سبعون عاما في حضن اللغة العربية 6

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ٠٨:٥٠، ٢٤ أكتوبر ٢٠١١ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
سبعون عاما في حضن اللغة العربية 6

أ.د/جابر قميحة

مقدمة

وفي المدرسة الابتدائية

وقائع ومشاهدات

الحلقة السادسة

كان ناظر المدرسة جادا شديدا ، وأذكر أنني لم أر ابتسامة واحدة على وجهه ، ولكن من أهم ملامحه أنه كان ضليعا في اللغة الإنجليزية ، يشهد بذلك ما نراه من محادثاته أمامنا مع الأستاذ إبراهيم العزبي أستاذ اللغة الإنجليزية ، وسمته الثانية أنه كان " وفديا " ضليعا في وفديته ، يحب النحاس باشا رئيس الوفد ويتحدث عنه لأصدقائه كثيرا ، وكثيرا ما اصطدم به الاستاذ عباس عاشور بسبب اتجاهه الوفدي ، وقد كان الأستاذ عباس كما ذكرنا إخوانيا ضليعا في إخوانيته ، وكان الوفد في شبه حرب مع الإخوان آنذاك

وللطربوش في المدرسة وفي حياتي ذكريات لا تنسى ، فالطربوش كان دليلا على " الولاء المصري " . حتى المحامين والموظفين لا يزاولون أعمالهم إلا ولطربوش يتوج رءوسهم ، ويا ويل التلميذ الذي ينسى طربوشه أو يفقده ، أو يحضر إلى المدرسة وبطربوشه عيب من العيوب يتعلق بجسم الطربوش أو بزره.

وكان بعض التلاميذ الاشقياء يخطغون طربوش واحد منهم ويجعلوا منه كرة تتقاذفها الأرجل ، ويا ويلهم أيضا إذا رآهم الناظر " الحمش " السيد الخباطي .

ولي مع الطربوش موقعة سجلتها بصورتها الواقعية في مقال بعد ذلك بقرابة ستين عاما ،قلت فيه :

" إن أنس لا أنس ما يمكن أن أسميه " الموقعة الطربوشية " . وخلاصتها : كنا في الصف الثاني من المرحلة الابتدائية ، وكنت أجلس أنا وزميلي " شفيق رحمو" في آخر قمطر (مقعد) في الفصل بسبب طولنا ، وقد خصص القمطر لجلوس اثنين ، وأمامنا مباشرة يجلس اثنان ، أحدهما " رمزي " يجلس أمامي مباشرة ، وكان مشهورا بسذاجته ، وإذا جلس يميل طربوشه إلى الخلف كثيرا ، فيبقى زره مهتزا ، وكل يوم يستاذن مني رفيقي شفيق بأن نتبادل مكانينا للحظات ،يؤدي خلالها دورا وهو أن يمد فمه ويقرض فتلة أو فتلتين من زر رمزي ، ثم يعود إلى مكانه الأصلي ، فلم يبق من الزر إلا نصفه ، وأغراني نجاح شفيق وقدرته على التقاط الزر فتلة فتلة ، فقلت لنفسي فلأجرب حظي معه للمرة الأولى والأخيرة ومددت فمي ، لألتقط خيطا من خيوط الزر ، فلم أستطع ووجدت الزر كله في فمي ، في هذه اللحظة دخل ناظرنا الجبار الفصل فأخذتني الرهبة والارتباك ولم أستطع أن أفتح فمي ، وقمنا تحية له وأنا أعض على الزر والطربوش كله في فمي ، تحولت إلى كتلة من الارتعاش وألقى الناظر نظرته وقال بصوت مرعب : "قميحة" انتظرني خارج الفصل أمام حجرتي ، فخرجت ومنطقة الفم مغطاة بالطربوش الذي تشبثت أسناني بزره وذلك لأنني لم أستطع أن أفتح فمي ، في هذه اللحظة صرخ رمزي " يا بويا ...

الحقني يا بويا ... جابر أكل طربوشي ... أكل طربوشي أجيب طربوش تاني منين يا بويا " والفصل يكاد يسقط من شدة الضحك حتى " الأستاذ الحماحمي " مدرس العلوم ، خرجت وأنا بهذا المنظر الغريب ،وخرج الناظر من الفصل ، وقال بصوت مرعب " إنت اللي بيقولوا عليك تلميذ مثالي ؟ ...

بكره ما تجيش من غير ولي أمرك ، وتجيب للواد طربوش تاني" ، كل ذلك ومنظري كما هو ، ورأيت الناظر يرفع يده ويلطمني لطمة شديدة لأول مرة في حياتي ، ومن شدتها أطارت الطربوش من فمي ، وأردف الناظر قائلا " اما أن تصلح له الطربوش ، أو تشتري له طربوشا جديدا " ودخلت الفصل وما زال رمزي يصرخ ويقول " جابر أكل طربوشي " فكلف الأستاذ الحماحمي تلميذين ليبحثا عن الطربوش ، فلم يجداه . وكل ذلك يزيد رمزي بكاء وصراخا ، والمدرس يكتم ضحكه مما يرى ، وقال لي " اخرج انت يا جابر وابحث عن طربوشه " . وخرجت وبحثت طويلا ولا أثر للطربوش ، كأن الأرض قد ابتلعته ، دخلت الفصل وأخبرت المدرس بالنتيجة فوجه كلامه إلى رمزي قائلا " معلش يا رمزي هدي نفسك شوية " فيزيد صراخ رمزي " اهدي نفسي ازاي بعد ما جابر أكل طربوشي " .

وبعد قرابة نصف ساعة دخل الفرّاش ( العامل ) وفي يده شيء أسود يشبه جسم البطة ، وهو يمسكه بقطعة من ورق الصحف حتى لا تتلوث يده ، ورفع هذا الشيء وقال " دا طربوش مين يا تلامذة؟ " فغرق الفصل كله في الضحك العالي ، لأن الشكل لا يمكن أن يكون شكل طربوش . فسأله المدرس"أين وجدتموه يا عبد الرءوف ؟ " .

ــ وجدناه في الزبالة أمام المدرسة .

ــ وما الذي أوصله للزبالة ؟ .

وانكشفت الحقيقة : فبعد أن لطمني الناظر اللطمة التي أطارت الطربوش سقط الطربوش في عربة الزبالة الموجودة في الصالة ، والتي تجمع فيها قمامة المدرسة كلها ، فلما أخذ عبد الرءوف الصندوق ليلقيه في صندوق الزبالة الضخم أمام المدرسة عثر على هذا الطربوش ، وتدخل الأستاذ الحماحمي لتصفية الجو وقال لي " انت غلطان يا جابر ، بعد المدرسة تروح إنت ورمزي إلى دكان"علي عرنسة " ، وتخليه ينظف الطربوش ، ويكويه ، ويركب له زر جديد ، وكل ده على حسابك يا جابر " .

وطبعا وافقت ، ولكن رمزي صرخ وقال " هوّا فين الطربوش يا عالم ... جايبنلي قطة ميتة ويقولولي دا طربوش ..." .

ــ خلاص يا رمزي بعد المدرسة على طول تنفذوا انت وجابر اللي انا قلت عليه.

ولففنا هذا الشيء الذي يشبه الطربوش في ورقة سميكة ، واتجهنا إلى محل علي عرنسة ، وسلمناه الورقة بمحتواها ، فرماها في الزبالة ، فصرخ رمزي " طربوشي ... طربوشي ... حرام عليك انت كمان " .

ــ فين الطربوش يا جدع ؟ انت جايبلي فردة صرمة قديمة وتقولي طربوش ؟!

والخلاصة أننا اتفقنا على صرف النظر عن هذا "الشيء" الذي كان اسمه طربوشا ، ويصنع له طربوشا جديدا ، ويسلمه له بعد صلاة العشاء ، ودفعت الثمن مقدما وهو خمسة عشر قرشا . وبذلك حلت مشكلة الطربوش مع رمزي ، وطبعا لم أذكر الفاعل الأصلي زميلي " شفيق رحمو " وهو الفاعل الأصلي الذي تكرر عدوانه .

وفي السنة الثالثة نقل السيد الخباطي أو أحيل إلى التقاعد ، وتولى النظارة الأستاذ " محمود الهجرسي " وأعتقد أنه تخرج في كلية دار العلوم ، وكان يحب اللغة العربية ، ويكتب بها شعرا ، وبعض التمثيليات ، وقد قمنا بتمثيل بعض إنتاجه في فناء المدرسة ، ولكن الأستاذ عباس عاشور يفوقه بكثير .

وفي هذه المدرسة ارتفع مستواي إلى حد بعيد في اللغة العربية ، وهذا أسعد أبي وأسعد أسرتي ، وكنت بعد العشاء أقرأ لأبي بعض قصص "ألف ليلة وليلة "، كذلك كنت أقوم بكتابة الرسائل التي يريد أن يرسلها إلى عملائه ، بعد أن كان يقوم بهذه المهمة أخي الأكبر محمد .

ومضت السنة الرابعة على خير ما أحب ، وبقدر حبي للغة العربية كان اندماجي العملي والثقافي في دعوة الإخوان ، وقد بسطت ذلك في كتابي " ذكرياتي مع دعوة الإخوان في المنزلة دقهلية " .

وأدينا الامتحان النهائي في هذه المرحلة ، وحصلت على " شهادة إتمام الدراسة الابتدائية " . وكان ذلك بتفوق والحمد لله ، مما يؤهلني للالتحاق بالمرحلة الثانوية .

كنت أعتز بهذه المرحلة بصفة خاصة لأنها كانت أول تجربة لي في التعليم الأميري ، كما ذكرت آنفا ، ومن اعتزازي بها كتبت المقال التالي سنة 2005 م .

وأعرضه على القاريء كما كتبته وعنوانه :

رحم الله تعليم زمان..!

قالوا: من لا ماضي له لا حاضر له, ومن لا حاضر له مات مستقبله, فالتاريخ امتداد زمني متدفق تعتمد مراحله بعضها علي بعضها الآخر, بدرجات مختلفات, وأيسر ما يقال في هذا المقام: إن ثمة علاقة - أو علاقات - رابطة ولو جاءت علي سبيل التجافي والتضاد. وتحديد نوع العلاقة هو المرتكز الأساسي للتقييم الدقيق لمرحلة تاريخية, أو مراحل.

نعم.. تعلمنا قبل الميمونة!!

وحتي يسٍلم معروضي وحكمي, أتحدث عما سرته, وعشتُهُ بنفسي, فهو تصوير لحالات عامة, وإن اتخذ الذات منطلقًا: بعد قضائي ثلاث سنين في المدرسة «الإلزامية» التحقت بالصف الأول من المدرسة الابتدائية الأميرية (وهو وصف يلحق كل مدرسة حكومية أي غير خاصة ( في بلدتي «المنزلة دقهلية», بعد نجاحي في اختبار تحريري, من لم يوفق فيه يلتحق بالمدرسة الخاصة الوحيدة في البلد.

كان ذلك عام 1945, وكانت المرحلة الابتدائية أربع سنين, حصلت بعدها علي «الشهادة الابتدائية», وبعدها التحقت بالمدرسة الثانوية الأميرية لأحصل بعدها علي شهادة اسمها «الثقافة العامة» ويبدأ التخصص في السنة الخامسة, فاخترت شعبة (الأدبي) لحبي الشديد للأدب واللغة العربية. مع أن والدي كان حريصًا علي أن ألتحق بالشعبة العلمية حتي ألتحق بكلية الطب, وأتخرج طبيبًا, فلم يكن في البلد إلا طبيب واحد هو الدكتور يوسف باشا رحمه اللّه.

لقد بدأت دراستي الابتدائية في العام الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية وانتهيت من دراستي الثانوية بعد قيام «الميمونة» بعام واحد, وكانت عيني علي «دار العلوم» التي بدأت تقبل الحاصلين علي الثانوية العامة (وكان يطلق عليها التوجيهية) زيادة طبعًا علي الحاصلين علي الثانوية الأزهرية, ولا قبول إلا بعد امتحانات تحريرية وشفوية قاسية, اجتزتها بحمد اللّه, مع أنه لم يوفق إلا نصف العدد المتقدم.

نظرة .. للاعتبار

وفي السطور الآتية ألقي بعض الضوء علي طبيعة المرحلتين الابتدائية والثانوية, وأبعاد واقعهما, وآلياتهما اعتمادًا علي نظرة, بل معايشة ميدانية فعلية كما أشرت آنفًا, وذلك قبل قيام "الميمونة" :

1 - كانت المدرسة تشغل مبني أُسس, وبُني ليكون مدرسة, وكان الملعب الواسع, من أهم مرافق المدرسة, وفيه تعقد المباريات, والحفلات, ويصطف فيه التلاميذ.

2 - كان الطالب يدفع في بداية كل عام «مصروفات مدرسية» ضئيلة, ويعفي منها الفقراء من الطلاب, وكان ما يدفعه الطالب أقل بكثير جدًا مما يدفعه الطالب حاليًا مقابل «حصة واحدة» في درس خصوصي.

3 - كانت الإنجليزية تدرس ابتداء من السنة الأولي في المرحلة الابتدائية. أما الفرنسية فتدرس ابتداء من المرحلة الثانوية.

4 - كان المدرس معلمًا, أستاذًا, عالمًا بكل معني الكلمة, فالمرحلة الابتدائية يتولي التدريس فيها الحاصلون علي مؤهلات عالية من خريجي دار العلوم والأزهر, والجامعات. وبدافع الوفاء أذكر بالخير من أساتذة اللغة العربية الأساتذة: رأفت الخريبي, وشمس الدين المحلاوي في المرحلة الابتدائية, وعبد الجواد جامع, ومحمد جلال, ومحمد عبد الرحمن النجدي في المرحلة الثانوية, ومن أساتذة الإنجليزية: إبراهيم العزبي (ابن ميت سلسيل), وفياض, وعبد القوي, وفي الفرنسية أذكر الدكتور أمين واصف, الذي صار - فيما بعد - أستاذًا ثم وكيلاً لكلية الألسن بجامعة عين شمس.

5 - وكان العصر, هو عصر «النُّظار العظام» بحق: كان ناظر المدرسة "شخصية" ذات هيبة, وعلم, ومكانة وثقل في كل الأوساط, ولا يخاطَب إلا بـ" فلان بيه " وأذكر من هؤلاء الأساتذة: السيد الخباطي, ومحمود الهجرسي, وأحمد السلكاوي, وإمام ناصف.

6 - لم تكن نعرف - في كل المراحل - ما يسمي بالدروس الخصوصية, ولا حتي مجموعات التقوية المدرسية, فالعملية التعليمية كانت تسير في طريقها السوي الطبيعي السديد.

7 - كان الشعور الجاد الصادق بالمسئولية يسيطر علي المدرسين, فيؤدون أعمالهم بإخلاص وحماسة, وامتد هذا الشعور إلي الطلاب, فلم يكن هناك واقعات غش إلا نادرًا.

8 - كانت نتائج الامتحانات تمثيلاً صادقًا لقدرات الطلاب وتحصيلهم, لأن الأساتذة كانوا يلتزمون الدقة في «تصحيح أوراق الإجابة», زيادة علي إخلاصهم في العطاء والعمل.

9 - كانت أيام الامتحانات - بصفة عامة - وامتحانات الشهادات ( الابتدائية - الثقافة - التوجيهية) بصفة خاصة - تمضي كبقية الأيام, دون رهبة أو «طوارئ» أو حرق أعصاب.

بين الأمس واليوم

تلك كانت أهم ملامح الواقع التعليمي قبل الميمونة .فما ملامح هذا الواقع بعد قيام الميمونة(1952) وخصوصًا العهد «البهائي» - نسبة إلي الوزير الهمام حسين بهاء الدين - وماتلاه? وأسهًّل الإجابة علي القارئ, وأطلب منه أن يسجل عكس الملامح التسعة السابقة ليفوز بملامح هذا الواقع التعليمي الذي نعيشه الآن:

- فالمدارس أُلغي منها الملعب لتزرع بحجرات الأسمنت, وكثير من المباني مهترئ يهدد حياة التلاميذ.

- أصبحت الدروس الخصوصية هي الأساس, والمدرسة هي الاستثناء, والطالب يكلف أسرته آلاف الجنيهات لهذه الدروس, وعليها أن «تحجز» لابنها مكانًا عند الأستاذ قبل بداية العام بأشهر, وبعض الأسر تستدين أو تبيع بعض الأثاث أو «حلي» الزوجة أو البنات من أجل الدرس الخصوصي. و«الأستاذ» يرفض دائمًا إلا أن يعطي الدرس إلا «لمجموعة», وانتهت أيام الدرس الخاص لطالب بمفرده لأن الحصيلة تكون تافهة, لا تقنع الأستاذ, وكأنه المقصود بقول الشاعر:

كالحوتً لا يرويه شيء يَطعمهْ

يصبح ظمآنَ وفي الماء فمهْ

- أما مستوي المدرس - بصفة عامة, فالحديث عنه أصبح من قبيل إهدار الوقت والكلمات.

- وكارثة الكوارث نراها في «تطويع» المناهج تبعًا لإرادة «الامبراطور بوش» صاحب نظرية «تجفيف المنابع», وهي حقيقة لا تحتاج إلي شرح وتوضيح..

- ومن فضول القول كذلك أن أتحدث عن المستوي العلمي للطلاب والمتخرجين.

ولا تسلني عن العلاج.. فعرض بعض خطوط العلاج لا يتسع له مقال, ولا أكثر من مقال.. ولا حول ولا قوة إلا باللّه .

هذا , وندعو الله أن يبارك في جهود الدكتورحمدي حسن – المتحدث باسم الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بالبرلمان المصري ( 2005) - إذ قدم أول طلب إحاطة في البرلمان الجديد لرئيس مجلس الوزراء , والدكتور أحمد جمال الدين – وزير التربية والتعليم – عن انهيار التعليم .

بارك الله فيك – يا دكتورحمدي – وبارك جهاد نواب الإخوان المسلمين , إنه نعم المولى ونعم النصير .

تذييـل

ولا يفوتني أن أجيب على الرسالة الآتية التي أرسلها إليّ في بريدي الضوئي الأستاذ الإعلامي : مديح محمد شعبان، صاحب مدونة ( شُذُور الخيال ). ونصها الآتي بعد الديباجة:

" ... هل من حقي أن أسأل سيادتكم يا دكتور جابر ، هل ما قرأناه من حلقات (سبعون عاما في حضن اللغة العربية) يصدق عليه وصف " الترجمة الذاتية " للدكتور جابر؟ ، وإذا كان هذا صحيحا فلماذا لم يكن العنوان أقوى دلالة من العنوان السابق، مثل " حياتي " أو " مسيرتي في الحياة " أو ما شابه ذلك ؟

وأقول للأخ الحبيب : " إن ما كتبته وما أكتبه في هذه الحلقات إنما هو أقرب إلى أن يكون ترجمة لحياة اللغة العربية وتطورها من خلالي . وبتعبير درامي كانت اللغة العربية فيما كتبت ، وفيما ستقرأ مستقبلا إن شاء الله هي " البطل " ، أو " الشخصية الرئيسية أو المحورية " فيما كتبت وأكتب ، ويأتي كاتبها ــ الذي هو أنا ــ في المرتبة الثانية بعدها ، مع ملاحظة التلاحم بين البطل والشخصية التالية له وهي الكاتب .

وقد يقال إنك تحدثت عن البيئة العامة ، والبيئة الأسْرية التي استقبلتك في طفولتك ، وأقول إنما بسطت القول في ذلك على سبيل الإيجاز ، ثم لإبراز بصمات هذه البيئة أدبيا ونفسيا واجتماعيا فيما أطرحه في هذه الحلقات .

وهذا يذكرني بكتابي " ذكرياتي مع دعوة الإخوان في المنزلة دقهلية " ، فالدعوة هي البطل أو الشخصية المحورية والكاتب في مقام الراوية . وهذا هو عنصر التشابه بين الكتاب ، والحلقات التي أكتبها حاليا . وقد يتضح هذا المعنى أكثر وأكثر في الحلقات القادمة بمشيئة الله .

المصدر:رابطة أدباء الشام