رمضان في عيون الإمام البنا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
رمضان في عيون الإمام البنا

بقلم: السيد علي علي شعيب

مقدمة

الإمام الشهيد حسن البنا-وسط-إحدى-المؤتمرات

رمضان شهر عظيم، تخفق له قلوب المسلمين شوقًا وحبًّا، ونفحة ربانية يتعرض لها المسلمون كل عام، ونهر من الرحمة والمغفرة يغتسل فيه المسلمون من الآثام والأوضار، وواحة فيحاء يستروحون في ظلالها من عناء الحياة وكد الأيام، وزهرة عطرة يستنشق المؤمنون عبيرها وأريجها ونسيمها، فتنعش نفوسهم، وتجدد إيمانهم، فيا له من شهر عظيم!!

يقبل المسلمون فيه على القرآن الكريم فيتزودون من آياته وأحكامه وتعاليمه، وتمتلئ المساجد بأهلها ما بين راكع وساجد وقائم... ويتحلى فيه المسلمون بأسمى معاني الإيمان والبذل والعطاء.

وإن لرمضان مكانة في قلوب المسلمين ومنزلة لا ترقى إليها منزلة

لَكَ في الفُؤاد مَكانة مَخصوصة

لَكَ في القُلوب مَنازل لَم تَنزل

ولقد احتفى الإمام البنا رحمه الله بشهر رمضان أيما احتفاء، وجعل من قلمه وجريدته وجماعته ودعوته منبرًا يذيع في الناس فضائل رمضان وكرامات رمضان ورحمات رمضان ونفحات رمضان ودروس وعظات رمضان...

بل لقد رأى الإمام البنا أن في رمضان فرصة كبيرة لتحقيق الذات وتصحيح الأوضاع وتغيير النفوس لو فهم المسلمون حقيقة الصيام والقيام ووقفوا على معاني ودروس وأسرار هذا الشهر الفضيل.

لقد بين الإمام البنا رحمه الله كثيرًا من المعاني التي يغفل عنها المسلمون، ووقف على عدة حقائق جديرة أن يقف عندها المؤمنون،من ذلك:

القواعد الأساسية للعبادات الإسلامية:

بين الإمام البنا-بادئ ذي بدء- أن للعبادات في الإسلام قواعد ومقاصد ثابتة تتمشى مع كل التكاليف الشرعية والعبادات الإسلامية بما فيها الصيام:

القاعدة الأولى: النية الصالحة الفاضلة والإخلاص فيها لرب العالمين، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: من الآية 5)، "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"؛ فما لم يكن الدافع الأول إلى العبادة قلبيًّا تشترك فيه خلجات الوجدان، مع حركات الأبدان، وتحضر فيه القلوب، وتطهر به الأرواح والنفوس؛ فلا وزن لها ولا مثوبة عليها، وليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.

القاعدة الثانية: دفع الحرج والعسر وإيثار السهولة واليسر؛ فليس في تكاليف الإسلام وعباداته ما يشق على العابدين أو يرهق نفوس المكلفين ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: من الآية 6)، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (الحج: من الآية 78)، ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 185)، يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا.

وتأمل ذلك تجده مطردًا في كل الأحكام، وإليك ما جاء منه خاصًّا بفريضة الصيام: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾ (البقرة).

والقاعدة الثالثة: أن لهذه العبادات آثارها العملية النافعة في حياة الفرد والجماعة، وليست مفروضة لمجرد التعبد والطاعة؛ فهي أوضاع لوحظ فيها المعنى الدنيوي الاجتماعي إلى جانب الربح الأخروي والتهذيب النفساني؛ فما أمر الإسلام إلا بطيب فيه خير يرى الناس في حياتهم العملية أثره، وما نهاهم إلا عن خبيث يلمسون شره وضرره ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (157)﴾ (الأعراف).

فوائد رمضانية جمة:

لذلك كان لشهر رمضان الكريم فوائد كثيرة وآثار جليلة، ففضلاً عن أنه مثوبة الله للصائمين، وما وعدهم إياه من جزيل الأجر، وعظيم الثواب، وحسن القبول، وشمول المغفرة، ومضاعفة الحسنات، كذلك له من الفوائد الروحية والنفسية والبدنية والاجتماعية ما لا يماري فيه إلا جاهل أو جاحد؛ فهي صفاء للروح، وتهذيب للنفس، وتقوية للإرادة، ومضاء للعزيمة، ومقاومة للشهوات، واعتياد على الصبر، وراحة للبدن فترة من الزمان، تستجم فيها الأعضاء من عناء عمل دائم شاق، ولون جديد من الحياة، يتجدد بعده النشاط والاهتمام.

الناس في رمضان:

الإمام حسن البنا-مع-بعض-الزعماء

بالرغم من انقضاء نحو أكثر من نصف قرن من الزمان على وفاة الإمام البنا إلا أن الناس إزاء رمضان هم الناس، فهو يحدثنا عن أصناف الناس في رمضان كما لو كان يعيش بيننا الآن، فيقول: "فأما كثير من الناس فلا يفهمون من معناه إلا تجهيز المآكل والمشارب، وتحضير المطاعم والمناعم، وإعداد لوازم السحور والإفطار، وما يقوِّي شهية الطعام، ويوفر راحة المنام؛ لأن رمضان كريم، وهذا شأن الكرام!!

أما قوم آخرون؛ فشهر رمضان عندهم شهر الراحة من عناء الأعمال واللهو والتسلية في لياليه الطوال، وتقسيم الأوقات على الزيارات والسهرات؛ فَهُمْ في ليلهم بين لهو وسمر، وقتل للوقت في مقاعد القهاوي والبارات، وتنقل بين دور الملاهي "والصالات"، وفي نهارهم يغطون في نومهم، ويتكاسلون عن عملهم!

هذان صنفان خسروا شهر رمضان وخسرهم، وهجروه وهجرهم، وهو حجة عليهم بين يدي ربهم، وشهيد على تقصيرهم وسوء تقديرهم.

وقوم آخرون صلوا وصاموا، وتعبدوا وقاموا، وهم لا يعلمون من ذلك إلا أنهم أمروا فامتثلوا، وتعودوا فعملوا، يرجون الله، ويخافون عذابه، وأولئك لهم ثواب صيامهم، وأجر قيامهم، وجزاء أعمالهم إنْ شاء الله،"وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"، ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: من الآية 261).

وبقي بعد كلِّ أولئك جماعة آخرون، أدوا ما أمرهم الله به من صلاة وصيام وتلاوة وقيام ومسارعة إلى الخيرات وإحسان وصدقات، ولكنهم لم يقفوا عند ظواهر الأعمال؛ بل فهموا عن الله فيها، وعرفوا ما يراد بهم منها، ونفذت بصائرهم إلى لباب أسرارها، فعرفوا لرمضان معنى لم يعرفه غيرهم، وفازوا بربح لم يفز به سواهم، واكتسبوا منه تزكية النفوس وتصفية الأرواح، وأولئك ذؤابة المؤمنين وصفوة العارفين.

فهموا من فريضة الصوم وآداب القيام أنهم سيتركون الطعام والشراب، ويقللون المنام، ويحرمون الجسوم هذه الثلاثة، وهي مادة حياتها، وقوام نشاطها؛ وإذن فليختف شبح المادة، ولينهزم جيش الشهوات، ولتتغلب الإنسانية بمعانيها السامية على هذا الجسم الذي احتلها من قديم؛ فعطل حواسها، وكتم أنفاسها، وأطفأ نورها، وكبلها بما زين لها من زخرف الشهوات، وزائف اللذائذ".

رمضان شهر القرآن:

شرف الله تعالى شهر رمضان بنزول القرآن الكريم فيه لحكمة معلومة قال تعالى :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: من الآية 185)،يقول ابن كثير: أي هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ أي: ودلائل وحُجَج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبَّرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقًا بين الحق والباطل، والحلال، والحرام.

ولكن للأسف لم يهتد المسلمون بهدى القرآن، ولم تتجاوز آياته الكريمة آذانهم، فها هو القرآن الكريم يتلى عليهم، ويقرأ بين ظهرانيهم؛ فهل تغيرت به نفوسهم، وانطبعت عليه أخلاقهم، وفعل في قلوبهم كما كان يفعل في قلوب أسلافهم؟

وهل تغيرت الأمة العربية في أنفسها وأوضاعها ومسالكها وطباعها بغير هذا القرآن الذي قادها إلى ما لم تكن تعرف، وجمعها على ما لم تألف؛ حتى صارت آيةً بين الأمم، ومعجزةً بين الشعوب؟!

لقد بين الإمام البنا أن السر في ذلك يعود إلى أننا صرنا نقرأ القرآن قراءةً آليةً صرفةً، كلمات تتردد ونغمات تتعدد، ثم لا شيء إلا هذا، أما فيض القرآن وروحانيته، وهذا السيّال الدافق من التأثير القوي الفعَّال؛ فمن بيننا وبينه حجاب، ولهذا لم نكن صورة من النسخة الأولى التي تأثرت بالقرآن، وتبدلت نفوسها به، وها نحن الآن نريد أن نقتدي بهذا السَّلف، ونريد أن ننهض من جديد في نفوس المسلمين وشعوب المسلمين أمة القرآن ودولة القرآن.

لذلك أهاب الإمام البنا بالمسلمين أن يتصلوا بالقرآن صلةً حقيقيةً تطهر من أرواحهم، وتغير من نفوسهم فقال:

"وهاهو شهر القرآن؛ شهر رمضان المبارك يظلنا بروحانيته؛ فهل لنا أن نتصل، إن العلة في ذلك لأنهم تلقوه مؤمنين، وقرءوه متدبرين، واستمعوا إليه طائعين، وأقبلوا عليه منفذين، وأسلموه زمام النفوس والأرواح، وهو الكيمياء التي لا تستعصي على فعلها العناصر، ولا يقف أمام فعلها جاحد أو مكابر؛ فأنشأهم قومًا آخرين، وجعلهم حجته على العالمين.

وتستطيعون أن تكونوا كذلك إذا آمنتم بالقرآن إيمانهم، ونهجتم به في أنفسكم وأوضاعكم نهجهم؛ فحللتم حلاله، وحرمتم حرامه، وأنفذتم أحكامه، وتدبرتم آياته، وسرتم بتوجيهاته، وكان هواكم تبعًا لما جاء به"..

رمضان شهر العطاء والجود:

الإمام حسن البنا-وسط-تلاميذه

لم يزل شهر رمضان قائمًا على الناس، ملهمًا لهم، ومرشدًا لحياتهم، يستخرج من مكنونات النفوس خيرها، ويكشف عن معادنها، ويحرك طاقاتها المعطلة، ويوقظ إيمانها المخدر، فإذا البخيل كريمًا، وإذا الضعيف قويًّا، وإذا القعيد مجاهدًا، وإذا الكسول نشيطًا... ولقد فطن الإمام البنا إلى تلك المعاني الجليلة ووقف على فائدة جلية من فوائده وهي اكتساب فضيلة البذل والعطاء فقال: "أنت في رمضان ممسك عن طعامك وشرابك، محارب للذاتك وشهواتك الجسدية، مقبل على ربك بالصوم والصلاة والعبادة والقرآن، وذلك غذاء شهي تستمرئه الروح، وتتلذذ به النفس الطيبة، وتصفو به الفكرة، ويشرق عنه نور البصيرة؛ فترى الحقائق على صورتها، وتضع كل أمر في نصابه وفي موضعه الذي خلق له، سترى إذا تأثرت بصوم رمضان أن هذه الأعراض الدنيوية، وهذه الأموال الفانية وسائل لا تقصد لذاتها، ولا قيمة لها في نفسها، ولكنها تشرف وتعلو إذا أنفقت في الخيرات، وترخص وتنحط إذا ضاعت في السَّفاسف؛ فيدفعك ذلك إلى الإنفاق، وأنت مغتبط مسرور؛ ولهذا كان رمضان شهر الإنفاق، وسترى إذا تأثرت بالصوم أن من ورائك قومًا جاعت بطونهم، وظمئت حلوقهم، وسغبت أحشاؤهم، وأن في وسعك أن تسدَّ جوعهم، وتروي ظمأهم، وتداوي مسغبتهم؛ فيدفعك ذلك إلى البذل والإنفاق؛ ولهذا أيضًا كان رمضان شهر السخاء والجود.

وسترى إذا تأثرت بالصوم أن عاطفة رقيقة يتحرك بها قلبك، وشعورًا دقيقًا تختلج به نفسك، وإحساسًا قويًّا يسري في جوانحك هو الذي يسميه الناس الرحمة أو الشفقة أو العطف أو الحنان، وسمِّه ما شئت، فحسبك أنه شعور يدفعك إلى مواساة المنكوبين، وإعطاء المحرومين، وكفكفة دموع البؤساء والمساكين بما تحسن به إليهم من عطاء، وإذن فرمضان شهر العطاء والبذل، ومتى هان عليك هذا العرض الفتان الذي يسميه الناس المال، وعرفت أنك مستخلف فيه؛ لتنفقه في وجوه الخيرات، وَليس لَكَ مِنه إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَبْقَيْتَ، وفهمت قول الله- تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: من الآية 7)؛ فإنك- بلا شكٍّ- ستتقدم إلى الخيرات باذلاً منفقًا، وأنت باسم الثغر، رضي النفس، وذلك ما يؤديك إليه الصوم الشرعي الصحيح.

وأظنك بعد هذا تستطيع أن تدرك أسرار هذا الحديث النبوي الكريم.

روى الإمام البخاريُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ".

أرأيت كيف أن علو نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم في درجات، مع روحانية تلاوة القرآن، مع روحانية الصوم، الروحانية مع روحانية لقاء جبريل رمضان، كلُّ هذه الروحانيات مجتمعة أثمرت أن يتضاءل سلطان المادة، ويختفي أثر فتنة المال، فيجود به النبي صلى الله عليه وسلم كالريح المرسلة لا يبقي على شيء، وكذلك أثر العبادة الخالصة في نفوس العابدين.

نحو نهضة اقتصادية:

كما أهاب الإمام البنا بالأغنياء من المسلمين- وبالأخص المسرفين منهم والمبذرين- أن يقتصدوا في إنفاق الأموال في التافه والضار وينفقونها فيما يجدي ويعود عليهم وعلى الوطن بالنفع ويحقق نهضة اقتصادية للمجتمع فقال:

"عجيب أمر المسلمين اليوم؛ يجود أحدهم في التافه الضار بدم قلبه وعرق جبينه وعصارة روحه، ويبخل بالنزر اليسير، يحقق به أنفع المقاصد، وأنبل الغايات، ويعتذر عن ذلك بالأزمة، وإن أشد منها فتكًا سوء التصرف وخطأ التوزيع.

أيها المسلمون، بلادكم مسكينة مهضومة، وهي تحاول أن تتخلص من تلك القيود والأغلال التي أثقلت كاهلها وأنهكت قوتها، ولا خلاص لها إلا بأموالكم؛ فإنَّ القوة الاقتصادية والمالية أساس القوة الأدبية والاجتماعية، وأمامكم من مشروعات الوطن ما يدر عليكم الربح الوفير لو شجعتموه، وأنفقتم في سبيله، والإنفاق في هذا السبيل أجدى وأولى من هذا اللهو والعبث الذي ينكبُّ عليه الكثيرون، لا يفرقون بين ما يضر بلادهم وما ينفعها، وإنَّ هذه الأموال إنما هي جهود المكدودين البائسين، استخرجوها من الأرض بشق النفس، وتعبوا في تحصيلها تعبًا ما عليه من مزيد، وليتمثل من يبذر في اللهو والعبث مستأجري أرضه، وكيف يحيون حياة البؤس والنصب لا يصيب أحدهم من الغذاء والراحة والمتعة إلا الحقير التافه ممزوجًا بالشقاء والعناء، وسيرى أن ما ينفقه في ليلة واحدة من ليالي أنسه ولهوه، إنما هو جهد هؤلاء العاملين، إخوانه في الإنسانية والوطن أيامًا غير قليلة.

أيها الأثرياء، إنكم مسئولون عن هذه الأموال من الله- تبارك وتعالى: من أين اكتسبتموها، وفيم أنفقتموها رضيتم بهذا السؤال أم أبيتم؛ فأعدوا الجواب من الآن، واقرءوا سيرة عظماء الأمم وأسلافكم الكرام في أموالهم وبذلهم؛ فإن تيقظت الضمائر، وتأثرت القلوب، وانبسطت الأيدي؛ فبشِّر الشرق بالخلاص والإسلام بالنصرة، وإن كان الموت قد امتد إلى ذلك الأمل،﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾ (المائدة: من الآية 54).

أما بعد؛ فهذا شهر رمضان شهر السخاء والإنفاق، وأمامنا مشروعات كثيرة تهيب بنا إلى الإنفاق؛ فهل نأخذ أنفسنا في هذا الموسم بالتدرب والتمرين على البذل في سبيل الله؟! ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾ (محمد).

رمضان شهر الحرية:

الحرية الإنسانية هي غاية الأفراد وشعار الأمم والشعوب، ومن أجلها قامت ثورات، وهبت شعوب، ولقد رأى الإمام البنا أن شهر رمضان هو شهر الحرية الإنسانية في أسمى معانيها فقال: "فأنت في رمضان تستغني عن الطعام، فإذا استغنيت عنه فقد خلعت عن نفسك نير عبوديته، وصرت حرًّا من مطالبه، خالصًا من قيوده.. وتستغنِي عن الشراب، فإذا استغنيت عنه فقد خلعت عن نفسك نير عبوديته، وصرت حرًّا من مطالبه، خالصًا من قيوده.. وتستغنِي عن المنام وعن الشهوة، فإذا استغنيت فقد تحررت.

إنك إذا استغنيت عن كلِّ ذلك صرت حرًّا طليقًا؛ وإذن فرمضان شهر الحرية، وإذا استغنيت عن ذلك تقلص ظل المادة، وأشرق نور الروح؛ وإذن فرمضان شهر الروحانية، وإذا استغنيت عن ذلك صفا فكرك، وتجلى سلطان نفسك؛ فكنت إنسانًا بكلِّ معنى للكلمة؛ وإذن فرمضان شهر الإنسانية، وإذا استغنيت عن ذلك لم يجد الشيطان سبيلاً إليك، ولم تلق نوازع الشر مطمعًا فيك؛ وإذن فرمضان شهر الخير الواضح المستنير".

رمضان شهر المحاسبة:

لا شك أن رمضان مدرسة تهذيبية كبرى للأخلاق والسلوكيات والعوائد والطباع، وجامعة يتخرج فيها المؤمنون أغزر علمًا، وأطهر نفسًا، وأنقى سريرةً، وأقوم سلوكًا، وأقدر على الثبات والمواجهة، فما بال المسلمون لا يتغيرون بعد رمضان، ويأتي رمضان تلو رمضان، والأخلاق هي الأخلاق، والأوضاع هي الأوضاع، والمشكلات هي المشكلات... إلخ.

إن السبب في ذلك يرجع إلى أنهم اكتفوا بالشكل دون المضمون، وحافظوا على أداء العبادات في رمضان دونما تدبر لمقاصدها وغاياتها، ودون وقوف مع النفس وقفة جادة، لذلك ففي رمضان فرصة كبيرة لمحاسبة النفس وتقويمها.

يقول الإمام البنا:

"ما أعذبها ساعة تلك التي يخلو فيها الإنسان إلى نفسه بعد متاعب اليوم وعناء العمل، وما أحلاها فترة حين يتخلص المرء من جلبة الحياة وضوضائها، ثم يسمو بروحه في هذه الخلوة إلى فضاء من الأخيلة اللذيذة والخواطر العذبة.

ألا إن رمضان في شهور العام هو تلك الساعة الحلوة في ساعات اليوم؛ فهو شهر خلوة نفسية يتجرد فيها الإنسان معظم وقته عن مطالب المادة ولوازم الشهوات، وتسبح نفسه في عالم كله جمال وروعة وأنس وبهجة.

وإنَّ الفواصل في كلِّ شيء أمرٌ لا بدَّ منه لتجديد النشاط، وتوليد القوة، وإعادة السرور واللذة، تلك سُنة الله التي جبل عليها نواميس الخليقة جميعًا، أفلست ترى الليل فاصلة بين النهارين، والنهار فاصلة بين الليلين؟ وتصور كيف تكون الحال إذا فقدت هذه الفواصل. أولست تشعر بالنوم فاصلة بين اليقظتين، واليقظة فاصلة بين النومين، وما بالك إذا استبدت بك اليقظة أو دام عليك النوم سرمدًا؟

وأحلى ما تكون هذه الفواصل عذوبة إذا كان ما قبلها من الأعمال فيه شدة وفيه عنف، وأحب ما تكون هذه الفواصل إلى النفس إذا طالت عليها مدة المزاولة، وغابت عنها الفترة الفاصلة.

فشهر رمضان هو فاصلة العام؛ يدرك النفس الإنسانية، وقد غرقت في المادة إلى أذقانها، وزاولت عملاً شاقًّا في مكافحة ما يحيط بها من ظروف الحياة ومطالبها، حتى إذا جاء رمضان سما بها إلى عالمها، وجردها من كلِّ ما يحيط بها، وطاف بها في عالمٍ طالما استروحت إليه، وحنَّت إلى رياضه ومغانيه، ولهذا كان رمضان شهرًا فاضلاً ممتازًا له فضله وقدسيته وأثره وميزته".

رمضان دعوة للسلام:

تسعى الدول والشعوب حثيثة بالدعوة إلى السلام، وتحقيق السلام، ودفع عجلة السلام، وتعقد المؤتمرات الدولية لبحث السلام، وللأسف لا يتحقق السلام في الأرض، لأنه لا يقوم على دعوات خالصة ونفوس صادقة وأغراض شريفة، بيد أن ذلك كائن في ديننا نحن المسلمين، فالسلام تحية من تحياتنا، وشعار من شعائرنا، وفريضة من فرائضنا، فهذا كتابنا ينطق على الناس بالحق، يهتف بالسلام، ويشيد بالسلام، ويقر على الأرض السلام، وينزل في موكب من الملائكة يحدوه ويحف به السلام، وتحيتنا فيما بيننا ويوم نلقى ربنا سلام، وختام صلواتنا ومناجاتنا سلام، وربنا الله الملك القدوس الذي أعد للصالحين من عباده دار السلام، وديننا الإسلام، ومادته السلام، ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)﴾ (الزخرف).

ويوم اتخذنا السلام شعارًا لم نقف عند حدوده النظرية أو مدلولاته اللفظية، ولكن السلام الذي أراده الله لعباده في ظلِّ الإسلام يقوم على دعامتين:

الدعامة الأولى: النظام الاجتماعي الكامل في القرآن الكريم الذي أنزله الله في ليلة السلام، فجاء يعلن الأخوة العالمية، ويرفع من مستوى النفس الإنسانية، ويكشف للبصائر عن حقائق الربانية، ويقيم دعائم العدالة الاجتماعية بين الحاكم والمحكوم، وبين الضعيف والقوي، والفقير والغني، والرجل والمرأة، ويشيع في المجتمع معنى التكافل الحق الذي يشيع في كل نواحيه معاني الحب والسعادة والطمأنينة والسلام، ومن قرأ القرآن وأنعم النظر في توجيهاته وشرائعه وأحكامه عرف صدق ذلك ومواضعه من هذا الكتاب الكريم الذي لم يدع خيرًا إلا أمر الناس به، ولم يدع شرًّا يؤذيهم إلا نهاهم عنه.. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية 89).

الدعامة الثانية: الأمة المؤمنة بهذا النظام، والدولة القائمة عليه تفقهه، وتؤمن به، وتدافع عنه، وتدعو إليه، وترشد البشرية إلى ما فيه من خير وجمال ورحمة، وتجاهد في سبيل ذلك بكل ما تملك، ولا تخشى في ذلك لومة لائم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)﴾ (المائدة)، وبذلك اقترن الوضع النظري بالكفاح العملي، فحفظ الأمن، واستقر على الأرض السلام.