سجون ومعتقلات تروى تاريخ الإخوان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٥:٥٤، ٨ يناير ٢٠١٨ للمستخدم Taha55 (نقاش | مساهمات) (حمى "سجون ومعتقلات تروى تاريخ الإخوان" ([edit=sysop] (غير محدد) [move=sysop] (غير محدد)))
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
سجون ومعتقلات تروى تاريخ الإخوان


مقدمة

"معتقل «الهايكستب" استقبل الإخوان في 1948 بعد اغتيال النقراشي باشا سجن العامرية استقبل الإخوان بعد ضبط مفرقعات مع حسن عشماوي في 1954 إعدام 6 من قيادات الإخوان في السجن الحربي بعد محاولة اغتيال عبد الناصر على الجدران وفي الليالي الكاحلة كان يدون السجين ذكرياته المريرة عن يوميات القبض عليه واحتجازه ونهاره الذي يمر بسرعة السلحفاة، وليله الذي لا يأتي صباحه إلا بعد "طلوع الروح"

هذه التدوينات تحولت فيما بعد إلى تاريخ يحكي تفاصيل أحداث جسام مر بها الوطن وانعكس مردودها على تلك الجدران. في السطور التالية نتجول بين السجون والمعتقلات التي دخلها الإخوان منذ نشأة الجماعة وحتى تاريخ قريب مذ دخلوا معتقل "الهايكستب" عام 1948 بعد اغتيال النقراشي، ومرورًا بمعتقل الطور ومعتقل عيون موسى ثم سجن العامرية والسجن الحربي وغيرها من المعتقلات والسجون تروي تفاصيل عن نفسها وعن القضايا والجرائم والأحكام التي تتعلق بالإخوان.

الهايكستب

في ديسمبر 1948 أصدر رئيس الوزراء، محمود فهمي النقراشي، قرارًا بحل جماعة الإخوان المسلمين، فأغلقت مقرات الإخوان المسلمين، وصودرت ممتلكاتهم، واعتقل عدد كبير منهم، إلا فردًا واحدًا هو الإمام حسن البنا، وبعد 20 يومًا من حل الجماعة اغتيل النقراشي، على يد الطالب عبد المجيد حسن، الذي ارتدى زي ضابط شرطة، ودخل مكتب رئيس الوزارة وقتله بمسدسه، وجاء إبراهيم عبد الهادي، رئيسًا للوزراء، ثم اغتيل حسن البنا في 12 فبراير 1949، وكان الإخوان المعتقلون بالمئات أودعوا في معسكر الهايكستب. وهذه المنطقة كانت معسكرًا للإنجليز، وهي بين القاهرة ومحافظة الشرقية، تبعد حوالي 30 كيلومترًا شمال شرق القاهرة، وبعد أن رحل عنها الإنجليز قامت الحكومة بتجهيزها كمعتقل، وفي عام 1948، تم اعتقال وترحيل الإخوان من جميع المحافظات إلى معتقل الهايكتسب كمركز تجميع، تمهيدًا لترحيلهم إلى جبل الطور في سيناء، هذا المعتقل كان فيه أسرة، ولكثرة عدد المعتقلين كان كل اثنين من الإخوان المعتقلين ينامان على سرير واحد.

الهايكستب عبارة عن عنابر واسعة من البناء سابق التجهيز، كل منها محاط بالأسلاك الشائكة، وبه عنبر الإدارة به مكتب قومندان المعسكر والضابط، وكان في جناح الإدارة معتقلون من اليهود والشيوعيين والوفديين، ولكن في طرف آخر غير منفصل إلا معنويا، وكان الفناء واسعًا من دون السلك الشائك، فترك مجالًا للتمشية والرياضة. معتقل الطور بعد أن تم تجميع الإخوان في معسكر الهاكستب تم نقل نحو ألف منهم إلى السويس وركبوا الباخرة "عايدة" إلى معتقل الطور (طور سيناء) في وسط شبه جزيرة سيناء، وكان المعتقل مكانًا يتوقف فيه حُجَّاج البواخر للكشف عليهم بعد عودتهم من الحج "الحجر الصحي"، وتم تحويل المكان إلى معتقل للإخوان. معتقل الطور يتكون من 5 حزاءات "عنابر" كل حزاء ما يقرب من 20 غرفة اتساع الواحدة 6 × 10 أمتار تقريبًا، ويتوسطه مصلى به حنفيات مياه عذبة، وبجوارها دورة مياه مالحة، وطول الحزاء يقرب من مائتي متر، يتوسطه فناء واسع استعمل للرياضة ويحيط به سلك شائك يليه أبراج الحراسة.

نزل الإخوان في حزاء رقم 3، ونزل الشيوعيون في حزاء رقم 4، وبين كل حزاء وآخر ما يقرب من 100 متر. معتقل عيون موسى ولما اقترب موسم الحج كان لابد من إخلاء معتقل الطور؛ لأنه مكان الحجر الصحي، فتم ترحيل 250 معتقلًا، قيل إنهم قيادات الإخوان، إلى معتقل عيون موسى. معتقل عيون موسى عبارة عن (كرنتينة) للحجر الصحي خاص بالأجانب، ومبانيه فاخرة، عبارة عن فيلات لها (فرندات) ودورات مياه وغرف بأرضية من الخشب وداخل (الكرنتينة) كنيسة يعلوها صليب ومبخرة، وبه ماكينة إنارة معطلة وبجوارها خزان للماء، وكان يرفع الماء من عين في باطن الأرض "طلمبة ماصة كابسة"، وتوقفت الماكينة عن الحركة من عشرات السنين، وعجز مهندسو مصر والأجانب عن إصلاحها. ما إن وصل الإخوان إلى معتقل عيون موسى كان شغلهم الشاغل توفير المياه، إذ وصل القارب التجاري من السويس يحمل ما يقرب من 5 مترات مكعبة لا تكفي الشرب، وتقدم المهندس عبد المنعم صالح، رئيس شبكة النور بمدينة دسوق، بطلب من المسؤولين لفحص ماكينة الإنارة وفتحت له أبوابها، ثم طلب بعض قطع الغيار ووسائل إنارة من السويس، وأخذ يزاول عمله حتى أمسى الليل، واستطاع تشغيل "الطلمبة".

سجن العامرية

في بداية عهد ثورة يوليو بدأ الرئيس جمال عبد الناصر في اعتقال الإخوان المسلمين في 15 يناير 1954، وبعد تجميعهم في السجن الحربي في مدينة نصر تم ترحيلهم إلى معتقل العامرية في 18 يناير 1954، ونشرت الصحف عن ضبط كميات هائلة من الأسلحة والمفرقعات في منزل حسن عشماوي بإحدى قرى مركز فاقوس محافظة الشرقية، وبدأت النيابة التحقيق معه. نُقِل الإخوان إلى معتقل العامرية، وسط الصحراء قريب من الإسكندرية، أقامه الإنجليز، لكنه كان تابعًا لإدارة المباحث العامة ويشرف عليه آنذاك ممدوح سالم، عبارة عن 4 جمالونات حديدية، لا تكاد تمنع المطر، وكان الاعتقال في أواخر فصل الشتاء والمطر يغمر المعتقل بمن فيه.

السجن الحربي

تم توجيه ضربة لجماعة الإخوان المسلمين في أكتوبر 1954، أحدثت جرحًا عميقًا في صفوف الجماعة، في الإسكندرية، حين اتهم الإخوان بتدبير حادثة اغتيال جمال عبد الناصر، وتم القبض عليهم وإعدام 6 منهم شنقًا، واتهم في الحادث أحد إخوان إمبابة بالجيزة، بإطلاق الرصاص، محمود عبد اللطيف، وتم إعدامه، ومعه مسؤول الإخوان في إمبابة هنداوي دوير، ومسؤول القاهرة إبراهيم الطيب، مع 3 من أبرز قيادات الإخوان هم الشيخ محمد فرغلي، وعبد القادر عودة، ويوسف طلعت. حجم الزنزانة في السجن الحربى 3.5 متر طولًا × 180 سم عرضًا بارتفاع 4 أمتار وبها شباك صغير 60 سم × 30 سم مرتفع جدًا، والباب حديد مصمت به فتحة قطرها 5 سم فقط ينظر منها العسكري، 8 أشخاص في كل زنزانة، وفي 1965، كانت الزنزانة الواحدة تضم 4 أشخاص، وتُفتح مرة واحدة في الصباح لمدة 5 دقائق لتغيير الماء، وتفريغ جردل البول والغائط (أو الإناء الكاوتش)، ومرة أخرى في المساء لمدة 5 دقائق، وعند تقديم الوجبات الثلاث لمدة دقيقة أو دقيقتين في كل مرة.

منطقة السجون الحربية

كانت تبدأ بالبوابة السوداء، مكتوب عليها بخط كبير "السجون الحربية.. تأديب وتهذيب وإصلاح"، ومساحة كبيرة محاطة بأسوار عالية ارتفاعها حوالي 4 أمتار، وعلى أركان هذه الأسوار أبراج مراقبة عالية يقف فيها عساكر للحراسة ليل نهار، يتم تغييرهم كل ساعتين. بداخل السجن الحربي عدة مبان: السجن الكبير، أكبر السجون مساحة به 258 زنزانة في 3 أدوار، وسجن رقم 1 وسجن رقم 2، يسكنهما عساكر السجن، وسجن رقم 3 به حوالي 60 زنزانة، وسجن رقم 4 وهو أقل من سجن 3، وسجن رقم 5 وهو دور واحد لسكنى كبار المسؤولين الذين يحكم عليهم في القضايا المختلفة، ومستشفى صغير دور واحد به حوالي 12 زنزانة، وملحقة بالمستشفى يسكنها المرضى والذين يشرفون على الموت "كانت تسمى الشفخانة"، ومكاتب للضباط والمساعدين والشاويشية، لإدارة شؤون السجن، ومطبخ ملحق به عدة مخازن، وحوالي 8 مكاتب للتحقيق، أمامها نافورة مياه، وبجوارها حديقة بها أنواع كثيرة من الأشجار والزهور والورود والرياحين وبها حظائر لتربية أنواع كثيرة من الطيور والدواجن، وأبراج صغيرة للحمام وبها حظائر لتربية الأغنام والماشية وهناك عساكر متفرغون للعمل في هذه الحظائر والحدائق، وغالبًا كان يختلس من طعام المسجونين كي يوضع لهذه الطيور والحيوانات علفاً وغذاء.

ليمان طرة

ليمان طرة

ليمان طرة بناه الإنجليز عام 1886 كسجن على النظام الإنجليزي، بعد احتلالهم مصر، في ضاحية طرة الملاصقة للقاهرة على كورنيش النيل، أكبر سجون مصر على الإطلاق حتى بداية التسعينيات من القرن العشرين، فبعد أن صدرت الأحكام في قضايا الإخوان في 1954/ 1955 تم توزيع الإخوان كالآتي: الأشغال الشاقة المؤبدة ومعهم قيادات الإخوان إلى ليمان طرة، حيث تقطيع الأحجار من الجبال والبعض الآخر إلى ليمان أبي زعبل حيث تقطيع البازلت في محاجر البازلت في منطقة أبي زعبل شباب الإخوان من (إخوان الخمسات) وإخوان (العشرات) بعضهم إلى سجون بني سويف والمنيا وأسيوط وقنا والقناطر. المعتقلون أغلبهم بقى في السجن الحربي عامين إلا قليلًا، منهم من نقل إلى سجن مصر وقليلون نقلوا إلى سجن الاستئناف، الأول كان في منطقة القلعة حتى عام 1972، والآخر لا يزال في منطقة (باب الخلق). ليمان طرة عبارة عن 4 عنابر، كل عنبر 4 أدوار، ويسع العنبر لحوالي ألف سجين، بمعدل 4 سجناء في كل زنزانة صغيرة (180 سم عرضًا × 350 سم طولًا). أما أعضاء مكتب الإرشاد ومعهم المرشد الثاني حسن الهضيبي فأودعوا مع جميع الإخوان في عنبر رقم واحد، والأحكام الصادرة ضد الإخوان حتى 3 سنوات تم ترحيلهم إلى سجن القناطر للرجال، وتم ترحيل زينب الغزالي وحميدة قطب إلى سجن النساء بالقناطر، وتم ترحيل الأحكام من 5 سنوات حتى الأشغال الشاقة المؤبدة إلى ليمان طرة. بعد 8 أشهر تم ترحيل الأحكام من 5 سنوات إلى 10 سنوات إلى سجن القناطر، وبقي الإخوان الصادر ضدهم أحكام 12 سنة، و15 سنة، و25 سنة (مؤبد) في ليمان طرة، وتم ترحيل علي جريشة بمفرده إلى سجن قنا نفيًا وتغريبًا (بلغة السجون) في أغسطس 1968، وبعد 3 أشهر أخرى تم ترحيل 21 فردًا من الإخوان من ليمان طرة إلى سجن قنا العمومي في 21 نوفمبر 1968، وتم ترحيل 16 فردًا من الإخوان من سجن القناطر أحكام 5، و7، و8، و10 سنوات، إلى سجن قنا العمومي في 22 نوفمبر 1986

سجن الواحات

عاش الإخوان المحكوم عليهم بـ6 أشهر في ليمان طرة يقطعون الحجارة في جبل طرة، وبعد تدهور صحة المرشد الثاني، حسن الهضيبي، أصدرت الحكومة قرارًا بحبسه في منزله في منطقة الروضة بالقاهرة، وتم ترحيل قيادات الإخوان إلى سجن الواحات الخارجة. كان عدد القيادات الذين تم ترحيلهم حوالي 350، وتم ترحيل بعض عتاة المجرمين المتهمين في قضايا القتل، وإلى جانب هؤلاء كان هناك الشيوعيون حيث اعتقلت الحكومة أغلب قياداتهم منذ عام 1958 وسجن الواحات الذي كان عبارة عن خيام في الواحات الخارجة، ويحكي المرشد الرابع، محمد أحمد أبو النصر، عن هذه الفترة في مذكراته: "بعد مضي 6 شهور قضيناها في ليمان طرة، رُحلنا ومعنا مجموعة من النزلاء المحكوم عليهم في قضايا القتل إلى سجن الخارجة، في وسط الصحراء الغربية بعيدًا عن أسيوط بحوالي 240 كيلومترًا، وهو عبارة عن خيام خصص بعضها لسكنى النزلاء، والبعض الآخر لمرافق السجن وإدارتها، وقد أحيط بالأسوار الشائكة، التي تتخللها أبراج الحراسة".

سجن المحاريق

كانت الحكومة تتخوف من بقاء السجناء في سجن الواحات الخارجة، لأنه في نظرها سجن مفتوح، فقررت بناء سجن خاص في المحاريق، وأنشأت به 3 عنابر لجميع النزلاء، ومباني خاصة بالإدارة، وكان يحوط السجن سور عال مبني بالأحجار، أقيمت عليه أبراج الحراسة. كانت جميع عنابر السجن ومرافقه عليها أبواب خشبية ضخمة مبطنة ومزودة بالحديد، وفي وسط السجن أقيمت فيلا خاصة لسكن المأمور، حتى لا يغادر السجن ليلًا أو نهارًا، إمعانًا في التحفظ على الإخوان، وخشية من هروبهم، وأرادت الحكومة إجهاد الإخوان، فعملت على إنشاء مزرعة قريبة من السجن، وكلفت الإخوان بإصلاح هذه الأرض، عاش الإخوان في سجن المحاريق حتى 2 مايو 1964، وعاش معهم الشيوعيون في نفس السجن، حتى تدخل الرئيس السوفييتي، خروشوف، وأفرجت الحكومة عن الشيوعيين جميعًا، ورحلت الإخوان إلى سجن قنا.

وكتب أحمد المقدم نشر

سجن المحاريق، أو معتقل توكر السياسي، أو معتقل الوادي الجديد، أسماء كثيرة ترددت علي مسامعنا نحن سكان الواحات منذ عدة عقود، حول معتقل يوجد في شمال الخارجة في منطقة " المحاريق " المنيرة التي تمتلأ بالآبار الجوفية، أهمها بئر السجن، وتعد من المناطق الزراعية بعد إخلاء السجن القديم من نزلائه منذ عدة عقود، لتصبح المنطقة متنفسًا للنزهات العائلية، والرحلات المدرسية فأتيحت لي الفرصة لرصد المكان فضلا عن التمتع بكل ما فيه من جمال لطبيعة بكر، فأدهشني وجود بئرين لا يفصل بينهما إلا عشرين متراً، مياه البئر البحري باردة، باردة، ومياه البئر القبلي دافئة، دافئة ، فسبحان الخلاق العظيم.

وسط هذه الطبيعة الرحبة يوجد بناء من الطوب اللبن مسقوف بالخشب، ومقسم إلي عدة حجرات، بفناء واسع، يحيط به سور متهالك. بناء مهجور منذ فترات بعيدة ، لكنه لا يخلو من آثار لحياة بشرية مرسومة ومكتوبة، عندما أتأملها أتعرف علي نمط حياة زاحمت هذا السكون في الماضي المظلم فرحت أسأل نفسي : هل كان هذا المكان في يوم من الأيام سجنًا ؟!

وإن كان كذلك، فكيف يكون سجنًا هشا من طوب لبن ومسقوف بخشب، ولا يحميه إلا سورغيرمرتفع؟!.. تري من هم الذين سجنوا بداخله؟ هل من أهل الواحة الطيبين ؟!

أسئلة محيرة راودتني إبان دراستي في المرحلة الإعدادية، فلم يفك طلاسمها سوي معلم الدراسات " مجدي برجاس " رحمه الله، الذي أطلعني علي أن هذا المكان معتقل سياسي لرجال الدين المتشددين من السلفيين والإخوان المسلمين فضلا عن أصحاب الرأي المعارض للنظام، فهل أراحني ماقاله المعلم أم صنع بداخلي هذا التوتر أمام مفهوم الدين وأنا في هذه السن الصغيرة التي أتعلم فيها محاذير الاقتراب من التابو الأعظم (الدين) والحلال والحرام، فلماذا يكون رجال الدين هم سكان هذا المكان ؟

أما تفسير معلمي للطوب اللبن، والسقف الخشبي، والسور المنخفض، هو أن الحياة فيما مضي لم تكن بنفس الشكل الذي هو عليه الآن، قال: لم تكن الطبيعة بهذه الرقة، والهدوء الذي نستمتع بجماله في الرحلات المدرسية، وأضاف: كانت الحياة هنا وعرة، لا وجود لخضرة، والطرقات المعبدة، واستطرد: سمعت من أحد المعتقلين أن السلطات كانت تأتي بهم بطائرة مروحية عن طريق خط السكة الحديد الذي كان يصل قديمأ من " القارة " بنجع حمادي " إلي "الخارجة" وحكي لي قصة رواها عليه له شاهد عيان : أن مسجونًا هرب، فحدث اضطراب بين الضباط والعسكر وشكلوا فرقا للبحث عنه ، لكن قائد السجن وقتها قال لهم : اتركوه 00 سيأتي بإرادته ولن يذهب بعيدًا، وبالفعل حضرالمسجون مرة أخري لعدم قدرته علي الاستمرار في السير في قيظ الصحراء ووعورتها وفقدانه للإتجاهات ، فآثر أن يرجع إلي زنزانته آملاً في الخروج يومًا ما، خيرًا من أن يموت ويصير طعامًا للكلاب البرية والغربان الجائعة0

قرأت الجمال في العبارات المكتوبة علي جدران غرف الحبس ورأيته في رسومات تصور أطفالا، وشبابا، ونساء محتشمات، وأنفاقا منقوبة بين حجرتين متجاورتين كان يعبر منها معتقل لزميل له كي يؤنس وحدته. ذات يوم حضر إلي الخارجة رجل ممن أعتقلوا في هذا المكان وطلب أن يذهب إلي المعتقل، كان مسرورا عندما علم أن المنطقة مفتوحة للزيارات والرحلات فقص علينا كيف أن أخوته كانوا يزورونه من خلال مواعيد ثابته أثناء فترة اعتقاله ، وعندما لم يحضروا مرة في موعد الزيارة المحدد لهم قام برسمهم علي حائط الزنزانة. ذكر أنه كان ممنوعًا من استخدام الأقلام أو الألوان وكيف هربها له إخوته فقام بإخفائها في علبة " سمن " ووضعها تحت " بلاطة " داخل الزنزانة. وعندما وصلنا إلي المعتقل اصطحبنا إلي إحدي الحجرات ليصيح هذه زنزانتي، هنا البرش الذي نمت عليه، فوجئنا به ينتزع "بلاطة" ويخرج علبة " السمن " فنعثر بداخلها علي أقلامه، و ينخرط في نوبة من نواح أبكتنا. وفي أكتوبر 2005 دعونا الدكتور فتحي عبد الفتاح - يرحمه الله- ليترأس مؤتمرًا أدبيًا في الوادي الجديد، فأطلع الحضور علي أنه كان من نزلاء المعتقل وتم الإفراج عنه0

ومع بداية التسعينيات صدر قرار بترميم وتجديد سجن المحاريق، وأذكر أنه كان قرارًا مرعبًا لنا في الوادي الجديد، ومضحكًا أيضًا، فكيف يتم ترميم مبني متهالك من الطوب اللبن، قيل وقتها : إن القرار لابد أن يصدر بالترميم حتي لا يظن أحد أن الدولة تنشئ معتقلات جديدة.. حضر إلي المحافظة مهندس شديد البأس، هو المسئول عن إحلال وتجديد السجن وتحويله من طين وخشب إلي كتل خرسانية وحديدية وفولازية يصعب تخيلها، كان المهندس يتحلي بصلاحيات تفوق أي سلطات في المحافظة فأنشأ المعتقل في وقت قياسي بحزم وقسوة، وربما فرح عمال الهدم والبناء بمضاعفة أجورهم، امتاز البناء الجديد بالدقة في التنفيذ مما جعلنا نتساءل عن حرمان أبنية محدودي الدخل و الشباب من هذه الامتيازات ( المتأمل لأسلوب إدارة البناء في سجن الوادي الجديد سيلحظ شبها ما بينها وبين الأهرامات خاصة في مسألة الإدارة)

تم تجهيز المعتقل، وافتتاحة، لتحرّم الرحلات والزيارات، طوقت المنطقة بأسوار خرسانية عالية لأتخيل أنها تحوي خلفها مفاجآت غير سارة، وإرهابيين خطيرين يحملون الكراهية للناس، حتي وجدت من يقول لي إنهم الشرفاء ممن قالوا " لا " في وجه سلطان جائر إلي أن بدأ المعتقل يستقبل الجنائيين فأضحي السؤال الذي يلقيه العسكر علي أهل المسجون عند الزيارة: سياسي ولّا جنائي؟

كانت الزيارة للجنائي أسهل بكثير من الزيارة للسياسي وتم التمييز بين مكانين للإستقبال: حجرة للجنائيين وأخري للسياسيين0

وفي السنوات الأخيرة تضاعف عدد الجنائيين في السجن بشكل مخيف استطعت تقديره من عدد السيارات التي تنقلهم وهي تقف تحت مظلات الإنتظار.

لم أجد وجها للمقارنة بين المبنيين: القديم والجديد أثناء الزيارة التي قمت بها لأحد المعتقلين، تم تفتيشي عدة مرات مع وضع هاتفي وحافظة نقودي في الأمانات وعرفت أن السجائر هي العملة الرسمية داخل السجن وفزعت عندما سمح لي بالدخول، تذكرت فيلم " الدنيا علي جناح يمامة " والفنان محمود عبد العزيز عندما دخل مستشفي المجانين وخلطوا بينه وبين "بلحه"!

كانت زيارتي للمعتقل مهمة جدًا لأقف علي مدي رصانة البناء من الداخل مما يستحيل خرقها ولو بقذائف الدبابات.

وفي أثناء الثورة ذاق الوادي الجديد مرارة الانفلات الأمني كغيره من مناطق الجمهورية، استشري الرعب في الخارجة فزعًا من خروج المعتقلين ونزولهم إلي الشوارع فتخوف أهل الوادي علي بناتهم وأطفالهم ونسائهم ومحلاتهم التجارية وانتشرت اللجان الشعبية في المدينة ليلاً ونهاراً تحسبًا للمساجين الذين تردد أن رجال الشرطة وحرس السجن أخرجوهم مقابل أن يثيروا الرعب والفزع في قلوب المواطنين. بينما سكنت الطمأنينة الأفئدة عندما وصلت المدرعات الخاصة بالقوات المسلحة وأحاطت بالسجن ليتم تأمين الطريق بواسطة القوات المسلحة والشرطة تحسبًا لأعمال البلطجة.