سماحة الشيخ الدكتور أحمد محمد العسال في ذمة الله تعالى

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
سماحة الشيخ الدكتور أحمد محمد العسال في ذمة الله تعالى
د.العسال.jpg

إنتقل سماحة الشيخ الجليل أحمد العسال إلى جوار ربه الكريم يوم السبت 28 رجب 1431 ھ = العاشر من شهر يوليو 2010 بعد صراع مع المرض كان خلاله صابرا و راضيا و مبتسما؛ و أحسبه كان فرحا بلقاء ربه الكريم. درس الشيخ في المعهد الأزهري في طنطا زميلا و رفيقا و صديقا للعلامة الدكتور يوسف القرضاوي و هما من أبناء محافظه الغربية في مصر و من أعلام الدعوة الإسلامية الأوائل.

كان الشيخ العسال يجوب القرى و المدن داعيا إلى الإسلام الوسطى و هو طالب بالمعهد الأزهري و قبل الالتحاق بالجامعة .

زار قريتنا كفر البتانون – منوفيه مع الشيخ القرضاوي سنة 1948 بعد نكبة فلسطين و قبل استشهاد الإمام البنا بأشهر قليلة، كنا أطفالا و صبية و فتية نفرح بالدعاة الذين ينتمون إلى دعوة الإخوان المسلمين و يستحثون الشعب على التبرع لأهالي فلسطين. استمعت إليه أكثر من مرة فعرفته قبل أن يعرفني، و تعلمت منه في الصفر كما تعلمت منه في الكبر.

ذاق الشيخ مرارة السجن و الاعتقال مع بقية الإخوان الكرام إيان حكم عبد الناصر ثم سافر الشيخ إلى قطر للعمل بالتدريس فيها بضع سنوات ثم نهض لدراسة الدكتوراه في بريطانيا في أواخر الستينيات.

ثم إلتقينا في الرياض بالمملكة العربية السعودية حيث كان يعمل أستاذًا للدراسات و التربية الإسلامية بجامعة الرياض و كنت إعمل مديرا للندوة العالمية للشباب الإسلامي. عرفته عن قرب في الرياض مع أستاذنا الدكتور سيد الدسوقي حسن و الدكتور محمد سليم العوا و الدكتور سليم الحسني و آخرين.

سافرنا سوياً، تشاركنا في المخيمات و الندوات و الاجتماعات الدعوية، كما تشاركنا في أنشطة أكاديمية بمكتب التربية العربي لدول الخليج بالرياض و كذلك مع الدكتور الجليل محمد سليم العوا، وثلة كبيرة من العلماء و المفكرين من مختلف بلدان الأمة الإسلامية تحت إدارة الدكتور محمد الأحمد الرشيد الحكيمة الذي عمل على الاستفادة من معظم الطاقات المتاحة.

في أوائل الثمانينات من القرن العشرين سافر الدكتور أحمد العسال رحمه الله تعالى إلى أمريكا متفرغا للدعوة و مكلفاً بكتابة تاريخ الدعوة و جمع و ثائقها بالتعاون مع إخوة آخرين، و عاد سماحته إلى العمل الأكاديمي قبل نهاية المشروع الكبير الذي كلف به، و لكنه لم يكتمل لصعوبات و تحديات كثيرة.

طلبني الشيخ رحمه الله تعالى لكي أعمل معه في هذا المشروع، و كذالك الأستاذ الجليل صلاح شادي رحمه الله تعالى، و كنت آنئذ أعمل في دار الرعاية الإسلامية في لندن، و قد حالت صعوبات كثيرة دون ذلك الأمر فاستقبلها الشيخ العسال بكل ثبات و صبر و دعاء أن ييسر الله تعالى الأمر لمن يأتي من بعده كي يتم هذا المشروع العظيم، مشروع تاريخ الدعوة و جمع و ثائقها بطريقة أكاديمية.

سافر الشيخ رحمه الله تعالى إلى باكستان في الجامعة الإسلامية العالمية في اسلام آباد أستاذا و نائبا لرئيس الجامعة ثم مستشارًا لها. و فضلا عن التدريس و الادارة كان له فضل السعي لتمويل الجامعة و إنشاء مقرها الجديد و أستكمال مبانيها.سافرت بعده بسنتين إلى باكستان و كأن القدر يجمعنا مرة أخرى للعمل سوياً في منطقة واحدة و في قضية من أهم قضايا العصر هي قضية الجهاد الأفغاني. كنت في باكستان أقوم بالتدريس و تدريب الدعاة بأكاديمية الدعوة مع الدكتور محمود غازي فضلا عن العمل بمعهد الدراسات السياسية مع البروفيسور خورشيد أحمد كمستشار للمعهد و محررا لمجلة قضايا دولية، و بذلك كنت قريبا جدا من الدكتور العسال رحمه الله تعالى.

لم يكد يمر يوم واحد إلا وأراه مرة أو أكثر للتفاهم في قضايا عديدة تتعلق بالعمل في معهد الدراسات السياسية، و في علاقة الإخوان بالجماعة الإسلامية، و في تقويم الجهاد الأفغاني، و في العلاقة مع العرب الأفغان و غيرها من قضايا التنسيق مع الحركات و الجماعات الإسلامية، و في قضايا العمل و التربية للشعب الأفغاني و للشباب و الطلاب منه خصوصا و فيما يتعلق بالعمل الدعوي في قارة آسيا بأكملها.

كان الشيخ العسال رحمه الله تعالى يتميز بكثير من السمات و الصفات التي ميزت رجال السلف الصالحين و الدعاة المخلصين. و لعلي أستطيع هنا بإيجاز أن أذكر بعضا من هذه السمات فالقائمة طويلة:

. العلم: كان الشيخ رحمه الله تعالى عالما، و ظهر علمه في التدريس و المحاضرات و آفاق التربية و الكتابة و الإشراف على الرسائل الجامعية له تلاميذه في العالم أجمع.

2. الأتزان و الهدوء: كان الشيخ رحمه الله تعالى يمشي على الأرض هوناً، و يمكن أن نقول إنه كان ممن إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، رأيت ذلك معه مرارا و تكرارا.

3. الإستقامة: كان الشيخ العسال رحمه الله تعالى من أكثر من عرفت في الدعوة الإسلامية إستقامة في الخلق و تواضعا للكبير و الصغير، و استقامة في الرأي، صوابه أكثر بكثير من خطئه إذا وجد.

لم يؤذ مؤمنا في حياته لأنه يعلم أن من آذى مؤمنا فقد آذى رسول الله صلى الله عليه و سلم. و لم يدخر وسعا لخدمة الأمة و الحركة الإسلامية و المبادئ العالية.

. إبداء الرأي و النصيحة و الانفتاح على الآخرين: كانت هذه السمه من أبرز سمات الشيخ رحمه الله تعالى مع قادة الحركة الإسلامية و مع زملائه و رؤسائه و طلابه و إخوانه و مع قادة المجاهدين الأفغان. و هي سمة لازمت الشيخ رحمه الله تعالى منذ شبابه. لقد كتب الشيخ في تمهيد كتابة المفيد: الإسلام و بناء المجتمع، من مطبوعات درا القلم بالكويت، يقول عن الأمة:

“فهي مطالبة أن تقوّم ما يجد في الحياة من آراء و تصورات لتتبين الحق من الباطل، فالحياة تأني كل يوم بالجديد، و ليس كل ما تأتي به حقاَ خالصا و لا باطلا خالصا ففيه من كل بقدر أذ هو ثمرة العقل البشرى الذي يجوز عليه الخطأ و الصواب و الهدى و الضلال”.

ثم يقول: “و من هنا كان المسلم بحاجة إلى أن يقف من فترة لأخرى وقفة تأمل و دراسة و نقد و موازنة بين الأراء و المذاهب الأخرى التي تقيم نظرتها للانسان و الكون و الحياة على نحو معين تختلف فيه مع الإسلام و ذلك مثل التفسير المادي للانسان و الحياة”.

و في كثير من كتابته كان الشيخ يعالج أهمية الحاجة إلى التبين و الرؤية الواضحة، و إلى ضرورة انتشال الأمة من الضعف الفكري و النفسي و الإجتماعي الذي تعرضت له الأمة بسبب الغزو الحضاري و الفكري، و ضرورة علاج ما اعتمل في نفوس الشباب و ناوش عقولهم عن طريق التجارب الحية، كما تناول أهمية تأسيس تفكير الشباب بطريقة نقدية واضحة تعرض للشئ من جوانبة المختلفة ثم تشير إلى الرأي الحق، و تناول أيضا رحمه الله تعالى في كتابته ضرورة فتح الأبواب للاجتهاد و إلى مزيد من التأصيل و الفهم و التدارس و الحوار.

1. 5. حب الخير و فعله: كان الشيخ رحمه الله تعالى يحب الخير للبشرية و لكل من يحتاج إليه أو يطلب منه المساعدة، فعل الخير كثيرا و كان يدل عليه، كما شارك في بناء العديد من المؤسسات الخيرية و الإ غاثية و مشروعات التنمية، و كان له الفضل الأكبر بعد الله تعالى في إنشاء المركز الثقافي الأفغاني ليحتضن شباب الأفغان ثقافيا و فكريا و تعليميا و حضاريا دون التفرقة بين الرجال و النساء. و هذا هو المركز الثقافي الأفغاني و جمعيه الاصلاح يعملان عملا جليلا في تنمية أفغانستان، على خلاف من ذهب ليفسد أو يكفر أو يقتل أو يسرق أو يمزق الأمة الأفغانية.

2. 6. حب الجهاد و المجاهدين: بالرغم من أعباء الشيخ الأكاديمية رحمه الله تعالى، و المشكلات الصحية أحيانا، لم يتردد يوما ما في خدمة المجاهدين و السعى إلى وحدتهم، و حل مشكلاتهم، و استقبال الوفود التي تأتي لزيارة المجاهدين الأفغان و مساعدتهم و في مقدمة هؤلاء و أولئك ألأستاذ عمر التلمساني و الأستاذ محفوظ النحناح و الأستاذ الدكتور أحمد الملط و الدكتور عبد المنعم أبو الفترح و الشيخ عبد الفتاح أبو غدة و الشيخ محمد الصواف و الدكتور عبد الله نصيف و الشيخ الزنداني و ياسن عمر الامام و فاضل نور و غيرهم من قيادات الأمة الفكرية و الثقافية و الدعوية رحم الله منهم من إنتقل إلى جوار ربه الكريم و أطال عمر من بقي منهم على قيد الحياة.

الحديث عن الشيخ رحمه الله تعالى يطول و خاصة أنني رافقته طويلا، و تحاورنا كثيرا فكان صاحب الرأي الراجح و الابتسامة الآسرة و الهمة العالية. هو الذي إختار لنا شعار العمل في معهد الدراسات السياسية و مجلة: قضايا دولية، و الشعار هو: “من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح”.

أحبه سائقه في إسلام آياد و أحبه زملاؤه كبارا و صفارا، و أحبه طلبة الجامعات و المعاهد التي عمل فيها، و أحبه طلبة العلم الذين ساعدهم كثيرا بالنصيحة و بالمال الذي لديه أو لدي غيره من المحسنين الذين يثقون فيه، فقد كان جوادا و خصوصا مع الشباب الأفغاني و الفلسطيني.

و آخيرا و ليس آخرا أقول كان الشيخ رحمه الله تعالى يتمتع بشفا فيه عالية، ربما حسب فهمي، كان ذلك نتيجة الإخلاص و العلم و العمل. ظهرت هذه الشفافية في بعض الرؤي التي رآها لإخوانه و أبلغهم بها.

رآني الشيخ رحمه الله تعالى و قد تزوجت للمرة الثانية بعد وفاة أم عبد الرحمن رحمها الله تعالى، و تحدث برؤياه عن بعض صفات الزوجة الجديدة أم جهاد و كان حقا ما رأي، كما رآني يوما بعد شدة مرض ألم بي، رآني – صحيحا معافا و بشر الأهل بذلك. ذهب إلى جوار ربه الكريم راضيا تشهد له مواقفه الكريمة، و حرصه على الشباب و الطلبة وحبه للعلم و اخلاصة للأمة و الحركة. تحدث يوما في جامعة خليجية عن خطأ الانصراف عن العلم و عن زيادة الإهتمام بالكرة و الرياضة، فاستدعاه أحد كبار القوم، أصر الشيخ على موقفه من ترتيب الأولويات و عن ضرورة الإهتمام بالعلم و أهمه “فاعلم أنه لا إله إلا الله” فما كان من ذلك الأمير المسؤول إلا أن أكرمه و أثني عليه و كان قد أشار عليه بعضهم بتفيير موقفه، و لكنه أصر على قول الحق، و لكن هل إستفادت الأمة من نصائح هؤلاء الرجال و هؤلاء العلماء؟ سؤال تركه الشيخ و رحل إلى جوار ربه الكريم.

لم يتنافس مع الآخرين في العمل أو في الحركة إلا في الخير، لم يتنافس على وظيفة و لا مهمة و لا منصب، إذ كانت الدنيا كلها عنده مزرعة للآخرة و طريقا و معبرا إلى الحياة الأبدية حيث النعيم المقيم بفضل الله تعالى و برحمته، و لكنه لم ينافسه أحد في بشاشة الوجه و سهولة التعامل.

رحم الله تعالى شيخنا و أستاذنا و أخانا الشيخ أحمد العسال رحمة و أسعة و أسكنة فسيح جناتة مع النبييين و الصديقين و الشهداء و الأبرار و حسن أولئك رفيقا. و أنار قبره و جعله روضه من رياض الجنة. آمين

للمزيد عن الدكتور أحمد العسال

وصلات داخلية

كتب متعلقة

متعلقات أخري

مقالات بقلمه

مقالات متعلقة

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

محاضرات صوتية للشيخ

وصلات فيديو