صادق المزيني

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
صادق سلمان المزيني بين رحابة الدعوة وصدق التجارة


إخوان ويكي


مقدمة

الأمة بحاجة إلى مصلحين يسعون في الخير ويحرسون الفضيلة ويكونون مصادر خير وعطاء ونور في مجتمعاتهم، والرجل المؤمن ينبع الخير من دواخله فيظهر على جوارحه، وينعكس على مجتمعه الذي يسعد بخيره وينعم بسماحته وبره وتدفقه وعطائه (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ).

ولا يُلمس هذا الأثر ويُعرف قيمة هذا العمل إلا عندما ينطفئ الضوء، ويضمحل النور ويجف العطاء، عندها نعلم أن مصلحاً قد رحل ونجماً قد أفل وشيخاً جليلاً قد فارقنا وجاور ربه. وهكذا رحل صادق المزيني الذي إذا ذُكر .. ذُكر معه الإحسان والعمل الخيري والاغاثي ليس في غزة فحسب لكن في بقاع كثيرة على وجه الأرض ظلت تدعو له بعد وفاته بالخير.

بداية الغرس

الحاج صادق المزيني شابا

غزة أرض الجهاد والمقاومة – والتي مات ودفن بها جد الرسول صلى الله عليه وسلم هاشم بن عبد مناف - وقلب فلسطين النابض من أجل تحرير القدس وفلسطين، وعليها عاش واستشهد كثير من الأبطال الذين سطروا أسمائهم بصحائف من نور في سجل الخالدين، ومنهم الحاج صادق سلمان المزيني. ففي قبيلة مزينة التي تنتسب إلى بطون مضر امتدد نسل الحاج صادق المزيني، ومع هذا النسب الشريف فقد انتسب لشرف أخر وهو ميلاده على أرض فلسطين.

ففي عام 1905م ولد الحاج صادق سلمان المزيني في حارة التركمان بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، حيث حرص والده على غرس معاني الرجولة فيه منذ الصغر فعلمه القرآن الكريم كما ألحقه بالتعليم الابتدائي، ومع ذلك كان يصحبه إلى الحقل حيث كان يجمع الحصاد من وراء العمل الزراعي الذي كان يقوم به والده

ويقوم ببيعه وشراء الدجاج بثمنه، وبيع بيض الدجاج ومن ثم شراء بعض الاحتياجات، ومن هنا بدأت تتشكل عقليته التجارية، حيث كان والده يعد من أثرياء منطقة بئر السبع والتي كان له فيها حوالي 12 ألف دونم – والتي تساوي تقريبا 2857 فدان – كما أن والده كان يعد عميد عائلة آل المزيني.

أصبح صادق من المتفوقين في التعليم إلا أنه لم يكمله، فبرزت شخصيته التي حرص والده على تنميتها فيه بالإضافة للبيئة التي تشرب منها معاني الشجاعة وتحمل المسئولية منذ الصغر والصفات التي اتسم بها منذ صغره كالجود والكرم والشهامة والمروءة، بالإضافة لأخلاق القرآن التي حرص على تعلمها مع حفظه له.

ملكت مهنة التجارة على مجامع الحاج صادق حتى تميز بين الناس بالصدق والأمانة وهى من الأسباب القوية التي نمت معها تجارته وزادت وجعلت الجميع يقبل عليه، وذاع صيته وأصبح مسموع الكلمة، حتى أصبح حكما عادلا بين المتخاصمين، رحيما بين الضعفاء والمساكين، قويا في الحق المبين، لا يهاب الموت ولا يماري باطل من أجل دنيا زائلة.

كما كان ذا هيبة ووقار، وقد عرف الإحسان والكرم، وامتلك علاقات واسعة داخل فلسطين وخارجها – خاصة دول الخليج - استطاع أن يستفاد منها في مساعدة الطلاب، والعمل على جلب المساعدات لمشاريع تعليمية ودينية لكثير من طلاب غزة الذين حصلوا بفضله على بعض المنح الدراسية بالخارج وكان كل من يراه يحسبه عجوزا إلا أنه كان يمتلك طاقة الشباب وحيويتهم.

ولم تقتصر تجارته على غزة بل كان يسافر بيروت ويحصل منها على الكثير من البضاعة التي أدرت عليه كثير من الأرباح، بل أنه سافر للكويت حيث تعرف على آل المزيني هناك والذين أفادوه كثيراً، فأصبح يتاجر في أشياء متنوعة وتشعبت علاقاته بالعديد من الوجهاء الذين أقام معهم علاقات تجارية.

تذكر فلسطين أحمد بأن الحاج صادق قد تزوج من امرأة من عائلة الخضري، وأنجب منها خلديه ومجدية، وتزوج بثانية من عائلة حتحت، وأنجب منها خمسة أولاد ماجد، غازي، سلمان، زياد، فواز، وتزوج بثالثة من عائلة أبو شعبان، ورزق منها بثلاثة أولاد فيصل، نصر، وعوني، وابنتان إكرام وإلهام، وله من الأحفاد 71 حفيداً وكانت علاقته مع زوجاته طيبة، قائمة على أساس العدل والكرم، والصون

فكانت الكلمة الأخيرة له، وحين طلق الحاج زوجته من عائلة الخضري وقد تزوجت بعده فقد اهتم بها عندما توفيت فقد قام بإعداد طعام الغداء فى أيام عزائها، واهتم بأولادها وبناتها بعد وفاتها الذين هم من الزوج الثاني وقد سُئل لم عملت هكذا ؟ قال : "لأني أحسست أنى ظلمتها".

وقد ربى أبناءه على حب الخير، والعمل الصالح، وصلة الرحم، فقد كان يعطيهم المال فى الأعياد والمناسبات السعيدة للذهاب لأقاربهم، وعماتهم، وأخواتهم.

بين الصفوف المؤمنة

كان لنشأة الحاج صادق وتربيته على الصدق وحب التدين أثر في تكوين شخصيته الغيورة على دينها ووطنها، وكان ككل الشباب يتابع المؤامرات التي تحاك لوطنه من قبل المستعمر الغربي والعصابات الصهيونية والحلم الذي يعملون من أجل أن يصير حقيقة وهو أن يكون لهم وطن قومي على أرض فلسطين، وهو ما أفزعه وحركت فيه نوازعه الوطنية نحو وطنه فكان داعما ومشاركا في كل عمل ضد العصابات الصهيونية، وكان واحد من الثوار الذين عملوا مع الشهيد عز الدين القسام في ثورة 1936م.

وكان ككل الفلسطينيين يتابع تنامي حركة الإخوان المسلمين في مصر، ودورها في إيقاظ الوعي لدى الشعوب بخصوص قضية فلسطين، فأعجب بدعوتهم وتلمس طريقهم حتى جاءته الفرصة حينما سافر لمصر لعمل تجاري أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات أثناء الحرب العالمية الثانية، واستلفت نظره موقف أحد العمال في الفندق الذي كان يقطن به

فحينما فقد مبلغا من المال ووجده هذا العامل سارع بإرجاعه إلى الحاج صادق فتعجب من أمانته وعرف من الحديث معه أنه تعلم ذلك على يدي الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، فانشرح صدر الحاج صادق وشعر بأنه وجد ما كان يرنوا إليه فطلب منه أن يعرفه على الإمام البنا فاصطحبه معه إلى لقاء الثلاثاء حيث كان أول مرة يدخل المركز العام بالحلمية ويستمع فيها للإمام البنا ومن وقتها بايع دعوة الإخوان المسلمين.

وحينما عاد إلى غزة تعرف على الشيخ هاشم الخازندار ومحمود الشوا وغيره حيث تأسست شعب الإخوان في غزة. ومن المعروف أن بعض شعب الإخوان كانت قد تكونت في بعض مدن فلسطين عام 1937م حيث ذكرت صحيفة الإخوان المسلمين بمصر أن مندوب شعبة القدس الشيخ صبري عابدين، وفي حيفا كان محمود أفندي عزت النحلي، وفي أبريل من عام 1945م قام الشيخ خليل حافظ أبو غضيب بمشاركة بعض إخوانه بافتتاح شعبة في بيسان بنابلس.

وفي عام 1947م افتتحت شعبة رفح واختير الإخوان:

رشاد الشريف (نائبًا للشعبة) ومحمد حمودة صبرة (سكرتيرًا) وأحمد السنوسي علي عبد الله (مراقبًا) وعلى التليكي (أمينًا للصندوق). ويذكر خالد الحروب أن أول فرع نشأ في غزة في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1946م وأن القيادة الأولي لهذه الشعبة ضمت كلا من الشيخ عبد الله القيشاوي والحاج ظافر الشوا وعبد الرحمن القيشاوي وشعبان الحلو والحاج صادق المزيني وأحمد بسيسو ويعقوب الغلاييني وكانت برئاسة الشيخ عمر صوان.
ولقد حرص الإمام الشهيد حسن البنا أن يزور غزة وأرض فلسطين – خاصة بعدما توجهت كتيبتين من الإخوان للجهاد على أرض فلسطين – حيث زارها في مارس 1948م حيث كان في استقباله كبار الإخوان بغزة كالحاج صادق المزيني والشيخ هاشم الخازندار
وهي الرحلة التي سجلها الأستاذ سعد الدين الوليلي سكرتير الإمام البنا في مجلة الإخوان المسلمين عدد مايو 1948م فقال: وصلنا رفح بالسيارة قبل صلاة الجمعة بناء على دعوة الإخوان الكرام رشاد الشريف نائب الإخوان وعلي أحمد الكيكي أمين الصندوق، وكمال الطيراوني المدرس بمدرسة الإخوان.

ويضيف:

انتقلنا لزيارة غزة حيث كان في استقبالنا من الإخوان الأساتذة الشيخ عمر صوان رئيس الإخوان والسيد ظافر الشوا سكرتير الجماعة بغزة والسادة حسن الخضري وأحمد فوزي بسيسو وعيسى سيسالم وهجود أحمد دبابش والحاج صادق المزيني، ويحيى عيسى سيسالم ونهاد الغلابيني والشيخ عثمان الطباع إمام جامع العمري الكبير وشعبان سيد الحلو والحاج صالح مرتجي خليل هاشم، والسيد علي الحلبي وكيل الصحف العربية ومراسل جريدتي الدفاع وفلسطين وهما أهم الجرائد الفلسطينية رواجًا وانتشارًا، والسيد رشدي الشوا بك رئيس البلدية، وحاكم لوائها، وغيرهم.

كما يذكر الحاج عباس السيسي:

أنه زار غزة حيث استقبل بحفاوة بالغة من إخوانه بغزة وعلى رأسهم الأستاذ عمر صوان والحاج صادق المزيني، وقبل صلاة المغرب كنا على موعد في شعبة الإخوان في حي (الرمال) لحضور محاضرة تحت عنوان (من أعماق الدعوة) دعي إليها أبناء غزة من مختلف الطبقات وبعد صلاة المغرب حيث امتلأت الساحة الخارجية لمسجد الإخوان في شعبة الرمال ذلك المسجد الذي أنشأه الأخ الكبير الصالح الحاج صادق المزيني نائب شعبة الإخوان والذي كان على رأس المستقبلين لنا في غزة وشعبة الرمال.

غير أن الجماعة تعرضت في غزة لما تعرض له إخوان مصر بحكم التبعية الإدارية لتقسيم غزة الذي كان تابع لمصر إداريا من حل عام 1948م بعد قرار النقراشي باشا – رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت، إلا أن شعب غزة لم تتعرض للاعتقال أو الأذي.

يقول محسن الخزندار تحت عنوان الإخوان وفلسطين تاريخ مشرف عريق:

عندما قامت الحكومة المصرية بحل جمعية الإخوان المسلمين عام 1950م "الجماعة حلت في 8 ديسمبر 1948م وليس 1950م" قامت قيادة الإخوان المسلمين في غزة بتشكيل إطار علني بديـل هو جمعية التوحيـد التي اتخذها الإخوان المسلمون واجهة لنشاطاتهم السرية منذ نهاية حرب فلسطين
وكانت مصر في حالة غليان ناشئة عن موقف الإخوان المسلمين ضد الحكومة المصرية واتهامها بالتقصير في حرب فلسطين، وفى أوج النزاع بين الإخوان والحكومة المصرية واغتيال زعيم حركة الإخوان الإمام حسن البنا بعد أن اغتيل رئيس الوزراء المصري النقراشي باشا عام 1948م "اغتيل الإمام حسن البنا في 12 فبراير 1948" تعرض أعضاء حركة الإخوان المسلمين للسجن والتعذيب بمصر.

وظلت جمعية التوحيد تعمل حتى بعد عودة الإخوان مرة أخرى عام 1951م إلا أن النظام المصري العسكري اكتشفها وقام بحلها عام 1958م.

غير أن الأستاذ عبدالرحمن بارود يذكر:

صادق المزيني والعلماء
في عام 1952 حصل انفصال بين جمعية التوحيد وبين الإخوان، بعد وقت قصير من عودة الإخوان إلى العمل العلني. فبقي الشوا رئيساً للتوحيد وترك الإخوان، وأصبح الشيخ عمر صوان، وهو شيخ أزهري، ورئيس بلدية غزة، رئيساً لمكتب الإخوان، وكان من أبرز الإخوان في القيادة: الشيخ هاشم الخازندار، والحاج زكي السوسي، والحاج زكي الحداد، والحاج صادق المزيني، والحاج عودة الثوابتة.

وعن الأسباب التي أدت لانفصال الإخوان عن جمعية التوحيد ما ذكره الأستاذ عباس السيسي في تحليله لأداء جمعية التوحيد حيث قال: حينما زارنا جمعية التوحيد "شعبة غزة" بعد ثورة 23 يوليو مع بعض إخواننا استقبلنا الأستاذ ظافر الشوا، ولاحظنا أن الطابع الرياضي والاجتماعي يطغى على الطابع الإيماني الإسلامي.

كما تشكل مركز إداري عام لشعب الإخوان في غزة كان يرأسه الشيخ عمر صوان ومكون من شعبه الرمال التي كان يرأسها الحاج صادق المزيني وشعبة الشجاعية وكان يرأسها الحاج كامل مشتهي وشعبة الزيتون وكان يرأسها رجل من عائلة السرحي وشعبة خان يونس حيث كان أبرز شخصياتها أحمد فرح عقيلان والشيخ محمد أبو سردانة والشيخ ناجي السعافين وشعبة رفح وكان من أبز شخصياتها كمال عدوان ومحمد يوسف النجار والشيخ رجب العطار والمهندس خليل زعرب.

كان للحاج صلة طيبة بإخوانه في مصر خاصة المستشار محمد المأمون الهضيبي الذي كان بمثابة صديقه لعمله مستشار في رفح وغزة في الخمسينيات وكثيرا ما وقف بجانبه الشيخ وقت محنة الإخوان عام 1954م.

وليس ذلك فحسب بل كانت مواقف الحاج في خدمة اللاجئين لا تحصى ولا تعد حيث يذكر سعيد خليل المسحال في كتابه ضياع أمه: قام الحاكم المصري عام 1954م بمساعدة اللجنة العليا للإشراف ومساعدة اللاجئين بالتعاون مع جمعية الإخوان المسلمين بتوزيع هذه المساعدات حيث كان اللاجئون في أشد الحاجة للمساعدة والإغاثة فقد باعوا الأثاث والفراش الذي جلبوه معهم من قراهم ومدنهم

وباعوا مصاغ نسائهم لسد حاجاتهم اليومية وقد قامت حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة والتي كان مكتبها الإداري في سوق الزاوية قرب الجامع العمري الكبير بتوزيع المساعدات على المحتاجين من المهاجرين وكان الشيخ هاشم الخزندار والحاج صادق المزيني والشيخ محمد الغزالي لا يعرفون النوم ليلاً ولا الراحة نهاراً ويعملون بلا كلل على إيواء الناس وإطعامهم وتعليم أبنائهم وإعطاء الدروس الدينية والوطنية المتعلقة بنكبة الشعب الفلسطيني.

ويذكر أحد الباحثين أن الحاج صادق تعرف على الرئيس الراحل ياسر عرفات عندما كان شاباً في السابعة عشر من عمره، عندما بعثه الحاج لشراء أسلحة من مصر عام 1948، وكانت علاقته به علاقة الأب بابنه، فكان الحاج يحضنه بشدة لصدره، هو وغيره من قادة منظمة التحرير الفلسطينية من أمثال أبي جهاد، وصلاح خلف

وعندما كان الحاج صادق بالسجن الحربي في مصر طلب عرفات من جمال عبد الناصر أن يخرجه من السجن وتكرر هذا الطلب ثلاث مرات دون استجابة، وكان عرفات (رحمه الله) يقول: "أنا ابن الحاج صادق العاشر"، كانت علاقة الحاج بقادة منظمة التحرير علاقة متينة جداً فيقول عن علاقته بهم: "كلهم ربيتهم زي أولادي".

بين صفوف المجاهدين

الحاج صادق المزيني والنشاط الدعوي

لم يكل ولم يمل الشيخ المجاهد فقد فتح بيته للمجاهدين الفلسطينيين، وبذل ماله في سبيل شراء السلاح اللازم للمقاومة والاستعداد للمعركة الفاصلة ضد العصابات الصهيونية خاصة بعدما أعلنت بريطانيا انسحابها من فلسطين في 15 مايو 1948م بعد قرار الأمم المتحدة الجائر بتقسيم فلسطين عام 1947م.

امتدد عمل النظام الخاص لإخوان مصر إلى بعض الأفراد في غزة وفلسطين حيث قاموا بالعديد من العمليات ضد العدو الصهيوني ومنها زرع الألغام ضد وسائل النقل المدنية والعسكرية الإسرائيلية ونسف المنشآت وتخريب خطوط المياه والكهرباء.

يقول ظافر الشوا:

"خرجنا من غزة مع الحاج صادق المزيني والجماعة وتعرفنا على مكان الأسلحة ودللناهم، ثم انسحبنا حيث كنا مرشدين لهم، وفي قصة شراء الأسلحة كنا نبحث عن المسدس ونساوم على سعرِه في المقاهي، فالعملية كانت صعبة جداً، وكنا نتعاون سراً لأن الإنجليز كانوا يفتحون أعينهم ليجدوا السلاح".

كما كان الحاج صادق أحد نواة التصدي لمشروع التوطين ومشروع التدويل وحركة المقاومة في عام 1956م حتى أنه تواصل مع الملك حسين لإنقاذ أهل غزة. كما توطدت علاقة بالشيخ أحمد ياسين وكان بينهما ثقة وتقدير واعتزاز، كما كان الحاج يطلب منه أسماء بعض الطلبة حسب أخلاقهم ووضعهم المادي حتى يتم مد يد العون، والمساعدة المادية لهم، فكانت أسماء الطلبة تتم تزكيتهم من الشيخ أحمد ياسين وإرسالهم إلى الحاج صادق.

كما كانت علاقته بإخوانه شباب الحركة في غزة وفلسطين قوية، ومن ضمن المواقف التي كانت بداية تعارف بينه وبين الشهيد عبد العزيز الرنتيسي - والتي ذكرها الرنتيسي في كتاب شذا الرياحين من سيرة واستشهاد الشيخ أحمد ياسين - حينما قامت الجمعية الطبية بغزة عام 1981م بإضرابها اعتراضا على ممارسات المحتل الصهيوني

والذي كان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد أعضاء الهيئة الإدارية المشرفة على سير الإضراب بل والعاملين على تفعيله في منطقة خان يونس، فقامت الإدارة المدنية الصهيونية بفرض الإقامة الجبرية عليه في خان يونس ولما لم يستجب ضاعفت عليه قيمة الضريبة المضافة التي كان يحاربها خلال الإضراب فرفض الدفع

فاقتحموا مقر عيادته واستولوا على كل ما بداخلها وساوموه إما الدفع لكسر الإضراب وكسر عزيمة الأطباء أو بيعها في المزاد العلني فرفض الدفع وأصر على موقفه الرافض للخضوع والاستسلام وفعلاً باعوها في المزاد العلني وقام بشرائها الحاج صادق المزيني وعندما علم بقصة بيعها ردها للدكتور عبد العزيز الرنتيسي ورفض أن يأخذ أي جزء من ثمنها الذي دفعه.

وسط ظلمات السجون

تعرض إخوان غزة لما تعرض له إخوان مصر على يدي الحكام الجدد بمصر عام 1954م، خاصة بعدما حلت الجماعة في يناير عام 1954م حيث تنكر لها بعض الإخوان في غزة إلا القليلين – كما يذكر عبدالله أبو عزة – كان منهم أسعد حسنية، والحاج صادق المزيني، والحاج زكي السوسي، والشيخ هاشم الخازندار، رحمهم لله جميعا.

وفي مدينة غزة بالذات، التي كانت فيها ثلاث شعب للإخوان، لم يزد عدد الأفراد الذين بقوا على ولائهم للدعوة من أعضاء اللجان الإدارية عن أصابع اليد الواحدة. وقد تعرض الإخوان في قطاع غزة للملاحقة والضغط ومحاصرة الأنفاس ، كما تعرضت بعض العناصر ذات النشاط الظاهر للاستجواب والحجز والمنع من السفر والاضطهاد في الوظيفة في كثير من الحالات.

لا مراء في أن الإخوان العاملين قد صدموا وحزنوا لما حل بإخوانهم في مصر ، كما أنهم صدموا وحزنوا لحل شعبهم وحظر نشاطهم في [قطاع غزة] ، ولكن كثيرين منهم اعتبروا أن تلك المحنة لم تخل من فوائد ، وانطلق الذين كان لديهم بعض الوعي منهم يرددون القول بأنهم اعتبروا تلك المحنة منحة من لله، وعددوا الفوائد التي مثلت تلك المنحة.

فبعدما حدثت حادثة المنشية في أكتوبر 1954م تعرض الإخوان لأشد أنوع التنكيل في هذه الفترة سواء كان مذنبا أو بريئا، حتى أمتد الأمر لكل من انتسب إلى الإخوان في غزة سواء بالاعتقال أو القتل أو المطاردة فهرب بعض إخوان مصر مثل المجاهد كامل الشريف وسعيد رمضان وعبدالحكيم عابدين وسعد الدين الوليلي كما هرب الشيخ محمد أبو سردانة إلى الأردن – وقت أن كان عضوا بجماعة الإخوان – حيث توقف العمل الدعوى، واهتم الإخوان بغزة بقضايا وطنهم وتربية الشباب حيث اهتم بهذا الجانب الشيخ هاشم الخزندار والحاج صادق المزيني وهاني بسيسو.

غير أن المصيبة الكبرى كانت في أحداث عام 1965م حينما أعلن الرئيس المصري عبد الناصر اعتقال كل من سبق اعتقاله، فتنافست المباحث العامة مع المباحث العسكرية على كشف حقيقة التنظيم المزعوم الذي نسب إلى الشهيد سيد قطب.

الحاج صادق المزيني أمام محكمة فؤاد الدجوي عام 1965

وقد اعتقل في هذه المحنة أعداد كثيرة من إخوان غزة وعلى رأسهم الحاج صادق المزيني والأستاذ عبدالرحمن بارود – الذي تزوج فيما بعد من أخت القيادي المصري بجماعة الإخوان أحمد عبد المجيد بعد أن طُلقت من علي عشماوي الذي خان الناس واعترف بالكذب عليهم وكان سببا في اعدام ومقتل الكثيرين - وقد حُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات مع غرامة مالية كبيرة ومصادرة جميع أمواله، وقد قضى فعلياً ما يزيد عن الخمس سنوات لاقى خلالها صنوف العذاب، ولم يشفع له كبر سنه حيث دخل السجن وكان سنه 60 عاماً.

لم يعتقل الحاج صادق من بيته لكن غدر بهم عن طريق الحاكم العسكري المصري اللواء يوسف العجرودي مع عبدالرحمن بارود الذي استدعاهما لسماع شهادتهما في قضية خطيرة في مصر – يقصد قضية تنظيم الأستاذ سيد قطب 1965م - وأن عدم ذهابهما سيضعه في موقف حرج، ووعدهما بضمان عودهما سالمين فور استماع السلطات المختصة لأقوالهما، وتم ترحيلهما إلى مصر في سيارات عسكرية

ولم يكن الأمر كما قال الحاكم العسكري فقد وجد كل منهما نفسه أمام ضباط الشرطة العسكرية في السجن الحربي متهما بالعمل على قلب نظام الحكم في مصر وليس في قطاع غزة، ولم يكن وعده لهما غير خداع لهما ولذويهما ولإخوانهما حتى لا يحدث اضطراب في غزة، وقد قدم مع الأخ عبد الرحمن بارود إلى محاكمة عسكرية عام 1965 لمساعداتهم المالية لأسر إخوانهم المصريين.

كما اعتقل اثنان من آل كردية لم يكونا عضوين في الإخوان ولكنهما تجار على صلة بالحاج صادق المزيني. واعتقل من قطاع غزة ستة آخرون منهم زهير الزهري وإبراهيم اليازوري ورياض الزعنون كما يقول الأستاذ عبدالرحمن بارود. وقد تعرض الحاج صادق لكثير من صنوف التعذيب على يدي زبانية العسكر بمصر وقد بقيت آثار ذلك فيه حتى توفاه الله.

ويصف المهندس محمد الصروي – أحد قيادات الإخوان بمحافظة الجيزة بمصر وكان من ضمن الشباب المعتقل في محنة عام 1965م – في كتابه الزلزال والصحوة، عن طبيعة المحاكمة التي عرض عليها الحاج صادق المزيني:

قضايا إحياء حزب الإخوان المسلمين هكذا كانوا يسمون القضايا ولم يقولوا جماعة الإخوان المسلمين .. وهي ثلاثة قضايا تحمل أرقام 5 ، 6 ، 7، وكان الدجوى يرأس المحكمة في القضية الخامسة إلى جوار القضية الأولى .. ذلك لأنه كان فيها المرشد حسن الهضيبي ونجليه المستشار محمد المأمون (المرشد العام للإخوان فيما بعد) وابنه المحامي الأستاذ إسماعيل الهضيبي ..
وكان من بين الأسماء المعروفة الأستاذ محمد هلال إبراهيم (المنصورة)، والحاج صادق المزيني (التاجر من غزة) وصاحب أحد اكبر محلات الأقمشة واسمه آنذاك " الصالون الأحمر " وهو يضارع عمر أفندي وهانو وشيكوريل .. وتمت مصادرته ومصادرة أموال صادق المزيني.. رحمه الله وفي يوم من الأيام تم استدعاء صادق المزيني وطرحوه أرضا وأوثقوه بالحبال وكان ضخم الجثة ثم أمسكوا (السونكى)
وهددوه بفتح بطنه بالخنجر وقتله ما لم يوقع على شيك بقيمة المحل كله فاضطر على التوقيع وهكذا تمت مصادرة المحل وفيه بضاعة تعادل خمسة ملايين دولار بأسعار ذلك الزمان، وكان عدد المتهمين في القضايا الثلاثة 159 متهما .. وصدرت الأحكام ضدهم بالسجن مدد تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، وقد حكم على الحاج صادق بالسجن 5 سنوات وبغرامة مالية كبيرة، وكلنا كان يقول له " ربح البيع يا صهيب .. ربح البيع يا صادق المزيني"، كما حكم على الأستاذ عبدالرحمن بارود بسبعة أعوام في نفس القضية.

ويقول الأستاذ جابر رزق في كتابه مذابح الإخوان في سجون ناصر:

ولما علم الفريق الدجوي أن القضية الخامسة سوف تحاكم أمامه ثار لأن هو الذي حاكم الشهيد سيد قطب قائد جهاز الإخوان والشهيد محمد يوسف هواش والشهيد عبد الفتاح عبده إسماعيل فكيف ينزل عن هذه المكانة ليحاكم مجموعة من المتهمين في جنحة من الجنح ؟ !!
ولكن ما إن علم الفريق الدجوي بأسماء المتهمين هدأ لأنه علم أن من بين المتهمين الإمام حسن الهضيبي - المرشد العام للإخوان المسلمين - والحاج صادق المزيني أحد أغنياء فلسطين في قطاع غزة والشيخ الأودن والمستشار مأمون الهضيبي .. وغيرهم ممن لفقت لهم التهم لمجرد أن تكون مبررا لإصدار أحكام عليهم.

ظل الحاج صادق في السجن حتى قضى مدته غير أنه حدثت بعض المواقف والمفارقات التي يذكر منها الحاج عباس السيسي قوله:

جاء علينا عيد الفطر ونحن في السجن حيث كانت فرصة لنتخفف من التعذيب، لأن إدارة السجن تعطي السجانين أجازه في العيد وتأتي بجدد ربما لا يكون لديهم دراية عن التعامل معنا، ولقد فوجئنا بأحد العساكر يدخل علينا وأعطانا علبة خشبية فيها ثلاث تفاحات أمريكاني وحوالي نصف كيلو من اللوز والبندق والزبيب – ثم أغلق الباب وانصرف ونظر بعضنا إلى بعض في شبه ذهول، فأكلنا التفاح وبعض اللوز والبندق وأبقينا الباقي نعطيه لإخواننا في باقي الزنازين.
وانقضت أيام الأجازه وفوجئنا بالعسكري علي الأسود يدخل علينا وقال واد يا سيسي فين الصندوق الخشبي، وقلت لا يوجد عندنا صندوق يا أفندم. في هذا الوقت أسرعنا بالتهام اللوز والجوز والزبيب خوفا من أن يضبطه معنا وفيما نحن نمضغ ونبلع إذا به يفتح الباب ويهاجمنا بالضرب على وجوهنا فتنفجر هذه الأشياء في وجهه!

وعرفنا بعد ذلك أصل هذه الحكاية أنه في الزنزانة القريبة منا توجد شخصية:

الحاج صادق المزيني وهو من كبار الإخوان في مدينة غزة في فلسطين ومقبوض عليه بتهمة تمويل جماعة الإخوان – جاء أبناؤه وهم من كبار التجار في البلاد العربية لزيارته في العيد ومعهم هدايا ثمينة للصول صفوت الروبي الذي سمح بدخول التفاح واللوز والجوز والزبيب وغير ذلك للصول صفوت – مثل الغسالة والتلفزيون والبوتاجاز تلك التي تحول إلى منزله والحاج صادق شخصية من كبار رجال غزة ومن العاملين المجاهدين لنصرة الدعوة الإسلامية وقد لاقي من التعذيب ما تقشعر من هوله الأبدان وكان يشاركنا في الذهاب إلى الغيار والعلاج الطبي.

لم يكن السجن أشد ألما على الحاج صادق المزيني أو عبدالرحمن بارود أو هاني بسيسو لكن كان ألمهم الشديد حينما سمعوا أصوات الطائرات الإسرائيلية تزأر في سماء القاهرة عام 1967م فعلموا أن غزة الحبيبة قد راحت وابتلعها الصهاينة ومرت السنوات الخمس عليه كأنها دهر حمل في طياته كل معاني الحزن والألم.

نشاط وعمل حتى الممات

ظل الحاج صادق حبيس أحزانه حتى عام 1971م حينما طلب ياسر عرفات من السادات – بعدما مات عبد الناصر وبعدما انقضت مدة حكم الحاج - الإفراج عن الحاج صادق وبالفعل خرج الحاج من السجن، وتم ترحيله إلى الكويت، وبعد عودته إلى غزة نشط وسط الناس بالعمل الخيري والدعوة الطيبة ومساعدة الجميع، حيث قام ببناء معهد الأمل للأيتام عام 1985م، كما ساهم في بناء مستشفى الوفاء للمسنين

هذا غير المساجد التي بناها بحر ماله كمسجد الإصلاح والكنز والذي تبرع عبد المجيد الشوا بقطعة أرض مساحتها دونماً في منطقة الرمال، وأقامت حركة الإخوان المسلمين إلى جواره شُعبة الرمال، التي خرّجت عدداً كبيراً من مثقفي الشعب الفلسطيني وقيادييه، وتمت توعيتهم بأسباب نكبة فلسطين، وتعرفوا على فكر وشخصيات قيادية من الإخوان المسلمين المصريين، من أمثال الأستاذ محمد المأمون الهضيبي، والشيخ محمد الغزالي.

ولقد اتصف الحاج صادق المزيني بروح الشباب رغم كبر سنة، حيث أسهم في بناء العديد من المراكز والجمعيات والمؤسسات كما جلب التبرعات من داخل وخارج فلسطين وأنفقها علي الفقراء إضافة إلي إنفاقه عليهم وعلي المشروعات الخيرية من أمواله الخاصة.

وتذكر فلسطين أحمد حمد:

كما لعب دورا مهما في حل مشكلة التعليم لطلاب غزة الذين أغلقت في وجوهم فرص التعليم بسبب عدم وجود العديد من التخصصات في جامعات غزة والضفة الغربية في مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي حيت وفر العديد من المقاعد والمنح لطلاب غزة في مختلف التخصصات.

وكان يختار لهذه المنح الطلبة المتفوقين والمحتاجين وقد تخرج معظم هؤلاء الطلاب ويحمل العديد منهم درجة الدكتورة ويقومون بالتدريس في الجامعات الفلسطينية كما تميز الحاج صادق المزيني بمواقفه الوطنية

رحيله

ظل الشيخ يعيش بحيوية الشباب حتى جاء اليوم الذي مرض فيه، وسكن الجسد بعد أن رأى بوادر انتفاضة شعبه ضد الغطرسة الصهيونية، حيث تنامت له وهو في المستشفى الأهلي بغزة هتافات الشعب التي زلزلت أركان المحتل في انتفاضة 8 ديسمبر 1987م، وظل كل يوم يعيش معه بروحه حتى صعدت روحه إلى بارئها مع صبيحة يوم الجمعة 1 يناير 1988م، وخرجت الجموع التي ملئت شوارع غزة مشيعة جسده إلى مثواه الأخير بجوار أمه الذي ظل بار بيها منذ صغره وطوال حياتها.

ألبوم صور

ألبوم صور.. صادق المزيني


صادق-المزيني.1.jpg
صادق-المزيني.2.jpg
صادق-المزيني.3.jpg
صادق-المزيني.4.jpg
صادق-المزيني.5.jpg
صادق-المزيني.6.jpg
صادق-المزيني.7.jpg
صادق-المزيني.8.jpg
صادق-المزيني.9.jpg
صادق-المزيني.10.jpg
صادق-المزيني.11.jpg
صادق-المزيني.12.jpg
صادق-المزيني.13.jpg
صادق-المزيني.14.jpg
صادق-المزيني.15.jpg