدم الشهداء ، ولئن منعت الحكومة من يشيع جثمانك ، فحسبنا عزاء وجزاء في أرواح الشهداء تمشي معنا وتشيع عن أهل السماء ما عجز عن تشييعه أهل الأرض . وفي وحشة الشارع المقفر من الغادي والرائح ، الأمن هذه الجنازة المتمهلة الفريدة ، ارتجت المنازل علي الجانبين وأجهشت النوافذ والشرفات بالبكاء وهو يرون حسن البنا العظيم ، يحمل علي كتف زوجته وابنته إلي مقره الأخير . واستشهد حسن البنا وبقيت دعوة الله بعده وقد زادها استشهاده أنصارا كما زادها صلابة وقوة ، وذهب فاروق وبقيت دعوة الإخوان صامدة شامخة .

ولما جاءت الثورة أعيد التحقيق في قضية مقتل ( الإمام الشهيد ) وأدين القتلة وحكم عليهم ، وبتعريض قدره (ألف) دفعته الدولة لأبنه أحمد سيف الإسلام فابتني بهذا المبلغ بيتا للعائلة بمدينة الأوقاف وهذا البيت صار المورد الوحيد بعد موت الإمام الشهيد واعتقال ابنه ، وتوفيت زوجة الإمام الشهيد رحمه الله ورحمها قبل أربعة أعوام أي عام (1970) وقد منعت الحكومة الثورة في جنازتها إلا من بقي من بناتها وأخواتها .

وفي 12 فبراير 1953 احتفل الإخوان بالذكري الرابعة لاستشهاد الإمام الشهيد ، فذهب اللواء محمد نجيب وبصحبته جمع من الوزراء وضباط الثورة إلي قبره بعد أن قرأوا الفاتحة علي روحه وعزوا الإخوان ارتجل اللواء نجيب كلمة بهذه المناسبة جاء فيها " إن الإمام الشهيدحسن البنا أحد أولئك الذين لا يدرك البلى ذكراهم ، ولا يرقي النسيان إلي منازلهم ، لأنه رحمه الله لم يعش لنفسه بل عاش للناس ، ولم يعمل لمنفعته الخاصة بل عمل للصالح العام " .

واقتصرت برامج الإذاعة المصرية في ذلك اليوم علي قراءة القرآن والأخبار وترديد كلمات الرثاء التي قيلت بمناسبة الذكري الرابعة لاستشهاده .

وصدق الله العظيم ( من المؤمنون رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا )

رحم الله الإمام الشهيد ، فقد كان أمة وحدة ، وأسكنه فسيح جناته في مقعد صدق عند مليك مقتدر .


للمزيد

ملفات متعلقة للإمام البنا

كتب هامة متعلقة بالإمام البنا

كلمات خالدة للإمام حسن البنا

متعلقات أخرى للإمام البنا

مقالات متعلقة عن الإمام حسن البنا

تابع مقالات متعلقة

مقالات متعلقة بالإمام البنا

تابع المقالات المتعلقة

.

وصلات فيديو للامام حسن البنا

.