رشيد رضا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٩:٢٦، ٣١ أكتوبر ٢٠١١ للمستخدم Rod (نقاش | مساهمات) (حمى "رشيد رضا" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
محمد رشيد رضا .. رائد العقلانية الإسلامية المعاصرة

موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

إعداد: محمد الصياد

تمهيد

يعد السيد محمد رشيد رضا من رواد النهضة والصحوة الإسلامية المعاصرة ، بما له من إسهامات كبيرة في تقويمها ، وترشيد إطارها .

والسيد رشيد رضا هو صاحب مدرسة كبري تسمي بمدرسة المنار التي مزجت بين عقلانية جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، وبين المدرسة النصية المتمثلة في الوهابية ومدرسة الحديث .

من هاتين المدرستين بلور السيد رشيد رضا فكرته ، وعمل علي تطويرها وإحكامها حتى نضجت وآتت أكلها فأنبتت ثمرا طيبا يسر الناظرين ويشبع الآكلين .

ولقد امتاز منهج السيد رشيد بالعقلانية ، بمعني أنه خفف حدة الخلاف القائمة بين أهل الرأي وأهل الحديث ، وبين العقلانيين –المعتزلة- والنصوصيين –السلفيين- .

وقد خاطب في كتبه ومصنفاته ومناره ، النخبة الإسلامية ، ثم ألقي بهذه البذرة إلي تلميذه الوفي الولي ، الإمام الشهيد حسن البنا رضي الله عنه ، الذي خالف شيخه في فروع بسيطة لكنه كان حسن الذكر للسيد رشيد مقرا له بفضله في تقويم الصحوة الإسلامية بل وبعثها من بعد سكن وراحة بال .

يقول الشيخ الغزالي في كتابه "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين" ص9 ، ط1/الشروق 1997م=1418ه: "ووقف حسن البنا علي منهج محمد عبده وتلميذه صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا ، ووقع بينه وبين الأخير حوار مهذب ، وع إعجابه بالقدرة العلمية للشيخ رشيد ، وإفادته منها ، فقد أبي التورط فيما تورط فيه.

ويجلي الشيخ الغزالي اللثام عن علاقة الإمام الشهيد حسن البنا رضي الله عنه بمدرسة المنار في موضع آخر من كتبه ، فيقول في كتابه "علل وأدوية" 1/122 ، ط/أخبار اليوم : "إن الرجال الثلاثة : جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا هم قادة الفكر الواعي الذكي في القرن الأخير.

والنقيق العالمي الذي يثور ضدهم هو من أشخاص علمهم بالإسلام سطحي ودفاعهم عنه دفاع الدبة التي قتلت صاحبها .

إن صاحب "المنار" –الشيخ رشيد رضا- استوعب مذاهب المفسرين ، من تفسير بالأثر إلي تفسير فقهي ، إلي تفسير بلاغي ، إلي تفسير كلامي ، ومن المختصرات إلي المبسوطات ، ثم ضم إلي ذلك علما بآراء المذاهب الفقهية الكثيرة ، إلي تعقيدات الأصوليين الذين نبغوا في شتى العصور ، إلي ما جد في العالم الإسلامي بعد احتكاكه بالمجتمعات الحديثة .

وقد روي أن أستاذه الشيخ محمد عبده طالع خمسة وعشرين تفسيرا ليستريح إلي معنى آية من آيات الأحكام ، اضطربت فيها الأقوال.

وكان الرجل صاحب فكر متميز ومقولة مدعومة في هذه المعامع العلمية ، فما غره بريق ، ولا هالته كثرة ، وكان بصيرا بعلل الضعف التي انتابتنا ، ومداخل الشيطان في حياتنا ، وكان عميق الشوق إلي إحياء العقل الإسلامي والعودة به إلي نقاء السلف الأول.

والذي أراه أن مدرسة المنار هي المهاد الأوحد للصحوة الإسلامية الحاضرة –وهذه إشارة قوية من الشيخ الغزالي أن مدرسة الإخوان امتداد لمدرسة المنار- وعلي الذين يرفعون القواعد من هذه المهاد أن يتجنبوا بعض الهنات التي فات فيها الصواب إمامنا الكبير ، فما نزعم عصمة له أو لغيره.

قال لي الأستاذ حسن البنا عليه الرضوان : أنه تناقش مع الشيخ رشيد في إحدى القضايا الفقهية ، واتسعت مسافة الخلف بينهما ، ولم يصلا إلي وفاق.

ثم رأيت الأستاذ البنا يصدر صحيفة الشهاب ، ويبدأ باب التفسير ، فإذا هو يستفتح بسورة الرعد ! قلت له : لم هذا البدء ؟ قال : من حيث انتهي الشيخ الكبير محمد رشيد رضا.

قلت في نفسي : لا يعرف الرجال إلا الرجال .

فمدرسة الإخوان المسلمين ، بل الصحوة الحاضرة بأكملها امتداد وثمرة من ثمار مدرسة المنار ، لكن امتازت جماعة الإخوان المسلمين بشعبويتها ، أي بمخاطبتها للجماهير والعامة والكافة ولم تقتصر علي التأليف ومخاطبة الأروقة والنخبة فحسب ، ويبدو أن هذا الجانب موطن الخلف بين الجانبين ، ولا جرم أن تكون ثمة أجنحة وتيارات متباينة داخل المدرسة الواحدة ، واختلاف الرؤى ووجهات النظر.

وقد تفرعت هاته المدرسة وتشعبت وصار لها رجالها الأفذاذ المتقنون المتفننون في سبل النهضة وطرائق التقدم.

ولد الرائد الشيخ محمد رشيد رضا بالقلمون إحدى قري طرابلس الشام ، وتعلم في قريته وفي طرابلس وبيروت ونال العالمية علي منهاج مشابه لمنهج الأزهر.

وجمع في ثقافته بين السلفية والتصوف ، ولما قرأ بعض أعداد مجلة "العروة الوثقي" حدثت له هزة وأصدر المنار التي حملت فكر مدرسة الإحياء والتجديد إلي كل أنحاء العالم الإسلامي علي امتداد أربعين عاما . وترك من التراث ما أهله ليكون أحد أعلام اليقظة الإسلامية المعاصرة .

وهناك مشروع إصلاحي لمدرسة المنار ، فلم يكن الشيخ رشيد رضا مع مزيجه السلفي الصوفي الحركي ، يرضي بوضع أمته بين الأمم ، فبلور لنفسه مشروعا إصلاحيا ، قائما علي الإصلاح العلمي والسياسي والاجتماعي ، وسوف نقف عند معالم هذا المشروع للشيخ رشيد ، ونحاول جاهدين أن نلفت الأنظار إلي عقلية هذا الرجل وإلي الملامح العامة في مشروعه الإصلاحي النهضوي ، ولن نقف علي صنائعه صنيعا صنيعا لأن الاستيعاب ليس من شرطنا ، بل الإيماءة والإيحاء ، كي يقف جيل الصحوة المعاصرة علي المعالم الفكرية الرئيسية للرجالات الذين شيدوا تلك النهضة وشرعوا في إحكامها.

السيد رشيد رضا والديمقراطية

كان للسيد رشيد رضا رحمه الله رؤية باصرة بسبل النهضة وطرائق التقدم ، وكان رحمه الله خبيرا بالفلسفات المعاصرة والأيدلوجيات الحديثة ، ولم يقبلها بالكلية من غير وعي ، وكذلك لم يرفضها من غير تبصر وفهم .

فقد كان رحمه الله يؤمن بأن الإسلام أتي بالقواعد الكلية التي تبين ماهية الحكم الإسلامي ، من إقامة العدل ، ونشر الأمن ، ورعاية الضعفاء ، وعمارة الأرض .. هذه هي وظيفة الحاكم في الأمة ، وترك الجزئيات الدقيقة كي تتجاوب الأمة مع زمنها وتتفاعل مع مستجدات عصورها ، وكي يبقي عمل للمجتهدين وأولي الأمر ، فيقول صلي الله عليه وسلم "أنتم أدري بشئون دنياكم".

يقول السيد رشيد رضا في تفسيره 5/165 : ليس بين القانون الأساسي الذي قررته هذه الآية علي إيجازها وبين القوانين الأساسية لأرقى حكومات الأرض في هذا الزمان إلا فرق يسير نحن فيه أقرب إلي الصواب وأثبت في الاتفاق منهم ، إذا نحن عملنا بما هدانا إليه ربنا : هم يقولون أن مصدر القوانين الأمة ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب والسنة كما قرره الإمام الرازي ، والمنصوص قليل جدا.

أي أنه لا فرق أبدا بين الديمقراطية كنظام حكم وبين الشورى الإسلامية إلا في جزء واحد ، وهو أنهم في العمل الديمقراطي يقحمون الناس في كل شئون الحياة لأنه لا نص هنالك ولا مقدس ، لكن في الإسلام هناك نصوص قاطعة الثبوت والدلالة لا مجال للاجتهاد أو إبداء الرأي بالقبول والرفض فيها ، وهي –للعلم- قليلة جدا ، لأن معظم النصوص لا تخلو من الدلالة الظنية أو الثبوتية ، مما يفتح الآفاق أمام المجتهدين والمشرعين وأهل الحل والعقد ، ليقننوا منظومة الدولة علي غرار ما يصل إليه الحكم الحديث ، من آليات تحد من الظلم والاستبداد ، والانفراد بأخذ القرار .

وعندما نقول بأن ديمقراطيتنا محدودة بما ورد فيه نص ، فلا يخرجنا ذلك عن منظومة العمل الديمقراطي ، لأن كل بلد وأمة تطبق الديمقراطية مع الوضع في الاعتبار البيئة والمكان والزمان الذي تطبق فيه ؛ ما دامت الخطوط الرئيسية والملامح الكلية -من تداول السلطات ومشاركة الناس في صناعة القرار وتحقيق المساواة وعدم التفرقة بين المواطنين بسبب اللون والنوع والمعتقد- محفوظة ولم يتم مساسها . وهذه الأسوار والحدود الضابطة موجودة في كل الأنظمة الحديثة وليس في النظام الإسلامي فقط ، بيد أن تلك الضوابط عندنا هي نصوص إلهية قاطعة الدلالة قطعية الثبوت ، وعند الآخرين هي اجتهادات بشرية محضة.

يقول الفيلسوف البريطاني كارل ريموند بوبر* ، في كتابه خلاصة القرن : نحن نربي أطفالنا علي العنف بالتلفزيون ووسائل الاتصال الأخرى المختلفة ، في هذه المناسبات قلت –وما زلت أفكرها وأؤمن بها- إننا في حاجة –مع الأسف- للرقابة.

أنا أأسف لأني قلت ذلك ، ولأني تحديدا ليبرالي مثلكم ولست مع الرقابة ، ولكن صحيح أيضا أنه لا يمكن أن تكون هنالك حرية من دون أن تكون هناك مسئولية ، فلو كان كل واحد يعيش بصفة مسئولة كاملة كما كان يجب أن يعيش ويفكر في نتائج أفعاله علي الأطفال لن نكون في حاجة إلي الرقابة ، إلا أنه مع الأسف الأمور ليست كذلك والوضعية تزداد سوء بعد سوء : الناس يرغبون أكثر فأكثر في العنف ويطلبون ذلك من التلفزيون ليعرض أكثر فأكثر ، إننا لا نقبل هذا التصعيد.

ولم تكن الديمقراطية مساوية أبدا للتحرر المطلق ، والممارسة اللامحدودة واللامنضبطة في نظر كارل بوبر ، ويتفق هنا مع فكرة رشيد رضا عن وجوب ضوابط ومرجعيات عليا للممارسة الديمقراطية ، عندنا هي النصوص وعندهم هي القيم المجتمعية والأعراف السائدة المتجذرة غير القابلة للهدم . فالديمقراطية كما يقول بوبر : "الديمقراطيات ليست إذن سيادات شعبية ، إنها قبل كل شيء مؤسسات مزودة بوسائل الدفاع ضد الديكتاتورية ، إنها لا تمنح سلطة من نمط ديكتاتوري ، جمعا للسلطات ، لكنها تجتهد لتحديد سلطة الدولة.

فالديمقراطية في نظره ليست سيادة شعبية بل محكمة شعبية ، فيقول : "أريد أن أبين باختصار أن الفرق بين الديمقراطية بوصفها سيادة شعبية والديمقراطية بوصفها محكمة شعبية لها آثار عملية ، وليست فقط نظرية أو لفظية ، ذلك أننا نري أن مبدأ السادة الشعبية يؤدي إلي منح تمثيل نسبي لكل مجموعة رأي وكل حزب بما فيهم أحزاب صغيرة ، يجب أن تكون ممثلة حتى يكون التمثيل البرلماني مرآة للشعب وحتى تتحقق فكرة الحكم بواسطة الشعب أو حكم الشعب بأكبر قد ممكن .

ويقال أيضا أنه في إطار التوجه الديمقراطي بوصفه حكم الشعب ، من المفيد تثمين عمل الجمعيات.

ومن وجهة النظر القائلة أن الديمقراطية محكمة الشعب ، والتي أدافع عنها ، فإن الأشياء تبدو مغايرة تماما ، ذلك أنني أعتبر تكاثر الأحزاب شؤما وعليه فإنني ضد النظام الانتخابي القائم علي النسب ، بالفعل فغن تجزء أو تقطع أو تعدد أو تكثر الأحزاب يؤدي إلي حكومات إتلاف حيث لا أحد مسئول أمام محكمة الشعب ، لأن كل شيء يؤدي ضرورة إلي نوع من التسوية ، ومن وجهة أخرى يصعب التخلص من الحكومة لأنه يكفي إيجاد حليف جديد أقل أهمية في الإتلاف من أجل القدرة علي الاستمرار في الحكومة.

وما دام الأمر هكذا فنحمد للشيخ رشيد رضا رؤيته وحكمه علي أنظمة الحكم الحديثة والديمقراطية ، فلم يرفضها ، ولم يكفر معتنقيها ، ولم يتشدد عن جهل ، بل قبلها بضوابط ، وهو ما يفعله كبار الفلاسفة والمنظرين الغربيين كما وجدنا عند كارل بوبر.

مدرسة المنار والإستبداد السياسي

وقفت مدرسة المنار ضد الاستبداد السياسي ، وارتأت أن الاستبداد السياسي هو المعوق الحقيقي للأمة عن التقدم والنهضة ، والانطلاق . لأن الحكام يخدمون المشاريع الاستعمارية للدول الكبرى.

يقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله في تفسيره 5/173 : ولكن الحكام في هذا الزمان مؤيدون بقوة الجند الذي تربيه الحكومة علي الطاعة العمياء حتى لو أمرته أن يهدم المساجد ويقتل العلماء وأولي الأمر الموثوق بهم عند أمته لفعل ، فلا يشعر الحاكم بالحاجة إلي أولي الأمر إلا لإفسادهم وإفساد الناس بهم ولا يريد أن يقرب إليه منهم إلا المتملق المدهن.

وكرر الشيخ رشيد رحمه الله فساد الأنظمة الاستبدادية ومدى خطرها علي الإسلام في أماكن عديدة من تفسيره ، ومن مجلة المنار.

وامتدت حرب مدرسة المنار علي الاستبداد السياسي حتى بعد وفاة رائدها بأكثر من أربعين سنة ، فيقول محمد الغزالي السقا في كتابه "علل وأدوية" : أذكر أنه جمعتني أيام طيبة بالمغفور له الدكتور مُحمد محمد حسين ، وهو رجل خبير بالتيارات الأدبية الحديثة ، وله غيرة مشكورة علي الإسلام ، وأكن له في نفسي احتراما كثيرا ، سمعت منه كلاما لم أتجاوب معه.

قال : إن شعار الحرية والإخاء والمساواة اختراع يهودي ! وأن اليهود هم صانعو الثورة الفرنسية عن طريق محافلهم الماسونية ، وأن النظام الجمهوري نفسه يكاد يكون من صنع اليهود ، وهؤلاء اليهود المكرة من وراء الثورة الشيوعية في روسا سنة 1917م ، قلت في نفسي : ولعلهم كذلك صانعو هيئة الأمم المتحدة ، ما أحقهم بالحياة إذا كانوا –مع قلتهم- بهذا الحجم الضخم ، وبذلك الأثر العميق.

واستطرد الحديث ليتناول مبدأ "الأمة مصدر السلطات" وكيف أنه مبدأ غير إسلامي ، وتحدث الرجل عن جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده حديثا مليئا بالسخط والزراية ، وقال : إنهما ماسونيان.

قلت : أحب أن أرجئ الحديث عن الأشخاص ، وأكثرت بالحديث المبادئ ، ليكن فلانا شيطانا رجيما أو ملاكا كريما فذاك يعنيه عند ربه ، وما تنفعه شهادتي له إذا كنت مخدوعا فيه.

إذا كان شعار الحرية والإخاء والمساواة من صنع عباد الشيطان فماذا صنع عباد الرحمن ؟!

وإلي أين تتجه الطبقات التي تشعر بالعبودية والنبذ والظلم ؟

يا صديقي .. إن الشعار عظيم ، قل / إن اليهود يتاجرون به ، أما أن تعلن عليه حربا باسم الإسلام فلا ، ولا .. لا تظلم الإسلام .. وقضية الأمة مصدر السلطات لا تعني أكثر من وضع حد للحق الإلهي في الحكم الذي زعمه ملوك أوربا لأنفسهم ، أي أنه لا حق لأبي بكر في الخلافة لو لم تختره الأمة ، اختيارا عبر عن رغبتها الحرة وسلطانها في التقريب والإبعاد.

قال: المبدأ أوسع من ذلك فهو يعطي الأمة حق التشريع ، والتشريع لله وحده.

قلت: صيحة "لا حكم إلا لله" معروفة في تاريخنا.

ونحن المسلمين نوقن بأن نصوص الكتاب والسنة واجبة التطبيق ومعترضها ينسلخ من الدين ، ودائرة النص محدودة الأبعاد ، ومن ثم قام القياس والاستصلاح والاستحسان وقام النظر الحر في شئون الدنيا ، واستطاع المسلمون بالإرشاد الإلهي أن يشرعوا لأنفسهم علي امتداد الزمان والمكان.

ولا مجال للعب بالألفاظ كما فعل الخوارج . ولا مساغ لدعم الاستبداد السياسي وتقويض بنيان الأمة بتلبيس المعاني وتحريف الكلم عن مواضعه.

وهكذا نري أن مدرسة المنار كان لها موقف ضد الاستبداد السياسي ، وتجاوبت تجاوبا تاما مع أنظمة الحكم الحديثة وفلسفاتها المعاصرة ، مع صبغها بالأسوار والضوابط الإسلامية .

مدرسة المنار والمرأة

كان السيد رشيد رضا رحمه الله رجلا متحرر الفكر واثب العقل ، وكان من العارفين الفاهمين لأصول الشريعة ومقاصدها ، ولم يكن يختزل الدين أبدا في أعراض ومظاهر بل كان يولي عنايته بالمضامين والجواهر .

وقد آمن الشيخ رشيد رضا ومن خلفه مدرسة المنار بأهمية المرأة في المجتمع كأم بنت ، مربية أجيال ، ومساهمة في صناعة القرار ، والدلو في حقبة تاريخها وفترة زمنها .

ولقد بان ذلك عندما تصدى الشيخ رشيد رحمه الله لمعاول الهادمين المتشددين الذين خرجوا يطنطنون حول دعوة قاسم أمين لخروج المرأة للتعليم مع ما قد يؤدي إليه من سفور الوجه والكفين . فعندما صنف قاسم أمين كتابه "تحرير المرأة" ، ثارت الدنيا وامتلأت ضجيجا ، لأنه طلب في كتابه هذا أن تخلع المرأة البرقع / أو النقاب ، وتكتفي بالحجاب الذي يسفر عن الوجه والكفين فقط ، وطالب فيه بتعليم المرأة حتى نهاية المرحلة الابتدائية لأن المرأة كانت محرومة تماما من التعليم علي ما يبدو ، وكانت هذه المطالب في ذلك العصر بمثابة الثورة الفكرية والخروج علي المجتمع بتقاليد لم يعرفها .

يقول قاسم أمين في كتابه "تحرير المرأة" : (ربما يتوهم ناظر أنني أري الآن رفع الحجاب بالمرة ، لكن الحقيقة غير ذلك ، فإنني لا أزال أدافع عن الحجاب وأعتبره أصلا من أصول الآداب التي يلزم التمسك بها ، غير أني أطلب أن يكون منطبقا علي ما جاء في الشريعة الإسلامية ، وهو علي ما في تلك الشريعة يخالف ما تعارفه الناس عندنا ، لما عرض عليهم من حب المغالاة في الاحتياط ، والمبالغة فيما يظنونه عملا بالأحكام ، حتى تجاوزوا حدود الشريعة وأضروا بمنافع الأمة .

والذي أراه في هذا الموضوع هو أن الغربيين قد غلوا في إباحة التكشف للنساء إلي درجة يصعب معها أن تتصون المرأة من التعرض لمثارات الشهوة ، ولا ترضاه عاطفة الحياء ، وقد تغالينا نحن في طلب التحجب والتحرج من ظهور النساء لأعين الرجال حتى صيرنا المرأة أداة من الأدوات أو متاعا من المقتنيات ، وحرمناها من كل المزايا العقلية والأدبية التي أعدت لها بمقتضي الفطرة الإنسانية . وبين هذين الطرفين وسط سنبينه –وهو الحجاب الشرعي- وهو الذي أدعو إليه.

وبعد الضجة التي أثارها الكتاب ، وقف الشيخ رشيد رضا ومجلة المنار إلي جانب الكتاب ، فلقد تناولت المنار الكتاب بالمدح والتقريظ أكثر من مرة ، واعتبرته مع "رسالة التوحيد" للأستاذ الإمام ، و"سر تقد الإنجليز السكسونيين" ، الذي ترجمه فتحي زغلول ، أهم الأعمال الفكرية في ذلك العصر .

ويقول السيد رشيد رضا في كتابه "نداء للجنس اللطيف": (وكل ما استحدثه الناس في المدن والقرى الكبيرة من المبالغة في حجب النساء فهو من باب سد الذريعة ، لا من أصول الشريعة ، فقد أجمع المسلمون علي شرعية صلاة النساء في المساجد مكشوفات الوجوه والكفين ، وأجمعوا علي إحرام النساء بالحج والعمرة كذلك ، نعم إنهن كن يصلين الجماعة وراء الرجال ولكنهن كن يسافرن مع الرجال محرمات ويطفن بالبيت كذلك ويقفن في عرفات ويرمين الجمار علي مشهد من الرجال في عهد النبي صلي الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وكن يسافرن مع الرجال إلي الجهاد ويخدمن الجرحى ويسقينهم الماء ومنهن نساء النبي صلي الله عليه وسلم كما تقدم وقد قاتل نساء المهاجرين مع الرجال في واقعة اليرموك . وكن يخدمن الضيوف ، ويقاضين الرجال إلي الخلفاء والحكام . وكان النبي صلي الله عليه وسلم يأمر الرجل الذي يريد خطبة امرأة أن ينظر إليها ولو بدون علمها مع منع التجسس علي النساء والتطلع إلي عوراتهن . وقد اختلف العلماء فيما ينظره الخاطب فاتفقوا علي الوجه والكفين وقال الأوزاعى : ينظر إلي مواضع اللحم وقال داود : يجوز النظر إلي جميع البدن .

والمتبادر من الإذن بالنظر إليها "وإن لم تعلم" أن يراها في حالها العادية في بيتها ، ويؤيده حديث جابر عند أحمد وأبي داود قال : سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول : { إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يري منها ما يدعوه إلي نكاحها فليفعل } . وروي عبد الرزاق وسعيد ابن منصور أن عمر خطب إلي علي بنته أم كلثوم –فذكر له صغرها- فقال : أبعث بها إليك فإن رضيت فهي امرأتك ، فأرسل بها إليه فكشف عن ساقها فقالت : لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك .

وأجمع المسلمون علي جواز شهادة المرأة للنص عليه في كتاب الله وأمره باستشهادهن –وعلي صحة بيعها وشرائها وسائر تصرفاتها فيما تملك ، وعلي تلقيها العلم عن الرجال وتلقيهم عنها علي تفصيل في أحكام فرض العين وفرض الكفاية والمندوب فيه . وراويات الحديث منهن كثيرات من نساء الصحابة والتابعين وخير القرون وقليلات بعد فيما بعدها ، وأسماؤهن مدونة في كتب التاريخ ونقد الرواة .

وما كان يكون شيءٌ من ذلك من وراء حجاب إلا ما كان من أزواج النبي صلي الله عليه وسلم بعد نزول آية الحجاب الخاصة بهن بالنص الصريح وبتعليل الحكم . وأخطأ من قال إنه يجري فيها قاعدة : "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" . فإن لفظها خاص لا عام دع ما أجازه بعض الأئمة من تزويج المرأة نفسها وغيرها وتوليها القضاء .

ومن دلائل السنة علي عدم وجوب ستر الوجه حديث المرأة الخثعمية ونظرها إلي الفضل بن العباس ونظره إليها وهو مروى عن ابن عباس في الصحيحين والسنن وعن علي عند الترمذي وحاصله في جملة الروايات أن الفضل كان رديف رسول الله صلي الله عليه وسلم .. الحديث .

والتحقيق أن النظر من كل من الرجل والمرأة إلي ما عدا العورات مباح فإن كان بشهوة كره تكراره ، كما قلنا في تفسير ﴿ يغضوا من أبصارهم ﴾ . فإن خيف منه فتنة تفضى إلي الحرام اتجه القول بتحريمه لسد الذريعة لا لذاته كالخلوة والسفر . عند من يقولون بثبوت التحريم بالدليل الظنى ، وقال الإمام يحيى ومن وافقه من فقهاء العترة إنه جائز مع الشهوة ، وشدد آخرون من الفقهاء فقالوا بتحريمه مطلقا بل قال بعضهم بوجوب ستر المرأة لوجهها وجرى علي ذلك أهل الحضارة في الأمصار حتى صار من التقاليد أن لا يرى رجل أجنبي امرأة بالغة ولا يكلمها ولو من وراء حجاب بل صاروا يكتمون أسماء النساء ، وبلغنا أن بعض المتنطعين من طلبة العلم في طرابلس الشام أمر امرأته بتغطية رأسها في داخل الدار حتى لا تراها الملائكة وأما أهل البوادى الذين يعيشون بالقيام علي الأنعام وسكان الأرياف من الفلاحين وهم أكثر المسلمين ، فلا يعرف نساؤهم هذا الغلو في الحجاب ، ولا هذا التهتك والتبذل الفاشى في هذا الزمان ، وهم علي ذلك أقل من أهل الأمصار سقوطا في الفتنة .

ومن لطائف ما يروى في هذا الباب : أنه عقد مؤتمر نسوى دولى في أوربة حضره من قبل الدولة الحميدية كامل بك الحمصى كاتب السلطان الخامس فسئل في المؤتمر عن حجاب النساء في الإسلام ، فقال ما خلاصته : إن هذه مكيدة من النساء ، وأن ذوات الجمال البارع منهم قليلات ، وأن ظهورهن للرجال يفتنهم بهن ويقبح نساءهم في أعين أكثرهم ، فتواطأن علي الاحتجاب العام ليرضى كل رجل بامرأته ، فضحك النساء في المؤتمر ، وكان لكلامه عندهن وقع حسن وإذا لم يكن ما قاله كامل بك واقعا فتعليله صحيح فالمحجوب محبوب بالطبع والمبذول مبتذل في العادة الغالبة ، ولما صار الهمج الذين كانوا يعيشون عراة يلبسون الثياب اشتد شوق رجالهم لنسائهم ورغبتهم فيهن . وتهتك النساء في هذا العصر هو الذي أحدث ما يسمونه أزمة الزواج في مصرنا وأمثالها .

وجملة القول: أن أصل الشرع في آداب النساء والرجال معروف ، وأن سد ذرائع الفتنة والفساد مشروع ، وهو يختلف باختلاف الأعصار والأمصار ، وإنما الحرام ما ثبت بنص قطعي الرواية والدلالة ، وما دل علي طلب تركه دليل ظنى فهو مكروه ، وكل رجل وامرأة أعلم بحال نفسه ونيته ، وحال قومه وبيئته ، والقاعدة العامة في مثل هذا قوله صلي الله عليه وسلم : { الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه } رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه ، وقوله صلي الله عليه وسلم : {الحلال بين والحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كراع يرعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه –وفي رواية : يواقعه- ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب} رواه الشيخان وأصحاب السنن عن النعمان بن البشير رضي الله عنه.

وليس السيد رشيد رضا فقط هو الذي دافع عن تحرير المرأة لقاسم أمين ، بل إن كل العقلاء أقروه ووقفوا بجانبه . حتى دافع عنه نفر من تلامذة حسن البنا وممن تشربوا منهج الإخوان المسلمين فيقول البهي الخولي في كتابه "الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة" : ولما قام قاسم أمين ينادي بتحرير المرأة شنع بهذا الحجاب ، وأبان عدم شرعيته ، وأفاض في ذكر مساوئه وأثره في إضعاف شخصية المرأة وعقلها وأقره علي دعوته ذوو الرأي والاستنارة من علماء المسلمين وعقلائهم ، ويقول : فهجوم قاسم أمين إنما كان علي الحجاب الذي سنه العرف، لا علي الحجاب الذي سنه الشرع لنساء النبي خاصة.

وهكذا كان الشيخ رشيد رضا مدافعا عن حقوق المرأة ما دامت منضبطة وفي إطار الشريعة من غير تحلل أثيم أو استغراب أعمي .

رشيد رضا والعلمانية

كان الشيخ رشيد رضا رحمه الله من أول علماء الإسلام الذين خاضوا المعارك الشرسة ضد التيار العلماني ، وأقاموا معارك فكرية طاحنة ضد أولئك المتغربين المبشرين الذين جاءوا مع الاحتلال بأفكارهم السمجة الباردة التي صارت بذرة ومنبتا خصيبا لنشأة الفكرة العلمانية الملوثة في أرض أمة الإسلام .

والتي لم تعرف الديار الإسلامية من قبل نظرا لطبيعة الدين الإسلامي الذي جاء بالكليات والملامح العامة للحياة بأكملها .

كتب المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة مقالا بعنوان "الشيخ رشيد رضا وأولي المعارك ضد العلمانية" ، قال فيه : قبل صدور "المنار" أواخر القرن التاسع عشر الميلادي سنة 1898م ، كانت أوربا الاستعمارية –ممثلة في فرنسا- صاحبة العلمانية المتوحشة في بلادها .. والنزعة الصليبية ضد الإسلام في مستعمراتها المسلمة !!

كانت قد نجحت في جعل لبنان بواسطة مدارس الإرساليات النصرانية الفرنسية معمل تفريخ لكتيبة من المثقفين الموارنة ، الذين ضربت عقولهم وصيغت وجداناتهم وفق المناهج التغريبية .. المعادية للحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي .

فلقد كانت رسالة هذه المدارس الفرنسيين بلبنان وفق عبارات القناصل الفرنسيين في بيروت هي تكوين جيش ثقافي متفان في خدمة فرنسا والحضارة الأوربية المسيحية ..

وتأمين سيطرة فرنسا علي منطقة خصبة ومنتجة –المشرق العربي- وجعل البربرية العربية –"هكذا"- تنحن لا إراديا أمام الحضارة المسيحية لأوربا .

ولقد هاجر كثير من جنرالات هذا الجيش الثقافي إلي مصر .. فأصدروا الصحف والمجلات .. وأقاموا المؤسسات الصحفية والثقافية وأصبحوا –بعبارة عبد الله النديم- لا شرقيين ولا غربيين ، اتخذتهم أوربا وسائل لتنفيذ آرائها ووصولها إلي مقاصدها من الشرق وهي تحثهم علي المثابرة علي عملهم باسم الدنية .

وكانت مجلة المقتطف الساحة التي نصبت فيها أعلام نظريات التغريب الأوربية .. حتى ليقول عبد الله النديم عن أصحابها : "إنهم أعداء الله وأنبيائه ، والأُجَراء الذين أنشئوا لهم جريدة جعلوها خزانة لترجمة كلام من لا يدينون بدين ، ممن ينسبون معجزات الأنبياء إلي الظواهر والتراكيب الكيماوية ، ويرجعون بالمكونات إلي المادة الطبيعية منكرين وجود الإله الحق ، وقد ستروا هذه الأباطيل تحت اسم فصول علمية ، وما هي إلا معاول يهدمون بها عموم الأديان" ! .

وعن أحد جنرالات هذا الجيش الثقافي ، وهو أمين شميل ، صدرت أولي دعوات استخدام العاميات العربية بدلا من لغة الأمة .. لغة القرآن .

وعن جنرال آخر صدرت أولي الدعوات الدارونية عن شبلي شميل .

وكانت الدعوة إلي إحلال العلمانية الغربية وفصل الدين عن الدولة محل الشريعة الإسلامية ، وشمول الإسلام للدين والدولة .. كانت واحدة من أخطر الدعوات للتغريب ، التي كان للشيخ رشيد رضا والمنار شرف التصدي لها في العام التالي لصدور المنار .. أي أن الشيخ رشيد رضا كان أول من تصدي لدعاوي العلمانية والعلمانيين في العالم الإسلامي علي الإطلاق !..

فعلي صفحات المقطم التي كانت لسان حال الاستعمار الإنجليزي بمصر .. والتي أنشأها هؤلاء الموارنة المتفرنسون –صحيفة إنجليزية ناطقة بالعربية- علي حد تعبير عبد الله النديم !!

علي صفحات المقطم بدأ عدد من نصاري الموارنة الدعوة إلي العلمانية ، وفصل الدين عن الدولة في الشرق الإسلامي .

دعا إلي ذلك حنا الطرابلسي –في 12و17 أغسطس سنة 1898م- وميشيل حكيم –في 15 أغسطس 1898م- ، ثم جاء واحد منهم مستترا تحت توقيع "مسلم حر الأفكار" ليدعوا إلي ذلك في 3 أغسطس 1899م .. فكانت معركة السيد رشيد رضا ضد هذه الدعوى أولي معارك الإسلام ضد العلمانية في ذلك التاريخ ..

وفي أثناء هذا الحوار بين الشيخ رشيد رضا وبين من يدعي أنه مسلم حر الأفكار كشفت زلات القلم عن أن هذا المدافع عن فصل الدين عن الدولة ليس مسلما بأي حال من الأحوال:

  • 1- فلقد اعترف بأنه متخرج من مدارس الإرساليات النصرانية ، وأنه قد تربي فيها .
  • 2- واستخدم مصطلحات لا يستخدمها عادة إلا الكتاب النصاري .. من مثل "الدعوات الدينية المسكونية" ! .
  • 3- وجهر بما لا يقول به مسلم ، من مثل اتهام الإسلام ودعاة الجامعة الإسلامية بأنهم يرون "أن الخطر لا يزول عن الإسلام إلا بتمزيق شمل النصاري ، وأن عز الإسلام لا يكون إلا بذل النصاري .

وفي هذا الحوار وضع الشيخ رشيد النقاط علي الحروف ، فيما يتعلق بموقف الإسلام من العلمانية وفصل الدين عن الدولة .. علي النحو الذي يمكن إيجازه في عدد من النقاط .. فهو :

  • أولاً: كشف عن أن هذه الدعوى لا يقول بها إلا غير المسلمين ، الذين تفتح لهم المنابر الصحفية النصرانية صفحاتها لينتقدوا الدعوة إلي الجامعة الإسلامية .
فالأهرام والمقطم ، متفقتان علي أن الدعوة إلي الجامعة الإسلامية باسم الدين مضرة ، وغير موصلة إلي غاية ، وأنه لا سبيل إلي ترقي الأمة الإسلامية إلا باتباع خطوات أوربا –كما فعلت اليابان- والمؤيد لصاحبها علي يوسف رد عليهما قولهما الأول ، ولم يبد رأيا جديدا ، إلا أنه وافق علي أن مسلك الكتاب المسلمين في الدعوة الدينية مفيد كما أن الأخذ بالفنون والصنائع الأوربية مفيد مع ذلك .
  • ثانياً: أن هذه الدعوى إلي فصل الدين عن الدولة ، التي ظهرت في المقطم 3 أغسطس سنة 1899م ، لا يقول بها مسلم .
فهو قول لم يتابع به قائله مسلما ، ولن يتابعه عليه مسلمٌ ؛ لأنه ناسف لبناء الدين الإسلامي ، ومقوض لعمود بنائه ، وهو : زعم أن الدين والدولة أمران متبائنان يجب أن ينفصل أحدهما عن الآخر .
ولقد وجد للإسلام أعداد اجتهدوا في كل عصر بمحوه أو إضعافه ، منهم من حاول إفساد العقائد بالتأويل ، ومنهم من وضع الأحاديث الكاذبة ، ومنهم من سهل للملوك طريق الاستبداد ، ومنهم ومنهم ، ولكن مجموع مفاسدهم ومضراتهم لن تبلغ بعض ما يرمي إليه هذا القول الخبيث الذي لم يخطر في بال إبليس ، فهو أبلغ قول يشير إلي أحكم رأي لمحو السلطة الإسلامية من لوح الوجود –قاتل الله قائله- ولا كثر فيمن يدعون الإسلام من أمثاله ! .
هكذا أعلن الشيخ رشيد رضا : أن الدعوة إلي فصل الدين عن الدولة قد تفوقت في خطرها علي الإسلام علي كل دعاوي المفسدين للإسلام عبر التاريخ بل وتفوقت علي أحلام إبليس !.
  • ثالثاً: مضي الشيخ رشيد رضا ليؤكد علي رفض الإسلام –بحكم طبيعته الشاملة- للعلمانية ، فقال:
لقد عرّف علماء المسلمين الدين بأنه : وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إلي الصلاح في الحال والفلاح في المآل وإن شئت قلت : إلي سعادتهم الدنيوية والأخروية وقواعده عندهم ثلاث :
  • 1- تصحيح العقائد .
  • 2- وتهذيب الأخلاق .
  • 3- وإحسان الأعمال .
والأعمال قسمان: عبادات ، ومعاملات ، ومن الثاني : الأحكام بأنواعها –قضائية ومدنية وسياسية وحربية- ..
  • رابعاً: أشار الشيخ رشيد رضا إلي مغايرة الإسلام –في هذا الشمول- للنصرانية ، التي لا علاقة لها بالدولة والسياسة ..فقال :
أما الدين عند النصاري فهو –كما في دائرة المعارف- عبارة عن مجموعة من النواميس الضابطة لنسبة الإنسان إلي الله ، أو يبين صفات تلك النسبة .
وهو كما تري لا علاقة له بالأمور الدنيوية ولا بالأحكام والسلطة ومن المشهور أن الديانة النصرانية مبنية علي الخضوع لأية سلطة حكمت أصحابها ، لما في الإنجيل من أن سلطة الملوك إنما هي علي الأجسام الفانية وأن سلطة الدين علي الأرواح فقط ، فيجب علي كل متتبع لهذا الدين أن يدين لكل سلطة ، ويذعن لكل شريعة حكمته ، بخلاف الدين الإسلامي ، فإنه مبني علي السلطة والغَلَب .
  • خامساً: شرعَ الشيخ رشيد رضا يفصل في تميز الإسلام –كدين ودولة- عن النصرانية فقال:
إن الدين الإسلامي جامع لمصالح المعاش والمعاد ، ومبني علي أساس السلطتين الزمنية والروحية ، وإن الديانة النصرانية علي خلاف ذلك ، وإن الخليفة هو رئيس المسلمين القائم علي مصالحهم الدينية والدنيوية ، وإن كل حكومة تخرج عن طاعته الشرعية فهي منحرفة عن صراط الإسلام ، وإن القول بفصل الحكومة والدولة عن الدين .. هو قول بوجوب محو السلطة الإسلامية من الكون ، ونسخ الشريعة من الوجود ، وخضوع المسلمين إلي من ليس علي صراط دينهم ممن يسمونهم فاسقين وظالمين وكافرين ، فإن ، فإن القرآن العزيز الذي هو أساس الدين يقرع دائمات آذانهم ، بل يناديهم من أعماق قلوبهم قائلا بلسان عربي مبين :
  • ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون))
  • ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون))
  • ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون))

ونحن نقول للذين يدعوننا إلي فصل الدين عن الدولة والتفريق بين السلطنة والخلافة ، لأجل تأييد الجامعة الإسلامية:

إن كنتم تدعوننا هذه الدعوة جاهلين بمعنى هذه الألفاظ عندنا : فها نحن أولاء قد بيناها لكم فارجعوا عن دعوتكم ، فقد علمتم أن قياس الإسلام علي النصرانية قياس مع الفارق ، فإن فصل السلطة الروحية عن السلطة الزمنية هو أصل النصرانية وقد كان رؤساء الدين تعدوا الحدود ، وتسلقوا عروش السلاطين والملوك مخالفين لصاحب الدين الذي :

قد جاء لا سيف ولا رمح ولا

فـرس ولا شيء يبـاع بدرهم

يأوى المغارة مثل راعي الضأن

راعى الممالـك في السرير الأعظم
فلا بدع إذا ترقي الدين بانصراف رؤسائه إلي خدمته وتركهم الاشتغال بما ليس منه في شيء ونحن والنصارى في هذا الشأن علي طرفي نقيض ، فإننا إذا تلونا تلوهم فيه نكون قد تركنا نصف ديننا الذي هو السياج الحافظ للنصف الباقي .
كلا ، إن الدين كله يكون بهذا العمل عرضة للاضمحلال ومهددا بالزوال . لا جرم أن ما تدعوننا إليه هو أقرب طريق لإعدام الجامعة الإسلامية ، فكيف جعلتموه طريق إيجادها ؟!
وهو أقوي علي شقائها ، فأني تقنعوننا بأنه علة إسعادها ؟!
  • سادساً: وبعد أن حسم الشيخ الرشيد الملهمُ الأمرَ علي هذا النحو ، الذي أكد فيه : أن فصل الدين الإسلامي عن الدولة غنما يعني القضاء علي نصف الإسلام ، الذي هو سياج حفظه .. أي أن ذلك ضياع كامل للإسلام ، ومحوه من الوجود .. شرع في بيان خطأ "الحجة" الكبرى التي يثيرها دعاة العلمانية وفصل الدين عن الدولة .. وهي أن هذا الفصل هو الذي يحقق "الوفاق الوطني" بين أهل الأديان المختلفة في الدولة الواحدة .. فقال : ربما كان الحامل لبعض الكتاب المسيحيين علي اقتراح ما ذكر –فصل الدين عن الدولة- هو اعتقادهم بأن زوال السلطة الشرعية الإسلامية هو الذي يساوي بين طائفتهم وبين المسلمين ، ويخمد نيران الغلو في التعصب ، فيتفقون علي إعلاء شأن الوطن ، ويخدم كل دينه من الوجهة الروحية التي لا مثار فيها للتنافر والتفاخر .

وبعد عرض حجتهم هذه التي هي عمدة ما لدي العلمانيين حتى اليوم ! أخذ الشيخ رشيد رحمه الله يفند هذه الحجة فقال :

ويسهل علينا أن نبين لهم خطأهم في اعتقادهم هذا فنقول :

  • 1- إن بناء الشريعة الإسلامية قام علي العدالة والمساواة بين المسلمين وغيرهم في الأحكام والحقوق المعبر عنها بهذه الجملة التي يتناقلها الإسلام خلفا عن سلف ، وهي "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" ، وقد دلنا التاريخ علي أن الحكومات الإسلامية كانت تراعي هذه القاعدة بحسب تمسكها بالدين قوة وضعفا .
ومن قابل بين مساواة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الإمام عليا –صهر النبي وربيبه وابن عمه- برجل من آحاد اليهود في المحاكمة ، وانتقاد علي عليه بقوله : يا أبا الحسن ، وعده التكنية إخلالا بالمساواة لما فيها من التعظيم ، وبين ما هو جار اليوم في فرنسا ، من التحامل علي دريفوس (1859-1935م) ، وهو من أكابر عظماء اليهود ، حتى غنهم حاولوا قتل وكيله الذي يحامي عنه ، وهم أصحاب القلم الذي ينطق بالحرية والعدالة والمساواة ، يظهر له الفرق بين المسلمين في بدايتهم ، والأوربيين في نهاية مدنيتهم ، فالشريعة في نفسها عادلة ، ولا يضر المسيحيين أن مواطنيهم المسلمين يعتقدون أنها سماوية ، بل هو ينفعهم .. وهم لا فرق عندهم بين الشرائع ، إذ دينهم يوجب عليهم اتباع أية شريعة حكموا بها .
  • 2- إن الترقي الديني والمدني الذي نقصده من إحياء الجامعة الإسلامية يتوقف علي التهذيب وقيام الأفراد بما عليهم من حقوق وواجبات لمن يعيشون معهم ، وهذا القول لا يخالف فيه أحد .
ومعلوم أن المسلمين لا يعتقدون بحق ولا واجب إلا إذا كان بينا في شريعتهم ومأخوذا من أصول دينهم ، فإذا فصل بين الدين والدولة كان جميع ما تكلفهم به الدولة من الحقوق والواجبات غير واجب الاتباع في اعتقادهم ، فإذا أخذوا به في العلانية لا يأخذون به في السر ، ولا يتم تهذيب الأمة ما لم يكن الوازع لها عن الشر والحامل لها علي الخير ثابتا في نفسها مقررا في اعتقادها فخير للمسيحيين أن يُحكم المسلمون بشريعة ودولة توجب عليهم احترامهم والقيام بحقوقهم سرا وجهرا ، وبدون هذا يتضرر المسيحيون ولا يرتقي المسلمون ، بل يتدلون ويهبطون ، كما علم بالاختبار والمشاهدة .
فقد أنبأنا التاريخ أن مبدأ الخلل والضعف الذي ألمّ بنا كان إهمال وظائف الخلافة ، والخروج بها عن معناها الذي هو حراسة الدين وسياسة الدنيا .. ولن يعود للإسلام مجده إلا بإحياء منصب الخلافة واتفاق المسلمين علي إمام واحد يعتقدون وجوب الخضوع له سرا وجهرا ، ولا إمام اليوم للمسلمين بهذا المعنى إلا القرآن الكريم فيجب علي من يهمه ترقية شئونهم أن يدعوهم به إلي العلم والعمل ، ونفض غبار الجهل والكسل ، والقيام بمصالح المعاش والمعاد علي ما تقتضيه سنن الترقي والإسعاد فهو إمام كل إمام ، وكما كان المبدأ في ترقيهم كذلك يكون الختام .

هكذا خاض الشيخ رشيد رضا علي صفحات المنار أولي المعارك الفكرية ضد العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العصر الحديث .. وأبرز :

  • ريادة النصاري الموارنة وصحفهم ومجلاتهم في التبشير بالعلمانية .
  • ورفض المنابر الإسلامية لهذه الدعاوي .
  • ورفض الإسلام -بطبيعته المتميزة عن النصرانية وشمول منهجه للدين والدنيا- أية دعوى لفصل الدين عن الدولة .
  • وبيان أن شمولية الإسلام هذه للدين والدولة والسياسة والقانون هي الضمان للمساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين وغير المسلمين في الدولة الإسلامية ، وليس العكس –كما يدعي العلمانيون- فالشريعة الإسلامية هي الضامنة للمساواة بين المواطنين علي اختلا أديانهم ومللهم .. ولأن المسلمين لا يخضعون خضوعا حقيقيا إلا لشريعتهم ، فالاحتكام إليها هو الضمان لقيام المسلمين إزاء غيرهم بقواعد هذه المساواة وحقوقها .
وإذا لم يكن في النصرانية شريعة للدولة والاجتماع ، فسيان عندهم أن تكون الشريعة التي تطبقها الدولة دينية عند غيرهم أم غير دينية ، فهي بالنسبة لهم وضعية في كل الحالات .. وإذا كانت هذه الشريعة الضامنة للمساواة مقدسة عند غير المسلمين كان ذلك أدعى لاحترام قواعد المساواة فيها من القوانين الوضعية التي لا يكن لها المسلمون الاحترام !..

وبعبارة الشيخ رشيد رضا :

((... فالشريعة في نفسها عادلة ولا يضر المسيحيين أن مواطنيهم المسلمين يعتقدون أنها سماوية بل هو ينفعهم .. وهم لا فرق عندهم بين الشرائع ، إذ دينهم يوجب عليهم اتباع أية شريعة حكموا بها ، فخير للمسيحيين أن يحكم المسلمون بشريعة ودولة توجب عليهم احترامهم والقيام بحقوقهم سرا وجهرا ، وبدون هذا يتضرر المسيحيون ولا يرتقي المسلمون ))!
نعم .. كانت تلك أولي معارك الفكر الإسلامي مع العلمانية ، ودعوي فصل الدين عن الدولة .. وكان هذا هو قدر المنار وصاحبه في الرد علي العلمانيين بالمنطق الشرعي والبرهان العقلي علي حد سواء !.

المراجع

1- مجلة الأزهر ذو القعدة 1432 هجري .

2- الإسلام وأصول الحكم ،علي عبد الرازق – تحقيق الدكتور حيدر إبراهيم ، وتعقيب العلامة الطاهر بن عاشور ، ط/ وزارة الثقافة والفنون والتراث بدولة قطر 2011م . ونفس الكتاب بتعقيب محمد عمارة ط/ الشروق .

3- تفسير المنار ،للسيد رشيد رضا ، ط/ التوفيقية د.ت .

4- دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين ، محمد الغزالي ، ط/ الشروق 1998م .

5- نداء إلي الجنس اللطيف ، للسيد رشيد رضا ، ملحق مجلة الأزهر .

6- الوهابية والرافضة ،للسيد رشيد رضا ، ط / النافذة .

7- النهضة الإسلامية ، محمد رجب البيومي ، ط/ القلم ، دمشق .

8- الأعمال الكاملة لمحمد عبده ، عناية محمد عمارة ، ط/ الهيئة المصرية العامة للكتاب ، الشروق . 9- العلمانية والإسلام بين الفكر والتطبيق ، ملحق مجلة الأزهر ، ذو الحجة 1428ه .

10- خلاصة القرن – الفيلسوف الأمريكي كارل ريموند بوبر – ترجمة الزواوي بغورة – ط/ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010م .

11- الأخلاق والسياسة ، دراسة في فلسفة الحكم ، إمام عبد الفتاح إمام ، ط/ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010م .

  • كارل ريموند بوبر (1902- 1994م): فيلسوف نمساوي الأصل بريطاني الجنسية ، ويسمي بفيلسوف القرن ، ويوصف بأنه أكبر فيلسوف غربي في القرن العشرين خارج المدارس والتيارات الفلسفية المعتمدة –الوضعية والماركسية والظاهراتية- التي وجه إليها بوبر سهام نقده أثناء تطويره لموقفه الفلسفي ورؤيته ، (انظر ترجمته مستوفاة في موسوعة "مفكرون من عصرنا" لسامي خشبة ص210 ، ط/ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2008م ، وكذلك في مقدمة الزواوي بغورة ولخضر مذبوح لكتاب خلاصة القرن لكارل بوبر ص8 ، ط/ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010م) .