دور الإخوان في إصلاح المجتمع ومحاربة الفساد (6)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٦:١٤، ٢٨ ديسمبر ٢٠٠٩ للمستخدم 41.237.37.227 (نقاش)
اذهب إلى: تصفح، ابحث

دور الإخوان في إصلاح المجتمع ومحاربة الفساد (6)

[19:10مكة المكرمة ] [03/03/2008]

بقلم: عبده مصطفى دسوقي


الرشوة

استمرارًا للجهود التي بذلها الإخوان في محاربة الفساد وإصلاح المجتمع، نتحدَّث حول جهودهم في محاربة الرشوة، والتي استشرت في المجتمع المصري حتى بلغت كل مؤسسة.


لقد رسم الأستاذ أنور الجندي- رحمه الله- سياسة الإمام البنا، ووضَّح أن ثلاثة أحداث هزَّت وجدان الإمام حسن البنا في مطالع شبابه ودفعته إلى رسم أسلوب العمل للدعوة الإسلامية:

أولاً: ما أصاب وحدة المسلمين من ضرباتٍ بسقوط الخلافة الإسلامية، وما سيتوالى من بلاءٍ وفُرْقةٍ وتمزُّقٍ تحت اسم الأقليات والقوميات والعصبيات والدماء.


ثانيًا: ما سيُصيب مسرى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من بلاءٍ وإرهاصات الصهيونية في فلسطين، وضرورة العمل لاستعادة أرض المسلمين.


ثالثًا: ما أصاب بناء المجتمع من اضطراب وتخلخل نتيجةَ فرض قانون نابليون، وخطر ثغراته الثلاث: في الربا، وعلاقات الرجل والمرأة، ووباء المقامرة والرشوة.


ومن هنا كانت دعوته إلى التماس منهج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بناء جيل جديد يكون قادرًا على الدفاع عن عقيدته وأرضه وعرضه، والعودة إلى مفهوم الإسلام الأصيل القائم على التوحيد الخالص بعيدًا عن مفاهيم علم الكلام، والاعتزال والتصوف الفلسفي، واستشراف المفهوم الأول الذي جاء به محمد بن عبد الله، والقائم على القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.


ولقد لخَّص الإمام البنا هذه الحالة في قوله: "أما سبب ذلك ففساد النظام الاجتماعي في مصر فسادًا لا بد له من علاج؛ فقد غزتنا أوروبا منذ مائة سنة بجيوشها السياسية وجيوشها العسكرية، وقوانينها ونظمها، ومدارسها ولغتها، وعلومها وفنونها، وإلى جانب ذلك بخمرها ونسائها، ومتعها وترفها، وعاداتها وتقاليدها، ووجدت منا صدورًا رحبة، وأدوات طيِّعة تقبل كلَّ ما يُعرض عليها.


ولقد أعجبنا نحن بذلك كله، ولم نقف عند حدِّ الانتفاع بما يُفيد من علم ومعرفة، وفن ونظام، وقوة ومنعة، وعزة واستعلاء، بل كنا عند حسن ظن الغاصبين بنا، فأسلمنا لهم قيادنا، وأهملنا من أجلهم ديننا، وقدَّموا لنا الضارَّ من بضاعتهم فأقبلنا عليه، وحجبوا عنا النافع منها وغفلنا عنه، وزاد الطين بلة أن تفرقنا على الفتات شيعًا وأحزابًا؛ يضرب بعضنا وجوه بعض، وينال بعضنا من بعض، لا نتبيَّن هدفًا، ولا نجتمع على منهاج".


ومن هذه الجهود التي انتهجها الإخوان، سواءٌ عبر التنديد في الصحف بهذا الداء، أم بمراسلة ومناشدة أولي الأمر، أو بسلوك النهج العملي في التصدي لظاهرة انتشار الرشوة في المصالح الحكومية حتى صار من يتمسَّك بأخلاقه، وأبى أو رفض أن يوقِّع على تقرير كاذب ويشهد شهادةً لا تتفق مع الحقيقة؛ نوصب العداء وكيد له بكل الوسائل ليُنال منه.


فأبرز الإخوان ذلك النموذجين ونشروهما في جريدتهم؛ حيث لم يجدوا من ينصفهما، وعندما تردَّد كل منهما على دواوين الوزارة بطلب العدل والنصفة لم يسمع من رؤسائه إلا التأنيب بصلابة رأسه وامتناعه عن قبول الرشوة، وكأن وظيفة الرؤساء أصبحت تحطيم الأخلاق.


ولقد ندَّد الإخوان بضرر الرشوة على المجتمع وعلى صاحبها؛ "إذْ إن الرشوة تضيع الثقة وتخرِّب الذمم، وتضيِّع الصدق والأمانة، فتخرب النفوس وتنتشر الظنون، وتنقطع الصلات وتنحل الروابط، وإذا لم يؤدِّ الإنسان واجبه بذمة طاهرة وضمير نقي ضاعت الحقوق وفسدت الأعمال والأخلاق والآداب، وماتت الضمائر والذمم؛ فالرشوة في القضاء تحجب الحقَّ وتقر الظلم، وتقلب الوقائع رأسًا على عقب، وتصبح أداة العدل سلمًا للعسف؛ لذلك حرَّم شرعنا الحكيم تولِّي القضاء بالرشوة وجعْل قضاء من يتولَّى بالرشوة قضاءً باطلاً، والرشوة في الحروب تسبب الهزائم المنكرة والمذابح الفظيعة وضياع الجيوش.


ولكل أمةٍ حرَّاس يحرسون الحدود والثغور، ويصدون العدوان ويمنعون المواد المخدرة، فأخْذ هؤلاء للرشوة يعرض الأمة للأخطار والمهالك، والمخدرات والرشوة في التعليم وفي الامتحانات تُنجِّح الضعيف وتُسقط القوي، وتقِّدم الكسالى على المجتهدين.


وهكذا الرشوة دائمًا.. داء فتَّاك للأخلاق، مفسد للأعمال، ما انتشرت في أمة إلا نزل بها الذل واضطربت فيها الأمور والأحوال.


الرشوة حرامٌ أخذها، وحرامٌ إعطاؤها، وحرامٌ الوساطة بها، وما دخلت عملاً إلا أفسدته، ولا نظامًا إلا قلبته، ولا قلبًا إلا أظلمته، ولا جيبًا إلا أفقرته، ولا بيتًا إلا خرَّبته، ولا تدخل على صاحبها إلا بالخسارة ونزع البركة، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "لعنة الله على الراشي والمرتشي"، وقال أيضًا: "الراشي والمرتشي في النار"، وقال: "مَن أصاب مالاً حرامًا فوصل به رحمًا أو تصدَّق به أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جميعًا ثم قذفه في النار".


كما جاء في بيان فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين في الأسبوع الأول من يناير 1937م الذي رفعه إلى حضرات أصحاب الجلالة والسمو ملوك الإسلام وأمرائه وحضرات رجال الحكومات الإسلامية الفخام، وأعضاء الهيئات التشريعية والجماعات الإسلامية، وأهل الرأي والغيرة في العالم الإسلامي؛ بَسَط فيه النظرة العامة التي يجب أن تسود الدول والشعوب الإسلامية في عصرها الجديد، المملوء بالحوادث، الكثير المطالب، وقد جاء في آخر هذا الخطاب بيان خمسين مطلبًا من المطالب العملية التي تنبني على تمسك المسلمين بإسلامهم وعودتهم إليه في شأنهم، وجاء في مقدمة هذه المطالب: "إن كل مطلب منها يحتاج إلى بحث فسيح وإلى أن تتوافر على بحثه جهود الأخصائيين وكفايتهم، وأنها لم تستقصِ كل حاجات الأمة ومظاهر النهضة فيها، وكثيرٌ منها أمامه عقبات متشعِّبة يحتاج تذليلها إلى طول الأناة وعظيم الحكمة وماضي العزيمة، ومع هذا كله فإنه إذا صدق العزم وضح السبيل، والأمة القوية الإرادة لا بد أن تصل إلى ما تصبو".


ومن هذه المطالب التي طالب بها الإخوان المسلمون:

أولاً: في الناحية السياسية والقضائية والإدارية.

ثانيًا: في الناحية الاجتماعية والعلمية.

ثالثًا: في الناحية الاقتصادية.


وأوضح أن من هذه المطالب:

1- بث الروح الإسلامي في دواوين الحكومة؛ حيث يشعر الموظفون جميعًا بأنهم مطالبون بتعاليم الإسلام.

2- مراقبة سلوك الموظفين الشخصي، وعدم الفصل بين الناحية الشخصية والناحية العملية.

3- تقديم مواعيد العمل في الدواوين صيفًا وشتاءً؛ حتى يعينَ ذلك على الفرائض ويقضي على السهر الكثير.

4- القضاء على الرشوة والمحسوبية والاقتصاد التام في الكماليات، وفي أبهةِ المناصب، وتعديل المرتبات الضخمة، وإلغاء مظاهر الترف الرسمي في دواوين الحكومة ومصالحها، وليبدأ بذلك حضرات الوزراء أنفسهم ثم كبار الموظفين من بعدهم، والاعتماد على الكفاية والمسوغات القانونية فقط.


ونادى الإمام بضرورة "العناية بالمشروعات الوطنية الكبرى المهمَلة التي طال عليها الأمد وقعد بها التراخي والكسل، أو أحبطتها الخصومة الحزبية، أو طمرتها المنافع الشخصية، أو قضت عليها الألاعيب السياسية والرشوة الحرام.. كل هذا يجب أن تتوجَّه إليها الهمم من جديد "إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه".


كما أرسل الإمام البنا إلى علي ماهر باشا رئيس مجلس الوزراء يطالبه بالقضاء التام على الرشوة والمحسوبية وداء الوساطة الذي تفشَّى في كل شيء عند كل الطبقات، فليكن القانون والحق هو الوسيط في كل شيء وكفى.


أذيعوا هذا في الناس، وطبِّقوه عمليًّا، وليكن في القانون قوة وشدة، ولنتجرَّد بعض الوقت عن عواطفنا الرحيمة للأقارب والمعارف؛ حتى تعود إلى الناس الثقة بعدالة القائمين على مصالحهم، ويشعروا بعزة الحق ويحترموا سلطة العدل.


وأوضح في رسالة المؤتمر السادس المسئول عن ذلك فقال: "أما المسئول عن ذلك فالحاكم والمحكوم على السواء: الحاكم الذي لانت قناته للغامزين، وسلس قياده للغاصبين، وعني بنفسه أكثر مما عني بقومه، حتى فشت في الإدارة المصرية أدواء عُطِّلت فائدتها، وجرَّت على الناس بلاءها؛ فالأنانية والرشوة والمحاباة والعجز والتكاسل والتعقيد كلها صفات بارزة في الإدارة المصرية، والمحكوم الذي رضي بالذلة وغفل عن الواجب وخدع بالباطل، وانقاد وراء الأهواء وفقد قوة الإيمان وقوة الجماعة، فأصبح نهب الناهبين وطعمة الطاعمين.


أما كيف نتخلص من ذلك فبالجهاد والكفاح، ولا حياةَ مع اليأس ولا يأسَ مع الحياة، نتخلَّص من ذلك كله بتحطيم هذا الوضع الفاسد، وأن يستبدل به نظام اجتماعي خير منه؛ تقوم عليه وتحرسه حكومة حازمة تهب نفسها لوطنها، وتعمل جاهدة لإنقاذ شعبها، يؤيدها شعبٌ متَّحدُ الكلمة، متوقِّد العزيمة، قوي الإيمان، ولئن فقدت الأمم مصباحَ الهداية في أدوار الانتقال فإن الإسلام الحنيف بين أيدينا مصباح وهَّاج نهتدي بنوره ونسير على هداه".


ولقد كتب الأستاذ الجليل الشيخ محمود علي أحمد (خطيب مسجد الرفاعي بالقلعة) تحت عنوان "الرشوة وإفسادها للأخلاق والأعمال" يقول فيها: "تملَّك حب المال قلوب الطامعين، فبسطوا أيديَهم للرشوة ومدُّوها للسحت الحرام يستحلونه ويأكلونه. والرشوة تفسد الأخلاق وتفتك بالآداب، وتهدم العفة والنزاهة، وتميت الضمائر والذمم، وهي عنوان على طمع المرتشي وخسِّته ودناءته، ودليلٌ على حُمق الراشي وعدم كفاءته، وإذا فقد إنسان حياءه وأمانته وأضاع ذمته وأيقظ مطامعه وشهوته كان شرًّا على نفسه وأهله والناس أجمعين.


ما دخلت الرشوة في أمرٍ إلا جعلت نوره ظلامًا، وطريقه قاتمًا؛ فالرشوة في القضاء تطمس الحق وتحجب العدل، وتقرُّ الظلم وتخفي الجرائم، وتستر القبائح وتقلب الوقائع رأسًا على عقب، فيفلت المجرم ويأمن الفاتك الباغي ويزيد في شره وعدوانه، وتُلفَّق التهم حول البريء وتُحاك الشبه فتضيع حقوق العباد، ويعم الظلم والفساد، وتصبح أداة العدل سلاحًا للعسف والاستبداد؛ ولذلك حرَّم شرعنا الحكيم تولِّي القضاء بالرشوة وجَعَل قضاء من يتولَّى برشوة قضاءً باطلاً وحكمه مهملاً لا ينفذ، وتولِّيه غير صحيحة.


ومن أخذ رشوةً بعد توليته فهو معزول شرعًا من عمله؛ حتى لا يتلاعب بحقوق الناس فإنه لا يعرف العدل إلا من خشي ربه وعفَّ نفسه وأحلَّ كسبه.


الرشوة في الوظائف تقدِّم الجهلاء وتؤخِّر الأكْفاء، وترفع الخامل وتخفض المجد العامل، فتموت الهمم وتضعف العزائم، وتمرض النفوس وينتشر الخمول والعجز والكسل؛ اعتمادًا على رشوةٍ تُعطى ومبلغٍ يُدفع.


الرشوة في الحروب تسبب الهزائم المنكرة والمذابح الفظيعة، وتكون سببًا في ضياع الجيوش واستعباد الأمة وإذلالها، وكم تغيَّرت عروشٌ وسقطت تيجان بسبب رشوةٍ تُعطى لقائد أو زعيم في قوم.


لكل أمة حرَّاس يحرسون الحدود ويحافظون على المواني والثغور؛ يصدون عدوان الدخيل ويمنعون المواد المخدرة والسموم الفتاكة، فإذا أخذ هؤلاء الرشوة تعرَّضت الأمة للأخطار والمهالك، وتنسلُّ المخدرات وتتسرَّب المكيِّفات السامة إلى داخل البلاد، فتفتك بالنفوس والعقول والأموال وتمتلئ السجون بالمجرمين والمستشفيات بالمرضى، وتشقى العائلات ويخيِّم عليها البؤس والفقر والشقاء.


الرشوة في التعليم في الامتحانات تُنجِّح الضعيف البليد وتسقط القوى النابه، وتقدِّم الكسالى على المجتهدين.


وهكذا الرشوة دائمًا.. داء فتَّاك للأخلاق، مفسد للأعمال، ما انتشرت في أمة إلا نزل بها الذل واضطربت فيها الأمور والأحوال.


الرشوة حرامٌ أخذها، وحرامٌ إعطاؤها، وحرامٌ الوساطة بها، يُفتح بيت سري بدارٍ للدعارة وتذبح فيه الفضيلة ويعرف أمره، ولكن الرشوة تعمى عنه حين حفظه الأمن، وتجد أصحابه مطمئنين لأنهم دفعوا رشوةً لمن كُلِّف برقابتهم.


كم من أماكن للحشيش والأفيون والكوكايين وغيره.. أهلها في أمان وسكون لأنهم قدَّموا رشوةً فنامت عنهم العيون!! كم من بغي فاجر تتجر بالأعراض تحتال على التفلُّت من أيدي القضاء بعد أن تلعب النقود الأغراض!! كم من عُتلٍّ سافل لئيم يعتدي على الناس بالضرب والسلب وبدراهم معدودة ورشوة محدودة يتملَّص من العقاب ويرجع لإيذاء العباد!!.


ما دخلت الرشوة عملاً إلا أفسدته، ولا نظامًا إلا قلبته، ولا قلبًا إلا أظلمته، ولا جيبًا إلا أفقرته، ولا بيتًا إلا خرَّبته، ولم تدخل الرشوة على صاحبها إلا بالخسارة ونزع البركة؛ لأن المرتشي طامع، والطامع لو أعطي جبلاً من ذهب لتمنَّى الثاني؛ لأن جشعه لا يقف عند حد؛ فالمؤمن تعفَّف عن الحرام واكتفى بالحلال، وقنع برزقه ورضي بعطاء ربه، وعلم أن المال الحلال له فيه حساب، والحرام له فيه عذاب، والمأخوذ بشبهةٍ له فيه سؤال وعتاب، وأن المال يتخلَّف عن صاحبه عند الموت، فلا يصحبه إلا عمله، ولا يرافقه سوى فعله، وأن الدنيا ليست مقصودةً لذاتها بل هي مزرعة الآخرة وسبيلها؛ كُتب عليها الفناء، وعلى طالبها الشقاء، وعلى من أحبها الحرمان، ومن حرص عليها تركته في ذلك وهوان، ومن جرى وراءها هلك دونها، ومن أعرض عنها ملك زمامها.


آكل الحرام مردود الدعوة؛ لا يُستجاب له دعاء، ولا تفتح لطلباته أبواب السماء، فاتقوا الله وخلِّصوا أنفسكم من داء الرشوة الذي تغلغل فينا حتى تدهورت الأخلاق وتعطَّلت المصالح وساءت الحال ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: من الآية 30) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (النساء: من الآية 29) ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (المائدة: 63).


وقال- صلى الله عليه وسلم-: "لعنة الله على الراشي والمرتشي" وقال أيضًا: "الراشي والمرتشي في النار"، وقال: "مَن أصاب مالاً من حرام فوصل به رحمًا أو تصدَّق به أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جميعًا ثم قذفه في النار".


كما هاجموا اليهود المصريين لتفشي الرشوة بينهم واستخدموها ضد الشركات المنافسة، مثل سماد ثابت، ولم يكتفِ اليهود بذلك، بل كانوا يستحثون التجار باتخاذ الرشوة سبيلاً في أعمالهم؛ حتى يحققوا الربح السريع.


ومن القصص العملية الرائعة لأحد الإخوان في التصدي للرشوة ما جاء في كتاب مذكرات الدعوة والداعية؛ حيث يقول الأمام البنا: "كان الأخ حسن مرسي يعمل عند الخواجة "مانيو"، ويخرج نموذجًا ممتازًا من صناديق الراديو، وكان الصندوق حينذاك يتكلَّف جنيهًا تقريبًا، فجاء أحد الخواجات من أصدقاء "مانيو"، وساوم الأخ حسن على أن يصنع له بعض الصناديق بنصف القيمة، على ألا يخبر بذلك الخواجة "مانيو"، فيستفيد حقَّ النصف الذي يأخذه ويستفيد هذا الخواجة النصف الباقي، وكان "مانيو" يثق في الأخ ثقةً تامةً، وقد أسلم إليه كل ما في الدكان من خاماتٍ وأدوات، وأراد صديق "مانيو" أن يستغلَّ هذه الثقة، ولكنَّ الأخ حسنًا ألقى عليه درسًا قاسيًا في الأخلاق وقال له: إن الإسلام وكل دين في الوجود يُحرِّم الخيانة، فكيف بمَن وثق فيَّ هذه الثقة؟!، وإني لأعجب أن تكون صديقه ومن جنسه ودينه ومع ذلك تُفكِّر في خيانته، وتحاول أن تحملني على مثل ذلك!!، يا هذا.. يجب أن تندم على هذا التفكير الخاطئ، وثق بأنني سوف لا أخبر الخواجة "مانيو" بعملك هذا؛ حتى لا أفسد صداقتكما، ولكن بشرط أن تعدني وعدًا صادقًا بألا تعود إلى مثل ذلك، ولكن هذا الخواجة كان سخيفًا، فقال له: إذًا سأخبر الخواجة "مانيو" بأنك أنت الذي عرضت عليَّ هذا العرض، وهو سيصدقني، ولا شك فإنه يثق بكلامي كل الثقة، وسيترتب على ذلك إخراجك من العمل وفقدانك لهذه المنزلة التي تتمتَّع بها عنده، وخيرٌ لك أن تتفق معي وتُنفِّذ ما أريد، فغضب الأخ وقال له: افعل ما تشاء، وسيكون جزاؤك الخزي إن شاء الله. ونفَّذ الرجل وعيده وجاء "مانيو" يحقِّق في الأمر، فاكتسحت أضواء الحق ظلمات الباطل، وأخبره الأخ حسن بالأمر، ولم يشك الرجل أبدًا في صدقه، وطرد هذا الصديق الخائن وقطع صلته به، وزاد في راتب الأخ جزاء أمانته".

وبذلك ربَّى الإخوان رجالهم وعملوا على تربيةِ المجتمع بهذه الأخلاق.



المراجع

1- البصائر للبحوث والدراسات- إلى الأمة الناهضة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م.

2- البصائر للبحوث والدراسات- رسائل الإمام البنا(رسالة المنهج، رسالة نحو النور، رسالة المؤتمر السادس، رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي)، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م.

3- مجلة الإخوان المسلمون الأسبوعية (العدد السابع عشر) السنة الثالثة، الثلاثاء 7 جماد أول سنة 1354هـ= 6 أغسطس سنة 1935م.

4- الاعتصام- السنة الثامنة والأربعين- العدد (11)- رجب 1407هـ / مارس 1978م.

5- حسن البنا، مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية.