رجل دخل التاريخ من أوسع أبوابه

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:٥٦، ٢٤ أكتوبر ٢٠١٠ للمستخدم Admin (نقاش | مساهمات) (((رجل دخل التاريخ من أوسع أبوابه )) تم نقلها إلى رجل دخل التاريخ من أوسع أبوابه)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث

((رجل دخل التاريخ من أوسع أبوابه ))

صالح عشماوي***لقد اختلف الناس في حسن البنا-وكذلك الشأن في كل عظيم- فمنهم من قدرة حق قدره، ومنهم من ظلمه واتهمه وحاربه في نفسه وفي دعوته .. ثم، أفضى الرجل إلى ربه، واستشهد وهو يجاهد لتأدية رسالته فإذا بالذين عرفوا قدره وشهدوا بفضله في حياته، يزدادون له تقديراً وتعظيماً، وإذا بالذين سخروا منه وحاربوه في حياته، يعظمونه بعد مماته ويؤمنون بدعوته بعد وفاته!

بقلم: صالح عشماوي

لقد اختلف الناس في حسن البنا-وكذلك الشأن في كل عظيم- فمنهم من قدرة حق قدره، ومنهم من ظلمه واتهمه وحاربه في نفسه وفي دعوته .. ثم، أفضى الرجل إلى ربه، واستشهد وهو يجاهد لتأدية رسالته فإذا بالذين عرفوا قدره وشهدوا بفضله في حياته، يزدادون له تقديراً وتعظيماً، وإذا بالذين سخروا منه وحاربوه في حياته، يعظمونه بعد مماته ويؤمنون بدعوته بعد وفاته!

وقد مضت على استشهاده سنوات طويلة، ما زال اسم "حسن البنا" ملء السمع والبصر، وإذا بذكره يزداد على الأيام خلوداً ولا تمتد إليه يد النسيان. ونحن الذين عاصرنا حسن البنا وعشنا معه، وتلقينا عنه وكنا نقدره في حياته، قد أحسسنا بالفجيعة فيه والمصيبة في موته حين تلقينا نبأ مصرعه واستشهاده، وها نحن بعد هذه الفترة الطويلة من الزمن التي غاب فيها عنا وحرمنا من نوره، وافتقدنا قلبه الملهم وعقله الراجح وعلمه الراسخ، أكثر تقديراً لعظمة الرجل ومواهبه وأشد إحساساً بالفجيعة فيه والوحشة من بعده!

وسينمو إحساسنا بالفجيعة في الراحل الكريم، ولن ينفد الكلام عن حسن البنا أبداً، فقد كان في حياته فكرة حية تسعى بين الناس، وهو في مماته سيرة متجددة تفيض بالعبر والعظات على مر الأيام وتعاقب الأعوام ونحن إذا أردنا أن نكتب عن أمامنا ومرشدنا ونتعرض لهذا السفر الخالد من العظمة، وجدنا أنفسنا في بحر من الذكريات، وتواثبت في أذهاننا المعاني والعبارات، ووقعنا في حيرة واضطراب من أي ناحية نتناول "حسن البنا" وقد كان عظيماً في كل ناحية من نواحيه؟ وعن أي صلة نتحدث وقد تعددت الصلات وتوثقت العلاقات؟ أنتحدث عن حسن البنا "المربى" وقد كان كل منا يشعر أنه يقف منه موقف المريد من شيخه وقد أسلم له القياد ليأخذ بيده إلى الله وإلى طريق الحق والخير والطهر والصفاء! أم نتحدث عن حسن البنا (المعلم) وليس فينا إلا من تتلمذ على يديه، وتعلم منه وتلقى عنه، وجدد إيمانه وصحح فهمه للإسلام عن طريق دروسه ومحاضراته ورسائله؟ أم نتحدث عن حسن البنا "الوالد" وقد كان كل واحد منا يجد فيه أباً رحيماً ووالداً عطوفاً يسهر على راحته ويهتم بشئونه الخاصة حتى كأنه وحده الابن الوحيد لهذا العائل الكبير؟!

أم نتحدث عن حسن البنا "الزعيم" و "القائد" وكنا إذا ادلهمت الأمور والتبست الحقائق، وجدنا في عقله الذكي وقلبه النقي أيسر الحلول لأعقد المشاكل وأوسط الطرق إذا تعددت المسالك؟! وحسبه أنه قد شق طريق دعوته في وسط الصخور وحول الأشواك في طريقه إلى زهور، وقاد السفينة وسط العواصف والأنواء وسارت في تقدم وازدهار ومن نجاح إلى نجاح حتى شاعت وذاعت وملأت الأسماع والبقاع وأصبح اسم "الأخوان المسلمين" يتردد في الشرق والغرب على السواء!


كان طاقة جبارة

لقد كان حسن البنا طاقة بشرية جبارة: طاقة روحية أضاءت كل قلب مظلم اتصلت به وأشعلت نور الإيمان في نفس كل مؤمن من تيارها السيال، طاقة بلغ من قوتها أنها أحيت ميت الآمال في نفوس البائسين، وهونت كل تضحية في نفوس المؤمنين! وكان حسن البنا طاقة علمية ممتازة كونت مدرستها وخرجت تلاميذها وجددت معاني الإسلام وبددت كثيراً من الأوهام. وكان حس البنا طاقة عاطفية فياضة جياشة، مرهفة الإحساس رقيقة الشعور فكان يحس بآلام أخوانه وأتباعه وإن أخفوها بين الجوانح وفي حبات القلوب وكان يعينه على ذلك قلبه الرحيم وذاكره قوية جبارة!

وكان حسن البنا طاقة ضخمة من الحكمة والكياسة، وعبقرية فذة في فن القيادة والسياسة .. وحسبه أنه استطاع أن يقود دعوته ويسير بجماعته تحت سمع المستعمرين وبصرهم، وتحت أنف المتزعمين وأحزابهم، ولم يشعروا بها ولم يدركوا خطرها على أهوائهم ومطامعهم إلا بعد أن امتدت جذورها واستوت على سوقها وصلب عودها وبدأت تؤتى ثمارها بإذن ربها.

لقد استطاع حسن البنا أن يقنع بدعوته الأمي والمتعلم، الفلاح والعامل، الموظف والطالب، الفقير والغني، الشيخ والشاب الفتي، وتبدو عظمة حسن البنا "القائد" في أنه استطاع أن يقود هذه المجموعات المختلفة والطبقات المتباينة في الثقافة والعلم، في المال والجاه، بل في فهمها للفكرة وإيمانها بالدعوة، في وحدة منسجمة وفي صف ملتئم مستو، لاعوج فيه ولا أمتا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.

وقد استطاع حسن البنا أن يربي جيلاً من الشباب المؤمن الذي تفتقده في صالات الرقص وحانات الخمور، ولكنك تجده في المساجد أمام المحاريب والذي لا يقطع الليل في لعب الميسر، والسهرات الحمراء في دور الفجور، ولكنه يقطعه في التسبيح والتهجد وتلاوة القرآن في جوف الليل وساعات السحر. ثم هم مع هذا يزهدون في الدنيا بما فيها من متاع وغرور، ولا يحرصون على جمع المال من حلال أو حرام، بل أنهم يقتصدون من قوتهم ويقتطعون من ضروراتهم لينفقوا في سبيل الله وليوصلوا الخير والإحسان إلى مواطنيهم، ثم هم قد باعوا أنفسهم وأموالهم لله، فما كاد نفير الجهاد لفلسطين وللقتال يدوي حتى تسابقوا للتطوع، وهرعوا إلى الميدان، يبسطون أيديهم بالمال بسط الكهرباء ويبذلون أرواحهم بذل الشهداء.. لقد كتبوا بدمائهم صفحة من المجد والفخار ردت إلى المسلمين اعتبارهم، وأكدت أن الإسلام يصنع الرجال ويقدم الأبطال في كل عصر وزمان ولو لم يكن لحسن البنا من فضل إلا أنه استطاع أن يربي هذا الشباب الفدائي المجاهد في هذا العصر المادي الفاسد، لكفاه فخراً، ولطاول به كل مرب ومصلح على مر الدهور.

ترك على الدرب رجالا

ولقد أثبتت الأيام عبقرية حسن البنا ففي عهد الظلم والطغيان تعرض أنصاره واتباعه لأشد فتنة وأعظم بلاء، وانصب عليهم من الاضطهاد والعذاب ما لو سلط على جبل لاندك وانهار، تعرضوا للاعتقال والسجن والتشريد، وللضرب الوحشي والتعذيب، وحوربوا في أرزاقهم وهددوا في أعراضهم، وسقط شهداؤهم واحداً بعد واحد فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا بل خرجوا من محنتهم وهم على العهد ثابتون، وسبيل دعوتهم يجاهدون، حتى يعيشوا في ظل الإسلام وحكم القرآن سادة أعزاء أو يلقوا الله أبطالاً شهداء.

رحم الله حسن البنا فقد سبق سبقاً بعيداً، ويتعب من بعده تعباً شديداً .. كان عليماً بأسرار النفوس عظيماً في التربية، عبقرياً في البناء .. وجزاه عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

كان فذا قلما يجود بمثله الزمان، وهو لم يمت بل حي عند ربه، وحي في قلوب أتباعه، وحي بآثاره ودعوته التي لن تموت. لقد دخل التاريخ من أوسع أبوابه وسيبقى ذكره خالداً ما بقي الإسلام، وأنه لباق إلى يوم الدين.

اللهم عوضنا فيه خيراً، وانفعنا بدروسه وآثاره واختم لنا بالشهادة مثله، واحشرنا وإياه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.