خطاب من المرشد العام

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث


خطاب من المرشد العام

الحلقة الثانيه

خطاب من المرشد العام:

المرشد العام/مهدى عاكف

يقول الأخ المجاهد نصر جاد، شارحًا الظروف التي كانت تحيط بجماعة الإخوان في ذلك الوقت من شهر ديسمبر عام 1948 قبيل معركة التبة 86: "في أوائل شهر ديسمبر 1948 غادر المجاهد البطل الشيخ محمد فرغلي قائد قوات الإخوان في جنوب فلسطين، إخوانه المجاهدين عائدًا إلى مصر لاستحضار مزيد من متطوعي الإخوان، وذلك بناءً على طلب ورجاء قادة الجيش المصري في فلسطين، الذي مني بهزائم متتالية أضعفت الروح المعنوية بين صفوفه، وتأخر الشيخ فرغلي طويلا في العودة ومعه الرجال، ثم وصلتنا أخبار بأنه تم اعتقاله مع قيادات وزعماء الإخوان!.. وكان هذا آخر ما يخطر ببالنا، إذ كان الشيخ فرغلي في مهمة بالغة الخطورة والحساسية، وكان دوره أن يعمل على وقف هزيمة الجيش المصري المحاصر، فكيف تعتقله الحكومة بدلا من أن تقدم له كل مساعدة ممكنة؟! بل كيف تجرؤ الحكومة على اتخاذ قرار بحل الإخوان المسلمين في هذه الظروف الصعبة، وأبناؤها يجاهدون في فلسطين؟ هل هي مؤامرة يهودية؟.. هل من الواجب علينا أن نقضي على مؤامرة اليهود في مصر قبل أن نقضي على مؤامرتهم لاغتصاب فلسطين؟! وبينما نحن في هذه الحيرة والبلبلة والقلق الشديد.. جاءنا خطاب عاجل من المرشد العام، أنقذنا من حيرتنا، وجاء في الخطاب: "أيها الإخوان، لا يهمكم ما يجري في مصر، فإن مهمتكم هي مقاتلة اليهود، وما دام في فلسطين يهودي واحد، فإن مهمتكم لم تنته.. واختتم الإمام المرشد خطابه بتوصية طويلة للإخوان المسلمين بالتزام الهدوء والسكينة، والمحافظة على العلاقات والتعاون الصادق مع أبناء الجيش المصري".

هدف العدو من احتلال التبة 86:

يشرح الأخ المجاهد عبد الهادي ناصف أهمية معركة التبة 86، فيقول: "إنها كانت حلقة ضمن حلقات، غطت فترة القتال الممتدة من 22 ديسمبر وحتى 7من يناير 1949، وكان هدف العدو منها، كما جاء في الأمر اليومي الذي أصدره "إيجال ألون" إلى الجنود اليهود في الجبهة الجنوبية يوم 22من ديسمبر هو "القضاء النهائي على جيش مصر".

ويقتضي تصور أهداف ومراحل هذه العملية، أن نعرض في إيجاز للموقف على الجبهة المصرية، عشية البدء فيها، فقد نجح العدو خلال شهر أكتوبر 48 في القضاء على الجبهة العريضة للقوات المصرية الممتدة من أسدود غربًا إلى بئر السبع شرقًا، باستيلائه على أسدود والمجدل، ومحاصرة قوات الجيش في الفالوجا واحتلال بئر السبع، وبالتالي نجح في فك الحصار المضروب حول مستعمراته في النقب، وتأمين مواصلاتها.. وانكمشت الجبهة المصرية إلى ما يشبه الذراعين، الذراع الشرقي أو الأيمن يمتد من بئر العسلوج إلى العوجة ومنها إلى (أبو عجيلة) والذراع الغربي أو الأيسر ويمتد من غزة إلى رفح على هيئة خط دفاعي هش، قليل العمق، ويعتمد الذراعان في امتدادتهما على قاعدة الإمداد الرئيسية في العريش، وقد استهدفت مخططات العدو القضاء على الذراعين، بقطع طرق المواصلات الرئيسية للقوات المصرية، ومن ضمن الخطة احتلال التبة 86، إذ باحتلالها يقطع شريان الإمدادات للقوات المصرية ويطوقها تمامًا ويقضي عليها..

وتقع التبة 86 على بعد حوالي 2كيلو متر شرقي طريق الأسفلت الرئيسي بين غزة ورفح، وترتفع إلى ما يقرب من 27مترًا، وتتحكم في ملتقى الطرق والمدقات الفرعية، المفضية إلى الطريق الرئيسي، وقد انتهز العدو فرصة الهدنة، وفاجأ القوات المصرية بهجوم غادر على التبة مساء يوم 22من ديسمبر، حيث قام بضربها ضربًا محكمًا ومركزًا بالمدفعية والهاون، ثم قام باقتحامها، واحتلال المواقع الدفاعية المهمة في سفحها، ولم يأت فجر الثالث والعشرين من ديسمبر إلا وكان قد أتم احتلالها تقريبًا..

ويصف الأخ حسن دوح في كتابه "شهداء على الطريق" موقف الجيش المصري في ذلك الوقت، فيقول أنه قد أحيط به من كل جانب، والمدفعية تصليه بنيرانها، والقناصة تتصيد الضباط، والمصفحات تطوقه.. لقد كان الموقف شديد السوء.

الجيش يستنجد بالإخوان:

يقول الأخ المجاهد عبد الهادي ناصف: إنه قبيل فجر الثالث والعشرين من ديسمبر، اتصلت قيادة الجيش المصري في فلسطين بالأخ كامل الشريف قائد معسكر الإخوان المسلمين في البريج وتقع بالقرب من دير البلح، وطلبت منه التوجه فورًا إلى قيادة القطاع ومعه كل ما يمكن حشده من مقاتلي الإخوان، وكانت قوة الإخوان بالبريج في ذلك الوقت تتكون من أربع فصائل، حيث كانت قواتهم الرئيسية تعمل في قطاع القدس تحت قيادة الأخ الكبير محمود عبده وكانت الفصائل الأربع تتبادل الخدمة على النحو التالي:

فصيلتان تحتلان مواقع خارجية شديدة القرب من مستعمرات اليهود في المنطقة، وطرق مواصلات العدو، تشن فيها الغارات بصفة مستمرة على قوافله وتلتحم مع دورياته، وفصيلتان كقوة احتياط ضاربة، بالإضافة إلى قيامهما بواجب حماية المعسكر، وتصادف أن كانت فصيلتا الاحتياط في ذلك اليوم، هما الفصيلة التي يقودها الأخ المجاهد عبد الهادي ناصف، وفصيلة يقودها الأخ المجاهد حسن دوح، وقد توافر منهما مجتمعتين – بعد تجنيب الحد الأدنى اللازم للدفاعه عن المعسكر، خمسة وثلاثون مقاتلا، توجهوا فورًا إلى قيادة قطاع دير البلح، وارتفعت بهم الروح المعنوية لأفراد الجيش.

ويشرح الأخ المجاهد فوزي فارس اللقاء بين الإخوان المسلمين والجيش المصري في دير البلح فيقول: إن ظروفه كانت غير متوقعة بالنسبة للطرفين، فقد كان المتطوعون من الإخوان، يتوقعون مقابلة جافة من ضباط وجنود الجيش بعد صدور قرار حل الإخوان، لكن المقابلة كانت على عكس ذلك تمامًا.. فقد قال الضباط والجنود إن النور قد وصل، لما كانوا يعرفونه عن الإخوان أثناء مشاركتهم في عدة معارك من قبل، وما يسمعون عنهم من الناحية القتالية وحب الشهادة، ومن الناحية الدينية والأخلاقية أيضًا، واستقبلهم قائد القطاع الأميرالاي محمود رأفت، وأركان حربه وأفراد قواته، مستبشرين خيرًا، آملين في النصر بإذن الله، ومن جهة أخرى فقد كان أفراد الجيش يتوقعون أن تكون الروح المعنوية للإخوان المسلمين في الحضيض بعد قرار الحل، ولكن فوجئوا بخلاف ذلك، مما أدى إلى ارتفاع الروح المعنوية بين ضباط وجنود الجيش، الذين كانوا قد سرى بينهم الذعر نتيجة مفاجأة اليهود لهم في التبة واحتلالها.

ويضيف الأخ فوزي فارس قائلا إنه بمجرد أن وصلت قوة الإخوان المسلمين إلى دير البلح تقدم الأخ حسن دوح قائد هذه القوة إلى قائد القطاع العسكري لتلقي الأوامر، بينما أخذ بقية الإخوان يتلون على أبناء الجيش ما حفظوه من آيات القتال في كتاب الله، ويتذكرون أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل الشهادة في سبيل الله، ثم غشيت القوة سنة من النوم، فأفاقوا مستبشرين بهذا النعاس الذي ذكرهم بقول الله تعالى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ) (الأنفال: 11).