ذكريات النصر فيما تبقَّى من رمضان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٣:١٩، ٨ يوليو ٢٠١٢ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ذكريات النصر فيما تبقَّى من رمضان

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

مقدمة

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن والاه، وبعد..

فها هو ذا رمضان يوشك أن يرتحل عنا، ارتحال حبيب قلَّ بقاؤه وعزَّ مقامه، يمضي غير مرغوب عنه، ولا مزهودٍ فيه، ويوشك سوق الخير أن ينفض، نسأل الله أن نكون فيه من الرابحين، وها نحن أولاء نعيش العشر الأواخر فيه، عشر العتق من النيران، فهنيئًا لمن قام لياليها؟.

وهي خير ليالي العام، وأدرك فيها ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر، فيها نزل الذكر الحكيم، واتصلت الأرض بالسماء، وتنزل الروح الأمين على قلب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليكون خاتمة رسل الله إلى العالمين، والموكَّّّّل بإنقاذ البشرية الضالة من وهدتها، وقد رضيت بالسجود لصنم، واللجوء لوثن، أو زاغت عن صحيح الوحي الماضي، وحرَّفت رسالات ربها، واتخذ بعضها بعضًا أربابًا من دون الله يُحلّون لهم ويحرمون عليهم، فيسمعون لهم ويطيعون!!

ولقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر، يرغب إلى ربه أن يكون عبدًا شكورًا، وفد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما أحرانا نحن اليوم- وقد أنِسنا بالمعاصي، واجتالتنا الشياطين، وفرطنا في جنب الله ودينه وشريعته- أن نفزع إلى الله تعالى فزعَ الخائفين الوجلين، ونضرع إليه ضراعة التائبين المضطرين.. نرجو مغفرته وعتقه، ورحمته لأمتنا، ونصرته لمجاهدينا، وتمكينه لدينه.. وندعوه بما علمنا رسوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنك عفوٌ تحبُّ العفوَ فاعف عنا".

هل من توبة؟

لقد كنَّا تحدثنا في تلك الرسالة في مطلع رمضان عن وجوب المبادرة إلى التوبة حكامًا ومحكومين، وناشدنا حكام المسلمين المسارعة إلى الإنابة إلى ربهم، والانخلاع من ذنوبهم في ذلك الشهر الفضيل، وها نحن أولاء في أواخر رمضان نجدد الدعوة لهم مخلصين، مشفقين عليهم من تلك المظالم التي ينوءون بحملها.. (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:39)، وما زلنا نهتف بهم: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الأحقاف:32).

ها هو ذا رمضان يوشك أن ينقضي وعشرات الألوف من شبابنا في غياهب السجون والمعتقلات!! وها هو ذا العيد يوشك أن يقدم علينا وأسرهم في معاناتهم يرفعون أكفَّ الضراعة إلى الله بالدعاء على الظالمين، وها هم أولاء ألوف الفقراء والمعوزين في بلادنا يشكون إلى الله مَن نهب أموالهم، وسرق أقواتهم، ومضى ينفقها سفهًا بدم بارد (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) (الحج:45).

ها هي ذي إرادة الأمة مسلوبة، وخياراتها مزيفة، وقد أجريت الانتخابات أخيرًا في بعض بلادنا العربية فلم يأنف المفترون- ونحن في شهر رمضان- أن يزوّروا ويكذبوا، ويتربعوا على عروشهم الزائفة بغير رضاء شعوبهم، وما زالوا يزعمون إجماعَ رعاياهم على اختيارهم إجماعًا كاملاً أو شبه كامل.. وقد تناسوا أن الناس لم يُجمعوا على ربهم ولا على أنبيائه ورسله (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (التغابن:2).

وها هي ذي شريعة الله معطلة، وحدوده ملغاة في حياتنا الاجتماعية والقانونية، وما جنت الأمة من وراء ذلك إلا مزيدًا من الاغتراب والظلم، والله تعالى يقول: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:49-50)، وها هم أولاء أعداء الله يعيثون في بلادنا.. فما بقي أمامهم بابٌ يغلق، ولا سرٌّ يُصان ويحفظ، بغير رادع من حكامنا، بل برضًى منهم واستخزاء، وقد خذلوا المجاهدين في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها ممن احتُلت بلادهم، وديست مقدساتهم، وانتُهكت أعراضهم، منذ رفعوا شعارهم غير المقدس أن السلام- بأي شكل وسبيل- هو اختيارهم الإستراتيجي الأوحد!!.

فإذا مضى رمضان بكل ما يثيره في النفس من نوازع الخير والتوبة ولم يحرك في تلك النفوس هواتف الإنابة والاستغفار فإننا لن نملَّ دعوة حاكمينا للعودة إلى ربهم، وبابه مفتوح للمرء ما لم يغرغر.

مرض الرئيس عرفات ووفاة الشيخ زايد

وقد وافتنا الأخبار في رمضان بمرض الرئيس عرفات وسفره إلى فرنسا للعلاج، ونسأل الله تعالى له الشفاء والعافية والعودة الحميدة إلى أرضه وشعبه، فأهل فلسطين اليوم في حاجةٍ إلى جهود كل أبنائها وزعمائها، ثم باغتنا خبر وفاة الشيخ زايد بن سلطان أمير دولة الإمارات العربية يوم التاسع عشر من رمضان، فتغمده الله بواسع رحمته ولطيف كرمه، وألهم شعبه وأمته الصبر والحكمة.

وتلك أقدار الله يذكّر بها عباده أنهم مربوبون له، مقهورون لحكمه ومشيئته، ونذكّر بها حكامنا أنهم بشرٌ كسائر البشر قد يمرضون، وحتمًا سيموتون، ويلقون ربهم بغير حاجب ولا ترجمان، وبغير جاه ولا سلطان، فهل أعددنا لذلك اللقاء عدته؟

يا حكامنا كفي بالموت واعظًا، ولنذكر معًا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنًى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مُفنّدًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب يُنتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر" (رواه الترمذى، وقال: حديث حسن).

ذكريات النصر في فتح مكة

وفي العشر الأواخر من رمضان تهبُّ علينا نسائم النصر- ولم يزل لها أريج وعبق- في فتح مكة، وقد كان في مثل تلك الأيام؛ حيث خرج الرسول صلى الله عليه وسلم للفتح من المدينة في الثامن عشر من رمضان على الأرجح، وهي ذكرى نحتاج للوقوف أمامها وتأمل معانيها، وبخاصة في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا التي تكالبت عليها قوى الشر؛ تريد أن تقر في داخلها بواعث اليأس والقنوط، وكأن مرحلة الاستضعاف فينا قدر محتوم، أو خاتمة حركة التاريخ.

ولم يكن فتح مكة فتحًا عسكريًا أو سياسيًا فحسب، بل كان انتصارًا لقيم الإسلام أولاً، لقد تحرك المسلمون لنصرة المستضعفين من قبيلة خزاعة حلفاء المسلمين الذين اعتدت عليهم قريش، وأعطت القيادة المسلمة الدرس البليغ في الحشد العسكري، ومباغتة العدو مباغتة كاملة حتى اضطرته للصلح والاستسلام، دون إراقة مزيد من دماء في البلد الحرام، وأعطى الصف الإسلامي القدوة الخالدة في التماسك والتوحد خلف قيادته، فلم يجد زعيم المشركين أبو سفيان رجلاً أو امرأة يشفع له عند النبي صلى الله عليه وسلم لتجديد هدنة الحديبية، بل طوت ابنته المؤمنة أم حبيبة رضي الله عنها فراش زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه؛ أَنَفَةً منها أن يطأ رجل مشرك- حتى لو كان أباها- فراشَ رسول الله صلوات الله عليه.

ثم عاد الصف الإسلامي ليضرب المثل في انضباطه ووعيه؛ حين لم يعتد واحدٌ منهم على أبي سفيان- العدو التاريخي لهم- وقد وجدوه بينهم بغير عقد ولا عهد، احترامًا منهم لإجارة أحدهم له..

ومضى النبي صلى الله عليه وسلم يكسر أصنام قريش والعرب، ثلاثمائة وستين صنمًا، ليحرر البشرية كلها من السجود لغير الله عز وجل، وهو لم يكسرها في واقع الناس إلا بعد أن تهاوت في قلوبهم وضمائرهم بعد نحو واحد وعشرين عامًا من بدء دعوته؛ إن التغيير الحق لا يأتي إلا من داخل النفس ليكون أخلد وأبقى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية11)، وهو في حالتنا هذه حقيقٌ أن تهون في سبيله دماء الشهداء وتضحيات المجاهدين طوال عقدين من الزمن.

إن الإسلام المنتصر هو الإسلام الذي بدأ حركته للفتح نصرًا للمستضعفين ووفاءً بالعهد لهم هو ذاته الذي يعود شامخًا نبيلاً في تسامحه مع أعدائه بعد أن قدر عليهم، وصاروا في قبضته، ولسوف تظل مقولة النبي صلى الله عليه وسلم وهو في عنفوان نصره لأعدائه وقد استسلموا له: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فخارًا لهذا الدين الذين يصمُه المجرمون اليوم بالعنف والإرهاب.

ونصر عين جالوت

وفي الخامس والعشرين من رمضان كان انتصار المسلمين على التتار في عين جالوت، وهو نصر نستحضره اليوم لأننا في مواجهة التتار الجدد الذين قدموا في طغيانهم وظلمهم يريدون أن يبيدوا حضارتنا، ويمسخوا هويتنا، ويصادروا حقنا في مستقبل يليق بخير أمة أخرجت للناس، لقد قتل التتار الأقدمون علماءَ العراق وأبادوا مدارسه وجامعاته، وألقوا بأعظم حصادٍ إنساني للفكر والثقافة في نهر دجلة لتعبر عليه خيولهم، ولم يكن نهج تتار اليوم من الأمريكان وحلفائهم أقل شراسة وخسة، فلقد دكَّت طائراتهم جامعات بغداد والموصل وغيرها، وقتلوا العلماء، أو غيَّبوهم خلف جدران السجون والبطش، وفرضوا الحصار على شعبٍ أنهكه الظلم ودمر قواه، وقتلوا منه ما يزيد على مائة ألف مدني في عمل إجرامي ما زال يتواصل تحت سمع العالم وبصره.. لن ينساه التاريخ ولن ننساه..

لم يكن قطز وبيبرس وجنود مصر والشام ينتصرون للإسلام وحده حين أوقفوا المدَّ المريع للتتار في عين جالوت، وأذاقوا جيوشهم أكبر الهزائم في تاريخهم، بل كانوا ينتصرون للعالم والإنسان.. وإن رجالنا اليوم وأهلينا في العراق وفلسطين وأفغانستان حين يتصدون للاستكبار الأمريكي إنما يقدمون للإنسان نفسه وللإنسانية في مستقبلها ومسيرتها العطاء الجزيل والدم الزكي.

وعيد الفطر قريب

أيها المجاهدون الصامدون: إن العشر الأواخر من رمضان توشك أن تتفلت منَّا، فاغتنموا ما بقي منها، طهروا قلوبكم، وزكُّوا نفوسكم، وأنيروا محاريبكم، وأقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم بإذن الله.

وإن عيد الفطر على الأبواب، وكم مرَّ عيدٌ على أهلنا في مواطن الجهاد قضوه تحت قصف القنابل ودويِّ الصواريخ تهدم البيوت وتقتل النساء والولدان وأكرم الرجال!!.. نسأل الله أن يفرغ عليهم الصبر، ويثبت منهم الأقدام، وأن يهيئ للمسلمين قدرًا رحيمًا يدركون به فرضية نصرتهم، ووجوب دعمهم، وأن يهدي حكام المسلمين حتى يعرفوا أن العزة منه وحده، وأن الخزي والهوان على الخانعين الخاذلين (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (النساء:139).

ونهنئ إخواننا الصابرين خلف أسوار الطغاة، وأهليهم الثابتين المحتسبين بمقدم العيد، وإن كان عيدهم متصلاً بطاعة ربهم وعزة نفوسهم وقوة إيمانهم.. وإن عيدنا الأكبر يوم ينتصر الإسلام ويعزّ أهله.. أو يوم نلقى فيه ربنا فيكرم نُزلنا في مستقر رحمته وجليل جنته.. مع الأحبة محمد وصحبه (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (الأحزاب: من الآية4)، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.