حسن البنا يعلن عن شخصية مصر الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإمام حسن البنا يعلن عن شخصية مصر الإسلامية

للدكتور : محمود رشاد خليل


حسن البنا يعلن عن شخصية مصر الإسلامية

فلقد قام حسن البنا بالإعلان عن شخصية مصر الإسلامية ، علي اعتبار أن هذه الشخصية هي التي تمثل وحدها حقيقة الواقع وحقيقة التاريخ ، وصرح في رسالته ( دعوتنا في طور جديد بأننا " نرجو في مصر دولة مسلمة تحتضن دعوة الإسلام ، وتجمع كلمة الأمم العربية وتعمل لخيرها ، وتحمي المسلمين في أكناف الأرض من عدوان كل ذي عدوان وتنشر كلمة فتنة ويكون الدين لله ) .


الجامعة الإسلامية دعوة قديمة

الإمام حسن البنا

علي أنه لا يجب أن يفهم من قولنا أن حسن البنا أكتشف الجامعة الإسلامية التي تنتمي إليها مصر ، فارتباط مصر بالجامعة الإسلامية كما أن الدعوة إلي إعادة ربط مصر بالجامعة الإسلامية هي دعوة قديمة نادي بها جمال الدين الأفغاني الذي حضر إلي مصر في أواخر القرن الماضي ليبشر بدولة إسلامية ناهضة في ظل خلافة عثمانية قوية . وقد حارب المستعمرين فكرة الجامعة الإسلامية بكل الوسائل خوفا من أن يعاود الإسلام ممارسة دوره القديم ، فيقوض أركان نفوذهم الروحي والسياسي والاقتصادي في المنطقة ؟ وكان أخوف ما يخيف المستعمرين أن ينجح دعاة الجامعة الإسلامية في حشد طاقات المسلمين وراء دولة الخلافة العثمانية ، لذلك شجعوا فكرة الجامعة العربية لقطع الطريق علي الجامعة الإسلامية ..

ومن أغرب الأشياء وأكثرها دلالة أن يكون علي رأس الدعاة للجامعة العربية في ذلك الوقت الكثير من الكتاب والمفكرين بل والسياسيين الغربيين ، ومنهم تلقفها بعض من الكتاب المسلمين فراحوا يؤيدونها ويدعون لها دون أدني إشارة إلي أنهم أخذوها من الأوروبيين ، وكان من أبرز هؤلاء الدعاة السيد علي يوسف صاحب (المؤيد) والذي كان يترجم في هذه الفترة عن أحلام ومطامع الخديو عباس حلمي ..

ثم هدأت دعوة الجامعة العربية فترة بعد أن طغت عليها دعوة الفرعونية ثم عادت فكرة الجامعة العربية إلي الظهور من جديد بإيحاء من الانجليز أيضا ؟ وقد تنبه مصطفي كامل إلي هدف الانجليز من هذه الدعوة ، ونادي محذرا بأن بريطانيا لا تهدف إلي إنشاء جامعة عربية للعرب ولمصلحة العرب ، وإنما تريد جامعة عربية تعيش في ظل انجلترا وتحت سلطان انجلترا ..

اكتشف حسن البنا لمصر الإسلامية شيء آخر غير الجامعة الإسلامية .

لكن ما فعله حسن البنا لم يكن مجرد ترديد للدعوة التي سيق بها جمال الدين إلي الجامعة الإسلامية ، ولهذا سميت ما فعله حسن البنا اكتشافا لمصر .. ذلك أن حسن البنا لم ينطلق في حديثه عن مصر الإسلامية من حاجة سياسية طارئة إلي ضرورة إحياء الترابط وإنما جاء طرحه لتصوره شخصية مصر مستندا إلي ركيزتين أساسيتين هما :

أولا : فهم شامل عميق لحقيقة الدعوة الإسلامية ، وحقيقة الأهداف الإنسانية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي استهدفها .. ففي إطار هذا الفهم يعرض لنا خصائص الدعوة الإسلامية ، فيقول في رسالته : ( دعوتنا في طور جديد ) : " أخص خصائص دعوتنا أنها ربانية عالمية :

  • أما أنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا أن يتعرف الناس إلي ربهم ، وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسمو بأنفسهم عن جمود المادة الصماء وجحودها إلي طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها .
  • وأما أنها عالمية فلأنها موجهة إلي الناس كافة لأن الناس في حكمها أخوة : أصلهم واحد وأبوهم واحد ، ونسبهم واحد لا يتفاضلون إلا بالتقوى وبما يقدم أحدهم للمجموع من خير سابغ وفضل شامل " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا " .

وبهذا التحديد لربانية الرسالة وعالميتها هدم حسن البنا الأساس الذي تقوم عليه دعاوى العرقية والإقليمية في أي مجتمع مسلم سواء أكان هذا المجتمع المسلم يسكن مصر أم يسكن الشام أم يسكن الهند أم يسكن إيران أم يسكن تركيا .. ذلك أنه مع بروز خصائص الدعوة الإسلامية علي هذا الأساس الرباني العالمي الشامل ، فإنه لا يحق لمسلم يؤمن بالله ، ويؤمن بالإسلام – ولا يحل له أن يرفع نسبا فوق نسب الإسلام كائنا ما كان هذا النسب ، وسواء ارتفع به إلي الفراعنة أو إلي الأكاسرة أو إلي عدنان وقحطان أو حتى إلي إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام فليس مسلما وإن صلي وصام وتعلق بأستار الكعبة كل عام ذلك الذي يضع نسب الإسلام ويرفع نسب الأوطان أو الأجناس .. فكل نسب في الإسلام يأتي بعد – لا قبل – الإسلام وإن كان نسبا لآل بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم ..

ذلك أن نسب الإسلام وعصبية الجاهلية لا يجتمعان قط في قراب واحد يأبي ذلك الله ورسوله إلي يوم يبعثون ، وكما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ليس منا دعا إلي عصبية " ، " ومن مات علي عصبية مات ميتة جاهلية " . يستوي في ذلك :

من قدم فرعونيته علي الإسلام ومن قدم عروبته علي الإسلام ومن قدم تركيته علي الإسلام . ليس علي الإسلام كدين وشعائر عبادة فقط ، وإنما علي الإسلام كنسب وولاء في نفس الدرجة .. فالذي يصلي لله ويقوم بين يديه راكعا ساجدا ، ثم جعل له نسبا وولاء مقدما علي نسب الإسلام وولائه ، فإنه لم يصل .. وهو أن فعل ذلك ثم صام فإنه لم يصم ، وإن فعل ذلك ثم حج فإنه لم يحج .. وهذا هو الإسلام في حقيقته الأولي من تقبلها وعرفها فهو مسلم ، ومن لم يتقبلها ولم يعرفها فليس له من الإسلام نصيب .. هذه هي الركيزة الأولي في تصور حسن البنا لشخصية مصر .

أما الثانية : فهي الفهم العميق لواقع الإنسانية وتاريخها العام الذي تدخل فيه مصر كما تدخل فيه غيرها من بلدان العالم الإسلامي ، وهو لذلك يرفض أي حكم أو قرار أو صفة أو نسبة لا تستند إلي فهم حقيقي وعادل للتاريخ ، وفي ذلك يقول في رسالته دعوتنا في طور جديد ! " قرأت لأحد زعماء الغرب أنه يقسم الجنس البشري إلي مبتكرين ومحافظين ومخربين ، وهو يعتبر قومه مبتكرين ، ويعتبر قوما آخرين من الغربيين محافظين ويعتبرنا نحن الشرقيين ، وما إلينا عدا هذين مخربين ومدمرين " .

ثم يعلق علي هذا التقسيم قائلا : " هذا التقسيم ظالم جائر فضلا عن أنه غير صحيح بأصله ، فالجنس البشري كله مردة إلي دم واحد وطينة واحدة وإن اختلفت البيئات والأوساط والمدارك والثقافات ، وإذا هذب الإنسان استطاع أن يرتقي من رتبته إلي أعلي منها بدرجة ما يصل من تهذيب .

وليس هناك جنس من بني آدم لا يمكن إصلاحه في حدود ظروفه وبيئته الخاصة به ، هذا من جهة ومن جهة أخري فإن هذا الشرق الذي وضع في صف المخربين والمدمرين هو مبعث المدنيات ومشرق الحضارات ومهبط الرسالات ، وهو مفيض ذلك كله علي الغرب ، لا ينكر هذا إلا جاحد مكابر .

ومثل هذه المزاعم الباطلة لا يمكن أن تستقل علي أساسها نهضات أو تقوم علي قاعدتها مدنيات ، ومادام في الناس من يشعر يمثل هذا الشعور لأخيه الإنسان فلا أمن ولا سلام ولا اطمئنان حتى يعود الناس إلي علم الأخوة فيرفعوه خفاقا ويستظلوا بظلة الوارف الآمين ، ولن يجدوا طريقا معبدة إلي ذلك كطريق الإسلام الذي يقول كتابه : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم " .


حسن البنا يرسم منهاج النظر في التاريخ

في إطار هذا الفهم العميق والشامل للإسلام وللتاريخ ، يرسم حسن البنا تصوره لشخصية مصر ، ويناقش الدعاوي المطروحة في ساحتها . وهو يفعل ذلك بمنهج محدد في النظر للتاريخ ، وهذا المنهج المحدد للنظر في التاريخ هو منهج الإسلام نفسه وليس منهج حسن البنا ، وهو المنهج العلمي السليم ، الذي لم يستعمله أحد من مؤرخي الشعوب والحضارات الأخرى من غير المسلمين ، والذي يتميز عن مناهج التاريخ المستعملة قديما وحديثا عند غير المسلمين بأنه منهج كامل . ينظر إلي تاريخ بعينين اثنتين ومن جميع الزوايا علي عكس المناهج الغربية قديمها وحديثها والتي لم تنظر إلي التاريخ إلا بعين واحدة فقط ، ومن زاوية بعينها يختارها المؤرخ سلفا . وحسن البنا يعرض لهذه المناهج الغربية وغيرها وينقدها ، ثم يعرض بعد ذلك منهج الإسلام ويبين مزاياه ..

" ولقد تذبذب العقل البشري منذ وجد الإنسان علي ظهر الأرض إلي يومه هذا – وأغلب الظن أنه سيظل كذلك حتى تتداركه هداية من الله – بين أطوار ثلاثة وإن شئت قلت بين ألوان ثلاثة من ألوان التفكير والتصوير .. ) فما هي هذه الأطوار أو الألوان ؟ موعدنا مع ذلك في حديث قادم .