سيناء وضياع الأرض

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
سيناء وضياع الأرض


مقدمة

خريطة سيناء

لسيناء أهمية استراتيجية كبرى حيث تمثل الحصن الشرقي لمصر وهو المعبر الذي عبرت منه معظم الغزوات التي استهدفت مصر سواء في التاريخ القديم أو التاريخ الحديث، كما أنها تمثل عمقا استراتيجيا لوادي النيل، وهو ما يدفع الدولة للحفاظ عليها وعلى أمنها لأنها الخط الأول للدفاع ضد الأخطار القادمة من الناحية الشرقية.

ويجدر الإشارة إلى الدور الذي لعبته سيناء جعل الإنجليز خلال الحرب العالمية الأولى يفطنون إلى أهميتها، ولذا سعى اليهود إلى الاستيلاء على العريش واستعمارها عام 1903م.

وقد جعل لسيناء نظام خاص حيث كانت تحت إدارة محافظ إنجليزي منذ عام 1916 حتى 1946 وخلال تلك الفترة نقل الجمرك في عهد الإدارة البريطانية من القنطرة إلى رفح التي كانت تحت الانتداب البريطاني لفلسطين، كما خلت سيناء من القوات المصرية الحامية لها، وجعلت معاهدة 1936 سيناء معسكرًا بريطانيًا، فقد شملت هذه المعاهدة على شروط عسكرية : أولا تنتقل القوات العسكرية البريطانية من الأماكن التي تحتلها سنة 1936 إلى منطقة تشمل مع مناطق تدريب الجنود منطقة قناة السويس كلها وشبه جزيرة سيناء كلها.. وتشمل المنطقة شرقي قناة السويس أي شبه جزيرة سيناء فقرة 10 من ملحق المادة 8.

غير أن الواقع يؤكد أن ذلك لم يحدث في فترة من الفترات، وكان الاهتمام الأكبر ينصب على تقوية المداخل الشرقية للقاهرة وتحصينها بالأسوار والجنود، مع ترك حامية بسيطة في سيناء، مما جعل الاعتقاد السائد لدى أبنائها أنهم عناصر منبوذة، وزاد ذلك الشعور من الوقت الحديث والمعاصر.

فنرى مثلا أن في فترة من الفترات كان نائب سيناء في البرلمان هو الشاعر أحمد شوقي، وهو الشاعر الذي تربى في بلاط القصر ولم يعلم عن سيناء أو أهلها شيء.

فالإنسانُ يَحتاجُ لأن يَعيشَ في حالةٍ من الأمن والاستقرار كي يَستطيع مُمارسة أنشطته بكلّ أريحيّةٍ، ولأجلِ ذلك فرضت الشّريعة الإسلامية مقاصد وضرورياتٍ يجبُ الحفاظ عليها وهي: النّفس، والدين، والعِرض، والمال، ولا يُمكن لدولةٍ أنْ تتقدّم وتَتطوّر وتُحقّق الرفاهية لمواطنيها إلّا بتحقيق الأمنِ والاستقرار.

وفى ظل الاحتلال الإنجليزي لمصر، لم يكن هناك رؤية محددة لأمنها القومي، فلم يكن همّ الاحتلال إلا بسط سيطرته بأشكالها المختلفة، وإضعاف مقدرات الأمة المصرية داخلياً وخارجيا وتحقيق أهدافه من هذا التواجد العسكري.

والمنطقة العربية كلها كانت فى حالة من الضعف والتمزق وظهرت فيها دعوات وحركات عدة تحاول أن تقدم رؤية للبعث العربى وفق أيديولوجيات وفلسفات مختلفة أنظر محمد عبدالوهاب خطابي: سيناء الماضي ..الحاضر .. المستقبل، الأدهم للنشر والتوزيع، القاهرة، 2013م، صـ7].

وسيناء جزء من وطن لا يملك أحد قرار التخلي عن جزء منه، بل من الوطنية أن يضحي كل فرد من أفراد هذا الوطن للحفاظ عليه، إلا أن الواقع يوضح غير ذلك في صورة مستغربة أن يكون القائمين على التخلي بهذا الجزء هم العسكر الموكول لهم مهمة الحفاظ عليه وعلى كل شبر، ولا أحد يدري ما هي الدوافع التي جعلت جميع العسكر في مصر يقوم على خدمة هذا المشروع.

لقد أثاروا أن الإخوان سيضحون بهذا الجزء الغالي، ولكن الواقع لم يأتي بذلك بل جاء التخلي من قبل العسكر الذين أثاروا هذه الشبهات.

العجيب أن موضوع توطين سيناء لم يثار في العهد الملكي لكن ما أن تولى العسكر زمام الأمور بعد ثورة 23 يوليو حتى قبلوا التفاوض على المقترح المقدم عام 1953م لتوطين بعض لاجئي قطاع غزة في سيناء، حيث تضمن المشروع المقدم من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين توطين حوالي 12 ألف أسرة على أراض يجري تحويلها إلى أراضي زراعية في شمال غرب سيناء، دون أن يتعارض هذا الأمر بالضرورة مع حق العودة، كما يشتمل المشروع على إمكانيات التوسع في المستقبل.

وفي 14 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1953 توصلت وكالة الغوث مع الحكومة المصرية إلى اتفاق محدد تقدم مصر بموجبه 230 ألف مدان من الأراضي الصحراوية إلى وكالة الغوث لإجراء اختبارات زراعية فيها مع إعطاء وكالة الغوث الحق بانتقاء 50 ألف فدان من بينها من أجل أعمال التطوير الزراعي لمصلحة اللاجئين شريطة أن تقوم مصر بإيصال كميات كافية تصل إلى حدود 1 % من حجم مياه نهر النيل سنوياً لإرواء هذه الأراضي.

غير أن الشعب الفلسطيني قام بانتفاضة مارس 1955 وتمسك بحقه وعدم التفريط به واستعدادهم للموت في سبيله (1).

الإخوان وتطوير سيناء

اهتم البنا بحدود مصر الشرقية والتي كانت تهددها الأخطار الصهيونية، وحذر من خطورتها، خاصة أنه لم تقتصر الدعاوي الصهيونية الزائفة على فلسطين فقط بل امتدت أطماع الصهيونية لتشمل العديد من الأقطار العربية، فحدود فلسطين كما تريدها الصهيونية هي من النيل إلى الفرات.

وأطماع الصهيونية في مصر بدأت بصورة مبكرة، وكما قال هرتزل "إن سيناء والعريش هي أرض اليهود العائدين إلى وطنهم"(2).

ولذا حذر الإمام من خطر الصهاينة فكتب يقول:

إن فلسطين هى خط الدفاع الأول؛ والضربة الأولى نصف المعركة، فالمجاهدون فيها إنما يدافعون عن مستقبل بلادكم وأنفسكم وذراريكم كما يدفعون عن أنفسهم وبلادهم وذراريهم، وليس قضية فلسطين قضية قطر شرقى ولا قضية الأمة العربية وحدها(3).

ويؤكد وكيل الجماعة الأستاذ صالح عشماوي على هذا الأمر فيقول:

إن قيام دولة يهودية على حدود مصر الشرقية لتهددنا في كياننا وفي استقلالنا وفي تجارتنا وفي أخلاقنا وفضائلنا، أليس اليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا؟ أليسوا أصحاب المذاهب الهدامة من شيوعية وإباحية؟

فإلى الذين يؤمنون بأن مصر فرعونية نقول لهم إن استقلال مصر أمسى في خطر الزوال بقيام دولة اليهود في فلسطين (4).

لقد ترسخ هذا الفهم في نفوس جميع أفراد الإخوان المسلمين بأن فلسطين أمن قومي لوطننا الذي نعيش فيه نهيك عن كونه قطعة عزيز في جسد الأمة الإسلامية.

فعندما تحركت المظاهرات في الجامعات نصرة لفلسطين قان البوليس بالقبض على بعض طلبة الإخوان سأله وكيل النيابة عن سبب خروجه في المظاهرات وذكر له أن فلسطين دولة غير دولتنا ولا يعنينا أمرهم؟ فأجاب الطالب: بأن فلسطين جارة لنا وهي أقرب إلينا من أسوان ولابد الاهتمام بأمر الجار خوفاً من أن يجاورنا اليهود الذي حذرنا الله منهم (5).

لقد إدراك الإخوان حقيقة ارتباط الأمن القومي المصري ببلاد الشام وأن الأمن القومي المصري من جهة الشرق لن يتحقق إلا بتأمين هذه البلاد. فتحدث الأستاذ البنا في مؤتمر رؤساء المناطق والشعب عام 1945م:

نريد أن تؤمن حدودنا الشرقية بحل قضية فلسطين حلاً يحقق وجهة النظر العربية أيضاً يحول دون تغلب اليهود علي مرافق هذه البلاد (6).

الأمن القومي وتعمير سيناء

نظر حسن البنا إلى سيناء وتعميرها كخطوة أساسية ومهمة في حفظ المن القومي لمصر فقال:

إن سيناء المصرية تبلغ ثلاثة عشر مليونا من الأفدنة أى ضعف مساحة الأرض المنزرعة فى مصر، وقد كشفت البحوث الفنية فى هذه المساحات الواسعة أنواعا من المعادن والكنوز فوق ما كان يتصور الناس، واكتشف فيها البترول حديثا، ويذهب الخبراء فى هذا الفن إلى أنه فى الإمكان أن يستنبط من سينا من البترول أكثر مما يستنبط من آبار العراق الغالية النفيسة، وأرض سيناء فى غاية الخصوبة وهى عظيمة القابلية للزراعة.

فمن واجب الحكومة إذن أن تعرف لسيناء قدرها وبركتها ولا تدعها فريسة فى يد الشركات الأجنبية واللصوص والسراق من اليهود، وأن تسرع بمشروع نقل الجمرك من القنطرة إلى رفح، وأن تقيم هناك منطقة صناعية على الحدود (7).

كما كتب الأستاذ سيد قطب مقالا عام 1952م يحذر الحكومة من أن تهمل سيناء، فكتب يقول: نحن في مصر مشغولون لا نفيق. وفي هذا الوقت تقترب إسرائيل يوما بعد يوم، من حدود سيناء المصرية، المصرية اسما وإن كانت مصر لا تعرف عنها شيئا. لأن السياسة اليهودية- الإنجليزية عزلتها عن مصر طوال فترة الاحتلال، ولم يكن هذا العزل شيئا عارضا ولا أمرا غير مقصود، وإنما كان وفقا لسياسة بعيدة الغور، تتفق مع أطماع اليهودية العالمية (8).

وكتب كامل الشريف قائلا:

لقد لعبت سيناء بموقعها الفريد أدوارا هامة في تاريخ الشرق الأوسط بل في تاريخ العالم كله، فعلى ساحلها الرملي الطويل وبين مسالكها الصخرية الوعرة تدافعت أمواج الغزو من مصر واليها لترسم تاريخ الشرق الأوسط وتقرر مستقبله لأجيال كثيرة (9).

وحينما ظهر مشروع توطين اللاجئين في سيناء وقف له الإخوان بالمرصاد، لكن المحنة التي تعرضوا لها في مصر جعل عبء المهمة ملقاة على الإخوان في غزة وفلسطين، وعلى من هرب من بطش جمال عبدالناصر خارج مصر.

إن الإخوان منذ نشأتهم وهم لا يقبلون بتهجير الفلسطينيين للبلدان المجاورة، ولا يقبلون بتوطينهم فيها حتى لا تضيع حقوقهم في أرضهم التي اغتصبها الصهاينة، وحتى لا يكونوا عالة على الشعوب الأخرى مما يثير الفتنة والأزمات بينهم وبين السكان الأصليين.

ولذا رفض الإخوان ويرفضون توطين أحد غير المواطن المصري في سيناء الغالية، حتى أنهم تقدموا بمشروع لتنمية سيناء، من خلال دمج سيناء فى البناء الاقتصادي والاجتماعي لبقية أقاليم مصر، ضمن خريطة استثمارية متكاملة، "زراعية وصناعية وتعدينية وسياحية وعمرانية وأمنية".

صفقة القرن

من الواضح مما يحدث في سيناء من تهجير الأهالي على يدي العسكر، ونشر الإرهاب فيها، وتدمير المنازل، وقتل الأبرياء، ما هو إلا تفريط في هذا الوطن لصالح الصهاينة، وهو الذي رفضه الإخوان كما رفضه الفلسطينيون إلا أن عسكر مصر وحكام العرب يعملون بكل جهدهم لتنفيذ ذلك بطريقة تثير التساؤلات، ما الذي يدفع العسكر للتفريط في أرض مصر جزء تلو الأخر دون أن يقدموا سببا وجيها لهذا التفريط الغريب والمذابح التي ترتكب في سيناء؟

حيث كشفت مؤخرا إيليت شاكيد، زعيمة حزب "يمينا"، وهو تحالف أحزاب اليمين الاستيطاني الديني، في أوج المعركة الانتخابية الإسرائيلية(سبتمبر 2019م)، النقاب عما قالت إنه خريطة خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتصفية القضية الفلسطينية والمعروفة باسم "صفقة القرن".

للمزيد

المصادر

  1. تيسير محيسن: قراءة في مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين (رؤية تحليلية)، جريدة حق العودة - العدد43، السنة 9، أيار/ مايو 2011م، صـ 5.
  2. حميد فاضل حسن التميمي: الدولة اليهودية في الفكر الإسرائيلي: دار الشئون الثقافية العامة، 2008م، صـ163.
  3. مجلة النذير، العدد (18)، السنة الأولى، 2 شعبان 1357ه- 26 سبتمبر 1938م، ص(3-5).
  4. مجلة النذير – العدد (18) – 2شعبان 1357هـ / 1938م.
  5. مجلة النذير، العدد (9)، السنة الأولى، 27جمادى الأولى 1357ه- 25يوليو 1938م، (ص3-5).
  6. مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (70)، السنة الثالثة، 14شوال 1364ه- 20 سبتمبر 1945م، ص(3-15).
  7. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (137)، السنة الأولى، 18 ذو القعدة سنة 1365هـ/13أكتوبر 1946م، ص(1، 4).
  8. سيد قطب: إلى النائمين في العالم الإسلامي، مجلة الرسالة، العدد 993، 14/ 7/ 1952م، 12 رمضان 1371هـ.
  9. كامل الشريف: مجلة المسلمون، شهر رمضان 1374ه