د. محمود غزلان يكتب:الحرية في الإسلام

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
د. محمود غزلان يكتب:الحرية في الإسلام

مقدمة

حتل الإنسان في العقيدة والتصور الإسلامي مكانةً ممتازةً، فقد خلقه الله- تعالى- بيده ونفخ فيه من روحه، ورفعه فوق الملائكة فعلَّمه ما لا يعلمون، ثم أمرهم بالسجود له، وسخَّر له ما في السماواتِ وما في الأرض جميعًا منه، وكرَّمه وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، واصطفى منه رسلاً، واتخذ منه أخلاء ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ (النساء: من الآية 125)، وأنزل إليه كتبه ليهديه إلى الصراطِ المستقيم وإلى الحق المبين.

د.محمود عزلان

هذه المكانة النظرية العظيمة للإنسان، ترجمها الإسلام إلى مبادئ عملية تتمثل فيما قرره له من حقوق تصونه من كل عبثٍ وتحميه من كل حيفٍ، وتحفظ عليه ما أراده الله له من كرامةٍ؛ ومن أهم هذه الحقوق التي قررها الإسلامُ للإنسان هي حقه في الحرية؛ لأنه كائن عاقل فلا بد أن يكون حرًّا مختارًا، ورتَّب على هذه الحريةِ الحساب في الآخرة، لأن مَن لا إرادةَ له فلا تبعةَ عليه.

فالحريةُ هي أسمى وأثمن القيم التي تميَّز بها الإنسان، وارتقى بها على معظمِ المخلوقات، ومن ثم كانت أجلى مظاهر التكريم الإلهي للبشر، حيث كفلها الإسلام للإنسان في أكمل صورة وأوسع نطاق، فقرر حرية العقيدة والعبادة والتفكير والتعبير عن الرأي وحرية اختيار العمل، وحرية السفر والتنقل، وحماية الإنسان من أي اعتداء، وعدم جواز القبض عليه أو معاقبته إلا بمقتضى الشرع، وحق التملك والإنفاق في حدود الشرع أيضًا، وحق الترشيح للمناصب النيابية وتولي الوظائف العامة، وحق انتخاب الحاكم، وانتخاب نواب الأمة، وحق مراقبة الحاكم ومحاسبته على أعماله وأعمال معاونيه.. إلى آخر مجال الحريات.

وقبل أن نسوق الأدلة على نواحي الحريات التي كفلها نظام الإسلام، فإننا نؤكد أن هذا الشمول وهذا الكمال، وخصوصًا في ذلك الوقت الضاربِ في أعماق التاريخ منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، وفي ظل الظلم والظلام الذي كان يعيش فيه البشر في ذلك الوقت، والذي ظلَّ يعيش فيه حتى عهدٍ قريبٍ، حتى كان العلماء والمفكرون يحرقون أحياء، نتيجة اكتشافاتهم العلمية، كل ذلك يقطع بأنَّ نظامَ الإسلام نظام رباني، أنزله الله تعالى هدايةً ورحمةً للإنسان، ويستحيل أن يكون من ابتداعِ بشر.

حرية العقيدة

رغم أن الإسلام جاء بأصح العقائد وأسماها إلا أنه أرسى مبادئ سمحة نبيلة بشأن حرية العقيدة، تتمثل فيما يلي:

- عدم إكراه أحد على اعتناق الإسلام، وفي هذا يقول تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾ (البقرة: من الآية 256) ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)﴾ (يونس) أي لا يجوز إكراه الناس على الإيمان، وعلى هذا المبدأ سار المسلمون في معاملتهم لأهل الأديان الأخرى، بل كانوا يحمونهم من أي اعتداء، ويحترمون معابدهم وشعائرهم، يقول عمر بن الخطاب في معاهدته لأهل بيت المقدس عقب فتحه لها : "هذا ما أعطى أمير المؤمنين عمر لأهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم ولكنائسهم وصلبانهم.. لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم".

- حرية المناقشات الدينية في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ووجوب الإقناع بالحسنى وبالمنطق، يقول تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125) ويقول : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: من الآية 46).

- القتال من أجل درء الفتنة حتى عن غير المسلمين: فإنَّ الإسلام يأبى أن يُفتن إنسانٌ في دينه ويعتبرها أكبر من القتل، يقول تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: من الآية 217) من أجل ذلك شرع القتال حتى تنتفي الفتنة من الأرض كلها وتُعرَض الدعوات والعقائد على الناس من غيرِ إكراهٍ أو ضغوطٍ فيختار الناسُ منها ما يقتنعون به ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193)﴾ (البقرة) وحينما فتح المسلمون بلاد الشام ومصر، وجدوا الرومان يُعذِّبون إخوانهم في العقيدةِ نصارى الشام وأقباط مصر من أجل اعتناق مذهبهم الملكاني، فطردوا الرومان ورفعوا الفتنةَ عن الناس، وتركوهم وما يختارون، فمنهم مَن دخل في الإسلام، ومن اختار البقاء على دينه تُرك وشأنه له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ولا تزال الأقليات غير المسلمة تعيش بين المسلمين مُكرَّمةً مقسطًا إليها إلى يومنا هذا.

حرية الرأي

كفل الإسلام للإنسانِ حرية إبداء رأيه في الأمورِ العامة بكل وسائل التعبير المباحة؛ وذلك لأن حرية الرأي ضرورة لذاتها ولغيرها، فهي لازمة من لوازمِ تمايز العقول، وتفاوت المدارك والثقافة، والإسلام يحضُّ على التفكيرِ فكان من المحتمِ أن يُفسح المجال لنتيجته، كما أنَّ كثيرًا من واجبات الإسلام لا تتم إلا بحرية الرأي والتعبير، والقاعدة الشرعية تنصُّ على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ لا يتم إلا بحريةِ الرأي ومبدأ الشورى يستلزم حرية الرأي، وحق الفرد في الانتخاب وفي مراقبة السلطة ونقد تصرفاتها الخاطئة لا يتوفر إلا بحرية الرأي.

فمن ثَمَّ فقد توسَّع الإسلام في هذا الحق توسعًا كبيرًا حتى منح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أصحابه حق مناقشة الأمور التعبدية المحضة ما لم يكن فيها نص، ففي طريقة الدعوة إلى الصلاة ارتأى بعضهم اتخاذ ناقوس وارتأى آخرون اتخاذ بوق حتى أُلهموا صيغة الأذان.

وفي غزوة بدر نزل على رأي الحباب بن المنذر، وفي أُحد نزل على رأي الشباب، وفي الأحزاب نزل على رأي سلمان الفارسي، وفي صلح الحديبية استمع إلى رأي عمر بن الخطاب المعارض للمعاهدة دون غضاضة، واستجاب لرأي أم سلمة أن يبدأ هو بالحلق أولاً أمام الناس حتى يحلقوا، وفي أسرى بدر استمع لرأي أبي بكر الحليم وإلى رأي عمر الحازم، وأخذ برأي أبي بكر.

وعارض عمر أبا بكر أول الأمر في عزمه على قتالِ مانعى الزكاة، وعارضت امرأةٌ عمرَ في عزمه على تحديدِ المهور فرجع إلى رأيها، وقال له رجل ذات مرة: "اتق الله يا عمر"، فقال له عمر: "ألا فلتقولوها، لا خيرَ فيكم إن لم تقولوها ولا خيرَ فينا إن لم نسمعها"، ولا يعرف الإسلام قيدًا على حريةِ الرأي إلا أن يكون خارجًا عن المبادئ الأخلاقية كأن يكون سبًّا للناس أو نهشًا للأعراضِ أو يكون هدمًا للإسلام نفسه بالطعن فيه أو في عقيدته أو في رسوله؛ لأنَّ الدولةَ الإسلاميةَ وظيفتها إقامة الإسلام وحمايته، وهذا هدمٌ له، أو يكون دعوة للفساد في الأرض كالدعوةِ إلى إباحةِ ما حرَّم الله أو تحريم ما أحل.

أما ما عدا ذلك فلا يعرف الحجر على الرأي أو ما يُسمَّى بالعزل السياسي خصوصًا للذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وللمرء أن يرى في تصرفاتِ الحكام ما يشاء من آراء، فقد كان رأي الخوارج سيئًا في الإمامِ علي- رضى الله عنه-، ومع ذلك كان يصفهم بأنهم إخوانه وأنه لن يبدأهم بقتالٍ ما لم يحدثوا فسادًا.

حق الإنسان في الحياة وحماية الإسلام له

لا يمكن للحريات أن تتحقق في مجتمعٍ لا يأمن الإنسان فيه على حياته أو على كرامته؛ لذلك وجب أن نُشير بإيجازٍ إلى ما قرره الإسلامُ بهذا الشأن، فما دامت الحياةُ هبةً من الله تعالى فلا يحقُّ لأحدٍ أن يعتدي عليها ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام: من الآية 151)؛ بل إنه اعتبر قتل نفس واحدة بمثابة قتل الناس جميعًا ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: من الآية 32)؛ ولذلك شرع القصاص﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾ (البقرة)، بل شرع عقوبةً للقتل الخطأ خروجًا على القاعدةِ الشرعية التي تقرر أنَّ الفرد لا يُعاقب إلا على ما يُحدثه عن قصدٍ وإرادةٍ، وفي هذا أبلغ دليلٍ على مدى حرص الإسلام على حفظِ الحياة وحماية النفس، بل إنه ليشرع عقوبة على القومِ الذين يُعثَر على قتيلٍ بينهم أو بالقربِ من محلتهم ولا يُعرف قاتله.

وفي سبيلِ حفظ كرامة الإنسان فقد حرَّم الإسلام إيذاء الإنسان أو تعذيبه دون ذنبٍ أو جريرة، بل حرَّم كل إساءةٍ معنويةٍ من همزٍ أو لمزٍ أو سخريةٍ أو احتقار، فقد وردت في ذلك نصوصٌ كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)﴾ (الأحزاب)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ يُعذِّبُ الذين يُعذِّبون النَّاسَ في الدنيا".

وفي ضوءِ هذه الأحكام المباركة قال عمر بن الخطاب لولاته: "ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم"، ولم يكتفِ بذلك وإنما كان يخطبُ في الوفودِ في موسم الحج يعلمهم حقوقهم ويبعث فيهم روحَ العزةِ فيقول: "إني لم أبعث عمالي (ولاتي) ليضربوا جلودكم ولا ليأخذوا أموالكم وإنما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فيئكم، فمَن فُعِلَ به غير ذلك فليقم" فقال عمرو بن العاص: "لو أنَّ رجلاً أدَّب بعضَ رعيته أتقصه منه؟ فقال عمر: "إي والذي نفسي بيده لأقصنه منه"، بل لقد نفَّذ ذلك- رضى الله عنه- حينما اعتدى ابن عمرو بن العاص على أحدِ الأقباط دون حق، فأمر الفاروق عمر القبطي أن يقتص من ابن عمرو بن العاص قائلاً مقولته التي ازدهى بها التاريخ "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟"

وحرَّم الإسلام تخويفَ الإنسان وإرهابه دون إيقاع الأذى المادي به واعتبره جريمة، جاء في الحديث "لا يحل لمسلم أن يُروِّع مسلمًا"، وجاء فيه أيضًا "لا تروعوا المسلم؛ فإنَّ روعةَ المسلم ظلمٌ عظيم"، وحث الناس على إباء الضيم ورفض الظلم، جاء في الحديث الشريف "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قالوا: ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: تحجزه عن ظلمه فذلك نصره"، وجاء فيه أيضًا: "لا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجلٌ ظلمًا، فإنَّ اللعنةَ تنزل على مَن حضره حين لم يدفعوا عنه" ويقول عليه الصلاة والسلام: "كلا والله لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحقِّ أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوبِ بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم" (أي بني إسرائيل).

ومن ناحيةٍ أخرى فقد فرض ضمانات قضائية تحمي الإنسان وتكفل له العدلَ وتحميه من الظلم، تتمثل هذه الضمانات في قواعد

القاعدة الأولى: كل إنسان بريء حتى تثبت إدانته

إن الإسلام لا يأخذ الناسَ بالشبهاتِ وإنما يتأكد بشكلٍ قاطعٍ قبل أن يُعاقب إنسانًا على جريمةٍ نُسبت إليه، وقبل أن يُدان بارتكابِ الجرم، فإنه يُعدُّ بريئًا حتى لو كان قيد التحقيق أو المحاكمة، وبالتالي فإنَّ كرامته تظل مصونةً محفوظةً لا يجوز لأحد أن ينتقصها أو ينال منها، ونتيجة لهذا التدقيق الشديد في وسائل الإثبات، فإنَّ ورودَ أي شبهةٍ على الاتهام فإنها تُسقطه بناءً على قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، وقول عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "لئن أُعطِّل الحدودَ بالشبهاتِ أحبُّ إليَّ من أن أُقيمها بالشبهات" وأيضًا فإنَّ الإسلامَ يعتبر الخطأَ في العفو خيرًا من الخطأ في العقوبةِ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الإمامَ أن يخطئ في العفو خيرٌ من أن يخطئ في العقوبة" بمعنى أن العفو عن مجرمٍ لم تقم الأدلة قاطعة على جرمه خيرٌ من إدانة بريء لم تقم الأدلة قاطعة على براءته.

القاعدة الثانية: العقاب لا يمتد إلا غير مَن ارتكب الجرم

فإن من البدهيات الأساسية في الإسلام قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الإسراء: من الآية 15) فإنَّ الإنسانَ لا يُحاسَب إلا عن فعله ونتيجة عمله، ولا يجوز إطلاقًا أن يتحمَّل إنسانٌ مسئوليةَ جريمةٍ ارتكبها شخصٌ آخر ولو كان والده أو ولده.

القاعدة الثالثة: لا جريمةَ ولا عقوبةَ إلا بنص

وهذه القاعدة قررت حتى تقطع الطريق على المستبدين الظلمة حتى لا يؤاخذوا الناس تبعًا لأهوائهم، فهي تجعل أفعال الناس مباحة ما دامت النصوص لم تتعرض لها بالتجريم وما دامت النصوص مستندة إلى الشريعة الإسلامية (سواء كانت قرآنًا أو حديثًا أو اجتهادًا) فسوف تكون بمنأى عن أهواءِ الظالمين، ومن ثم تحمي الإنسان من العدوان.

ومن مظاهر حفظ كرامة الإنسان في الإسلام تحريم سبه، جاء في الحديث "سباب المسلم فسوق" وكذلك تحريم احتقاره والسخرية منه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (11)﴾ (الحجرات).

وجاء في الحديث الشريف: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه"، وكذلك تحريم التجسس صيانةً لأسرارِ الناس وكرامتهم قال تعالى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: من الآية 12)، وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- "إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أوكدت تفسدهم" وقال أيضًا: "لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم فإن مَن طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته".

ولذلك ترتب على هذا الحق أمران:

الأول: حرمة فض المكاتبات أو الاطلاع على الرسائل بدون إذن صاحبها، استنادًا إلى الأدلةِ العامة التي تحرم التجسس، ولقوله- صلى الله عليه وسلم-: "مَن نظر في كتابِ أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار".


الثاني: حرمة المسكن، فإنَّ للبيوتِ في الإسلام حرمةً لا يجوز انتهاكها أو اقتحامها بغير استئذان وسماح من صاحبها، بل حرَّم النظرَ فيها للاطلاعِ على العوراتِ والحرمات، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)﴾ (النور)، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "لو أنَّ امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح".

من هذا العرض الموجز تتجلى لنا عظمة الإسلام فيما كفله للإنسان من كرامة تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: من الآية)، وتتجلى لنا هذه العظمة أكثر وأكثر إذا ما قارناها بما يصيب الإنسان في ظل الأنظمة الوضعية الاستبدادية- للأسف الشديد- من استخفافٍ به وسوء ظن وتجسس وانتهاك لحرمة مسكنه وترويعه والقبض عليه في منتصفِ الليل، وسبه بأقذع السباب وتعذيبه بشتى صنوف التعذيب والتلاعب بالقوانين من أجل إدانته، وتقديمه لمحاكم غير مختصة إلى غير ذلك مما يعلمه الجميع.

ملحوظة

قد يتصور البعض أنَّ هذه الحقوقَ والحريات مقررة للمسلمين فقط؛ نظرًا لذكر المسلمين أو المؤمنين في النصوص، ولكن الحقيقةَ أنها تشمل المسلمين وغير المسلمين الذين يعيشون في المجتمعِ الإسلامي، وذلك عملاً بالقاعدة المشهورة أنَّ غيرَ المسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ويتضح ذلك من بعض ما أوردناه من تصرفات عمر بن الخطاب مع غير المسلمين وانتصافه لهم.


المصدر