رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة (4)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٦:٥٠، ٥ مايو ٢٠١١ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة (4)

بقلم / أ. عبد المنعم الشريف


مقدمة

الإمام حسن البنا

في ما يلي عرض مبسط لما مرّ بنا في ثنايا هذه الدراسة:

1. الغرض من الدراسة .

2. الأسس المنهجية لمشروع النهضة عبد البنا ...التفكير في التحديات /دراسة التاريخ والواقع /دراسة حركات النهضة والتغير / دراسة تاريخ الأمم الناهضة .

3. إمكانية النهوض ../ دلالات النهوض .

4. قوانين النهضة عند الإمام .

5. كيفية التعامل مع السنن والقوانين .

بعد هذه السياحة ،مع التاريخ ، والواقع ، والاستعداد للنهوض ، يخلص الأستاذ البنا إلى أن هذه المعرفة ليست للتخزين ، وإنما للتحريك والدفع ، لإقامة مشروع النهضة المبتغاة فيقول :

فعلى هذه الدعائم القوية أسسوا نهضتكم و أصلحوا نفوسكم و ركزوا دعوتكم و قودوا الأمة إلى الخير و الله معكم و لن يتركم أعمالكم ' ( رسالة المؤتمر الخامس ) .

ونفقه من ذلك أن ما يدعوا إليه الأستاذ البنا ، هو إعادة إحياء المفهوم الشامل للإسلام بالدعوة إليه ، و المصابرة في سبيل أن يصل إلى كل الناس ، و أن لا خروج من المأزق الراهن إلا بإعادة الإسلام إلى حياتهم متفاعلا مع كل شؤونها ، ومتصلاً بكل مناحيها ، وحاديهِ في ذلك كله ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) .

إن الاعتقاد السائد بأن الجهود الفردية كفيلة بأن تحقق للأمة نهضتها المرجوة هو ضرب من الخيال ، وإن الحثّ على الاعتزال ، وإشاعة الخوف من العمل الجماعي المنظّم ، إنما جاء مخالفا لما يمليه الواقع ، وتقتضيه المصلحة .

لم يكن الأمام البنا رحمة الله بدعاً من الدعاة ، فقد أيقن أن النصر لهذا الدين ، وأيقن كذلك أن هذا النصر لم يكن ليتحقق إلا بتوفيق الله وتأييده أولاً ، وبالصبر على العمل له ثانياً ، ومن متطلبات الصعود إلى تلك الغاية توحيد الجهود ، ورص الصفوف ، واقتسام الحمل ، وبذل الوسع ، وما النصر إلا من عند الله .

وفي الصفحات القادمة نبين رؤية البنا للمشروع النهضوي الإسلامي ، والذي ينحصر في غايتين أساسيتين ، ولا تتحقق إحداهما إلا بتحقيق الأخرى وهما :

1. الدعوة .. (تنظيم الجهود) .

2. الدولة .. (الكيان السياسي) .


الدعوة لمشروع النهضة

لمن أراد أن يتعرف على فكر الإخوان ، ولمن الْتبست عليه المفاهيم والدلالات ، ولمن أراد أن يستوضح من رؤية الإخوان للنهوض ، فعليه أن يقرأ السطور القادمة ، فهي محاولة لتحقيق هذا الغرض ، ولعلي أنتهز الفرصة هنا وأدعو كل من أراد أن ينتقد أو يضيف أو يعلق فالأمر متاح للجميع ، وليس لدينا ما نخفيه ، وأشدد بأننا نريد الذي ينازع ، ويحاور ، ويناقش وسوف لن نضيق ذرعا بذلك بحول الله وقوته .

لقد قامت دعوة الإخوان على أسس الإسلام ، ومنه وبه كانت كل منطلقاتها ، وفيما يلي نورد أسس وخصائص هذه الدعوة كما قررها البنا عليه رحمة الله .


الأساس الفكري لدعوة الإخوان

يقول رحمه الله أن :

من الحق أيها الأخوان أن نذكر أمام هذه العقبات جميعاً أننا ندعو بدعوة الله وهي أسمي الدعوات ، وننادي بفكرة الإسلام وهي أقوي الفكر ، ونقدم للناس شريعة القرآن وهي أعدل الشرائع , (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً) (البقرة:138) , وأن العالم كله في حاجة إلى هذه الدعوة وكل ما فيه يمهد لها و يهيئ سبيلها ، وأننا بحمد الله براء من المطامع الشخصية بعيدون عن المنافع الذاتية ، ولا نقصد إلا وجه الله وخير الناس ولا نعمل إلا ابتغاء مرضاته ، وإننا نترقب تأييد الله ونصره الله فلا غالب له : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ) (محمد:11) . فقوة دعوتنا وحاجة إليها ونبالة مقصدنا وتأييد الله إيانا هي عوامل النجاح التي لا تثبت أمامها عقبة ولا يقف في طريقها عائق : (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21) .

ثم يقول :

'لقد آمنا إيمانا لا جدال فيه ولا شك معه، واعتقدنا عقيدة أثبت من الرواسي وأعمق من خفايا الضمائر، بأنه ليس هناك إلا فكرة واحدة هي التي تنقذ الدنيا المعذبة وترشد الإنسانية الحائرة وتهدي الناس سواء السبيل، وهي لذلك تستحق أن يضحى في سبيل إعلانها و التبشير بها وحمل الناس عليها بالأرواح والأموال وكل رخيص وغال، هذه الفكرة هي الإسلام الحنيف الذي لا عوج فيه ولا شر معه ولا ضلال لمن اتبعه:

( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18 ) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ..) ( آل عمران ) .

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا )( المائدة.. 3 )

ففكرتنا لهذا إسلامية بحتة، على الإسلام ترتكز ومنه تستمد وله تجاهد وفي سبيل إعلاء كلمته تعمل. لا تعدل بالإسلام نظاماً، ولا ترضى سواه إماماً، ولا تطيع لغيره أحكاما'.

( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ).. ( آل عمران85 -) (رسالة أيها الشباب) .


الخصائص الفكرية لدعوة الإخوان

1. الربانية

وفي ذلك يقول الأستاذ البنا :

أما أنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعاً، أن يتعرف الناس إلى ربهم، وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانيةً كريمةً تسمو بأنفسهم عن جمود المادة الصماء و جحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها.

ونحن الإخوان المسلمين نهتف من كل قلوبنا: 'الله غايتنا' فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديد هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى والتي نسوها فأنساهم الله أنفسهم... (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21).

وهذا في الحقيقة هو المفتاح الأول لمغاليق المشكلات الإنسانية التي أوصدها الجمود والمادية في وجوه البشر جميعاً فلم يستطيعوا إلى حلها سبيلاً، وبغير هذا المفتاح فلا إصلاح..(رسالة دعوتنا في طور جديد) .


2. العالمية

وأما أنها عالمية فلأنها موجهة إلى الناس كافة لأن الناس في حكمها إخوة: أصلهم واحد، وأبوهم واحد، ونسبهم واحد، لا يتفاضلون إلا بالتقوى وبما يقدم أحدهم المجموع من خير سابغ وفضل شامل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1). فنحن لا نؤمن بالعنصرية الجنسية ولا نشجع عصبية الأجناس والألوان، ولكن ندعو إلى الأخوة العادلة بين بنى الإنسان.. (رسالة دعوتنا في طور جديد) .


3. التميّز

وفي رسالة المؤتمر الخامس ، يقرر الأستاذ البنا خاصية التميز فيقول :

' واسمحوا لي أيها السادة أن أستخدم هذا التعبير ( إسلام الإخوان المسلمين ) ، ولست أعني به أن للإخوان المسلمين إسلاماً جديداً غير الإسلام الذي جاء به سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم عن ربه ، وإنما أعني أن كثيراً من المسلمين في كثيراً من العصور خلعوا على الإسلام نعوتاً وأوصافاً وحددوا رسوماً من عند أنفسهم ، واستخدموا مرونته وسعته استخداما ضاراً ، مع أنها لم تكن إلا للحكمة السامية ، فاختلفوا في معنى الإسلام اختلافا عظيماً ، وانطبعت في الإسلام في نفوس أبنائه صور عدة تقرب أو تبعد أو تنطبق على الإسلام الأول الذي مثله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه خير تمثيل . وهكذا اتصل الإخوان بكتاب الله واستلهموه و استرشدوه ، فأيقنوا أن الإسلام هو هذا المعنى الكلي الشامل ، وأنه يجب أن يهيمن على كل شئون الحياة وأن تصطبغ جميعها به وأن تنزل على حكمه وأن تساير قواعده وتعاليمه وتستمد منها ما دامت تريد أن تكون مسلمة إسلاماً صحيحاً .. (رسالة المؤتمر الخامس) .


4. الشمولية

وفي تحديده لهذه الخاصية ، يفصل الأستاذ البنا فيقول:

' كان من نتيجة هذا الفهم العام الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة ، وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الفكرة الإصلاحية ، وأبح كل مصلح مخلص غيور يجد فيها أمنيته ، والتقت عندها آمال محبي الإصلاح الذين عرفوها وفهموا مراميها ، وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك ، إن الإخوان المسلمين : دعوة سلفية ، وطريقه سنية ، وحقيقة صوفية ، وهيئة سياسية ، وجماعة رياضية ، وروابط علمية ثقافية ، وشركة اقتصادية ، وفكرة اجتماعية . وهكذا نرى أن شمول معنى الإسلام قد أكسب فكرتنا شمولاً لكل مناحي الإصلاح ووجه نشاط الإخوان إلى كل هذه النواحي ، وهم في الوقت الذي يتجه فيه غيرهم إلى ناحية واحدة دون غيرها يتجهون إليها جميعاً ، يعلمون أن الإسلام يطالبهم بها جميعاً'..(رسالة المؤتمر الخامس).

ويلخص الأستاذ البنا معنى هذه الخاصية بقوله :

' الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً ، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة ، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة ، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء ، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى ، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة ، كما هو عقيد صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء '... ( رسالة التعاليم ) .

ولتأكيد هذه الخاصية فكراً وسلوكاً لجميع البشر ، يقول الأستاذ البنا :

' .. ولكنا أيها الناس : فكرة وعقيدة ، ونظام ومنهاج ، لا يحدده موضوع ولا يقيده جنس ، ولا يقف دونه حاجز جغرافي ، ولا ينتهي بأم حتى يرث الله الأرض ومن عليها ذلك لأنه نظام رب العالمين ، ومنهاج رسوله الأمين ) .. (رسالة تحت راية القرآن).


5. العلمية

ولتأكيد ضرورة العلم في مشروع النهضة ، يقول الأستاذ [البنا] :

'كما تحتاج الأمم إلى القوة كذلك تحتاج إلى العلم الذي يؤازر هذه القوة ويوجهها أفضل توجيه ، ويمدها بما تحتاج إليه من مخترعات ومكتشفات ، والإسلام لا يأبى العلم بل يجعله فريضة من فرائضه كالقوة يناصره ، .... و قد وزن الإسلام مداد العلماء بدم الشهداء ، ولازم القرآن بين العلم والقوة في هاتين الآيتين الكريمتين.. فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) ...(التوبة : 122-123) .. ولم يفرق القرآن بين علم الدنيا وعلم الدين ، بل أوصى بها جميعاً ، وجمع علوم الكون في آية واحدة ، وحث عليها وجعل العلم بها سبيل خشيته وطريق معرفته ، وذلك في قوله تعالى( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) (فاطر : 27- 28)...(رسالة نحو النور) .


6. العقلانية

وعن هذه الخاصية يقول الأستاذ البنا :

' أيها الإخوان السلمون : ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول ، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف وألزموا الخيال صدق الحقيقة الواقع ،واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة . ولا تميلوا كل الميل فتذروها المعلقة ، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة ، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها . واستعينوا ببعضها على بعض وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد .. (رسالة المؤتمر الخامس).


7. الاستقلالية

وعن هذه الخاصية ، يؤكد الأستاذ البنا :

' دعوة لا تقبل الشركة إذ أن طبيعتها الوحدة ، فمن استعد لذلك فقد عاش بها وعاشت به ، ومن ضعف على هذا العبء فسيحرم ثواب المجاهدين ويكون من المخلفين ويقعد مع القاعدين ، ويستبدل الله لدعوته قوماً آخرين...( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) (المائدة :54) ...(رسالة دعوتنا).


8. العملية

وعن وصف العملية ، يحدد الأستاذ البنا أسبابها الرئيسية فبقول :

'وأما إيثار الناحية العملية على الدعاية وإعلانات ، فقد أثارها في نفس الإخوان ودعا إليها في مناهجهم أمور : منها ما جاء في الإسلام خاصة هذه الناحية بالذات ، ومخافة أن تشوب هذه الأعمال شوائب الرياء فيسرع إليها التلف والفساد ، والموازنة بين هذه النظرة وبين ما ورد في إذاعة الخبر . ولأمر به والمسارعة إلي إعلانه ليتعدى نفسه ، وأمر دقيق قلما يتم إلا بتوفيق . ومنها نفور الإخوان الطبيعي من اعتماد الناس على الدعايات الكاذبة والتهريج الذي ليس من ورائه عمل . ومنها ما كان يخشاه الإخوان من معاجلة الدعوة بخصومة حادة أو صداقة ضارة ينتج عن كليهما تعويق في السير أو تعطيل عن الغاية )... (رسالة المؤتمر الخامس).


9. الوسطية

وعن هذه الخاصية يقرر الأستاذ البنا ضرورتها للمشروع الإسلامي فيقول :

'هذا الإسلام الذي بني على المزاج المعتدل و الإنصاف البالغ ، والمسلمون اليوم بحاجة أكيدة لهذه الخاصية ، تمكنهم من تقديم فكرتهم ومشروعهم الإسلامي كنموذج حضاري بديل للبشرية كلها يكون شاهد عليها ، مصداقاً لقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة : 143) ...(رسالة نحو النور) .


الجذور التاريخية للمشرع الحضاري للإخوان

بعد الحديث عن الخصائص الفكرية التي تميزت بها فكرة الإخوان ،والتي مثلت جوهر المشروع الحضاري الذي دعا إليه الإمام البنا ، نتجه بعد ذلك للحديث عن الجذور التاريخية التي استمد منها (مشروع النهضة) شرعيته ، وبيان مكانه في سلسلة الامتداد الحضاري الذي مرت به البشرية على مر العصور ، وذلك في فقرتين اثنين وهما :

1. الشرعية التاريخية .

2. الامتداد الحضاري .


الشرعية التاريخية

الإمام حسن البنا

يعتبر الإمام البنا أن دعوة الإخوان ما هي إلا صدىً للدعوة الإسلامية الأولى فيقول :

'فكانت تلك الدعوة الجامعة حداً فاصلا في الكون كله , بين ماض مظلم , و مستقبل باهر مشرق , و حاضر زاخر سعيد , و إعلاناً واضحاً مبيناً لنظام جديد شارعُه الله العليم الخبير و مبلغُه محمد البشير النذير , و كتابه القرآن الواضح المنير , و جنده السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار , و الذين اتبعوهم بإحسان , و ليس من وضع الناس , و لكنه صبغة الله , و من أحسن من الله صبغة :

(مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ , صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ) (الشورى:52-53) .

ثم يستطرد فيقول :

إننا نتحرى بدعوتنا نهج الدعوة الأولى ، ونحاول أن تكون هذه الدعوة الحديثة صدى حقيقياً لتلك الدعوة السابقة التي هتف بها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بطحاء مكة قبل ألف ومئات من السنين ، فما أولانا بالرجوع بأذهاننا وتصوراتنا إلى ذلك العصر المشرق بنور النبوة ، الزاهي بجلال الوحي ، لنقف بين يدي الأستاذ الأول وهو سيد المربين وفخر المرسلين الهادين ، لنتلقى عنه الإصلاح من جديد ، وندرس خطوات الدعوة من جديد ' ( رسالة دعوتنا في طور جديد ) .

ثم يحدد الإمام البنا بوضوح شديد نوعية هذه الدعوة الجديدة، ويبين بوضوح شديد أيضا المعنى الأساس الذي جمع الإخوان ، والهدف الرئيس الذي سيسعون إلى تحقيقه فيقول :

أحب أن تتبينوا جيدًا من أنتم في أهل هذا العصر؟ .. وما دعوتكم بين الدعوات.. وأية جماعة جماعتكم.. ولأي معنى جمع الله بينكم ووحد قلوبكم ووجهتكم، وأظهر فكرتكم في هذا الوقت العصيب الذي تتلهف فيه الدنيا إلى دعوة السلام والإنقاذ.

فاذكروا جيداً أيها الإخوة.. أنكم الغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس، وأنكم العقل الجديد الذي يريد الله أن يفرق به بين الحق والباطل في وقت التبس عليها فيه الحق بالباطل، وأنكم دعاة الإسلام، وحملة القرآن، وصلة الأرض بالسماء، وورثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفاء صحابته من بعده، فَضُلَتْ دعوتكم عن الدعوات، وسمت غايتكم علي الغايات، واستندتم إلى ركن شديد، واستمسكتم بعروة وثقى لا انفصام لها، وأخذتم بنور مبين وقد التبست علي الناس المسالك وضلوا سواء السبيل، والله غالب على أمره.' ( رسالة المؤتمر السادس ) .

( فما أولانا بالرجوع بأذهاننا وتصوراتنا إلى ذلك العصر المشرق بنور النبوة )... ( لنتلقى عنه الإصلاح من جديد ، وندرس خطوات الدعوة من جديد) ..بهذا يتبين بوضوح أن الرجوع إلى نهج الدعوة الأولى عند الأمام البنا هو الأساس لشرعية هذه الدعوة ، وأنه( لا ) صلاح لهذه الأمة إلا باتباع نهج مؤسسها الأول صلوات ربي وسلامه عليه .


الإمتداد الحضاري

إن القضية الأساسية للأمة اليوم ليست في ضياع الأرض ، فلطالما ضاعت الأرض ثم استعيدت ، ولكن القضية الأساسية وجوهر الصراع هو مدى قدرتها على استعادة شهودها الحضاري ، وحضورها الشاهد كما قدر الله لها أن تكون بين الأمم ، وفي هذا السياق يبين الإمام البنا مكانة هذه الأمة ، ويبين للإخوان الأصول الحضارية التي بنيت عليها دعوتهم ، والجذور المدنية التي خُصت بها أمتهم ، والمكانة الربانية التي حضيت بها أرضهم ، وذلك حتى لا يظن واهم أننا بدعا من الأمم .

وفي هذا يقول الأستاذ البنا :

نحن أمة عظيمة مجيدة تجر ورائها أقدم وأفضل ما عرف التاريخ من دلائل ومظاهر الفخار والمجد ..لقد ورثنا هذا الإسلام الحنيف واصطبغنا به صبغة ثابتة قوية تغلغلت في الضمائر والمشاعر ولصقت بحنايا الضلوع وشغاف القلوب ..هذا الإسلام ، عقيدته ، ونظمه ، ولغته ، وحضارته ، ميراث عزيز غال علينا ... وهذه مشاعرنا لا تهتز لشيء اهتزازها للإسلام وما يتصل بالإسلام ،كل ذلك حق ، ولكن هذه الحضارة الغربية قد غزتنا غزوا قويا عنيفا بالعلم والمال ، وبالسياسة ، والترف ، والمتعة ،واللهو ، وضروب الحياة الناعمة ، العابثة ، المغرية التي لم نكن نعرفها من قبل ' ( رسالة ..دعوتنا في طور جديد )

وبهذه المشاعر الثلاثة : الإيمان بعظمة الرسالة والاعتزاز باعتناقها والأمل في تأييد الله إياها ، أحياها الراعي الأول صلى الله عليه وسلم في قلوب المؤمنين من صحابته بإذن الله , وحدد لهم أهدافهم في هذه الحياة ، فاندفعوا يحملون رسالتهم محفوظة في صدورهم أو مصاحفهم ، بادية في أخلاقهم وأعمالهم معتدين بتكريم الله إياهم واثقين بنصره وتأييده , فدانت لهم الأرض وفرضوا علي الدنيا مدنية المبادئ الفاضلة وحضارة الأخلاق الرحيمة العادلة ، وبدلوا فيها سيئات المادية الجامدة إلى حسنات الربانية الخالدة , ويأبى الله إلا أن يتم نوره ' . ( رسالة ..دعوتنا في طور جديد )

ثم يؤكد الأستاذ البنا أننا مبعث المدنيات ، وأن مشرقنا مهبط الرسالات فيقول :

'ومن جهة أخري فإن هذا الشرق الذي وضع في صف المخربين والمدمرين هو مبعث المدنيات ومشرق الحضارات ومهبط الرسالات ، وهو مُفيض ذلك كله علي الغرب ، لا ينكر هذا إلا جاحد مكابر . ومثل هذه المزاعم الباطلة إنما هي نزوات من غرور الإنسان وطيش الوجدان لا يمكن أن تستقر علي أساسها نهضات أو تقوم على قاعدتها مدنيات , وما دام في الناس من يشعر بمثل هذا الشعور لأخيه الإنسان فلا أمن ولا سلام ولا اطمئنان حتى يعود الناس إلى علم الأخوة فيرفعونه خفاقاً ، ويستظلون بظله الوارف الأمين ، ولن يجدوا طريقاً معبدة إلى ذلك كطريق الإسلام الذي يقول كتابه :

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13) .

ويقول نبيه صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من دعا إلى عصيبة ، وليس منا من مات علي عصيبة..) رواه أحمد من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه .

ويبين الأستاذ البنا حجم التحدي الذي تواجهه الأمة إذا أرادت إثبات حضورها بين الأمم فيقول :

لقد شاءت لنا الظروف أن ننشأ في هذا الجيل الذي تتزاحم فيه الأمم بالمناكب ، وتتنازع البقاء أشد التنازع ، وتكون الغلبة دائما للقوي السابق ، وشاءت لنا الظروف كذلك أن نواجه نتائج أغاليط الماضي ونتجرع مرارتها ، وأن يكون علينا رأب الصدع ، وجبر الكسر ، وإنقاذ أنفسنا وأبناءنا ، واسترداد عزتنا ومجدنا ، وإحياء حضارتنا وتعاليم ديننا '( رسالة هل نحن قوم عمليون .؟ ) .

ولكن حركة البندول الحضاري لن تتوقف فيقول رحمه الله :

لقد كانت قيادة الدنيا في وقت ما شرقية بحتة، ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان غربية، ثم نقلتها النبوات الموسوية والعيسوية والمحمدية إلى الشرق مرة ثانية، ثم غفا الشرق غفوته الكبرى، ونهض الغرب نهضته الحديثة، فكانت سنة الله التي لا تتخلف، وورث الغرب القيادة العالمية، وها هو ذا الغرب يظلم ويجور ويطغى ويحار ويتخبط، فلم تبق إلا أن تمتد يد 'شرقية' قوية، يظللها لواء الله، وتخفق على رأسها راية القرآن، ويمدها جند الإيمان القوي المتين، فإذا بالدنيا مسلمة هانئة، وإذا بالعوالم كلها هاتفة: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ) (لأعراف:43).

ليس ذلك من الخيال في شيء، بل هو حكم التاريخ الصادق، إن لم يتحقق بنا، (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (المائدة:54).

بيد أننا نحرص على أن نكون مما يحوزون هذه الفضيلة، ويكتبون في ديوان هذا الشرف، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (القصص:68).

وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذا الجزء ، وسوف نتناول بإذن الله في الجزء القادم :(مرجعية مشروع النهضة)

للإطلاع على باقي الأجزاء:


للمزيد عن دور الإخوان في الإصلاح

كتب متعلقة

من رسائل الإمام حسن البنا

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

الإصلاح السياسي:

الإصلاح الإجتماعي ومحاربة الفساد:

تابع مقالات متعلقة

رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة

قضايا المرأة والأسرة:

الإخوان وإصلاح التعليم:

موقف الإخوان من الوطنية:

متفرقات:

أحداث في صور

.

للمزيد عن الإمام حسن البنا

Banna banner.jpg