حكم التحالف السياسي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
حكـم التحـالف السياسي


بقلم: مشير المصري

مقدمة

الأستاذ مشير المصري

لا تثريب في أن الاستعانة بالمسلم تُعد من القواعد التي قررها الإسلام في علاقة المسلمين ببعضهم: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ..(1)

فعلاقة المؤمنين قائمة على الرحمة والتناصح، وترسيخ أواصر المحبة ومبادئ الأخوة النابعة من قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ)..(2)

ومن هنا فإن المسلم في حلف مستمر مع أخيه المسلم، حلف خير على البر والتقوى، والنصح للإسلام والمسلمين، وبالتالي ينبغي في زماننا أن يكون التحالف السياسي بين الجماعات المسلمة دوماً قائماً، حتى تمثل كتلة لها وزنها وثقلها في الساحة السياسية.

ولكن تبقى القضية في العلاقة مع الأحزاب غير الإسلامية، فهل يجوز التحالف السياسي معها؟.

هذا ما أسعى لتأصيله فقهياً، لاسيما وأن القضية مطروحة على بساط الفقه في واقعنا المعاصر، وما زالت الصحوة الإسلامية تعيشها واقعاً في كثير من البلدان.

فقد اختلف الفقهاء والمفكرون والمعاصرون في حكم التحالف السياسي مع المخالفين للإسلام، وذلك على قولين:

الأدلة

أدلة القائلون بحرمة التحالف السياسي

استدل القائلون بحرمة التحالف السياسي بالقرآن الكريم والمعقول:

أولاً: القرآن الكريم

1. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ~ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} ..(5)
وجه الدلالة: إن تحالف الإسلاميين مع غيرهم لأجل الانتخابات، جعل الناس ينفرون منهم، فضلاً عن أن هذا الفعل ضياع للركن الأكبر والقاعدة العظمى الأساسية لإقامة الإسلام، ألا وهي الولاء والبراء؛ والقرآن الكريم في هذه الآيات وغيرها يحذر المؤمنين من موالاة أعداء الله ..(6)
2. قال الله تعالى: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} ..(7)
وجه الدلالة: إن ما يحققه الإسلاميون من تحالفهم مع غيرهم من إصلاحات جزئية عارضة في بعض نواحي الحياة، لا تطيقه الأنظمة الحاكمة ولا تصبر عليه، وسرعان ما تمحوه محواً، وتبطل آثاره، وتظل آثاره السيئة التي ينشئها وشره أكبر بكثير من النفع الجزئي الذي يتحقق بهذه المشاركة، ولم يحدث مرة واحدة في لعبة الدبلوماسية أن استطاع الدعاة أن يديروا دفة الأمور من داخل التنظيمات السياسية التي يديرها أعداؤهم ..(8)

ثانياً: المعقول

إن الجماعات المسلمة المتحالفة مع غيرها هي الخاسرة، والأعداء هم الكاسبون سواء بتنظيف سمعتهم أمام الجماهير بتحالف الجماعات المسلمة معهم، أو بتمييع قضية الإسلاميين في نظر الجماهير، وزوال تفردهم وتميزهم بحملهم قضية أعلى وأشرف وأعظم من كل التشكيلات السياسية الأخرى التي تريد الحياة الدنيا وحدها وتتكالب على متاعها وتعرض عن تحكيم شرع الله تعالى ..(9)


أدلة القائلون بجواز التحالف السياسي

استدل القائلون بجواز التحالف السياسي مع المخالفين بما يلي:

1. حلف الفضول

قام هذا الحلف بين قبائل العرب في الجاهلية على نصرة المظلوم ..(10)، وردع الظالم، وقد شهده النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحلف هو المقصود في قوله صلى الله عليه وسلم: " وَأَيَّمَا حِلْفٍ كان فِي الجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلامُ إِلا شِدَّةً "..(11)، فأي تعاقد كان في الجاهلية على أمر خير فيه معنى التواصل والتعاطف والتآلف فالإسلام يزيده تأكيداً.
حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أضفى الصبغة الشرعية على حلف الفضول بعد بعثته، وخصه بأنه لو دُعي إليه لأجاب فقال: " لَقَدْ شَهِـدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بِنِ جُدْعَـانَ حِلْفاً، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلامِ لأَجَبْتُ "..(12)
وجه الدلالة: إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد شهد هذا الحلف قبل بعثته، إلا أنه أثنى عليه بعدها، وفي هذا التعامل النبوي مع المخالفين له في العقيدة دلالة على سعة الشريعة الإسلامية لتحالف الجماعة المسلمة مع المخالفين لها في الاتجاهات السياسية لإسقاط حكم ظالم مستبد، أو مقاومته بالسبل السياسية، أو تجديد موقف سياسي، على أن ينسجم التحالف ومقاصد الإسلام.

2. حلف الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب

الذي آواه ودافع عنه، وتحمل لأجله معاداة قريش، وكان حصناً احتمت به الدعوة الإسلامية، وقد مر هذا التحالف بعدة مراحل:
أولها: تجلى بالموقف الصلب لأبي طالب، وقد اشتدت التحديات بينه وبين قريش، عندما رأى إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على المضي في أمره حتى يظهره الله أو يهلك دونه، فقال أبو طالب: " اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً"..(13)، وقد وصل التحالف إلى أوجه حين انضم بنو هاشم وبنو المطلب في خندق واحد للذود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته، فقد ورد " أنهم أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم، جمع بني عبد المطلب، وأمرهم أن يمنعوه ممن أراد قتله فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيماناً ويقيناً "..(14)
والمرحلة الأخيرة: تجسدت في حصار الشِعب، عندما حاصر مشركو مكة بني هاشم وبني المطلب مسلمهم ومشركهم، جزاء لهم على ما قاموا به من حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلما رأت قريش ذلك، اجتمعوا وائتمروا على أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة "..(15)
وجه الدلالة: في هذا التحالف بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه أبي طالب دلالة على أنه من حق الجماعة المسلمة أن تقيم تحالفاً مع الآخرين، لتصل إلى أهدافها المشروعة، دون استئصال لوجودها، أو انفراد بها في الساحة، ولكن دون خضوع لأي مساومة تقود إلى التخلي عن هذا الدين.

3. حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم والمطعم بن عدي

بعد وفاة أبي طالب والتي غيرت موازين الدعوة الإسلامية ووضعتها أمام تحديات، وبعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف، وقد أعرض عنه أهلها وآذوه وأغلظوا عليه، اختار النبي صلى الله عليه وسلم الدخول في جوار المطعم بن عدي عند عودته إلى مكة، وقد حفظ النبي صلى الله عليه وسلم لعدي هذا الصنيع فقال في أسارى بدر: " لَوْ كَانَ المُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍ حَيّاً ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ "..(16)
وجه الدلالة: إن هذا الحلف وإن لم يكن فيه ضمان لحرية الدعوة الإسلامية، بل أعظم ما فيه تأمين شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وفي سؤال أبي جهل لمطعم..(17) دليل على عدم قدرته في تأمين الحماية الكاملة، إلا أنه فيه دلالة على شرعية التحالف السياسي بين الجماعة المسلمة وغيرها؛ لتأمين نفسها وحماية أبنائها، أو حتى إضفاء الشرعية السياسية عليها، وتغطية مشاركتها الانتخابية، بخاصة في البلدان التي يحظر فيها نشاطها، كتحالف الإخوان المسلمين مع حزب الوفد في الانتخابات البرلمانية بمصر.

4. صحية المدينة

أما عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وأقام الدولة الإسلامية فيها، فأول عمل قام به أن عقد معاهدة بين فيها الحقوق والواجبات بين المسلمين واليهود، وهذه المعاهدة من أوضح وأجمع وأعظم المعاهدات التي عقدت في مثل هذا التاريخ المبكر، والتي دلت بما لا يدع مجالاً للشك على رغبة المسلمين أن يتعايشوا مع غيرهم من أهل الكتاب ضمن بنود واضحة تحقق مصلحة الطرفين..(18)
ومما جاء في هذه الصحيفة: " وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو استجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم "..(19)
وجه الدلالة: إن بنود الصحيفة تدلل على مشروعية التحالف السياسي وفق ضوابط محددة، فهي تقتضي أن يشارك الحلفاء السياسيون للمسلمين بنصيبهم من المال، وتحدد البنود حدود التحالف السياسي بأن يكون التناصر قائم بين الفريقين على من حارب أهل هذه الصحيفة، وكذلك المشاورات السياسية الدائمة، والتخطيط الدائم، والاستفادة من الطاقات، والثقة المتبادلة مع التأكيد على أن كل فريق مسئول عن جماعته وتجمعه " وإن لم يأثم امرؤ بحليفه " وأن النصر للمظلوم مهما كان جنسه أو دينه، كل ذلك دون مساومة على أي جزء من الدين، فالإسلام هو المصدر الوحيد للتشريع " ... فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله "..(20)

5. حلف النبي صلى الله عليه وسلم مع خزاعة

لما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أنه متوجه إلى مكة معتمراً، وقد تبعه الكثير من أصحابه y، وعندما صده المشركون وأصحابه من دخولها بعد أن أرسل له عيناً من خزاعة، فأتاه بتحركات قريش وأخبارها، الأمر الذي انتهى إلى أن أبرم النبي صلى الله عليه وسلم معها صلحاً، سمي صلح الحديبية، وكان مما ترتب على هذا الصلح حلفه مع خزاعة.
فقد جاء في ميثاق الحديبية: " وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، وأنه من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، ـ فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم ـ، وإنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، وأقمت بها ثلاثاً معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف "..(21)
وكانت لخزاعة علاقات تاريخية مع بني هاشم استمرت حتى بعد ظهور الإسلام، يقول الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ: " وكان الأصل في موالاة خزاعة للنبي صلى الله عليه وسلم أن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة فاستمروا على ذلك في الإسلام "..(22)
وقد ذكرت خزاعة ـ وهي ما زالت على الكفر ولم يسلم إلا بعضها..(23)ـ ذلك الحلف للنبي صلى الله عليه وسلم، وجاءته بكتاب جده، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم غير أنه اشترط أن لا يعين ظالماً، وإنما ينصر المظلوم حيث قال صلى الله عليه وسلم لهم: " مَا أَعْرَفَنِي بِحِلْفِكُمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى مَا أَسْلَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن الحِلْفِ، وَكُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلا يَزِيدُهُ الإِسْلامُ إِلا شِدَّةً، وَلا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ ... وتم التحالف بين الفريقين، وتجديد عهدها إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترط ألا يعين ظالماً، وإنما ينصر المظلوم " ..(24)
وتظهر شرعية التحالف السياسي في هذا الصلح من خلال بنود ميثاقه، وهي من أقوى الأدلة على مشروعيته " وإنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه " حيث دخلت خزاعة حليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تحمل كل مودة وتعاون له، وفي المقابل كل عداء لقريش " وكانت خزاعة عيبة..(25) رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عليه شيئاً كـان بمكة "..(26)
وفي هذا دليل على جواز الاستعانة بالمشركين فيما دون القتال، من استنصاح أو تحديد موقف سياسي أو نحوهما.
قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ: " وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إذا دلت القرائن على نصحهم، وشهدت التجربة بإيثارهم أهل الإسلام على غيرهم، ولو كانوا من أهل دينهم، ويستفاد منه جواز استنصاح بعض ملوك العدو استظهاراً على غيرهم، ولا يعد ذلك من موالاة الكفار ولا موالاة أعداء الله، بل من قبيل استخدامهم وتقليل شوكة جمعهم، وإنكاء بعضهم لبعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق "..(27)
فهذه مسألة هي دون الاستعانة بهم في القتال، وذلك هو الذي جعل ابن حجر ـ رحمه الله ـ ينبه إلى عدم لزوم الاستعانة في آخر قوله.
واستنباط ابن حجر ـ رحمه الله ـ في جواز استنصاح بعض ملوك العدو استظهاراً على غيره في غاية الأهمية؛ لأننا يمكن أن نستأنس به في تصحيح ما يكون من الدولة الإسلامية من التعاون السياسي مع دولة كافرة ضد دولة كافرة أخرى، مما هو دون القتال معاً، ويمكن أن يشمل حتى التسليح بمثل ما يقع الآن بين الباكستان والصين مثلاً ضد الهند، فإن صدق الصين في تعاونها راجع إلى عداوتها مع الهند..(28)
وجه الدلالة: يدل تحالف النبي صلى الله عليه وسلم مع خزاعة والاستعانة بهم فيما هو دون القتال دلالة قوية على شرعية التحالف السياسي مع المخالفين، إذا اقتضت المصلحة ذلك، دون التخلي عن جزء من هذا الدين، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقبل حلف خزاعة دون شرط واحد، حيث أظهر الموقف الثابت وفق خط الإسلام الذي لا يعين ظالماً، وإنما ينصر المظلوم.
الخلاصة في ذلك: أن الشريعة الإسلامية فيها سعة لقبول التحالف السياسي مع المشركين، وهو مع الأحزاب العلمانية من باب أولى، إذ جل الأحزاب غير الإسلامية لا تصل إلى درجة الكفر، فالتحالف السياسي مع المخالفين مشروع في كل صوره: من تشكيل كتلة لخوض الانتخابات البرلمانية أو نحوها، أو تحديد موقف سياسي، أو تشكيل معارضة سياسية، أو التحالف على الإطاحة بنظام ظالم مستبد، ولكن وفق ضوابط شرعية استند إليها النبي صلى الله عليه وسلم في تحالفاته.
وشرعية التحالف السياسي لا تقتصر على وجود دولة للمسلمين، فهو مشروع في كل مرحلة إذا اقتضت المصلحة ذلك، سواء كان بعد إقامة الدولة، كتحالف النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة وخزاعة، أو في مرحلة الدعوة كتحالفه مع عمه أبي طالب والمطعم بن عدي، وشهوده لحلف الفضول الذي أثنى عليه بعد بعثته.


المناقشة

مناقشة أدلة القائلين بحرمة التحالف السياسي

أولاً: مناقشة أدلتهم من القرآن

1. بالنسبة للاستدلال بآيتي سورة المائدة نقول: لا شك أن صريح الآيات يؤكد على أن من تولى اليهود والنصارى فهو منهم: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)..(29)
ولكن بالرجوع إلى سبب نزول الآيات يظهر أن الحكم ليس على أساس التحالف، فقد نزلت هذه الآيات في المنافقين، وبخاصة في رأس النفاق عبد الله بن أبي الذي أبى إلا الوقوف بجانب أوليائه من بني قينقاع التي نقضت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في تفسير ابن كثير: " جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي موالي من زفر كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي: يَا أَبَا الحُبَابِ! مَا بَخِلْتَ بِهِ مِنْ وِلايَةِ زفر عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَهُوَ لَكَ دُونَهُ، قال: قد قبلت، فأنزل الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا تَتَّخِذُواْ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) ..(30)
فعبد الله بن أبي تخلى عن ولاية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلن ولايته للذين نقضوا العهد، وحاربهم رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلاقاً من حلفه قبل الإسلام، بينما وقف عبادة بن الصامت t موقفاً أصيلاً، وقد كان له من الحلف ما كان لابن أبي.
فالقضية إذن ليست في أصل التحالف مع اليهود والنصارى، إنما هي في الذين يخرجون عن صف القيادة المسلمة والدولة المسلمة، فيحالفون أعداءها الذين يحاربونها، ويعملون لصالحها ضد مصلحة الدولة المسلمة، وهي الجريمة التي يطلق عليها اليوم في المفهوم الحديث: جريمة الخيانة العظمى في التآمر والتجسس لصالح العدو، ويتولون أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويتخلون عن الولاية للجماعة المسلمة والدولة المسلمة، ولا أدل على ذلك من أن نزول هذه الآيات لم يلغ حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يهود بني النضير، ويهود بني قريظة الذين لم ينقضوا العهد بعد، وهل يعقل أن يمضي النبي صلى الله عليه وسلم في حلفه مع اليهود أربع سنين أخرى والآيات تنزل في أصل الحلف؟! ..(31)
حتى لو سلمنا بذلك، فالتحالف لا يعد ولاء للمحالفين إذا ما علمنا أن المقصود بالولاء ..(32) في الآيات هو الرضى بفكرهم ومنهجهم، وترك الولاء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بالخروج عن إطار الدولة المسلمة أو الجماعة المسلمة.
قال ابن جرير ـ رحمه الله ـ في تفسيره لهاتين الآيتين: " من تولى اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم: أي من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا وهو به وبدينه، وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه" ..(33)
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: " إن الله قد حكم ـ ولا أحسن من حكمه ـ أنه من تولى اليهود والنصارى فهو منهم: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ..(34) فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن، كان لهم حكمهم، وهذا عام خص منه من يتولاهم ودخل في دينهم بعد التزام الإسلام، فإنه لا يقر ولا تقبل منه الجزية، بل إما الإسلام أو السيف؛ لأنه مرتد " ..(35)
2. وأما الاستدلال بآية سورة البقرة بأن المنافع الجزئية التي تتحقق بالتحالف السياسي لا تقارن بعظم شرها، فلا نسلم بهذا، فتجارب التحالف السياسي التي خاضتها الجماعات المسلمة مع غيرها ـ كما في مصر والسودان واليمن ..(36) ـ تظهر بوضوح مدى المصالح التي حققها الدعاة من ترسيخ وجودهم في المجتمع، والحيلولة دون استئصالهم، وإيجاد واقع سياسي متميز يتسنى لهم من خلاله نشر فكرهم، وبناء قاعدة إسلامية صلبة تؤثر في واقع الحياة وغيرها.
ولا ننكر أن هذا لا تطيقه الأنظمة الحاكمة، فالصراع بين الحق والباطل قائم في كل الأحوال، وتحقيق مثل هذه المصالح بالتحالف أولى من فقدها، بل قد يجد الدعاة أنفسهم مضطرين إلى التحالف أمام خيارات ومنعطفات دقيقة، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون التحالف مع الأنظمة الحاكمة حتى يراودنا دوماً الخوف من الانقلاب علينا، فقد يكون التحالف انتخابياً، أو لتشكيل معارضة سياسية، أو تحديد مواقف.
وفي كل الأحوال فالتحالف لا يكون إلا بعد دراسة مستفيضة بين الدعاة، تستند إلى فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد.
يقول المفكر الإسلامي الكبير الشيخ محمد أحمد الراشد ـ مبيناً دقة وحساسية التحالف السياسي في إطار الإخوان المسلمين ـ: " وأما الاجتهاد الجماعي للإخوان المسلمين، فهو يكتفي بجعل عملية التحالف مع حزب كافر إحدى القضايا الحساسة الثلاث التي ليس للقيادات القطرية حق في الجزم بها، وإنما ألزمت اللائحة قيادات الأقطار أن تستأذن مكتب الإرشاد بذلك، وهذا اجتهاد حسن فيه احتياط وافر، فباب التحالف مفتوح غير مغلق، ولكن لا بد من إقراره من أعلى المستويات القيادية، طمعاً في تقليل احتمالات الخطأ " ..(37)

ثانياً: مناقشة أدلتهم بالمعقول

إن التحالف السياسي مع المخالفين ليس فيه تمييعاً لقضية الدعاة، وزوال تميزهم، أو تنظيفاً لسمعة المخالفين أمام الناس، فخط الجماعة المسلمة واضح من خلال منهج الإسلام القويم الذي تسير وفقه، وفي هذا يكون التميز بين المسلم وغيره، خاصة إذا ما علمنا أن التحالف لا يكون إلا وفق ضوابط شرعية، من أهمها ضمان المصلحة التي يقررها الدعاة مع بقاء الهيمنة لهم فيه.
هذا بالإضافة أنه ليس في التحالف تنظيفاً لسمعة المخالفين، إذ إنه لا يعد ولاء إنما هو التقاء على بعض الأهداف المرحلية التي لا يتسنى للدعاة أن يحققوها بدونه.

الترجيح

من خلال طرح أدلة الفريقين ومناقشتنا للقائلين بحرمة التحالف السياسي، يظهر ترجيحنا للرأي الثاني القائل بجوازه، وذلك للاعتبارات التالية:
1. إن التحالف السياسي ينسجم ومقاصد الشرعية الإسلامية التي تؤول إلى تقدير المصالح والمفاسد، فقد تلتقي الجماعة المسلمة مع غيرها على بعض الأهداف المرحلية، فتلجأ إلى التحالف كوسيلة لجلب المصالح المرجوة، أو دفع المفاسد.
2. إن التحالف السياسي حاجة حقيقية لتأمين قافلة الدعوة الإسلامية، ودفع الأمواج المتلاطمة عنها قدر المستطاع، فقد يجد الدعاة أنفسـهم أمام موازنات دقيقـة، ومنعطفـات حساسة لا سبيل إلى تجاوزها إلا عبر التحالف.
3. إن التجارب الميدانية التي خاضها الدعاة في تحالفاتهم مع الآخرين كما في مصر والسودان واليمن وغيرها، أثبتت صلاحية التحالف، وإمكانية تحقيقه للمصالح التي يقوم عليها.


المراجع

(1) سورة المائدة: من الآية (2).

(2) سورة التوبة: الآية (71).

(3) الإمام: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات (ص: 132)، قطب: واقعنا المعاصر (ص: 465).

(4) الراشد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (4/277)، الصاوي: التعددية السياسية في الدولة الإسلامية (ص: 142)، الطحان: الفكر الحركي بين الأصالة والانحراف (ص: 33)، الغضبان: التحالف السياسي في الإسلام (ص: 13)، القرضاوي: أين الخلل؟ (ص: 75).

(5) سورة المائدة: الآيتان (51، 52).

(6) الإمام: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات (ص: 133).

(7) سورة البقرة: من الآية (219).

(8) قطب: واقعنا المعاصر (ص: 465).

(9) السابق (ص: 465).

(10) قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ في سبب قيام هذا الحلف: " ذكروا في سبب ذلك أشياء مختلفة محصلها: أن القادم من أهل البلاد كان يقدم مكة، فربما ظلمه بعض أهلها، فيشكوه إلى من بها من القبائل، فلا يفيد، فاجتمع بعض من كان يكره الظلم ويستقبحه إلى أن عقدوا الحلف، وظهر الإسلام وهم على ذلك "، فتح الباري (4/473).

(11) سبق تخريجه (ص: 236)، وهو صحيح.

(12) أخرجه البيهقي: السنن الكبرى (كتاب قسم الفيء والغنيمة، باب إعطاء الفيء على الديون 6/367 ح 12859)، والحديث صحيح، الألباني: تحقيق فقه السيرة للغزالي.

(13) ابن هشام: السيرة النبوية (2/101)، الطبري: التاريخ (1/545).

(14) ابن كثير: البداية والنهاية (3/84).

(15) ابن هشام: السيرة النبوية (2/195)، الطبري: التاريخ (1/549).

(16) أخرجه البخاري: الصحيح (كتاب الجهاد والسير باب ما من النبي صلى الله عليه وسلم على الأسارى أن يخمس 3/1143 ح 2970).

(17) فقد سأل أبو جهل مطعماً: أمجير أنت أم متابع ـ مسلم ـ؟ قال: بل مجير قال: قد أجرنا من أجرت. الطبري: التاريخ (1/555)، وهذا يدل على أن أبا جهل يرفض إجارة مطعم إذا كان قد دخل في الإسلام.

(18) الطحان: الفكر الحركي بين الأصالة والانحراف (ص: 34).

(19) ابن كثير: البداية والنهاية (3/225).

(20) الغضبان: التحالف السياسي في الإسلام (ص: 114- 116).

(21) أخرجه أحمد: المسند (حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم 4/325 ح 18930)، وحسنه الأرناؤوط في تحقيق المسند.

(22) ابن حجر: فتح الباري (5/337- 338).

(23) السابق (6/285).

(24) الغضبان: التحالف السياسي في الإسلام (ص: 150- 151)، نقلاً عن حميد الله: الوثائق النبوية (ص: 273- 274).

(25) عيبة الرجل: موضع سره، والذين يأتمنهم على أمره، ابن سلام: الغريب (1/138).

(26) ابن حجر: فتح الباري (5/337)، الشوكاني: نيل الأوطار (8/188)، ابن عبد البر: الاستيعاب (3/1428).

(27) ابن حجر: فتح الباري (5/338).

(28) الراشد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (4/255- 256).

(29) سورة المائدة: من الآية (51).

(30) ابن كثير: التفسير (2/69- 70).

(31) الغضبان: التحالف السياسي في الإسلام (ص: 133).

(32) تعريف الولاء اصطلاحاً: الولاية هي النصرة والمحبة، والإكرام والاحترام، والكون مع المحبوبين ظاهراً، قال تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) (سورة البقرة: من الآية (257)، القحطاني: الولاء والبراء في الإسلام (ص: 50)، فموالاة الكفار: تعني التقرب إليهم، وإظهار الود لهم بالأقوال والأفعال والنوايا. ياسين: الإيمان (ص: 171).

(33) الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن (6/277).

(34) سورة المائدة: من الآية (51).

(35) ابن القيم: أحكام أهل الذمة (1/195).

(63) راجع في ذلك: الشنقيطي: الإخوان المسلمون والعلاقة بالسلطة (الجزيرة نت).

(37) الراشد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (4/281).


المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام