رحل العسال.. الرجل والعبقري الحكيم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
مراجعة ١٧:٤٤، ٧ يونيو ٢٠١١ بواسطة Attea mostafa (نقاش | مساهمات) (حمى "رحل العسال.. الرجل والعبقري الحكيم" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
رحل العسال.. الرجل والعبقري الحكيم
العسال والوتعى.jpg

بقلم: أ. د. توفيق الواعي

أخيرًا قضى الله أمره برحيل الرجل عن الحياة، وبلغ الكتاب أجلَه بنَفَد الأجل وانقضاء العمر، وهذا سبيل كل حي ونهايةُ كل إنسان و﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38)﴾ (الرعد).

وأخيرًا انطفأ الشهاب المضيء المبهر، وخبت الشعلة المتقدة، وغاب النجم الساطع، وتوارت الحكمة الرشيدة، وسكت الصوت الذي كان دائمًا يهدي الحائرين، ويُرشد الضالِّين، ويُسدِّد السائرين إلى الطريق القويم.

أجل..

مات المجاهد العالم الداعية المربي أحمد العسال عن 83 عامًا، قضاها في الدعوة إلى الله، وقطعها في جلاد ونزال، لا يهدأ ولا يلين مع محاربي الإسلام ومعاندي الدعوة إلى الله تعالى..

يا خادم الإسلام أجر مجاهد في الله خلد ومن رضوان

وجدانك الحي المقيم على المدى ولرب حي ميت الوجدان

يا طاهر الغدوات والروحات والخطوات والإسرار والإعلان

علمت شبان المدائن والقرى كيف الحياة تكون في الشبان؟

نشأ أحمد العسال زرعًا طبيعيًّا ناضرًا عبقًا فوَّاحًا في بيئة سليمة، تحمل مواصفات الصدق والصفاء والإخلاص والحب والإيمان؛ حيث كان مولده بقرية الفرستق مركز بسيون بمحافظة الغربية، وحرص والده على تحفيظه القرآن في سنٍّ مبكرة، فأتمَّ حفظ القران كاملاً في سنِّ العاشرة والنصف، وأثناء حفظه للقرآن حصل على الشهادة الابتدائية ثم ألحقه والده بالمعهد الديني بطنطا ليرتشف من رحيق القرآن العلم النافع، الذي يربي الرجولة الحقة، ويزرع الإيمان في القلوب العطشى لليقين، وصدق إقبال؛ إذ يقول:

إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحيِ دينا

ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا

وشاء الله أن يقيِّض للدكتور العسال الرفقة الطيبة، فتزامل هو والدكتور القرضاوي في الدراسة في المعهد الديني، وتوافقت الأرواح وهي جنود مجندة على العمل للإسلام، وصدقت في توجهها، فساق الله هذه الظروف الطيبة التي ألحقتها بدعوة الإسلام العظيمة في العصر الحديث، وهي دعوة الإخوان المسلمين.

يقول القرضاوي في مذكراته "ابن القرية والكتاب": من قرأ تلك المذكرات وجد أكثر الأسماء فيها بإطلاق هو اسم أحمد العسال؛ لأنه رفيق الدرب، وصديق العمر، وشقيق الروح، وأخو الدعوة والصاحب بالجنب في الدراسة، والمحنة والوظيفة منذ نحو ثلثي قرن- 65 عامًا- أو يزيد حين كنا في مقتبل العمر، وفي نظرة الشباب.

ربيب المحن والمعتقلات

كان لا بد أن تبحث الأنظمة الفاسدة والقيادات الخربة عن خلاصة الأمة وعن نبتها الصالح، لا لتكرِّمهم ولكن لتودعهم السجون والمعتقلات، ولتحجبهم عن المجتمع؛ حتى يستمر الفساد والمفسدون، وينتشر الخراب والمخربون، ولهذا كان الشباب الناهض في الأمة يقبع في ظلمات السجون، ونال العسال من هذا هو وزميله القرضاوي الشيء الكثير، فزارا السجون والمعتقلات جميعها، من السجن الحربي والطور وغيرهما من السجون العامة والخاصة في الأقاليم.

ومن الغريب أن العسال وزملاءه من الشباب الناهض تحمَّلوا كل هذا العنت والظلم، وخرجوا منها أبطالاً وعباقرةً وقادةً للثقافة في العالم العربي والإسلامي، رغم أن خصمهم في ذلك كان دولةً بل دولاً، وكان يحظر عليهم الوظائف والمناصب في دولهم، ورغم ذلك يحصلون على الدكتوراه، وتتخطَّفهم المراكز العلمية في العالم؛ لمكانتهم ونبوغهم وتفوقهم في كل شيء، فترى العسال تمتدُّ همَّته- وهو طالبٌ- بالمطالبة بقانون لإصلاح الأزهر، ويلاقي من جرَّاء هذا المطاردة، ثم بعد ذلك شارك هو ومجموعة من زملائه- المطاردين والملاحقين مثل القرضاوي، وعلي عبد الحليم محمود، ومحمد المطراوي، ومحمد الراوي، وصلاح أبو إسماعيل، ومحمد الصفطاوي وغيرهم- في إنشاء لجنة "البعث الأزهري" التي قُضي عليها فيما بعد لاعتقال أفرادها.

ثم لمَّا لاحق العسال وزملاؤه الاعتقالات فرُّوا إلى السعودية فتلقَّفته جامعاتها، ورأس العسال قسم الدعوة في كلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود عام 1984 م، ثم اختير ليكون نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية العالمية، ثم رئيسًا لها، ثم مستشارًا لجامعات اتحاد العالم الإسلامي.. هذا رغم المهام الكثيرة التي كان يشغلها ويُشرف عليها، مثل اتحاد علماء العالم الإسلامي، والهيئة الإسلامية العالمية، هذا عدا الإشراف على تربية 5 آلاف طالب وتربيتهم ورعايتهم رعايةً لصيقةً من شتى بقاع العالم، وغير ذلك الكثير الكثير من المهامِّ، كلُّ هذا رغم تكفله بالدعوة إلى الله، وعشقه لها وتضحيته في سبيلها، وطاعته، وهو القمة لرؤسائها، حتى قال فيه مرشد الإخوان عمر التلمساني: "الدكتور العسال رجلٌ يُمَثِّل نموذجًا للشخصية المسلمة المخلصة القادرة على التأثير بسلوكها في الآخرين، متفائل دائمًا، شديد التأثر بالقرآن الكريم، عميق في إسلامه، صلب في مصريته، وعالميٌّ في أفقه".

كان الرجل يتسم بالوعي المتيقظ، والذكاء الوقَّاد، وكانت الحكمة تهيمن على تصرفاته، وكان من أقواله: "اللبيب من تغافل لا من غفل"، ورغم ذلك كان وقَّافًا عند الحق لا يكتمه، وكان يتمثل قول القائل: من كتم داءً قتله، وكان مُغْرَمًا بمعرفة الناس وحلِّ مشاكلهم متمثلاً قول أبي هريرة: رأس العقل بعد الإيمان التودُّد إلى الناس.

وارتبط العسال برموز الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي، وكان له المنزلة العالية عندهم، وكان الرجل بمعرفته الواسعة وعقله الراجح شاهدًا على عصره، وجزءًا من تاريخ أمته، ورمزًا كبيرًا وعظيمًا من رموز الحركة الإسلامية، بل كان صانعًا الكثير من المواقف والأحداث، كما كان جزءًا من التاريخ الفكري والدعوي لأحوال الأمة وتاريخها المعاصر.

وكان رحمه الله رغم ذلك قمةً في التربية وفي سلوكه وصبره وهدوئه وتواضعه وخلقه.

فالمجد والشرف العظيم صحيفة جعلت لها الأخلاق كالعنوان

أخي أحمد.. لقد هبَّ الجميع جزعًا لموتك، وحزنًا لفراقك، وهيمن جلال الموت وجلال ذكراك على مواقف الجميع وعلى قلوبهم، ولكنها إرادة الله وقضاؤه.

ومشى جلال الموت وهو حقيقته وجلالك المصدوق يلتقيان

والخلق حولك خاشعون كعهدهم إذ ينصتون لخطبة وبيان

في ذمة الله الكريم وبرِّه ما ضمَّ من عُرفٍ ومن إحسان

يا صب دعوة وشهيد غرامها هذا رضى رحمن فنم بأمان

وسلام عليك يوم وُلدت يا أحمد، ويوم متّ، ويوم تُبعث حيًّا.

المصدر

للمزيد عن الدكتور أحمد العسال

وصلات داخلية

كتب متعلقة

متعلقات أخري

مقالات بقلمه

مقالات متعلقة

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

محاضرات صوتية للشيخ

وصلات فيديو