شرفاء المحاكم العسكرية: الشاطر نموذجا

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
مراجعة ١٣:٠٨، ٢٣ يونيو ٢٠١٣ بواسطة Khaled.salama (نقاش | مساهمات) (←‏المصدر)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
شرفاء المحاكم العسكرية: الشاطر نموذجا

بقلم د/ الشافعي بشير

التجربة التركية

المهندس خيرت الشاطر أثناء محاكمة 2006م

في الأسبوع الماضي.. قدمت الحكومة التركية مشروعاً لتعديل عدد من مواد الدستور من بينها جواز محاكمة كبار القادة العسكريين أمام محكمة مدنية عليا.

وقبل ذلك باشر القضاء المدني إجراءات التحقيق مع عسكريين منسوب إليهم التخطيط لانقلاب عسكري علي الحكم المدني.

ولا تزال تركيا تثير إعجابنا بديمقراطيتها وقوة شخصية رئيس حكومتها رجب طيب أردوجان، عندما تصدي للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز واتهمه بوحشية العدوان الإسرائيلي علي غزة.. ثم أخيراً في مؤتمر القمة العربية في سرت بليبيا.. كانت كلمة رئيس حكومة تركيا أقوي الكلمات دفاعاً عن القدس والمسجد الأقصي.. ولا ننسي له موقفه العظيم عندما منع سفن الأسطول الأمريكي من إنزال جيشه في الميناء التركي لكي يتوجه إلي حرب العراق.. لقد رفض أن ينحاز لأمريكا.. بل تحداها ومنعها من استخدام الأراضي التركية كمعبر لجيشها العدواني متجهاً إلي العراق.

ومع تصاعد الإعجاب بالحكم الديمقراطي في تركيا ودورها المثير للرضا عند شعب مصر والأمم العربية والإسلامية.. فقد أثار موقفها من محاكمة العسكريين أمام القضاء المدني أحزانا دفينة لنا هنا في مصر التي تحكم بقانون الطوارئ العسكري منذ تولي الرئيس مبارك الحكم عام 1981 حتي اليوم.. بكل ما في ذلك القانون من مصائب علي الحرية والديمقراطية والعدالة ومحاكم عسكرية.


المحاكمات العسكرية للمدنيين مخالفة للقوانين الدولية

وعند ذكر العدالة تبرز سياسة نظام الحكم في إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية مخالفاً ومناقضاً تعهداته للأمم المتحدة بأن تكون محاكمة المدنيين أمام القاضي الطبيعي لهم وهو القضاء المدني.. ولن أستند في ذلك للدستور المصري الذي نسخه وعطله قانون الطوارئ عملياً وواقعياً ومأساوياً في التسع وعشرين سنة الماضية..

لكنني أريد أن أذكر عهداً أخذه نظام الحكم علي نفسه في وثيقة الأمم المتحدة المسماة «العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية» الذي أقره مجلس الشعب وصدق عليه رئيس الجمهورية ونشر في الجريدة الرسمية بالعدد رقم 15 في 15 أبريل 1982 ليكون عهداً وميثاقاً للحكام.. ينطبق عليه قول ربنا سبحانه وتعالي «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً» «الإسراء 34»، وكان واضعو ذلك العهد يقصدون هذا المعني في التوراة والإنجيل.. أي من الناحية الدينية ولذلك لم يطلقوا عليه معاهدة ولا اتفاقية وإنما أطلقوا عليه اسماً فريداً في المواثيق الدولية.. وهو عهد «COVENANT».

فهل التزم نظام الحكم بعهوده خاصة في المادة 14 التي تنص علي أن «جميع الأشخاص متساوون أمام القضاء ولكل فرد الحق عند النظر في أي تهم جنائية ضده أو في حقوقه والتزاماته في إحدي القضايا القانونية في محاكمة عادلة وعلنية بواسطة محكمة مختصة ومستقلة وحيادية قائمة استناداً إلي القانون».


شخصيات عظيمة أمام المحاكم العسكرية

وهذه العبارات تعني أن المدنيين يحاكمون أمام محكمة مدنية وليست محكمة عسكرية كما حدث ويحدث في مصر، مما أثار اعتراضات وانتقادات كل هيئات حقوق الإنسان في مصر والعالم، لما شاب تلك المحاكمات من ممارسات انعدمت فيها العدالة والحياد والاستقلال عن الحاكم العسكري رئيس الحزب الحاكم الذي أحال قضايا بعينها إلي المحكمة العسكرية بقصد الإدانة مسبقاً وبأشد الأحكام قسوة، كما حدث مع رموز مدنية تشع نزاهة ووطنية وطهارة اليد والذمة والإخلاص لله سبحانه وتعالي..

كان منهم أحد رفقائنا في بعثة الحج عام 1978 تقريباً ولم نكن نعرفه جيداً، ولكنه تكفل بأفعاله في تعريفنا بشخصيته العظيمة عندما كنا عند جبل عرفات وقت الغروب ونزل علينا المطر.. إذ بذلك الشاب يقود حجاج جامعتنا بدعاء طويل وجميل أدمعت له عيوننا.. وعندما وصلنا إلي المزدلفة رفض أن يركب معنا وأصر علي المشي علي قدميه حتي الكعبة المشرفة.. هذا الشاب المهندس فائق الهمة والذكاء والدين.. قدموه لمحاكمة عسكرية وحكموا عليه بالسجن ظلماً!!

ولدغت المحكمة العسكرية أستاذاً جامعياً كانت له شهرة واسعة في أسيوط حتي إنه فاز في انتخابات مجلس الشعب ضد رموز كبيرة من الحزب الحاكم.. بل فاز برئاسة مجلس إدارة نادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعة دورات متوالية.. وشهد له أساتذة الجامعات في مؤتمراتهم العامة بالهدوء عند الحوار والرزانة والعقل الراجح، فكان نصيبه أيضاً الإحالة للمحكمة العسكرية حيث حكمت بسجنه خمس سنوات ظلماً.

ثالثهم، كان سندنا في الدفاع عن حقوق الإنسان داخل مصر وخارجها، فعقد لنا ندوة واسعة لمقاومة التعذيب في السجون والمعتقلات، ثم شاركنا في دعوة منظمة دولية لحقوق الإنسان واستضافها بالنقابة وهي تتقصي حقائق التعذيب لدي ثمانية من الشباب أثناء حرب العراق، ثم فتح لنا الأبواب المغلقة لتوصيل التبرعات العينية إلي شعب البوسنة والهرسك وقتما كان يتعرض لمجازر الصرب في يوغوسلافيا..

وقتها ثار طلابنا وأعضاء هيئة التدريس علي ذلك الظلم وثارت نخوتهم وإنسانيتهم وجمعوا تبرعات عينية كثيرة جداً، فهددتنا السلطات بالإحالة إلي المحاكمة العسكرية لجمع تبرعات دون إذن الشئون الاجتماعية التي جعلت لها ودناً من طين وأخري من عجين أمام طلباتنا وتوسلاتنا للإذن لنا بجمع التبرعات..

وهو نفس موقف الهلال الأحمر.. فاضطررنا اضطراراً لجمع التبرعات داخل جامعتنا وساعدنا فارس نقابة الأطباء بالإسكندرية علي إرسالها إلي البوسنة والهرسك.. حيث وصلت فعلاً والحمد لله.. ووصل هو إلي سجن مزرعة طرة بحكم من محكمة عسكرية ظالمة.

ولم يفلت من المحكمة العسكرية النائب الطبيب الدارس للقانون الذي يمثل وجهاً مضيئاً شع بضيائه في ندوة بالجامعة الأمريكية حضرتها المدافعة الدولية الجسورة عن حقوق الإنسان الدكتورة إنجي جينيفكين، ثم عندما أردنا إنشاء مركز لتأهيل ضحايا التعذيب علي إثر حصول أحد المواطنين علي حكم بالتعويض قدره مائة وخمسون ألف جنيه بعد إدانة وزارة الداخلية بتعذيب ابنه مما أدي إلي وفاته.. عندئذ أبدي الطبيب صاحب المركز المتقدم في نقابة الأطباء استعداد النقابة لتزويد المركز بالأطباء في شتي التخصصات مجاناً بعدما توفرت شقة واسعة علي نهر النيل لإقامة المركز بها.. لكن السلطات رفضت فكرة المركز من أساسه ووجد الطبيب طريقه إلي ليمان طرة سجناً بحكم محكمة عسكرية تنعدم فيها ضمانات الاستقلال والحياد والعدالة.

أما خامسهم، فقد كان معنا في مؤتمر اتحاد المحامين العرب في الكويت.. ودعانا مليونير كويتي لحفل عشاء يسع ألف مدعو.. وكان علي موائد العشاء أطعمة تكفي حياً شعبياً كاملاً في مصر ممن يعانون الفقر والحاجة.. وقد تأثرنا كثيراً عندما أوشك العشاء علي الانتهاء وبقيت علي الموائد كميات هائلة من الطعام سيكون مصيرها الإلقاء في رمل الصحراء..

ولاحظت علي صاحبنا أنه لا يأكل كما يأكل الآخرون، وإنما اكتفي بالقليل جداً، وظل نظره شارداً لعله كان يشاركنا إحساسنا بالحزن الشديد علي إسراف متوحش هنا وتقتير شديد هناك، جعل أعيننا تكاد تفيض بالدمع.. هذا الإنسان القنوع المحامي النابه والكاتب الصحفي الذكي.. راح هو الآخر ضحية المحاكم العسكرية التي قال عنها شيخ أساتذة قانون العقوبات الدكتور محمود مصطفي «رحمه الله».. إنها ليست محكمة ولا مختصة ولا عادلة لمحاكمة المدنيين.

خمسة نجوم في سماء المجتمع المدني في مصر.. كانوا مثل المئات الذين أحيلوا للمحاكم العسكرية ظلماً وحكمت عليهم المحكمة ظلماً يصرخ في وجه الحكام عندنا بقدر ما يرسل تحية للحكام في تركيا الذين دعموا حقوق الإنسان وعدالة القضاء المدني بعكس مصر.. وكم من المضحكات المبكيات فيك يا مصر..!!