د. قميحة قارئًا لأشعار الرنتيسي (2/2)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٣:١٤، ٣١ مايو ٢٠١٤ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
د. قميحة قارئًا لأشعار الرنتيسي (2/2)

بقلم د. جابر قميحة

مقدمة

و"حديث النفس" هي أطول ما بين يدي من شعر الشاعر، وهي قصيدة حوارية جاءت في شكل حديث داخلي "مونولوج" بين الشاعر ونفسه، وهي تعكس الصراع بين "النفس الدنيا" التي تدعو الشاعر إلى التشبث بالحياة، وإيثار السلامة بعيدًا عن المعاناة ومخاطر الجهاد، وتقدم هذه النفس مبررات دعوتها هذه، فيتصدَّى لها الشاعر، وقد رمز إليه الشاعر بـ"هو"، ويمكن أن نطلق عليه "الذات العُليا" وينطلق الـ"هو" ناقضًا حجج هذه النفس الدنيا، والقصيدة من تسع مقطوعات استهلَّها الشاعر بالمقطوعتين الآتيتين:

(النفس)

ماذا دهاك يطيب عيشك بالحزن؟!

تشري النعيم وتمتطي صهو الصِّعاب

ماذا عليك إذا غدوت بلا وطن؟!

فانعم ترى ذا العيش في ظل الشباب

(هو)

يا هذه يهديكِ ربي فارجعي

القدس تصرخ تستغيثك فارجعي

والجنب مني بات يجفو مضجعي

فالموت خير من حياة الخُنَّع

ولذا فشدِّي همتي وتشجعي

وتمضي النفس تغريه- بأساليب متعددة- بإيثار السلامة، وتجنب المخاطر التي ستمتد نيرانها إلى أهله وبنيه، وهو من جانبه- بفكر سامٍ، وحجج قوية- يهدم منطقها المادي، ويحاول أن يحملها إلى الإيمان بما يؤمن به.. إلى أن نجح في محاولاته ومسعاه، فتسلم نفسه لمنطقه، وتتوافق مع ما يعتقده ويؤمن به، فتقول: "وكان ذلك نعم الختام":

إني أعيذك أن تذل إلى وثن

أو أن يعود السيف في غمد الجراب

فاقض الحياة كما تريد فلا ولن

أرضى حياةً لا تظللها الحراب

وقصيدة "حديث النفس"- أطول قصائد عبد العزيز الرنتيسي- تعتمد كما قلنا: على "الحوار الداخلي"، وهو ما يسمَّى بـ"المنولوج"، وبعضهم يسميه "البوح" أو "الصوت المتبادل غير المسموع"، وقد يكون موضوعه "فكرة عابرة" فيأتي سريعًا موجَزًا، وقد يعالج قضيةً ذات امتدادات وأفكار متعددة تتراسل أو تتقلب، وتصطدم وتنتهي إلى النتيجة التي يطمئن إليها صاحبها، وقد تظل النتيجة جدلية معلقة، متلبسة بالقلق والتوتر.

في القرآن الكريم

وفي القرآن نماذج متعددة من هذا الحوار الداخلي يتراوح بين القصر والطول، كالذي جاء في قصة "عزير"، الذي مر ببيت المقدس بعد أن خربها "بختنصر": ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وبعد حديث النفس تأتي "الإماتة" و"البعث" وكلام الله الموجه إلى "عزير" في حوار خارجي "قال: ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 259).

في الموروث الشعري

وثنائية الحوار بين النفس وصاحبها، أو بين "الأنا الدنيا" و"الأنا العليا" لها وجودها المتعدد المشهور في ديوان الشعر العربي، ونكتفي في هذا المقام بمثالين: الأول للصحابي الجليل عبدالله بن رواحة، فالتاريخ يروي لنا أن جيش الروم في مؤتة كان قرابة عشرين ضعفًا إذا قيس بجيش المسلمين.

واستشهد القائد "الأول" زيد بن حارثة" واستشهد القائد الثاني "جعفر بن أبي طالب" بعد أن قطع ذراعاه، وأصيب بأكثر من تسعين طعنة رمح وضربة سيف، ورمية سهم، وتلقَّف الراية بعده القائد الثالث "عبدالله بن رواحة" ويقال إنه التوى بالراية بعض الالتواء "أي أخذه شيء من التردد الذي يأخذ النفس البشرية في مواطن الشدة والهول، فأراد أن يثبت نفسه المترددة، ويزرع فيها الشجاعة والحماس، فخاطبها قائلاً:

أقسمتُ يا نفس لتنزلِنَّه

طائعةً أو لتُكرَهنَّهْ

إن أجلب الناس وشدوا الرنة

مالي أراكِ تكرهين الجنَّة

قد طالما قد كنتِ مطمئنة

هل أنت إلا نطفة في شنَّةُ؟!

"الرنة: القوس التي ترمي السهام، الشنَّة: القِربة القديمة"

وأراد أن يزيد نفسه شجاعة وإقدامًا وتقدمًا فذكَّرها بالقائدين الشهيدين قبله: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب- رضي الله عنهما- فقال:

يا نفسُ إلاَّ تُقتلي تَموتي

هذا حِمَامُ الموتِ قد صَليت

وما تمنيت فقد أعطيتِ

إن تفعلي فِعلهما فقد هُديتِ

وإن تأخَّرتِ فقد شَقيتِ

قطري بن الفجاءة

وهذه المعاني القيمة التي جاءت في الشعر العربي على سبيل الفخر، أو دعوة النفس إلى التحلي بها، تمثلت في "أرجاز الحروب" على هيئة بيت أو بيتين أو مقطوعة يرفع بها "الشاعر المقاتل صوته محمسًا نفسه، مرهبًا عدوه، ونرى الشاعرَ الخارجيَّ "قطري بن الفجاء يخاطب نفسه التي استبد بها الفزع، وهو يلاقي أبطال الأعداء، ويدعوها إلى الصبر والثبات: فلكل أجلٍ كتاب، ولا خلود في هذه الدنيا الفانية، إنما حياة الخلود للشهداء في العالم الآخر.

يقول قطري:

أقولُ لها- وقد طارتْ شعاعًا

من الأبطال-: ويحكِ لا تراعي

فإنكِ لو سألتِ بقاءَ يومٍ

على الأجل الذي لك لن تطاعي

فصبرًا في مجال الموت صبرًا

فما نيلُ الخلودِ بمستطاعِ

موروث إسلامي عروبي

ونعود إلى حوارية عبد العزيز الرنتيسي "حديث النفس" ونرى مضامين الأبيات السابقة، وما حملته من قيم قد انعكست في مقاطع "الحوارية"، ولا عجب أن تترد وتتواتر مثل هذه الموروثات القيمية الإسلامية العربية في شعر يتبنى قضايا الإسلام والعروبة.

والمنهج الفكري والفني في وقتٍ واحدٍ يمكن وصفه بمنهج "النزول والصعود التدريجي" الذي ينتهي بحلول "القيمة الصاعدة" أي المنتصرة، وأعتقد أن عرض منطق الطرفين يساعدنا على فهم الحكم السابق:

فأهم أسانيد "النفس الدنيا":

1- الحزن يبدد العمر، وعلى الشاعر أن يتمتع بنعيم الحياة وبشبابه في ظلها.

2- الكفاح يترتب عليه السجون والقيود والضياع والموت، ويئول الأبناء والزوجة إلى المصير نفسه.

3- وقد يترتب على الكفاح النفي بعيدًا عن الوطن بلا رفيقٍ أو أليفٍ.

ومن أسانيد الشاعر المجاهد

1- كيف يطيب نعيم والأرض محتلة مستباحة، و القدس يستغيث.

2- والشاعر المجاهد قد جُبِل على إيثار الموت الزؤام على حياة الذلة والخنوع.

3- المجاهدون هم المنتصرون دائمًا، فدعوتهم تنتشر، وتسيطر على القلوب بالتعذيب والمحن، أما الزوجة والأبناء فهم في رعاية الله إذا استشهد رب الأسرة، أو تعرض لمحنة.

4- أن طريق الصبر والثبات هو السبيل الوحيد الموصل إلى الجنة؛ حيث النعيم الخالد الذي لا يفنى.

لحظة التنوير

وتنزل النفس تدريجيًّا عن مبررات دعواها، وتجنح نحو الصعود إلى عالم الشاعر بقيمه العليا، وبنظرة بصيرة يشعر القارئ- وهو يمضي مع الحوارية- أن "الثنائية" تخف وتنْصلّ تدريجيًّا، وتتحول في النهاية إلى "أحادية"، أي تنساب في صوت واحد هو صوت الشاعر، وكأن النفس لم تكن تعارض صاحبها إلا على سبيل "الاختبار" أو "جس النبض"، ونصل إلى "القرار الحاسم" أو "لحظة التنوير" متمثلاً في صوت النفس التي تحولت تدريجيًّا إلى "ذات عليا" فتقول في ختام حديثها الموجه إلى الشاعر:

إني أعيذك أن تذل إلى وثن

أو أن يعود السيف في قلب الجراب

فاقض الحياة كما تريد فلا ولن

أرضى حياة لا تظللها الحراب

إلى العلا بلا حساب

إلى العلا بلا حساب

إلى العلا بلا حساب

لغة الشاعر

وأسلوب الشاعر تغلب عليه لغة "الداعية" الذي يؤمن بالإسلام إيمانًا عميقًا كشرعة وجود، ومنهج حياة، وجهاد وكفاح وعزة وكرامة، وسمو في القول والسلوك، ومثل هذه الأسلوب يتسم بالسهولة والوضوح، وإيثار الإقناع على الاستمالة الوجدانية، فيقترب الشعر من المعالجة المنطقية، وهذا على حساب التصوير المحلق والخيال الابتكاري.

ويحسب للشاعر الشهيد في هذا المقام تأثره بالموروث الشعري، فقوله:

وإذا قتلت ففي ذاتِ الإله مصرعي

متأثر بقول الصحابي الشهيد: "خبيب بن عدي رضي الله عنه:

ولستُ أبالي حين أقتَلُ مُسلِمًا

على أي جنب كان في الله مصرعي

ويظهر تأثره في قوله:

يا هذه يهديك ربي فارجعي

بقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ (الفجر: 27-28).

وقول الشاعر:

والجنب مني بات يجفو مضجعي

متأثر بقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (السجدة: 16).

وفي تضاعيف القصائد تطالعنا كثير من الكلمات الدينية والقرآنية، فالشاعر مع أنه تخرج في كلية الطب طبيبًا – كان ذا ثقافة دينية واسعة انعكست مظاهرها في شعره.

وفي هذا المقام أيضًا تطالعنا – من ظواهره الأسلوبية: الإكثار من الترادف، والتكرار اللفظي، وغرضه- غالبًا- تأكيد المعنى وترسيخه: ففي آخر مقطع من قصيدته حديث النفس يكرر عبارة "إلى العلا بلا حساب" ثلاث مرات، وفي قصيدته "قصيدة التحدي في هجاء "الحكام العرب"- وهي من اثنين وعشرين بيتًا- يجعل فعل الأمر "عودوا" مبتدأ ثمانية أبيات منها، لغرض بلاغي هو "التقريع والتوبيخ".

لقد مضى عبدالعزيز الرنتيسي إلى ربه راضيًا مرضيًّا.. وكان بجهاده أبلغ قصيدة في ديوان الجهاد الفلسطيني.. يرحمه الله.

المصدر

للمزيد عن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة بالرنتيسي

مقالات بقلم الرنتيسي

تابع مقالات بقلم الرنتيسي

.

حوارات مع الرنتيسي

حوارات مع عائلة الرنتيسي

بيانات حول إغتيال الرنتيسي

أخبار متعلقة

تابع أخبار متعلقة

.

وصلات فيديو

.