شرح رسالة "الإخوان تحت راية القرآن"

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
شرح رسالة "الإخوان تحت راية القرآن"
أُلقيت هذه الرسالة يوم الثلاثاء 4 من أبريل عام 1939م

عناصر الرسالة

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود

- أين نحن من تعاليم الإسلام؟

- موجة التقليد الغربي

- مهمتنا

- عدتنا

- لو كان لنا حكومة

- طبيعة فكرتنا

جاء هذا الخطاب في الفترة الحرجة التي كانت تواجهها الأمة الإسلامية في ذلك الوقت (1939م) عندما سقطت تلك السقطةَ البشعةَ، ولأول مرة في التاريخ لم يكن هناك- كما يروي الشيخ الغزالي في بعض كتبه- دولةٌ إسلاميةٌ نَجَت من الاستعمار والاحتلال في طول أرجاء العالم الإسلامي.. مساحاتٌ واسعةٌ من أرض عالمنا الإسلامي سقطت تحت قبضة الاحتلال، ولم يكن هذا فحسب، وإنما قد نجح الأجنبي الغاصب في أن يدمر هذا العالم الإسلامي أو المجتمع الإسلامي من داخله، وقد استغرق ذلك قرنًا من الزمان بعد ما نجح في الاستيلاء عليه من خارجه، فكانت الأمة الإسلامية للأسف منقادةً بغير إرادةٍ منها تواجه الحربَ العالميةَ الثانيةَ، وكان هذا الكلام في عام 1939م، وكان العالم كله يستعد لخوض غمار الحرب الضروس كما يقول الإمام البنا التي أكلت الأخضر واليابس.

في هذه الظروف الحرجة أدرك الأستاذ الإمام البنا- رحمه الله- أن من طبيعة دعوته إدراكه لواجبه إزاء أمته الإسلامية من ناحية، وإزاء العالم أجمع من ناحية أخرى؛ لأنها الرسالة الخاتمة والحلقة الأخيرة في سلسلة البعث، ولأن قرآننا هو خاتم الكتب ونبينا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء.

فمن طبيعة فهمه- رحمه الله- لهذه المهمة ومن فهمه لطبيعة دعوته أدرك الأستاذ الإمام أن عليه أن يقدم للعالم أجمع من خلال الإخوان المسلمين تلك الطليعة التي أعدها لتُخرجَ الأمةَ من مأزقها، فاستطاع أن يقدم ذلك المشروعَ الذي قدَّمه للعالم أجمع، ولذلك تجد أن هذه الرسالة هي الوحيدة في كل رسائل الأستاذ الإمام البنا التي يتكلم فيها بـ(أيها الإخوان المسلمون.. أيها الناس أجمعون) يخاطب العالم كله من خلال خطابه للإخوان؛ مما يدل أيضًا على إدراكه لعظم هذه المهمة، وإحساسه بقدر هذه الجماعة والكيان الذي أنشأه ليواجه به العالم من حوله.

قال الأستاذ حامد أبو النصر- رحمه الله- في مذكراته: إنه كان التقى بأحد الجنرالات الإنجليز عندما ذهب لسحب بعض المبالغ المالية من بنك باركليز في منفلوط (من أعمال أسيوط في صعيد مصر) فطلب منه المحاسب أن يقتطع جزءًا من المال لخدمة الجيش البريطاني وحكومة جلالة الملك (ملك الإنجليز)، فرفض السيد حامد أبو النصر أن يقتطع من ماله الخاص شيئًا من أجل المجهود الحربي للجيوش البريطانية ومن أجل خدمة حكومة جلالة الملك أو التاج البريطاني، ولما سأله الرجل عن سبب ذلك مذكِّرًا إياه أن كثيرًا من الأعيان والباشوات والبكوات وأصحاب الأطيان فعلوا ذلك، فقال إن إنجلترا خانت عهودها معنا، ففعلت بعالمنا الإسلامي كذا وكذا وكذا- ونقضت معاهدتها معنا، فقال الرجل أأبلغ هذا عنك؟! قال بلغه عني.

وذهب الرجل فعلاً ولم يمرَّ وقتٌ طويلٌ كما يذكر السيد حامد- رحمه الله- إلا واتصل به بعد أيام قليلة رجلٌ وعرَّفه بنفسه، وقال إنه الميجور باترك، قال له إنني قد جئت من قِبَل السفارة البريطانية، وأرجو أن أقابلك لأتفاهمَ معك في بعضِ الأمور، والتقى به فعلاً في قصره في منفلوط، وأخبره الرجل أن الحكومة الإنجليزية تحب أن تعرفَ آراءَ الشعوب الصديقة في سياستها، فتكلم الأستاذ حامد أبو النصر بما يُمليه عليه فهمُه وواجبُه الإسلاميُّ والدينيُّ عن بريطانيا وخيانتها لعهودها وعن موقفها من العالمِ الإسلامي وعن كذا وكذا، فلما سمع الرجل هذا الكلام قال له: هل أنت وحدك على هذا الكلام أو معك آخرون؟! فقال: إن هناك مائة شُعبة للإخوان المسلمين في صعيد مصر وفي أنحاء أسيوط كلها على مثل رأيي هذا، فاستأذن الرجل وانصرف، ولم تمضِ أيامٌ قليلةٌ أخرى حتى اتصل به جنرال آخر اسمه (لاندن) وطلب مقابلته مع الميجور الذي التقاه أول مرة، وجاء الرجلان فعلاً للقائه، وانتاب الأستاذ السيد حامد نوعٌ من القلق والريبة، واتصل بالأستاذ الإمام البنا وعرَض عليه القصةَ وملابساتِها، وخشي أن الأمورَ تكون قد اتسعت كثيرًا مما لا تحتمله تلك الفترة وتلك الظروف العصبية التي تمرُّ بها الأمة في ذلك الوقت، وقد يتأذَّى بذلك الإخوان أو يُساءُ إليهم أو يهدَّدُ وجودهم وبقاؤهم، فطمأنه الإمام البنا عبر مكالمةٍ هاتفيةٍ، وقال له: بالعكس، نحن فرحون جدًّا.. أنه عن طريقك ربنا يسَّر أن تصل دعوتُنا إلى هؤلاء (يقصد طبعًا الإنجليز والحكومة البريطانية)، وقال له إنني سوف أرسل لك خطابًا بالعربية والإنجليزية يُلقَى في حضرة الرجل عندما تدعوه إلى حفل شاي وتدعو إليه أيضًا أعيان البلدة.

وفعلاً نفَّذ ذلك الكلام السيد حامد أبو النصر, ودعا أعيانَ البلدة من الباشوات وناظر المدرسة والقاضي ووكيل النيابة وبعض الأعيان واجتمعوا في قصره، وفي الوقت الذي جاء فيه هذا الميجور والجنرال معه وعند دخولهم وضع السيد حامد صورة الأستاذ الإمام البنا في صدر القاعة، فلما دخل الجنرال نظَرا إليها وقالا: مَن هذا؟ فقال له السيد حامد أبو النصر: هذه صورة أبي الروحي، فقال: هل هناك فرق بين أبيك الروحي وأبيك العادي؟ قال: نعم، قال: ما هو هذا الفرق؟ قال: أبي الروحي إذا أمرني بشيء امتثلْتُ لأمره في التوِّ واللحظة، فأعجب الرجل بهذه الإجابة وأسرَّها في نفسه كما يقولون, واتخذ مقعده, وبدأت مراسم الاحتفال.

الشاهد من الكلام أن السيد حامد عندما بدأ يتكلم في الخطبة التي أرسلها له الإمام البنا, وكان قد ذكر له فيها هذا المعنى الذي نشير إليه, وهذا الدافع الذي دفع الإمام البنا- رحمه الله- أن يوجه هذه الرسالة من خلال الإخوان المسلمين للعالم أجمع.. أيها الإخوان المسلمون- أيها الناس أجمعون من فهمه لطبيعة دعوته أنها دعوةُ الإنقاذ للبشرية جميعًا، فذكر أننا جماعة الإخوان المسلمين نريد أن ننشئ أبناءنا على مبادئ القرآن، ومن غايتنا أيضًا أن يتمسك كل صاحب دين بدينه؛ يتمسك اليهود بيهوديتهم والنصارى بنصرانيتهم، وينشئوا أبناءَهم كذلك على مبادئ التوراة والإنجيل الصحيحة.. حينئذ يقوم في العالم المجتمع المتدين، فتنتفي الحروب التي أكلت الأخضر واليابس.

ولما سمع الرجل هذه الكلمات الوجيزات قام وتقدم إلى الصورة وخلع قبعتَه محيِّيًا، وأدرك أنه أمام عدوٍّ عاقلٍ وأنه وإن كان صاحب رسالة ولكنه يعرف كيف يقدمها للعالم من حوله، ولقد طلب الرجل مقابلةَ الأستاذ الإمام البنا، وعاد إلى القاهرة، وتمَّ اللقاء فعلاً مع الأستاذ الإمام، وعرض عليه مبلغًا من المال يستعين به على تصريفِ شئون دعوته ورفض الأستاذ ذلك؛ مما يدل على سعةِ عقلِه وأفقِه، وقال الجنرال الذي قدَّم المبلغ للإمام البنا: إن هذا من عادة بريطانيا أن تساعد أبناء الشعوب الصديقة على تصريف أمورِ دعواتهم، وغيرك من رجال الأحزاب يأخذون ذلك، فقال له الأستاذ الإمام البنا إن هذا سوف يكون ضدَّ مصلحة بريطانيا عندما يعلم الناس أنني آخذُ مالاً منكم.. نحن آثَرنا أن لا نمدَّ أيديَنا لأحدٍ، وأن نسأل الله، إن الله كان بكل شيء عليمًا، فشكره الرجل وانصرف عائدًا إلى السفارة البريطانية، وأخرج ملفَّه وكتب عليه: "حسن البنا أخطر رجل في العالم".

وبدأت عمليات المراقبة والمتابعة للأستاذ الإمام البنا من ذلك الوقت، رغم إدراك الرجل طبيعةَ العقلية التي يتعامل معها وأفقَها الواسع، إلا أنه بلا شك أدركَ خطورةَ بقائه، ولم يكن العالم الغربي كما يقولون يقف مكتوفَ الأيدي أمام هذا الرجل الذي شعر رجلُ الشارع بدعوته وحقيقةِ جهودِه وغايةِ حياته، فهتف من أعماقه ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(162)﴾ (الأنعام).

وكما يقولون لقد اعتدلت لهجة الكُتَّاب من تأثير هذه الدعوة القوية.. اعتدلت لهجاتُ الكُتَّاب وخَفَت روح الإباحية والإلحاد والجنس، واعتدلت لهجاتُ الكُتَّاب لتَجري مع الريح الإسلامية.

مفتاح هذه الرسالة يتلخص في أمور ثلاثة:

أولها: الدافع وراء هذه المهمة التي ألقيت على عاتقنا كما ذكر في (مهمتنا).

ثانيها: الحديث عن مهمة الإخوان المسلمين تحت عنوان (مهمتنا).

ثالثها: الوسيلة التي تتحقَّق بها هذه المهمة تحت عنوان (لو كانت لنا حكومةٌ إسلامية).

وبهذا أظهر الأستاذ الإمام البنا تصورَه للخروج بالأمة الإسلامية من مأزقها، وأن هذا لن يتمَّ إلا بمهمة تتلخَّص في إقامة وإعادة بناء الأمة من ناحية، والسلطة الإسلامية من ناحية أخرى؛ لأنه لن يتحقق للنظام الإسلامي هدفه ولن يحقِّق غايتَه إلا من خلال السلطة الإسلامية؛ ولأن المجتمع الإسلامي في حقيقته هو عبارةٌ عن مجتمع وحكم أو أمة وحكومة، فالمجتمع بغير حكومة أو بغير سلطة عاجزٌ ناقصٌ، والحكومة بغير مجتمع أو الحكومة بغير أمة وهْمٌ وسرابٌ، أو جَورٌ وظلمٌ؛ لأنه لا يمكن أن تُطبَّق أحكامٌ على أناسٍ لا تؤمن بهذه الأحكام ولا تنتمي إليها ولا يوجد بينها وبين هذه الأحكام أي نوع من المحبة والشعور.

فالنظام الإسلامي إنما يقوم على تلك الدعامتين: أمة وحكومة، أو مجتمع وسلطة، ومجتمع بغير سلطة عاجز ناقص لا يستطيع أبدًا أن يحقق هدفه، وهذه حقائق طبعًا كان الأستاذ الإمام البنا لا يخجل من التحدث عنها، أو يتردد في الحديث فيها، أو يتلعثم عند الإعلان عنها كما كان يقول الأستاذ سيد قطب- رحمه الله- ليس في ديننا ما نخجل من التحدث عنه أو التردد فيه أو التلعثم عند الإعلان عنه.

فالذي أدركه الأستاذ الإمام البنا أن الدافعَ وراء هذه المهمة التي تحدث عنها بعد ذلك إجمالاً وتفصيلاً هو لا شك السرّ في هذا القرآن الذي بين أيدينا: "السر في هذا القرآن الذي بين أيدينا هو أنه يضع في نفس كل مَن يقرأه ويؤمن به نزعةَ التبليغ وهي العمل له، وهو نوعٌ من الشعور بالمسئولية الأدبية تجاه ما يؤمن به ويعتزُّ بالانتسابِ إليه وهو القرآن الكريم، وهذا السرُّ لا يوجد في غيرِه من الكتبِ السماويةِ التي نزلت من قبل وفي الأديان السماوية التي نزلت من قبل" يقول مالك بن نبي في كتابه (الظاهرة القرآنية)- وهو يشير إلى هذا المعنى الخفيِّ الدقيقِ-: إن اليهود بصفة عامة ليست لديهم هذه النزعة.. نزعة التبليغ عن ديانتهم أبدًا.. لماذا؟! لأن المعجزة التي واكبت ظهور النبي موسى عليه السلام (وهي العصا واليد كما يقولون فضلاً عن المعجزات التي تمَّت في عهده) انتهت الحاجة التاريخية إليها، فلا ضرورةَ لها؛ ولذلك بمجرد فقدان هذه الحاجة انتزعت تلك النزعة من نفس مَن يؤمن بهذه الرسالة التي تعضِّدها وتؤكدها هذه المعجزة المادية التي انتهت بزوالها أو بالحاجة التاريخية إليها.. إنه بمجرد زوال المعجزة بموت النبي تنتهي الحاجة إلى هذه المعجزة، وبالتالي يفقد صاحبُ هذا الدين نزعةَ التبليغ؛ ولذلك لا نسمع عن يهودي يدعو إلى ترك الوثنية؛ ولذلك هو مجتمع متقوقع (مغلق على نفسه) رغم هذه السنين الطويلة.

وكذلك المسيحية بنفس القياس لديها هذه النزعة النفسية والتاريخية، فالمسيحي قلَّما يدعو؛ لأنه لا توجد نزعةُ التبليغ النفسية لديه.. أيضًا من ناحية انتهاء المعجزات التي واكبت ظهور المسيح عليه السلام وانتهاء الحاجة التاريخية إليها؛ لأنه في علم الله تمهيدٌ لدين آخر، فالمسيحية هذا الدين انتهت رسالته بموت نبيه أو برفعه، فلم تَعُد هناك نزعةٌ للتبليغ، وإن حدث- كما يقول مالك بن نبي رحمه الله- كان وراء ذلك أمور أخرى من المصالح والمطامع، فليست النزعة الدينية وراء التبليغ عن دينه، وإنما هي مصالح ومطامع من أجل السطوة والتسلط والاستغلال، أي نزعات استعمارية في الأصل، فضلاً أيضًا عن التشكيك في صحةِ الكتب السماوية.. إنه التشكيك في وجود هذه الكتب السماوية أصلاً.

ولقد أثبتت الدراسات الحديثة عن عدم صحة التوراة، كما يذكر مالك بن نبي في كتابه (الظاهرة القرآنية)، وكذلك بالنسبة للأناجيل فإن أساقفة مجمع (أنقيه) في القرن الرابع الميلادي ألغَوا الكثير منها؛ لأنه قد قُدم أكثر من 250 إنجيلاً في هذا المجمع، ولم يقبل إلا أربعة أناجيل، وقد زرع الشك حول المتبقي منها، وبالتالي انتفت نزعة التبليغ نفسيًّا وتاريخيًّا في هؤلاء فهي لم تعد موجودةً.. لكنَّ القرآنَ الكريم- ولا شك- أُنزل لِيَبقَى؛ ولأن الإسلام يحتاج إليه كوسيلةٍ من وسائل تبليغِه، موجودة مع كل مسلم يؤمن بالقرآن، ويستشعر المسئولية الأدبية تجاه ما يؤمن به ويعتز بالانتساب إليه، وهذا في الواقع هو حقيقة البلاغ وحقيقة التبليغ للناس أجمعين.

وهذا كان وراءَ اختيار الأستاذ الإمام البنا (الإخوان تحت راية القرآن) أن يتقدم بدعوته إلى الإخوان المسلمين وإلى الناس أجمعين، ولا شك أن أداء هذه المهمة- رغم صعوبتها- أكدتها السنة المطهرة أيضًا وليس فقط القرآن، وطبيعة القرآن والسرُّ الكامن فيه هو وجودُ هذه النزعة.. نزعة التبليغ والبلاغ والحركة بهذا الدين؛ من أجل قيام نظام يمثله؛ لأن أيَّ مبدأ إنما يمثله الذين يقيمونه أكثر من الأفكار التي تدعو إليه، وهذا هو شعورُ المسلم تجاه دينه، تمثيله كواقع وكحياة؛ لأن الناس بطبيعتهم والنفوس بفطرتها لا تؤمن بأي فكرة مجردة ما لم تتبلور في حياة، وتترجم إلى مجتمع، وتتمثل في نظام.. الناس بطبيعتهم هكذا، فمهما تكلَّمت معهم عن أفكار ما لم يكن لها تمثيلٌ في الواقع وليست مترجمةً إلى حياة وليست ممثلةً في نظام وليست متبلورةً في مجتمع فإنه يندُر الإيمان بها؛ لأن أي نظام إنما يمثله الذين يقيمونه أكثر من المبادئ التي تدعوه إليه.

والسنة المطهرة أكدت هذا المعنى أيضًا، وكما يقولون في الوقت الذي لاحَ فيه للنبي- صلى الله عليه وسلم- وقت الغروب في عرفات في حجة الوداع كان يبدو مرتحلاً عن الدنيا وهو يُلقي بوصاياه في خطبة الوداع بين تلك الجموع الصامتة الخاشعة التي كانت تستمع إليه، عندما صرخ فيها بصوته: ألا هل بلغت؟ فقالت تلك الجموع الخاشعة في صوت واحد: اللهم نعم، فقال: "اللهم فاشهد.. فليبلغ الشاهد منكم الغائب"، وكانت هذه وصيته- صلى الله عليه وسلم- الأخيرة: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب"، فالسنة المطهرة تؤكد على هذا المعنى وهو معنى التبليغ.. تلك النزعة النفسية التي يودعها القرآن في نفوس أصحابه، طبعًا الذين يقرأونه ويفهمونه ويعملون به.

أدرك الأستاذ الإمام البنا- وهو يحمل هذا الدين ويقدمه للناس- أنه أمام عالَمٍ مكتظٍّ بالأفكار والمبادئ وفي نفس الوقت منضبط بالنظام، بعيد عن الفوضى، وقد شرح ذلك في أول الرسالة عندما قال: في هذا الصخب الداوي من صدَى الحوادث الكثيرة المريرة التي تلدها الليالي الحبالى في هذا الزمان، وفي هذا التيار المتدفق الفيَّاض من الدعوات التي تهتف بها أرجاء الكون، وتسري بها أمواج الأثير في أنحاء المعمورة، مجهزةً بكل ما يغري ويخدع من الآمال والوعود والمظاهر.. نتقدم بدعوتنا في الوقت الذي يكتظُّ العالم ويتخم بالكثير من الأفكار والآراء والمذاهب التي تسري بها موجاتُ الأثير وتهتف بها أرجاء الكون، مجهزة بكل ما يغري من الوعود والآمال والمصالح والمطامع، وكثيرًا ما كان يقول: إن كل دعوة لها كتيبة مجهزة، تكشف غامضها وتبين محاسنَها للناس، وتُذلل سبل الوصول بها إلى لبِّ الناس وعقولهم في متاجرهم ومصانعهم وفي بيوتهم ومزارعهم؛ ولذلك عندما جاء يتقدم بدعوته كان حريصًا أن يمتلك حواسَّ عصره؛ بحيث يستطيع أن يواجه ذلك العالم المتخَم بالأفكار والآراء والمذاهب والعقائد؛ لأنه ليس كما يتصور البعض أنه عندما نعلن دعوتنا على الناس سوف يقبلها الناس جميعًا بمجرد الإعلان عنها وبسط الحق وعرضه أمام الناس.

والشيخ محمد عبده- وهو يتكلم عن الأنبياء في (رسالة التوحيد)- ذكر أنهم مؤيَّدون بالمعجزات برغم ما جاءوا به من الحق والصدق، ورغم ما عُرفوا به هم أنفسهم في مجتمعاتهم التي ظهروا فيها بقدرٍ من الصدق يفوق الخيال، والجيل المعتبر الجدير بالإعجاب هنا هو جيلُ الصحابة الكرام، الذين شرح الله سبحانه وتعالى صدورهم لهذا الدين، كما يذكر الأستاذ محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم): كبار الصحابة الذين استمعوا لدعوة الإسلام من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نفسه لم يسألوه عما يقول برهانًا؛ لأن محياه ينطق بالصدق، ومع ذلك يعلِّق الشيخ محمد عبده فيقول: ورغم أنهم مؤيدون بالمعجزات إلا أنه غالبًا ما يقترن ذلك بقصد البلاغ؛ لأنها تؤيد صدق ما ذهب إليه هؤلاء الرسل في دعوتهم، إلا أنها غالبًا تقترن بالإنكار، وهذا شيءٌ طبعًا ضد العقل ولكنها حقيقة الواقع، وهذا ما أدركه الإمام البنا رحمه الله.

إن القضية ليس مجرد أن تَعرض ما عندك، إنما أن تُحسن عرضَه كما قال عرضًا كريمًا لائقًا يتفق وروح العصر، كما قال إن كل دعوة وكل فكرة لها كتيبة مجهزة ودعاة مجهزون مدربون مثقفون، يكشفون الغامض، ويبينون المحاسن، ويذللون السبل.. سبل الوصول إلى القلوب والعقول في المتاجر والمصانع في المزارع والبيوت؛ ولذلك عندما جاء يقدم فكرتَه قدمها مدعمةً بالأدلة والبراهين؛ لِيُدلِّل على مدى صدقها، ومدى واقعيتها في نفس الوقت، ومدى فائدتها للناس؛ لأن الناس لا يمكن أن يؤمنوا بشيء إلا إذا أدركت وشعرت بفائدة المحافظة عليه، فليس هناك أحدٌ يؤمن بشيء إلا إذا شعر بفائدة المحافظة عليه لاعتقاده في صلاحيته من ناحية والشعور بفائدة المحافظة عليه من ناحية أخرى.. إنه عند ذلك يؤمن به ويعمل له ويبذل في سبيله أقصى ما لديه من جهد؛ لأنه حدث له الرضى والارتياح.

وهذا الذي كان يحرص عليه الأستاذ الإمام البنا أدرك هذا الواقع على حقيقته وأنه لا يتحرك في فراغ، كما قال: سوف يقف جهلُ الشعب بحقيقةِ دعوتكم عقبةً في طريقكم؛ لأن المشكلة الحقيقية لم تكن الإخلاص للقرآن، وإنما في الجهل بمبادئه؛ لأنها تربَّت على هذا الجهل وهذا نتيجةٌ لهذه الجهود الضخمة التي بذلها الأجنبي الغاصب في محاولة التدمير من الداخل، لدرجة أن الناس قالت إنه ليس هناك آيةٌ في القرآن تدل على الحجاب وغطاء الرأس.. كل هذه اجتهاداتُ فقهاء وشرحُ مفسِّرين، وليس فيها شيء صريح يدل على ذلك.. إنه الجهل بمبادئه رغم الإخلاص له، وكما يقولون فقد الإخلاص طابعه الفعال، فالناس تقرأ القرآن وتتبرَّك به ولكنها لا تستطيع أن تصوغ حياتها على أساسه.

إنها مشكلةٌ كبرى أدركها الإمام البنا رحمه الله، والسبب وراء ذلك أمران مهمان، لكن قبل أن نتحدث عنهما نقول لقد أدرك الأستاذ الإمام البنا أيضًا أنه أمام عالمٍ بعيدٍ عن الفوضى منظم مرتب منضبط تحكمه القوانين والمعاهدات والمصالح، كان له كلمةٌ جميلةٌ تحت عنوان (انتهاز الفرصة) يقول فيها: إن أعداءنا يحاربون ويرتبون- كان في وقت الحرب العالمية يحاربون ويرتبون- بين مؤتمر لندن وبونسدام، كان وقتها مؤتمرات وتصريحات ومحاضرات ومقالات وحكومات إثْر حكومات.

وهكذا تتأهَّب الدول الكبرى وتسير الدول الصغرى وأنتم موضع البحث والتقرير على مصالحكم، يشتد الجدل والخلاف وتتجه المطامع والآمال فعلام تنتظرون؟! في الوقت الذي أنتم فيه موضوع البحث والتقرير، فالعالم يحارب ويرتب، وما أشبه اليوم بالبارحة.

أدرك الأستاذ الإمام البنا أيضًا أنه يعمل في وسط عالم منظم بعيد عن الفوضى، تترتب المعاهدات والمصالح والقوانين والمؤتمرات؛ ولذلك لا يمكن أن يواجه هكذا، إنما يواجه بكيان منظم وفكر ناضج ودعوة ناضجة صادقة، تواجه هذه الدعوات التي تسري بها موجاتُ الأثير وتهتف بها أرجاء الأثير.

المشكلة الحقيقية

أدرك الأستاذ الإمام البنا- رحمه الله- أن المشكلة الحقيقية في الأمة تكمن في نوعين من الناس: النوع الأول: المتزمتون الجامدون كما كان يقول دائمًا، وهم الغافلون الجامدون، وهم للأسف كان يمثلهم علماء دين، الذين يذكرون بكل كئيب جامد، هؤلاء غفلوا عن طبيعة الواقع الذين يواجهونه، وظل عَرضهم للإسلام ذلك العرض الضيق المتراجع، لم يستطيعوا أن يقدموا الإسلام بذلك الفهم الواسع الفسيح الذي قدَّمه الإمام البنا رحمه الله، إنما قدموه وعرضوه عرضًا ضيقًا أوجد تلك الهُوَّة بين الناس، رغم إخلاصهم، وبين فهم هذا الدين؛ لأنهم اعتبروا أن كل محاولة لفهم الشريعة إنما هي تهجُّمٌ على حرمة الدين، وبذلك أغلقوا باب الاجتهاد، وتصوَّروا أن الدين نزل مرةً وللأبد، وشُرح مرةً للأبد؛ ولذلك لم يحاولوا استخراجَ ما فيه من الحكمة والأفكار العظيمة التي تُخرج الأمة من مأزقها.

والنوع الآخر: وهو ذلك الجيل المخضرم الذي أشار إليه الأستاذ الإمام البنا بأنه إلى غير الإسلام أقرب، وهم المثقفون أو أبناء أوروبا المدللون كما يقولون، الذين تعلموا في الغرب ورجعوا وكل رءوسهم ممتلئة بأفكار تلك الحضارة وثقافتها وبتقاليدها كذلك وبأساليب عيشها، وأرادوا أن ينقلوا ذلك للأمة، يدفعوا الأمة عن مغافلة منها- كما ذكر الأستاذ الإمام- لا إلى ما أرادوا، بل إلى ما ألفوا الشيء الذي تعودوا عليه وتربوا عليه عندما كانوا يتعلمون هناك، وهذه كانت آفة حقيقية وهي قبول الحضارة الغربية بكل ما فيها من سمين وغث، وهذه كانت دعوة بعض كبار الكتاب والمثقفين في ذلك الوقت، قبولها بكل ما فيها من أجل النهوض، وكانوا متصورين أن النهوض لن يتمَّ إلا باتباع أسلوب الحياة وليس أسلوب العمل.

ولذلك عملوا على تنمية الغرائز، ولم يطوروا الإمكانات للأسف الشديد، فشاعت الفوضى وانتشر الفساد والإباحية، كما يقول عزت بيجوفتش في كتابه "الإعلان الإسلامي": هذا الصنف من الناس الذي وصفه الأستاذ الإمام البنا بذلك التعبير المهذب هو جيلٌ مخضرمٌ إلى غير الإسلام أقرب، وهذه من ممادح أهل العلم كما يقولون إنهم يخطئون ولا يفسقون أو يفجِرون.. إنهم كانوا ينادون بإلقاء كل ما هو إسلامي أو كل ما هو بالٍ من الأفكار والعادات والأساليب والعوائد كي تستطيع أن تنهض، فلا بد أن تأخذ الغرب كله (الحضارة الغربية كلها) ليس فقط من جانبها المادي فحسب، إنما بجانبها الروحي كذلك أو الثقافي ومنظومة الأفكار والعادات والتقاليد والآراء والمذاهب وأساليب العيش. وهذه هي التي أحدثت الهوة الضخمة جدًا أو ما يعرف بالعطالة المتبادلة؛ لأن الجماهير التي كانت راغبة في خدمة الإسلام أو التمسك بدينها أو أن تصوغ حياتها على أساسه لم تعرف كيف تفعل ذلك أمام علماء الدين الجامدين وأمام هؤلاء المخضرمين الذين هم إلى غير الإسلام أقرب.

والأمة أصبحت في هذه العطالة المتبادلة، يتقدم المشروع تلو المشروع ولا ينجح أبدًا والسبب في ذلك أنه يخالف روح الأمة التي ترتبط بالإسلام عن محبة وشعور لا عن فكرة وقانون، فكل ما يقدم لها بعيد عن هذه الروح، وبالتالي هي خاملة كسولة أمامه ولا يعرف أحد سبب هذا الخمول وهذا الكسل، وظُن أنه نوع من الميل الفطري إلى الابتعاد عن كل جديد غريب- ولكن هي في الحقيقة مشكلة- الحقيقة هي رفض ذلك المثل الذي يقدم لها، لأنه بعيد عن دنيها، ولذلك لم تقابل مثل هذه المشاريع الكثيرة التي قدمت من أجل خروج الأمة من مأزقها إلا بالكراهية والمقاومة، لأنها كانت كلها تجمع على غير الإسلام، وكان يدفع الناس دفعًا إلى التزام هذه المشاريع أو محاولة تحقيقها في واقعهم، وكانت النتيجة الفشل الذريع؛ لإحساسهم أن الذي يقدم بعيد عن دينهم، وهذا دليل فعلاً على ارتباط الأمة بدينها وإخلاصها لقرآنها، رغم أنها لا تعرف كيف تظهر هذا الإخلاص وكيف تحمل هذا الدين الذي تؤمن به والذي تعلن اعتزازها بالانتساب إليه كلما تحين الفرصة لإمكانية تحقيقه.

إن رجل الشارع العادي مستعد للتضحية وتحمل الأذى، إذا بدت من أي جماعة أو أصحاب مشاريع إمكانية تحقيق الإسلام، ذات مرة جمال عبد الناصر في إحدى خطبه بدأها بالحمد لله فصفقت الجماهير تصفيقًا حارًّا، ولم يكن هذا من عادته، وأخذت الجماهير تصفق تصفيقًا مثيرًا للدهشةِ والإعجاب، وإن دلَّ فإنما يدل على صلتها بالإسلام عن محبة وشعور لا عن فكرةٍ وقانون رغم كل مظاهر الانحراف أو البعد عن الدين، ولكن هذه هي حقيقة النفوس، والسادات في خطبة كان متعودًا أن يبدأ ببسم الله وبعض الآيات، ويختمها أيضًا بقوله ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)﴾ (آل عمران)، وكان يجد من ذلك القبول من عامة الناس، لارتباطها أيضًا بالدين.

إمكانية تحقيق الإسلام وإن بدا في مثل هذه الشعاراتِ وإن لم يسنده شيء من الواقع، لكن مجرد أن يبدو في شيء من الشعار فإن الأمل يعود للناس، ويعني ذلك أنها ممكن أن ترتبط مرةً أخرى بدينها وتصوغ حياتها على أساسه؛ لأن هذا في أعماقِ النفس مطلبٌ إلهي.

إن الإنسانَ يعيش وفق مثله الأعلى ولله المثل الأعلى ثم لدينه ولقرآنه، فالناس مرتبطة بكتابِ ربها وبسنة نبيها، وكلما أتت فرصة للتعبير عن ذلك، فإنها تسرع في التعبير عنه. وأقرب شيء كلنا لاحظناه لما تحجبت إحدى مذيعات الفضائيات، وترى هذا الترحيب الضخم الذي حدث من القدس إلى مكة المكرمة، كذلك آلاف المصلين في ليلة القدر في رمضان- لأن هذا الكلام قد حدث في ليلة القدر- آلاف المصلين كانوا يدعون لها، وتكلم أناس في البرنامج وقالوا بلغوها أن الآلاف المؤلفة في المسجد الحرام تدعو لها وتبارك لها ما فعلت، وكذلك في القدس، حيث صلى الناس في المسجد الأقصى ليلة القدر وفعلوا هذا وأرسلوا برقياتِ التهنئة، وكُتب ذلك في الصحف العلمانية، وذلك إن دل على شيء إنما يؤكد على هذا المعنى الذي أدركه الأستاذ الإمام البنا رغم مظاهر الانحراف لكنه كان دائما يكرر: "لا تزال عناصر السلامة صالحة قوية في نفوس شعوبكم المؤمنة الفتية، وإنها لم تقطع صلتها بالقرآن رغم أنها لم تستطع أن تصوغ حياتها على أساسه.

حقيقة الدين

ولذلك عندما قدَّم فكرتَه أراد أن يخرجَ من ذلك المأزق الذي وقع فيه مَن سبقه، الذين كرَّسوا الجمودَ فأغلقوا بابَ الاجتهاد، واعتبروا أن كلَّ محاولة لفهم الشريعة فهمًا واسعًا فسيحًا، كحرمة التهجم على الدين، ولذلك أغلقوا باب الاجتهاد، فظل الدين يراوح في مكان واحد، وكأنه غير قادرٍ على النهوض بالناس، ليس فقط النهوض الروحي إنما النهوض المادي كذلك، وأن هذه هي طبيعة هذا الدين، والذي نبَّه إليه الأستاذ الإمام البنا، وقال: "إن المادة تخدم الروح في ديننا، ليس هناك جهدٌ روحيٌّ يتم إلا بجهدٍ ماديٍّ"، وقد عبَّر عن ذلك بقوله: "إن الفقر المحض يجعل النهوض الروحي أمرًا غير ميسور"، ولذلك أدرك أن الإسلام يكوِّن المجتمع ويكوِّن الإنسان بجانبه الخلقي والروحي، وفي الوقت الآخر ييَّسر له حياتَه الماديةَ والنهوض بها كذلك، وهذه هي طبيعة الإسلام عندما يحاول أن ينهضَ بالإنسان ليس فقط يعتني بذلك الجانب الروحي أو الأخلاقي أو التعبدي فحسب، إنما يعتني أيضًا بالجانب المادي وييسره ويعين على النهوض به كذلك، هذه هي غاية الدين وذلك أن كل نهوض روحي إنما يتم بجهد مادي، فالصلاة تبدأ بالوضوء وهو عمل مادي يتمثل في (الطهارة)، ولأن أعظم شيء عن التعبير الروحي وصلة الإنسان بربه هي الصلاة، ولكنها لا تتم بجهد روحي فقط، إنما بجهد مادي أيضًا (الطهارة والوضوء) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾ (البقرة).

وكذلك الصيام، نفس الصورة.. جهدٌ ماديٌّ من أجل الامتناعِ عن الطعامِ والشراب ابتغاء الجزاء من الله عز وجل، وكذلك الحج جهدٌ مادي ضخم، لكي يحققَ ذلك المعنى الروحي أو النهوض الروحي، فهذه حقيقة الدين، وهذه طبيعة الإسلام وفلسفته.

إن كلَّ جهد روحي يتم بجهد مادي، وبذلك ترتبط الحضارة بالثقافة في الإسلام كما يقولون، فهي ليست منفصلةً عن الروح، فالمادة تخدم الروح، وهذا هو الذي يجعلنا لسنا كغيرنا من الدعوات كما ذكر الإمام البنا في آخر الرسالة "هذه منزلتكم, فلا تصغروا في أنفسكم, فتقيسوا أنفسكم بغيركم, أو تسلكوا في دعوتكم سبيلاً غير سبيل المؤمنين, أو توازنوا بين دعوتكم التي اتخذت نورها من نور الله ومنهاجها من سنة رسوله، بغيرها من الدعوات التي تبررها الضرورات، وتذهب بها الحوادث والأيام"، فليس عندنا هذا الفصام النكد بين المادة والروح، وهذا الذي أدركه الأستاذ الإمام البنا رحمه الله، لذلك وهو يكوِّن هذا الكيان، كان واضعًا نصب عينيه ليس فقط تربية الإنسان هذه التربية التي كرست القدرات العقلية والفضائل الخلقية، إنما من الجانب الآخر.. تيسير حياته وتيسير النهوض بها، ولذلك كان هناك نظام التعارف والتكافل والتفاهم الموجود والقائم، فكان حرص الأستاذ الإمام البنا أن يجعله- مثلما تكلم عن التكافل- بحيث لا يشعر الإنسان أنه في المجتمع مخزون محروم يشعر بالوحدة والغربة و الجفوة والخذلان و الحرمان. صورة عملية، ولذلك عندما جاء يتكلم عن التكافل قال: وهو حقيقة الأخوة وصريح الإيمان؛ لأن هذا هو الذي يجعل الصف متماسكًا، لأن (الفقر المحض يجعل النهوض الروحي أمرًا غير ميسور).

وكان بعض إخواننا يحكى هذه القصة: لما دخل الإخوان السجون في عام 1954م كُلِّف أحد الإخوة وهو من الإخوان القدامى، كان شابًّا وقتها في الثانوي لما حدثت المحنة في عام 1954م، وكُلِّف من مسئوليه أن يرسل مبلغًا من المال (عملية التكافل) لأخوين من الإخوة مسجونين يقضيان خمسة وعشرين سنة في السجن، فذهب إلى عائلة الأول منهم، فوجد أسرةً فقيرةً تعيش تحت خطِّ الفقر في قريةٍ من القُرى التابعة للجيزة في ذلك الوقت، ولما طرق الباب وجد أمًّا كبيرةً عجوزًا وعليها آثار الفقر والحرمان والعوز، ولما فتحت الباب وجد إخوةً صغارًا شبه عرايا، وقال أنا جئت بالمبلغ هذا من فلان (ابنك الذي في السجن) فسبَّت ولعنت وقالت له: أنتم الذين فعلتم فيه كذا وكذا، وتحمَّل بعض الإيذاء وتركها وانصرف، وذهب للأخ الآخر ووجد أسرةً مستريحةً كما يقولون: الكرامة لا الرفاهية، تعيش عيشةً كريمةً ليست مرفهةً طبعًا، تحتاج إلى بعض المساعدة القليلة، فلما فُتح له قابلته زوجة الأخ الذي كان في السجن، فرحَّبت به ترحيبًا كبيرًا، فوجد البيت معقولاً (مستور الحال)، وكان عنده ثمانية أولاد أكبرهم في الابتدائي، ولكن قابلته مقابلة طيبة وشكرته ودعت له أن "ربنا معكم ويفرج كربتكم".

فيقول أدركت أن صاحب البيت الأول لن يستطيع أن يستمر في السجن، فظروف الأسرة على هذه الحالة سوف تضغط عليه، أما الآخر فيمكن أن يستمر ويصبر ويثبت.

فالتكافل حقيقة الأخوة وصريح الإيمان- كما قال الإمام البنا- إنه لن يتخلَّى أحدٌ عن أخيه، ويكمل الأخ قائلاً: وبعد سنوات قصار هذا الأخ صاحب هذا البيت الفقير المعدم المعوز تنكَّر لمبدئه، وأيَّد الحكومة فيما عُرِف بمحنةِ التأييد لكي يخرجَ من السجن بعد خمسِ سنوات بعدما كانت تنتظره خمسة وعشرون سنة وراء الأسوار، فشقَّ طريقًا بعدما خرج بعيدًا عن الدعوة تمامًا، وأما الآخر فثبت وعاش اثنين وعشرين سنة، ولقد رأيته في السجن، كل الأولاد الصغار كبروا والبنات تزوجن، والأولاد الذكور تخرجوا، الذي أصبح طبيبًا والذي أصبح مهندسًا، والرجل ثبت وخرج وظل مرتبطًا بدعوته حتى وافاه الأجل ومات رحمه الله بعد خروجه من السجن بفترة وجيزة، بعد اثنين وعشرين عامًا.

بين الفقر والنهوض

فلا شك- كما يقول الإمام البنا-: إن الفقر المحض يجعل النهوض الروحي أمرًا غير ميسور.. كيف أمشي معك وأنا لا أجد الأكل.. هل هناك أناس ثبتت؟ نعم. ولكن قلة قليلة. إنما أنت تتكلم عن عموم الأمة، ولذلك تحدث الأستاذ الإمام مع علي ماهر باشا رئيس الوزراء وهو يشرح له حال الأمة أنها أمة متعَبة.

ويقول له كيف تنهض، وأنتم تسرقونها وتنهبونها ولا تعطونها إلا الفتات، وتطلبون منها أن تنهض معكم.

وقال هذا الكلام في رسالة وجهها إلى علي ماهرباشا في ذلك الوقت وقال له هذا النص الذي ورد في الرسالة "إن الفقر المحض يجعل النهوض الروحي أمرًا غير ميسور"، ولذلك إن الإسلام لما جاء وهو يرتب عملية النهوض الروحي، فإنه يرتب عملية النهوض المادي أيضًا لتسيير الحياة.

ولعلي عزت بيجوفيتش كلمة جميلة يقول: لأن هذا الدين دين دنيوي مرتبط بالحياة والعيش، فهو يقبل كل ما يغير وجه الحياة بشرط أن يتوافر فيه عنصرين:

1- أن يكون إنسانيا لأقصى الحدود.

2- وأن يكون فعالا بلا حدود.

وهذا الكلام هو ما يقوله الإمام البنا.والإسلام يرحب بالصالح النافع من كل شيء؛ يرفع قدر العلم والعلماء.

ألا إنه الإنسان الناجح كما يقول عزت بيجوفيتش (الإنسانية الفعالة)، وكما يقول حسن البنا عنه (النافع الصالح).

والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.

فكل ما ينضر وجه الحياة وييسرها، ينبغي عدم تقييده أو الغاؤه وهذا هو الذي فهمه حسن البنا وهو يربي هذا الجيل لكي يخرج بالأمة من مأزقها. إنه لم يربه على الخلق الحسن والاستقامة الصارمة فحسب، إنما رباه على العقل المستنير والحياة الكريمة إنها الكرامة لا الرفاهية كما يقول الإمام.

فليس كل الناس أغنياء، لكنهم من حقهم أن يعيشوا كرماء، أن نوفر لهم هذا الحد (حد الكرامة لا الرفاهية).

وهذا هو الذي حاول أن يوفره، ولذلك كانت عملية الاشتراك والدعوة، فأنت لا بد أن تساهم في الدعوة بجزءٍ من مالك مهما كان ضئيلاً، وأن تدخر منه للطوارئ وألا تتورط في الكماليات.

وهذه المعاني كلها لكي يقيم مع ذلك الكيان والبناء تربية الإنسان لا بد أن يقيم هذا الجانب المادي وييسره، لكي يضمن بذلك استمرار ذلك النهوض الروحي الذي ينادي به.

بين الروح والمادة

وهذه هي حقيقة تبشر بها دعوتنا نفسها وديننا، عندما يكون الجهاد الروحي لا يتم إلا بصورة مادية.

وهذا أبرز صوره له في الصلاة- فهي لا تتم إلا بالطهارة والوضوء.

في الوقت الذي يكون في غيرها من الأديان (الديانات الأخرى)،هناك ما يسمى بالقذارة المقدسة يتفكر الرهبان بأنهم لا تمس أقدامهم الماء إلا لعبور الأنهار فقط إنما الماء لا يمس جسدي أبدًا وسموها القذارة المقدسة، لأنها هدم للبناء المادي للجسم والبدن، ومحاولة الابتعاد عن مطالبه المادية وحرمانه منها- والنصرانية عندها نوع من التأمل فقط والتفكر لا تحتاج إلى كل هذا الجهد. لكن الإسلام جاء بشيء مخالف تمامًا0 مع أن ديانتهم هكذا.

ويكفى أن يوحنا يسمى (سيدنا يحيى) أو (يوحنا المعمداني) أو (المغتسل)، وذلك لكثرة اغتساله بالماء، لكي يبعد عنهم الأفكار الغريبة هذه التي جاءت إليهم من موروثات الفلسفات القديمة، هذه الأفكار البالية التي ليست من طبيعة الدين، إنما التحريف الذي لحق به ولحق بكل شيء.

لكن الإسلام ظل محفوظًا (الجهد الروحي يتم بجهد مادي) الوضوء بالماء أو التيمم جهد مادي، الصيام جهد مادي وجانب روحي، الحج كذلك، في الزكاة جهد مشقة وعمل وإدخار ثم إنفاق للمال من أجل المنفعة العامة والاقتطاع منه من أجل النفع العام، حتى لا يشعر الإنسان في المجتمع الوحيد الغريب أبدًا أنه وحيد فريد، أو يشعر بالغربة أو العزلة، وفي نفس الوقت لا يشعر بالخذلان والحرمان، ليس هناك مجهول يرتقى بمجهول.

ارتباط المحبة والشعور

لقد بُنِي الإسلام على الحب والتعارف، أراد الأستاذ الإمام البنا أن يظهر هذا الكيان ويظهر سماتِه بهذه الصورة، في الوقت الذي قدَّم فيه الأستاذ الإمام البنا مشروعَه لكي نخرجَ بالأمة من مأزقها، اعتمد أساس الدين، إنه أدرك أن الأمة ترتبط به في أعماق نفسها ارتباط المحبة والشعور وليس الفكرة والقانون، ولذلك بمجرد أنه يرى محاولة تحقيق أو إمكانية تحقيق الإسلام تجد رجل الشارع العادي يسرع في إبداء استعداده للكفاح وتحمل الأذى، وبخاصة عندما يرى الصدق فعلاً في هؤلاء حملة المشاريع، الذين هم يقدمون له مشروعهم الحضاري لإخراج الأمة من مأزقها.. هذا ما أدركه الأستاذ البنا، فقدَّم المشروعَ أو فكرتَه على أساس القرآن، تحت راية القرآن، وأساس تعاليمِه، كي يجدَ في النفوس ذلك الاستعدادَ الذي وجده عندما قدَّم دعوتَه للناس في تلك الظروف العصيبة التي كانت تمر بها الأمة من التخلف ومن السلبية ومن الخمول ومن التراجع ومن الانحطاط.

الإنسان والقانون

أدرك أيضًا الأستاذ الإمام البنا- رحمه الله- أن القوانين لا يمكن أن تنشئ نظامًا صالحًا أبدًا، لأن المجتمع لا تنظمه القوانين، ولكن الذي ينظمه هو الإنسان، وهذا يجعل مهمتنا أيضًا غير مهمة غيرنا من الدعوات، كما كان يقول الأستاذ الإمام البنا: ولا تزنوا دعوتكم بغيرها من الدعوات؛ لأن هناك فرقًا كبيرًا بين المجتمع الذي يتصوَّر الغربيون الماديون أنه تنظمه القوانين، وبين الإسلام الذي يعلم أن المجتمع إنما ينظمه الإنسان (يقوم على الإنسان)، بل بالعكس- كما يقول علي عزت يجوفيتش-: كثرة القوانين في مجتمع ما، تعني شيئًا باليًا.

وهذا يفسِّر قلة القوانين في القرآن الكريم، لأنه بدأ بالإنسان أولاً، ككيانٍ يصلحه يربيه على هدفٍ كبيرٍ هو الإيمان، ويربيه على واجبه و مسئوليته الأدبية تجاه هذا االدين وهذا الإيمان.

أما المجتمعات المادية فإنما تعتني أكثر بكثرة القوانين التي تعني أنَّ في المجتمع شيئًا باليًا، إنَّ هناك شيئًا ما يسير بشكلٍ خاطئ في حياتنا عندما تكثر القوانين، ولذلك كما يقولون إنه بآيةٍ واحدة انتهت ثلاث صور من صور المعاصى التي عمَّت أرجاءً كبيرةً من العالم وقت خروج النبي- صلى الله عليه وسلم- وهي (القمار والميسر والسحر والخمر) هذه المعاصي الثلاثة انتهت كلها بآية واحدة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: 90) بمجرد أنها ذكرت في سياق المحرمات، انتهى كل شيء، لماذا؟ لأن الإنسان كان قد تربَّى، وكما يقول الشيخ الغزالي: أدرك النبي- صلى الله عليه وسلم- أن الإناء المثلوم لا يمسك ثؤرًا، فصحح الكيان الإنساني لكي يمسكَ قيم هذا الدين، صححه بالإيمان من ناحية وبالمسئولية الأدبية تجاه هذا الإيمان من ناحية أخرى، وقام بعد ذلك المجتمع على قلة من القوانين التي حفل بها القرآن الكريم، السيدة عائشة تذكر هذا المعنى وتقول إن أول ما نزل من المفصل آيات في ذكر الجنة والنار، ولو نزل: لا تزنوا، لا تسرقوا، لا تقتلوا لما آمن الناس.. إنما أول ما نزل آيات فيها ذكر الجنة والنار، لكي يقيمَ ذلك الكيان الإنساني ويصححه بمعرفة الله عز وجل، والشعور بالمسئولية الأدبية تجاه هذا الدين، وظل الصحابة الكرام يشعرون بمسئوليتهم تجاه هذا الدين سواء من المهاجرين أو الأنصار.

فالأنصار لما بايعوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- في بيعة العقبة، قالوا: يا رسول الله اشترط لنفسك ولربك ما شئت، ثم اشترطوا هم عليه ألا يرجعَ إلى قومه عندما ينصره ربه، وهذا يؤكد معنى أنهم محافظون على صفقتهم التي عاهدوا عليها الرسول- صلى الله عليه وسلم- في حياتهم ومماتهم، يظلون متحملين هذا اللقب وليس منهم أحد يرضى أن يرجع الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى قومه بعد النصر، وهم يستريحون ويرجعون إلى ذويهم ومصالحهم.. بايعوه على ألا يرجع، لكن شعورهم أنهم أعطوا صفقةً لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- ألا يسبقنكم إليه يهود.

وكانوا يرون أن البيعة معناها "صفقة" ليس من الممكن أن يدعوها أبدًا (والله لا ندع هذه البيعة أبدًا) كان كلامهم هذا "لا نقيل ولا تستقيل" ولا ندعها أبدًا، طول حياتهم، حتى بعد النصر اشترطوا عليه أن يرجع معهم وقالوا له ندفع عنك ما ندفع عن نسائنا وأسرنا وأولادنا.

وكذلك المهاجرون لما عادوا إلى مكة لكي يؤدوا النسك مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- في عمره القضاء وفي الحج بعد ذلك- يذكر الرواة- بأنهم كانوا يتحرجون أن يقيموا في مكة فوق ثلاث، شعورهم بالانتماء لهذا الدين، وأنهم لما هاجروا أعلنوا شيئًا عظيمًا جدًا، يوم أن كانت البشرية في حاجةٍ إليه وهو الإعلان عن الانتماء إلى فكرة وعقيدة، لا إلى أرضٍ ووطن، ولذلك ظلوا مصرين على أن يظل هذا المعنى قائم في النفوس، تتطاول فيه البشرية ما استطالت، وظلوا على هجرتهم، فكانوا يتحرجون بعد أداء النسك أن يمكثوا في مكة فوق ثلاث، ولم يدخل أحد منهم كما يذكر أصحاب السير دارًا من دوره التي تركوها عندما هاجروا، ولا بيتًا يحاول أن يستردها، وهذا إعلان منهم بالتمسك بالهجرة التي معناها الانتماء للفكرة والعقيدة لا إلى الأهل والوطن. هذا هو معنى الهجرة.

الرسول القدوة

والرسول- صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك أيضًا، لما انتصر لم يرجع لكي يعيشَ في مكة، وكان من الممكن ذلك، إنما رجع إلى بيته في المدينة، كي يظل هذا المعنى قائمًا في نفوسِ البشرية إلى أن يرثَ الله الأرض ومَن عليها، كان المفروض أن يُدفعَ استحقاق باهظ؛ لأن المبادئ لا ترسخ في نفوس الناس، إلا أن يُدفعَ من أجلِها استحقاق باهظ هنا تثبت في نفوس الناس هذه المعاني، ويظل معنى جنسية المسلم عقيدته باقٍ إلى قيام الساعة كما ذكر الأستاذ سيد قطب؛ لأنَّ الاعتمادَ الحقيقي للفكرة والعقيدة، وليس بالأهل والأوطان. وهم لكي يؤكدوا المعنى هذا ظلوا غرباء.. سيدنا عمر لما جاء يستنفر الناس لغزو فارس، وجد بعض الكسل في النفوس، فقال أيها الناس إن الحجاز ليست لكم بدار، فسيروا في أرض الله لتروا موعود الله الذي وعدكم ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55)﴾ (النور) وبدأ ينادي: أين الغرباء؟ أين المهاجرون في سبيل الله؟ فقام إليه الناس.

إن الحجاز ليست لكم بدار.. تأكيد على هذا المعنى، الانتماء إلى الفكرة والعقيدة لا إلى الأهل والأوطان.

منهج النبا

وهذا المعنى هو الذي أشار إليه الإمام البنا، وهو يربي هذه الجماعة وهذا الصف، ظل يرسخ في نفوس الإخوان هذا المعنى، أن انتماءك الحقيقي لفكرتك وعقيدتك، أن تكون جندي فكره وعقيدة لا جندي غرض ولا منفعة، وهذا يتم بأنك تقف حياتك من أجل نصرة هذا الدين، وكان يقول: "أستطيع أن أتصوَّر المجاهد شخصًا قد أعدَّ عدته وأخذ أهبته وملك عليه التفكير فيما هو فيه جوانب نفسه ونواحي قلبه، فهو دائم الفكرة عظيم الاهتمام على قدمِ الاستعداد أبدًا، غدوه ورواحه، وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له ولا يتناول سوى المهمة التي وقف حياته عليها، تقرأ في قسماتِ وجه وترى في بريقِ عينيه، وتسمع من فلتاتِ لسانه ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من جوى لاصق وألم دفين، وما انطوت عليه نفسه من همة عالية وعزمة صادقة وغاية بعيدة"، ذلك شأن المجاهدين من الأفراد والأمم.

ونجح الأستاذ الإمام البنا- رحمه الله- في تكوين هذا الجيل، لقد رأى ذلك بنفسه، رأي هذا الجيل الذي يعلن انتماءه لهذه الدعوة، ويعتد بالانتسابِ إليها، وقد وقف حياته ورهن مصالحه كلها من أجل أن تقوم وتنهض. وكان الشهيد عبد الفتاح في محنة 1965م يقول: أنتم تريدون الشَّهادة أم الشَّهادة، أي يخير الإخوان، أي إن نويتم أن تكملوا مشروع حياتكم أنتم، فكل واحد منكم يستطيع أن يحصل على الماجستير والدكتوراه، و إن كنتم تريدون أن تطلبوا ما عند الله من الرضا والمتاع، وترجئوا شهاداتكم إلى أن تنتصر دعوتكم، وإلا فإنَّ في ذلك تأخير للدعوة وموت لها- وكما قال الإمام البنا- يكون في موتها أكبر خسارة للإسلام، وأنتم اليوم أمل الإسلام والمسلمين، ونتيجة ذلك أنهم لن يعتبروا تعبكم وجهودكم العلمية فسوف يدوسونها إن لم تخدم مصالحهم.

ولهذا قال الأستاذ الإمام البنا أن تجتهد أن يكون لك عملاً اقتصاديًّا مَهما كان ضئيلاً ومَهما كانت مواهبك العلمية؛ لأنه ليس هناك مَن سيقدرها طالما أنها عارضت مصالحهم، سوف يدوسون عليها ولا ينظرون إليها، مهما كانت مواهبك العلمية، لا تفكروا أنكم حينما تكونوا أصحاب مواهب سوف يقدروكم، إن لم تحترموهم لن يقدروكم، وإن لم تخدموهم فسوف يقصروكم على الخطأ ومجانبة الصواب. ولو قبلتموهم سوف تكونون قد رضيتم بحياةٍ هي دون الحياة، حيث لا شرفَ ولا مروءةَ من كلمات الشهيد عبد الفتاح رحمه الله، وهو فلاح بسيط، ولكنه لم يكن يتلجلج ولا يتردد ولا يخجل.- كما يقول أ.

سيد قطب: ليس في ديننا ما نخجل منه أو نتردد في الحديث عنه أو نتلعثم عند الإعلان به- وهو يعرض على الإخوان هذا، كان علينا أن ندفع استحقاقًا باهظًا قبل أن نبايعه، إذا بايعتموني اعلموا أن مصالحكم سوف تتأخر، مصالحكم الخاصة مؤجلة الآن، لكن سوف تفوزون فوزًا عظيمًا؛ لأنكم سوف تؤكدون للناس هذا المعنى الذي هو غريبٌ عنهم أن الانتماء الحقيقي للفكرة والعقيدة، وأنَّ الإيمانَ لا يأتي اتفاقًا، إنما يعني التزامًا ومنهاجًا، وتستحق هذه المسئولية الأدبية تجاهه.

ولو تكاسلتم فسوف يلزمكم إثم التقصير، وسوف تفوت ثمرة الفائدة قطعًا، كما قال الإمام البنا، سوف يفوتكم ثواب ربنا ويلزمكم إثم التقصير وتضيع منكم الفائدة التي تننتظرونها وإن حصلتم على الشهادات. ورضي الجمع كلهم وقاموا حوله حشودًا مبايعين.

وفعلاً دفعوا استحقاقًا باهظًا، فحُكم على الجميعِ بالسجن المؤبد (25 سنة)، ما عدا اثنين بعشر سنوات، وخرج الجميعُ ونفوسهم راضية مرتاحة، لأنه كما يقولون العوض كامن في ذات نفسه، وهو أن الله يقبل مني ويرضى عني. كان كل منهم مؤمن بالجزاء لقدسية وعظمة مايفعله. كما قال الإمام البنا رحمه الله وهو أن ما عند الله من الرضا والمتاع مكان لاستحقاق باهظ.

التربية بالقدوة

الإمام الشهيد حسن البنا وهو يخطب فى أحد الؤتمرات

لكن الأثر الذي ترك في الحقيقة بقى في الأرض، وجاءت بعد ذلك توابعه التي تراها الآن، من أن الناس تخرج تهتف بالإسلام تنادي به وتعمل من أجله. وهذه معانٍ لم تكن موجودة من قبل، فنجح الأستاذ الإمام البنا رحمه الله في أن يقدم هذا الفصيل للناس.

هذا النموذج.وكان يدرك أن الأمة لا يمكن أن تربي إلا بالقدوة والأسوة، ولا تربى بالقوة والشدة. فلن يصلح أن نقول للناس كونوا صالحين، بالكلام فقط، إنما الأمة تتربى بالأسوة والقدوة وليس بالأمر والشدة.لذلك كان عليه أن يقدم مثل هذه النماذج التي تحرك مخيلة الشعوب، لكي تنهض معه، وقد نجح في ذلك.

والناس التي كانت مواهبهم العلمية لا يشك فيها اثنان كالأستاذ عبد القادر عودة – صاحب كتاب التشريع الجنائي ( وهو كتاب في التشريع المقارن وهو مادة لنيل درجة الدكتوراه الآن من كثير من الباحثين ).

والذي يقرؤه يجد الجهد العقلي الضخم والعلم الثر. وعلى الرغم من ذلك لم تشفع له موهبته العلمية، فكان أحد الستة الذين تم إعدامهم في عام 1965.

والقاضي الفاضل أ. حسن الهضبي قاضي القضاة- رئيس محكمة النقض أيام الملك – الذي لم يجد مجلس الشيوخ غيره يقدم شيئا عن الشريعة الإسلامية ومقارنتها بالقوانين الوضعية ولتوضيح مميزات الشريعة الإسلامية ومحاولة تطبيقها مقارنة بالقانون الوضعي- لم يجدوا غيره و لم يكن بعد مرشدا للإخوان المسلمين – وكان يكفيه هذه المواهب العلمية و القدرات العقلية، ولكنها لم تمنع السلطة أن تقف في طريقه، و حددت إقامته لسنوات طويلة لا يزوره أحد ولا يتصل به أحد وسجن كذلك سنوات طويلة، والأستاذ سيد قطب و موهبته الأدبية الفذة في النقد، والفكر، والكتابة، وتفسير القرآن العظيم، و ربطه بالواقع لأول مرة بالصورة الجديدة التي لم يسبقه بها إلا القليل، بحيث يجعله كائنًا حيًا أمامك. لم تشفع له موهبته العلمية في أن يتم إعدامه في عام 1965م.

لذلك أدرك الأستاذ الإمام البنا رحمه الله أن الأمة لابد أن تربي على هذه المباديء، فتوقن أن دعوتها لن تتحقق أبدًا إلا بالبذل والتضحية والكفاح والجهاد؛ لأن كل دعوة مهـما كانت حاجة الناس إليها، لا ينصر بها العالم عفوًا بغير جهاد، هذه هي طبيعة الأشياء.

ولذلك كان حريصًا وهو يتكلم عن طبيعة دعوتنا (إن من طبيعة دعوتنا التحمل والكفاح فلنربِّ أنفسنا على ذلك).

لأن الأمة وهي تعلن إيمانها وانتسابها لهذا الإيمان- وهذا لا يتأتي إلا عندما ترى نماذج أمامها يؤمنون بهذه الدعوة، ثم لا يكترثون بما يصيبهم في سبيل الله. وهذا ما حرص عليه الأستاذ الإمام رحمه الله في إعداده لهذا الصف، الذي كونه وربَّاه للأخذ بيد الأمة للخروج بها من مأزقها- لا يمكن أن تعطي حماسها لفئةٍ ما- إلا عندما تطمئن أنها لا تخدم مصالحها، وإنما تخدم الأمة وتخدم نفسها من خلال ما تبذله من تضحيات في سبيل هذه الدعوة.

الذي كان يجب أن يقدمه الإمام كذلك هو التقدم المادي لأنه يعلم أنه جزء من عالمنا المتخلف، ولذلك كان حريصا ليس فقط على الإيمان، وإنما المسئولية الأدبية تجاهه والتربية على ذلك. والوعي أن هذه حقيقة.

وليس فقط استعداد النفس للبذل والتضحية والكفاح، وإنما الجانب الآخر التقدم بإحراز قدرٍ من هذا التقدمِ المادي، والنبوغ العلمي، لأننا جزءٌ من عالمٍ متخلف، وهذا بلا شكٍ مما يؤثر علينا وعلى وسائلنا وعلى طرق تفكيرنا.

فالاهتمام بهذا الجانب ولا شك أنه يصب في النهاية لصالح الدعوة ويجعلها قادرة على أن تسلك طريقًا إلى النجاح.

كان يدرك أنَّ الجزءَ الآخر من النظامِ الإسلامي وهو السلطة لا بد أن ينبثق من الأمة لأن كل قيادي ينبثق من السلطة ليس له طابعه الإصلاحي.

إنها عبرة التاريخ؛ لأنه ليس هناك سلطة تخرج هكذا (زرعًا شيطانيًّا) كما يقولون، لأنَّ الزرعَ الشيطاني لا يؤتي حصادًا وفيرًا؛ لذلك كان حريصًا على أن تخرج هذه السلطة من رحم الأمة.

هي التي تقدمها لتحمل عبئها. وهذه النقطة إشكالية الكثير من الجماعات، تغفل عن همها الأول، فيكون الوصول إلى السلطة قبل تحقيق بناء الأمة.

وهذا ميل نظري لدى الجميع، لأنه في الحقيقة هروب من تبعات الجهاد، وأولها جهاد النفس وتربية الناس.

فأصبح الوصول إلى السلطة هو الطريق السهل، لأنها هي التي تحقق أهدافنا، لأنه ليس هناك نظام إسلامي يحقق هدفه إلا من خلال السلطة الإسلامية.

وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، وهي إيجاد السلطة التي توجد المجتمع الإسلامي، ولكنها في الوقت نفسه معادلة مغلوطة، لأن الناس والدعاة يهربون من أصعب مرحلة قبل السلطة وهي تربية الأمة التي ستفرز هذه السلطة، ولذلك كان الإمام البنا كثيرًا ما يقول: إن الأمة التي تتخطى الحواجز الطبيعية نصيبها الحرمان.

والمقصود بالحواجز هنا التربية؛ لأن الأسئلة الحائرة التي لا تزال تدور عندما توجد سلطة ما لتحقق أهداف ما سيكون السؤال من أين أتت هذه السلطة، ومَن الذي يهيمن على سلوكها ويقومها، ومن الذي يضمن أن لا تنحرف لخدمة نفسها بعيدًا عن خدمة الأمة. مَن الذي يضمن هذا.

من أين جاءت ومن يقومها ويهيمن على سلوكها ومن هي العناصر أو الأشخاص الذي تتكون منهم.. هذا المفهوم له مردود خطر، وأنه أيضًا عبرة التاريخ.

ثمن الصدق

يُذكر أنه لما قامت الثورة، أول سؤال سأله زعماء الأحزاب في مصر للأستاذ حسن الهضيبي هل تعرف هؤلاء الأشخاص؟ نحن لا نعرفهم، لكن نعرفكم أنتم، يقصدون الإخوان.. ما رأيكم أنتم فيهم.

فكان رد الأستاذ أنهم ليسوا منا.. وكان هذا هو أول قرار صارم يصدره في حق هؤلاء، وأنه قد صدم كثير من مشاعر الإخوان لأنها كانت الحقيقة المرة، خسارة أن يُقال عنهم وطنيون أو أخلصوا نيتهم لله. إنهم يعملون لمصالحهم الشخصية.

إنهم ليسوا منا. وهذه الكلمة دفع ثمنها باهظًا هو والجماعة والصف كله.

وإن قيل غير ذلك، فإن الأمة لا تصدقنا بعد ذلك. فكان على هذا الجيل أن يُضحي حتى تثبت فيه معاني الصدق؛ لأن الأمةَ لكي تصدقك وتطيع حماسك، لا بد أن تطمئن إلى مدى صدقك فعلاً.. هذا الاطمئنان يحتاج إلى ثمنٍ باهظٍ يُدفع، وقد دفع الإخوان في تلك الحقبة الثمن باهظًا من القتلِ والسجن والتعذيب.. إلخ.

لذلك عندما قال الأستاذ سيد قطب- رحمه الله- قبل إعدامه عندما أتوا بأخته السيدة حميدة قطب في الزنزانة التي كان فيها قبل ساعات من الإعدام وسمعنا طبعًا القصة التي روتها الأخت حميدة قطب في مذكراتها وسمعناها من شهود كانوا موجودين في المستشفى مع الأستاذ سيد قطب من الإخوان لا يزالوا أحياء كانوا في الزنزانة التي بجانبه وكانت زنزانته ليس لها باب كان يضعون عليها بطانية فقط لأنه كان نفسُه يضيق إذا أُغلق الباب لمرضه والأمراض الكثيرة التي كانت تنتابه في القلب والأوعية الدموية والضغط وضعف الرئتين فسمع أخته حين دخلت عليه تقول له يا أخي هم يقولون لك: "لو تكتب تتنكر لإخوانك وتشهد لهم سوف يبرؤونك ويخففون الحكم عليك"، فرفض الأستاذ سيد وهدَّأ من روْعها وهي تبكي أمامه، ولك أن تتخيل، إنه رجلٌ كبيرٌ في الستين، وأخته في العشرين، أتي بها عسكري في نصف الليل ويرميها أمامه ويقول لها: قولي له الكلام الذي قلناه لكِ.

كان صفوت الروبي أحد المعذِّبين والجلادين في السجن الحربي، قولي له ماذا قلنا لكِ الآن. فقالت لأخيها سيد: يا أخي إنهم يقولون كذا وكذا، قال لها: هذا الكلام أنتِ تقولينه لأنك خائفة عليَّ أم هم أملوه عليكِ.

قالت: نعم هم أملوه. قال: لو قلتُ ذلك فيهم، وشهدت فيهم شهادة غير حقيقية فإنها كذبة كبرى لا يغفرها التاريخ، ولو قدر الله مماتي، فلعل الله أن يصنع من هذا القدر شيئًا رائعًا لهذا الدين.

ورفض فعلاً أن يكتب كلمة يفلت بها رأسه من حبل المشنقة ولم تمضِ ساعةً إلا أخذ وتمَّ الإعدام.

لقد كان فَوْت الموت سهلاً

فرده إليه الحفاظ المرُّ والخلق الوعْر

وسمعنا في إذاعةِ الصباح الباكر أنه تمَّ فجر اليوم إعدام فلان وفلان، والدرس والعبرة أن الرجل لم يَرضَ أن يقول كلمةً يفوت بها من حبل المشنقة، لأن الناس تنتظر منا الصدق دائمًا وإن أدى ذلك إلى تضحياتٍ كثيرة، ودفعنا الثمن باهظًا. فالسلطة التي أتت في هذا الوقت، لقد كان الناس ينتظرون منا كلمة فكان الجواب "هؤلاء ليسوا منا "، ودُفع ثمن هذه الكلمة غاليًا.

الزعامة الحقيقية

وهذا الذي حدث بالفعل، انظر إلى ما بذله الإخوان معهم في أول الثورة من جهود، وكيف تنكروا لهم بعدما اطمأنوا إلى انتصارهم وتمكنهم، تنكروا للإخوان.. لما اطمأنوا إلى أنهم قد تمكنوا، إذن هي ليست سلطة منبثقة من الأمة، كما قال الإمام البنا قديمًا الزعيم زعيم تربَّى، ليس من زعَّمته الحوادث وأتت به الضرورات، تأتي به أحداث هائجة، في مظاهرات في ثورات، يأتي فجأةً، يركب ويظهر، فهو الزعيم، أو كما يقول الأستاذ سيد قطب: "زعموا له ما ليس عند الأنبياء، ملك تجلبب بالضياء وجاء من كبد السماء".

ليس هذا زعيمًا إنما الزعيم من تربى.. وكما قيل القيادة تُختار وتُنتقى، فإذا حازت الثقة أُطيعت وأُوزرت.

فالزعامة لا بد أن تختار وينتقى لها أناس يُطمئَنُّ إليهم، ومن هنا توجب لهم السمع والطاعة، ولذلك كان حرص الإمام البنا- رحمه الله- أن تكون الأمة أولاً، ثم السلطة ثانيًا.. أما التفكير بالصورة المقلوبة، فلا بد أن يؤدي إلى تلك النتائج الخطيرة. وإنها لعبرة التاريخ نعاني منها إلى الآن.

بين الوسائل والنتائج

لذلك عندما يستعجلون النتائج قبل الوسائل فهم مخطئون. يقولون السطة أولاً، وهي التي تربي، وهكذا نختصر الوقت. فتأتي هذه السلطة، فإذا بها مجموعة من الشطار تعمل لمصالحها فقط، لا دين، لا خلق، لا مبادئ. ولذلك الأستاذ الإمام: "أنتم لستم كغيركم من الدعوات" إذا كانت الدعوات الأخرى تعمل كما تعمل الأحزاب والهيئات لا يهمها إلا شيء واحد، هو التماثل في الرأي والمصلحة، مصلحتي مع مصلحتك ورأيي مع رأيك، لا يهمني الجانب الخلقي ولا إعداد النفس وتربيتها، ولا جانبك الروحي، ولا مقتضيات الإيمان لديك، كل هذا لا تفكر فيه، المهم التماثل في الرأي والمصلحة، فهذا حزب سياسي وليس حركة أخلاقية- لا تقارنوا أنفسكم بغيركم من الدعوات، لماذا غيرنا ينجح ويصل لأنهم ليسوا مثلكم مقاييسهم ليست مثل مقاييسكم ولا موازينهم مثل موازينكم وبالتالي خطهم ليس كخطكم لا نجاح إلا في خطكم كما كان يقول الإمام رحمه الله: ولا خير إلا في طريقكم، فلا تغامروا بجهودكم ولا تقامروا بشعار نجاحكم فاعملوا والله معكم ولن يتركم أعمالكم، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 143).

لذلك فنحن لنا خطة غير خطة هؤلاء، ولنا مقاييس وموازين غير موازيين هؤلاء، وكما يقول الأستاذ الإمام تحت عنوان: البعد عن هيمنة الكبراء "سنصبر على الحرمان من كثير من العناصر الصالحة"، فقد تجد عنصرًا صالحًا أمامك يماثلك أو يتماثل معك في الرأي والمصلحة، ولكنك لست مطمئنًا إلى الجانبِ الإيماني واليقين والتربية والإعداد النفسي الهائل، إذن فلنصبر على الحرمانِ منه، سوف نصبر على الحرمان من كثيرٍ من العناصر الصالحة، حتى ينكشف الغطاء عن المستور، وفي ظل التجربة تتمحص حقيقة الإيمان واليقين. وهذا الكلام نصحه به أحد شيوخ سوريا الأفاضل الشيخ سعيد العرفي عندما قال له: إياك أن تضم إلى جماعتك الشيوعي أو الملحد لأنه يؤثر على العقيدة، وأنت لست بحاجة إليه، ولا تضم الصالح الذي لا يعرف معنى للنظام ولا الطاعة، ويغري الجماعة بصلاحه ويفرقها بخلافه، فالناس لا يقولون رجل خرج من الصف، بل يقولون صفًّا أعوج، ستكون النتائج الخطرة لعملك ولجماعتك ودعوتك، فيجب أن تبتعد عن الصالح البعيد عن النظام والطاعة.

والمعنى الذي أشار إليه الإمام البنا- رحمه الله- أيضًا هو أن نبتعد عن كل صداقات ضالة أو خصومات حادة. عندما جاء إليه أحمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة عندما فككوا الحزب ومنعوا نشاطه، طلب منه هو أن ينضم إلى الإخوان، فرفض الأستاذ الإمام البنا وقال له الأفضل أن تعمل للإسلام بمفردك لأنك مسلم خالص غيور، والجماعة تقيد إطارها ونظامها وكل شيء فيها بالشورى وتأخذ الرأي والإذن، وقد كان رحمه الله رجلاً متحمسًا مندفعًا، دائم التغير والتقلب.. لقد أدرك الإمام البنا أنها صحبة ضارة، لو دخل معنا سوف يغري الجماعة بصلاحه ويُفرقها بخلافه، لأنه ليس له خط واضح.

ورأينا أيضًا أتباعه في السجن عام 1965م، أنصار حزب مصر الفتاة، كانوا رجالاً كبارًا ليسوا صغارًا كانوا يشغلون وظائف مرموقة في المجتمع في ذلك الوقت، كان حوالي 6-7 متهمين بعمل تجمع ضد الثورة أيام 65، ولهم صلة ببعض الضباط، أُخذوا معنا عندما أخذنا، كل من كان له أي أفكار ضدهم، الكل أتي في 65، وكانوا مسجونين معنا، وكان واحد منهم معنا في الزنزانة، طبعًا لا نطعن في أحد، لكن إذا نظرت إلى الجانبِ الخلقي تجده ضعيفًا جدًا، لا يراعي غيره بالمرةِ لأبسط الأمور، بما يدل فعلاً على أنه كان تجمع لتماثل في الرأي والمصلحة بعيدًا عن الجانب الخلقي والالتزام والتربية وحسن الإعداد.

الأمة قبل السلطة

أما الإخوان فكما قال الإمام البنا: نحن فكرة وعقيدة ونظام ومنهاج. وكذلك أساليبنا لم تكن مثل أساليب غيرنا؛ لا في الإعداد والتجمع لأننا نجتمع على عنصرٍ آخر وهو عنصر الإيمان والانتماء إليه والاعتزاز به والمسئولية الأدبية تجاهه، نحن نعد أنفسنا للبذل والتضحية والكفاح ونتذرع بالصبر والأناة بكفاح طويل، حتى لا تلين لنا قناة ونحن نواجه مثل هذه الصعوبات والضغوطات أمامنا، لا يمكن أن تأتي هذه الحكومة أولاً، علينا أن نكوِّن الأمة أولاً التي تنبثق منها الحكومة أو تنبثق منها هذه السلطة، وتبقى مضبوطة بهذه الضوابط. فهناك مَن يعرفها وهناك مَن يحاسبها وهناك مَن يهيمن على سلوكها وهناك مَن يقومها وهناك مَن يقف ضدها ويمنعها أن تستغل تلك التضحيات من أجل خدمة مصالحها، ولا يمكن هذا أن يأتي إلا من أمة ناضجة واعية وعت الفكرة، وبذلت في سبيلها، طورت نفسها بما يتفق مع العصر، اعتمدت التقدم المادي والمواهب العلمية.

ومن كلمات الإمام الأستاذ البنا: "إن التأخر ضار بفكرتنا مخالف لتعاليم ديننا".

المسلم لا يرضى إلا أن يكون إمامًا في كل شيء. فكان يريد الأستاذ البنا هذه النقطة، التقدم بالرسوخ في العلمِ والتخصص والتجربة حتى تبلغ درجة النظر، وهذا من الأسس الهامة جدًا لعملية النهوض؛ لأن هذا الذي ييسر الحياة وييسر النهوض بها كذلك، وهذا أخطر سؤال يواجه أي حركةٍ إسلامية.

أنَّ الأمةَ قبل السلطة، ولهذا أولى الأستاذ البنا التربية هذا الاهتمام كان دائمًا يطرح سؤالاً متى تقترن القوة بتلك الوسائل، والإجابة شيء واحد عندما تتوفر القوة المعنوية والعددية كذلك، القوة المعنوية مع الاستعداد النفسي للبناء لا للهدم، بحيث أن كلا الاستعدادين يختلف أحدهما عن الآخر، وعندما يتوافر هذا تستطيع فعلاً أن تخطو تلك الخطوة هنا، مثل ما أن تأخيرها ضار إذا ما توافرت الفرصة بتوافر القوة المعنوية وهو الاستعداد النفسي للبناء، كذلك القوة العددية، ومعناها الهيبة الوافرة، إذا توفر ذلك يبقى التبكير عندما نجد الظروف مواتية. إذا كانت الوسيلة بعيدة عن أفكار الحركة الأخلاقية، وصف لم يعتن به وببنائه بعد فهيهات أن تتحقق الأهداف، إذن لن يستطيع أن يحقق الهدف إلا أناس حنكتهم التجارب، ثبت إخلاصهم، تراصت صفوفهم.

هذا إن لم يكن متوفرًا حتى وإن بدت في الأفق ظروف مواتية، فالتبكير هنا خطأ، والتأخير كذلك خطأ إذا توافر الصف المعتنى ببنائه، يبقى التأخير تفويت فرصة أو التخلي عن أداة قوية، من أجل تحقيق النظام، أو من أجل تحقيق المبادئ. والتخلي عن هذه الفرصة، معناه فتح الطريق أمام ضربات قاسية تتعرض لها الدعوة. وكما يقول الأستاذ الإمام البنا هو أمر دقيق لا يتم إلا بتوفيق هذه الملامح عامة.

بهذه الرسالة (الإخوان تحت راية القرآن) أدرك الأستاذ الإمام البنا رحمه الله من خلالها ليست المهمة فحسب دافعنا؛ إنما الدافع من ورائها والسر الباعث لها الذي يمدنا به القرآن، ولا شك في ذلك، لأنه في طبيعته يعطي من يؤمن به تلك النزعة النفسية، وهي نزعة التبليغ، الحركة به، وتمثله في واقع الحياة، ثم الوسيلة لتحقيق هذه االرسالة عن طريق إقامة ذلك النظام الإسلامي الذي يقوم على تلك الدعامتين: المجتمع والحكم، أو الأمة والسلطة.

والنصيحة له رحمه الله ألا نوازن أنفسنا بغيرنا من الدعوات وألا نصغر أنفسنا، لأنه نوعٌ من التراجع ومن الهزيمة النفسية الهائلة، عندما نقارن أنفسنا بغيرنا ونوازن دعوتنا التي تستمد منهجها ونورها من نور الله عزَّ وجل وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) بغيرها من الدعواتِ التي أتت بها الضروراتِ وبررتها الحوادث والأيام.

كان يدعو الجميع، رحمه الله، أن يلتحقوا بنا وأن من التحق بنا فقد فاز بالسبق، ومَن تخلَّف عنَّا اليوم سيلحق بنا غدًا، لأنه يثق ويطمئن إلى هذا الطريق وأن نهايته النجاح.

كان يؤمن بذلك. وهذه من الأشياء التي كان يتميز بها الإمام، ثقة بالنفس لا حدودَ لها، واطمئنان لما ذهب إليه من فكرة ووسيلة كذلك لتحقيق هذه الفكرة.

من غاب عنا اليوم سيلحق بنا غدًا وللسابق عليه الفضل.

يقول الإمام البنا: هذه منزلتكم، فلا تصغروا في أنفسكم، فتقيسوا أنفسكم بغيركم، أو تسلكوا في دعوتكم سبيلاً غير سبيل المؤمنين، أو توازنوا بين دعوتكم التي تتخذ نورها من نور الله ومنهاجها من سنة رسوله، بغيرها من الدعواتِ التي تبررها الضرورات، وتذهب بها الحوادث والأيام... فواصلوا جهودكم، واعملوا أن الله معكم ولن يتركم أعمالكم.

فمن تبعنا الآن فقد فاز بالسبق، ومَن قعد عنَّا من المخلصين اليوم فسيلحق بنا غدًا، وللسابق عليه الفضل.

ومَن رغب عن دعوتنا زهادةً أو سخريةً بها، أو استصغارًا لها، أو يائسًا من انتصارها، فستثبت له الأيام عظيم خطئه، وسيقذف الله بحقنا على باطله فيدمغه فإذا هو زاهق.

فإلينا إلينا أيها المؤمنون العاملون، المجاهدون المخلصون فهنا الطريق السوي، والصراط المستقيم ولا توزعوا القوى والجهود: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾ (الأنعام).. وآخر دعوانا أن الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المصدر