رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة (1)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٢٢:٤٨، ٢١ يونيو ٢٠١٠ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة

بقلم / أ. عبدالمنعم الشريف


مقدمة

يمكن طرح ثلاثة أسئلة رئيسية والإجابة عليها لمعرفة الغرض من هذه الدراسة وهي:

لماذا ..؟

1. لمحاولة تسليط الضوء على رؤية الأستاذ البنا رحمه الله لمشروع النهضة .

2. إظهار جوانب التجديد والتطوير التي تحتاجها هذه الدراسة .

3. وضع هذه الرؤية أمام الباحثين والنقاد لتناولها بالبحث والنقد .

4. إثراء الساحة الثقافية حول موضوع النهضة .

كيف ..؟

من خلال متابعة متأنية لرسائل الأستاذ البنا رحمه الله ، ورصد دقيق لما احتوته من تصورات وتوجيهات نحو تحقيق النهضة الشاملة .

لمن ...؟

لكل من يرجو لهذه الأمة الحيرى ، أن تنهض من كبوتها ، وتصحو من غفوتها ، وتلتقط زمام أمرها ، وتتبوأ مكانها بين الأمم .

رجاء ....!

أرجو من الله تعالى أن تصل هذه السطور إلى غايتها ، وهي إظهار التصور الإسلامي للنهضة ، وبيان الوجهة الصحيحة التي ينبغي للأمة أن تسلكها .

كانت هذه المقدمة الاستفهامية بمثابة خارطة أساسية لبيان أسباب ، ووسائل ، ووجهة هذه الدراسة .


الأسس المنهجية لفكرة النهضة عند البنّا

من الضروري لنا ونحن نتناول هذه الدراسة ، أن نتعرف على المنطلقات التي اعتمدها الأستاذ البنّا لهذا المشروع ، و نتابع طريقه في التحرك نحو تحقيق شروط هذه النهضة ، وكيف استخلص الدروس ، ومن خلال هذه الأسس ، يمكن تعميق الثقة في هذا المشروع وبيان سلامة منهجه ، وكذلك الارتفاع بمستوى الولاء من الولاء العاطفي إلى الولاء العقدي و الذرائعي والشرعي ، كما يمكن أن تكون هذه الدراسة أرضية مشتركة للمهتمين بشأن النهضة ،وأخيرا لنتعرف على أسلوب رصين يربط بين العقل والنقل ، في توازيٍ لا يُوقفه تقاطع ، وانسجام لا يُعطّله تضارب ، وإليكم هذه الأسس تباعا :


أولا : التفكير في التحديات التي تواجه الأمة

من المتعارف عليه في فقه مواجهة الأزمات ، أن يتجه الذين يريدون حل أي أزمة أولا إلى التفكير فيها ، واستعراض الأزمة من جميع جوانبها ، وتحليل عيوبها ، ويأتي بعد ذلك البحث عن حلول لهذه الأزمة ، وهذا ما انتهجه عليه رحمة الله فقال :

' ثم كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي، حوادث عدة ألهبت نفسي ،و أهاجت كوامن الشجن في قلبي ! ولفتت نظري إلى وجوب الجد، والعمل ، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه ، والتأسيس بعد التدريس...ولقد أخذت أفاتح كثيراً من كبار القوم في وجوب النهوض ، والعمل ، وسلوك طريق الجد، والتكوين ، فكنت أجد التثبيط أحيانا ،والتشجيع أحيانا، والتريث أحيانا ، ولكني لم أجد ما أريد من الاهتمام بتنظيم الجهود العملية ....ولّيت وجهي شطر الأصدقاء والإخوان ، ممن جمعني وإياهم عهد الطلب ، وصدق الود ، والشعور بالواجب ، فوجدت استعدادا حسنا ...وكان عهد ، وكان موثق ، أن يعمل كل منا لهذه الغاية ، حتى يتحول العرف العام في الأمة إلى وجهة إسلامية صالحة .'

'ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة ، وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها ، ونحلل العلل ،والأدواء ، ونفكر في العلاج وحسم الداء ، ويفيض بنا التأثر لما وصلت إليه إلى حد البكاء...كنا نعجب لهؤلاء الناس وكثير منهم من المثقفين ،ومن هم أولى منا بحمل هذا العبء ، ثم يقول بعضنا لبعض : أليس هذه داء من أدواء الأمة ولعله أخطرها ، ألا ّ تفكر في مرضها ، وألاّ تعمل لعلاج نفسها. ...ولهذا وأمثاله نعمل ، ولإصلاح هذا الفساد وقفنا أنفسنا، فنتعزى ونحمد الله على أن جعلنا من الداعين إليه العاملين لدينه '.( رسالة المؤتمر الخامس ) .


ثانياً دراسة التاريخ والواقع

إن التاريخ هو كنز الخبرات ، ومعرض المآلات ، ومدرسة لمعرفة أسباب النجاح والإخفاق ، وأن من أجاد فنّ الاعتبار قد اطمأن على صحة المسار ، فأيقن رحمه الله ، أن على كل من أراد أن يحدث تغييرا اجتماعيا ، لابد أن يكون له مع التاريخ وقفات ، لاستلهام العظات ، وتجنب العثرات ، ومراقبة حركة السنن الإلهية ، في المجتمعات ، من حين تكوينها ، إلى مراحل ازدهارها ، وأسباب سقوطها وانهيارها ، ففي ثنايا هذه المراحل تكمن العبرة ، وتختبئ الموعظة ، وتظهر القدوة ، وتُسفر النتائج ، فلقد اعتمد القرآن هذا الطريق ، وسلك هذا السبيل في التقويم ، فعرض علينا صورا شتى لأمم كانت مندثرة فظهرت ، وأخرى كانت عامرة فخربت ، وكل ذلك للاعتبار ، وقراءة الأسباب ، وتوضيح السنن التي تقوم عليها الحياة، ويمكن أن ننوه بأن دراسة التاريخ تحتاج إلى وقفة أكبر ، وأشمل ، وأعمق ، ولكننا معنيون هنا فقط ببيان المنهجية التي تأسست عليها الفكرة ..

ويمكن أن نسجل هنا بعض النظرات التاريخية للأستاذ البنا في ثنايا رسائله :

'إن نهضات الأمم جميعا إنما بدأت على حال من الضعف يخيل للناظر إليها أن وصولها إلى ما تبتغي ضرب من المحال ، ومع هذا الخيال ، فقد حدثنا التاريخ أن الصبر ،والثبات ، والحكمة ، والأناة،وصلت بهذه النهضات الضعيفة النشأة القليلة الوسائل إلى ذروة ما يرجوا القائمون بها من توفيق ونجاح ....! ومن ذا الذي كان يصدق أن الجزيرة العربية وهي تلك الصحراء الجافة المجدبة تنبت النور والعرفان .. ! وتسيطر بنفوذ أبناءها الروحي والسياسي ، على أعظم دول العالم ؟ ومن ذا الذي كان يظن أن أبا بكر ، وهو ذلك القلب الرقيق اللين ، وقد انتقض الناس عليه وحار أنصاره في أمرهم ، يستطيع أن يخرج في يوم واحد أحد عشر جيشا تقمع العصاة ، وتنتقم من المرتدين ، وتستخلص حق الله في الزكاة من المانعين ؟ '( رسالة إلى أي شيء ندعو الناس ).


دراسة التاريخ الإسلامي

لقد أدرك الأستاذ البنا عليه رحمة الله أن بداية إنشاء هذه الأمة كان بفضل التوجيه الرباني الذي خصها الله به ، وأكد أنها كانت بداية صحيحة ،ومتينة ، و أن وضوح ، وقوة مبادئها الأولى هو الذي شكل لها الإطار الحضاري الذي ، ارتسمت في داخله معالم هذه الأمة الوليدة فقال :

'منذ ألف و ثلاثمائة سنة و سبعين عاما نادى محمد بن عبد الله النبي الأمي في بطن مكة و على راس الصفا :'(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (لأعراف:158) .

فكانت تلك الدعوة الجامعة حدا فاصلا في الكون كله , بين ماض مظلم , و مستقبل باهر مشرق , و حاضر زاخر سعيد , و إعلانا واضحا مبينا لنظام جديد شارعه الله العليم الخبير و مبلغه محمد البشير النذير , و كتابه القرآن الواضح المنير , و جنده السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار , و الذين اتبعوهم بإحسان , و ليس من وضع الناس , و لكنه صبغة الله , و من أحسن من الله صبغة : (مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ , صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ) (الشورى:52-53) .

على قواعد هذا النظام الاجتماعي القرآني الفاضل قامت الدولة الإسلامية الأولى تؤمن به إيمانا عميقا و تطبقه تطبيقا دقيقا و تنشره في العالمين ...و كانت الوحدة بكل معانيها و مظاهرها شملت هذه الأمة الناشئة , فالوحدة الاجتماعية شاملة بتعميم نظام القرآن و لغة القرآن , و الوحدة السياسية شاملة في ظل أمير المؤمنين و تحت لواء الخلافة في العاصمة , و لم يحل دونها أن كانت الفكرة الإسلامية فكرة لا مركزية في الجيوش , و في بيوت المال , و في تصرفات الولاة , إذ أن الجميع يعملون بعقيدة واحدة و بتوجيه عام متحد .

و لقد طردت هذه المبادئ القرآنية الوثنية المخرفة في جزيرة العرب و في بلاد الفرس فقضت عليها , و طاردت اليهودية الماكرة فحصرتها في نطاق ضيق و قضت على سلطانها الديني و السياسي قضاء تاما , وصارعت المسيحية حتى انحصر ظلها في قارتي آسيا و أفريقيا و انحازت إلى أوربا في ظل الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية , و تركز بذلك السلطان الروحي والسياسي بالدولة الإسلامية في القارتين العظيمتين , و ألحت بالغزو على القارة الثالثة تهاجم القسطنطينية من الشرق وتحاصرها حتى يجهدها الحصار , و تأتيها من الغرب فتقتحم الأندلس وتصل جنودها المظفرة إلى قلب فرنسا و إلى شمال و جنوب إيطاليا , و تقيم في غرب أوربا دولة شامخة البنيان مشرقة بالعلم و العرفان , و يتم لها بعد ذلك فتح القسطنطينية نفسها وحصر المسيحية و حصر المسيحية في هذا الجزء المحدود من قلب أوربا , وتمخر الأساطيل الإسلامية عباب البحرين الأبيض و الأحمر فيصير كل منهما بحيرة إسلامية , وتقبض قوات الدولة الإسلامية بذلك على مفاتيح البحار في الشرق والغرب وتتم لها السيادة البرية و البحرية .

وقد اتصلت بغيرها من الأمم ، ونقلت كثيراً من الحضارات ، ولكنها تغلبت بقوة إيمانها ومتانة نظامها عليها جميعاً ، فعربتها أو كادت ، واستطاعت أن تصبغها وأن تحملها على لغتها ودينها بما فيهما من روعة وحيوية وجمال ، ولم يمنعها أن تأخذ النافع من هذه الحضارات جميعاً ، من غير أن يؤثر ذلك في وحدتها الاجتماعية أو السياسية .( رسالة بين الأمس واليوم ) .

إلى هنا نصل إلى نهاية هذه الفقرة من الدراسة ، ولقاءنا بكم يتجدد في رصد الأسس المنهجية التي بنى عليها الإمام البنا رؤيته لنهضة الأمة إن شاء الله .